← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

قواهم، فكلما سمع الناس قصدهم إلى بلد فروا من مواجهتهم. وقد سهل هذا الرعب لهؤلاء الغزاة المعتدين سبيل النصر والغلبة. وكان الخليفة المستكفي بالله والسلطان الناصر مقيمين في مصر - كما هو معلوم - ويبدو أن أخبار عزم التتار على تجديد حملاتهم لدخول بلاد الشام وإزالة دولة المماليك بلغ المسئولين في مصر، فعمل العلماء وأولو الفكر والرأي على إشراك الخليفة والسلطان في مواجهة هؤلاء الغزاة، وقام شيخ الإسلام ابن تيمية بمهمة جسيمة في هذا المجال. ففي شهر رجب من سنة ٧٠٢هـ قويت الأخبار بعزم التتار على دخول بلاد الشام، فانزعج الناس لذلك، واشتد خوفهم جدا كما يقول الحافظ ابن كثير (١)، وقنت الخطيب في الصلوات، وقرئ البخاري، وهذه عادة كانوا يستعملونها في مواجهة الأعداء، فيعمدون إلى قراءته في المسجد الجامع (٢). وشرع الناس في الهرب إلى الديار المصرية والكرك والحصون المنيعة، وتأخر مجيء العساكر المصرية عن إبانها فاشتد لذلك الخوف. قال ابن كثير: (وفي يوم السبت عاشر شعبان ضربت البشائر بالقلعة- أي قلعة دمشق - وعلى أبواب الأمراء بخروج السلطان بالعساكر من مصر لمناجزة التتار المخذولين. . . وفي ثامن عشر من شعبان قدمت طائفة كبيرة من جيش المصريين، فيهم كبار الأمراء من أمثال (ركن الدين بيبرس الجاشنكير وحسام الدين لاجين وسيف الدين كراي). ثم قدمت بعدهم طائفة أخرى فيهم بدر الدين أمير السلاح وأيبك الخزندار. فقويت القلوب في دمشق، واطمأن كثير من الخلق، ولكن الناس في الشمال سيطر

стр. 4377

عليهم الذعر، واستبد بهم الفزع، فنزح عدد عظيم من بلاد حلب وحماة وحمص وتلك النواحي، وتقهقر الجيش الحلبي والحموي إلى حمص. . ثم خافوا أن يدهمهم التتار فنزلوا إلى المرج. ووصل التتار إلى حمص وبعلبك وعاثوا في تلك البلاد فسادا، وقلق الناس قلقا عظيما لتأخر قدوم السلطان ببقية الجيش، وخافوا خوفا شديدا، وبدأت الأراجيف تنتشر وشرع المثبطون يوهنون عزائم المقاتلين ويقولون: لا طاقة لجيش الشام مع هؤلاء المصريين بلقاء التتار لقلة المسلمين وكثرة التتار. وزينوا للناس التراجع والتأخر عنهم مرحلة مرحلة. ولكن تأثير العلماء ولا سيما شيخ الإسلام ابن تيمية كان يتصدى لهؤلاء المرجفين المثبطين، حتى استطاعوا أن يقنعوا الأمراء بالتصدي للتتار مهما كان الحال. واجتمع الأمراء وتعاهدوا، وتحالفوا على لقاء العدو، وشجعوا أنفسهم ورعاياهم، ونودي بالبلد دمشق أن لا يرحل منه أحد، فسكن الناس وهدأت نفوسهم، وجلس القضاة بالجامع يحلفون جماعة من الفقهاء والعامة على القتال، وتوقدت الحماسة الشعبية، وارتفعت الروح المعنوية عند العامة والجند، وكان لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أعظم التأثير في ذلك الموقف، فلقد عمل على تهدئة النفوس، حتى كان الاستقرار الداخلي عند الناس، والشعور بالأمن ورباطة الجأش. ثم عمل على إلهاب عواطف الأمة، وإذكاء حماستها، وتهيئتها لخوض معركة الخلاص. . ثم توجه بعد ذلك ابن تيمية إلى العسكر الواصل من حماة، فاجتمع بهم في القطيفة (١)، فأعلمهم بما تحالف عليه الأمراء والناس من لقاء العدو، فأجابوا إلى ذلك وحلفوا معهم. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يحلف للأمراء والناس: إنكم في هذه الكرة منصورون.

стр. 4378

فيقول له الأمراء: قل إن شاء الله. فيقول: إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا. وكان يتأول في ذلك أشياء من كتاب الله منها قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ (١) وقد ظهرت عند بعضهم شبهات تفت في عضد المحاربين للتتار، من نحو قولهم: كيف نقاتل هؤلاء التتار وهم يظهرون الإسلام وليسوا بغاة على الإمام. . فإنهم لم يكونوا في طاعته في وقت ثم خالفوه. فرد شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الشبهة قائلا: هؤلاء من جنس الخوارج الذين خرجوا على علي ومعاوية ﵄ ورأوا أنهم أحق بالأمر منهما، وهؤلاء يزعمون أنهم أحق بإقامة الحق من المسلمين وهم متلبسون بالمعاصي والظلم. فانجلى الموقف وزالت الشبهة، وتفطن العلماء لذلك، ومضى يؤكد لهم هذا الموقف قائلا: إذا رأيتموني في ذلك الجانب - يريد جانب العدو - وعلى رأسي مصحف فاقتلوني، (٢) فتشجع الناس في قتال التتار وقويت قلوبهم. وامتلأت قلعة دمشق والبلد بالناس الوافدين، وازدحمت المنازل والطرق، وخرج الشيخ تقي الدين ابن تيمية ﵀ من دمشق صبيحة يوم الخميس من باب النصر، بمشقة كبيرة، وصحبته جماعة كبيرة؛ ليشهد القتال بنفسه وبمن معه، فظن بعض الرعاع أنه خرج للفرار، فقالوا: أنت منعتنا من الجفل وها أنت ذا هارب من البلد. . . فلم يرد عليهم إعراضا عنهم وتواضعا لله، ومضى في طريقه إلى ميدان المعركة. وخرجت العساكر الشامية إلى ناحية قرية الكسوة. ووصل التتار إلى قارة (٣) وقيل: إنهم وصلوا إلى القطيفة فانزعج الناس لذلك،

стр. 4379

وخافوا أن يكون العساكر قد هربوا، وانقطعت الآمال، وألح الناس في الدعاء والابتهال في الصلوات وفي كل حال، وذلك يوم الخميس التاسع والعشرين من شعبان. . . فلما كان آخر هذا اليوم وصل أحد أمراء دمشق، فبشر الناس بأن السلطان قد وصل وقت اجتماع العساكر المصرية والشامية. وتابع التتار طريقهم من الشمال إلى الجنوب، ولم يدخلوا دمشق، بل عرجوا إلى ناحية تجمع العساكر، ولم يشغلوا أنفسهم باحتلال دمشق وقالوا: إن غلبنا فإن البلد لنا، وإن غلبنا فلا حاجة لنا به. ووقفت العساكر قريبا من قرية الكسوة، فجاء العسكر الشامي، وطلبوا من شيخ الإسلام ابن تيمية أن يسير إلى السلطان يستحثه على السير إلى دمشق، فسار إليه، فحثه على المجيء إلى دمشق بعد أن كاد يرجع إلى مصر. فجاء هو وإياه جميعا، فسأله السلطان أين يقف معه في معركة القتال؟ فقال له الشيخ ابن تيمية: السنة أن يقف الرجل تحت راية قومه، ونحن من جيش الشام لا نقف إلا معهم. وحرض السلطان على القتال، وبشره بالنصر، وجعل يحلف بالله الذي لا إله إلا هو: إنكم منصورون عليهم في هذه المرة، فيقول له الأمراء: قل إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا. وأفتى الناس بالفطر مدة قتالهم، وأفطر هو أيضا، وكان يدور على الأجناد والأمراء، فيأكل من شيء معه في يده؛ ليعلمهم أن إفطارهم ليتقووا به على القتال أفضل من صيامهم. ولقد نظم المسلمون جيشهم في يوم السبت ٢ رمضان (١٩ نيسان - إبريل) أحسن تنظيم، في سهل شقحب الذي يشرف عليه جبل غباغب. وكان السلطان الناصر في القلب، ومعه الخليفة المستكفي بالله والقضاة والأمراء. وقبل بدء القتال اتخذت الاحتياطات اللازمة، فمر السلطان ومعه الخليفة والقراء بين صفوف جيشه، بقصد تشجيعهم على القتال وبث روح الحماسة فيهم. وكانوا يقرءون آيات القرآن التي تحض على الجهاد والاستشهاد، وكان الخليفة

