← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

الثامن: زاد الشيخ أحمد إبراهيم في طرق الإثبات الشرعية: أن يكون الشاهد متذكرا لها على وجهها تماما، فإن فاته شيء مما رأى أو اختلط عليه الأمر فلا يجب عليه أداء الشهادة، فإن أجبر على الأداء فعليه أن يقول ما يعرفه يقينا فقط ويمتنع عن غيره أو يسوقه مساق التردد إذا كان الأمر قد اشتبه عليه ولا سيما لطول الزمن (١). هذه جملة ما اشترط بعض الفقهاء لوجوب أداء الشهادة على الشاهد، ولكن إذا اجتمعت جميع هذه الشروط في الشاهد وأخرت الشهادة لغير عذر ظاهر ثم شهد فما الحكم؟ قيل: لا تقبل لتمكن الشبهة، وقيل: الأوجه القبول، ويحمل على العذر من نسيان ثم تذكر. ورجح القول بعدم قبولها لفساد الزمان (٢).

стр. 3992

حكم الشهادة فيما كان من حقوق الله: مما سبق عرفنا حكم الشهادة فيما يتعلق بحقوق الآدميين، وهي ما لهم إسقاطها، أما ما يتعلق بحقوق الله ، وهي ما ليس للمكلف إسقاطها فإنها تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: ما لا يستدام فيه التحريم كالزنا، وشرب الخمر (١).

стр. 3993

فمن كانت عنده شهادة في حد الله تعالى فالمحتسب مخير بين أمرين: الأمر الأول: الستر على الجاني أو الجناة، وهو شيء فضيل، ومحبوب عند الله وعند المؤمنين من عباده. وقد حث الرسول ﷺ عليه في عدة مواضع منها: ١ - ما روى مسلم بسنده عن سالم عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله بها كربة من كرب يوم القيامة. ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة (١)». وفي رواية لأبي هريرة: «لا يستر عبد عبدا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة (٢)». يدل هذا الحديث الشريف على فضل إعانة المسلم وتفريج الكرب عنه وستر زلاته، وقيل إن الستر المندوب إليه هنا يراد به الستر على ذوي الهيئات ونحوهم ممن ليس معروفا بالأذى والفساد، فأما المعروف بذلك فيستحب عدم الستر عليه، بل ترفع قضيته إلى ولي الأمر إن لم يخف من ذلك مفسدة، لأن الستر على هذا يطمعه في الإيذاء والفساد وانتهاك الحرمات وجسارة غيره على مثل فعله، هذا في ستر معصية وقعت وانقضت. أما أن يراه على معصية وهو متلبس بها فإنه تجب عليه المبادرة بإنكارها ومنعه منها، متى كان قادرا على ذلك، ولا يحل تأخيرها، فإن عجز رفعها إلى ولي الأمر، إذا لم تترتب على ذلك مفسدة. وأما جرح الرواة والشهود والأمناء على الصدقات والأوقاف والأيتام ونحوهم فيجب جرحهم عند الحاجة، ولا يحل الستر عليهم إذا رأى منهم ما يقدح في أهليتهم، وليس هذا من الغيبة المحرمة، بل من النصيحة الواجبة، وهذا مجمع عليه.

стр. 3994

قال العلماء في القسم الأول الذي يستر فيه: " هذا الستر مندوب فلو رفعه إلى السلطان ونحوه لم يأثم بإجماع ولكن هذا خلاف الأولى، وقد يكون في بعض صوره ما هو مكروه ". قال في مواهب الجليل: " وأما في أصحاب الحديث وحملة العلم المقلدين فيجب على من عرف أحوالهم السيئة ممن يقلد في ذلك ويلتفت إلى قوله أن يكشف أحوالهم لئلا يغتر بهم الناس ويقلد في دين الله من لا يجب تقليده، وعلى هذا اجتمع رأي الأئمة قديما وحديثا ". وليس الستر هاهنا بمرغب فيه ولا مباح، وليس في الحديث ما يدل على الإثم في كشفه ورفعه إلى السلطان، وإنما فيه الترغيب على ستره، ولا خلاف أن رفعه للسلطان وكشفه لمعصية الله مباح له في هذه الحالة غير مكروه ولا ممنوع متى كانت نيته من أجل حصول عصيان المكشوف لله دون قصد كشف ستره للانتقام منه، لكنه لو قصد التشفي والانتقام فإنه يحرم منه ذلك لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١). ٢ - وقوله ﷺ : «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة. ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه (٢)». يدل هذا الحديث على فضل الستر على المسلمين وقد سبق إيضاح ذلك عند الكلام على الحديث السابق.

стр. 3995

٣ - وما روى عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: «من رأى عورة فسترها كان كمن أحيا موءودة (١)». يدل هذا الحديث أن ستر العورات أمر جليل، وأن من رأى عورة وسترها فإن ثوابه من الله جزيل. وفي هذا حث كبير على ستر العورات. ٤ - وما أخرج أبو داود بسنده عن يزيد بن نعيم بن هزال الأسلمي عن أبيه «أن ماعزا أتى النبي ﷺ فأقر عنده أربع مرات، فأمر برجمه، وقال لهزال: لو سترته بثوبك كان خيرا لك (٢)». يدل هذا الحديث على اتجاه الشارع إلى دفع العقوبات قدر الاستطاعة وحبه للستر على المسلمين، لأنه ﷺ وهو لا ينطق عن الهوى - حاول إرجاع ماعز عن إقراره، ولقنه ألفاظا تدل على صرف عبارة ماعز عن الجريمة التي يستحق العقاب عليها، فلو ذكر ماعز عبارة القبلة والغمز لسقط عنه الحد لعدم ثبوته بذلك، ولأن هزالا هو الذي أشار على ماعز أن يأتي النبي ﷺ ويقر عنده ولم يكن شاهدا، لأن ماعزا إنما حد بإقراره، ومباشرة الرسول ﷺ لهذا التلقين بنفسه يدل على العطف

стр. 3996

والرحمة بالجاني ليترك أمره لله ليستغفر الله ويتوب إليه فيغفر له ويتوب عليه إن شاء، إنه هو التواب الرحيم (١). هذا وقد تكلم الإمام كمال الدين بن الهمام في كتابه: شرح فتح القدير على الهداية عن هذا الحديث وغيره مما ورد في فضل الستر على المسلم وأفاض في ذلك ومما قال: " وتلقين ما يحصل به الدرء من رسول الله ﷺ دلالة ظاهرة على قصده إلى الستر، والستر يحصل بالكتمان، فكان كتمان الشهادة بالحدود مخصوصا من عموم تحريم الكتمان " (٢). وصفوة القول في هذا أن الستر أفضل من الشهادة على الحدود للحديث السابق: «من ستر على مسلم ستر الله عليه في الدنيا والآخرة (٣)» لكن إذا كان المشهود عليه متهتكا لا يبالي، فإن الشهادة عليه أفضل (٤). ٥ - ما روي عن مالك عن زيد بن أسلم «أن رجلا اعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول الله ﷺ ، فدعا له رسول الله ﷺ بسوط فأتي بسوط مكسور، فقال: " فوق هذا " فأتي بسوط جيد، لم تقطع ثمرته، فقال: " دون هذا " فأتى بسوط قد ركب به ولان، فأمر به رسول الله ﷺ فجلد، ثم قال: يا أيها الناس، قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله، فإنه من يبدي لنا صفحته نقم عليه كتاب الله (٥)».

