١٧ - ذكر الصابوني في مقاله السادس الذي بدأه بقوله: [﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ (١)] أن التأويل لبعض آيات وأحاديث الصفات لا يخرج المسلم عن جماعة أهل السنة، فمنه ما هو
стр. 4482
خطأ ومنه ما هو صواب، وهناك آيات صريحة في التأويل أولها الصحابة والتابعون وعلماء السلف، وما يتجرأ أحد أن ينسبهم إلى الضلال أو يخرجهم عن أهل السنة والجماعة، ثم ضرب لذلك أمثلة منها قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (١)، ومنها ما ذكره سبحانه من استهزائه بالمستهزئين، وسخريته من الساخرين بالمؤمنين، ومكره بالماكرين، وذكر أيضا الحديث الصحيح عن قول الله : «مرضت فلم تعدني وجعت فلم تطعمني (٢)»، إلى أن قال. . . إذن ليس الأمر كما يظن البعض أن مذهب السلف ليس فيه تأويل مطلقا بل مذهب السلف هو تأويل ما لا بد من تأويله) اه.
والجواب أن يقال: - هذا الكلام فيه تفصيل وفيه حق وباطل فقوله: (إن التأويل لبعض الصفات لا يخرج المسلم عن جماعة أهل السنة) صحيح في الجملة فالمتأول لبعض الصفات - كالأشاعرة - لا يخرج بذلك عن جماعة المسلمين ولا عن جماعة أهل السنة في غير الصفات، ولكنه لا يدخل في جماعة أهل السنة عند ذكر إثباتهم للصفات وإنكارهم للتأويل، فالأشاعرة وأشباههم لا يدخلون في أهل السنة في إثبات الصفات؛ لكونهم قد خالفوهم في ذلك، وسلكوا غير منهجهم وذلك يقتضي الإنكار عليهم وبيان خطئهم في التأويل، وأن ذلك خلاف منهج أهل السنة والجماعة كما تقدم بيانه في أول هذه التنبيهات، كما أنه لا مانع أن يقال: إن الأشاعرة ليسوا من أهل السنة في باب الأسماء والصفات وإن كانوا منهم في الأبواب الأخرى، حتى يعلم الناظر في مذهبهم أنهم قد أخطأوا في تأويل بعض الصفات وخالفوا أصحاب النبي ﷺ وأتباعهم بإحسان في هذه المسألة تحقيقا للحق وإنكارا للباطل وإنزالا لكل من أهل السنة والأشاعرة في منزلته التي هو عليها.
ولا يجوز أن ينسب التأويل إلى أهل السنة مطلقا بل هو خلاف مذهبهم، وإنما ينسب التأويل إلى الأشاعرة وسائر أهل البدع الذين تأولوا النصوص على غير تأويلها.
أما الأمثلة التي مثل بها الأخ الصابوني للتأويل عند أهل السنة فلا حجة له فيها وليس كلامهم فيها من باب التأويل، بل هو من باب إيضاح المعنى وإزالة اللبس عن بعض الناس في معناها، وهاك الجواب عنها: أما قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (٣) فليس المراد بالنسيان فيها النسيان في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (٤)، وفي قوله تعالى
стр. 4483
﴿فِي كِتَابٍ لاَ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنْسَى﴾ (١) بل ذلك له معنى والنسيان المثبت له معنى آخر فالنسيان المثبت في قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (٢) هو تركه إياهم في ضلالهم وإعراضه عنهم سبحانه لتركهم أوامره وإعراضهم عن دينه لنفاقهم وتكذيبهم. والنسيان المنفي عن الله سبحانه هو النسيان الذي بمعنى الذهول والغفلة، فالله سبحانه منزه عن ذلك لكمال علمه وكمال بصيرته بأحوال عباده وإحاطته بكل شئونهم فهو الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم ولا ينسى ولا يغفل تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
وبذلك يعلم أن تفسير النسيان بالترك في قوله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (٣) الآية، من سورة التوبة ليس من باب التأويل ولكنه من باب تفسير النسيان في هذا المقام بمعناه اللغوي؛ لأن كلمة النسيان مشتركة يختلف معناها بحسب مواردها كما بين ذلك علماء التفسير ﵏، قال الحافظ ابن كثير ﵀ في معنى الآية ما نصه: ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ (٤) أي نسوا ذكر الله (فنسيهم) أي عاملهم معاملة من نسيهم، كقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ (٥).
وهكذا ما ذكره الله سبحانه من استهزائه بالمستهزئين، وسخريته بالساخرين، ومكره بالماكرين، وكيده للكائدين لا يحتاج إلى تأويل؛ لكونه من باب جزائهم بمثل عملهم؛ لأن السخرية منه سبحانه بالساخرين كانت بحق، وهكذا مكره بالماكرين، واستهزاؤه بالمستهزئين وكيده للكائدين كله بحق، وما كان بحق فلا نقص فيه، والله سبحانه يوصف بذلك؛ لأن ذلك وقع منه على وجه يليق بجلاله وعظمته ولا يشابه ما يقع من الخلق؛ لأن أعداءه سبحانه فعلوا هذه الأفعال معاندة للحق وكفرا به وإنكارا له فعاملهم سبحانه بمثل ما فعلوه على وجه لا يشابه فيه أفعالهم ولا يعلم كيفيته إلا هو سبحانه، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، ومن كيده لهم ومكره بهم وسخريته بهم واستهزائه بهم إمهالهم وإنظارهم وعدم معاجلتهم بالعقوبة، ومن ذلك ما يظهر للمنافقين يوم القيامة من إظهاره لهم بعض النور ثم سلبهم إياه كما قال في سورة الحديد
стр. 4484
﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ (١) ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (٢) ﴿فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٣).
