← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

وقال ابن كثير في تفسيره: آية المحاربة المحاربة: هي المضادة والمخالفة، وهي صادقة على الكفر، وعلى قطع الطريق، وإخافة السبيل، وكذلك الإفساد في الأرض.

стр. 4587

يطلق على أنواع من الشر حتى قال كثير من السلف - منهم سعيد بن المسيب -: إن قبض الدراهم والدنانير من الإفساد في الأرض، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (١). ثم قال بعضهم: نزلت هذه الآية الكريمة في المشركين كما قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا الحسين بن واقد عن يزيد عن عكرمة، والحسن البصري قالا: ﴿الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ (٢) نزلت هذه الآية في المشركين فمن تاب منهم من قبل أن تقدروا عليه لم يكن عليه سبيل، وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد، إن قتل أو أفسد في الأرض أو حارب الله ورسوله، ثم لحق بالكفار قبل أن يقدر عليه، لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصاب، ورواه أبو داود والنسائي من طريق عكرمة عن ابن عباس: ﴿الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ (٣) نزلت في المشركين فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصابه، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ (٤) الآية، قال: كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين النبي ﷺ عهد وميثاق، فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض، فخير الله رسوله إن شاء أن يقتل، وإن شاء أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، رواه ابن جرير. وروى شعبة عن منصور عن هلال بن يساف عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: نزلت في الحرورية: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ (٥) رواه ابن مردويه، والصحيح أن هذه الآية عامة في المشركين وغيرهم ممن ارتكب هذه الصفات كما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي قلابة، واسمه عبد الله بن زيد الحرمي البصري، عن أنس بن مالك: «أن نفرا من عكل ثمانية قدموا على رسول الله ﷺ فبايعوه على الإسلام فاستوخموا المدينة، وسقمت أجسامهم فشكوا إلى رسول الله ﷺ ذلك فقال: ألا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبوا من أبوالها وألبانها، فقالوا: بلى، فخرجوا فشربوا من أبوالها وألبانها فصحوا فقتلوا الراعي وطردوا الإبل، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فبعث في آثارهم فأدركوا فجيء بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسملت أعينهم، ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا (٦)» لفظ مسلم. وفي لفظ لهم: من عكل أو عرينة وفي لفظ: «والقوافي

стр. 4588

الحرة فجعلوا يستسقون فلا يسقون (١)»، وفي لفظ لمسلم: ولم يحمهم، وعند البخاري قال أبو قلابة: «فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله (٢)»، رواه مسلم من طريق هشيم عن عبد العزيز بن صهيب، وحميد عن أنس فذكر نحوه وعنده فارتدوا وقد أخرجاه من رواية قتادة عن أنس بنحوه، وقال سعيد عن قتادة: من عكل وعرينة ورواه مسلم من طريق سليمان التيمي عن أنس قال: «إنما سمل النبي ﷺ أعين أولئك؛ لأنهم سملوا أعين الرعاة (٣)». ورواه مسلم من حديث معاوية بن قرة عن أنس قال: «أتى رسول الله ﷺ نفر من عرينة فأسلموا وبايعوه وقد وقع بالمدينة الموم (٤)»، وهو البرسام ذكر نحو حديثهم وزاد عنده: «شباب من الأنصار قريب من عشرين فأرسلهم وبعث معهم قائفا يقفو أثرهم (٥)»، وهذه كلها ألفاظ مسلم ﵀. ثم قد احتج بعموم هذه الآية جمهور العلماء في ذهابهم إلى أن حكم المحاربة في الأمصار وفي السبلان. على السواء لقوله: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ (٦) وهذا مذهب مالك والأوزاعي والليث بن سعد والشافعي وأحمد بن حنبل، حتى قال مالك في الذي يغتال الرجل فيخدعه حتى يدخله بيتا فيقتله ويأخذ ما معه، إن هذه محاربة ودمه إلى السلطان لا إلى ولي المقتول، ولا اعتبار بعفوه عنه في إسقاط القتل. وقال أبو حنيفة وأصحابه لا تكون المحاربة إلا في الطرقات، فأما في الأمصار فلا؛ لأنه يلحقه الغوث إذا استغاث. بخلاف الطريق لبعده ممن يغيثه ويعينه، وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٧) قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية: من شهر السلاح في فئة الإسلام وأخاف السبيل ثم ظفر به وقدر عليه، فإمام المسلمين فيه بالخيار، إن شاء قتله، وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجله، وكذا قال سعيد بن المسيب ومجاهد وعطاء والحسن البصري وإبراهيم النخعي والضحاك، وروى ذلك كله أبو جعفر بن جرير، وحكي مثله عن مالك بن أنس ﵀، ويستند هذا القول أن ظاهر " أو " للتخيير كما في نظائر ذلك من القران كقوله في جزاء الصيد: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ (٨)، وكقوله في كفارة الفدية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٩)، وكقوله في كفارة اليمين: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (١٠)

стр. 4589

وهذه كلها على التخيير، فكذلك فلتكن هذه الآية، وقال الجمهور: هذه الآية منزلة على أحوال كما قال أبو عبد الله الشافعي، أنبأنا إبراهيم: (١) بن أبي يحيى عن صالح (٢)، مولى التوأمة، عن ابن عباس في قطاع الطريق إذا قتلوا وأخذوا المال: قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال: قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا: قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا المال نفوا من الأرض، وقد رواه ابن أبي شيبة عن عبد الرحيم بن سليمان، عن حجاج عن عطية عن ابن عباس بنحوه عن أبي مجلز وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والسدي وعطاء الخراساني نحو ذلك، وهكذا قال غير واحد من السلف والأئمة. ثم ذكر نحوا مما ذكره ابن جرير في شرح بقية الآيتين.

стр. 4590

قال أبو بكر الجصاص في (باب حد المحاربين) قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ (١) الآية، وبعد أن ذكر أن في قوله تعالى: ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٢) مجازا بالحذف أو التشبيه على طريقة علماء الكلام قال: لا خلاف بين السلف والخلف من فقهاء الأمصار أن هذا الحكم غير مخصوص بأهل الردة، وأنه فيمن قطع الطريق وإن كان من أهل الملة، وحكي عن بعض المتأخرين ممن لا يعتد به أن ذلك مخصوص بالمرتدين، وهو قول ساقط مردود مخالف للآية وإجماع السلف والخلف، ويدل على أن المراد به قطاع الطريق من أهل الملة قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) ومعلوم أن المرتدين لا يختلف حكمهم في زوال العقوبة عنهم بالتوبة بعد القدرة كما تسقطها عنهم قبل القدرة، وقد فرق الله بين توبتهم قبل القدرة أو بعدها، وأيضا فإن الإسلام لا يسقط الحد عمن وجب عليه، فعلمنا أن المراد قطاع الطريق من أهل الملة، وأن توبتهم من الفعل قبل القدرة عليهم هي المسقطة للحد عنهم، وأيضا فإن المرتد يستحق

стр. 4591

القتل بنفس الردة دون المحاربة، والمذكور في الآية من استحق القتل بالمحاربة فعلمنا أنه لم يرد المرتد وأيضا ذكر فيه نفي من لم يتب قبل القدرة عليه، والمرتد لا ينفى فعلمنا أن حكم الآية جار في أهل الملة، وأيضا فإنه لا خلاف أن أحدا لا يستحق قطع اليد والرجل بالكفر، وأن الأسير من أهل الردة متى حصل في أيدينا عرض عليه الإسلام، فإن أسلم وإلا قتل، ولا نقطع يده ولا رجله وأيضا فإن الآية أوجبت قطع يد المحارب ورجله ولم توجب معه شيئا آخر، ومعلوم أن المرتد لا يجوز أن تقطع يده ورجله ويخلى سبيله بل يقتل إن لم يسلم، والله تعالى قد أوجب الاقتصار بهم في حال على قطع اليد والرجل دون غيره، وأيضا ليس من حكم المرتدين الصلب، فعلمنا أن الآية في غير أهل الردة، ويدل عليه أيضا قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (١)، وقال في المحاربين ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) فشرط في زوال الحد عن المحاربين وجود التوبة منهم قبل القدرة عليهم وأسقط عقوبة الكفر بالتوبة قبل القدرة وبعدها، فلما علم أنه لم يرد بالمحاربين أهل الردة فهذه الوجوه التي ذكرناها كلها دالة على بطلان قول من ادعى خصوص الآية في المرتدين. فإن قال قائل: قد روى قتادة وعبد العزيز بن صهيب وغيرهما عن أنس قال: «قدم على النبي ﷺ أناس من عرينة، فقال لهم رسول الله ﷺ : لو خرجتم إلى ذودنا فشربتم من ألبانها وأبوالها ففعلوا فلما صحوا قاموا إلى راعي رسول الله ﷺ فقتلوه ورجعوا كفارا واستاقوا ذود رسول الله ﷺ ؛ فأرسل في طلبهم، فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا (٣)». قيل له: إن خبر العرنيين مختلف فيه، فذكر بعضهم عن أنس نحو ما ذكرنا، وزاد فيه أنه كان سبب نزول الآية، وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: أنها نزلت في أصحاب أبي برزة الأسلمي، وكان موادعا للنبي ﷺ فقطعوا الطريق على قوم جاءوا يريدون الإسلام؛ فنزلت فيهم، وروي عكرمة عن ابن عباس أنها نزلت في المشركين، فلم يذكر مثل قصة العرنيين، وروي عن ابن عمر: أنها نزلت في العرنيين، ولم يذكر رده. ولا يخلو نزول الآية من أن يكون في شأن العرنيين أو الموادعين، فإن كان نزولها في العرنيين وأنهم ارتدوا فإن نزولها في شأنهم لا يوجب الاقتصار بها عليهم؛ لأنه لا حكم للسبب عندنا، وإنما الحكم عندنا لعموم اللفظ

