الله ﷺ : «بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت») (١) فنزلت في عثمان بن عفان وفي عبد الرحمن الآية الكريمة: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلاَ أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢) هذا هو مبلغ جهاد عبد الرحمن المعلن بالمال الذي كان معروفا في أيام النبي ﷺ ، وهو مبلغ جسيم ولا شك، وبخاصة في تلك الأيام، ولا بد أن يكون له جهاد غير معلن بالمال، لا يعلمه غير الله.
لقد أدى عبد الرحمن واجبه مجاهدا بالأموال والنفس.
стр. 4412
المستشار الأمين
١ - مع الشيخين: أصبح عبد الرحمن بعد التحاق النبي ﷺ بالرفيق الأعلى من أقرب المقربين إلى خليفتيه الشيخين: أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب ﵄، والمستشار الأمين لهما.
ولما نزل بأبي بكر الصديق ﵁ الموت، دعا عبد الرحمن بن عوف، فقال: (أخبرني عن عمر)، فقال: (إنه أفضل من رأيك، إلا أنه فيه غلظة)، فقال أبو بكر: (ذلك لأنه يراني رقيقا، ولو أفضى الأمر إليه لترك كثيرا مما هو عليه، وقد رمقته فكنت إذا غضبت على رجل أراني الرضا عنه، وإذا لنت له أراني الشدة عليه). ودعا عثمان بن عفان وقال له (أخبرني عن عمر)، فقال: (سريرته خير من علانيته، وليس فينا مثله)، فقال أبو بكر لهما: (لا تذكرا مما قلت لكما شيئا، ولو تركته ما عدوت عثمان، والخيرة له ألا يلي من أموركم شيئا، ولوددت أني كنت من أموركم خلوا. وكنت فيمن مضى من سلفكم) (١).
стр. 4413
واستشارة أبي بكر الصديق عبد الرحمن في أخطر أمور الدولة، في تولية خليفته، دليل على ثقته البالغة به، وأنه كان المستشار الأمين له.
ولما تولى الخلافة عمر حج عبد الرحمن معه، فسمع رجلا بمنى يقول لعمر: (لو مات عمر لبايعت فلانا)، فقال عمر: (إني لقائم العشية في الناس، أحذرهم هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغتصبوا الناس أمرهم)، فقال له عبد الرحمن: (يا أمير المؤمنين: إن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، وهم الذين يغلبون على مجلسك، وأخاف أن تقول مقالة لا يعوها ولا يحفظوها ويطيروا بها، ولكن أمهل حتى تقدم المدينة وتخلص بأصحاب رسول الله ﷺ ، فتقول ما قلت فيعوا مقالتك)، فقال: (والله لأقومن بها أول مقام أقومه بالمدينة) (١). وهكذا انصاع عمر لرأي عبد الرحمن الحصيف.
وحشد الفرس حشودا ضخمة لحرب المسلمين في العراق، فبلغ ذلك المثنى بن حارثة الشيباني، فكتبوا إلى عمر بن الخطاب، فقال: (والله لأضربن ملوك العجم بملوك العرب). فلم يدع رئيسا ولا ذا رأي وذا شرف وبسطة ولا خطيبا ولا شاعرا إلا رماهم به، فرماهم بوجوه الناس وغرارهم (٢).
ولما اجتمع الناس إلى عمر، خرج من المدينة حتى نزل ماء يدعى: (صرارا) فعسكر به ولا يدري الناس ما يريد: أيسير أم يقيم! وكانوا إذا أرادوا أن يسألوه عن شيء، رموه بعثمان أو بعبد الرحمن بن عوف، فإن لم يقدر هذان على علم شيء مما يريد ثلثوا بالعباس بن عبد المطلب. وسأله عثمان عن سبب حركته، فأحضر الناس وأعلمهم الخبر، واستشارهم في المسير إلى العراق، فقال العامة: (سر وسر بنا معك)، فدخل معهم في رأيهم وقال: (اغدوا واستعدوا، فإني سائر، إلا أن يجيء رأي هو أمثل من هذا). ثم جمع عمر وجوه أصحاب رسول الله ﷺ ، وأرسل إلى علي بن أبي طالب، وكان استخلفه على المدينة، فأتاه، وإلى طلحة وكان على المقدمة، فرجع إليه، وإلى الزبير وعبد الرحمن، وكانا على المجنبتين، فحضرا ثم استشارهم، فأجمعوا على أن يبعث رجلا من
стр. 4414
أصحاب رسول الله ﷺ ، ويرميه بالجنود، فإن كان الذي يشتهي فهو الفتح، وإلا أعاد رجلا وبعث آخر، وفي ذلك غيظ العدو.
وجمع عمر الناس وقال لهم: (إني كنت عزمت على المسير، حتى صرفني ذوو الرأي منكم، وقد رأيت أن أقيم وأبعث رجلا، فأشيروا علي برجل) (١).
وأشاروا عليه بسعد بن أبي وقاص، فقاد جيش المسلمين في معركة القادسية الحاسمة.
ولما أراد عمر وضع الديوان وفرض العطاء في سنة خمس عشرة الهجرية. قال له علي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف: (ابدأ بنفسك)، قال: (لا، بل أبدأ بعم رسول الله ﷺ ، ثم الأقرب فالأقرب، ففرض للعباس وبدأ به، ثم فرض لأهل بدر خمسة آلاف خمسة آلاف، ثم فرض لمن بعد بدر إلى الحديبية أربعة آلاف، ثم فرض لمن بعد الحديبية إلى أن أقلع أبو بكر من أهل الردة ثلاثة آلاف، في ذلك من شهد الفتح وقاتل مع أبي بكر ومن ولي الأيام قبل القادسية، كل هؤلاء ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف، ثم فرض لأهل القادسية وأهل الشام ألفين ألفين، وفرض لأهل البلاد النازع منهم ألفين وخمسمائة ألفين وخمسمائة) (٢).
وفي سنة ثمان عشرة الهجرية قدم عمر الشام، فلما كان ب (سرغ) لقيه أمراء الأجناد فيهم أبو عبيدة بن الجراح، فأخبروه بالوباء وشدته، وكان معه المهاجرون والأنصار، خرج غازيا، فجمع المهاجرين والأنصار فاستشارهم، فاختلفوا عليه، فمنهم القائل: خرجت لوجه الله، فلا يصدك عنه هذا! ومنهم القائل: إنه بلاء وفناء، فلا نرى أن تقدم عليه! فقال لهم: (قوموا). ثم أحضر مهاجرة الفتح من قريش فاستشارهم، فلم يختلفوا عليه، وأشاروا عليه بالعود، فنادى عمر في الناس: (إني مصبح على ظهر)، فقال أبو عبيدة: (أفرارا من قدر الله!)، قال: (نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله! أرأيت لو كان لك إبل، فهبطت واديا له عدوتان، إحداهما مخصبة والأخرى
стр. 4415
جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟)، فسمع بهم عبد الرحمن بن عوف، فقال: (إن النبي ﷺ قال: «إذا سمعتم بهذا الوباء ببلد فلا تقدموا عليه، وإذا وقع ببلد وأنتم به فلا تخرجوا فرارا منه (١)») رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما. فانصرف عمر بالناس إلى المدينة (٢).