стр. 3997

يدل هذا الحديث على كراهية إظهار الإنسان للناس ما ستره أفضل مما يحصل منه من مستقبح من قول أو فعل كالزنا وشرب الخمر والقذف، وأن الستر واجب على المسلم في خاصة نفسه إذا اقترف فاحشة، وكما يجب عليه ذلك في حق نفسه فإنه يجب عليه في حق غيره (١). وقد أورد ابن القيم في كتابه: إعلام الموقعين عند كلامه عن اكتفاء الشارع بشاهدين في القتل دون الزنا، فقال: " وأما اكتفاؤه في القتل بشاهدين دون الزنا ففي غاية الحكمة والمصلحة، فإن الشارع احتاط للقصاص والدماء واحتاط لحد الزنى، فلو لم يقبل في القتل إلا أربعة لضاعت الدماء وتواثب العادون وتجرئوا على القتل، وأما الزنا فإنه بالغ في ستره كما قدر الله ستره، فاجتمع على ستره شرع الله وقدره، فلم يقبل فيه إلا أربعة يصفون الفعل وصف مشاهدة ينتفي معها الاحتمال، وكذلك في الإقرار، لم يكتف بأقل من أربع مرات حرصا على ستر ما قدر الله ستره، وكره إظهاره، والتكلم به، وتوعد من يحب إشاعته في المؤمنين بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة " (٢). الأمر الثاني: أداء الشهادة حسبة لإقامة حد الله تعالى لما في ذلك من إزالة للفساد وتقليل له وهذا حسن، لما فيه من صيانة للمجتمع عن الرذائل التي قد تهبط به إلى درجة الانحطاط. والستر إنما يكون في غير المشتهرين، وأما المتكشفون المشتهرون الذين ستروا غير مرة ولم يجد ذلك فيهم فإن كشف أمرهم وقمع شرهم واجب، لأن كثرة الستر عليهم من المهاودة على معاصي الله ومصانعة أهلها، ولأنه لا إثم في كشف الستر ورفعه إلى الحاكم طالما أنه قصد بذلك إقامة حد الله لا للتشفي والانتقام، وهذا لا يعارض قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣) سورة النور آية ١٩، لأن ظاهرها أنهم يحبون ذلك لأجل إيمانهم وذلك صفة الستر آية النهي عن كتمان الشهادة، لأنها في حقوق العباد

стр. 3998

بدليل قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (١) سورة البقرة آية ٢٨٢، إذ الحدود لا مدعي فيها. ورد قول من قال: إنها في الديون بأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب (٢). هذا وبالرغم أن ما سبق فيه الكفاية إلا أنني أزيد عليه بما يتراءى لي مناسبته فأقول: إن الذين يرتكبون الفواحش تجد هوى في نفوسهم، ومتى علموا بأنه سيتم الستر عليهم ولن يحصل لهم عقاب من جراء هذا الستر فإن منهم من يحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ويسعى في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين، وما هذا من هؤلاء إلا رغبة في كثرة أمثالهم وعموم البلوى بهم ما يضمن لهم الاستمرار في غيهم، وقد قال الله تعالى في أمة محمد ﷺ : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٤). وقال رسول الله ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (٥)». والستر على المعاصي ليس أمرا بالمعروف ولا نهيا عن المنكر بل يجعله يستمر في عمله ويعزم على ألا يتوب لا قدر الله. وإذا كان الأمر بالشيء نهيا عن ضده فإننا قد أمرنا بالأمر بالمعروف ولذا فإننا منهيون عن السكوت عن الأمر، وإذا كان الأمر بالمعروف درجات بالنسبة لغير القادر فإنه يجب على القادر الراغب في الستر على العاصي أن ينصحه فيما بينهما بادئ

стр. 3999

الأمر ويشعره بأنه ما لم يتب فإنه سوف يفضح أمره ليكون بذلك نذير خير وساتر شر، لا أن يستره فحسب، ليعرف العصاة أن العيون ترقبهم، وأن العقاب يترقبهم، وأن القلوب تؤنبهم، وأن المجتمع لن يتركهم، فمتى عادوا فسيحاسبهم، لأن المجرم في المجتمع بمثابة العضو المريض في الجسم فما لم يبادر لعلاجه بالنصح المقرون بالإنذار والذي هو بمثابة علاج الإسعاف الأولي فإنه قد يستشري المرض ومن ثم يخشى منه الانتقال لبقية أعضاء وأجزاء الجسم مما يتطلب بتر هذا العضو عند عدم جدوى علاجه قبل فوات الأوان وما خسر من أعان، ولا ربح من استهان واستكان. القسم الثاني: ما يستدام فيه التحريم من حقوق الله تعالى من عتق، وطلاق، وخلع، وإيلاء، وظهار، ومصاهرة، ووقف ورضاع، وهذه يتعين على الشاهد المبادرة لأداء الشهادة عليها دون طلب من أحد وذلك لحماية حقوق الله تعالى ولمنع انتهاك حرماته، لأن حق الله تعالى يجب القيام بإثباته على كل مسلم، والشاهد من جملة من يجب عليهم ذلك فكان قائما بالخصومة من جهة الوجوب، وشاهدا من جهة تحمل ذلك فلم يحتج إلى خصم آخر. ويرى بعض الفقهاء أن القائم بالخصومة هو القاضي. ويشترط أن يكون المشهود عليه حاضرا في الإيلاء والظهار والمصاهرة. د. عبد الله بن محمد الزبن

стр. 4000

الخمر في الشريعة الإسلامية بقلم الشيخ مساعد المعتق - من مواليد مدينة الزلفى عام ١٣٦٩ هـ، تخرج من كلية الشريعة بالرياض، ثم نال درجة الماجستير من المعهد العالي للقضاء، وهو في المراحل الأخيرة من تحقيق كتاب المغني للخبازي بشرح منصور بن أحمد القاءاني، حيث تقدم بذلك للحصول على درجة الدكتوراه من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. - له مشاركات في الصحافة والإذاعة في مجال التوجيه الاجتماعي والديني.

стр. 4001

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من هو بالمؤمنين رءوف رحيم، والمبعوث برسالة الرحمة لسائر الخلق أجمعين، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١) وبعد: فإن الرحمة سمة بارزة من سمات التشريع الإسلامي الخالد، فما من حكم تشريعي، من تحليل أو تحريم، ترغيب أو ترهيب، ثواب أو عقاب إلا وفيه مصلحتنا دينيا ودنيويا، في معاشنا ومعادنا، وفيه يسر لا عسر ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٢) وفيه رفع للحرج ودفع للمشقة ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٣). وما ذاك كله إلا لأن التشريع الإسلامي سماوي لا وضعي، إلهي لا بشري فليس فيه سمات التشريعات الوضعية، من تفاوت واختلاف وتناقض، فها هي تشريعات البشر وقوانينه مختلفة ومتفاوتة تبعا للعقول المقننة لها والتي تخضع في تقنينها لمقتضيات البيئة أحيانا والتأثر بالظروف أحيانا أخرى وتتناقض في كثير من الأحيان، فما هو مباح اليوم كان محظورا بالأمس، وما هو محظور اليوم قد يكون مباحا غدا أو بعد غد. أما التشريع الإسلامي السماوي ففيه سمة الثبات فلا يعتوره ما يعتور قوانين البشر، لأن أحكامه قد روعي فيها مصالح الخلق منذ خلق الله الخلق ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٤). فما من تشريع يشرع إلا وتجد الأمم تقول به الغد، وإن لم يكن فبعد الغد ولو إلى أمد، وتحريم الخمر خير شاهد على ما نقول. نعم، إن تشريع الله في الخمر قد تراءت لسائر الخلق (حكمة تحريمه) لقد لمسوه لمس اليد فنادت الأمم بحظره ومنعه، ثم أباحته ليس لاقتناع عقلي بل في غيبة عقلية

стр. 4002

وهي وإن أباحته إلا أنها في صحوها ورشدها تقول بأضراره وخبائثه، إنه واقع يصرخ في وجوههم أن حكمة الله بالغة ونور الله ساطع، والله متم نوره. ولكم يلمس البشر معالم الرحمة ومصالح العباد في التشريعات الإلهية وأخص بالذكر موضوع الخمر. ومن أحسن ما سمعته أن في تحريم الخمر والعقاب عليه رحمتين، فحكم التحريم فيه رحمة، فإن ابتعد الشارب عن شربها فقد رحم عقله بل نفسه، لأن العقل ميزان الاتزان عند الإنسان، فإذا فقد وغشى عليه بغشاوة فقد أوقع الشارب نفسه في مواقع الهاوية، (فالرحمة في التحريم واضحة، والمصلحة في التحريم ظاهرة جلية). أما الرحمة الثانية فيه ظاهرة للعيان إنها رحمة في العقاب حين يكون العقاب رادعا فيمنع استهتار الشارب وضرره على المجتمع بأسره، فإن الأضرار الواقعة والمتوقعة إذا ما نال صاحبها الجزاء انزجر وعند ذلك يكف أذاه ويؤخذ على يديه قبل أن يهلك ويهلك. بعد كل هذا نستطيع أن نقول إن المصالح المتوخاة من تحريم الشرب عظيمة، والمصالح المتوخاة من العقاب الزاجر عميمة، والرحمة في هذا وذاك حاصلة. أسأله تعالى أن يهدينا لأقوم سبيل وأن يلهمنا السداد والصواب في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. بعد كل ما ذكر لا يفوتني أن أنوه إلى أنني قد فكرت أن أقدم بحثا في مواضيع أخرى، ولكنني عدلت عن كل ذلك لأتطرق بهذا البحث إلى موضوع خطير جدا نظرا لابتلاء الناس به في زمننا الحاضر، وخير الموضوعات ما عالج داء وقدم له دواء وخيرها ما ربط بالواقع، وأعتقد أن هذا الموضوع من هذا القبيل والذي يحتاج إلى عناية ورعاية ليستخرج لنا من أقوال الأقدمين مادة علمية تعالج مشكلة استفحل أمرها في عصرنا الحاضر، نعم إنها قضية تهم الشباب المعاصر الذي تفتحت أعينه على عالم متهور في طعامه وشرابه فتناول ما حل له وما حرم عليه دون تمييز بين النافع والضار. إنني سمعت الكثير، وكنت سأدون الكثير كذلك حول هذه القضية ولكن