стр. 4592

إلا أن تقوم الدلالة على الاقتصار به على السبب، وأيضا فإن من ذكر نزولها في شأن العرنيين فإنه ما ذكر أن النبي ﷺ بعد نزول الآية قال شيئا، وإنما تركهم في الحرة حتى ماتوا، ويستحيل نزول الآية في الأمر بقطع من قد قطع وقتل من قد قتل؛ لأن ذلك غير ممكن؛ فعلمنا أنهم غير مرادين بحكم الآية، ولأن الآية عامة في سائر من يتناوله الاسم غير متصور الحكم على المرتدين، وقد روى همام عن قتادة عن ابن سيرين قال: كان أمر العرنيين قبل أن ينزل الحدود، فأخبر أنه كان قبل نزول الآية، ويدل عليه أن النبي ﷺ سمل أعينهم، وذلك منسوخ بنهي النبي ﷺ عن المثلة. . . ثم قال (ذكر الاختلاف في ذلك) واختلف السلف وفقهاء الأمصار في حكم الآية من وجوه أنا ذاكرها بعد اتفاقهم على أن حكم الآية جار في أهل الملة إذا قطعوا الطريق، فروى الحجاج بن أرطأة عن عطية العوفي، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ (١) الآية، قال: إذا حارب الرجل فقتل وأخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف وقتل وصلب، فإن قتل ولم يأخذ المال قتل، وإن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وإذا لم يقتل ولم يأخذ المال نفي. وروى أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم في الرجل يقطع الطريق ويأخذ المال ويقتل أن الإمام فيه بالخيار، إن شاء قطع يده ورجله من خلاف وقتله وصلبه، وإن شاء صلبه ولم يقطع يده ولا رجله، وإن شاء قتله ولم يصلبه، فإن أخذ مالا ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وإن لم يأخذ مالا ولم يقتل عزر، ونفي من الأرض، ونفيه حبسه، وفي رواية أخرى: أوجع عقوبة وحبس حتى يحدث خيرا، وهو قول الحسن رواية وسعيد بن جبير وحماد وقتادة وعطاء الخراساني، فهذا قول السلف الذين جعلوا حكم الآية على الترتيب، وقال الآخرون: الإمام مخير فيهم إذا خرجوا يجري عليهم أي هذه الأحكام شاء، وإن لم يقتلوا ولم يأخذوا مالا، وممن قال ذلك سعيد بن المسيب ومجاهد والحسن رواية وعطاء بن أبي رباح. وقال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد: إذا قتل المحاربون ولم يعدوا ذلك قتلوا، وإن أخذوا المال ولم يعدوا ذلك قطعت أيديهم

стр. 4593

وأرجلهم من خلاف، لا خلاف بين أصحابنا في ذلك، فإن قتلوا وأخذوا المال فإن أبا حنيفة قال: للإمام أربع خيارات: إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم وقتلهم، وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم وصلبهم، وإن شاء صلبهم، وإن شاء قتلهم وترك القطع، وقال أبو يوسف ومحمد: إذا قتلوا وأخذوا المال فإنهم يصلبون ويقتلون ولا يقطعون، وروي عن أبي يوسف في الإملاء أنه قال: إن شاء قطع يده ورجله وصلبه، فأما الصلب فلا أعفيه منه. وقال الشافعي في قطاع الطريق: إذا قتلوا وأخذوا المال: قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال: قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا: قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل: نفوا، وإذا هربوا: طلبوا حتى يؤخذوا فيقام عليهم الحدود، إلا من تاب قبل أن يقدر عليه سقط عنه الحد ولا يسقط حقوق الآدميين، ويحتمل أن يسقط كل حق لله تعالى بالتوبة ويقطع من أخذ ربع دينار فصاعدا. وقال مالك: إذا أخذ المحارب المخيف للسبيل فإن الإمام مخير في إقامة أي الحدود التي أمر الله تعالى بها، قتل المحارب أو لم يقتل، أخذ مالا أو لم يأخذ، الإمام مخير في ذلك: إن شاء قتله، وإن شاء قطعه خلافا، وإن شاء نفاه، ونفيه حبسه حتى يظهر توبة، فإن لم يقدر على المحارب حتى يأتيه تائبا وضع عنه حد المحاربة القتل والقطع والنفي، وأخذ بحقوق الناس. وقال الليث بن سعد: الذي يقتل ويأخذ المال يصلب فيطعن بالحربة حتى يموت، والذي يقتل فإنه يقتل بالسيف، وقال أبو الزناد في المحاربين: ما يصنع الوالي فيهم فهو صواب: من قتل أو صلب أو قطع أو نفي، قال أبو بكر: الدليل (١) على أن حكم الآية على الترتيب الذي ذكرنا قول النبي ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير نفس (٢)»، فنفى ﷺ قتل من خرج عن هذه الوجوه الثلاثة، ولم يخصص فيه قطاع الطريق، فانتفى بذلك قتل من لم يقتل من قطاع الطريق، وإذا انتفى قتل من لم يقتل وجب قطع يده ورجله، إذا أخذ المال وهذا لا خلاف فيه (٣). فإن قيل: روى إبراهيم بن طهمان عن عبد العزيز بن رفيع عن عبيد بن عمير عن عائشة عن النبي ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: زنا بعد إحصان، ورجل قتل رجلا فقتل به، ورجل خرج محاربا لله ولرسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض (٤)». قيل له: قد روي هذا الحديث من وجوه صحاح ولم يذكر

стр. 4594

فيه قتل المحارب، ورواه عثمان وعبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ ، ولم يذكر فيه قتل المحارب، والصحيح منها ما لم يذكر ذلك فيه؛ لأن المرتد لا محالة مستحق للقتل بالاتفاق، وهو أحد الثلاثة المذكورين في خبر هؤلاء، فلم يبق من الثلاثة غيرهم، ويكون المحارب إذا لم يقتل خارجا منهم، وإن صح ذكر المحارب فيه فالمعنى فيه إذا قتل؛ حتى يكون موافقا للإخبار الآخر، وتكون فائدته جواز قتله على وجه الصلب. فإن قيل: فقد ذكر فيه: أو ينفى من الأرض. قيل له: لا يمتنع أن يكون مبتدأ قد أضر فيه إن لم يقتل (١). فإن قيل: فقد يقتل الباغي وإن لم يقتل، وهو خارج عن الثلاثة المذكورين في الخبر. قيل له: ظاهر الخبر ينفي قتله، وإنما قتلناه بدلالة الاتفاق وبقي حكم الخبر في نفي قتل المحارب إلا أن يقتل على العموم، وأيضا فإن الخبر إنما ورد فيمن استحق القتل بفعل سبق منه واستقر حكمه عليه، كالزاني المحصن والمرتد والقاتل، والباغي لا يستحق القتل على هذا الوجه، وإنما يقتل على وجه الدفع، ألا ترى أنه لو قعد في بيته ولم يقاتل: لم يقتل، وإن كان معتقدا لمقالة أهل البغي فثبت بما وصفنا أن حكم الآية على الترتيب على الوجه الذي بينا لا على التخيير، ويدل على أن في الآية ضميرا ولا تخيير فيها باتفاق الجميع (٢)، على أنهم لو أخذوا مالا ولم يقتلوا لم يجز للإمام أن ينفيهم ويترك قطع أيدهم وأرجلهم، وكذلك لو قتلوا وأخذوا المال لم يجز للإمام أن يعفيهم من القتل أو الصلب (٣)، ولو كان الأمر على ما قال القائلون بالتخيير لكان التخيير ثابتا فيما إذا أخذوا المال وقتلوا، أو أخذوا المال ولم يقتلوا، فلما كان ذلك على ما وصفنا ثبت أن في الآية ضميرا، وهو أن يقتلوا إن قتلوا، أو يصلبوا إن قتلوا وأخذوا المال، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن أخذوا المال ولم يقتلوا، أو ينفوا من الأرض إن خرجوا ولم يفعلوا شيئا من ذلك حتى ظفر بهم (٤). واحتج القائلون بالتخيير بظاهر الآية، وبقوله تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٥)، فدل على أن الفساد في الأرض بمنزلة قتل النفس في باب وجوب قتله.