وهكذا قال علماء التفسير من أهل السنة في هذا المعنى:
قال الإمام ابن جرير ﵀ بعد أن ذكر أقوال العلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ (٤) والصواب في ذلك من القول والتأويل عندنا أن معنى الاستهزاء في كلام العرب: إظهار المستهزئ للمستهزأ به من القول والفعل ما يرضيه ظاهرا وهو بذلك من قيله وفعله به مورثة مساءة باطنا، وكذلك معنى الخداع والسخرية والمكر، فإذا كان ذلك كذلك، وكان الله جل ثناؤه قد جعل لأهل النفاق في الدنيا من الأحكام بما أظهروا بألسنتهم من الإقرار بالله ورسوله، وبما جاء به من عند الله المدخل لهم في عداد من يشملهم اسم الإسلام، وإن كانوا لغير ذلك مستبطنين أحكام المسلمين المصدقين إقرارهم بألسنتهم بذلك بضمائر قلوبهم وصحائح عزائمهم وحميد أفعالهم المحققة لهم صحة إيمانهم، مع علم الله بكذبهم واطلاعه على خبث اعتقادهم وشكهم فيما ادعوا بألسنتهم أنهم به مصدقون حتى ظنوا بالآخرة إذ حشروا في عداد من كانوا في عدادهم في الدنيا أنهم واردون موردهم وداخلون مدخلهم، والله ﷻ مع إظهاره ما قد أظهر لهم من الأحكام الملحقة بهم في عاجل الدنيا وآجل الآخرة إلى حال تمييزه بينهم وبين أوليائه وتفريقه بينهم وبينهم - معد لهم من أليم عقابه ونكال عذابه ما أعد منه لأعدى أعدائه وشر عباده حتى ميز بينهم وبين أوليائه فألحقهم من طبقات جحيمه بالدرك الأسفل؛ كان معلوما أنه جل ثناؤه بذلك من فعله بهم، وإن كان جزاء لهم على أفعالهم وعدلا ما فعل من ذلك بهم لاستحقاقهم إياه منه بعصيانهم له، كان بهم بما أظهر لهم من الأمور التي أظهرها لهم من إلحاقه أحكامهم في الدنيا بأحكام أوليائه وهم له أعداء وحشره إياهم في الآخرة مع المؤمنين وهم به من المكذبين إلى أن يميز بينهم وبينهم مستهزئا وبهم ساخرا ولهم
стр. 4485
خادعا وبهم ماكرا؛ إذ كان معنى الاستهزاء والسخرية والمكر والخديعة ما وصفنا قبل، دون أن يكون ذلك معناه في حال فيها المستهزئ بصاحبه له ظالم أو عليه فيها غير عادل، بل ذلك معناه في كل أحواله إذا وجدت الصفات التي قدمنا ذكرها في معنى الاستهزاء، وما أشبه من نظائره اه.
وقال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ (١) الآية قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، حدثنا ابن المبارك، حدثنا صفوان بن عمرو، حدثني سليم بن عامر قال: خرجنا على جنازة في باب دمشق ومعنا أبو أمامة الباهلي، فلما صلى على الجنازة وأخذوا في دفنها قال أبو أمامة: أيها الناس، إنكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزل تقتسمون فيه الحسنات والسيئات وتوشكون أن تظعنوا منه إلى منزل آخر وهو هذا - يشير إلى القبر - بيت الوحدة وبيت الظلمة وبيت الدود وبيت الضيق إلا ما وسع الله، ثم تنتقلون منه إلى مواطن يوم القيامة فإنكم في بعض تلك المواطن حتى يغشى الناس أمر من الله فتبيض وجوه وتسود وجوه، ثم تنتقلون منه إلى منزل آخر فيغشى الناس ظلمة شديدة ثم يقسم النور فيعطى المؤمن نورا ويترك الكافر والمنافق فلا يعطيان شيئا وهو المثل الذي ضربه الله تعالى في كتابه فقال: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (٢) فلا يستضيء الكافر والمنافق بنور المؤمن كما لا يستضيء الأعمى ببصر البصير، ويقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ (٣) وهي خدعة الله التي خدع بها المنافقين حيث قال: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ (٤) فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئا فينصرفون إليهم وقد ضرب بينهم بسور له باب ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ (٥) الآية، يقول سليم بن عامر: فما يزال المنافق مغترا حتى يقسم النور ويميز الله بين المنافق والمؤمن، ثم قال: حدثنا يحيى بن عثمان، حدثنا ابن حيوة، حدثنا أرطأة بن المنذر، حدثنا يوسف بن الحجاج، عن أبي أمامة قال: يبعث الله ظلمة يوم القيامة فما من مؤمن ولا كافر يرى كفه
стр. 4486
حتى يبعث الله بالنور إلى المؤمنين بقدر أعمالهم فيتبعهم المنافقون فيقولون: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ (١) وقال العوفي والضحاك وغيرهما عن ابن عباس: بينما الناس في ظلمة؛ إذ بعث الله نورا؛ فلما رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه، وكان النور دليلا من الله إلى الجنة، فلما رأى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا اتبعوهم فأظلم الله على المنافقين فقالوا حينئذ: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ (٢) فإنا كنا معكم في الدنيا قال المؤمنون: ارجعوا وراءكم من حيث جئتم من الظلمة فالتمسوا هناك النور). انتهى ما ذكره الحافظ ابن كثير.