стр. 4380

يقول: دافعوا عن دينكم وعن حريمكم. ووضعت الأحمال وراء الصفوف، وأمر الغلمان بقتل من يحاول الهرب من المعركة. ولما اصطفت العساكر والتحم القتال ثبت السلطان ثباتا عظيما، وأمر بجواده فقيد حتى لا يهرب، وبايع الله تعالى في ذلك الموقف يريد إحدى الحسنيين إما النصر وإما الشهادة في سبيل الله، وصدق الله فصدقه الله. وجرت خطوب عظيمة، وقتل جماعة من سادات الأمراء يومئذ، منهم الأمير حسام الدين لاجين الرومي، وثمانية من الأمراء المقدمين معه. واحتدمت المعركة، وحمي الوطيس، واستحر القتل، واستطاع المغول في بادئ الأمر أن ينزلوا بالمسلمين خسارة ضخمة، فقتل من قتل من الأمراء. . . ولكن الحال لم يلبث أن تحول بفضل الله ، وثبت المسلمون أمام المغول، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وتغير وجه المعركة، وأصبحت الغلبة للمسلمين، حتى أقبل الليل فتوقف القتال إلا قليلا، وطلع المغول إلى أعلى جبل غباغب، وبقوا هناك طول الليل، ولما طلع النهار نزلوا يبغون الفرار بعد أن ترك لهم المسلمون ثغرة في الميسرة ليمروا منها، وقد تتبعهم الجنود المسلمون وقتلوا منهم عددا كبيرا، كما أنهم مروا بأرض موحلة، وهلك كثيرون منهم فيها، وقبض على بعضهم. قال ابن كثير: (فلما جاء الليل لجأ التتار إلى اقتحام التلول والجبال والآكام، فأحاط بهم المسلمون يحرسونهم من الهرب، ويرمونهم عن قوس واحدة إلى وقت الفجر، فقتلوا منهم ما لا يعلم عدده إلا الله ، وجعلوا يجيئون بهم من الجبال فتضرب أعناقهم) (١). ثم لحق المسلمون أثر المنهزمين إلى (القريتين) (٢) يقتلون منهم ويأسرون. ووصل التتار إلى الفرات وهو في قوة زيادته، فلم يقدروا على العبور. . . والذي عبر فيه هلك، فساروا على جانبه إلى بغداد، فانقطع أكثرهم على شاطئ الفرات وأخذ العرب منهم جماعة كثيرة (٣).

стр. 4381

وفي يوم الاثنين رابع رمضان رجع الناس من الكسوة إلى دمشق، فبشروا الناس بالنصر، وفيه دخل شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية البلد ومعه أصحابه من المجاهدين، ففرح الناس به، ودعوا له، وهنئوه بما يسر الله على يديه من الخير. وفي يوم الثلاثاء خامس رمضان دخل السلطان إلى دمشق وبين يديه الخليفة، وزينت البلد، وبقيا في دمشق إلى ثالث شوال إذ عادا إلى الديار المصرية (١). وكان فرح السلطان الناصر محمد بن قلاوون والمسلمين بهذه المعركة فرحا كبيرا، ودخل مصر دخول الظافر المنتصر، يتقدم موكبه الأسرى المغول، يحملون في أعناقهم رءوس زملائهم القتلى، واستقبل استقبال الفاتحين. ولما كان ابن تيمية ﵀ بطلا من أبطال هذه المعركة، أحببت أن يطلع القارئ الكريم على وصف رجال كانوا معه في المعركة، يحدثوننا عما شاهدوا مشاهدة عيان من مواقف الشيخ في هذه المعركة، وبطولاته الرائعة. قال ابن عبد الهادي: (وقد أخبرني حاجب أمير، ذو دين متين، وصدق لهجة، معروف في الدولة قال: قال لي الشيخ يوم اللقاء ونحن بمرج الصفر وقد تراءى الجمعان: يا فلان! أوقفني موقف الموت. قال: فسقته إلى مقابلة العدو وهم منحدرون كالسيل تلوح أسلحتهم من تحت الغبار المنعقد عليهم. ثم قلت له: يا سيدي هذا موقف الموت، وهذا العدو قد أقبل تحت هذه الغبرة المنعقدة، فدونك ما تريد. قال: فرفع طرفه إلى السماء، وأشخص بصره، وحرك شفتيه طويلا، ثم انبعث وأقدم على القتال. وأما أنا فخيل لي أنه دعا عليهم، وأن دعاءه استجيب منه في تلك الساعة. . . ثم حال القتال بيننا والالتحام، وما عدت رأيته حتى فتح الله ونصر، وانحاز التتار

стр. 4382

إلى جبل صغير عصموا نفوسهم به من سيوف المسلمين في تلك الساعة. . . وكان آخر النهار، وإذا أنا بالشيخ وأخيه يصيحان بأعلى صوتيهما تحريضا على القتال، وتخويفا للناس من الفرار) (١). وقال ابن عبد الهادي: (وفي أول شهر رمضان من سنة اثنتين وسبعمائة كانت وقعة شقحب المشهورة، وحصل للناس شدة عظيمة، وظهر فيها من كرامات الشيخ وإجابة دعائه، وعظيم جهاده وقوة إيمانه، وشدة نصحه للإسلام وفرط شجاعته، ونهاية كرمه، وغير ذلك من صفاته، ما يفوق النعت، ويتجاوز الوصف. ولقد قرأت بخط بعض أصحابه - وقد ذكر هذه الواقعة - قال: - واتفقت كلمة إجماعهم على تعظيم الشيخ تقي الدين ومحبته، وسماع كلامه ونصيحته، واتعظوا بمواعظه. . . ولم يبق من ملوك الشام تركي ولا عربي إلا واجتمع بالشيخ في تلك المدة، واعتقد خيره وصلاحه ونصحه لله ولرسوله وللمؤمنين. قال: - ثم ساق الله سبحانه جيش الإسلام العرمرم المصري، صحبه أمير المؤمنين والسلطان الملك الناصر، وولاة الأمر وزعماء الجيش وعظماء المملكة. . . سوقا حثيثا للقاء التتار المخذولين، فاجتمع الشيخ بالخليفة والسلطان وأرباب الحل والعقد وأعيان الأمراء عن آخرهم، وكلهم بمرج الصفر قبلي دمشق. . . وبقي الشيخ هو وأخوه وأصحابه ومن معه من الغزاة قائما. . . يوصي الناس بالثبات، ويعدهم بالنصر، ويبشرهم بالغنيمة والفوز بإحدى الحسنيين إلى أن صدق الله وعده، وأعز جنده، وهزم التتار وحده، ونصر المؤمنين، وهزم الجمع وولوا الدبر، وكانت كلمة الله هي العليا، وكلمة الكفار هي السفلى، وقطع دابر القوم الكفار، والحمد لله رب العالمين. ودخل جيش الإسلام المنصور إلى دمشق المحروسة، والشيخ في أصحابه شاكيا سلاحه، داخلا معهم، عالية كلمته، قائمة حجته، ظاهرة ولايته، مقبولة شفاعته،

