← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

الكتابية إن غيرت دينها، والمرتدة: ٢٠ - المرتدة حكمها حكم المشركة، ويلحق بها من كان أحد أبويها وثنيا والآخر كتابيا. والكتابية إن غيرت دينها يعطيها البعض حكم المرتدة؛ لقول رسول الله ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه (١)» فهو عام بالنسبة لكل تغيير. ولا نرى ذلك. لأن تغيير اليهودية إلى النصرانية، وتغيير النصرانية إلى يهودية ليس هو المقصود بالتغيير. إنما المقصود هنا التغيير من الإسلام إلى غيره، وإذا كان ثمة قياس فإنه يكون لمن غير من دين إلى دين أسوأ منه أو إلى غير دين، كمن انتقلت من اليهودية أو النصرانية إلى المجوسية أو غيرها. وإن كنا لا نرى محلا لعمل القياس في هذا المجال؛ لأن القياس لا يعمل

стр. 4517

في مجال العقوبات، والحديث خاص بعقوبة، لكننا من ناحية أخرى نرى أن التي تترك اليهودية أو النصرانية إلى المجوسية أو إلى غير دين ينطبق عليها أنها مرتدة في مجال أحكام الزواج، ومن ثم لا يصح الزواج منها، فإن كانت متزوجة فرق بينهما - والله أعلم.

стр. 4518

عمر وابن عمر وزواج الكتابية: ٢١ - ثبت عن عمر (١) ﵁ أنه نهى عن زواج الكتابيات بأكثر من رواية؛ وذلك كله لمناسبة زواج حذيفة بيهودية. فقيل: إن عمر ﵁ قال. . . والمسلمة؟ وقيل: إن عمر ﵁ قال. . ولكني أخاف أن تواقعوا المومسات منهن (٢). وثبت عن ابن عمر ﵄ أنه قال تعليقا على زواج الكتابية: " إن الله حرم المشركات على المؤمنين، ولا أعلم من الإشراك شيئا أكبر من أن تقول المرأة: ربها عيسى ". وقيل: إنه يكره زواج الكتابية. وذكر البعض في تحريم زواج الكتابية أن آية البقرة ناسخة لآية المائدة كما ذكر أن الكتابية مشركة كما ذهب إلى ذلك ابن عمر ﵄. ٢٢ - ولنا على ذلك: أن الرواية الأولى لعمر تكشف عن عبقرية في فهم المصالح؛ إذ إنها تشير إلى أن زواج الكتابية سوف يصيب سوق المسلمة بالبوار. وهو حق إن تتابع الناس فيه، كان لولي الأمر دفعا للمضرة عن المسلمة، وجلبا للمصلحة لها أن يقيد المباح فيمنع الزواج بكتابية إلا بإذن من ولي الأمر، أو يقيدها بحالة الضرورة؛ كما سنشير له بإذن الله عند إيراد رأينا في الموضوع. أما الرواية الثانية عن عمر: " أخشى أن تواقعوا المومسات منهن " فهي كذلك تكشف عن نظر ثاقب. . إن أكثرهن أقرب إلى المومسات خلقا وسلوكا وإن كن لا يتقاضين أجرا

стр. 4519

وإن الخطيئة زال مفهومها في هذا المجال بعدما سقطت أوروبا في حمأة الفلسفة الوبيئة الحديثة التي استحلت محارم الله. . ومن ذلك نقول. . يبقى شرط الإحصان - الذي قدمنا - حائلا ومانعا دون الوقوع في هذا النوع. .، ويبقى للنادر حكمه ما دام قد أحله الله. . ٢٣ - أما ما روي عن ابن عمر - وهو الصحابي الجليل - فلنا عليه أن غيره من الصحابة أجاز نكاح الكتابيات حتى نقل عنهم الإجماع، وأن غيره من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار يعلمون ما قاله. . من أن تأليه عيسى كفر أو شرك. . ومع ذلك فقد حفظ القرآن لأهل الكتاب الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم أو قالوا: المسيح ابن الله. أو قالوا: إنه ثالث ثلاثة - حفظ القرآن لأهل الكتاب أحكاما خاصة، وحفظ لهم التاريخ على عهد رسول الله ﷺ والصحابة ومن تبعهم بإحسان معاملة خاصة مغايرة لمعاملة "الكفار أوالمشركين". فكيف نسوي بين من لم يسو بينهم الله ورسوله؟ (١). أما القول الأخير. . فقد سبق الرد على الجزء الأخير منه. . إن الكتابية لا تدخل في مدلول المشركة، ومن ثم لا تأخذ حكمها في هذا المجال كما لم تأخذ - كذلك- في مجال الذبائح، أما الجزء الأول منه وهو القائل بنسخ آية المائدة بآية البقرة فمردود بأن الآية الأخيرة سابقة على الأولى فكيف يصير النسخ؟

стр. 4520

نكاح الإماء الكتابيات: ٢٤ - أما النكاح بمعنى الزواج فالأصل المنع، حتى لا يجتمع على الولد الرق والكفر معا. . ولأنه إن صار من الحرة إلى الأمة، فيقيده قوله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (١).