وعن أنس ﵁، «أن النبي ﷺ جلد في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين، فلما أن ولي عمر قال: (إن الناس قد دنوا من الريف، فما ترون في حد الخمر؟)، فقال عبد الرحمن بن عوف: (نرى أن نجعله كأخف الحدود)، فجلد فيه ثمانين جلدة (٣)».
ورجع عمر إليه في أخذ الجزية من المجوس، رواه البخاري (٤)، واستخلفه على الحج سنة ولي الخلافة، أي سنة ثلاث عشرة الهجرية (٥).
وفي سنة ست عشرة الهجرية، حين قدم الخمس على عمر من الفتوح قال: (والله لا يجنه سقف حتى أقسمه)، فبات عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن الأرقم يحرسانه في المسجد. فلما أصبح جاء عمر في الناس، فكشف أموال الخمس، فلما نظر إلى ياقوته وزبرجده وجوهره بكى، فقال له عبد الرحمن: (ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فوالله إن هذا لموطن شكر)، فقال عمر: (والله ما ذلك يبكيني، وبالله ما أعطى الله هذا قوما إلا تحاسدوا وتباغضوا، ولا تحاسدوا إلا ألقى الله بأسهم بينهم) (٦).
وجاء عمر بن الخطاب إلى عبد الرحمن بن عوف وهو يصلي في بيته ليلا، فقال له عبد الرحمن: (ما جاء بك في هذه الساعة؟)، قال: (رفقة نزلت في ناحية السوق خشيت عليهم سراق المدينة، فانطلق فلنحرسهم)، فأتيا السوق، فقعدا على نشز من الأرض يتحدثان (٧).
стр. 4416
وأخيرا لما طعن عمر، أخذ بيد عبد الرحمن فقدمه، فصلوا الفجر يومئذ صلاة خفيفة (١).
لقد كان عبد الرحمن موضع ثقة الشيخين المطلقة إلى أبعد الحدود، كما كان موضع ثقة النبي ﷺ وثقة المسلمين كافة.
стр. 4417
٢ - مع الشورى:
استشهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ لثلاث بقين أو أربع من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين الهجرية (١)، فلما وجد عمر حد السلاح سقط وأمر عبد الرحمن بن عوف فصلى بالناس، وعمر طريح، فاحتمل فأدخل بيته. ودعا عبد الرحمن، فقال له: (إني أريد أن أعهد إليك)، قال: (أتشير علي بذلك؟)، قال: (اللهم لا)، فقال عبد الرحمن: (والله لا أدخل فيها أبدا)، قال: (فهبني صمتا حتى أعهد إلى النفر الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض)، ثم دعا عليا وعثمان والزبير وسعدا، فقال: (انظروا أخاكم طلحة ثلاثا، فإن جاء وإلا فاقضوا أمركم (٢)، ثم قال: (فإن أصابت سعدا فذاك، وإلا فأيهم استخلف فليستعن به، فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة)، وجعل عبد الله بن عمر معهم يشاورونه وليس له من الأمر شيء (٣)، وهكذا كان عبد الرحمن أحد الستة الشورى، فلما دفن عمر كان عبد الرحمن أحد الذين نزلوا في قبره (٤).
ولما مات عمر وأخرجت جنازته جمع المقداد بن الأسود أهل الشورى، وأمروا أبا طلحة الأنصاري أن يحجبهم.
وقال عبد الرحمن لزملائه: (أيكم يخرج منها نفسه ويتقلدها على أن يوليها
стр. 4418
أفضلكم؟) فلم يجبه أحد، فقال: (فأنا أنخلع منها)، فقال عثمان: (أنا أول من رضي)، فقال القوم (رضينا)، وعلي ساكت. فقال: (ما تقول يا أبا الحسن؟) قال: (أعطني موثقا لتؤثرن الحق ولا تتبع الهوى ولا تخص ذا رحم، ولا تألوا الأمة نصحا)، فقال: (أعطوني مواثيقكم على أن تكونوا معي على من بدل وغير، وأن ترضوا من اخترت لكم، وعلي ميثاق الله أن لا أخص ذا رحم لرحمه، ولا آلو المسلمين)، فأخذ منهم ميثاقا وأعطاهم مثله (١).
وفي رواية أخرى، أن عبد الرحمن حين قال لأصحاب الشورى: (هل لكم إلى أن أختار لكم وأتقصى منها؟)، فقال علي: (نعم، أنت أمين في أهل السماء وأمين في أهل الأرض) (٢) كما قال النبي ﷺ (٣).
وبدأ بعلي فقال له: تقول: إني أحق من حضر بهذا الأمر لقرابتك وسابقتك، وحسن أثرك في الدين، ولم تبعد. ولكن، أرأيت لو صرف هذا الأمر عنك فلم تحضر، من كنت ترى من هؤلاء الرهط أحق به؟)، قال: عثمان).
وخلا بعثمان فقال: (تقول شيخ من بني عبد مناف، وصهر رسول الله ﷺ ، وابن عمه، ولي سابقة وفضل، فأين يصرف هذا الأمر عني؟ ولكن، لو لم تحضر، أي هؤلاء الرهط تراه أحق به؟)، قال: (علي).
ودار عبد الرحمن لياليه يلقى أصحاب رسول الله ﷺ ، ومن وافى المدينة من أمراء الأجناد وأشراف الناس يشاورهم، حتى إذا كان الليلة التي صبيحتها يكمل الأجل الذي حدده عمر بن الخطاب ثلاثة أيام، دعا الزبير وسعدا، وبدأ بالزبير فقال له: (خل بني عبد مناف وهذا الأمر)، قال: (نصيبي لعلي). وقال لسعد: (اجعل نصيبك لي)، فقال: (إن اخترت نفسك فنعم، وإن اخترت عثمان، فعلي أحب إلي أيها الرجل! بايع لنفسك وأرحنا وارفع رءوسنا)، فقال له: (قد خلعت نفسي على أن أختار، ولو لم أفعل لم أردها).
стр. 4419
واستدعى عليا، فناجاه طويلا، ثم أرسل إلى عثمان، فتناجيا أيضا.