стр. 4003

ذلك يحتاج إلى مزيد من الوقت وهو ما لم يتح لي نظرا لانشغالي بالقضاء ومشكلاته التي لا تكاد تنتهي. ومهما يكن من أمر فإنني بذلت جهدي، فإن أصبت الحق فمن الله تعالى فله الشكر والحمد أولا وأخيرا وهذا مبتغاي، وإن أخطأت فإنني أستغفر الله ولي في واسع رحمته الرجاء.

стр. 4004

تعريف الخمر الخمر لغة: الخاء والميم والراء أصل واحد يدل على التغطية والمخالطة في ستر، فالخمر مأخوذ من خمر إذا ستر، ومنه خمار المرأة وكل شيء غطى شيئا فقد خمره، ومنه الحديث أنه ﵊ أتي بإناء من لبن فقال «هلا خمرته ولو بعود تعرضه عليه (١)» والخمر بالتحريك كل ما سترك من شجر أو بناء أو غيره يقال توارى العبد عني في خمر الوادي وخمره. ومنه قولهم دخل فلان في خمار الناس: أي فيما يواريه ويستره منهم. وقال العجاج يصف جيشا: في لامع العقان لا يمشي الخمر ... بوجه الأرض ويشتاق الشجر ويقال خمر فلان شهادته، وأخمرها: أي كتمها، فالخامر هو الذي يكتم شهادته. سبقت الإشارة إلى أن لفظ الخمر منقول من مصدر خمر الشيء. . . وقد اختلف أهل اللغة في وجه هذا النقل: فنقل عن ابن الأعرابي أنه قال سميت الخمر خمرا، لأنها تركت حتى اختمرت واختمارها تغير ريحها كما يقال خمرت العجين فتخمر بأن تتركه فلا تستعمله حتى يجود. وخمر الرأي: أي تركه حتى يتبين فيه الوجه. وعلى هذا تكون مصدرا أريد به اسم المفعول. وقال أبو بكر الأنباري سميت الخمر خمرا لأنها تخامر العقل. من المخامرة وهي

стр. 4005

المخالطة، ومنه قولهم خامره داء إذا خالط جوفه، وأنشد كثير عزة: هنيئا مريئا غير داء مخامر : أي مخالط وقيل لأنها خامرت العقل، أي لابسته فكتمته: (أي غطته) وكل مكموم مخمور. قال الراغب في مفردات القرآن سمي الخمر لكونه خامرا للعقل أي ساترا ومنه الحديث «خمروا آنيتكم (١)» ومنه خمار المرأة لأنه يغطي رأسها. وهذا القول أخص من الذي قبله لأنه لا يلزم من المخالطة التغطية. وتكون على هذا القول والذي قبله مصدرا أريد به اسم الفاعل. وقيل لأنها خمرت بالظروف وغطيت حتى وصلت لدرجة الغليان. ومنه حديث المختار بن فلفل: قلت لأنس: الخمر من العنب أو من غيرها؟ قال ما خمرت من ذلك فهو الخمر وتكون على هذا مصدرا أريد به اسم المفعول. ولا مانع من صحة هذه الأقوال كلها لثبوتها عن أهل اللغة وأهل المعرفة باللسان ولاشتمال الخمر على الصفات المذكورة، ولذا قال ابن عبد البر: لأوجه كلها موجودة في الخمر لأنها تركت حتى أدركت وسكنت، فإذا شربت خالطت العقل حتى تغلب عليه وتغطيه. وللخمر أسماء كثيرة ذكر منها ابن سيده في المخصص ما يزيد على عشرين اسما وأشهرها الصهباء والشمول والخندريس والراح والرحيق وغير ذلك. . . أجمع أهل اللغة على أن الخمر يطلق على النيء من ماء العنب المشتد إطلاقا حقيقيا، واختلفوا في إطلاقه على غيره بالنسبة لكون الإطلاق من قبيل الحقيقة أو المجاز؟. فذهب الكثير منهم إلى أن كل شيء يستر العقل ويغطيه من الأشربة المسكرة يسمى خمرا حقيقة، سواء أكان متخذا من ثمرات النخيل والأعناب أو من غيرها، وسواء كان نيئا أو مطبوخا لأنها سميت بذلك لمخامرتها للعقل وسترها له، وممن قال بذلك من أئمة اللغة الجوهري وأبو نصر القشيري والدينوري وصاحب القاموس، - قال في القاموس تحت مادة الخمر: الخمر ما أسكر من عصير العنب وعاتم كالخمرة وقد يذكر والعموم أصح لأنها حرمت وما بالمدينة خمر عنب، وما كان شرابهم إلا البر والتمر.

стр. 4006

وقال أبو البقاء في كلياته " كل شراب مغط للعقل سواء كان عصيرا أو نقيعا مطبوخا كان أو نيئا فهو خمر ". ومما يدل على العموم لغة الاشتقاق، فإن أرباب الاشتقاق من أهل اللغة قالوا: إن مادة الخمر في الأصل موضوعة للتغطية والمخالطة في ستر. سمي الخمار خمارا لأنه يغطي رأس المرأة - والخمر بالتحريك كل ما سترك من شجر أو بناء أو غيره. ويقال: توارى الصيد عني في خمر الوادي وخمره، ومنه قولهم: دخل فلان في خمار الناس أي: فيما يواريه ويستره منهم. والخامر هو الذي يكتم شهادته، فهذه الاشتقاقات دالة على أن الخمر ما يكون ساترا للعقل كما سميت مسكرا لأنها تسكر العقل أي تحجزه فهذه الاشتقاقات وحدها من أقوى الأدلة على العموم. ولا يقال هذا في إثبات اللغة بالقياس. وهو غير جائز؛ لأننا نقول: ليس هذا إثباتا للغة بالقياس بل هو تعيين المسمى بواسطة هذه الاشتقاقات كما أن الحنفية يقولون: إن مسمى النكاح هو الوطء وأثبتوه بالاشتقاق ومسمى الصوم هو الإمساك وأثبتوه بالاشتقاق. ذهب فريق آخر من أهل اللغة إلى أن إطلاق اسم الخمر على النيء من ماء العنب إذا اشتد وصار مسكرا إطلاق حقيقي، وإطلاقه على غيره من سائر الأنبذة من قبيل المجاز. قال في لسان العرب: الخمر ما أسكر من عصير العنب لأنها خامرت العقل، والتخمير التغطية، يقال خمر وجهه وخمر إناءك والمخامرة المخالطة، وقال أبو حنيفة الدينوري: قد يكون الخمر من الحبوب فجعل الخمر من الحبوب، قال ابن سيدة وأظنه تسمحا لأن حقيقة الخمر إنما هي للعنب دون سائر الأشياء، وفي المعرب: الخمر: النيء من ماء العنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد. كما احتجوا بقول أبي الأسود الدؤلي وهو حجة في اللغة: دع الخمر تشربها الغواة فإنني ... رأيت أخاها مغنيا بمكانها فإن لا تكنه أو يكنها فإنه ... أخوها غذته أمه بلبانها

стр. 4007

فجعل غيرها من الأشربة أخا لها بقوله: رأيت أخاها مغنيا لمكانها، ومعلوم أنه لو كان يسمى خمرا لما سماه أخا لها ثم آكده بقوله فإن لا تكنه أو يكنها فإنه أخوها فأخبر أنها ليست هو. وباستعراض ما سلف ذكره من نقول عن أهل اللغة يظهر لنا منها أن الأرجح في مسمى الخمر العموم لغة كما صرح بذلك صاحب القاموس بقوله والعموم أصح. وفي تاج العروس عند قول صاحب القاموس (والعموم أصح) على ما هو عند الجمهور لأنها أي الخمر حرمت وما بالمدينة المشرفة التي نزل التحريم فيها خمر العنب، بل وما كان شرابهم إلا من البر والتمر والبلح والرطب كما في الأحاديث الصحاح التي أخرجها البخاري وغيره كحديث ابن عمر: حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء - وحديث أنس: وما شرابهم يومئذ إلا البر والتمر - أي ونزل تحريم الخمر التي كانت موجودة من هذه الأشياء لا من خمر العنب خاصة، وقد غلط ابن سيدة في اقتصاره على قول صاحب العين - الخمر عصير العنب إذا أسكر. ولعل سبب ذلك أن خمرة العنب كانت كثيرة في زمن تدوين اللغة فظن بعضهم أن الإطلاق ينصرف إليها، لكثرتها وجودتها.