стр. 4383

مجابة دعوته، ملتمسة بركته، مكرما معظما، ذا سلطان وكلمة نافذة، وهو مع ذلك يقول للمداحين: أنا رجل ملة لا رجل دولة) (١). وقد سجل الشعر هذه المعركة وتغنى الشعراء بنصر المسلمين فيها، وسأورد شيئا من ذلك فقد قال محمد بن إبراهيم الجزري يصف هزيمة المغول في هذه المعركة: مضوا متسابقي الأعضاء , فيهم ... لا رؤسهم بأرجلهم عثار إذا فاتوا الرماح تناولتهم ... بأرماح من العطش القفار وقال محمد البزار المنبجي: إن البغاة بني خاقان أقدمهم ... على هلاكهم الطغيان والأشر راموا - وقد حشدوا - غلبا فما غلبوا ... وحاولوا النصر تضليلا فما نصروا يا وقعة المرج مرج الصفر افتخرت ... بك الوقائع في الآفاق والعصر رفعت بالنصر أعلام الهدى ولقد ... جردت للشرك كسرا ليس ينجبر وقال شرف الدين بن الوحيد: ولما غزا قازان عقر ديارنا ... وأعطاه من يعطي ومن يمنع النصرا تمرد طغيانا وزاد تجبرا ... ولم ينتبه بغيا ولم يستفق سكرا وجاءت ملوك المغل كالرمل كثرة ... وقد ملكت سهل البسيطة والوعرا فأنصفت الأيام في الحكم بيننا ... فكانت له الأولى , وكانت لنا الأخرى وكان نهار السبت بالنصر شاهدا ... بصدق , وكان الوقت قد زحم العصرا فلله در الترك كم سفكت دما ... وكم قطعت رأسا وكم نحرت نحرا فولت ولاذت بالجبال تحصنا ... ولولا تخاف القتل لاختارت الأسرا وقال شمس الدين السيوطي يصف معركة شقحب: يا مرج صفر بيضت الوجوه كما ... فعلت من قبل (٢) والإسلام يؤتنف أزهر روضك أزهى عند نفحته ... أم يانعات رءوس فيك تقتطف؟

стр. 4384

غدران أرضك قد أضحت لواردها ... ممزوجة بدماء المغل تغترف دارت عليهم من الشجعان دائرة ... فما نجا سالم منها وقد زحفوا ونكسوا منهم الأعلام فانهزموا ... ونكصوهم على الأعلام فانقصفوا ففي جماجمهم بيض الظبا زبر ... وفي كلاكلهم سمر القنا قصف فروا من السيف ملعونين حيث سروا ... وقتلوا في البراري حيثما ثقفوا فما استقام لهم في (اعواج) (١) نهج ... ولا أجارهم من (مانع) (٢) كنف (٣) هذا ومن المفيد أن نعرف بالخليفة الذي غامر بحياته وجاء مجاهدا في سبيل الله يحضر هذه المعركة ويحرض المؤمنين على القتال. إنه أمير المؤمنين المستكفي بالله أبو الربيع سليمان بن أحمد بن الحسن، ولد سنة ٦٨٣هـ واشتغل بالعلم قليلا، وخطب له سنة ٧٠١هـ، وفوض جميع ما يتعلق به من الحل والعقد إلى السلطان الملك الناصر، وحصل بينه وبين الناصر نفور بعد أن كانت العلاقات بينهما على أحسن ما تكون العلاقات، فغضب عليه السلطان وسيره إلى قوص سنة ٧٣٦هـ! وظل يخطب له حتى توفي بقوص في شعبان سنة ٧٤٠ هـ. قال ابن حجر: كان فاضلا جوادا حسن الخط جدا، يعرف بلعب الأكره ورمي البندق، وكان يجالس العلماء والأدباء (٤). ومن المفيد أيضا أن نعرف بالملك الناصر الذي كان له الفضل الكبير في هذه المعركة الفاصلة: إنه محمد بن قلاوون بن عبد الله الصالحي أبو الفتح، من كبار ملوك دولة المماليك، ودولة المماليك مظلومة في أذهان كثير من مثقفي المسلمين، فهم يتصورون عهدهم عهد

стр. 4385

ظلم وتخلف وجهل وانحطاط، وليس هذا بصحيح على إطلاقه. . . لقد كانت هناك جوانب مضيئة إيجابية؛ من أهم هذه الجوانب أن هذه الدولة التي امتدت قرابة ثلاثة قرون (١) كانت هي المدافع الأول عن الإسلام. وقد استطاعت هذه الدولة أن تطهر بلاد المسلمين من بقايا الصليبيين، وأن تنهي أمر التتار إلى غير رجعة، وأن تدافع عن مذهب أهل السنة والجماعة وتمكن له، وكانت أيامها أيام نضج علمي، عمت فيها المدارس والجامعات الديار الشامية والمصرية. وحبذا لو عولجت هذه الحقبة من وجهة نظر إسلامية، معالجة متأنية منصفة. ولد الملك الناصر سنة ٦٨٤ هـ وكانت إقامته في طفولته بدمشق، ولي سلطنة مصر والشام سنة ٦٩٣هـ وكان عمره إذ ذاك تسع سنين، ثم خلع منها لحداثته سنة ٦٩٤هـ فأرسل إلى الكرك وهي مدينة (٢) مشهورة الآن في الأردن وكانت حصنا من أمنع الحصون. وكانت مركزا مهما من أقوى مراكز الدولة في بلاد الشام. وأعيد للسلطنة بمصر سنة ٦٩٨هـ وكان قد بلغ الرابعة عشرة من عمره ولم تكن لديه الخبرة ولا الدراية التي تمكنه من أن يسوس الأمور بنفسه مستقلا، فكانت أمور الدولة في يد الاستادار الأمير بيبرس الجاشنكير ونائب السلطنة الأمير سلار. ولما أراد أن يتخلص من سيطرتهما رسم خطة، وأحكم تنفيذها، فقد تظاهر بأنه عازم على الحج، وأعلن ذلك في الدولة، وتوجه بأسرته وحاشيته ومماليكه وخيله. . وسار حتى بلغ الكرك، فنزل بقلعتها واستولى على ما فيها، وأعلن أنه قد عدل عن الحج واختار الإقامة في الكرك، وباشر حكمها وإدارة الأمور فيها، وترك السلطنة، وكتب بذلك إلى الأمراء في مصر. فاجتمع هؤلاء ونادوا بالأمير بيبرس الجاشنكير سلطانا على مصر والشام سنة ٧٠٨هـ ولقبوه بالملك المظفر.