ولما صلوا الصبح، جمع الرهط وبعث إلى من حضره من المهاجرين والأنصار وإلى أمراء الأجناد، فاجتمعوا حتى التحم المسجد بأهله، فقال: (أيها الناس! إن الناس قد أجمعوا أن يرجع أهل الأمصار إلى أمصارهم، فأشيروا علي).
فرشح جماعة عليا ورشح آخرون عثمان، وتعصبت كل جماعة لمرشحها، فقال سعد بن أبي وقاص: (يا عبد الرحمن! افرغ قبل أن يفتتن الناس)، فقال عبد الرحمن: (إني قد نظرت وشاورت فلا تجعلن أيها الرهط على أنفسكم سبيلا).
ودعا عليا وقال: (عليك عهد الله وميثاقه، لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده)، قال: (أرجو أن أفعل، فأعمل بمبلغ علمي وطاقتي).
ودعا عثمان، فقال له مثل ما قال لعلي، فقال: (نعم، نعمل)، فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده على يد عثمان، فقال: (اللهم اسمع واشهد، اللهم إني قد جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان).
وبايع عثمان، وبايعه الناس (١).
لقد تمكن عبد الرحمن بكياسته وأمانته واستقامته ونسيانه نفسه بالتخلي عن الطمع في الخلافة والزهد بأعلى منصب في الدولة، أن يجتاز هذه المحنة، ولا يزال الناس مختلفين حتى اليوم في: هل أصاب عبد الرحمن أم أخطأ، ولكن لا يختلف أحد بأنه قاد ركب الشورى بمهارة وتجرد، مما يستحق أعظم التقدير.
стр. 4420
٣ - مع عثمان:
حج عثمان سنة تسع وعشرين الهجرية، وضرب فسطاطه بمنى، وكان أول فسطاط ضربه عثمان بمنى، وأتم الصلاة بها وبعرفة، فكان أول ما تكلم به الناس في عثمان ظاهرا حين أتم الصلاة بمنى، فعاب ذلك غير واحد من الصحابة، وقال له علي بن أبي طالب ﵁: (ما حدث أمر ولا قدم عهد، ولقد عهدت النبي ﷺ وأبا بكر
стр. 4421
وعمر يصلون ركعتين، وأنت صدرا من خلافتك، فما أدري ما ترجع إليه؟). فقال: (رأي رأيته).
وبلغ الخبر عبد الرحمن بن عوف، وكان معه في الحج فجاءه وقال له: (ألم تصل في هذا المكان مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ركعتين وصليتها أنت ركعتين؟)، قال عثمان: (بلى، ولكني أخبرت أن بعض من حج من اليمن وجفاة الناس قالوا: إن الصلاة للمقيم ركعتان واحتجوا بصلاتي، وقد اتخذت بمكة أهلا، ولي بالطائف مال). فقال عبد الرحمن: (ما في هذا عذر! أما قولك: اتخذت بها أهلا، فإن زوجك بالمدينة تخرج بها إذا شئت، وإنما تسكن بسكناك، وأما مالك بالطائف وبينك وبينه مسيرة ثلاثة ليال، وأما قولك عن حاج اليمن وغيرهم، فقد كان رسول الله ﷺ ينزل عليه الوحي والإسلام قليل ثم أبو بكر وعمر. فصلوا ركعتين، وقد ضرب الإسلام بجرانه (١))، فقال عثمان: (هذا رأي رأيته).
وخرج عبد الرحمن، فلقي عبد الله بن مسعود فقال: (أبا محمد! غير ما تعلم)، قال: (فما أصنع؟!). قال: (اعمل بما ترى وتعلم)، فقال ابن مسعود: (الخلاف شر، وقد صليت بأصحابي أربعا)، فقال عبد الرحمن: (قد صليت بأصحابي ركعتين، وأما الآن فسوف أصلي أربعا) (٢).
لقد نصح عثمان، فلما أصر عثمان على رأيه تابعه عبد الرحمن خوفا من الفتنة، فما كانوا يحبون الفتنة ولا يعملون لها، ويخشون الوقوع فيها أشد الخشية.
وكان عبد الرحمن صهر عثمان، فقد تزوج عبد الرحمن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وهي أخت عثمان لأمه التي خلف عليها عقبة بعد والد عثمان (٣)، وقد بلغ عبد الرحمن أن عثمان وهب بعض إبل الصدقة لبعض بني الحكم، فأخذها منهم وقسمها بين الناس وعثمان في الدار (٤).
стр. 4422
وعن عروة بن الزبير، أن الزبير جاء إلى عثمان وقال: «إن عبد الرحمن بن عوف زعم أن النبي ﷺ أقطعه وعمر بن الخطاب أرض كذا وكذا، وإني اشتريت نصيب آل عمر (١)»)، فقال عثمان: (عبد الرحمن بن عوف جائز الشهادة له وعليه). أخرجه الإمام أحمد بن حنبل (٢).
وتزكية عثمان هذه لعبد الرحمن بهذا الشكل وهذا الأسلوب، يدل على مبلغ ثقته به ثقة عظيمة بلا حدود.
стр. 4423
الإنسان:
١ - عمره:
ولد عبد الرحمن بعد عام الفيل بعشر سنين، أي أنه ولد سنة (٥٨١م) كما ذكرنا، وتوفي بالمدينة المنورة سنة اثنتين وثلاثين الهجرية (١) (٦٥٢م)، وهو ابن خمس وسبعين سنة (٢) قمرية، وفي رواية: وهو ابن اثنتين وسبعين سنة (٣) قمرية.
وفي رواية أنه توفي سنة إحدى وثلاثين الهجرية، وقيل: سنة اثنتين وثلاثين الهجرية، وهو ابن خمس وسبعين سنة (٤) قمرية.
وفي رواية أنه توفي سنة اثنتين وثلاثين الهجرية أو سنة إحدى وثلاثين الهجرية، وعاش اثنتين وسبعين سنة (٥) قمرية.
ولا خلاف أنه ولد بعد عام الفيل بعشر سنين، والأكثر أنه توفي سنة اثنتين وثلاثين الهجرية (٦)، ومعنى ذلك أنه عاش إحدى وسبعين سنة شمسية (٢٥٨١ - ٦٥٢م) وما يقرب من خمس وسبعين سنة قمرية.
стр. 4424
وشيعه إلى مثواه الأخير في (البقيع) سعد بن أبي وقاص وهو يقول: (واجبلاه)، ووضع السرير على كاهله (١).
وسمع علي بن أبي طالب يقول يوم مات عبد الرحمن بن عوف: (اذهب ابن عوف! فقد أدركت صفوها وسبقت رنقها) (٢).