стр. 4008

الخمر عند الفقهاء اختلف الفقهاء في تحديدهم للخمر لاختلاف أهل اللغة في حقيقتها: فذهب الجمهور منهم إلى ما ذهب إليه الأكثر من أهل اللغة من القول بالعموم وهو أن الخمر كل شيء يستر العقل ويغطيه من الأشربة المسكرة، وذهب الحنفية إلى ما ذهب إليه الأقل من أهل اللغة من القول بالخصوص، وهو أن الخمر هو النيء من ماء العنب إذا اشتد وصار مسكرا. واستدل كل فريق على ما ادعاه بأدلة أخرى غير ما تقدم تؤيد ما ذهب إليه. الأدلة: استدل الجمهور بالسنة: (١) ما رواه الجماعة إلا البخاري عن يزيد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال

стр. 4009

رسول الله ﷺ «الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة (١)». وجه الدلالة: أنه ﵊ أخبر أن الشراب المسكر المتخذ من ثمرات النخيل والأعناب يسمى خمرا وليست الخمر خاصة النيء من عصير العنب. (٢) ما أخرجه أحمد في مسنده عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «من الحنطة خمر، ومن الشعير خمر، ومن التمر خمر، ومن الزبيب خمر، ومن العسل خمر (٢)». (٣) ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ «إن من الحنطة خمرا، ومن الشعير خمرا، ومن الزبيب خمرا، ومن العسل خمرا (٣)». وجه الدلالة: واضح من الحديثين حيث إن الرسول ﷺ قد أطلق على المتخذ من الأطعمة ومن التمر والشعير والزبيب والعسل اسم الخمر، والرسول أفصح العرب، وهو المبلغ عن ربه فصح أن الشراب المتخذ مما ذكر خمر وليست خاصة بما يتخذ من ثمرات النخيل والأعناب. (٤) ما روي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ «كل مسكر خمر وكل خمر حرام (٤)». وجه الدلالة: أن النبي ﵊ بين أن كل شراب مسكر يسمى خمرا. ولو سماه أحد من أهل اللغة خمرا لكان مستدلا بقوله على إثبات هذا الاسم، فإذا سماه صاحب الشرع ﵊ وهو أفصح العرب خمرا فهو أولى. واستدلوا من الأثر: بما رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عمر ﵁ قال: خطب عمر على منبر رسول الله ﷺ فقال: (أيها الناس إنه قد نزل تحريم الخمر وهي خمسة أشياء: من العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل، والخمر ما خامر العقل). وجه الدلالة: أن عمر ﵁ من أهل اللغة، وقد فهم أن لفظ الخمر يطلق للمتخذ من العنب كما يطلق اسما على المتخذ من غيره مما ذكره في خطبته

стр. 4010

المذكورة وقد أعلن فهمه هذا بحضرة كبار الصحابة وغيرهم ولم يعترض عليه منهم أحد، فأراد ﵁ التنبيه على أن المراد بالخمر في هذه الآية ليس خاصا بالمتخذ من العنب، بل يتناول المتخذ من غيره وهو حجة في اللغة، ثم بين أن الخمر ليس مقصورا على الأصناف التي ذكرها، بل يشمل كل شراب مسكر من أي مادة اتخذ ولذلك قال: والخمر ما خامر العقل. كما استدلوا بما رواه أحمد والبخاري ومسلم في صحيحيهما عن أنس قال: " كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح وأبي بن كعب وسهيل بن بيضاء ونفرا من أصحابه عند أبي طلحة حتى كاد الشراب يأخذ منهم، فأتى آت من المسلمين فقال: أما شعرتم أن الخمر قد حرمت؟ فقالوا: حتى ننظر ونسأل فقالوا يا أنس اسكب ما بقي في إنائك، فوالله ما عادوا فيها وما هي إلا التمر والبر وهي خمرهم يومئذ ". وما رواه البخاري عنه أيضا قال: إني لأسقي أبا طلحة وأبا دجانة وسهيل بن بيضاء خليط بر وتمر إذ حرمت الخمر فقذفتها وأنا ساقيهم وأصغرهم وإنا نعدها يومئذ خمرا. وجه الدلالة: أن الصحابة ﵃ بينوا أن غالب خمرهم حين تحريم الخمر كان من غير عصير العنب المسكر وبمجرد نزول آية تحريم الخمر فهموا من الأمر باجتناب الخمر تحريم كل مسكر، وامتنعوا عن شرب الأشربة الموجودة عندهم وألقوها، ولم يفرقوا بين ما يتخذ من العنب وبين ما يتخذ من غيره، بل سووا بينها فدل تصرفهم هذا على أن الخمر اسم جنس عام لكل شراب مسكر، وإلا لتوقفوا واستفصلوا عن الحكم لما كان قد تقرر عندهم من النهي عن إضاعة المال، فلما لم يفعلوا ذلك بل بادروا إلى إتلاف الجميع وتبادر إلى أذهانهم فهم العموم بدون قرينة كان ذلك دليلا واضحا على العموم، لأن المتبادر أمارة الحقيقة، قال صاحب الفتح عند قوله: وإنا نعدها يومئذ الخمر، وهو أقوى الحجج على أن الخمر اسم جنس لكل ما يسكر سواء كان من العنب أو من نقيع الزبيب أو التمر أو العسل أو غيرها. قال القرطبي: بعد أن ذكر حديث أنس المتقدم، هذا الحديث في نزول الآية فيه دليل واضح على أن نبيذ التمر إذا أسكر خمر، وهو نص لا يجوز الاعتراض عليه؛ لأن

стр. 4011

الصحابة هم أهل اللسان وقد عقلوا أن شرابهم ذلك خمر إذ لم يكن لهم شراب ذلك الوقت بالمدينة غيره. وقد قال الحكمي: لنا خمر وليست خمر كرم ... ولكن من نتاج الباسقات كرام في السماء ذهبن طولا ... وفات ثمارها أيدي الجناة ومن الدليل الواضح على ذلك ما رواه النسائي، أخبرنا القاسم ابن زكريا، أخبرنا عبيد الله عن شيبان، عن الأعمى، عن محارب بن دثار، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: «الزبيب والتمر هو الخمر (١)». وثبت بالنقل الصحيح أن عمر بن الخطاب ﵁ وحسبك به عالما باللسان والشرع - خطب على منبر النبي ﷺ فقال: " أيها الناس ألا إنه قد نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي خمسة: العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل ". وإذا ثبت هذا بطل مذهب أبي حنيفة والكوفيين القائلين بأن الخمر لا تكون إلا من العنب، وما كان غيره لا يسمى خمرا، ولا يتناوله اسم الخمر، وإنما يسمى نبيذا. اهـ. أدلة الحنفية على مذهبهم: استدلوا على ما ذهبوا إليه بالقرآن والأثر وإجماع أهل اللغة والمعقول، أما القرآن فاستدلوا بقوله تعالى: ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ (٢) قالوا: فدل على أن الخمر هو ما يعصر لا ما ينبذ. أما استدلالهم من الأثر فقد استدلوا بما أخرجه عبد الرزاق بسند جيد عن ابن عمر قال: " أما الخمر فحرام لا سبيل إليها، وأما ما عداها من الأشربة فكل مسكر حرام " وبما رواه البخاري عن عبد الله بن عمر أنه قال: " لقد حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء ".