стр. 4595

والمحاربون مفسدون في الأرض بخروجهم وامتناعهم وإخافتهم السبيل، وإن لم يقتلوا ولم يأخذوا مالا، وليس ما ذكروه بموجب للتخيير مع قيام الدلالة على ضمير الآية وتعلق الحكم به دون مقتضى ظاهرها، وهو ما قدمنا من أنها لو كانت موجبة للتخيير ولم يكن فيها ضمير لكان الخيار باقيا إذا قتلوا وأخذوا المال في العدول عن قتلهم وقطعهم إلى نفيهم، فلما ثبت أنه غير جائز العدول عن القتل والقطع في هذه الحال صح أن معناها أن يقتلوا إن قتلوا، أو يصلبوا إن قتلوا وأخذوا المال، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن أخذوا المال. فإن قال قائل: إنما وجب قتلهم إذا قتلوا، وقطعهم إذا أخذوا المال، ولم يجز العدول عنه إلى النفي؛ لأن القتل على الانفراد يستحق به القتل، وإن لم يكن محاربا وأخذ المال يستحق به القطع إذا كان سارقا؛ فلذلك لم يجز في هذه الحال العدول إلى النفي وترك القتل أو القطع. قيل له: قتل المحارب في هذه الحال وقطعه حد ليس على وجه القود، ألا ترى أن عفو الأولياء غير جائز فيه، فثبت أنه إنما يستحق ذلك على وجه الحد؛ لأنه قتل على وجه المحاربة، ووجب قطعه لأخذه المال على وجه المحاربة، فإذا لم يقتل ولم يأخذ مالا لم يجز أن يقتل ولا يقطع؛ لأنه لو كان القتل واجبا حدا لما جاز العدول عنه إلى النفي، وكذلك القطع كما أنهم إذا قتلوا وأخذوا المال لم يجز العدول عن القتل أو القطع إلى النفي إذا كان وجوب ذلك على وجه الحد، وفي ذلك دليل على أن المحارب لا يستحق القتل إلا إذا قتل، ولا القطع إلا إذا أخذ المال، ويصلح أن يكون ذلك دليلا مبتدأ؛ لأن القتل إذا وجب حدا لم يجز العدول عنه إلى غيره، وكذلك القطع كالزاني والسارق فلما جاز للإمام أن يعدل عن قتل المحارب الذي لم يقتل إلى النفي علمنا أنه غير مستحق للقتل بنفس الخروج، وكما لو قتل لم يجز أن يعفى عن قتله، فلو كان يستحق القتل بنفس المحاربة لما جاز أن يعدل عنه كما لم يجز أن يعدل عنه إذا قتل. وأما قوله تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (١)، وتسويته بين قتل النفس بغير النفس وبين الفساد في الأرض، فإنما المراد الفساد في الأرض الذي يكون معه قتل أو قتله في حال إظهار الفساد، فيقتل على وجه الدفع، ونحن قد نقتل المحارب الذي لم يقتل على وجه الدفع، وإنما الكلام فيمن صار في يد

стр. 4596

الإمام قبل أن يتوب هل يجوز أن يقتله إذا لم يقتل، فأما على وجه الدفع فلا خلاف فيه، فجائز أن يكون المراد من قوله تعالى: ﴿أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ (١) على هذا الوجه؛ لأن الفساد في الأرض لو كان يستحق به القتل لما جاز العدول عنه إلى النفي، فلما جاز عند الجميع نفيه دل على أنه غير مستحق للقتل، فصح بما وصفنا قول من قال بإيجاب ترتيب حكم الآية على الوجه الذي ذكرنا، وأيضا فإن الوصول إلى القتل لا يستحق بأخذ المال ولا القصد له، ومعلوم أن المحاربين إنما خرجوا لأخذ المال، فإن كان القتل غير مستحق لأخذ المال في الأصول فالقصد لأخذه أولى أن لا يستحق به القتل على وجه الحد (٢)، فإذا خرج المحاربون وقتلوا قتلوا حدا لأجل القتل، وليس قتلهم هذا قودا؛ لأن القتل يستحق به القتل في الأصول إلا أنه لما قتله على جهة إظهار الفساد في الأرض تأكد حكمه بأن أوجب قتله حدا على أنه حق لله تعالى لا يجوز فيه عفو الأولياء، فإن أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف لما في الآية من ذكر ذلك، وقطع اليد والرجل يستحق بأخذ المال في الأصول، ألا ترى أن السارق تقطع يده، فإن عاد فسرق قطعت رجله، إلا أنه غلظت عقوبته حين كان أخذه للمال على وجه الفساد في الأرض، فإن قتل وأخذ فالإمام فيه بالخيار على ما ذكرنا من اختلاف أصحابنا فيه، فكان عند أبي حنيفة: له أن يجمع عليه قطع اليد والرجل والصلب والقتل، وكان ذلك عنده حدا واحدا، وكذلك لما استحق القتل في هذا الموضع مستحق على وجه الحد كالقطع، وأن عفو الأولياء فيه لا يجوز؛ فدل ذلك على أنهما جميعا حد واحد؛ فلذلك كان للإمام أن يجمعهما جميعا، وله أن يقتلهم فيدخل فيه قطع اليد والرجل، وذلك لأنه لم يؤخذ على الإمام الترتيب في التبدئة ببعض ذلك دون بعض، فله أن يبدأ بالقتل أو بالقطع. فإن قال قائل: هلا قتلته وأسقطت القطع كمن سرق وقتل إنه يقتل ولا يقطع. قيل له: لما بينا من أن جميع ذلك حد واحد مستحق بسبب واحد، وهو القتل وأخذ المال على وجه المحاربة، وأما السرقة والقتل فكل واحد منهما مستحق بسبب غير السبب الذي به استحق الآخر، وقد أمرنا بدرء الحدود ما استطعنا؛ فلذلك بدأنا بالقتل لندرأ أحد الحدين، وليس في مسألتنا درء أحد الحدين، وإنما هو حد واحد فلم يلزمنا إسقاط بعضه وإيجاب بعض، وهو مخير أيضا بين أن يقتله صلبا

стр. 4597

وبين الاقتصار على القتل دون الصلب؛ لقوله تعالى: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ (١) وذكر أبو جعفر الطحاوي: أن الصلب المذكور في آية المحارب هو الصلب بعد القتل في قول أبي حنيفة، وكان أبو الحسن الكرخي يحكي عن أبي يوسف أنه يصلب ثم يقتل ببعج بطنه برمح أو غيره فيقتل، وقال أبو الحسن: هذا هو الصحيح، وصلبه بعد القتل لا معنى له؛ لأن الصلب عقوبة وذلك يستحيل في الميت، فقيل له: لم لا يجوز أن يصلب بعد القتل ردعا لغيره، فقال: لأن الصلب إذا كان موضوعه للتعذيب والعقوبة لم يجز إيقاعه إلا على الوجه الموضوع في الشريعة. فإن قال قائل: إن كان الله تعالى إنما أوجب القتل أو الصلب على وجه التخيير فكيف يجوز جمعهما عليه. قيل له: أراد قتلا على غير وجه الصلب إذا قتل ولم يأخذ المال، وأراد قتلا على وجه الصلب إذا قتل وأخذ المال؛ فغلظت العقوبة عليه في صفة القتل لجمعه بين القتل وأخذ المال، وروى مغيرة عن إبراهيم قال: يترك المصلوب من المحاربين على الخشبة يوما، وقال يحيى بن آدم ثلاثة أيام. واختلف في النفي فقال أصحابنا: هو حبسه حيث يرى الإمام، وروي مثله عن إبراهيم، وروي عن إبراهيم رواية أخرى وهو أن نفيه طلبه، وقال مالك: ينفى إلى بلد آخر غير البلد الذي يستحق فيه العقوبة فيحبس هناك، وقال مجاهد وغيره: هو أن يطلب الإمام الحد عليه حتى يخرج عن دار الإسلام. قال أبو بكر: فأما من قال: إنه ينفى عن كل بلد يدخله فهو إنما ينفيه عن البلد الذي هو فيه، والإقامة فيه وهو حينئذ غير منفي من التصرف في غيره، فلا معنى لذلك، ولا معنى أيضا لحبسه في بلد غير بلده؛ إذ الحبس يستوي في البلد الذي أصاب فيه وفي غيره، فالصحيح إذا حبسه في بلد وأيضا فلا يخلو قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٢) من أن يكون المراد به نفيه من جميع الأرض وذلك محال؛ لأنه لا يمكن نفيه من جميع الأرض إلا بأن يقتل، ومعلوم أنه لم يرد بالنفي القتل؛ لأنه قد ذكر في الآية القتل مع النفي أو يكون مراده نفيه من الأرض التي خرج منها محاربا من غير حبسه؛ لأنه معلوم أن المراد بما ذكره زجره عن إخافة السبيل وكف أذاه عن المسلمين، وهو إذا صار إلى بلد آخر فكان هناك مخلا كانت معرته قائمة على المسلمين إذا كان تصرفه هناك كتصرفه في غيره أو أن يكون المراد نفيه عن دار الإسلام، وذلك ممتنع أيضا؛ لأنه لا يجوز نفي المسلم إلى دار الحرب لما فيه من تعريضه للردة ومصيره إلى أن يكون حربيا؛ فثبت أن معنى النفي هو نفيه عن سائر الأرض إلا موضع