وقد دفن بالبقيع مدفن أهل المدينة ولا يزال البقيع كذلك، وصلى عليه عثمان بن عفان (٣) ﵄.
стр. 4425
٢ - وصيته وتركته:
أوصى عبد الرحمن بخمسين ألف دينار في سبيل الله، وألف فرس في سبيل الله، وأوصى لمن بقي ممن شهد بدرا لكل رجل أربعمائة دينار، وكانوا مائة، فأخذوها وأخذها عثمان فيمن أخذوا، وخلف مالا عظيما- وكان عامة ماله من التجارة - من ذهب قطع بالفئوس حتى مجلت (١) منه. ترك ألف بعير وثلاثة آلاف شاة بالبقيع ومائة فرس ترعى بالبقيع. وكان يزرع ب (الجرف) (٢) على عشرين ناضحا (٣)، وكان يدخل قوت أهله من ذلك كل سنة.
وقد أصاب تماضر بنت الأصبغ ربع الثمن، فأخرجت بمائة ألف، وهي إحدى أربع، وقد ترك ثلاث نسوة، فأصاب كل واحدة مما ترك ثمانون ألفا ثمانون ألفا (٤).
فإذا بلغ ربع الثمن من تركة عبد الرحمن مائة ألف درهم على أكثر تقدير وثمانين ألف درهم على أقل تقدير، فإن تركته بلغت (٣٢٠٠٠٠٠) درهم على الأكثر أو (٢٥٦٠٠٠٠) درهم على الأقل، وهو مبلغ جسيم وبخاصة بالنسبة لتلك الأيام الخالية، يمكن أن تكون فيه مبالغة واضحة، وبخاصة وأن عبد الرحمن كان كثير الإنفاق من
стр. 4426
أمواله، كما سنذكر ما سجله له المؤرخون من إنفاق وشيكا.
ومهما تكن المبالغة في ضخامة تركته، فإنه كان غنيا ميسورا، ولكنه لم يقصر أبدا في دفع الزكاة والصدقة، وكان مصدر ثروته حلالا لا شك فيه.
стр. 4427
٣ - إنفاقه:
ذكرنا نفقاته المعلنة للجهاد في عهد النبي ﷺ ، أما غير المعلنة فلا يعرفها أحد من الناس.
وقد أعتق ثلاثين عبدا في يوم واحد (١)، وقد ذكروا أنه أعتق ثلاثين ألف نسمة في حياته (٢)، ومهما قيل في المبالغة بهذا العدد، فإنه كان يعتق كثيرا.
وروت عائشة أم المؤمنين، أن النبي ﷺ قال: «إن أمركن لمما يهمني بعدي، ولن يصبر عليكن إلا الصابرون (٣)»)، يخاطب زوجاته أمهات المؤمنين، ثم تقول عائشة لأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف: (سقى الله أباك سلسبيل الجنة)، تريد عبد الرحمن بن عوف، وكان وصل أزواج النبي ﷺ بمال بيع بأربعين ألفا، أخرجه الترمذي، وقال: (حديث حسن صحيح (٤)).
وعزم أن يتنازل عن جميع ماله في أيام النبي ﷺ ، ولكن النبي ﷺ أمره أن يضيف الضيف ويطعم المسكين، ويعطي السائل، ويبدأ بمن يعول، فإنه إذا فعل كان تزكية لماله (٥).
وقالت أم سلمة زوج النبي ﷺ : (سمعت رسول الله ﷺ يقول لأزواجه: «إن الذي يحافظ عليكن بعدي لهو الصادق البار، اللهم اسق عبد الرحمن بن عوف من سلسبيل الجنة (٦)») (٧).
стр. 4428
وقد باع أمواله من (كيدمة) (١)، وهو سهمه من بني النضير بأربعين ألف دينار، فقسمها على أزواج النبي ﷺ (٢)، وباع أرضا له من عثمان بأربعين ألف دينار، فقسم ذلك في فقراء بني زهرة وفي ذي الحاجة من الناس، وفي أمهات المؤمنين، فلما تسلمت عائشة نصيبها، قالت: (إن رسول الله ﷺ قال: «لا يحنو عليكن بعدي إلا الصابرون. سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة (٣)») (٤).
وتبرع بمائة راحلة جاءته من مصر على فقراء المدينة في عهد النبي ﷺ (٥)، ثم وردت له قافلة من تجارة الشام، فحملها إلى رسول الله ﷺ ، فدعا له النبي ﷺ بالجنة (٦).
وكان أهل المدينة عيالا على عبد الرحمن بن عوف: ثلث يقرضهم ماله، وثلث يقضي دينهم بماله، وثلث يصلهم (٧).
ودخل يوما على أم سلمة أم المؤمنين فقال: (يا أمه! قد خفت أن يهلكني كثرة مالي)، فقالت: (يا بني أنفق) (٨)، فأطلق يده في الإنفاق كأنه لا يخشى الفقر.
وقدمت عير لعبد الرحمن بن عوف، فكان لأهل المدينة يومئذ رجة، فقالت عائشة أم المؤمنين: (ما هذا؟) قيل لها: (هذه عير عبد الرحمن بن عوف قدمت)، فقالت عائشة: (أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كأني بعبد الرحمن بن عوف على الصراط يميل به مرة ويستقيم أخرى، حتى يفلت ولم يكد»)، فبلغ ذلك عبد الرحمن بن عوف، فقال: (هي وما عليها صدقة)، وما كان عليها أفضل منها، وهي يومئذ خمسمائة راحلة (٩).
لقد كان عظيم التجارة، مجدودا فيها، كثير المال (١٠) ولكن ماله كان في يده لا في قلبه،
стр. 4429
لذلك لم يجمع المال بوسائل غير مشروعة، وأعطى حق المال في الزكاة والصدقات، وفي ميدان الجهاد وميدان السلام.
стр. 4430
٤ - ورعه:
كان إنفاق عبد الرحمن فيضا متدفقا، وهو إن دل على شيء، فإنما يدل على ورعه وتقواه: وقد رآه أحد الصالحين يطوف بالبيت وهو يقول: (اللهم قني شح نفسي) (١).
ووصفه أحد المقربين إليه فقال: (كان جليسا لنا ونعم الجليس، فانقلب بنا ذات يوم إلى منزله، فدخل فاغتسل، ثم أتانا بقصعة فيها خبز ولحم، ثم بكى، فقلنا: ما يبكيك يا أبا محمد! قال: مات رسول الله ﷺ ولم يشبع هو وأهله من خبز الشعير، ولا أرانا أخرنا لما هو خير لنا) (٢).