стр. 4012

وجه الدلالة: أن ابن عمر ﵁ أخبر أن الخمر حين حرمت لم يكن بالمدينة منها شيء مع ثبوت وجود غيرها بالمدينة من أنبذة التمر. لما ثبت من قول أنس - وما شرابهم يومئذ أي يوم حرمت إلا الفضيخ والبر والتمر، فنفى عن الأنبذة اسم الخمر فدل على أنها لا تسمى خمرا. أما إجماع أهل اللغة فذكره صاحب الهداية حيث قال: ولنا إطباق أهل اللغة على تخصيص الخمر بالعنب ولهذا اشتهر استعمالها فيه. أما استدلالهم بالمعقول فمن وجهين: ١ - قالوا إن حرمة النيء من ماء العنب قطعية لكونها محل إجماع العلماء، وحرمة شرب ما عدا المتخذ من ماء العنب ظنية فلا يسمى ما حرمته ظنية باسم ما حرمته قطعية. ٢ - وقالوا: إنما سمي ما عدا المتخذ من عصير العنب خمرا لتخمره وصيرورته مرا كالخمر لا لمخامرته العقل، فتسميته خمرا من باب المجاز.

стр. 4013

المناقشة: ناقش الجمهور أدلة الحنفية بما يلي: أجاب الجمهور عن استدلالهم بقوله تعالى: ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ (١) بأنه لا دليل في هذه الآية على الحصر، وإنما جاءت إخبارا عن قضية رؤيا حصل فيها العصر، ولا يلزم من سياقها أن الخمر لا يكون إلا من عصير العنب، يؤيد ذلك ما ورد في الأحاديث الصحيحة، فقد روي عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «كل مسكر خمر وكل مسكر حرام (٢)». وما قدمناه عن عمر بن الخطاب في بيان معنى الخمر وإقرار الصحابة له، وأما استدلالهم عن الأثر بما أخرجه عبد الرزاق عن ابن عمر أنه قال " أما الخمر فحرام لا سبيل إليها، وأما ما عداها من الأشربة فكل مسكر حرام " فأجيب عنه بأنه ثبت عن ابن عمر أنه قال: " كل مسكر خمر " فلا يلزم من تسمية المتخذ من العنب خمرا انحصار الخمرية فيه.

стр. 4014

وأجيب عن استدلالهم بما رواه البخاري عن عبد الله بن عمر أنه قال: " حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء " بأنه لا يدل على مدعاهم لما يلي: ١ - يجوز أن ابن عمر أراد تثبيت أن الخمر يطلق على ما لا يتخذ من العنب، وأنه اسم يعم كل شراب مسكر، لأن نزول آية التحريم صادف اتخاذ الخمر من غير عصير العنب، ومع ذلك فهم الصحابة من الأمر باجتنابها تحريم كل ما يسكر، ولم يفرقوا بين ما يتخذ من العنب ومن غيره، وبادروا إلى إتلاف ما كان من غير عصير العنب، ولولا وضع الاسم للعموم لغة لما فعلوا ذلك، ولتوقفوا عن الإراقة حتى يستفصلوا، ومنه يظهر أن دلالته على العموم أظهر منها على الخصوص. ٢ - أن إطلاق ابن عمر على النيء من ماء العنب خمرا لا تمنع من تسمية غيره خمرا من سائر الأنبذة المسكرة بدليل الآثار المروية عن أنس ومنها ما رواه البخاري عنه قال: إني لأسقي أبا طلحة وأبا دجانة وسهيل بن بيضاء خليط بر وتمر. . . إلخ. وبدليل خطبة عمر على منبر رسول الله ﷺ في ملإ من كبار الصحابة وغيرهم حيث قال " إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة أشياء: العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل، والخمر ما خامر العقل " ولم يعلم له مخالف من الصحابة وهم أهل اللسان، وبلغتهم نزل القرآن فكان كالإجماع فهم على العموم، قال ابن الجوزي في التحقيق: وقول ابن عمر حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء يعني به ماء العنب فإنه مشهور باسم الخمر، ولا يمنع هذا أن يسمى غيره خمرا. ٣ - يجوز أن ابن عمر أراد بقوله - وما بالمدينة منها شيء - أي وما بالمدينة من بعض أنواعها شيء، ولم يرد أن غيرها لا تسمى خمرا بدليل حديثه الآخر " نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة خمسة أشربة كلها تدعى الخمر وما فيها خمر العنب " وما رواه الإمام أحمد عنه عن النبي ﷺ «من الحنطة ومن الشعير خمر، ومن التمر خمر ومن الزبيب خمر ومن العسل خمر (١)» وما رواه مسلم عن النبي ﷺ «كل مسكر خمر (٢)» وعليه فقد أصبحت نسبة التفرقة إلى ابن عمر غير قائمة. أما الإجماع اللغوي فالصواب خلاف ما ذكروه، فإن المعروف الثابت عند أهل

стр. 4015

اللغة هو أن الخمر تطلق على كل مسكر، وقد سبق ذكر بعض النقول عن أشهر أئمة اللغة الدالة على عدم صحة ما ادعوه، وأما اشتهار الخمر فيما اتخذ من العنب فلا يلزم منه أن غيره لا يسمى خمرا، قال الخطابي: " زعم قوم أن العرب لا تعرف الخمر إلا من العنب، فيقال لهم: إن الصحابة الذين سموا غير المتخذ من العنب خمرا عرب فصحاء، فلو لم يكن هذا الاسم صحيحا لما أطلقوه ". وأما قولهم إن تحريم الخمر قطعي، وتحريم ما عدا المتخذ من العنب ظني، فأجيب عنه بأنه ثبت أن غير المتخذ من العنب من المسكرات خمر في اللغة وفي الشرع، وما دام ثبت ذلك فتحريم كل مسكر إذا قطعي. وإذا سلمنا أن تحريم ما عدا المتخذ من العنب ظني فلا يقوم على إثبات التفرقة لما تقرر من أن اختلاف مشتركين في الحكم لا يلزم منه افتراقهما في التسمية كالزنا مثلا فإنه يصدق على من وطئ أجنبية وعلى من وطئ امرأة جاره والثاني أغلظ من الأول وعلى من وطئ محرما له وهو أغلظ، واسم الزنا مع ذلك شامل للثلاثة، وأيضا الأحكام الفرعية لا يشترط فيها الأدلة القطعية، فلا يلزم من القطع بتحريم المتخذ من العنب وعدم القطع بتحريم المتخذ من غيره أن لا يكون حراما، بل يحكم بتحريمه إذا ثبت بطريق ظني وكذا تسميته خمرا. على أننا لو مشينا على هذه القاعدة التي ذكرها صاحب الهداية لأبطلنا كثيرا من أحكام الشريعة؛ حيث إن كثيرا من الواجبات والمحرمات ثبت بطريق ظني. وأما قولهم إنما سمي خمرا لتخمره لا لمخامرة العقل فيعارضه ثبوت النقل عن أعلم الناس بلسان العرب عمر بن الخطاب ﵁ عندما قال: " والخمر ما خامر العقل " فكيف يستجيز صاحب الهداية أن يقول: " لا لمخامرة العقل مع قول عمر ﵁ بمحضر الصحابة: الخمر ما خامر العقل " ويحمل قول عمر على المجاز على ما ادعاه من اتفاق اللغة، وقد سبقت الإشارة إلى أن دعوى اتفاق أهل اللغة دعوى مردودة.