وبما ذكرناه عن ابن جرير وابن كثير رحمة الله عليهما يتضح للقارئ أن المكر والسخرية بالكافرين والخداع والاستهزاء بالمنافقين والكيد منه سبحانه لأعدائه كله على بابه ولا يحتاج إلى تأويل، بل هو حق من الله وعدل وجزاء لهم من جنس عملهم يليق به سبحانه، وليس يماثل ما وقع من أعدائه؛ لأن صفة الله سبحانه وأفعاله تليق به، وكلها حق وعدل ولا يعلم كيفيتها إلا هو سبحانه، وإنما يعلم العباد من ذلك ما أخبرهم به في كتابه الكريم أو على لسان رسوله الأمين، عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم.
стр. 4487
١٨ - نقل الصابوني في مقاله السادس وفي بعض مقالاته السابقة: عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ما نصه: (والعلماء أنصار علوم الدين والأشاعرة أنصار أصول الدين). اه. وعزاه إلى المجلد الرابع من الفتاوى وبمراجعة الفتاوى ص١٦ من المجلد الرابع اتضح أن هذا الكلام من فتوى الفقيه أبي محمد لا من قول شيخ الإسلام، وبذلك يعلم وهم الأخ الصابوني في النقل المذكور، وهذا الكلام على فرض صحته لا يدل على أن الأشاعرة لا ينكر عليهم ما أخطأوا فيه، فإن القاعدة الشرعية كما نبه عليها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وغيره أن العالم يمدح بما وافق فيه الكتاب والسنة ويذم على ما خالف فيه الكتاب والسنة، وهذا الذي قاله ﵀ هو الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة، فالأشاعرة وغيرهم يمدحون على ما قالوه وكتبوه في نصر الحق في أبواب أصول الدين وفي غيرها، ويذمون على ما أخطأوا فيه إحقاقا للحق وردا للباطل حتى لا يشتبه الأمر على من قل علمه، والله المستعان.
стр. 4488
١٩ - ذكر الصابوني في مقاله السادس ما نصه [وفي الحديث الصحيح: «ثلاثة من
стр. 4489
أصول الإيمان: الكف عمن قال: لا إله إلا الله، ولا نكفر مسلما بذنب، والإيمان بالأقدار (١)»] أو كما قال ﷺ اه.
وبمراجعتنا لهذا الحديث في الأصول المعتبرة اتضح أنه ضعيف جدا، وقد رمز له السيوطي في الجامع بعلامة الضعف، وأخرجه أبو داود من طريق يزيد بن أبي نشبة عن أنس ﵁، ويزيد هذا مجهول كما في التهذيب والتقريب. قال المناوي في فيض القدير [يزيد بن أبي نشبة بضم النون لم يخرج له أحد من الستة غير أبي داود وهو مجهول كما قال المزي وغيره].
وبهذا يعلم أن جزم الأخ الصابوني بأنه صحيح ليس في محله، والأولى أن يقال في مثل هذا: وروي عن النبي ﷺ ، فينقل بصيغة التمريض، كما نص عليه أهل العلم في رواية الأحاديث الضعيفة، ولم يسق الأخ الصابوني لفظه كما ورد، وإليك أيها القارئ نصه عند أبي داود لمزيد الفائدة: (حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا أبو معاوية، حدثنا جعفر بن برقان، عن يزيد بن أبي نشبة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة من أصل الإيمان: الكف عمن قال: لا إله إلا الله، ولا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار (٢)» اه.
وهذا الذي دل عليه الحديث قد جاء في معناه أحاديث أخرى صحيحة، والقول بمعناه هو قول أهل السنة والجماعة؛ فإن أهل السنة يعتقدون أن من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والتزم بمعناهما ولم يأت بناقض من نواقض الإسلام فإنه يجب الكف عنه، وحسابه على الله كما قال النبي ﷺ فيما رواه الشيخان من حديث ابن عمر ﵄ «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله (٣)»، ومن عقيدة أهل السنة أن المسلم لا يكفر بذنب من الذنوب التي دون الشرك ولا يخرج من الإسلام بعمل من الأعمال التي لا تلحقه بالمشركين خلافا للخوارج؛ لقول الله :
стр. 4490
﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١)، وكان الأخ الصابوني ذكر هذا الحديث ليستدل به على وجوب الكف عن الكلام في الأشاعرة وبيان ما أخطأوا فيه، وهكذا ما أخطأ فيه غيرهم من الفرق الإسلامية، وليس الأمر كما زعم فإن الحديث المذكور - لو صح - لا يدل على شرعية الكف عمن خالف الحق، كما أنه لا يدل على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبيان ما أخطأ فيه المخطئون، وغلط فيه الغالطون من الأشاعرة وغيرهم، بل الأدلة من الكتاب والسنة الصحيحة كلها تدل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإنكار على من خالف الحق وإرشاده إلى طريق الصواب حتى يهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة، كما بينا ذلك فيما سبق، وإنما المقصود من الحديث -لو صح- الكف عن قتال من أظهر الإسلام وتكلم بكلمة التوحيد حتى ينظر في أمره بعد ذلك، ويعامل بما يستحق حسب الأدلة الشرعية كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة التي أشرنا إليها آنفا، والله سبحانه ولي التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وهذا آخر ما تيسر التنبيه عليه، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله وأمينه على وحيه وصفوته من خلقه إمام المجاهدين ورسول رب العالمين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن سلك سبيله، واهتدى بهداه إلى يوم الدين.