وأتي بطعام وكان صائما. فقال: (قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، فكفن في بردته إن غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطي رجلاه بدا رأسه، وقتل حمزة وهو خير مني، ثم بسط لنا ما بسط، وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا)، ثم جعل يبكي (٣).
وكان إذا أتى مكة، كره أن ينزل منزله الذي هاجر منه، وهو منزله الذي كان ينزله في الجاهلية (٤)، ولا ينزله - ورعا - بعد إسلامه.
وقد ذكر المسور بن مخرمة بن نوفل بن عبد مناف بن زهرة، وأمه أخت عبد الرحمن بن عوف. وكان يعدل بالصحابة وليس منهم (٥) أن عبد الرحمن لما ولي الشورى كان أحب الناس إلى المسور أن يلي عبد الرحمن الخلافة، فإن تركها فسعد بن أبي وقاص، قال: (فلحقني عمرو بن العاص، فقال: ما ظن خالك بالله إن ولي هذا الأمر أحدا وهو يعلم أنه خير منه؟ فأتيت عبد الرحمن فذكرت له ذلك، فقال: من
стр. 4431
قال ذلك لك؟ فقلت: لا أخبرك! فقال: لئن لم تخبرني لا أكلمك أبدا. فقلت عمرو بن العاص. فقال: فوالله لأن تؤخذ مدية فتوضع في حلقي، ثم ينفذ بها إلى الجانب أحب إلي من ذلك) (١)، وما كان خوفه من تولي السلطة إلا ورعا.
وكان يصلي قبل الظهر صلاة طويلة، فإذا سمع الأذان شد عليه ثيابه وخرج (٢) إلى المسجد للصلاة.
وكان عبد الرحمن أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة، وأحد الستة الذين جعل عمر الشورى فيهم، وأخبر أن رسول الله ﷺ توفي وهو عنهم راض (٣).
وصلى رسول الله ﷺ خلفه في سفره (٤)، وروي عنه ﷺ أنه قال: «عبد الرحمن بن عوف سيد من سادات المسلمين»)، وروي عنه ﵇ أنه قال: «عبد الرحمن بن عوف أمين في السماء وأمين في الأرض») (٥).
وكان أمين النبي على نسائه (٦)، فكان يخرج بهن، ويحج معهن، ويجعل على هوادجهن الطيالسة، وينزل بهن في الشعب الذي ليس له منفذ (٧)، وقد كان مع نساء النبي ﷺ في حجة الوداع ومع عثمان بن عفان (٨)، وكانت سنة عشر الهجرية (٩).
ولما استخلف عمر بن الخطاب سنة ثلاث عشرة بعث تلك السنة على الحج عبد الرحمن بن عوف، فحج بالناس، وحج مع عمر أيضا آخر حجة حجها عمر سنة ثلاث وعشرين، وأذن عمر تلك السنة لأزواج النبي ﷺ في الحج، فحملن في الهوادج، وبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، فكان عثمان يسير على راحلته
стр. 4432
أمامهن فلا يدع أحدا يدنو منهن، وينزلن مع عمر كل منزل، فكان عثمان وعبد الرحمن ينزلان بهن في الشعاب، فيقبلانهن الشعاب، وينزلان هما في أذل الشعب، فلا يتركان أحدا يمر عليهن (١).
ويبدو أن عبد الرحمن كان كثير الحج، فقد حج سنة تسع الهجرية في أيام النبي ﷺ وكان على الحج أبو بكر الصديق (٢) ﵁، وحج مع النبي ﷺ حجة الوداع سنة عشر الهجرية كما ذكرنا.
وحج سنة إحدى عشرة الهجرية بالناس، وقيل: حج بالناس عتاب بن أسيد، ومهما يكن من أمر فإذا كان أمير الحج أو لم يكن، فقد شهد موسم الحج هذه السنة، وكان ذلك على عهد أبي بكر الصديق ﵁.
وفي سنة اثنتي عشرة الهجرية، حج بالناس أبو بكر الصديق واستخلف على المدينة عثمان بن عفان، وقيل: حج بالناس عمر بن الخطاب أو عبد الرحمن بن عوف، فهو قد شهد الموسم أميرا أو مأمورا على كل حال.
ولما استخلف عمر بن الخطاب سنة ثلاث عشرة الهجرية، بعث تلك السنة على الحج عبد الرحمن بن عوف، فحج بالناس (٣).
وفي سنة أربع عشرة الهجرية حج عبد الرحمن بن عوف بأزواج النبي ﷺ (٤).
وأقام الحج سنة أربع عشرة الهجرية إلى سنة ثلاث وعشرين الهجرية عمر بن الخطاب (٥) في أيام خلافته، وكان يعتبر موسم الحج مؤتمرا إسلاميا عاما لمحاسبة الولاة والأمراء، والاتصال المباشر بالرعية القادمين من أقطار الإسلام البعيدة والقريبة.
стр. 4433
ولما استخلف عثمان بن عفان سنة أربع وعشرين بعث تلك السنة على الحج عبد الرحمن بن عوف، فحج بالناس (١).
وكان ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية (٢)، وهو دليل على استعداده الطبيعي للخير قبل الإسلام.
وولاه رسول الله ﷺ صدقات بني كلب؛ لأنه لم يكن مع النبي ﷺ أحد منهم (٣)، وكان ﵊ يفضل أن يولي أحد المسلمين من القبيلة صدقاتها، فهو أعرف بها من غيره، ومن الواضح أنه لا يمكن تولية مثل هذا المركز غير المسلم الصادق الأمين النزيه، فقد كان النبي ﷺ يثق بإيمان عبد الرحمن، ويوكله إلى إيمانه (٤).
لقد كان عبد الرحمن من حواري رسول الله ﷺ (٥)، فلا عجب أن يكون على جانب عظيم من الورع والتقوى، وقد دخل الفضل بن العباس وأسامة بن زيد، فتكلم بعضهم، فدخل عبد الرحمن بن عوف أي أنهم دخلوا قبر النبي ﷺ عند دفنه.
لقد كان بحق تعاليم الإسلام مجسدة في إنسان يمشي على الأرض ويأكل الطعام ويمشي في الأسواق بشرا سويا، فانتقل ورعه إلى غيره من المسلمين بالمثال الشخصي والقدوة الحسنة، فكان خير مثال وخير قدوة لا للذين عايشوه فحسب، بل لأجيال المسلمين كافة.
стр. 4434
٥ - علمه:
في حجة الوداع، قال النبي ﷺ لعمر بن الخطاب: «إنك رجل قوي، إن وجدت
стр. 4435
الركن خاليا فاستلمه، وإلا فلا تزاحم الناس عليه فتؤذي وتؤذى»)، وقال لعبد الرحمن بن عوف: «وكيف صنعت بالركن يا أبا محمد؟)، قال: (استلمت وتركت)، قال: (أصبت (١)»).