стр. 4521

وأما النكاح بمعنى الوطء. فالأصل فيه الإباحة لدخوله تحت عموم قوله تعالى: ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (١). ولأن الأصل في الإماء أنهن غير مسلمات. ولأن الصحابة والتابعين فعلوا ذلك. . ويلحق البعض بحل الوطء لإماء أهل الكتاب حل الإماء المجوسيات بل والكافرات ويستندون إلى فعل الصحابة. ثم إن الافتراش امتهان. . فلا بأس من ذلك؛ ولأن أكثر الإماء يكن كافرات أو مجوسيات. ٢٥ - ولنا على ذلك: أن فعل الصحابة غير ذلك؛ فقد روي أنهم كانوا يعرضون عليهن الإسلام ولا يقربوهن حتى يسلمن، ويتطهرن، ويستبرئن أرحامهن، فإن كن أولات حمل انتظروا وضع الحمل، وإن كن غير ذلك انتظروا أن تحيض حيضة، أما القول بأن الافتراش امتهان. . فمعارض بقوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ (٢) والأمر متبادل والأمر بعيد عن معنى الامتهان. . وعلى أي فقد رأينا الاختصار في هذه النقطة رغم التوسع الكبير فيها في كتب الفقه؛ إذ فقدت أهميتها؛ لعدم وجود الرقيق من ناحية عملية وواقعية؛ لتوقف الجهاد الإسلامي منذ مئات السنين. . وإن بقي البعض يستعمله باسمه أو بأسماء أخرى. .، لكن النادر لا حكم له.

стр. 4522

آثار الزواج بالكتابية: ٢٦ - إذا انعقد زواج الكتابية بالمسلم انعقد صحيحا تماما كزواج المسلم بالمسلمة. . وهو بهذا يرث نفس الحقوق إلا أمرين: أولهما: أن شهادة غير المسلم تصح في زواج الكتابية بالمسلم بينما لا تصح في العقد الآخر. ثانيهما: أنه لا إرث بينهما، فإن توفي أحدهما لم يرثه الآخر؛ لقول رسول الله ﷺ : «لا يرث الكافر مؤمنا (١)». أما الولد: فإنه يلحق بالأب باتفاق. تلك هي الآثار القريبة والشرعية. ٢٧ - أما الآثار البعيدة فإنها تتفاوت. . . تبعا لشخصية الزوج أولا. . . وتبعا لحالة الأمة الإسلامية ثانيا. . وتبعا لشخصية الزوجة ثالثا. ونستطيع بعون الله أن نلخص بإجمال هذه الآثار. .

стр. 4523

أ- داخل الأسرة: ٢٨ - أما داخل الأسرة الصغيرة. . فإن الأمر يكون تبعا للعوامل الثلاثة السابقة، فإن كان الزوج قوي الشخصية. . كان ذلك له تأثير على الزوجة وأكبر الظن أنها تقتنع بالإسلام. وفي حالات متعددة أقبلت الزوجات على الإسلام فأصبحن أكبر شغفا وأكثر اقتناعا، وأشد تمسكا من المسلمات؛ لأنهن أحسسن النقلة الكبيرة من الظلمة إلى النور، من الرجس إلى الطهر، من الضلال إلى الهدى، وفي حالات أخرى استمسكت الزوجة بدينها القديم ومارست ما يبيحه دينها أو ما يظنون أنه يبيحه. . من شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، والمخادنة، فكان عاقبة أمرها خسرا، تفككت الأسرة المسلمة وتحللت، ونشأ أبناؤها على المنكر الذي صار معروفا، وانتقلت عاداتهم إلى غيرهم. وقد يزيد الأمر سوءا إذا تعمدت الزوجة المتعصبة أو العنيدة إلى اصطحاب أولادها

стр. 4524

إلى الكنيسة، ورؤيتهم صلوات القسيس، واعتيادهم ذلك أو ربما استحسانهم ذلك. . . ومن شب على شيء شاب عليه، وإن لم يكن له فاقها أو فاهما. . بل أكثر من ذلك قد تعمد إلى " تعميد" الأطفال طبقا للعادات النصرانية، وتصر على ارتدائهم الصليب وغير ذلك من العادات " النصرانية ". كل ذلك في نطاق الأسرة. . وقد يمتد إلى أوسع من ذلك. .