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 4491
صفحة فارغة
стр. 4492
صفحة فارغة
стр. 4493
الدكتور / محمد بن أحمد الصالح
تخرج في كلية الشريعة بالرياض، سنة ١٣٨٠هـ، حصل على درجة الماجستير والدكتوراه من جامعة الأزهر في الفقه المقارن، سنة ١٣٩٥هـ.
عضو المجلس العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وعضو لجنة حقوق الإنسان في الإسلام، وعضو في لجنة قصص الأطفال، وشارك في العديد من المؤتمرات داخل البلاد وخارجها.
من مؤلفاته:
الطفل في الشريعة الإسلامية - الشريعة الإسلامية ودورها في مقاومة الانحراف ومنع الجريمة-
حكم التسعير في الفقه الإسلامي - المسجد وأثره في حياة الأمة
стр. 4494
مساوئ الزواج من أجنبيات
بقلم الدكتور محمد بن أحمد الصالح
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
أولا: تمهيد
الزواج فطرة:
١ - لا جرم أن الزواج فطرة قبل أن يكون شرعة. .
هو فطرة أودعها الله الخلق يوم خلقه ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (١).
فيوم خلق الله الأرض شاء أن يكون مع مدها ورواسيها، من كل زوج بهيج ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ (٢) ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ (٣)
стр. 4495
وقد تكررت الإشارة إلى المعنى في آيات أخرى ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ (١) ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ (٢).
وحتى لا يظن ظان. . أن الزوجية قاصرة على النبات- وإن كنا نحسب لفظ "الإنبات" عاما يشير إلى الخلق والإبداع - فقد وردت آية عامة تماما بلفظ الخلق لتشتمل على كل خلق ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٣).
وظنها الإنسان فترة أنها قاصرة على الحيوان، وعلى النبات، حتى كان خلق الذرة. . فعلم أن الجماد كذلك يحوي زوجين سالبا وموجبا (هما الإلكترونات والبروتونات) كما تحتويه الكهرباء، والمغناطيس وغيرها. . وبالتحام السالب والموجب تكون " الحركة " أو "الحياة " لهذا الجماد. . تماما كما تكون الحياة من التحام الذكر والأنثى. . في الحيوان وفي النبات.
٢ - والإنسان أشرف من خلق الله، اشتمل على نفس التكوين ذكر وأنثى، وفطر كل شطر بالميل إلى الشطر الآخر. . ليكون التزاوج ولتكون الحياة.
وعندما خلق الله آدم. . . لم يتركه وحده. . . حتى وهو في الجنة بل جعل منه معه حواء، وأسكنهما سويا الجنة ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٤).
وبقيت هذه الآية، وبقي لله علينا نعمة ومنة. . يذكرنا بها كآية ينبغي أن نلتفت إليها لندرك قدرة الله. . أو يذكرنا بها كتذكرة تردنا إلى أصلنا وتردنا إلى الإيمان.
أو يعددها في مجال تعداد النعم والآيات. .
أو يجعلها أساسا لمطالبتنا بالتقوى. . فإن التفكر فيها خليق أن يرفع المؤمن إلى مرتبة التقوى.
стр. 4496
واستمع الآيات فإنها أجلى وأقوى في بيان المطلوب.
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (١) ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢).
﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ (٣).
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٤).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ (٥).
٣ - قبل أن ندخل في الزواج كشرعة. . ونحن في مجال التدليل عليه كفطرة نقول. . لقد خضع للفطرة من سبقنا من الأقوام:
فعرف الزواج عند الأمم البدائية، حتى إن الغرب كان عندهم موضع احتقار.
وعند اليونانيين القدماء (وكانوا أصحاب حضارة) قدروا الزواج حتى إنهم اعتبروا الجد في كل أسرة إلها. . ومن ثم كان كل واحد حريصا على أن يكون أبا ليكون من بعد ذلك جدا. . ومن ثم كان الحرص على الزواج وعلى النسل.
ووصف " أبقراط " الزواج بأنه مصدر آداب المجتمع الإنساني، والثدي الأول الذي منه يرضع لبن الفضيلة مع حب الوطن، وبالنتيجة فهو دعامة الحكومة وعضد الأمة.
وعند الرومان بلغ الزواج حد التقديس. . باعتباره ضرورة معنوية وواجبا وطنيا، حتى إن قوانين " أغسطس " وضعته موضع الإجبار وفرض على العزب الغرامات (٦).
стр. 4497
أما الزواج كشرعة:
٤ - فقد كان حريا بالدين أي دين - وهو فطرة الله ألا يصادم الفطرة.
٥ - وقد عرفت الأديان كلها الزواج وإن تفاوتت درجة فرضيته. .
تقرر في شريعة موسى ﵇ بل قبل ذلك منذ آدم:
﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (١) ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ (٢).
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ (٣).
﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ (٤).
﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (٥)
стр. 4498
الزواج في الإسلام:
٦ - ليس فقط آية من آيات الله الذي نخر له ساجدين.
ولا نعمة من نعم الله الذي نسبح له شاكرين.
بل قبل ذلك هو نصف الدين، وسبيل إلى مراتب المتقين.
أما أنه آية فقد تقدم.
وأما أنه نصف الدين. . . فإن به غض البصر وحفظ الفرج، وبه العون على الطاعة
стр. 4499
والتسابق في الخيرات، وبه تقام الأسرة التي جعلها الإسلام لبنة المجتمع، ومنه النسل المبارك الذي تباهي به أمة محمد، ويباهي به ر سول الله ﷺ الأمم يوم القيامة. .
«يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج (١)».
وعن أنس بن مالك قال: «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من رسول الله ﷺ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الآخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله ﷺ فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني (٢)».
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة (٣)».
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : «ثلاثة حقا على الله أن يعينهم: المجاهد في سبيل الله. . والناكح يريد أن يستعف. . والمكاتب الذي يريد الأداء (٤)».
«من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه فليتق الله في الشطر الباقي (٥)». . . .
وعن ابن عباس ﵁ " التمسوا الرزق بالنكاح " (٦).
٧ - وأما أنه سبيل المتقين: فذاك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ (٧).
стр. 4500
وإن العزب قد لا يستطيع بلوغ التقوى ولما يكتمل نصف دينه أو نصف إيمانه. .
ولأن العزب القادر يكون مخالفا لشرعة الله، وهي في أدنى الأحكام - على الراجح - سنة أو مستحب. . فكيف به يبلغ التقوى.
٨ - وهو من بعد ذلك فيه فوائد خمسة:
الولد، وكسر الشهوة، وتدبير المنزل، وكثرة العشيرة، ومجاهدة النفس بالقيام بهن (١).
٩ - وهو بعد ذلك مصدر سعادة للطرفين:
لأن فيه سكنا. . وفي السكن طمأنينة، وفي السكن راحة، وفي السكن سكون للنفس.
ولأن فيه مودة. . . والمودة تولد المحبة، وتبقى إن غابت المحبة حينا أو فترت. . تبقى فيها المجاملة وفيها حسن العشرة، وهي أبقى لرابطة الزوجية من العواطف الهوج التي تمضي سريعا كما تمضي الرياح الهوج.
ولأن فيه رحمة. . والرحمة عاطفة من أسمى العواطف وأدومها، وخلق يتخلق به المسلم يقبس فيه من رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما. . وهي بين الزوجين بلسم لكل جراح، ودواء لكل ما يستعصي من مشكلات، ومذيب لما يتراكم بين الزوجين مع تقادم السنين والأعوام.
إنه الشيء الذي يبقى إذا نضبت سائر العواطف أو خفت ليطبق معه قول الله: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا﴾ (٢).
١٠ - تلك كانت بعض جوانب " الحكمة " في شرعة الزواج يكملها ما جاء خاصة " بمواصفات" الزوجة الصالحة.
стр. 4501
وقد وردت إشارات إليها بالقرآن. . في مثل قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ (١).
فجعل تلك بعض مواصفات الخيرية. . المسلمة، المؤمنة، القانتة التائبة، العابدة، السائحة. . فعدد ست صفات قد تتوافر بعضها في الزوجة. . فتكون خيرا من غيرها. .؛ لأنه جعل هذه الصفات سببا لخيرية هؤلاء على زوجات الرسول أمهات المؤمنين.
وفي آية أخرى قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢).
وفي آية ثالثة يقول الله تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ (٣) ففي هذه الآيات صفات مشتركة، مثل الإسلام والإيمان، والقنوت والحفظ.
وفيها صفات تفردت مثل: الصدق، والصبر، والخشوع، والتصدق، والصوم وذكر الله.
والأربع الأولى: الإسلام، والإيمان والحفظ، والقنوت، جامعات، والست الأخريات: عمد وأسس، داخل الأربعة الأولى. . . . والله أعلم
وفي السنة:
جاءت أحاديث رسول الله ﷺ بصفات أخرى بعضها جامع، وبعضها مفصل:
مثل الأولى. . . . قوله ﵊: «تنكح المرأة لأربع. . لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك (٤)».
стр. 4502
وقوله ﵊: «لا تنكحوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن، ولكن تزوجوهن على الدين، ولأمة سوداء ذات دين أفضل (١)».
ومثل الثانية: قوله ﵊: «ألا أخبركم بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة: إذا نظر إليها سرته وإذا غاب عنها حفظته. . وإذا أمرها أطاعته (٢)».
«وسئل ﵊: أي النساء خير؟ قال: (التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه فيما يكره في نفسها وماله (٣)».
فجعل الحديث صفة جامعة هي: الدين. .
وجعل صفات مفضلة. . وإن كانت تحتاج إلى شيء من التفصيل:
فأولها: إذا نظر إليها سرته. . سرته بدينها، سرته بأخلاقها، سرته بمظهرها. . سرته بحسن معاملتها. .
وثانيها: إذا غاب عنها حفظته. . حفظته في عرضها. . . وحفظته في ماله. .
وثالثها: إذا أمرها أطاعته. . في كل مجال ما دام لم يأمر بمعصية. . ترى هل تتوافر هذه الصفات القرآنية والنبوية في زواج الكتابيات؟
هذا ما سأتناوله، ونبينه بمشيئة الله تعالى. .