стр. 4386

وأمضى الناصر في الكرك قريبا من عام، ثم وثب فدخل دمشق وزحف إلى مصر، فقاتل المظفر بيبرس، وعاد إلى عرشه سنة ٧٠٩ هـ وقتل بيبرس وشرد أنصاره، واستمر في سلطنته الأخيرة هذه اثنتين وثلاثين سنة وخمسة وعشرين يوما إلى أن مات، كان فيها الحاكم الحقيقي، وكانت له فيها سيرة محمودة، واعتنى بالعمران حتى أضحت القاهرة زينة الدنيا، واقتدى الناس به فتباروا في العمران. يقول المقريزي: (وكأنما نودي في الناس ألا يبقى أحد حتى يعمر وذلك أن الناس على دين ملوكهم). وقال الزركلي: (وأحدث من العمران ما ملأ ذكره صفحتين من كتاب المقريزي). وكان كريما غاية في الكرم، وكان عف اللسان، فلم يضبط عليه أحد أنه أطلق لسانه بكلام فاحش في شدة غضبه ولا انبساطه، كانت عنده غيرة على الدين ورعاية لأحكامه. قال ابن حجر (١) في (الدرر): كانت وقعة شقحب، وكان للناصر فيها اليد البيضاء من الثبات ووقع النصر للمسلمين. وقال (٢): كان مطاعا مهيبا عارفا بالأمور يعظم أهل العلم والمناصب الشرعية، ولا يقرر فيها إلا من يكون أهلا لها ويتحرى لذلك ويبحث عنه ويبالغ. وأسقط من مملكته مكس الأقوات، ومكس الأقوات هو الضريبة التي تفرض على الأقوات. توفي بالقاهرة في ذي الحجة من سنة ٧٤١هـ ﵀ رحمة واسعة. وهكذا انتهت هذه المعركة بهزيمة التتار وانتصار المسلمين، وجدير بالذكر أن نشير إلى أن هذه الحملة الثالثة من حملات التتار كانت هي آخر الحملات الكبرى، التي قام بها هؤلاء المتوحشون، ينقضون على بلاد الإسلام الآمنة المطمئنة. ولقد كان هناك حلف واضح بين التتار والنصارى، كشفنا عن بعض جوانبه في الصفحات السابقة، وقد يكون من مقاصد هؤلاء التتار الاستيلاء على الأماكن التي يقدسها النصارى، ثم إعطاؤهم حق الإشراف عليها. ولكن المسلمين ردوهم على أعقابهم خاسرين، فما حققوا لهم ما يريدون ثم إن

стр. 4387

المغول دخلوا في دين الله العظيم، وكانت هذه معجزة للإسلام؛ فقد عهد التاريخ البشري أن المغلوب يدخل في دين الغالب، ولكن الإسلام العظيم غلب، وأصبح هؤلاء القوم بعد إسلامهم مددا لقوة الإسلام وتياره المستمر. وبعد فما أشبه الليلة بالبارحة. إن من يتأمل - على ضوء أحداث الماضي - أحوال المسلمين اليوم وكيف تتعرض بلادهم إلى الاحتلال والتقسيم، ليجد عبرة عظمى وموعظة بليغة. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (١). محمد بن لطفي الصباغ

стр. 4388

صفحة فارغة

стр. 4389

عبد الرحمن بن عوف الزهري حواري النبي ﷺ وقائد إحدى سراياه بقلم اللواء الركن محمود شيت خطاب اللواء محمود شيت خطاب من أبرز الكتاب الإسلاميين العسكريين، اهتم بإلقاء الضوء على قادة صدر الإسلام. له أكثر من خمسين كتابا في أشهر القادة المسلمين والمعارك الفاصلة. . رأس اللجنة التي وضعت المعجم العسكري العربي في الستينات تحت إشراف الجامعة العربية.

стр. 4390

صفحة فارغة

стр. 4391

نسبه وأيامه الأولى هو عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الله بن الحارث بن زهرة (١) بن كلاب بن مرة (٢) بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة (٣) القرشي الزهري، يكنى؛ أبا محمد، وكان اسمه في الجاهيلة: عبد عمرو، وقيل: عبد الكعبة، فسماه رسول الله ﷺ : عبد الرحمن (٤). وأمه: الشفاء بنت عوف بن عبد الله بن الحارث بن زهرة (٥) بن كلاب بن مرة، وقتل أبوه عوف بالغميصاء، قتله بنو جذيمة (٦). يجتمع نسبه مع نسب رسول الله ﷺ في كلاب بن مرة، وينسب إلى زهرة بن كلاب، فيقال: القرشي الزهري (٧)، وهو من أخوال النبي ﷺ ؛ لأن بني زهرة أخوال النبي ﷺ (٨)، وآمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة

стр. 4392

هي أم النبي ﷺ ، وهي من بني زهرة (١). ولد بعد عام الفيل بعشر سنين (٢)، وكان عام الفيل سنة (٥٧١ م) (٣) وهو عام مولد النبي ﷺ (٤)، أي أن مولد عبد الرحمن بن عوف كان سنة (٥٨١ م)، فهو أصغر سنا من النبي ﷺ بعشر سنين. أسلم قديما على يدي أبي بكر (٥) الصديق ﵁ قبل أن يدخل رسول الله ﷺ دار الأرقم بن أبي الأرقم (٦)، وكان أحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذي أسلموا على يدي أبي بكر (٧) وهم: عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله (٨)، وقد كان أبو بكر رجلا مؤلفا لقومه محببا سهلا، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بها، وبما كان فيها من خير وشر، وكان رجلا تاجرا ذا خلق ومعروف، وكان رجال قريش يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر: لعلمه، وتجارته، وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الله وإلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم بدعائه أولئك الخمسة الذين أصبح لهم في الإسلام شأن أي شأن، فجاء بهم إلى رسول الله ﷺ حين استجابوا له، فأسلموا وصلوا (٩).

стр. 4393

ولما رأى رسول الله ﷺ ما يصيب أصحابه من البلاء، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء قال لهم: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق؛ حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه»، فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله ﷺ إلى أرض الحبشة، مخافة الفتنة، وفرارا إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة في الإسلام وكان من أول من خرج من المسلمين من بني زهرة عبد الرحمن بن عوف (١)، وكان أحد العشرة الأوائل الذين هاجروا إلى أرض الحبشة من المسلمين. وبلغ أصحاب رسول الله ﷺ الذين هاجروا إلى أرض الحبشة إسلام أهل مكة فأقبلوا لما بلغهم من ذلك، حتى إذا دنوا من مكة بلغهم أن ما كانوا تحدثوا به من إسلام أهل مكة كان باطلا، فلم يدخل منهم أحد إلا بجوار أو مستخفيا، فكان عبد الرحمن أحد العائدين من أرض الحبشة إلى مكة (٢). وقد هاجر عبد الرحمن إلى أرض الحبشة من مكة الهجرتين جميعا (٣)، وقال المسور بن مخرمة: (بينما أنا أسير في ركب بين عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الرحمن قدامى عليه خميصة سوداء، فناداني عثمان: يا مسور! فقلت: لبيك يا أمير المؤمنين! فقال: من زعم أنه خير من خالك في الهجرة الأولى وفي الهجرة الثانية، فقد