стр. 4525

ب- الآثار في المجتمع: ٢٩ - تكاثر "الكتابيات" داخل المجتمع المسلم أمر خطير. . وأخطر منه أن يتم ذلك بناء على تخطيط. أما خطورته داخل المجتمع، فهو في حالة انحطاط الأمة الإسلامية - وهو الواقع القائم - وارتفاع المستوى " المادي " للأمم النصرانية. . إنهن في هذه الحالة رسل الغزو الفكري الخطير داخل الأمة الإسلامية بما يحملنه من أفكار " العلمانية" وما يتلوها من تحلل وانحلال، وبما يمارسن من عادات نصرانية تنتقل من الأسرة إلى الأسر، ومن الجار إلى الجيران. . حتى تعتبر علما على تفرنج الأسرة وتمدنها وتقدمها. . وفي مقدمتها عادات الاختلاط بين الرجال والنساء، مع عري الملابس كشفا أو شفا أو تحديدا. وقد تصل هذه العادات إلى الرقص الغربي الذي تتلاصق فيه أجساد الرجال مع النساء. . مع الأضواء الخافتة والموسيقى الحالمة أو الصاخبة. . فترتفع الدماء وترقص الشياطين ويكون معها ومن بعدها الشر الخطير. ومعها عادات الأكل باليد اليسرى، والتحية باللغة الفرنسية والإنجليزية واستقلال الولد والبنت منذ البلوغ، والحرية "الكاذبة" لهم أو لهن منذ هذا السن الخطير. . ٣٠ - هذا فضلا عن آثار سياسة تأتي تبعا. . هي الارتباط ببلاد الأم ارتباط تأثير وتأثر، والأفكار كالماء تنزل من المكان العالي إلى المكان المنخفض، أو من القمة إلى السفح، هذا إلى ما تمارسه بعض الكتابيات من تأثير على الشخصيات الكبيرة إذا قدر لهن الزواج بها مع البقاء على دينهن ظاهرا وباطنا، أو باطنا وإسلامهن ظاهرا. .

стр. 4526

والقصة التي يحكيها سفر " أستير " لليهودية التي تزوجت سلطان فارس، وساعدت على توسيع نفوذ اليهود في فارس حتى إذا أراد الوزير الفارسي هامان أن يبطش باليهود صورت الأمر للسلطان أنه تآمر عليه هو، حتى إذا جاء يوم التنفيذ سيق الوزير إلى المشنقة التي أعدها لليهودي مردخاي، وليساق معه خمسة وسبعون ألفا في السادس عشر من شهر آذار حتى صار اليوم التالي الرابع عشر من آذار أحد أعياد اليهود الرسمية. وفي العصر الحديث لعبت زوجات يهوديات أو نصرانيات أدوارا في جر أزواجهن وأوطانهم إلى مواقف وأوضاع ما كان يمكن أن تتم بغير تأثيرهن. هذا فضلا عن الأدوار الدنيئة التي تمارسها "بائعات الهوى" في المجتمعات الإسلامية لحساب اليهود والنصارى تجسسا وتنفيذا لمؤامرات، وهن في وضع أشد من أوضاع الزوجات التصاقا وتأثيرا. .

стр. 4527

الرأي في الزواج من الأجنبيات: ٣١ - رأينا أن الحكم الفقهي واضح في زواج المشركات. . . أنه التحريم المطلق. ورأينا كذلك الحكم الفقهي واضح في زواج الكتابيات. . ١ - أنه يرى أن الزواج بالمسلمة أولى وأوفق. ٢ - أنه يرى المنع من زواج الحربية. ٣ - أنه يرى إباحة الزواج من الذمية. ولكنه اشترط: أ - أن تكون من الحرائر، وشرط الإحصان (العفة). ب - أن يملن إلى الإسلام بحيث يرجى إسلامهن. ٤ - أنه في حالة تتابع المجتمعات والأفراد في الزواج من الكتابيات بحيث صارت ظاهرة مهددة للمجتمع فإنه لولي الأمر -سدا للذريعة -: أ - أن يوقف أمر الزواج على إذن منه. ب - أن يمنع ذلك إذا خيف ضرر أكبر. .

стр. 4528

وإن كنت أميل إلى المنع المطلق؛ نظرا لوجود المخاطر والمفاسد التي تترتب على الزواج من الأجنبيات، والتي تجر على المجتمع المسلم أفدح العواقب، وتجر على أمة الإسلام الويلات والنكبات، وللمسلمين في نسائهم غناء وكفاية. . والله ولي التوفيق محمد بن أحمد الصالح

стр. 4529

مدى إمكانية ترجمة القرآن بقلم الدكتور محمد فاروق النبهان يعتبر موضوع ترجمة القرآن الكريم من اللغة العربية إلى اللغات الأخرى من الموضوعات التي يجدر بنا أن ندرسها بعناية، وأن نضع لها الضوابط الممكنة؛ لكي تكون الترجمة أمينة صادقة معبرة؛ وذلك لأن الترجمة ليست مجرد مهمة يسيرة يمكن أن يقوم بها فرد، فيجتهد فيها، ويبذل جهده المستطاع في تقديم ترجمة لمعاني القرآن قد تكون بعيدة كل البعد عن الأهداف والمقاصد القرآنية، وقد تسهم في تشويه المعاني القرآنية. . ومن هذا المنطلق فإنني أعتقد أن هذا الموضوع يحتاج إلى أن يلقى عناية خاصة من المهتمين بالدراسات القرآنية، ومن المؤسسات العلمية التي تحرص على خدمة القرآن الكريم.