стр. 4503
ثانيا: أحكام زواج الأجنبيات
تحديد وتعريف
ليس المقصود زواج المسلم بمسلمة لا تحمل جنسيته؛ لأن هذه في فقه الإسلام لا تعد أجنبية، وإن وقعت بعض الأنظمة المنتسبة إلى الإسلام في هذا الخطأ. .
ذلك أن جنسية المسلم دينه، والمسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم
стр. 4504
والمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يحقره، ولئن فرضت أوضاع الفرقة والشتات إقامة الحدود والجنسيات بين بلاد الإسلام المختلفة، وما يستتبعه من بدع الجوازات والإقامات والتأشيرات، فنحسب ذلك وضعا مؤقتا سوف يزول بإذن الله باجتماع كلمة المسلمين مرة أخرى، وإسقاط الحدود المصطنعة فيما بينهم.
إنما المقصود بالأجنبية هنا. . من ليست مسلمة. . ويدخل تحت هذا المدلول. . المشركة أو من سار مسارها. . الكتابية. . أو من سار مسارها.
وداخل الأخيرة يختلف الحكم بين " الحربية " وبين " الذمية " أو "المستأمنة" ويرد بعد ذلك حكم الإماء. . من تلك الأصناف. . هل يصح الزواج منها أم أن نكاحها يكون فقط بملك اليمين. .؟
ذلك هو المقصود بحثه تحت هذا العنوان. . " زواج الأجنبيات " والله المستعان. .
стр. 4505
بادرة:
١١ - ونبادر إلى تقرير أن زواج المسلم بالمسلمة هو الأولى وهو الأوفق. .
أما أنه الأولى. . فلأنها بلا شك تفضل الكتابية حربية كانت أم ذمية، كما تفضل المشركة أو الكافرة بغير حدود.
وهو ما نبه عليه رب العالمين حين قال: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ (١)، وسواء أخذنا الأمة بالنسبة إلى الله والعبد بالنسبة إلى الله. . فالكل عبيد الله وإماء الله، أو أخذنا بمعنى ملك اليمين، فعلى كلا المعنيين. . المؤمنة أولى من المشركة، سواء كانت المشركة بالمعنى الأصلي أو دخل تحتها الكتابية على رأي البعض - تقول المؤمنة أولى من المشركة. .؛ لأن الأولى عون للرجل على طاعة الله، والثانية عون على معصية الله؛ ولأن الأولى إن صار منها ولد فأمه المؤمنة ترعاه وتقدمه لبنة صالحة للمجتمع الإسلامي، أما الثانية إن صار منها ولد. . فقد توجهه إلى دينها. . بقصد أو بغير قصد لما يراه منها وهو متعلق بها. . .
стр. 4506
وصدق الله: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ (١) وأما أنها أوفق.
فلأن المؤمنة تتفق طباعا وسلوكا مع المؤمن. .
ونستبعد من البحث زواج الأجانب يعني زواج المسلمة بغير المسلم فهو محرم نصا وإجماعا. .
أما غير المسلمة. . . فقد تختلف طباعها عن طباع زوجها وبالتأكيد يقع الاختلاف في أكثر الأحوال، لا بل إنها في مثل هذا الزمن متعالية على المسلم تنظر من القمة التي يعيش فيها قومها - حضارة ومادة - إلى السفح الذي تعيشه الأمة المسلمة هوانا وتفككا، وفقرا، وجهلا، ومرضا. .
وعلى ذلك. . . فإذا كان مجال الاختيار مفتوحا. . . فاختيار المسلمة أولى. . . وأوفق. .
لكن الأمر يكون صعبا. . . إن عزت المسلمة. . إما لأنها غير موجودة، أو لأن الموجود غير ملائم. .
أو إذا وقع المسلم - تحت أي ظرف - تحت وطأة الرغبة إلى غير المسلمة. . فكيف يصير الحكم. .؟
هذا ما سنبذل الجهد في الإجابة عليه بإذن الله. .
стр. 4507
زواج المشركة:
١٢ - لا يجوز أصلا للمسلم أن يعقد على مشركة وهو موضع اتفاق بين
стр. 4508
العلماء.
لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (١).
والنص واضح في النهي عن نكاح المشركة، والأصل في النهي التحريم - والنكاح - لغة - يشمل العقد كما يشمل الوطء، والمشركة في النص غير الكتابية - على الراجح.
لأن القرآن فرق بين الاثنين في أكثر من موضع:
﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٢).
﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ (٣).
﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (٤) ففرق بينهم في اللفظ، وظاهر العطف يقتضي مغايرة المعطوف والمعطوف عليه.
١٣ - ولا يحتج بأن كتابية هذا العصر مشركة لأنها تقول: " عزير ابن الله، والمسيح ابن الله " فقد كانوا كذلك منذ نزول القرآن، ومع ذلك سماهم "أهل الكتاب" وميزهم في اللفظ والأحكام عن المشركين فضلا عن أن الاختلاف واضح وبين في الواقع كذلك. . وهو ما سنشير إليه عند الحديث عن الكتايبة. . وعلى ذلك فلا يجوز للمسلم "العقد" على مشركة وقد قلنا ذلك لما سنشير إليه عند الحديث عن الإماء من وجود رأي يجيز الوطء بملك اليمين للمشركات دون الزواج بهن. .