стр. 4598

حبسه لا يمكنه فيه العبث والفساد. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١) يدل على أن إقامة الحد عليه لا كفارة لذنوبه، لإخبار الله تعالى بوعيده في الآخرة بعد إقامة الحد عليهم، قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢)، استثناء لمن تاب منهم من قبل القدرة عليهم وإخراج لهم من جملة من أوجب الله عليه الحد؛ لأن الاستثناء إنما هو إخراج بعض ما انتظمته الجملة منها؛ كقوله تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٣) ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ (٤)، فأخرج آل لوط من جملة المهلكين، وأخرج المرأة بالاستثناء من جملة المنجين، وكقوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ (٥) ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ (٦)، فكان إبليس خارجا من جملة الساجدين، فكذلك لما استثناهم من جملة من أوجب عليهم الحد إذا تابوا قبل القدرة عليهم، فقد نفى إيجاب الحد عليهم، وقد أكد ذلك بقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٧) كقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٨) عقل بذلك سقوط عقوبات الدنيا والآخرة عنهم. فإن قال قائل: قد قال في السرقة: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٩) ومع ذلك فليست توبة السارق مسقطة للحد عنه. قيل: لأنه لم يستثنهم من جملة من أوجب عليهم الحد، وإنما أخبر أن الله غفور رحيم لمن تاب منهم، وفي آية المحاربة استثناء يوجب إخراجهم من الجملة، وأيضا فإن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ (١٠) يصح أن يكون كلاما مبتدأ مستغنيا بنفسه عن تضمينه بغيره، وكل كلام اكتفى بنفسه لم نجعله مضمنا بغيره إلا بدلالة، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (١١) مفتقر في صحته إلى ما قبله، فمن أجل ذلك كان مضمنا به. ومتى سقط الحد المذكور في الآية وجبت حقوق الآدميين من القتل والجراحات وضمان الأموال، وإذا وجب الحد سقط ضمان حقوق الآدميين في المال والنفس والجراحات، وذلك لأن وجوب الحد بهذا الفعل يسقط ما تعلق به من حق الآدمي كالسارق إذا سرق وقطع لم يضمن السرقة، وكالزاني إذا وجب عليه

стр. 4599

الحد لم يلزمه المهر، وكالقاتل إذا وجب عليه القود لم يلزمه ضمان المال، كذلك المحاربون إذا وجب عليهم الحد سقطت حقوق الآدميين، فإذا سقط الحد عن المحارب وجب ضمان ما تناوله من مال أو نفس كالسارق إذا أدرئ عنه الحد وجب عليه ضمان المال، وكالزاني إذا سقط عنه الحد لزمه. واختلف في الموضع الذي يكون به محاربا، فقال أبو حنيفة: من قطع الطريق في المصر ليلا أو نهارا أو بين الحيرة والكوفة ليلا أو نهارا فلا يكون قاطعا للطريق إلا في الصحاري، وحكى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف: أن الأمصار وغيرها سواء، وهم المحاربون يقام حدهم، وروي عن أبي يوسف في اللصوص الذين يكبسون الناس ليلا في دورهم في المصر: أنهم بمنزلة قطاع الطريق، يجري عليهم أحكامهم. وحكي عن مالك: أنه لا يكون محاربا حتى يقطع على ثلاثة أميال من القرية، وذكر عنه أيضا قال: المحاربة أن يقاتلوا على طلب المال من غير ثائرة، ولم يفرق ههنا بين المصر وغيره. وقال الشافعي قطاع الطريق الذين يعرضون بالسلاح للقوم حتى يغصبوهم المال، والصحاري والمصر واحد. وقال الثوري: لا يكون محاربا بالكوفة حتى يكون خارجا منها. قال أبو بكر: روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا قطع على خائن، ولا مختلس (١)»، فنفى ﵇ القطع عن المختلس، والمختلس هو الذي يختلس الشيء، وهو غير ممتنع فوجب بذلك اعتبار المنعة من المحاربين، وأنهم متى كانوا في موضع لا يمكنهم أن يمتنعوا، وقد يلحق من قصدوه الغوث من قبل المسلمين أن لا يكونوا محاربين، وأن يكونوا بمنزلة المختلس والمنتهب؛ كالرجل الواحد إذا فعل ذلك في المصر، فيكون مختلسا غاصبا لا يجري عليه أحكام قطاع الطريق، وإذا كانت جماعة ممتنعة في الصحراء فهؤلاء يمكنهم أخذ أموال السابلة قبل أن يلحقهم الغوث فباينوا بذلك المختلس ومن ليس له امتناع في أحكامهم، ولو وجب أن يستوي حكم المصر وغيره لوجب استواء حكم الرجل الواحد والجماعة، ومعلوم أن الرجل الواحد لا يكون محاربا في المصر لعدم الامتناع منه، فكذلك ينبغي أن يكون حكم الجماعة في المصر لفقد الامتناع منهم على أهل المصر، وأما إذا كانوا في الصحراء فهم ممتنعون غير مقدور عليهم إلا بالطلب والقتال؛ فلذلك اختلف حكمهم وحكم من في مصر. فإن قال قائل: إن كان الاعتبار بما ذكرت فواجب أن يكون العشرة من اللصوص إذا اعترضوا قافلة فيها ألف رجل غير محاربين إذ قد يمكنهم الامتناع عليهم. قيل له: صاروا محاربين بالامتناع والخروج، سواء قصدوا القافلة أو لم يقصدوها، فلا يزول عنهم هذا الحكم بعد ذلك بكون القافلة

стр. 4600

ممتنعة منهم كما لا يزول بكون أهل الأمصار ممتنعين منهم، وأجرى أبو يوسف على اللصوص في المصر حكم المحاربين لامتناعهم والخروج على وجه المحاربة لأخذ المال، فلا يختلف حكمهم بالمصر وغيره، كما أن سائر ما يوجب الحد من الزنا والسرقة والقذف والقتل لا يختلف أحكام فاعليها بالمصر وغيره. فصل واعتبر أصحابنا في إيجاب قطع المحارب مقدار المال المأخوذ بأن يصيب كل واحد منهم عشرة دراهم، واعتبر الشافعي ربع دينار، كما اعتبره في قطع السارق، ولم يعتبره مالك؛ لأنه يرى إجراء الحكم عليهم بالخروج قبل أخذ المال (١). (فصل) وقال أصحابنا: إذا كان الذي ولي القتل وأخذ المال بعضهم كان حكم جميعهم حكم المحاربين يجري الحكم عليهم، وذلك لأن حكم المحاربة والمنعة لم يحصل إلا باجتماعهم جميعا فلما كان السبب الذي تعلق به حكم المحاربة -وهو المنعة - حصل باجتماعهم جميعا: وجب أن لا يختلف حكم من ولي القتل منهم، ومن كان عونا أو ظهيرا، والدليل عليه أن الجيش إذا غنموا من أهل الحرب لم يختلف فيه حكم من ولي القتال منهم، ومن كان منهم ردءا وظهيرا، ولذلك لم يختلف حكم من قتل بعصا أو بسيف إذ كان من لم يل القتال يجري عليه الحكم.

стр. 4601

قال أبو بكر بن العربي في تفسير آية: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١) في الآية اثنتا عشرة مسألة، ثم ذكر في المسألة الأولى منها أن في قوله تعالى: ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٢) مجازا بالتشبيه أو بالحذف على طريقة علماء الكلام. ثم قال: المسألة الثانية في سبب نزولها وفيها خمسة أقوال:

стр. 4602

الأول - أنها نزلت في أهل الكتاب، نقضوا العهد وأخافوا السبيل وأفسدوا في الأرض، فخير الله نبيه فيهم. الثاني - نزلت في المشركين، قاله الحسن. الثالث - نزلت في عكل أو عرينة قدم منهم نفر على النبي ﷺ المدينة وتكلموا بالإسلام فقالوا: «يا نبي الله، إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف واستوخموا المدينة فأمر لهم رسول الله ﷺ بذود وراع، وأمرهم أن يخرجوا فيه فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فانطلقوا حتى إذا كانوا بناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبي ﷺ واستاقوا الذود، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فبعث الطلب في آثارهم فأمر بهم فسملوا أعينهم وقطعوا أيديهم وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم (١)». وقال قتادة: فبلغنا أن النبي ﷺ بعد ذلك كان «يحث على الصدقة وينهى عن المثلة (٢)». هذا في الصحيح من قصتهم، وتمامها على الاستيفاء في صريح الصحيح، زاد الطبري: وفي ذلك نزلت هذه الآية، ورواه جماعة. الرابع - أن هذه الآية نزلت معاتبة للنبي ﷺ في شأن العرنيين، قاله الليث. الخامس - قال قتادة: هي ناسخة لما فعل في العرنيين. المسألة الثالثة - في تحقيق ذلك: لو ثبت أن هذه الآية نزلت في شأن عكل أو عرينة لكان غرضا ثابتا ونصا صريحا. واختار الطبري أنها نزلت في يهود، ودخل تحتها كل ذمي وملي، وهذا ما لم يصح فإنه لم يبلغنا أن أحدا من اليهود حارب، ولا أنه جوزي بهذا الجزاء. ومن قال: إنها نزلت في المشركين أقرب إلى الصواب؛ لأن عكلا وعرينة ارتدوا وقتلوا وأفسدوا، ولكن يبعد؛ لأن الكفار لا يختلف حكمهم في زوال العقوبة عنهم بالتوبة بعد القدرة كما يسقط قبلها، وقد قيل للكفار: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٣) وقال في المحاربين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (٤) وكذلك المرتد يقتل بالردة دون المحاربة، وفي الآية النفي لمن لم يتب قبل القدرة، والمرتد لا ينفى، وفيها قطع اليد والرجل، والمرتد لا تقطع له يد ولا رجل، فثبت أنها لا يراد بها المشركون ولا المرتدون. فإن قيل: كيف يصح أن يقال: إنها في شأن العرنيين أقوى، ولا يمكن أن يحكم فيهم بحكم العرنيين من سمل الأعين وقطع الأيدي.