стр. 4016

مناقشة الجمهور: أولا: ناقش الحنفية الجمهور في استدلالهم بحديث النعمان بن بشير وعبد الله بن

стр. 4017

عمر أن الخمر تطلق حقيقة على النيء من ماء العنب وغيره من الأشربة المسكرة بأن كل واحد له اسم مثل المثلث - الباذق - والمنصف - ونحوها، وإطلاق الخمر عليها عند إسكارها من باب المجاز وعليه تحمل الأحاديث، وأجاب الجمهور بأن الأصل المتبادر إلى الفهم فيها الحقيقة، ولا يعدل عنها إلا لقرينة صارفة ولا قرينة قائمة هنا. والقول بأن القرينة تخصيص الخمر بالنيء المسكر من عصير العنب لغة قول مردود؛ حيث إن النقل عن أهل اللغة قد اختلف كما سبقت الإشارة إلى ذلك، فلم يصلح ما ذكر قرينة لصرف اللفظ عن المتبادر منه عند الإطلاق، والمتبادر أمارة الحقيقة، ولذلك لما نزل تحريم الخمر فهم الصحابة من الأمر باجتنابها تحريم كل مسكر، ولم يفرقوا بين ما يتخذ من العنب وبين ما يتخذ من غيره، بل سووا بينهما وحرموا كل ما يسكر نوعه، ولم يتوقفوا، ولم يستفصلوا، ولم يشكل عليهم شيء من ذلك، بل بادروا إلى إتلاف ما كان من غير عصير العنب وهم أهل اللسان وبلغتهم نزل القرآن، قال في فتح الباري: " أما دعوى بعضهم أن الخمر حقيقة في ماء العنب مجاز في غيره فإن سلم في اللغة لزم من قال به جواز استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه؛ لأن الصحابة لما بلغهم تحريم الخمر أراقوا كل ما كان يطلق عليه لفظ الخمر حقيقة ومجازا. وإذا لم يجوزوا ذلك صح أن الكل خمر حقيقة، ولا انفكاك عن ذلك وعلى تقدير إرخاء العنان والتسليم أن الخمر حقيقة من ماء العنب خاصة فإنما ذلك من حيث الحقيقة اللغوية، فأما من حيث الحقيقة الشرعية فالكل خمر حقيقة لحديث «كل مسكر خمر (١)» فكل ما اشتد كان خمرا، وكل خمر يحرم قليله وكثيره، وهذا يخالف قولهم. ثانيا: ناقش الحنفية الجمهور في حديث «كل مسكر خمر (٢)» بأنه لا يدل على العموم لعدم صحته، حيث طعن فيه يحيى بن معين، قال صاحب المبسوط ما رواه أن النبي ﵊ قال «كل مسكر خمر (٣)» لا يكاد يصح، فقد قال يحيى بن معين: ثلاث لا يصح فيهن حديث عن رسول الله وذكر في جملتها كل مسكر خمر.

стр. 4018

وأجاب الجمهور: بعدم التسليم بطعن يحيى في الحديث كما ذكر الزيلعي في نصب الراية، ولنسمع ما قاله الزيلعي على قول صاحب الهداية وهذا الحديث طعن فيه يحيى بن معين حيث قال: وهذا الكلام لم أجده في شيء من كتب الحديث. وقال في فتح القدير بعد أن أورد الحديث " وأما ما يقال من أن ابن معين طعن في هذا الحديث فلم يوجد في شيء من كتب الحديث. وأجاب الجمهور أيضا: بأننا لو سلمنا طعن يحيى بن معين فيه لكان طعنه لا يؤثر فيه بعد أن رواه الثقة ". ثالثا: ناقش الحنفية الجمهور فقالوا إن قوله ﵊ «كل مسكر خمر (١)» لا يفيد المدعي به، فإن غاية ما يفيده أنها مثل الخمر في الحكم ويكون محمولا على التشبيه بحذف أداته - أي كل مسكر كالخمر، كقولنا زيد أسد أي كالأسد ومثله كثير في الاستعمالات اللغوية والعرفية، تقول السلطان فلان إذا كان فلان نافذ الكلمة عند السلطان ويعمل بكلامه. وأجاب الجمهور عن ذلك بأن الأصل عدم التقدير، ولا يلجأ إليه إلا إذا دعت الحاجة. فإن قيل الحاجة قائمة إلى التقدير لأن النبي ﷺ بعث لبيان الأسماء، قلنا بيان الأسماء من مقدمات الأحكام لمن لا يعلمها ولا سيما ليقطع تعلق القصد بها. وناقش الحنفية الجمهور في استدلالهم بقول عمر إن إطلاق اسم الخمر على الأشربة المسكرة المتخذة من غير عصير العنب من قبيل مجاز التشبيه. وأجاب الجمهور بأن الأصل المتبادر إلى الفهم منها الحقيقة، ولا يعدل عنها إلا لقرينة صارفة، ولا قرينة قائمة، ولأن تلك العبارات تأبى أن تكون تشبيها كقول عمر في خطبته " ونزل تحريم الخمر وهي من خمسة: العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل ". فهل يمكن أن يقال نزل تحريم خمرة العنب وهي من خمسة أشياء. . . إلخ؟ أم يمكن أن يقال: نزل تحريم ما يشبه الخمر في الإسكار وهو من خمسة أشياء العنب والتمر؟ لأن هذا لا يقوله أحد يفهم العربية، وإن كان يجيز الجمع بين الحقيقة والمجاز وهو ما لا يجيزه الحنفية.

стр. 4019

رابعا: قال الطحاوي من الحنفية إن الأحاديث التي استدل بها الجمهور - سالفة الذكر - متعارضة، ووجه التعارض عنده أن حديث أبي هريرة نص على أن الخمر تتخذ من شيئين فقط بينما نص حديث عمر ومن خالفه على أنها تتخذ من غيرهما، وكذلك حديث ابن عمر لقد حرمت الخمرة وما بالمدينة منها شيء مع حديث أنس حيث ورد في بعض ألفاظه أن الخمر حرمت وشرابهم الفضيخ، وفي لفظ له " وإنا نعدهم يومئذ خمرا " وإليك ما قاله الطحاوي: " وقلما اختلف الصحابة في ذلك ووجدنا اتفاق الأئمة على أن عصير العنب إذا اشتد وغلا وقذف بالزبد فهو خمر وإن مستحلة كافر دل على أنهم لم يعملوا بحديث أبي هريرة، إذ لو عملوا به لكفروا مستحل نبيذ الخمر، فثبت أنه لم يدخل في الخمر غير المتخذ من عصير العنب ". وأجاب الجمهور: بأنه لا تعارض بين الأحاديث والآثار التي استدلوا بها وأن الجمع بينها ممكن، وذلك بحمل حديث أبي هريرة على الغالب، وخص ما يتخذ من العنب والتمر بالذكر لأن أكثر الخمر منهما، ولأن أغلى الخمر وأنفسه عند أهله ما صنع منهما، وهذا نحو قولهم: المال الإبل، أي أكثره وأنفسه، والحج عرفة، ونحو ذلك، وليس فيه نفي الخمرية عن ما سوى المتخذ منهما، بدليل الأحاديث الصحيحة الدالة على اتخاذ الخمر من غيرها، كحديث ابن عمر عند أحمد، وحديث النعمان بن بشير، وغاية ما هناك أن مفهوم الخمر المدلول عليه باللام معارض بالمنطوقات وهي أرجح بلا خلاف. ويحمل حديث ابن عمر عند البخاري وحديث النعمان بن بشير ومن وافقهما على إرادة استيعاب ذكر ما عهد حينئذ أنه يتخذ من الخمر. أما قول ابن عمر: ما بالمدينة منها شيء فيحمل على إرادة تثبيت أن الخمر يطلق على ما لا يتخذ من غير العنب. أو يحمل على إرادة المبالغة، فأطلق نفي وجود ما بالمدينة وإن كانت موجودة بقلة، فإن تلك القلة بالنسبة لكثرة المتخذ مما عداها كالعدم. ولا يلزم من كونهم لم يكفروا مستحل النبيذ أن يمنعوا تسميته خمرا فقد يشترك الشيئان في التسمية ويفترقان في بعض الأوصاف مع أنه هو يوافق على أن حكم المسكر من نبيذ التمر حكم قليل العنب في التحريم.