стр. 4394

كذب) (١) ويقصد بالهجرة الأولى الهجرة إلى أرض الحبشة، وبالهجرة الآخرة الهجرة إلى المدينة المنورة. وكان النبي ﷺ قد آخى بين أصحابه المهاجرين قبل الهجرة على الحق والمواساة وذلك بمكة، فآخى بين عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، فقال عثمان: (إن لي حائطين فاختر أيهما شئت) فقال عبد الرحمن: (بارك الله لك في حائطك، ما لهذا أسلمت، دلني على السوق)، فدله عثمان، فكان يشتري السمنة والأقيطة (٢) والإهاب (٣)، فجمع فتزوج. وأمر رسول الله ﷺ أصحابه من المهاجرين من قومه ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها واللحوق بإخوانهم الأنصار، وقال «إن الله قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها»، فخرجوا أرسالا، وأقام رسول الله ﷺ بمكة ينظر أن يأذن له ربه في الخروج من مكة والهجرة إلى المدينة (٤). وهاجر عبد الرحمن من مكة إلى المدينة، فنزل في رجال من المهاجرين على سعد بن الربيع الخزرجي (٥). وبعد أن هاجر النبي ﷺ من مكة إلى المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار بعد بنائه المسجد، وقيل: إن المؤاخاة كانت والمسجد يبنى، على المواساة والحق، فكانوا

стр. 4395

يتوارثون بذلك دون القرابات، حتى نزلت: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (١)، فنسخت هذه الآية ما فرضته هذه المؤاخاة من التوارث، أما ما وراءها من الحق والمواساة، فقد ظلا قائمين، فآخى بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع أخي بني الحارث بن الخزرج (٢). ومن الواضح أن النبي ﷺ آخى بين المهاجرين في مكة قبل الهجرة إلى المدينة، فآخى بين عبد الرحمن بن عوف وبين عثمان بن عفان في مكة، وبينه وبين سعد بن الربيع الخزرجي في المدينة، ولا تناقض بين المؤاخاة المكية والمؤاخاة المدنية، كما توهم قسم من المؤرخين وكتاب السير. فالأمر واضح لا لبس فيه. لقد كان عبد الرحمن من المهاجرين الأولين إلى الحبشة وإلى المدينة (٣). ولما آخى النبي ﷺ بين عبد الرحمن وسعد بن الربيع الخزرجي الأنصاري، قال سعد: (أخي! أنا أكثر أهل المدينة مالا، فانظر شطر مالي فخذه، وتحتي امرأتان فانظر أيتهما أعجب إليك حتى أطلقها لك). فقال عبد الرحمن: (بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق). فدلوه على السوق، فاشترى وباع فربح، فجاء بشيء من أقط (٤) وسمن ثم لبث ما شاء الله أن يلبث، فجاء وعليه ردع (٥) من زعفران، فلما سأله النبي ﷺ عن أثر الطيب فيه، قال: «يارسول الله! تزوجت امرأة). قال: (فما أصدقتها؟) قال: (وزن نواة من ذهب). قال: (أولم ولو بشاة (٦)»). قال عبد الرحمن: (فلقد رأيتني ولو رفعت حجرا رجوت أن أصيب تحته ذهبا أو فضة) (٧). وكان رسول الله ﷺ خط الدور بالمدينة، فخط لبني زهرة في ناحية من مؤخر المسجد، فكان لعبد الرحمن الحش، والحش نخل صغار لا يسقى (٨) كما تزوج امرأة من الأنصار على ثلاثين ألف درهم (٩).

стр. 4396

وهكذا استقر المهاجر في بلد أمين، في منزل مريح، في أهل وولد، وفي تجارة رابحة ليبدأ صفحة جديدة من حياته، هي صفحة الجهاد في سبيل الله.

стр. 4397

جهاده: في غزوة بدر الكبرى: خرج المسلمون من المدينة إلى موقع (بدر) يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان من السنة الثانية الهجرية (١)، وكانت إبل المسلمين سبعين بعيرا، فكانوا يتعاقبون عليها: البعير بين الرجلين والثلاثة والأربعة، فكان بين أبي بكر وعمر وعبد الرحمن بعير يعتقبونه (٢) قال عبد الرحمن: «عبأنا رسول الله ﷺ بليل، فصفنا، فأصبحنا ونحن علي صفوفنا وبينما أنا واقف في الصف يوم بدر، فإذا أنا بين غلامين من الأنصار، حديثة أسنانهما، فتمنيت أن أكون بين أضلع منهما. فغمزني أحدهما فقال: يا عم! أتعرف أبا جهل؟ قلت: نعم، وما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أنبئت أنه يسب رسول الله ﷺ ، والذي نفسي بيده، لو رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا. وغمزني الآخر، فقال مثلها، فلم ألبث أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس، فقلت: ألا تريان! هذا صاحبكما الذي تسألان عنه، فابتدراه بسيفيهما، فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله ﷺ فأخبراه، فقال: أيكما قتله؟ فقال كل واحد منهما: أنا قتلته. قال: هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: لا. فنظر في السيفين فقال: كلاكما قتله (٥)». وقد استشهد هذان البطلان الصغيران في بدر، وهما ابنا عفراء، عوف بن الحارث الخزرجي الأنصاري ومعوذ بن الحارث الخزرجي الأنصاري

стр. 4398

كما روى عبد الرحمن قصة قتل أمية بن خلف فقال: (كان أمية بن خلف لي صديقا بمكة، وكان اسمي عبد عمرو، فتسميت حين أسلمت: عبد الرحمن، ونحن بمكة، فكان يلقاني إذ نحن بمكة فيقول: يا عبد عمرو، أرغبت عن اسم سماكه أبوان؟ فأقول: نعم. فيقول: فإني لا أعرف الرحمن، فاجعل بيني وبينك شيئا أدعوك به، أما أنت فلا تجيبني باسمك الأول، وأما أنا فلا أدعوك بما لا أعرف، فكان إذا دعاني يا عبد عمرو لم أجبه! فقلت: يا أبا علي! اجعل ما شئت! قال: فأنت عبد الإله. قلت: نعم! فكنت إذا مررت به قال: يا عبد الإله، فأجيبه، فأتحدث معه. حتى إذا كان يوم بدر مررت به وهو واقف مع ابنه علي بن أمية آخذ بيده، ومعي أدراع لي قد استلبتها، فأنا أحملها. فلما رآني قال لي: يا عبد عمرو! فلم أجبه! فقال: يا عبد الإله! فقلت: نعم، قال: هل لك في فأنا خير لك من هذه الأدراع التي معك؟ فطرحت الأدراع من يدي، وأخذت بيده ويد ابنه وهو يقول: ما رأيت كاليوم قط!!! أما لكم حاجة في اللبن (١)؟! وقال لي أمية بن خلف: يا عبد الإله! من الرجل المعلم بريشة نعامة في صدره؟ قلت: ذاك حمزة بن عبد المطلب! قال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل!! فوالله إني لأقودهما، إذ رآه بلال معي، وكان هو الذي يعذب بلالا بمكة على ترك الإسلام، فيخرجه إلى رمضاء (٢) مكة إذا حميت، فيضجعه على ظهره، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول: لا تزال هكذا أو تفارق دين محمد، فيقول بلال: أحد، أحد! فلما رآه قال: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا! فقلت: أي بلال! أبأسيري؟ قال: لا نجوت إن نجا! ثم صرخ بأعلى صوته: يا أنصار الله! رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا، فأحاطوا بنا، حتى جعلونا كالمسكة (٣)، وأنا أذب عنه، فأخلف رجل السيف (٤)، فضرب رجل ابنه فوقع. وصاح أمية صيحة ما سمعت بمثلها قط، فقلت: انج بنفسك ولا نجاء بك، فوالله ما أغني عنك شيئا! فهبروهما (٥) بالسيوف حتى فرغوا منهما، فكان عبد الرحمن يقول: يرحم الله بلالا!