стр. 4509
زواج حرائر الكتابيات:
стр. 4510
١٤ - الأصل حل زواج حرائر الكتابيات. .
ولنا في ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (١).
والإحصان بمعنى العفة والحرية - شرط لحل هذا اللون من الزواج؛ لوروده في النص الذي جاء على خلاف الأصل ﴿وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (٢) والكتابية، وإن لم تكن مشركة اصطلاحا- فهي عقيدة وواقعا في الإشراك هي واقعة؛ إذ تجعل مع الله عزيرا أو المسيح ابن مريم.
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ (٣) لئن اختلفت عن المشركة في إقرارها بوجود الله، وفي وجود كتاب سماوي تدين به، فإن هذا الإقرار من ناحية أخرى مشوب بالتحريف. . ومع ذلك فنحن نسلم مع جلة علماء السلف بحل زواج الكتابية، لكننا نؤكد معهم شرط الإحصان. . شرط العفة، فيبتعد المسلم قدر ما يستطيع عن خضراء الدمن. . وهي المرأة الجميلة في المنبت السوء.
ولنا كذلك في حل نكاح الكتابيات ما روي عن الصحابة إجماعا وما عليه أكثر التابعين وما وقع من الصحابة أنفسهم.
وذهب الجعفرية إلى عدم حل نكاح الكتابية إلا نكاح متعة.
ويبقى السؤال: من هي الكتابية في مفهوم الآية الكريمة. .؟
стр. 4511
المقصود بالكتابية في حل الزواج:
١٥ - المقصود بها أصلا. . اليهودية والنصرانية. . فأهل الكتاب يقصد بهم أصلا
стр. 4512
أصحاب الإنجيل والتوراة. .؛ لأنهم وحدهم الذين ينتسبون إلى كتاب سماوي، ولأنهم كذلك يعترفون بالله ربا.
١٦ - ويلحق بأهل الكتاب في الحكم الصابئات. لأنهن - على رأي من ألحقهن بأهل الكتاب يدن بدين، ويؤمن بنبي، ويقررن بكتاب.
وعلى الرأي الآخر يلحقن بالمشركات في الحكم باعتبار أنهن يعبدن الكواكب ولا كتاب لهن. . والذي نختاره. . هو أنهن إن وافقن أهل الكتاب - يهود أو نصارى - في أصل دينهم ألحقن بهم، وإن خالفنهم في أصل الدين ألحقن في الحكم بالمشركين - والله أعلم (١).
١٧ - ويلحق بأهل الكتاب في الحكم المجوس على رأي فريق من العلماء لقول رسول الله ﷺ : «سنوا بهم سنة أهل الكتاب (٢)». ولما نسب إلى حذيفة أنه تزوج منهم.
لكن جمهرة العلماء، على أنه لا يجوز الزواج من المجوسية ولا تلحق في هذا المجال بأهل الكتاب (رأي مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، والأوزاعي وإسحاق، وقال أحمد: (لا يعجبني) (٣).
وهم يرون أن حديث «سنوا فيهم سنة أهل الكتاب (٤)» أنه خاص بعصمة دمائهم وأموالهم، وجبي الجزية منهم.
ويشككون فيما نسب من زواج حذيفة منهم - فقد قال البعض (أبو وائل) أنها يهودية، وقال آخرون (ابن سيرين) بل نصرانية، ومع تعارض الروايات لا يثبت حكم إحداهن إلا بترجيح.
فضلا عن أنه ليس للمجوس كتاب، ويتمسكون فيهم بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ (٥) وقوله: ﴿وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (٦)
стр. 4513
١٨ - أما المستمسكون بصحف شيص وإدريس وإبراهيم وزبور داود فأهل العلم على أنهم ليسوا أهل كتاب؛ لأن هذه الصحف لا تغادر أن تكون مجموعة مواعظ ليست كتبا؛ ولقول الله: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ (١) لكن القاضي يعتبرهم من أهل الكتاب.
стр. 4514
الكتابية الحربية والكتابية الذمية:
١٩ - الذين أجازوا زواج حرائر أهل الكتاب لم يجيزوا زواج "الحربية " منهن؛ لما في خطر لحاقها بدار الحرب، وإمكان انتقال المسلم إلى دار الحرب، فضلا عن إمكان وجود الطفل المسلم في دار الحرب إلى جوارهما، قرره ابن عباس: لا تحل نساء أهل الكتاب حربا، وتلا قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (١) الآية.
بينما أجازوا زواج الكتابية الذمية التي تقيم في دار الإسلام ومثلها المستأمنة التي أقامت بدار الإسلام بعقد أمان، وهذه النظرة وإن كانت صحيحة بالنسبة لمن كان من أهل الكتاب في حالة حرب معنا. . . مثل اليهود في فلسطين المحتلة. .
أما في ديار الكفر التي قد تعتبر -فقها - دار حرب. . فإننا نرى بعض التحفظ؛ لأن أكثر هذه البلاد - خاصة بلاد أوروبا الغربية - تحكمها قوانين تفصل حقوق الفرد. . فإن كانت نظم تلك البلاد تسمح للمسلم بالاحتفاظ بدينه له ولأولاده من بعده فلا يصح أن تطبق عليه أحكام دار الحرب. . وإلا طبقت واعتبرت بناتها حربيات يسري عليهن حكم المشركين من ناحية الحظر.