وفي رواية أنه ﷺ قال لعبد الرحمن: «كيف فعلت يا أبا محمد في استلام الحجر)، فقال: (كل ذلك فعلت: استلمت وتركت)، فقال: (أصبت (٢)») (٣)، مما يدل على أنه يجتهد فيما ليس فيه نص من أمور الدين.
وأقبل رجل من المسلمين كان في المدينة، فلقي المهاجرين من أصحاب رسول الله ﷺ إلا عبد الرحمن بن عوف الذي أخبر أنه في (الجرف) في أرضه، فسار حتى إذا جاء عبد الرحمن وجده يحول الماء بمسحاة في يده، وقد وضع رداءه، وهو يعمل في مزرعته. فلما رآه عبد الرحمن استحى فألقى المسحاة وأخذ رداءه، فوقف عليه الرجل وسلم، ثم قال: (جئتك لأمر ثم رأيت أعجب منه: هل جاءكم إلا ما جاءنا، وهل علمتم إلا ما علمنا؟)، قال عبد الرحمن: (ما جاءنا إلا ما جاءكم، وما علمنا إلا ما علمتم)، فقال الرجل: (فما لنا نزهد في الدنيا وترغبون فيها، ونخف في الجهاد وتتثاقلون عنه، وأنتم خيارنا وسلفنا وأصحاب نبينا ﷺ ؟)، فقال له عبد الرحمن: (إنه لم يأتنا إلا ما جاءكم، ولم نعلم إلا ما قد علمتم، ولكننا ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر) (٤)، وهذا يدل على فهم عبد الرحمن للإسلام فهما أصيلا واقعيا، فهو دين للدنيا والآخرة، فلا بد للمرء أن يعمل لدنياه كما يعمل لآخرته ضمن الحدود المشروعة التي نص عليها الدين الحنيف.
لذلك كان عبد الرحمن ممن يفتي على عهد رسول الله ﷺ ، وقد رأينا كيف رجع عمر بن الخطاب من سرغ إلى المدينة، استنادا إلى حديث رواه عبد الرحمن عن
стр. 4436
النبي ﷺ (١)، ورجوع عمر إلى رأي عبد الرحمن في جلد شارب الخمر (٢)، وقد «رخص النبي ﷺ لعبد الرحمن في لبس الحرير (٣)» من شرى كان به أو من حكة كان يجدها بجلده أو لأنه شكى إليه القمل (٤)، فكانت رخصته للمسلمين الذين يعانون ما كان يعاني، وهي رخصة بسبب عبد الرحمن والزبير بن العوام أيضا (٥).
روي له عن رسول الله ﷺ خمسة وستون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على حديثين، وانفرد البخاري بخمسة أحاديث روى عن النبي ﷺ وعن عمر بن الخطاب، وروى عنه أولاده: إبراهيم وحميد وعمر ومصعب وأبو سلمة وابن ابنه المسور بن إبراهيم، وابن أخته المسور بن مخرمة، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وجبير بن مطعم، وأنس، ومالك بن أوس بن الحدثان، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، ومجالد بن عبدة، وآخرون. روى عنه عمر فقال: (فيه العدل والرضى).
ومن الأحاديث التي رواها عن النبي ﷺ : «فضل العالم على العابد سبعين درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض (٦)».
لقد كان عبد الرحمن فقيها في الدين من أصحاب الفتيا محدثا، فكان عالما بأمور الدين، عالما بأمور الدنيا، لرأيه وزن ثقيل لدى الخليفة والمسلمين، فهو جائز الشهادة له وعليه. (٧)
стр. 4437
٦ - صفته:
كان عبد الرحمن رجلا طويلا، حسن الوجه، رقيق البشرة، أبيض اللون، مشربا بحمرة، لا يغير لحيته ولا رأسه، ضخم الكفين (١)، غليظ الأصابع، أقنى (٢)، جعدا (٣)، له جمة (٤) من أسفل أذنيه، أعنق (٥)، ساقط الثنيتين، أعرج، أصيب يوم أحد فهتم، وجرح عشرين جراحة أو أكثر أصاب بعضها رجله فعرج، أعين، أهدب الأشفار، طويل النابين الأعليين، ربما أدمى شفتيه (٦).
لقد كان لطيف المنظر كما كان لطيف المخبر، يدل مظهره على الرجولة والنبل، وكانت مناقبه كثيرة (٧)
стр. 4438
٧ - أهله:
كان لعبد الرحمن من الولد: سالم الأكبر، مات قبل الإسلام، وأمه أم كلثوم بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس.
وأم القاسم، ولدت أيضا في الجاهلية، وأمها بنت شيبة بن ربيعة بن عبد شمس.
ومحمد، وبه كان يكنى، وإبراهيم وحميد وإسماعيل وحميدة وأمة الرحمن، وأمهم أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس.
ومعن، وعمر، وزيد، وأمة الرحمن الصغرى، وأمهم سهلة بنت عاصم بن عدي بن الجد بن العجلان من بلي من قضاعة، وهم من الأنصار.
стр. 4439
وعروة الأكبر، قتل يوم إفريقية، وأمه بحرية بنت هانئ بن قبيصة بن هانئ بن مسعود بن أبي ربيعة من بني شيبان.
وسالم الأصغر، قتل يوم فتح إفريقية، وأمه سهلة بنت سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي.
وأبو بكر، وأمه أم حكيم بنت قارظ بن خالد بن عبيد بن سويد حليفهم من بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة.
عبد الله بن عبد الرحمن، قتل بأفريقية يوم فتحت، وأمه ابنة أبي الحيس بن رافع ابن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل من الأوس الأنصار.
وأبو سلمة، وهو عبد الله الأصغر، وأمه تماضر بنت الأصبغ بن عمرو بن ثعلبة بن حصن بن ضمضم بن عدي بن جناب من كلب، وهي أول كلبية نكحها قرشي.
وعبد الرحمن بن عبد الرحمن، وأمه أسماء بنت سلامة بن مخرمة بن جندل بن نهشل بن دارم.
ومصعب وآمنة، ومريم، وأمهم أم حريث من سبي بهراء. وسهيل، وهو أبو الأبيض، وأمه مجد بنت يزيد بن سلامة ذي فائش الحميرية. وعثمان، وأمه غزال بنت كسرى أم ولد من سبي سعد بن أبي وقاص يوم المدائن، وعروة، ويحيى وبلال، لأمهات أولاد.