стр. 4399

ذهبت أدراعي، وفجعني بأسيري (١)). وقد أسر السائب بن أبي حبيش الأسدي يوم بدر (٢)، كما قتل السائب بن أبي رفاعة من بني أمية بن المغيرة من بني مخزوم (٣). لقد كان عبد الرحمن بدريا من البدريين الفاعلين: قاتل وقتل، وأسر وغنم مما يدل على أثره البارز في هذه الغزوة الحاسمة.

стр. 4400

٢ - في غزوة أحد: وكانت هذه الغزوة في شهر شوال من سنة ثلاث الهجرية. وثبت رسول الله ﷺ يوم أحد في عصابة صبروا معه: أربعة عشر رجلا، سبعة من المهاجرين، وسبعة من الأنصار، وكان عبد الرحمن أحد السبعة المهاجرين الذين ثبتوا يوم أحد مع رسول الله ﷺ ، فجرح يومئذ إحدى وعشرين جراحة، (وجرح في رجله وسقطت ثنيتاه) (١)، وجرح في رجله فكان يعرج منها، وسقطت ثنيتاه فكان أهتم (٢)، وقتل أسيد بن أبي طلحة (٣) وهو من بني عبد الدار من قريش، فكان من قتل في هذا اليوم من بني عبد الدار عشرة نفر، ومولى لهم (٤)، وقيل: إنه قتل كلاب ابن أبي طلحة أيضا من بني عبد الدار (٥)، وعرج عبد الرحمن من جراحه برجله إلى أن مات (٦).

стр. 4401

لقد كان عبد الرحمن بحق أحد أبطال المسلمين في غزوة (أحد)، فقد استقتل في الدفاع عن النبي ﷺ ، وثبت ثبات الرواسي في المعركة في موقف خطير للغاية، فأدى واجبه في الدفاع عن النبي ﷺ وفي الثبات على أحسن ما يكون عليه الدفاع البطولي والثبات العنيد.

стр. 4402

٣ - في الغزوات الأخرى: شهد عبد الرحمن تحت لواء النبي ﷺ المشاهد كلها (١)، فشهد غزوة بني النضير من يهود التي كانت في شهر ربيع الأول من السنة الرابعة الهجرية (٢)، فأعطى له رسول الله ﷺ (سؤالة) - وهو الذي يقال له مال سليم (٣). كما شهد غزوة الخندق (٤) التي كانت في شهر شوال من السنة الخامسة الهجرية (٥)، وشهد غزوة بني المصطلق (غزوة المريسيع) التي كانت في شعبان من السنة الخامسة الهجرية، وكان فارسا (٦). وشهد غزوة بني قريظة من يهود التي كانت في شهر ذي القعدة من سنة خمس الهجرية، وكان فارسا (٧)، فأعطى النبي ﷺ يومئذ للفرس سهمين ولصاحبه سهما واحدا (٨) ولما سبي بنو قريظة باع رسول الله ﷺ منهم من عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف طائفة (٩). وشهد غزوة (ذي قرد) (١٠) التي كانت في شهر جمادى الأولى من السنة السادسة

стр. 4403

الهجرية (١)، وكان لعبد الرحمن إبل ترعى في (الغابة) (٢)، كما كانت لرسول الله ﷺ لقاح (٣) ترعى في الغابة أيضا، فأغار عيينة بن حصن في أربعين فارسا على سرح المدينة، فأخطأ مكان إبل عبد الرحمن بن عوف واهتدى إلى لقاح رسول الله ﷺ ، فاستاقها، فطارده المسلمون (٤) وهرب المشركون. (٥)

стр. 4404

٤ - قائد سرية دومة الجندل: . كانت في شهر شعبان من سنة ست الهجرية، فقد دعا النبي ﷺ عبد الرحمن بن عوف، فأقعده بين يديه وعمه بيده، وقال: «اغز باسم الله وفي سبيل الله، فقاتل من كفر بالله، لا تغل، ولا تغدر، ولا تقتل وليدا (١)»). وبعثه إلى بني كلب بدومة الجندل، فمكث ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام، فأسلم الأصبغ بن عمرو الكلبي، وكان رأسهم، وأسلم معه ناس كثير من قومه، وأقام من أقام على إعطاء الجزية، وكان الأصبغ نصرانيا. وكان النبي ﷺ قد قال لعبد الرحمن: «إن استجابوا لك، فتزوج ابنة ملكهم»). فتزوج عبد الرحمن تماضر بنت الأصبغ، وقدم بها إلى المدينة، وهي أم أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف (٢). ولا نعلم شيئا عن عدد أفراد هذه السرية، وهي على كل حال من سرايا الدعوة، أدى فيها عبد الرحمن واجبه أداء كاملا.

стр. 4405

في الغزوات الجديدة: شهد غزوة الحديبية التي كانت في ذي القعدة من السنة السادسة الهجرية،

стр. 4406

فساق قوم من أصحاب رسول الله ﷺ الهدي من أهل الغنى، منهم عبد الرحمن (١)، وكان أحد شهود صلح الحديبية بين المسلمين وقريش (٢)، ثم نحر بدنات له ساقها من المدينة، وعاد مع النبي ﷺ إلى المدينة المنورة. وشهد غزوة خيبر التي كانت في شهر المحرم من السنة السابعة الهجرية (٣)، فوقع سهم عبد الرحمن مع قسم من الصحابة في (الشق) من خيبر، وقد جعل على كل مائة رأس من المسلمين رأس يعرف يقسم على أصحابه ما خرج من غلتها، فكان عبد الرحمن أحد الرؤساء (٤). وشهد غزوة فتح مكة التي كانت في شهر رمضان من السنة الثامنة الهجرية (٥)، فلما طلعت كتيبة رسول الله ﷺ الخضراء، ومر رسول الله ﷺ على ناقته القصواء بين أبي بكر وأسيد بن حضير وهو يحدثهما، فقال العباس لأبي سفيان بن حرب: (هذا رسول الله ﷺ في كتيبته الخضراء فيها المهاجرون والأنصار، فيها الرايات والألوية، مع كل بطن من الأنصار راية ولواء، في الحديد، لا يرى منهم إلا الحدق)، ويقال: كان في الكتيبة ألف دارع. وأعطى رسول الله ﷺ رايته سعد بن عبادة وهو أمام الكتيبة، فلما مر سعد براية النبي ﷺ نادى: (يا أبا سفيان! اليوم يوم الملحمة (٦)، اليوم تستحل الحرمة! اليوم أذل الله قريشا!)، فأقبل رسول الله ﷺ حتى إذا حاذى أبا سفيان ناداه: «يا رسول الله! أمرت بقتل قومك؟! زعم سعد ومن معه حين مر بنا قال: يا أبا سفيان! اليوم يوم الملحمة! اليوم تستحل الحرمة! اليوم أذل الله قريشا! وإني أنشدك الله مع قومك، فأنت أبر الناس، وأرحم وأوصل الناس (٧)»). قال عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان: (يا رسول الله! ما نأمن سعدا أن يكون منه في