стр. 4603

قلنا: ذلك ممكن لأن الحربي إذا قطع الأيدي وسمل الأعين فعل به مثل ذلك إذا تعين فاعل ذلك. فإن. قيل: لم يكن هؤلاء حربيين، وإنما كانوا مرتدين والمرتد يلزم استتابته، وعند إصراره على الكفر يقتل. قلنا: فيه روايتان: إحداهما أنه يستتاب والأخرى لا يستتاب. وقد اختلف العلماء على القولين، فقيل: لا يستتاب؛ لأن النبي ﷺ قتل هؤلاء ولم يستتبهم. وقيل: يستتاب المرتد، وهو مشهور المذهب، وإنما ترك النبي ﷺ استتابة هؤلاء لما أحدثوا من القتل والمثلة والحرب، وإنما يستتاب المرتد الذي يرتاب فيستريب، ويرشد ويبين له الشكل، وتجلى له الشبهة. فإن قيل: فكيف يقال: إن هذه الآية تناولت المسلمين وقد قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١) وتلك صفة الكفار؟. قلنا: الحرابة تكون بالاعتقاد الفاسد، وقد تكون بالمعصية؛ فيجازى بمثلها، وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٢). فإن قيل: ذلك فيمن يستحل الربا. قلنا: نعم، وفيمن فعله فقد اتفقت الأمة على أن من يفعل المعصية يحارب كما لو اتفق أهل بلد على العمل بالربا، وعلى ترك الجمعة والجماعة. المسألة الرابعة - في تحقيق المحاربة: وهي إشهار السلاح قصد السلب مأخوذ من الحرب، وهو استلاب ما على المسلم بإظهار السلاح عليه، والمسلمون أولياء الله بقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٣) ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٤). وقد شرح ذلك مالك شرحا بالغا فيما رواه ابن وهب عنه: قال ابن وهب: قال مالك: المحارب الذي يقطع السبيل وينفر بالناس في كل مكان. ويظهر الفساد في الأرض وإن لم يقتل أحدا إذا ظهر عليه يقتل، وإن لم يقتل فللإمام أن يرى فيه رأيه بالقتل أو الصلب أو القطع أو النفي، قال مالك: والمستتر في ذلك والمعلن بحرابته سواء. وإن استخفى بذلك وظهر في الناس إذا أراد الأموال وأخاف

стр. 4604

فقطع السبيل أو قتل فذلك إلى الإمام يجتهد أي هذه الخصال شاء، وفي رواية عن ابن وهب: أن ذلك إن كان قريبا وأخذ بحدثان فليأخذ الإمام فيه بأشد العقوبة، وفي ذلك أربعة أقوال: الأول - ما تقدم ذكره لمالك. الثاني - أنها الزنا والسرقة والقتل، قاله مجاهد. الثالث - أنه المجاهر بقطع الطريق والمكابر باللصوصية في المصر وغيره، قاله الشافعي، ومالك في رواية، والأوزاعي. الرابع - أنه المجاهر في الطريق لا في المصر، قاله أبو حنيفة وعطاء. المسألة الخامسة - في التنقيح: أما قول مجاهد فساقط إلا أن يريد به أن يفعله مجاهرة مغالبة؛ فإن ذلك أفحش في الحرابة. قال القاضي ﵁: ولقد كنت أيام تولية القضاء قد رفع إلي قوم خرجوا محاربين إلى رفقة فأخذوا منهم امرأة مغالبة على نفسها من زوجها ومن جملة المسلمين معه فيها، فاحتملوها، ثم جد فيهم الطلب فأخذوا وجيء بهم فسألت من كان ابتلاني الله به من المفتين، فقالوا: ليسوا محاربين؛ لأن الحرابة إنما تكون في الأموال لا في الفروج، فقلت لهم: إنا لله وإنا إليه راجعون، ألم تعلموا أن الحرابة في الفروج أفحش منها في الأموال. وأن الناس كلهم ليرضون أن تذهب أموالهم وتحرب من بين أيديهم ولا يحرب المرء من زوجته وبنته، ولو كان فوق ما قال الله عقوبة لكانت لمن يسلب الفروج، وحسبكم من بلاء صحبة الجهال، وخصوصا في الفتيا والقضاء. وأما قول من قال: إنه سواء في المصر والبيداء؛ فإنه أخذ بمطلق القرآن. وأما من فرق فإنه رأى أن الحرابة في البيداء أفحش منها في المصر؛ لعدم الغوث في البيداء وإمكانه في المصر. والذي نختاره أن الحرابة عامة في المصر والقفر، وإن كان بعضها أفحش من بعض، ولكن اسم الحرابة يتناولها ومعنى الحرابة موجود فيها، ولو خرج بعصا من في المصر لقتل بالسيف، ويؤخذ فيه بأشد ذلك لا بأيسره؛ فإنه سلب غيلة، وفعل الغيلة أقبح من فعل الظاهرة، ولذلك دخل العفو في قتل المجاهرة فكان قصاصا، ولم يدخل في قتل الغيلة وكان

стр. 4605

حدا فتحرر إن قطع السبيل موجب للقتل في أصح أقوالنا، خلافا للشافعي وغيره. فإن قيل: هذا لا يوجب إجراء الباغي بالفساد في الأرض خاصة مجرى الذي يضم إليه القتل وأخذ المال؛ لعظيم الزيادة من أحدهما على الآخر. والذي يدل على عدم التسوية بينهما أن الذي يضم إلى السعي بالفساد في الأرض القتل وأخذ المال يجب القتل عليه ولا يجوز إسقاطه عنه، والذي ينفرد بالسعي في إخافة السبيل خاصة يجوز ترك قتله يؤكده أن المحارب إذا قتل قوبل بالقتل، وإذا أخذ المال قطعت يده لأخذه المال، ورجله لإخافته السبيل. وهذه عمدة الشافعية علينا وخصوصا أهل خراسان منهم، وهي باطلة لا يقولها مبتدئ. أما قولهم: كيف يسوى بين من أخاف السبيل وقتل وبين من أخاف السبيل ولم يقتل، وقد وجدت منه الزيادة العظمى وهي القتل. قلنا: وما الذي يمنع من استواء الجريمتين في العقوبة وإن كانت إحداهما أفحش من الأخرى ولم أحلتم ذلك؟ أعقلا فعلتم ذلك أم شرعا؟ أما العقل فلا مجال له في هذا، وإن عولتم على الشرع فأين الشرع؟ بل قد شاهدنا ذلك في الشرع، فإن عقوبة القاتل كعقوبة الكافر، وإحداهما أفحش. وأما قوله: لو استوى حكمهما لم يجز إسقاط القتل عمن أخاف السبيل ولم يقتل كما لم يجز إسقاطه عمن أخاف وقتل. قلنا": هذه غفلة منكم، فإن الذي يخيف ويقتل أجمعت الأمة على تعين القتل عليه فلم يجز مخالفته. أما إذا أخاف ولم يقتل فهي مسألة مختلف فيها ومحل اجتهاد، فمن أداه اجتهاده إلى القتل حكم به، ومن أداه اجتهاده إلى إسقاطه أسقطه، ولهذه النكتة قال مالك: وليستشر ليعلم الحقيقة من الإجماع والخلاف وطرق الاجتهاد لئلا يقدم على جهالة كما أقدمتم. وأما قولهم: إن القتل يقابل القتل وقطع اليد يقابل السرقة وقطع الرجل يقابل المال، فهو تحكم منهم ومزج للقصاص والسرقة بالحرابة، وهو حكم منفرد بنفسه خارج عن جميع حدود الشريعة لفحشه وقبح أمره. المسألة السادسة - قوله تعالى: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (١)

стр. 4606

فيها قولان: الأول: أنها على التخيير، قاله سعيد بن المسيب ومجاهد وعطاء وإبراهيم. الثاني: أنها على التفصيل. واختلفوا في كيفية التفصيل على سبعة أقوال: الأول: أن المعنى أن يقتلوا إن قتلوا، أو يصلبوا إن قتلوا وأخذوا المال، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن أخذوا المال، أو ينفوا من الأرض إن أخافوا السبيل. قاله ابن عباس والحسن وقتادة والشافعي وجماعة. الثاني: المعنى: إن حارب فقتل وأخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف وقتل وصلب، فإن قتل ولم يأخذ مالا قتل، وإن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وإذا لم يقتل ولم يأخذ مالا نفي، وهذا يقارب الأول إلا في الجمع بين قطع الأيدي والأرجل والقتل والصلب. الثالث: أنه إن قتل وأخذ المال وقطع الطريق يخير فيه الإمام إن شاء قطع يده ورجله من خلاف وصلبه، وإن شاء صلبه ولم يقطع يده ورجله، وإن شاء قتله ولم يقطع رجله ويده ولم يصلبه، فإن أخذ بالأول فقتل قطع من خلاف، وإن لم يأخذ بالأول غرب ونفي من الأرض. الرابع: قال الحسن مثله إلا في الآخر، فإنه قال: يؤدب ويسجن حتى يموت. الخامس: قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن: إن اقتصروا على القتل قتلوا، وإن اقتصروا على أخذ المال قطعوا من خلاف، وإن أخذوا المال وقتلوا فإن أبا حنيفة قال: يخير فيهم بأربع جهات: قتل صلب قطع، وقتل قطع وصلب، وهذا نحو ما تقدم وهذا سادس. السابع: قال ابن المسيب ومالك في إحدى روايتيه بتخيير الإمام بمجرد الخروج، أما من قال لأن (أو) على التخيير فهو أصلها، وموردها في كتاب الله تعالى. وأما من قال إنها للتفصيل فهو اختيار الطبري، وقال: هذا كما لو قال: إن جزاء المؤمنين إذا دخلوا الجنة أن ترفع منازلهم أو يكونوا مع الأنبياء في منازلهم وليس المراد حلول المؤمنين معهم في مرتبة واحدة، وهذا الذي قاله الطبري، لا يكفي إلا بدليل، ومعولهم قول