стр. 4530

مدى أهمية ترجمة القرآن ويجب أن نسلم - في البداية - بأن القرآن الكريم الذي هو كلام الله المنزل على النبي ﷺ بلغة عربية فصيحة، يشتمل على أصول ومبادئ الإسلام العقائدية والتنظيمية والأخلاقية، وأن كل مسلم يحتاج إلى أن يتعلم تلك المبادئ والأصول، سواء كان ذلك المسلم ممن يتقن اللغة العربية أو لا. . . وإن ذلك المسلم الذي لا يستطيع فهم لغة القرآن يحتاج إلى أن يتبع بنفسه توجيهات القرآن وأحكامه، ولا يتم له ذلك إلا بأن يكون القرآن مترجما إلى لغته ترجمة أمينة معبرة بأدق ما يكون التعبير عن المعاني والمقاصد القرآنية. . والترجمة بهذا الاعتبار تعتبر ضرورة دينية، يدعو إليها الإسلام لكي تبلغ دعوة الله إلى الناس أجمعين، ولسنا بحاجة في هذا المجال إلى بيان مدى ما تسهم فيه ترجمة القرآن من التعريف بأحكام القرآن وتوجيهاته إلى المسلمين الذين لا يتكلمون اللغة العربية. .

стр. 4531

استحالة ترجمة القرآن: وبالرغم من تسليمي المطلق بأهمية ترجمة القرآن إلى مختلف اللغات، فإنني أتساءل - بموضوعية - عن مدى إمكان ذلك، لا من حيث الإمكان الفعلي، ولكن من حيث إمكان ترجمة القرآن، بكل ما تشتمل عليه كلمة ترجمة من التعبير الشامل عن المعنى المراد. . إن كلمة "ترجمة" تفيد الإتيان بالكلمة البديلة المعبرة عن الكلمة الأصلية، ويصح هذا في مجال المفردات اللغوية التي تتشابه معانيها، كما يصح في مجال الجمل التي يراد بها التعبير عن المعاني ذات الدلالة البسيطة، ومع هذا. . فكثيرا ما تكون دلالات تلك المفردات مختلفة، وبخاصة في مجال التعبير عن بعض المقاصد التي لا يدركها إلا أصحاب الذوق اللغوي الرفيع، وقد يختلف هؤلاء في مدى إدراكهم لمقاصد المتكلم ولغاياته. ويمتاز القرآن الكريم بخاصة الإعجاز البياني، الذي تحدى الله تعالى به العرب فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١) ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٢).

стр. 4532

وقال أيضا: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (١). وقد تصدى العلماء لدراسة أوجه الإعجاز القرآني، ومن أهم هؤلاء الجاحظ في كتابه نظم القرآن، والرماني والباقلاني في كتابيهما إعجاز القرآن، والجرجاني في كتابه: دلائل الإعجاز، وحاولوا بيان ذلك الإعجاز من خلال منهج لغوي اختاروه دليلا على الإعجاز. . وفي العصر الحديث تصدى بعض العلماء لموضوع الإعجاز القرآني، فلم يتابعوا منهج الأقدمين في البحث عن الجانب البلاغي واللغوي، وإنما قدموا رؤية جديدة لمفهوم الإعجاز، ومن هؤلاء الأستاذ مصطفى صادق الرافعي الذي التمس معنى الإعجاز من خلال النظم القرآني، والحركة الصرفية واللغوية التي تجري في الوضع والتراكيب، والتي يهيئ بعضها لبعض، ويساند بعضها بعضا، حتى إن الحركة التي قد تكون ثقيلة في نفسها صعبة التعبير، قاسية فاقدة لمعنى الجمال، إذا استعملت في القرآن كان لها شأن عجيب، وخاصة وأنها تأتي في إطار كلمات وتعابير ومعان تمهد لها، وتهيئ الظروف المناسبة لتقبلها، فإذا بالتعبير يؤدي الغرض منه، في ظل إعجاز بياني لا يرقى البشر لمثله (٢). ثم جاء الأستاذ سيد قطب بمنهج جديد، إذ التمس معنى الإعجاز من خلال التصوير الفني، الذي يمثل - في رأيه - الأداة المفضلة في أسلوب القرآن. هذا الإعجاز الذي يعتبر من أهم خصائص القرآن الكريم، والذي أعجز العرب وهم أصحاب بلاغة وفصاحة أن يأتوا بمثله، وتلمس كبار علماء البيان قديما وحديثا، أن يستوعبوا بعضا منه، لا يمكن للترجمة مهما توفرت الكفاءة فيمن تصدوا لها، أن تعبر

стр. 4533

عنها أو عن بعضها، وإذا ما حاول المترجمون أن يترجموا بعضا منها، فإن ترجمتهم ستكون باهتة الظلال فاقدة لأية قيمة تعبيرية، أو أية دلالة مؤثرة. وكيف يمكن للمترجم أن يترجم بصدق وأمانة تصوير القرآن الكريم لحالة من ينفرون من دعوة الإيمان في قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ (١) ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ (٢) ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ (٣) وهنا نلاحظ أن ملكة الخيال تصور حالة الفرار من الإيمان كما تنفر حمر الوحش من الأسود. وكيف يمكن للمترجم أن يعبر عن تصوير الصبح إذا تنفس وانفرجت ثناياه، وتصوير الأرض الهامدة التي إذا نزل عليها المطر اهتزت وربت، والتعبير عن الرجفة التي تصيب الأرض والجبال في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ (٤).