стр. 4407

قريش صولة)، فقال رسول الله ﷺ : «اليوم يوم المرحمة! اليوم أعز الله فيه قريشا»)، وأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد فعزله، وجعل اللواء إلى قيس بن سعد بن عبادة (١). وبعد فتح مكة بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد على سرية داعيا لا مقاتلا (٢) إلى بني جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة، فلما رآه القوم أخذوا السلاح، فقال خالد: (ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا) (٣). ولكن خالدا وجد السلاح على بني جذيمة، فسألهم: (ما أنتم؟)، قالوا: (مسلمون، قد صلينا، وصدقنا بمحمد، وبنينا المساجد في ساحاتنا، وأذنا فيها)، قال: (فما بال السلاح عليكم!)، فقالوا: (إن بيننا وبين قوم من العرب عداوة، فخفنا أن تكونوا هم، فأخذنا السلاح). قال: (فضعوا السلاح!) فوضعوه، فأسرهم وفرقهم في أصحابه. فلما كان في السحر نادى خالد: (من كان معه أسير، فليدافه)، والمدافة الإجهاز عليه بالسيف، فأما بنو سليم فقتلوا من كان في أيديهم، وأما المهاجرون والأنصار، فأرسلوا أسراهم، فبلغ النبي ﷺ ما صنع خالد فقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد (٤)»)، وبعث علي بن أبي طالب، فودى لهم قتلاهم وما ذهب منهم، ثم انصرف إلى رسول الله ﷺ فأخبره (٥). وقد كان بين خالد وبين عبد الرحمن بن عوف كلام في ذلك، فقال له عبد الرحمن: (عملت بأمر الجاهلية في الإسلام)، فقال: (إنما ثأرت بأبيك)، فقال عبد الرحمن: (كذبت، قد قتلت قاتل أبي، ولكنك ثأرت بعمك الفاكه بن المغيرة)، حتى كان بينهما شر، وبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: «مهلا يا خالد! دع عنك أصحابي، فوالله لو كان لك أحد ذهبا، ثم أنفقته في سبيل الله، ما أدركت غدوة رجل من أصحابي ولا روحته») (٦)). وكان الفاكه بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وعوف بن عبد عوف، وعفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس قد خرجوا تجارا إلى اليمن، ومع عفان ابنه

стр. 4408

عثمان، ومع عوف ابنه عبد الرحمن، فلما أقبلوا حملوا مال رجل من بني جذيمة بن عامر هلك باليمن إلى ورثته، فادعاه رجل منهم يقال له: خالد بن هشام، ولقيهم بأرض بني جذيمة قبل أن يصلوا إلى أهل الميت، فأبوا عليه، فقاتلهم بمن معه من قومه على المال ليأخذوه، وقاتلوه، فقتل عوف بن عبد عوف والفاكه بن المغيرة ونجا عفان بن أبي العاص وابنه عثمان، وأصابوا مال الفاكه بن المغيرة ومال عوف بن عبد عوف، فانطلقوا به، وقتل عبد الرحمن بن عوف خالد بن هشام قاتل أبيه. وهمت قريش بغزو بني جذيمة، فقالت بنو جذيمة: (ما كان مصاب أصحابكم على ملإ منا، إنما عدا عليهم قوم بجهالة فأصابوهم، ولم نعلم، فنحن نعقل لكم ما كان لكم قبلنا من دم أو مال)، فقبلت قريش ذلك ووضعوا الحرب (١). هـ - وشهد غزوة حنين التي كانت في شهر شوال من السنة الثامنة الهجرية وحصار الطائف التي كانت في شوال من السنة الثامنة الهجرية أيضا، فنال عبد الرحمن امرأة من سبي هوازن (٢)، فلما أمر النبي ﷺ بإعادة السبي إلى هوازن أعاد عبد الرحمن المرأة التي كانت عنده إلى أهلها (٣). ووشهد غزوة تبوك التي كانت في شهر رجب من السنة التاسعة الهجرية (٤)، فحض رسول الله ﷺ المسلمين على القتال والجهاد وأمرهم بالصدقة، فحمل عبد الرحمن من جملة من حمل إلى النبي ﷺ مالا، مائتي أوقية (٥)، وهي أربعة آلاف درهم (٦) كما يبدو. وفي طريق النبي ﷺ من المدينة إلى تبوك، صلى رسول الله ﷺ خلفه في سفرة (٧) سافرها ركعة من صلاة الفجر (٨).

стр. 4409

قال المغيرة بن شعبة: «كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فلما كان في السحر ضرب عنق راحلتي، فظننت أن له حاجة، فعدلت معه، فانطلقنا حتى تبرزنا عن الناس، فنزل عن راحلته، ثم انطلق فتغيب عني حتى ما أراه، فمكث طويلا ثم جاء، فقال: حاجتك يا مغيرة! قلت: ما لي حاجة! قال: فهل معك ماء؟ قلت: نعم، فقمت إلى قربة أو قال سطيحة معلقة في آخر الرحل، فأتيته بها، فصببت عليه، فغسل يديه فأحسن غسلهما، وأشك دلكهما بتراب أم لا، ثم غسل وجهه، ثم ذهب يحسر على يديه وعليه جبة شامية ضيقة الكم، فضاقت، فأخرج يديه من تحتها إخراجا، فغسل وجهه ويديه، ثم مسح بناصيته ومسح على العمامة ومسح على الخفين، ثم ركبنا، فأدركنا الناس وقد أقيمت الصلاة، فتقدمهم عبد الرحمن بن عوف، وقد صلى ركعة وهم في الثانية، فذهبت أوذنه فنهاني، فصلينا الركعة التي أدركنا، وقضينا التي سبقتنا (٢)»)، وكان هذا في تبوك، وكان المغيرة يحمل وضوء رسول الله ﷺ ، وقال النبي ﷺ ، حين صلى خلف عبد الرحمن بن عوف: «ما قبض نبي قط حتى يصلي خلف رجل صالح من أمته». (٣)

стр. 4410

٦ - جهاده بالمال: كان عبد الرحمن كثير الإنفاق في سبيل الله (١)، وقد تصدق على عهد رسول الله ﷺ بشطر ماله أربعة آلاف درهم، ثم تصدق بأربعين ألفا من الدراهم، ثم تصدق بأربعين ألف دينار، ثم حمل على خمسمائة فرس في سبيل الله، ثم حمل على خمسمائة راحلة في سبيل الله، وكان عامة ماله من التجارة (٢)، وكان كثير المال محظوظا بالتجارة (٣). وحين حمل إلى النبي ﷺ أربعة آلاف درهم قال: (كان عندي ثمانية آلاف، فأمسكت أربعة آلاف لنفسي وعيالي، وأربعة آلاف أقرضها ربي ، فقال رسول

стр. 4411

الله ﷺ : «بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت») (١) فنزلت في عثمان بن عفان وفي عبد الرحمن الآية الكريمة: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلاَ أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢) هذا هو مبلغ جهاد عبد الرحمن المعلن بالمال الذي كان معروفا في أيام النبي ﷺ ، وهو مبلغ جسيم ولا شك، وبخاصة في تلك الأيام، ولا بد أن يكون له جهاد غير معلن بالمال، لا يعلمه غير الله. لقد أدى عبد الرحمن واجبه مجاهدا بالأموال والنفس.

стр. 4412

المستشار الأمين ١ - مع الشيخين: أصبح عبد الرحمن بعد التحاق النبي ﷺ بالرفيق الأعلى من أقرب المقربين إلى خليفتيه الشيخين: أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب ﵄، والمستشار الأمين لهما. ولما نزل بأبي بكر الصديق ﵁ الموت، دعا عبد الرحمن بن عوف، فقال: (أخبرني عن عمر)، فقال: (إنه أفضل من رأيك، إلا أنه فيه غلظة)، فقال أبو بكر: (ذلك لأنه يراني رقيقا، ولو أفضى الأمر إليه لترك كثيرا مما هو عليه، وقد رمقته فكنت إذا غضبت على رجل أراني الرضا عنه، وإذا لنت له أراني الشدة عليه). ودعا عثمان بن عفان وقال له (أخبرني عن عمر)، فقال: (سريرته خير من علانيته، وليس فينا مثله)، فقال أبو بكر لهما: (لا تذكرا مما قلت لكما شيئا، ولو تركته ما عدوت عثمان، والخيرة له ألا يلي من أموركم شيئا، ولوددت أني كنت من أموركم خلوا. وكنت فيمن مضى من سلفكم) (١).