стр. 4607

النبي ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد إحصان، أو كفر بعد إيمان، أو قتل نفسا بغير نفس (١)»، فمن لم يقتل كيف يقتل. قالوا: وأما قولكم: إنها على التخيير فإن التخيير يبدأ فيه بالأخف ثم ينتقل فيه إلى الأثقل، وههنا بدأ بالأثقل ثم انتقل إلى الأخف؛ فدل على أنه قرر ترتيب الجزاء على الأفعال، فترتب عليه بالمعنى، فمن قتل قتل، فإن زاد وأخذ المال صلب، فإن الفعل جاء أفحش، فإن أخذ المال وحده قطع من خلاف، وإن أخاف نفي. الجواب: الآية نص في التخيير، وصرفها إلى التعقيب والتفصيل تحكم على الآية وتخصيص لها، وما تعلقوا منه بالحديث لا يصح؛ لأنهم قالوا: يقتل الردة ولم يقتل، وقد جاء القتل بأكثر من عشرة أشياء منها متفق عليها، ومنها مختلف فيها، فلا تعلق بهذا الحديث لأحد. وتحرير الجواب القطع لتشغيبهم، إن الله تعالى رتب التخيير على المحاربة والفساد، وقد بينا أن الفساد وحده موجب للقتل، ومع المحاربة أشد. المسألة السابعة - قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٢) وفيه أربعة أقوال: الأول - يسجن، قاله أبو حنيفة وأهل الكوفة، وهو مشهور مذهب مالك في غير بلد الجناية. الثاني: ينفى إلى بلد الشرك، قاله أنس والشافعي والزهري وقتادة وغيرهم. الثالث - يخرجون من مدينة إلى مدينة أبدا، قاله ابن جبير وعمر بن عبد العزيز. الرابع - يطلبون بالحدود أبدا، فيهربون منها، قاله ابن عباس والزهري وقتادة ومالك. والحق أن يسجن فيكون السجن له نفيا من الأرض، وأما نفيه إلى بلد الشرك فعون له على الفتك، وأما نفيه من بلد إلى بلد فشغل لا يدان به لأحد، وربما فر فقطع الطريق ثانية. وأما قول من قال: يطلب أبدا، وهو يهرب من الحد فليس بشيء، فإن هذا ليس بجزاء، وإنما هو محاولة طلب الجزاء. المسألة الثامنة - قوله تعالى: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ﴾ (٣)

стр. 4608

قال الشافعي: إذا أخذ في الحرابة نصابا قلنا: أنصف من نفسك أبا عبد الله، ووف شيخك حقه لله. إن ربنا ﵎ قال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١)، فاقتضى هذا قطعه في حقه. وقال في المحاربة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٢) فاقتضى بذلك توفية الجزاء لهم على المحاربة عن حقه، فبين النبي ﷺ في السارق أن قطعه في نصاب وهو ربع دينار، وبقيت المحاربة على عمومها. فإن أردت أن ترد المحاربة إلى السرقة كنت ملحقا الأعلى بالأدنى، وخافضا الأرفع إلى الأسفل، وذلك عكس القياس، وكيف يصح أن يقاس المحارب - وهو يطلب النفس إن وقي المال بها - على السارق، وهو يطلب خطف المال، فإن شعر به فر، حتى إن السارق إذا دخل بالسلاح يطلب المال فإن منع منه أو صيح عليه وحارب عليه فهو محارب، يحكم عليه بحكم المحارب. قال القاضي: وكنت في أيام حكمي بين الناس إذا جاءني أحد بسارق، وقد دخل الدار بسكين يحبسه على قلب صاحب الدار وهو نائم وأصحابه يأخذون مال الرجل حكمت فيهم بحكم المحاربين، فافهموا هذا من أصل الدين، وارتفعوا إلى بقاع العلم عن حضيض الجاهلين. والمسكت للشافعي أنه لم يعتبر الحرز فلو كان المحارب ملحقا بالسارق لما كان ذلك إلا على حرز. وتحريره أن يقول أحد شرطي السرقة فلا يعتبر في المحارب كالحرز والتعليل النصاب. المسألة التاسعة - إذا صلب الإمام المحارب فإنه يصلبه حيا. وقال الشافعي: يصلبه ميتا ثلاثة أيام؛ لأن الله تعالى قال ﴿يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ (٣) فبدأ بالقتل. قلنا: نعم، القتل مذكور أولا، ولكن بقي أنا إذا جمعنا بينهما كيف يكون الحكم ههنا هو الخلاف، والصلب حيا أصح؛ لأنه أنكى وأفضح، وهو مقتضى معنى الردع الأصلح. المسألة العاشرة - لا خلاف في أن الحرابة يقتل فيها من قتل، وإن لم يكن المقتول

стр. 4609

مكافئا للقاتل. وللشافعي قولان: منهما أنه تعتبر المكافأة في الدماء؛ لأنه قتل فاعتبرت فيه المكافأة كالقصاص. وهذا ضعيف؛ لأن القتل ههنا ليس على مجرد القتل، وإنما هو على الفساد العام من التخويف وسلب المال، فإن انضافت إليه إراقة الدم فحش؛ ولأجل هذا لا يراعى مال مسلم من كافر. المسألة الحادية عشرة - إذا خرج المحاربون فاقتتلوا مع القافلة فقتل بعض المحاربين ولم يقتل بعض: قتل الجميع. وقال الشافعي: لا يقتل إلا من قتل. وهذا مبني على تخيير الإمام وتفصيل الأحكام، وقد تقدم. ويعضد هذا أن من حضر الوقعة شركاء في الغنيمة، وإن لم يقتل جميعهم، وقد اتفق معنا على قتل الردة، وهو الطالع فالمحارب أولى. المسألة الثانية عشرة - قولة تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (١) وفيه خمسة أقوال: الأول - إلا الذين تابوا من أهل الكفر، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. الثاني - إلا الذين تابوا وقد حاربوا بأرض الشرك. الثالث - إلا المؤمنين الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم. الرابع - إلا الذين تابوا في حقوق الله، قاله الشافعي ومالك، إلا أن مالكا قال: وفي حقوق الآدميين، إلا أن يكون بيده مال يعرف أو يقوم ولي يطلب دمه فله أخذه والقصاص منه. الخامس - قال الليث بن سعد: لا يطلب بشيء لا من حقوق الله ولا من حقوق الآدميين. أما قول من قال: إن الآية في المشركين فهو الذي يقول إن قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ (٢) عائد عليهم، وقد بينا ضعفه.

стр. 4610

وأما من قال: إنه أراد إلا الذين تابوا ممن هو بأرض الشرك، فهو تخصيص طريف، وله وجه طريف، وهو أن قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (١) يعطي أنهم بغير أرض أهل الإسلام، ولكن كل من هو في دار الإسلام تأخذه الأحكام وتستولي عليه القدرة، وهذا إذا تبينته لم يصح تنزيله، فإن الذي يقدر عليه هو الذي يكون بين المسلمين، فأما الذي خرج إلى الجبل وتوسط البيداء في منعة فلا تتفق القدرة عليه إلا بجر جيش ونفير قوم فلا يقال: إنا قادرون عليه. وأما من قال: أراد به المؤمنين فيرجع إلى الرابع والخامس، قلنا: إنا نقول: هو على عمومه في الحقوق كلها أو في بعضها. فأما من قال: إنه على عمومه في الحقوق كلها فقد علمنا بطلان ذلك بما قام من الدليل على أن حقوق الآدميين لا يغفرها الباري سبحانه إلا بمغفرة صاحبها ولا يسقطها إلا بإسقاطه. فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٢) فكانت هذه المغفرة عامة في كل حق. قلنا: هذه مغفرة عامة بلا خلاف للمصلحة في التحريض لأهل الكفر على الدخول في الإسلام، فأما من التزم حكم الإسلام فلا يسقط عنه حقوق المسلمين إلا أربابها. وقد «قال النبي ﷺ في الشهادة: إنها تكفر كل خطيئة إلا الدين (٣)». وأما من قال: إن حكمها أنها تكفر حقوق الله تعالى فهو صحيح؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤) وأما من قال في حقوق الآدميين: إن الإمام لا يتولى طلبها، وإنما يطلبها أربابها، وهو مذهب مالك فصحيح؛ لأن الإمام ليس بوكيل لمعينين من الناس في حقوقهم المعينة، وإنما هو نائبهم في حقوقهم المجملة المبهمة التي ليست بمعينة. وأما إن عرفنا بيده مالا لأحد أخذه في الحرابة فلا نبقيه في يده؛ لأنه غصب، ونحن نشاهده والإقرار على المنكر لا يجوز؛ فيكون بيد صاحبه المسلم حتى يأخذه مالكه من يد

стр. 4611

صاحبه وأخيه الذي يوقفه الإمام عنده.