стр. 4020

ومما تقدم يظهر أنه لا يوجد تعارض بين الأحاديث والآثار، وهذا أولى من حمل بعضها على الحقيقة وبعضها على مجاز التشبيه بدون دليل كما في فتح القدير، حيث إن بعض تلك الآثار ما يأتي أن يكون تشبيها كقول عمر بن الخطاب ﵁ في خطبته " نزل تحريم الخمر وهو من خمسة: العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل " فهل يمكن أن تعني نزل تحريم ما يشبه الخمر وهي من خمسة العنب والتمر والشعير. . . إلخ. اللهم إلا أن يكون من قبيل الجمع بين الحقيقة والمجاز، وهو ما لا يجيزه الحنفية. كما أورد بعضهم على هذه الأحاديث والآثار بأنه يحتمل أن ما فيها بيان للاسم الشرعي لا اللغوي. وهذا التعقيب ضعيف ولا يغني عن الحنفية شيئا؛ لأنهم لا يقولون إن المسكر من غير عصير العنب داخل في عموم الآية شرعا. والأحاديث الصحيحة في تحريم قليل ما يسكر كثيرة من أي مادة اتخذ، ووجه ضعفه أن لفظ الخمر ليس اسما لعمل شرعي لم يكن معروفا قبل الشرع. فلما جاء به الشرع أطلق عليه كلمة من اللغة تتناوله بطريق المجاز اللغوي، بل هو اسم لنوع من الشراب يمتاز عن سائر الأشربة بالإسكار، وهذه التسمية معروفة عند العرب قبل نزول ما نزل من آيات تحريم الخمر، وقد نزلت آية البقرة جوابا عن سؤال سألوه عن الخمر ولم يقل أحد من مفسري السلف ولا الخلف ولا خطر على بال أحد أنهم سألوه ﵊ عن خمر عصير العنب خاصة وأنها هي المقصودة بالجواب بأن فيها إثما كبيرا ومنافع للناس، وأن غيرها ألحق بها في التحريم بطريق القياس أو بتفسير النبي والصحابة للخمر الشرعية، وقد ذكر المفسرون في أسباب النزول أنه لم يشق عليهم تحريم شيء كما شق عليهم تحريم الخمر، وأن بعضهم كان يود لو يجد مخرجا من تحريمها بآية المائدة كما وجد المخرج من آية البقرة الدالة على تحريم الخمر بتسميتها إثما مع تصريح القرآن قبل ذلك بتحريم الإثم، ولأجله تركها بعضهم وتنصل منه آخرون بتخصيص الإثم بما كان ضررا محضا لا منفعة فيه، والنص قد أثبت أن في الخمر منافع وقد أهرقوا ما كان عندهم من الخمر عند الجزم بالنهي عنها، وقلما كان يوجد عندهم من خمر العنب شيء، فلو كان مسمى الخمر في لغتهم ما كان مسكرا من عصير العنب لما بادروا إلى إهراق ما كان عندهم.

стр. 4021

الراجح من القولين: وباستعراض أدلة الفريقين ومناقشتها يظهر أن الأرجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، وهو يتفق مع ما ذهب إليه جهابذة اللغة من القول بالعموم لغة، وقد صرح بذلك صاحب القاموس بقوله: والعموم أصح، ولذلك عندما حرم الله الخمر فهم الصحابة وهم أهل اللسان أن كل شيء يسمى خمرا يدخل في النهي فأراقوا المتخذ من التمر والرطب ولم يخصوا ذلك بالمتخذ من العنب، وعلى فرض أن الإطلاقين في اللغة على سواء أو أن الأرجح الخصوص فالجميع خمر شرعا، والحقيقة الشرعية مقدمة على الحقيقة اللغوية عند الاختلاف.

стр. 4022

حكم شرب الخمر ودليله لقد ثبت تحريم الخمر في الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب. . . فقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٢). وجه الدلالة. . أن القرآن أطلق على الخمر لفظ الرجس، والرجس في اللغة هو الشيء القذر، وفي الشرع هو الشيء المحرم، ونهى جل وعلا بهذا النص عن الاقتراب منها، وأتبع النص المفيد وجوب ترك الخمر بذكر أوصافا تشعر العاقل بأن الخمر شيء قبيح يجب الابتعاد عنه فهي تصد عن ذكر الله وعن الصلاة وتوقع البغضاء والعداوة بين الناس وهذه محرمة، فما أدى إليها يكون محرما؛ لأن مقدمة الحرام حرام. وقد أسهب المفسرون في بيان الأوجه الدالة على التحريم من الآيتين نذكر منها ما يلي: ١ - أن الله جعلها رجسا من عمل الشيطان، وكلمة الرجس تدل على منتهى القبح

стр. 4023

والخبث ولذلك أطلقت على الأوثان فهي أسوأ مفهوما من كلمة الخبث، وقد علم من عدة آيات أن الله أحل الطيبات وحرم الخبائث، وقد قال النبي ﵊ «الخمر أم الخبائث (١)». رواه الطبراني في الأوسط من حديث عبد الله بن عمر. ٢ - أنه صدر الجملة بإنما الدالة على الحصر للمبالغة في ذمها، كأنه قال: ليست الخمر وليس الميسر إلا رجسا فلا خير فيها البتة. ٣ - أنه قرنها بالأنصاب والأزلام التي هي من أعمال الوثنية وخرافات الشرك، وقد أورد المفسرون هنا حديث «شارب الخمر كعابد وثن (٢)». ٤ - أنه جعلها من عمل الشيطان لما ينشأ عنها من الشرور والطغيان، وهل يكون عمل الشيطان إلا موجبا لسخط الرحمن. ٥ - أنه جعل الأمر بتركها من مادة الاجتناب، وهو أبلغ من الترك لأنه يفيد الأمر بالترك مع البعد عن المتروك بأن يكون التارك في جانب بعيد عن جانب المتروك، ولذلك نرى القرآن لم يعبر بالاجتناب إلا عن ترك الشرك والطاغوت الذي يشمل الشرك والأوثان وسائر مصادر الطغيان وترك الكبائر عامة وقول الزور الذي هو من أكبرها قال تعالى ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (٣). ٦ - أنه جعل اجتنابها مصدرا للفلاح ومرجاة له، فدل ذلك على أن ارتكابها من الخسران والخيبة في الدنيا والآخرة. ٧ - أنه أمر بتركها بصيغة الاستفهام المقرون بفاء السببية. ٨ - أنه جعلهما مثارا للعداوة والبغضاء وهما شر المفاسد الدنيوية المتعدية إلى أنواع من المعاصي في الأقوال والأعراض والأنفس. ولذلك سميت الخمرة بأم الخبائث وأم الفواحش. ٩ - أنه جعلهما صادين عن ذكر الله وعن الصلاة وهما روح الدين وعماده وزاد المؤمن وعتاده.

стр. 4024

أما الأدلة على تحريمها من السنة فقد وردت الأحاديث الكثيرة التي تبلغ بمجموعها رتبة التواتر الذي يفيد اليقين. منها: (١) حديث ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «كل مسكر خمر وكل خمر حرام (١)». (٢) ما روي عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لعن الله الخمر وشاربها وساقيها ومبتاعها وبائعها وعاصرها وحاملها والمحولة إليه (٢)». (٣) ما روي عن ابن عباس قال: «أهدي لرسول الله ﷺ راوية خمر، فقال له رسول الله ﷺ أما علمت أن الله حرمها فقال: لا، فساره رجل إلى جنبه فقال: بم ساررته؟ فقال: أمرته أن يبيعها، فقال له رسول الله ﷺ : إن الذي حرم شربها حرم بيعها، ففتح الرجل المزادتين حتى ذهب ما فيهما (٣)». (٤) ما روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يا أيها الناس إن الله يبغض الخمر، ولعل الله سينزل فيها أمرا، فمن كان عنده منها شيء فليبعه ولينتفع به، قال فما لبثنا إلا يسيرا حتى قال النبي ﷺ : إن الله حرام الخمر فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشرب ولا بيع، قال فاستقبل الناس بما كان عندهم منها طرف المدينة فسفكوها (٤)». (٥) عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال «يا رسول الله إنا بأرض يصنع فيها شراب من العسل يقال له البتع، وشراب من الشعير يقال له المزر فقال رسول الله ﷺ : كل مسكر حرام (٥)» رواه الإمام أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي. (٦) ما روي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «ما أسكر كثيره فقليله حرام (٦)». وجه الدلالة: أن هذه الأحاديث تعلن بصراحة لا لبس فيها أن الخمر محرمة من أي نوع اتخذت، من عنب أو تمر أو شعير أو غيره، فحرمت شربها واستعمالها وعصرها وشتى أنواع التصرف بها، وإنها كبيرة من الكبائر المهلكة؛ لأن الكبيرة ما فيه حد أو وعيد شديد، وقد اجتمعت كل هذه الأمور في الخمر.