стр. 4413

واستشارة أبي بكر الصديق عبد الرحمن في أخطر أمور الدولة، في تولية خليفته، دليل على ثقته البالغة به، وأنه كان المستشار الأمين له. ولما تولى الخلافة عمر حج عبد الرحمن معه، فسمع رجلا بمنى يقول لعمر: (لو مات عمر لبايعت فلانا)، فقال عمر: (إني لقائم العشية في الناس، أحذرهم هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغتصبوا الناس أمرهم)، فقال له عبد الرحمن: (يا أمير المؤمنين: إن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، وهم الذين يغلبون على مجلسك، وأخاف أن تقول مقالة لا يعوها ولا يحفظوها ويطيروا بها، ولكن أمهل حتى تقدم المدينة وتخلص بأصحاب رسول الله ﷺ ، فتقول ما قلت فيعوا مقالتك)، فقال: (والله لأقومن بها أول مقام أقومه بالمدينة) (١). وهكذا انصاع عمر لرأي عبد الرحمن الحصيف. وحشد الفرس حشودا ضخمة لحرب المسلمين في العراق، فبلغ ذلك المثنى بن حارثة الشيباني، فكتبوا إلى عمر بن الخطاب، فقال: (والله لأضربن ملوك العجم بملوك العرب). فلم يدع رئيسا ولا ذا رأي وذا شرف وبسطة ولا خطيبا ولا شاعرا إلا رماهم به، فرماهم بوجوه الناس وغرارهم (٢). ولما اجتمع الناس إلى عمر، خرج من المدينة حتى نزل ماء يدعى: (صرارا) فعسكر به ولا يدري الناس ما يريد: أيسير أم يقيم! وكانوا إذا أرادوا أن يسألوه عن شيء، رموه بعثمان أو بعبد الرحمن بن عوف، فإن لم يقدر هذان على علم شيء مما يريد ثلثوا بالعباس بن عبد المطلب. وسأله عثمان عن سبب حركته، فأحضر الناس وأعلمهم الخبر، واستشارهم في المسير إلى العراق، فقال العامة: (سر وسر بنا معك)، فدخل معهم في رأيهم وقال: (اغدوا واستعدوا، فإني سائر، إلا أن يجيء رأي هو أمثل من هذا). ثم جمع عمر وجوه أصحاب رسول الله ﷺ ، وأرسل إلى علي بن أبي طالب، وكان استخلفه على المدينة، فأتاه، وإلى طلحة وكان على المقدمة، فرجع إليه، وإلى الزبير وعبد الرحمن، وكانا على المجنبتين، فحضرا ثم استشارهم، فأجمعوا على أن يبعث رجلا من

стр. 4414

أصحاب رسول الله ﷺ ، ويرميه بالجنود، فإن كان الذي يشتهي فهو الفتح، وإلا أعاد رجلا وبعث آخر، وفي ذلك غيظ العدو. وجمع عمر الناس وقال لهم: (إني كنت عزمت على المسير، حتى صرفني ذوو الرأي منكم، وقد رأيت أن أقيم وأبعث رجلا، فأشيروا علي برجل) (١). وأشاروا عليه بسعد بن أبي وقاص، فقاد جيش المسلمين في معركة القادسية الحاسمة. ولما أراد عمر وضع الديوان وفرض العطاء في سنة خمس عشرة الهجرية. قال له علي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف: (ابدأ بنفسك)، قال: (لا، بل أبدأ بعم رسول الله ﷺ ، ثم الأقرب فالأقرب، ففرض للعباس وبدأ به، ثم فرض لأهل بدر خمسة آلاف خمسة آلاف، ثم فرض لمن بعد بدر إلى الحديبية أربعة آلاف، ثم فرض لمن بعد الحديبية إلى أن أقلع أبو بكر من أهل الردة ثلاثة آلاف، في ذلك من شهد الفتح وقاتل مع أبي بكر ومن ولي الأيام قبل القادسية، كل هؤلاء ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف، ثم فرض لأهل القادسية وأهل الشام ألفين ألفين، وفرض لأهل البلاد النازع منهم ألفين وخمسمائة ألفين وخمسمائة) (٢). وفي سنة ثمان عشرة الهجرية قدم عمر الشام، فلما كان ب (سرغ) لقيه أمراء الأجناد فيهم أبو عبيدة بن الجراح، فأخبروه بالوباء وشدته، وكان معه المهاجرون والأنصار، خرج غازيا، فجمع المهاجرين والأنصار فاستشارهم، فاختلفوا عليه، فمنهم القائل: خرجت لوجه الله، فلا يصدك عنه هذا! ومنهم القائل: إنه بلاء وفناء، فلا نرى أن تقدم عليه! فقال لهم: (قوموا). ثم أحضر مهاجرة الفتح من قريش فاستشارهم، فلم يختلفوا عليه، وأشاروا عليه بالعود، فنادى عمر في الناس: (إني مصبح على ظهر)، فقال أبو عبيدة: (أفرارا من قدر الله!)، قال: (نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله! أرأيت لو كان لك إبل، فهبطت واديا له عدوتان، إحداهما مخصبة والأخرى

стр. 4415

جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟)، فسمع بهم عبد الرحمن بن عوف، فقال: (إن النبي ﷺ قال: «إذا سمعتم بهذا الوباء ببلد فلا تقدموا عليه، وإذا وقع ببلد وأنتم به فلا تخرجوا فرارا منه (١)») رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما. فانصرف عمر بالناس إلى المدينة (٢). وعن أنس ﵁، «أن النبي ﷺ جلد في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين، فلما أن ولي عمر قال: (إن الناس قد دنوا من الريف، فما ترون في حد الخمر؟)، فقال عبد الرحمن بن عوف: (نرى أن نجعله كأخف الحدود)، فجلد فيه ثمانين جلدة (٣)». ورجع عمر إليه في أخذ الجزية من المجوس، رواه البخاري (٤)، واستخلفه على الحج سنة ولي الخلافة، أي سنة ثلاث عشرة الهجرية (٥). وفي سنة ست عشرة الهجرية، حين قدم الخمس على عمر من الفتوح قال: (والله لا يجنه سقف حتى أقسمه)، فبات عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن الأرقم يحرسانه في المسجد. فلما أصبح جاء عمر في الناس، فكشف أموال الخمس، فلما نظر إلى ياقوته وزبرجده وجوهره بكى، فقال له عبد الرحمن: (ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فوالله إن هذا لموطن شكر)، فقال عمر: (والله ما ذلك يبكيني، وبالله ما أعطى الله هذا قوما إلا تحاسدوا وتباغضوا، ولا تحاسدوا إلا ألقى الله بأسهم بينهم) (٦). وجاء عمر بن الخطاب إلى عبد الرحمن بن عوف وهو يصلي في بيته ليلا، فقال له عبد الرحمن: (ما جاء بك في هذه الساعة؟)، قال: (رفقة نزلت في ناحية السوق خشيت عليهم سراق المدينة، فانطلق فلنحرسهم)، فأتيا السوق، فقعدا على نشز من الأرض يتحدثان (٧).
следующие страницы →