стр. 4612

قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١) الآيتين فيه خمسة عشر مسألة: الأولى - اختلف الناس في سبب نزول هذه الآية، فالذي عليه الجمهور أنها نزلت في امرأتين، روى الأئمة واللفظ لأبي داود عن أنس بن مالك: «أن قوما من عكل - أو قال: من عرنة - قدموا على رسول الله ﷺ فاجتووا المدينة، فأمر لهم رسول الله ﷺ بلقاح وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها؛ فانطلقوا فلما صحوا قتلوا راعي النبي ﷺ واستاقوا النعم، فبلغ النبي ﷺ خبرهم من أول النهار فأرسل في آثارهم، فما ارتفع النهار حتى جيء بهم فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسملت أعينهم، وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون، (٢)» قال أبو قلابة: فهؤلاء قوم سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله. وفي رواية: «فأمر بمسامير فأحميت فكحلهم، وقطع أيديهم وأرجلهم وما حسمهم (٣)»، وفي رواية: «فبعث رسول الله ﷺ في طلبهم قافلة، فأتي بهم قال: فأنزل الله ﵎ في ذلك: الآية (٥)». وفي رواية: قال أنس: «فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه عطشا حتى ماتوا (٦)»، وفي البخاري: قال جرير بن عبد الله في حديثه: «فبعثني رسول الله ﷺ في قوم من المسلمين حتى أدركناهم وقد أشرفوا على بلادهم، فجئنا بهم إلى رسول الله ﷺ (٧)»، قال جرير: «فكانوا يقولون الماء، ويقول رسول الله ﷺ النار»، وقد حكى أهل التواريخ والسيرة أنهم قطعوا يدي الراعي ورجليه وغرزوا الشوك في عينيه حتى مات وأدخل المدينة ميتا، وكان اسمه يسار، وكان نوبيا. وكان هذا الفعل من المرتدين سنة ست من الهجرة، وفي بعض الروايات عن أنس أن رسول الله ﷺ أحرقهم بالنار بعدما قتلهم، وروي عن ابن عباس والضحاك أنها نزلت بسبب قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد فنقضوا العهد، وقطعوا السبيل، وأفسدوا في الأرض. وفي مصنف أبي داود عن ابن عباس قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٨) إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٩) نزلت هذه الآية في المشركين فمن أخذ منهم قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصابه. وممن قال إن الآية نزلت في المشركين: عكرمة والحسن، وهذا ضعيف، يرده قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (١٠)

стр. 4613

وقوله ﵊: «الإسلام يهدم ما قبله (١)»، أخرجه مسلم. والصحيح الأول؛ لنصوص الأحاديث الثابتة في ذلك. وقال مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي: الآية نزلت فيمن خرج من المسلمين يقطع السبيل ويسعى في الأرض بالفساد، قال ابن المنذر: قول مالك صحيح، قال أبو ثور محتجا لهذا القول: وفي الآية دليل على أنها نزلت في غير أهل الشرك، وهو قوله - جل ثناؤه -: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (٢) وقد أجمعوا على أن أهل الشرك إذا وقعوا في أيدينا فأسلموا أن دماءهم تحرم، فدل ذلك على أن الآية نزلت في أهل الإسلام. وحكى الطبري عن بعض أهل العلم: أن هذه الآية نسخت فعل النبي ﷺ في العرنيين فوقف الأمر على هذه الحدود، وروى محمد بن سيرين قال: كان هذا قبل أن تنزل الحدود، يعني حديث أنس ذكره أبو داود، وقال قوم منهم الليث بن سعد: ما فعله النبي ﷺ بوفد عرينة نسخ، إذ لا يجوز التمثيل بالمرتد. قال أبو الزناد: إن رسول الله ﷺ لما قطع الذين سرقوا لقاحه وسمل أعينهم بالنار عاتبه الله في ذلك، فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ (٣) الآية، أخرجه أبو داود. قال أبو الزناد: فلما وعظ ونهي عن المثلة لم يعد. وحكي عن جماعة أن هذه الآية ليست بناسخة لذلك الفعل؛ لأن ذلك وقع في مرتدين. لا سيما وقد ثبت في صحيح مسلم وكتاب النسائي وغيرهما قال: إنما سمل النبي ﷺ أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاة، فكان هذا قصاصا، وهذه الآية في المحارب المؤمن. قلت: وهذا قول حسن، وهو معنى ما ذهب إليه مالك والشافعي؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (٤) ومعلوم أن الكفار لا تختلف أحكامهم في زوال العقوبة عنهم بالتوبة بعد القدرة كما تسقط قبل القدرة. والمرتد يستحق القتل بنفس الردة دون المحاربة، ولا ينفى ولا تقطع يده ولا رجله ولا يخلى سبيله بل يقتل إن لم يسلم ولا يصلب أيضا، فدل أن ما اشتملت عليه الآية ما عني به المرتد، وقال تعالى في حق الكفار: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٥) وقال في المحاربين ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ (٦) الآية، وهذا بين. وعلى ما قررناه في أول الباب لا إشكال ولا لوم ولا عتاب، إذ هو مقتضى الكتاب، قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٧)

стр. 4614

فمثلوا فمثل بهم إلا أنه يحتمل أن يكون العتاب إن صح على الزيادة في القتل، وذلك تكحيلهم بمسامير محماة، وتركهم عطاشى حتى ماتوا، والله أعلم. وحكى الطبري عن السدي: أن النبي ﷺ لم يسمل أعين العرنيين، وإنما أراد ذلك، فنزلت الآية ناهية عن ذلك وهذا ضعيف جدا؛ فإن الأخبار الثابتة وردت بالسمل في صحيح البخاري: «فأمر بمسامير فأحميت فكحلهم (١)». ولا خلاف بين أهل العلم أن حكم هذه الآية مترتب في المحاربين من أهل الإسلام، وإن كانت نزلت في المرتدين أو اليهود. وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٢) واستعارة ومجاز إذ أن الله لا يحارب ولا يغالب لما هو عليه من صفات الكمال. ولما وجب له من التنزيه عن الأضداد والأنداد. والمعنى يحاربون أولياء الله، فعبر بنفسه العزيزة عن أوليائه إكبارا لإذايتهم كما عبر بنفسه عن الفقراء الضعفاء في قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (٣) حثا على الاستعطاف عليهم، ومثله في صحيح مسلم «استطعمتك فلم تطعمني (٤)» الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم في (البقرة). الثانية - اختلف العلماء فيمن يستحق اسم المحاربة، فقال مالك: المحارب عندنا من حمل على الناس في مصر أو في برية وكابرهم عن أنفسهم وأموالهم دون نائرة ولا ذحل ولا عداوة، قال ابن المنذر اختلف عن مالك في هذه المسألة، فأثبت المحاربة في المصر مرة، وفي ذلك مرة، وقالت طائفة حكم ذلك في المصر أو في المنازل والطرق وديار أهل البادية والقرى سواء، وحدودهم واحدة، وهذا قول الشافعي وأبي ثور قال ابن المنذر: كذلك هو لأن كلا يقع عليه اسم المحاربة والكتاب على العموم، وليس لأحد أن يخرج من جملة الآية قوما بغير حجة، وقالت طائفة لا تكون المحاربة في المصر إنما تكون خارجا عن المصر، هذا قول سفيان الثوري وإسحاق والنعمان والمغتال كالمحارب، وهو الذي يحتال في قتل إنسان على أخذ ماله، وإن لم يشهر السلاح ولكن دخل عليه بيته أو صحبه في سكر فأطعمه سما فقتله فيقتل هذا لا قودا. الثالثة - واختلفوا في حكم المحارب، فقالت طائفة: يقام عليه بقدر فعله، فمن أخاف السبيل وأخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف. وإن أخذ المال وقتل قطعت يده