стр. 4534

اختلاف الدلالات اللغوية للنص القرآني: من المتفق عليه لدى علماء اللغة أن المفردات اللغوية ذات دلالات مختلفة، وأحيانا تكون تلك الدلالات متعارضة ومتباينة، وبناء على ذلك الاختلاف في الدلالات اللغوية يختلف تفسير النص القرآني، وتختلف معه الأحكام المستنبطة منه. ولو رجعنا إلى كتب التفسير فإننا سوف نجد الاختلاف الكبير في الدلالات اللغوية للألفاظ القرآنية، ولذا فإن التفسير المأثور قد أسهم بقسط وافر في بيان بعض الألفاظ القرآنية، وتحديد المراد بها. . وبالإضافة إلى هذا. . . فإن " موضوع الدلالات " يعتبر من أهم موضوعات علم أصول الفقه وأكثرها دقة؛ لأن النص القرآني لا يمكن أن يفهم فهما صحيحا إلا بعد معرفة قواعد دلالة الألفاظ على الأحكام، وتلك الدلالة قد تكون مباشرة، أي يدل عليها النص بطريقة مباشرة، وقد تكون دلالة غير مباشرة، وتسمى عندئذ "دلالة الإشارة". ويراد بدلالة الإشارة دلالة اللفظ على معنى غير مقصود، ولكنه مرتبط بالحكم الذي سيق اللفظ لإفادته، الفرق بين الحكم الثابت بالعبارة والحكم الثابت بالإشارة

стр. 4535

أن الأول قد سيق له النص بشكل مقصود، بخلاف دلالة الإشارة فإنه غير مقصود، ولكنه لازم للحكم، ويحتاج في استنباطه لقدر من التأمل. . لهذه الاعتبارات جميعا فإنني أعتقد أن ترجمة القرآن مستحيلة من الناحية الواقعية، وغير جائزة من الناحية الشرعية، وذلك للأسباب التالية: أولا: استحالة اشتمال الترجمة على جميع الدلالات اللغوية والشرعية المرادة من النص القرآني، وتلك الدلالات تعتبر من أهم ما يستهدفه النص القرآني في مجال التشريع. . ثانيا: استحالة تعبير الترجمة على أي قدر ولو يسير من جوانب الإعجاز البياني للقرآن الكريم، سواء تمثلت في صورة بلاغية، أو سلامة النظم القرآني، أو في الحركة اللغوية العامة التي تجري في تركيب المفردات والجمل. . ثالثا: عدم جواز إطلاق كلمة "قرآن" على أية ترجمة للقرآن، وعدم صحة إطلاق "ترجمة القرآن"، وإنما هي ترجمة تفسيرية لبعض ما يفهمه المترجم من معاني القرآن. .

стр. 4536

شروط ضرورية للترجمة: لا يجوز أن تكون ترجمة القرآن خاضعة للأهواء وللإرادات الفردية ذات الأهداف المتعددة، وذلك لأن الترجمة التي لا تتوفر فيها شروط الصحة تسهم في تشويه صورة القرآن، وتقدمه إلى الناس مشوه المعالم، ركيك العبارة، جامد التعبير، لا يثير في النفس ما يثيره القرآن الكريم المعجز من آثار، ولا يترك لدى القارئ ما يتركه لدى قارئه في اللغة العربية من إعجاب. وإن المؤسسات الإسلامية المختصة بالدفاع عن مقدسات الإسلام والغيورة على كل ما يتعلق بكتاب الله تعالى، مدعوة اليوم للتصدي للمحاولات الفردية العابثة التي استهدفت ترجمة القرآن، وأساءت للقرآن بتلك الترجمة. وأعتقد أن من الضروري أن تتوفر فيمن يتصدى لترجمة القرآن الشروط التالية: ١ - أن يكون المترجم عربي اللسان، نشأة وتكوينا، لكي يكون قادرا - بفطرته - على فهم ما يشير إليه القرآن من دلالات، ومثل هذا الفهم العميق لا يمكن أن يدركه إلا

стр. 4537

من توفرت له إمكانية تذوق اللغة العربية بكل ما يدل عليه التعبير من دلالات، وعندما أشترط أن يكون عربي اللسان، فإنني لا أعني أن يكون عربي النسب، وإنما أعني أن يكون قد عاش في بيئة عربية تمكنه من فهم النص العربي، لكي يكون مؤهلا لتذوق النص القرآني، وفهم دلالاته، وإدراك معانيه، بكل ما يفيده النص من أبعاد، سواء في مجال الإعجاز الأسلوبي، أو في مجال التوجيه التشريعي وإقرار الأحكام. وإنني أعرف أن كثيرا من أبناء اللغة العربية نسبا لا يملكون القدرة على فهم الدلالات العربية للنص العربي، بكل ما يملكه من طاقة في مجال التعبير أو التصوير أو التمثيل. . ٢ - أن يكون المترجم متمكنا من معرفة علوم القرآن، عالما بأصول الشريعة ومبادئها العامة، على وجه الإجمال لا التفصيل؛ وذلك لأن المترجم لا يمكن له ترجمة النص ترجمة دقيقة ما لم يكن ملما بكل ما يتعلق بذلك النص، من أسباب نزوله، ودلالاته من حيث العموم والخصوص، عارفا بكل المصطلحات اللغوية الواردة في القرآن، متمكنا من دلالاتها الشرعية على الأحكام المرادة بها، حتى يكون قادرا على اختيار اللفظ المعبر عن المعنى المراد. . ٣ - أن يكون المترجم متمكنا كل التمكن من اللغة التي يريد الترجمة إليها، وذلك لكي يكون قادرا على اختيار اللفظ الملائم والمعبر، وإن المعرفة السطحية باللغة المترجم إليها تدفع المترجم إلى أن يختار مفردات قاموسية قد لا تكون دلالاتها الفعلية منسجمة في حالة التركيب مع المعنى القرآني المراد، أو مع ما أراده المترجم من أفكار. .