وأم يحيى بنت عبد الرحمن، وأمها زينب بنت الصباح بن ثعلبة بن عوف بن شبيب ابن مازن من سبي بهراء أيضا.
وجويرة بنت عبد الرحمن، وأمها بادية بنت غيلان بن سلمة بن معتب الثقفي (١)، وهي زوج المسور بن مخرمة (٢) ابن أخت عبد الرحمن بن عوف (٣).
стр. 4440
فكان لعبد الرحمن من الذكور ثمانية وعشرون ذكرا، ومن الإناث ثماني بنات (١).
ومات عبد الرحمن وترك ثلاث نسوة، فأصاب كل واحدة مما ترك ثمانون ألفا، ثمانون ألفا (٢) أما الرابعة وهي تماضر بنت الأصبغ، فقد طلقها في مرض موته (٣)، فصولحت بثمانين ألفا في رواية، وبمائة ألف في رواية أخرى (٤).
وكان عبد الرحمن سالف رسول الله ﷺ من قبل سودة بنت زمعة؛ إذ كانت عنده أم حبيبة بنت زمعة أخت سودة. وسالفه أيضا مرة أخرى من قبل زينب بنت جحش، إذ كانت عنده أم حبيبة بنت جحش لم تلد (٥)، فسالفه عبد الرحمن مرتين (٦) وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط زوج عبد الرحمن من المبايعات رسول الله ﷺ ، بايعت في مكة قبل الهجرة، ثم هاجرت إلى المدينة وحدها في الهدنة، فتزوجها الزبير بن العوام، فطلقها، ثم تزوجها بعده عبد الرحمن، فولدت له إبراهيم وحميدا، ثم مات عنها (٧).
وفي رواية أن أم كلثوم هذه تزوجت زيد بن حارثة الكلبي مولى رسول الله ﷺ ، ثم عبد الرحمن بن عوف، ثم الزبير بن العوام، ثم عمرو بن العاص (٨)، وهذا هو الأصح.
وخلف على أم حكيم بنت خالد بن قارظ بعد عبد الرحمن: عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، ثم سعد بن أبي وقاص ﵁ (٩).
وأصهار عبد الرحمن على بناته معروفون أيضا (١٠).
стр. 4441
ب - أما محمد بن عبد الرحمن، فكان شديد الغيرة، وولد عبد الواحد، وله عقب (١).
وأما إبراهيم بن عبد الرحمن، فكان سيد القوم، وكان قصيرا، وتزوج سكينة بنت الحسين، فلم يرض بذلك بنو هاشم، فخلعت منه، وكان يكنى: أبا إسحاق، ومات سنة ست وتسعين الهجرية، وهو ابن خمس وسبعين سنة.
وأما حميد بن عبد الرحمن، فكان له مال وجاه، وحمل عنه الحديث، وكان يكنى: أبا عبد الرحمن.
وأما أبو سلمة بن عبد الرحمن، فكان فقيها، يحمل عنه الحديث، ومات أبو سلمة سنة أربع وتسعين الهجرية وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، ويقال: إنه مات سنة أربع ومائة الهجرية.
وأما مصعب بن عبد الرحمن، فكان شجاعا. قال عبد الملك بن مروان لرجل من أهل الشام: (أي فارس لقيته قط أشد؟)، قال: (مصعب).
وقتل مصعب مع عبد الله بن الزبير، وكان قبل ذلك مع مروان بن الحكم على شرطته في المدينة، وفيه يقول ابن قيس الرقيات:
حال دون الهوى ودو ... ن سرى الليل مصعب
وسياط على أك ... ف رجال تقلب
وقال الواقدي: (قتل مصعب بن عبد الرحمن من أصحاب الحصين بن نمير بيده خمسة، ثم رجع وسيفه منحن وهو يقول:
إنا لنوردها بيضا ونصدرها ... حمرا وفيها انحناء بعد تقويم)
وكان الواقدي يذكر أنه توفي ولم يقتل.
وأما سهيل بن عبد الرحمن، فكان تزوج الثريا امرأة من بني أمية الصغرى، وهي
стр. 4442
التي يشبب بها عمر بن أبي ربيعة فقال:
أيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان
هي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يماني
ولسهيل عقب في المدينة.
وأما عمر بن عبد الرحمن فكان من جلداء قريش، وهو أحد من عمل في أمر الحجاج بن يوسف، حتى عزله عبد الملك عن المدينة.
وأما زيد بن عبد الرحمن، فلا عقب له.
وأما المسور بن عبد الرحمن، فقتل يوم الحرة.
وأما عثمان بن عبد الرحمن، فله عقب في البصرة.
ج - وإخوة عبد الرحمن بن عوف: الأسود بن عوف، هاجر قبل الفتح، وأمهما: الشفاء بنت عوف بن الحارث بن زهرة، وقد هاجرت.
وعبد الله بن عوف، لم يهاجر ولم يدخل المدينة، وعاش في الجاهلية ستين سنة وفي الإسلام ستين سنة، وأوصى ابن الزبير، وأمه: زينب ابنة مقيس بن قيس بن عدي بن سهم (١)، وكان من سروات قريش، وابنه طلحة بن عبد الله بن عوف، وله عقب في المدينة (٢).
هذا ما سجله المؤرخون عن عائلة عبد الرحمن بن عوف، وكما بارك الله له في المال والتجارة، بارك له في الولد ذكورا وإناثا.
ولكن لم يكن أحد من أولاده مثله في فضائله وسجاياه، ولم يستطع أحدهم أن يملأ الفراغ الذي خلفه بموته، فقد كان رجلا في أمة، وأمة في رجل، وكان نسيج وحده.
стр. 4443
٨ - جمل مزاياه:
لقد كان عبد الرحمن مثال المسلم الحق في فهمه للإسلام، فقد كان لا يعرف من بين
стр. 4444
عبيده (١) في أوقات الجد والعمل والعبادة، يعمل كما يعملون في أكثر جدية منهم، ويتعبد كما يتعبدون في أكثر ورعا وإيمانا منهم، ولكنه كان في أوقات الراحة وبين أهله وفي المناسبات يلبس البرد أو الحلة تساوي خمسمائة درهم أو أربعمائة درهم (٢)، وهو يومئذ مبلغ ضخم، فقد كانت الشاة بنصف درهم.
وقد ارتحل عن هذه الحياة قبل الفتنة، فغبطه على رحيله علي بن أبي طالب الذي قال يوم مات عبد الرحمن: (اذهب ابن عوف! فقد أدركت صفوها، وسبقت رنقها) (٣)، كما غبطه عمرو بن العاص الذي سمع يوم مات عبد الرحمن يقول: (أذهب عنك ابن عوف، فقد ذهبت ببطنتك ما تغضغض منها من شيء) (٤)، فعصمه الله من الفتنة ومن معاناتها.