стр. 4515
أما الكتابيات المقيمات في بلاد الإسلام فإنهن يأخذن حكم الذميات وإن ارتفع حكم الإسلام في أكثر هذه البلاد.
стр. 4516
الكتابية إن غيرت دينها، والمرتدة:
٢٠ - المرتدة حكمها حكم المشركة، ويلحق بها من كان أحد أبويها وثنيا والآخر كتابيا.
والكتابية إن غيرت دينها يعطيها البعض حكم المرتدة؛ لقول رسول الله ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه (١)» فهو عام بالنسبة لكل تغيير.
ولا نرى ذلك.
لأن تغيير اليهودية إلى النصرانية، وتغيير النصرانية إلى يهودية ليس هو المقصود بالتغيير.
إنما المقصود هنا التغيير من الإسلام إلى غيره، وإذا كان ثمة قياس فإنه يكون لمن غير من دين إلى دين أسوأ منه أو إلى غير دين، كمن انتقلت من اليهودية أو النصرانية إلى المجوسية أو غيرها. وإن كنا لا نرى محلا لعمل القياس في هذا المجال؛ لأن القياس لا يعمل
стр. 4517
في مجال العقوبات، والحديث خاص بعقوبة، لكننا من ناحية أخرى نرى أن التي تترك اليهودية أو النصرانية إلى المجوسية أو إلى غير دين ينطبق عليها أنها مرتدة في مجال أحكام الزواج، ومن ثم لا يصح الزواج منها، فإن كانت متزوجة فرق بينهما - والله أعلم.
стр. 4518
عمر وابن عمر وزواج الكتابية:
٢١ - ثبت عن عمر (١) ﵁ أنه نهى عن زواج الكتابيات بأكثر من رواية؛ وذلك كله لمناسبة زواج حذيفة بيهودية.
فقيل: إن عمر ﵁ قال. . . والمسلمة؟
وقيل: إن عمر ﵁ قال. . ولكني أخاف أن تواقعوا المومسات منهن (٢).
وثبت عن ابن عمر ﵄ أنه قال تعليقا على زواج الكتابية: " إن الله حرم المشركات على المؤمنين، ولا أعلم من الإشراك شيئا أكبر من أن تقول المرأة: ربها عيسى ". وقيل: إنه يكره زواج الكتابية.
وذكر البعض في تحريم زواج الكتابية أن آية البقرة ناسخة لآية المائدة كما ذكر أن الكتابية مشركة كما ذهب إلى ذلك ابن عمر ﵄.
٢٢ - ولنا على ذلك:
أن الرواية الأولى لعمر تكشف عن عبقرية في فهم المصالح؛ إذ إنها تشير إلى أن زواج الكتابية سوف يصيب سوق المسلمة بالبوار.
وهو حق إن تتابع الناس فيه، كان لولي الأمر دفعا للمضرة عن المسلمة، وجلبا للمصلحة لها أن يقيد المباح فيمنع الزواج بكتابية إلا بإذن من ولي الأمر، أو يقيدها بحالة الضرورة؛ كما سنشير له بإذن الله عند إيراد رأينا في الموضوع.
أما الرواية الثانية عن عمر: " أخشى أن تواقعوا المومسات منهن " فهي كذلك تكشف عن نظر ثاقب. . إن أكثرهن أقرب إلى المومسات خلقا وسلوكا وإن كن لا يتقاضين أجرا
стр. 4519
وإن الخطيئة زال مفهومها في هذا المجال بعدما سقطت أوروبا في حمأة الفلسفة الوبيئة الحديثة التي استحلت محارم الله. .
ومن ذلك نقول. . يبقى شرط الإحصان - الذي قدمنا - حائلا ومانعا دون الوقوع في هذا النوع. .، ويبقى للنادر حكمه ما دام قد أحله الله. .
٢٣ - أما ما روي عن ابن عمر - وهو الصحابي الجليل - فلنا عليه أن غيره من الصحابة أجاز نكاح الكتابيات حتى نقل عنهم الإجماع، وأن غيره من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار يعلمون ما قاله. . من أن تأليه عيسى كفر أو شرك. . ومع ذلك فقد حفظ القرآن لأهل الكتاب الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم أو قالوا: المسيح ابن الله. أو قالوا: إنه ثالث ثلاثة - حفظ القرآن لأهل الكتاب أحكاما خاصة، وحفظ لهم التاريخ على عهد رسول الله ﷺ والصحابة ومن تبعهم بإحسان معاملة خاصة مغايرة لمعاملة "الكفار أوالمشركين".
فكيف نسوي بين من لم يسو بينهم الله ورسوله؟ (١).
أما القول الأخير. . فقد سبق الرد على الجزء الأخير منه. . إن الكتابية لا تدخل في مدلول المشركة، ومن ثم لا تأخذ حكمها في هذا المجال كما لم تأخذ - كذلك- في مجال الذبائح، أما الجزء الأول منه وهو القائل بنسخ آية المائدة بآية البقرة فمردود بأن الآية الأخيرة سابقة على الأولى فكيف يصير النسخ؟
стр. 4520
نكاح الإماء الكتابيات:
٢٤ - أما النكاح بمعنى الزواج فالأصل المنع، حتى لا يجتمع على الولد الرق والكفر معا. . ولأنه إن صار من الحرة إلى الأمة، فيقيده قوله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (١).