стр. 4538

حكم ترجمة المستشرقين: دأب بعض المستشرقين على ترجمة القرآن إلى اللغات الرئيسية كاللغة الإنجليزية والفرنسية والألمانية، وجاءت ترجمات القرآن مختلفة في دلالاتها، متباينة كل التباين في كثير من معانيها، تختلف اختلافا واضحا من حيث قيمتها العلمية. وأود هنا أن أوضح أن المستشرق ليس مؤهلا بحسب تكوينه الاستشراقي للتصدي لترجمة القرآن؛ وذلك لأن المستشرق ينظر للقرآن نظرة تختلف عن نظرة المسلم له، ولا يملك الغيرة الوجدانية التي تدفعه للدقة في اختيار المفردات المعبرة عن المعاني القرآنية

стр. 4539

فضلا عن أن المستشرق متهم في التزامه الموضوعية تجاه الإسلام، وذلك الاتهام كفيل بأن يلقي ظلالا من الشك حول الثقة بما يسهم به في مجال الترجمة القرآنية. . ويدخل في حكم المستشرق كل من اتهم من المسلمين في دينه وعقيدته؛ لأن الترجمة أمانة، ولا يجوز أن يتصدى لها إلا من توفرت له كامل الثقة بسلامة عقيدته، وحسن خلقه، وبكفاءته اللغوية، وبجدارته للقيام بهذه المهمة الجليلة.

стр. 4540

إنشاء مؤسسة معتمدة للترجمة القرآنية: لا أعتقد أن ما ذكرناه من شروط يمكن أن يتوفر بدقة وموضوعية في ترجمة القرآن، والترجمة كما ذكرت هي نوع من أنواع التفسير والبيان، وفي جميع الأحوال لا يمكن اعتبارها قرآنا؛ لأنها ليست القرآن، وليست من كلام الله، وإنما هي من كلام البشر، ويجوز أن تصحح وتعدل بعض مفرداتها، كما يجري عليها احتمال الخطأ والصواب. . ومع هذا. . . ولئلا نسمح بالعبث في ترجمة القرآن عن طريق طرح ترجمات متعددة، ربما يشتهر بعضها يوما، فتصبح قرآنا بلغة أخرى، يتداوله عوام المسلمين ممن لم يتوفروا على قدر كاف من الوعي والنضج والإدراك. . فإنني أقترح "تشكيل مؤسسة متخصصة معتمدة" تتوفر على بعض أصحاب الاختصاص اللغوي والشرعي، من المتمكنين في المعاني القرآنية، والقادرين على الترجمة الدقيقة السليمة، وتقوم هذه المؤسسة عن طريق اللجان العلمية المتخصصة بإعداد ترجمة تفسيرية للقرآن، لا أقول معبرة كل التعبير عن كل معاني القرآن، وإنما يمكن أن تكون أفضل من الترجمة الفردية التي لا يتوفر فيها ما يتوفر في الترجمة المعتمدة من إعداد سليم. وإن مثل هذه المؤسسة ستكون مؤهلة - على وجه التأكيد - لتقديم ترجمة تفسيرية للقرآن الكريم إلى اللغات الأخرى، لا نجد فيها من ركاكة الترجمة، وعدم الدقة فيها ما نجده في الترجمات المتعددة التي نراها اليوم. . . وأتمنى من أعماق قلبي أن تتصدى الجهات المسئولة في العالم الإسلامي لحمل الأمانة فيما يتعلق بهذا الجانب الهام من الدراسات القرآنية، لكي توقف خطرا لا بد أن يتزايد أثره مع الزمن. . . محمد فاروق النبهان