لقد كان أمينا نزيها، ما له ليس ماله، بل يبذل للفقراء والمساكين ما وسعه البذل، عالما في أمور الدين عالما في أمور الدنيا. ورعا أشد الورع، تقيا أعظم التقوى، متواضعا غاية التواضع، عاقلا متزنا حصيفا، عفيفا يعتمد على عمله، ويده دائما هي العليا، ناسكا في الليل بزازا (٥) في النهار، يعمل لدنياه كأنه يعيش أبدا، ويعمل لأخراه كأنه يموت غدا.
إنه مثال للمسلم الحق قي مزاياه، ولمزايا الإسلام في تطبيقها العملي: دنيا وآخرة، مادة وروح، عمل ومسجد، وليس دنيا وحدها ولا آخرة وحدها، ولا مادة بلا روح، ولا روحا بلا مادة، ولا عملا بلا مسجد، ولا مسجدا بلا عمل، وتلك هي مزايا الإسلام الخالدة، التي جعلته يصلح لكل زمان ومكان.
стр. 4445
القائد:
أثبت عبد الرحمن بن عوف كفاية قتالية متميزة في كل غزوة خاضها تحت لواء
стр. 4446
الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام، فأسر في بعض تلك الغزوات أسرى من المشركين، وقتل منهم قتلى، وباشر القتال في الصفوف الأمامية، وثبت مع عدد قليل من المسلمين ثبتوا إلى جانب الرسول ﷺ واستقتل في الدفاع عن النبي ﷺ حتى أصيب بأكثر من عشرين جرحا، أحدها في ثنيتيه فهتم، وفي رجله فعرج كل حياته، فكان أعرج بعد إصابته برجله يوم أحد شاهدا على ثباته العنيد ووساما على شجاعته وبطولته.
لقد أبلى بلاء حسنا في كل غزوة خاضها، وبخاصة غزوة أحد، وأبدى شجاعة نادرة في تلك الغزوة وفي غيرها من الغزوات، حتى أصبح معدودا من شجعان المسلمين المعدودين الذين يشار إليهم بالبنان، ويرشحون لقيادة السرايا على عهد النبي ﷺ وقيادة الجيوش بعد انتقاله ﵊ إلى الرفيق الأعلى.
ولم يكن مجاهدا من الطراز الأول بنفسه فحسب، بل كان مجاهدا من الطراز الأول بماله أيضا، وقد ذكرنا جهاده بالمال نقدا وإبلا وخيولا، حتى نزلت فيه وفي عثمان بن عفان آية من آيات الذكر الحكيم كما ذكرنا ذلك في جهاده بالمال أيضا.
لقد كان ذكيا ألمعي الذكاء، آلفا مألوفا، يحب رجاله ويحبونه، ويثق بهم ويثقون به، ذا شخصية قوية متزنة، ملتزما بتعاليم الدين الحنيف في الحرب العادلة، فلا يغدر ولا يغل ولا ينقض عهدا ولا يقتل وليدا ولا امرأة ولا يعتدي على أحد، فكان يجاهد لإعلاء كلمة الله ولتكون كلمة الله هي العليا ولحماية الإسلام والمسلمين والدفاع عنهم وحماية حرية نشر العقيدة.
وكان ذا إرادة قوية ثابتة، يتحمل المسئولية ولا يلقيها على عواتق الآخرين أو يتهرب منها، له نفسية لا تتبدل في حالتي النصر والهزيمة، عارفا بنفسيات رجاله وطاقاتهم وقدراتهم وكفاياتهم، له ماض ناصع مجيد.
وكان عارفا بمبادئ الحرب، مطبقا لها: يختار مقصده اختيارا دقيقا، وكان قائدا تعرضيا، يطبق مبدأ المباغتة على خصمه، ويحرمه من تطبيق هذا المبدأ على رجاله، يحشد
стр. 4447
قوته قبل المعركة، ويقتصد بالمجهود ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ويحرص على أمن رجاله حرصا بغير حدود، خططه مرنة، يتعاون تعاونا وثيقا مع القيادة من جهة ومع رجاله من جهة أخرى، ويديم معنويات قواته، ويؤمن لها أمورها الإدارية.
يتحلى بالطاعة والضبط المتين، ولا يخالف الأوامر التي تصدر إليه، ولا يحب الفتنة ولا يحب أهلها ولا يسعى إليها بسيفه أو يده أو لسانه أو بها جميعا، فمصلحة المسلمين ووحدة كلمتهم وصفوفهم هي هدفه الأعلى الذي يسعى إلى تحقيقه بكل ما يستطيع من قوة وتصميم وعزم.
ولم يكن يحب الإمارة ولا يسعى إليها، ولكنه لا يمتنع عن توليها باعتبارها تكليفا لا تشريفا.
لقد كان من أولئك القادة الذين يعملون لعقيدتهم ولإخوانهم في العقيدة، ولا يعملون لأنفسهم ولذوي قرباهم، فمصلحته الخاصة لا شيء بالنسبة للمصلحة العامة للإسلام والمسلمين، وماله وروحه في خدمة الإسلام والمسلمين.
ولولا الإسلام لم يكن عبد الرحمن شيئا مذكورا، لذلك وهب كل شيء يملكه ويقدر عليه للإسلام.
стр. 4448
عبد الرحمن في التاريخ:
يذكر التاريخ لعبد الرحمن أنه كان أحد الثمانية الذين سبقوا للإسلام، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر الصديق.
ويذكر له، أنه كان من المهاجرين الأولين إلى الحبشة وإلى المدينة المنورة.
ويذكر له، أنه أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين جعل عمر بن الخطاب الخلافة فيهم، وأخبر أن رسول الله ﷺ توفي وهو عنهم راض.
ويذكر له أن النبي ﷺ صلى خلفه في غزوة تبوك.
ويذكر له أنه من القلائل الذين ثبتوا يوم أحد دفاعا عن النبي ﷺ وعن
стр. 4449
الإسلام.
ويذكر له، أنه قاد سرية من سرايا النبي ﷺ إلى بني كلب في دومة الجندل، فنجح في مهمته أعظم نجاح.
ويذكر له أنه أخرج نفسه من الخلافة، واختار للمسلمين خليفتهم الجديد.
ويذكر له أنه جاهد بماله جهادا كبيرا، كما جاهد بنفسه في سبيل الله.
رضي الله عن الصحابي الجليل، القائد الشجاع، المحدث الفقيه، التقي النقي، الغني المنفق، عبد الرحمن بن عوف الزهري.
محمود شيت خطاب