стр. 4025

أما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على تحريم الخمر، ولا خلاف في هذا لأحد من ذوي الفهم في النصوص والأحكام، وقد نقله غير واحد من أئمة الإسلام، قال في المغني والشرح الكبير: وأجمعت الأمة على تحريمها، وإنما حكي عن قدامة بن مظعون وعمرو بن معد يكرب وأبي جندل بن سهل أنهم قالوا عنها حلال لقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ (١). الآية فقد بين لهم علماء الصحابة معنى هذه الآية وتحريم الخمر، وأقاموا عليهم الحد لشربهم إياها فرجعوا إلى ذلك فانعقد الإجماع، فمن استحلها الآن فقد كذب النبي ﷺ ؛ لأنه قد علم ضرورة من جهة النقل تحريمه فيكفر بذلك ويستتاب فإن تاب وإلا قتل. روى الجوزجاني بإسناده عن ابن عباس أن قدامة بن مظعون شرب الخمر فقال له عمر: ما حملك على ذلك؟ فقال: إن الله يقول: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ (٢) الآية وإني من المهاجرين الأولين من أهل بدر وأحد، فقال عمر للقوم: أجيبوا الرجل، فسكتوا عنه، فقال لابن عباس أجب فقال: " إنما أنزلها الله عذرا " للماضين لمن شربها قبل أن تحرم وأنزل ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ (٣) حجة على الناس، ثم سأل عمر عن الحد فيها، فقال علي بن أبي طالب " إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فاجلدوه ثمانين جلدة " فجلده عمر ثمانين. وإذا ثبت هذا فالمجمع على تحريمه عصير العنب إذا اشتد وقذف بالزبد وما عداه من الأشربة المسكرة فهو محرم وفيه اختلاف نذكره إن شاء الله.

стр. 4026

شبهات على تحريم الخمر وتفنيدها الشبهة الأولى: ذهب بعض الفساق الجاهلين بالشريعة الإسلامية إلى أنه لم يأت نص صريح في تحريم الخمر، وأن آيات المائدة لا تدل على تحريم الخمر؛ لأنه تعالى قال

стр. 4027

- فاجتنبوه - ولم يقل حرمته فاتركوه - وقال: فهل أنتم منتهون، ولم يقل فانتهوا. والجواب على هذه الشبهة سبق في بيان وجه دلالة آيتي المائدة على التحريم ما يدحض هذه الشبهة بالدلائل القاطعة والبراهين الساطعة التي لا تدع سبيلا للشك في تحريمها. والشبهة الثانية: قال الإمام الرازي: زعم بعض الجهال أنه تعالى لما بين في الخمر أنها محرمة عندما تكون موقعة في العداوة والبغضاء وصادة عن ذكر الله وعن الصلاة بين بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ (١) الآية. أنه لا جناح على من طعمها إذا لم يحصل معه شيء من تلك المفاسد، بل حصل معه أنواع المصالح من الطاعة والتقوى والإحسان إلى الخلق، قالوا: ولا يمكن حمله على أحوال من شرب الخمر قبل نزول آية التحريم؛ لأنه لو كان المراد ذلك لقال: وما كان جناح على الذين طعموا كما ذكر مثل ذلك في آية تحويل القبلة ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (٢). . . ولكنه لم يقل ذلك بل قال: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ (٣) إلى قوله: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ (٤) ولا شك أن "إذا" للمستقبل لا للماضي. والجواب أن هذا القول مردود بإجماع الأمة الإسلامية بما فيها من المذاهب المتعددة على تحريم الخمر قليلها وكثيرها. ثم هل في المعقول أن يحرم الله الخمر ذلك التحريم الشديد، ورسول الله يلعن ساقيها وشاربها ويحرم بيعها وشراءها ويحكم بنفي الإيمان عن شاربها، ثم يقول القائلون: لا بأس بشربها لمن آمن وعمل صالحا، ولو كان القليل مباحا لوجد من الصحابة الذين كانوا منهمكين بشربها قبل تحريمها من يعود لشربها؛ لأنه واثق من إيمانه وعمله الصالح ولاشتهر في الدين الإسلامي أن تحريمها مقيد بذلك، ولو كان كذلك لما أمر رسول الله بإقامة الحد على شاربها، ولهذا لما شربها قدامة بن مظعون في خلافة عمر متأولا الآية

стр. 4028

السالفة بين له عمر خطأه وجلده، وقد ذكر المفسرون أن سبب نزول آية ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (١) أن بعض الصحابة استشكلوا عند نزول هذا التشديد في الخمر والميسر حال من مات من المؤمنين الذين كانوا يشربون الخمر ويلعبون الميسر ولا سيما من حضر منهم غزوتي بدر وأحد كحمزة بن عبد المطلب، وأن في هذه الآية جوابا لهم. فنرى من هذا أن الآية نزلت في قوم شربوها قبل التحريم لا فيما بعد التحريم، وكل ما في الآية أن الشاربين للخمرة قبل تحريمها غير مؤاخذين إذا كانوا مؤمنين بما أمر الله متقين ما حرم الله ومحسنين في أعمالهم، وقولهم إن كلمة إذا للمستقبل لا للماضي فلا اعتراض عليه إلا أنه لا يفيدهم، لما روى أبو بكر الأصم أنه لما نزل تحريم الخمر قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا وفعلوا القمار وكيف بالغائبين عنا في البلدان لا يقرءون أن الله حرم الخمر وهم يطعمونها؟ فأنزل الله هذه الآية، وعلى هذا التقدير فالحل قد ثبت في الزمان المستقبل عن وقت نزول هذه الآية، لكن في حق الغائبين الذين لم يبلغهم هذا النص. الشبهة الثالثة: قول بعضهم: إن دين الله في حقيقته وجوهره الحكمة منه واحدة، ولا خلاف فيه بين الرسل المبلغين له، وإذا كانت الخمرة مضرة بالصحة والعقل والمال ضررا بينا حتى كان سببا للقطع بتحريمها كما تقولون؛ إذا كان الواجب أن تأتي الشرائع السالفة بتحريمها؛ لأن مثل هذا لا يختلف باختلاف الزمان والمكان والشعوب والأجيال حتى يقال: لم تحرم على تلك الأمم وحرمت علينا لذلك الاختلاف المذكور. والحال أن المنقول عن أهل الكتاب أنها لم تكن محرمة عليهم وأن الأنبياء أنفسهم كانوا يشربونها. والجواب عن هذه الشبهة من وجهتين: أولا: أن نقل أهل الكتاب ليس حجة عندنا، ولم يثبت عندنا في كتاب ولا سنة ما ذكروه. وإذا كان قد وجد في المسلمين من زعم أن شرب ما دون القدر المسكر من الخمور كلها حلال إلا ما اتخذ من عصير العنب وهو أقلها ضررا

стр. 4029

وشرا مع نقل القرآن بالتواتر وحفظ السنة وسيرة أهل الصدر الأول بضبط وإتقان لم يتفق مثله لأمة من الأمم في نقل دينها أو تاريخها وهما صريحان في تحريم كل مسكر وفي تسميته خمرا، فهل يبعد أن يدعي أهل الكتاب مثل هذه الدعوى وينسبونها إلى أنبيائهم وهم لا يقولون بعصمتهم. لا يبعد عنهم ذلك فقد نسبوا إلى لوط ليس شرب الخمر فحسب بل الزنى بابنتيه لعنهم الله. ثانيا: أننا إذا سلمنا بما نقلوه في العهدين القديم والجديد من الأخبار الدالة على حل الخمر وعدم التشديد إلا في السكر نقول: (١) إن هذا التحريم من إكمال الدين بالإسلام وقد مهد الأنبياء له من قبل بتقبيح السكر وذمه ولم يشددوا في سد ذريعته بالنهي عن التعليل من الخمر كما كان من افتتان البشر بشربها ومنافعهم منها كما فعل الإسلام في أول عهده. (٢) أن الله تعالى ما حرم الخمر البتة فيما أكمل به الإسلام إلا وهو يعلم أن البشر سيدخلون في طور جديد تتضاعف فيه مفاسد السكر، وأن مصلحتهم وخيرهم أن يتسلح المؤمنون بأقوى السلاح الأدبي لاتقاء شرور ما يستحدث من أنواع الخمور الشديدة الفتك بالأجساد والأرواح التي لم يكن يوجد منها شيء في عصور أولئك الأنبياء ﵈، وما ذاك إلا لسد ذريعة هذه المفسدة بتحريم قليل الخمر وكثيرها.

стр. 4030

التدرج التشريعي في تحريم الخمر وحكمه في ذلك لقد انتهج الإسلام خطة حكيمة في معالجة الأمراض الاجتماعية عندما سلك بالناس التدرج في تشريع الأحكام، وهو لطف من الله وكرامة لعباده؛ حيث لم يوجب عليهم الشرائع دفعة واحدة، ولكن أوجبها عليهم مرة بعد مرة، فقد فرض سبحانه الصلاة على العباد قبيل الهجرة بسنة ونصف تقريبا، ثم فرض عليهم الزكاة والصوم في السنة الثانية من الهجرة، وكذلك الخمر سلك الشارع في تحريمها مسلكا فقد كان المسلمون يشربونها في أول الإسلام وهو لهم حلال مدة إقامته عليه الصلاة
следующие страницы →