стр. 4541

صفحة فارغة

стр. 4542

تعقيب من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم سماحة شيخ الأزهر جاد الحق علي جاد الحق، وفقه الله لما يحبه ويرضاه. . السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: فقد بلغني بالنشرة المرفقة تصريح سماحتكم لصحيفة الأخبار المتضمن إنكار صيام رمضان ٢٨ يوما ثم قضاء اليوم الأول من رمضان باعتبار وقوع خطأ في تحديده. . . إلخ. وأخبر سماحتكم أنني استغربت ما تضمنه هذا التصريح؛ لما أعلمه عن فضيلتكم من العلم والفضل، وأن مثل هذا الحدث لا يخفى عليكم. . وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن رسول الله ﷺ أن الشهر لا ينقص عن تسعة وعشرين يوما. ومتى ثبت دخول شوال بالبينة الشرعية بعد صيام المسلمين ثمانية وعشرين يوما، فإنه يتعين أن يكونوا أفطروا اليوم الأول من رمضان، فعليهم قضاؤه؛ لأنه لا يمكن أن يكون الشهر ثمانية وعشرين يوما، وإنما الشهر تسعة وعشرون يوما أو ثلاثون. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في الجزء ٢٥ من فتاواه ص١٥٤ - ١٥٥ أن هذا حدث في زمن علي ﵁ صاموا ثمانية وعشرين يوما وأمرهم علي بصيام اليوم الذي نقصهم وإتمام الشهر تسعة وعشرين يوما. فآمل التنويه على الصحيفة بالصواب، إذا كان قد صدر من فضيلتكم لها خلافه، ولا يخفى أن فضيلتكم محل الثقة والاعتبار، وسيأخذ بفتواكم من لا يحصيه إلا الله ويعتمدون عليها. ولوجوب التناصح بيننا والتواصي بالحق والتعاون على البر والتقوى رأيت الكتابة إلى فضيلتكم في ذلك. والله المسئول أن يوفقنا جميعا لإصابة الحق في القول والعمل، وأن يجعلنا وإياكم من الهداة المهتدين، إنه جواد كريم. أثابكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

стр. 4543

حديث شريف عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع على عبد غبار في سبيل الله ودخان جهنم (١)» رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح

стр. 4544

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (١) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٢) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٣) صدق الله العظيم سورة العصر

стр. 4545

المشرف العام سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد لجنة الإشراف الدكتور عبد العزيز بن محمد العبد المنعم الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين الشيخ أحمد بن عبد الرزاق الدويش الدكتور محمد بن سعد الشويعر

стр. 4546

مجلة البحوث الإسلامية الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء رئيس التحرير محمد بن سعد الشويعر مجلة فصلية تعنى بالبحوث الإسلامية تصدر كل أربعة أشهر مؤقتا

стр. 4547

المحتويات الافتتاحية وجوب التوبة إلى الله سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٧ موضوع العدد بحث .. الحكم في السطو والاختطاف والمسكرات .. القسم الأول إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ١٣ الفتاوى الفتاوى إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ١٤٥ الموضوعات منهج السلف في العقيدة وأثره في وحدة المسلمين للشيخ صالح بن سعد السحيمي ١٧١

стр. 4548

الربا في ضوء الكتاب والسنة للشيخ عبد الله بن الغني خياط ١٩٣ المعاجم العربية وكيفية الإفادة منها للدكتور محمد جابر الفياض ٢٢٧ حكم لعب الأطفال للشيخ عبد الله بن حمد العبودي ٢٦٣ حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله اللواء الركن محمود شيت خطاب ٢٨٥ منقبة للملك فيصل للدكتور محمد تقي الدين الهلالي ٣١٣ نداء وتذكير للتبرع للمجاهدين الأفغان سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٣١٩

стр. 4549

صفحة فارغة

стр. 4550

الافتتاحية وجوب التوبة إلى الله والضراعة إليه عند نزول المصائب لسماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يطلع عليه من المسلمين، وفقني الله وإياكم للتذكر والاعتبار والاتعاظ بما تجري به الأقدار. والمبادرة بالتوبة النصوح من جميع الذنوب والأوزار آمين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فإن الله بحكمته البالغة وحجته القاطعة، وعلمه المحيط بكل شيء، يبتلي عباده بالسراء والضراء، والشدة والرخاء، وبالنعم والنقم؛ ليمتحن صبرهم وشكرهم؛ فمن صبر عند البلاء، وشكر عند الرخاء، وضرع إلى الله سبحانه عند حصول المصائب، يشكو إليه ذنوبه وتقصيره، ويسأله رحمته وعفوه؛ أفلح كل الفلاح، وفاز بالعاقبة الحميدة، قال الله - جل وعلا - في كتابه العظيم ﴿الم﴾ (١) ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (٢) ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (٣). والمقصود بالفتنة في هذه الآية الاختبار والامتحان، حتى يتبين الصادق من الكاذب، والصابر والشاكر. كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ (٤)

стр. 4551

وقال : ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٢)، والحسنات هنا هي النعم من الخصب والرخاء، والصحة والعزة، والنصر على الأعداء ونحو ذلك، والسيئات هنا هي المصائب. كالأمراض وتسليط الأعداء والزلازل والرياح العاصفة، والسيول الجارفة المدمرة، ونحو ذلك وقال : ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٣)، والمعنى أنه سبحانه قدر ما قدر من الحسنات والسيئات، وما ظهر من الفساد ليرجع الناس إلى الحق، ويبادروا بالتوبة مما حرم الله عليهم، ويسارعوا إلى طاعة الله ورسوله؛ لأن الكفر والمعاصي هما سبب كل بلاء وشر في الدنيا والآخرة، وأما توحيد الله والإيمان به وبرسله وطاعته وطاعة رسله، والتمسك بشريعته والدعوة إليها والإنكار على من خالفها؛ فذلك هو سبب كل خير في الدنيا والآخرة، وفي الثبات على ذلك، والتواصي به، والتعاون عليه عز الدنيا والآخرة، والنجاة من كل مكروه، والعافية من كل فتنة، كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٥) ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٧)، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٨).

стр. 4552

وقد بين سبحانه في آيات كثيرات أن الذي أصاب الأمم السابقة من العذاب والنكال بالطوفان والريح العقيم والصيحة والغرق والخسف، وغير ذلك كله بأسباب كفرهم وذنوبهم، كما قال : ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (١)، وقال : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٢)، وأمر عباده بالتوبة إليه، والضراعة إليه عند المصائب؛ فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (٣)، وقال سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ (٥) ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٦)، وفي هذه الآية الكريمة حث من الله سبحانه لعباده وترغيب لهم إذا حلت بهم المصائب من الأمراض والجراح والقتال والزلازل والريح العاصفة، وغير ذلك من المصائب، أن يتضرعوا إليه ويفتقروا إليه فيسألوه العون، وهذا هو معنى قوله سبحانه: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ (٧)، والمعنى: هلا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا. ثم بين سبحانه أن قسوة قلوبهم، وتزيين الشيطان لهم أعمالهم السيئة، كل ذلك صدهم عن التوبة والضراعة والاستغفار، فقال : ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٨).

стр. 4553

وقد ثبت عن الخليفة الراشد ﵀ أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، أنه لما وقع الزلزال في زمانه كتب إلى عماله في البلدان، وأمرهم أن يأمروا المسلمين بالتوبة إلى الله والضراعة إليه والاستغفار من ذنوبهم، وقد علمتم أيها المسلمون، ما وقع في عصرنا هذا من أنواع الفتن والمصائب، ومن ذلك تسليط الكفار على المسلمين في أفغانستان والفلبين والهند وفلسطين ولبنان وأثيوبيا وغيرها، ومن ذلك ما وقع من الزلازل في اليمن وبلدان كثيرة، ومن ذلك ما وقع من فيضانات مدمرة والريح العاصفة المدمرة لكثير من الأموال والأشجار والمراكب البحرية وغير ذلك، وأنواع الثلوج التي حصل بها ما لا يحصى من الضرر، ومن ذلك المجاعة والجدب والقحط في كثير من البلدان كل هذا وأشباهه من أنواع العقوبات والمصائب التي ابتلى الله بها العباد بأسباب الكفر والمعاصي والانحراف عن طاعته سبحانه، والإقبال على الدنيا وشهواتها العاجلة، والإعراض عن الآخرة وعدم الإعداد لها، إلا من رحم الله من عباده. ولا شك أن هذه المصائب وغيرها توجب على العباد البدار بالتوبة إلى الله سبحانه من جميع ما حرم عليهم، والبدار إلى طاعته وتحكيم شريعته، والتعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والصبر عليه، ومتى تاب العباد إلى ربهم وتضرعوا إليه، وسارعوا إلى ما يرضيه، وتعاونوا على البر والتقوى، وتآمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، أصلح الله أحوالهم، وكفاهم شر أعدائهم، ومكن لهم في الأرض ونصرهم على عدوهم، وأسبغ عليهم نعمه، وصرف عنهم نقمه، كما قال سبحانه، وهو أصدق القائلين: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١)، وقال : ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٢) ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣)، وقال : ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (٥) الآية.

стр. 4554

وقال : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١). فأوضح في هذه الآيات أن رحمته وإحسانه وأمنه وسائر أنواع نعمه إنما تحصل على الكمال الموصول بنعيم الآخرة لمن اتقاه وآمن به وأطاع رسله، واستقام على شرعه وتاب إليه من ذنوبه. أما من أعرض عن طاعته وتكبر عن أداء حقه، وأصر على كفره وعصيانه، فقد توعده سبحانه بأنواع العقوبات في الدنيا والآخرة، وعجل له من ذلك ما اقتضته حكمته ليكون عبرة وعظة لغيره كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ (٢) ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣). فيا معشر المسلمين، حاسبوا أنفسكم وتوبوا إلى ربكم، واستغفروه وبادروا إلى طاعته، واحذروا معصيته، وتعاونوا على البر والتقوى، وأحسنوا إن الله يحب المحسنين، وأقسطوا إن الله يحب المقسطين، وأعدوا العدة الصالحة قبل نزول الموت، وارحموا ضعفاءكم، وواسوا فقراءكم، وأكثروا من ذكر الله واستغفاره، وتآمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر لعلكم ترحمون، واعتبروا بما أصاب غيركم من المصائب بأسباب الذنوب والمعاصي، والله يتوب على التائبين ويرحم المحسنين ويحسن العاقبة للمتقين، كما قال سبحانه: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (٥). والله المسئول بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، أن يرحم عباده المسلمين، وأن يفقههم في الدين، وينصرهم على أعدائه وأعدائهم

стр. 4555

من الكفار والمنافقين، وأن ينزل بأسه بهم الذي لا يرد عن القوم المجرمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
следующие страницы →