стр. 4615

ورجله ثم صلب، فإذا قتل ولم يأخذ المال قتل، وإن هو لم يأخذ المال ولم يقتل نفي. قاله ابن عباس، وروي عن أبي مجلز والنخعي وعطاء الخراساني وغيرهم. وقال أبو يوسف إذا أخذ المال وقتل صلب وقتل على الخشبة، قال الليث: بالحربة مصلوبا. وقال أبو حنيفة: إذا قتل قتل، وإذا أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وإذا أخذ المال وقتل فالسلطان مخير فيه، إن شاء قطع يده ورجله، وإن شاء لم يقطع وقتله وصلبه. قال أبو يوسف: القتل يأتي على كل شيء. ونحوه قول الأوزاعي، وقال الشافعي: إذا أخذ المال قطعت يده اليمنى وحسمت ثم قطعت رجله اليسرى وحسمت وخلي؛ لأن هذه الجناية زادت عن السرقة بالحرابة، وإذا قتل قتل، وإذا أخذ المال وقتل قتل وصلب، وروي عنه أنه قال: يصلب ثلاثة أيام، قال: وإن حضر وكثر وهيب وكان ردءا للعدو حبس، وقال أحمد: إن قتل قتل، وإن أخذ المال قطعت يده ورجله، كقوله الشافعي، وقال قوم: لا ينبغي أن يصلب قبل القتل فيحال بينه وبين الصلاة والأكل والشرب، وحكي عن الشافعي: أكره أن يقتل مصلوبا؛ لنهي رسول الله ﷺ عن المثلة. وقال أبو ثور: الإمام مخير على ظاهر الآية، أو كذلك قال مالك، وهو مروي عن ابن عباس، وهو قول سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز ومجاهد والضحاك والنخعي كلهم قال: الإمام مخير في الحكم على المحاربين، يحكم عليهم بأي الأحكام التي أوجبها الله تعالى من القتل والصلب أو القطع أو النفي بظاهر الآية، قال ابن عباس ما كان في القرآن (أو) فصاحبه بالخيار، وهذا القول أشعر بظاهر الآية، فإن أهل القول الأول الذين قالوا: إن الواو للترتيب - وإن اختلفوا - فإنك تجد أقوالهم أنهم يجمعون عليه حدين، فيقولون: يقتل ويصلب، ويقول بعضهم: يصلب ويقتل، ويقول بعضهم: تقطع يده ورجله وينفى، وليس كذلك الآية، ولا معنى (أو) في اللغة، قاله النحاس. واحتج الأولون بما ذكره الطبري عن أنس بن مالك أنه قال: «سأل رسول الله ﷺ جبريل ﵇ عن الحكم في المحارب فقال: (من أخاف السبيل وأخذ المال فاقطع يده للأخذ ورجله للإخافة، ومن قتل فاقتله، ومن جمع ذلك فاصلبه)»، قال ابن عطية: وبقي النفي للمخيف فقط، والمخيف في حكم القاتل، ومع ذلك فمالك يرى فيه الأخذ بأيسر العذاب والعقاب استحسانا. الرابعة - قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (١) اختلف في معناه، فقال السدي: هو أن يطلب أبدا بالخيل والرجل حتى يؤخذ فيقام عليه حد الله أو يخرج من دار الإسلام هربا

стр. 4616

ممن يطلبه، عن ابن عباس وأنس بن مالك ومالك بن أنس والحسن والسدي والضحاك وقتادة وسعيد بن جبير والربيع بن أنس والزهري. حكاه الرماني في كتابه، وحكي عن الشافعي أنهم يخرجون من بلد إلى بلد ويطلبون لتقام عليهم الحدود، وقاله الليث بن سعد والزهري أيضا. وقال مالك أيضا ينفى من البلد الذي أحدث فيه هذا إلى غيره، ويحبس فيه كالزاني، وقال مالك أيضا والكوفيون: نفيهم سجنهم، فينفى من سعة الدنيا إلى ضيقها، فصار كأنه إذا سجن فقد نفي من الأرض، إلا من موضع استقراره، واحتجوا بقول بعض أهل السجون في ذلك. خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها ... فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا إذا جاءنا السجان يوما لحاجة ... عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا حكى مكحول أن عمر بن الخطاب ﵁ أول من حبس في السجون، وقال: احبسه حتى أعلم منه التوبة، ولا أنفيه من بلد إلى بلد فيؤذيهم، والظاهر أن الأرض في الآية هي أرض النازلة، وقد تجنب الناس قديما الأرض التي أصابوا فيها الذنوب، ومنه الحديث الذي ناء بصدره نحو الأرض المقدسة، وينبغي للإمام إن كان هذا المحارب مخوف الجانب يظن أنه يعود إلى حرابه أو إفساد أن يسجنه في البلد الذي يغرب إليه. وإن كان غير مخوف الجانب (فظن أنه لا يعود إلى جناية) سرح، قال ابن عطية: وهذا صريح مذهب مالك أن يغرب ويسجن حيث يغرب، وهذا على الأغلب في أنه مخوف، ورجحه الطبري وهو الواضح؛ لأن نفيه من أرض النازلة هو نص الآية، وسجنه بعد بحسب الخوف منه، فإن تاب وفهمت حاله سرح. الخامسة - قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (١) النفي أصله الإهلاك، ومنه الإثبات والنفي، فالنفي الإهلاك بالإعدام، ومنه النفاية لردي المتاع، ومنه النفي لما تطاير من الماء عن الدلو. قال الراجز: كأن متنيه من النفي ... مواقع الطير على الصفى السادسة: قال ابن خويز منداد: ولا يراعى المال الذي يأخذه المحارب نصابا كما

стр. 4617

يراعى في السارق، وقد قيل: يراعى في ذلك النصاب ربع دينار، قال ابن العربي: قال الشافعي وأصحاب الرأي: لا يقطع من قطاع الطريق إلا من أخذ قدر ما تقطع فيه يد السارق، وقال مالك: يحكم عليه بحكم المحارب، وهو الصحيح، فإن الله تعالى وقت على لسان نبيه ﵊ القطع في السرقة في ربع دينار، ولم يؤقت في الحرابة شيئا، بل ذكر جزاء المحارب فانتفى ذلك توفية الجزاء لهم على المحاربة عن حية، ثم إن هذا قياس أصل على أصل، وهو مختلف فيه، وقياس الأعلى بالأدنى، والأدنى بالأسفل، وذلك عكس القياس، وكيف يصح أن يقاس المحارب على السارق، وهو يطلب خطف المال؟! فإن شعر به فر، حتى إن السارق إذا دخل بالسلاح يطلب المال فإن منع منه أو صيح عليه وحارب عليه فهو محارب يحكم عليه بحكم المحارب، قال القاضي ابن العربي: كنت في أيام حكمي بين الناس إذا جاءني أحد بسارق وقد دخل الدار بسكين يحبسه على قلب صاحب الدار وهو نائم وأصحابه يأخذون مال الرجل حكمت فيهم بحكم المحاربين، فافهموا هذا من أصل الدين وارتفعوا إلى بقاع العلم عن حضيض الجاهلين. قلت: اليفع أعلى الجبل، ومنه غلام يفعة، إذا ارتفع إلى البلوغ، والحضيض: الحفرة في أسفل الوادي، كذا قال أهل اللغة. السابعة - ولا خلاف في أن الحرابة يقتل فيها من قتل، وإن لم يكن المقتول مكافئا للقاتل، وللشافعي قولان: أحدهما: أنها تعتبر المكافأة؛ لأنه قتل فاعتبر فيه المكافأة كالقصاص، وهذا ضعيف؛ لأن القتل هنا ليس على مجرد القتل، وإنما هو على الفساد العام من التخويف وسلب المال، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ (١) فأمر تعالى بإقامة الحدود على المحارب إذا جمع شيئين محاربة وسعي في الأرض بالفساد، ولم يخص شريفا من وضيع، ولا رفيعا من دنيء. الثامنة - وإذا خرج المحاربون فاقتتلوا مع القافلة فقتل بعض المحاربين ولم يقتل بعض قتل الجميع، وقال الشافعي: لا يقتل إلا من قتل، وهذا أيضا ضعيف، فإن من حضر الوقيعة شركاء في الغنيمة، وإن لم يقتل جميعهم، وقد اتفق معنا على قتل الردة، وهو الطليعة، فالمحارب أولى. التاسعة - وإذا أخاف المحاربون السبيل وقطعوا الطريق وجب على الإمام قتالهم من

стр. 4618

غير أن يدعوهم، ووجب على المسلمين التعاون على قتالهم وكفهم عن أذى المسلمين، فإن انهزموا لم يتبع منهم مدبرا إلا أن يكون قد قتل وأخذ مالا؛ فإن كان كذلك اتبع ليؤخذ ويقام عليه ما وجب لجنايته، ولا يدفف منهم على جريح إلا أن يكون قد قتل، فإن أخذوا ووجد في أيديهم مال لأحد بعينه رد إليه أو إلى ورثته، وإن لم يوجد له صاحب جعل في بيت المال، وما أتلفوه من مال لأحد غرموه ولا دية لمن قتلوا إذا قدر عليهم قبل التوبة، فإن تابوا وجاءوا تائبين وهي: العاشرة: لم يكن للإمام عليهم سبيل، وسقط عنهم ما كان حدا لله، وأخذوا بحقوق الآدميين فاقتص منهم من النفس والجراح، وكان عليهم ما أتلفوه من مال ودم لأوليائه في ذلك، ويجوز لهم العفو والهبة كسائر الجناة من غير المحاربين، هذا مذهب مالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي، وإنما أخذ ما بأيديهم من الأموال وضمنوا قيمة ما استهلكوا؛ لأن ذلك غصب، فلا يجوز ملكه لهم، ويصرف إلى أربابه، أو يقفه الإمام عنده حتى يعلم صاحبه. وقال قوم من الصحابة والتابعين: لا يطلب من المال إلا بما وجد عنده، وإما ما استهلكه فلا يطلبه، وذكر الطبري ذلك عن مالك من رواية الوليد بن مسلم عنه، وهو الظاهر من فعل علي بن أبي طالب ﵁ بحارثة بن بدر الغداني؛ فإنه كان محاربا، ثم تاب قبل القدرة عليه. فكتب له بسقوط الأموال والدم عنه كتابا منشورا، قال ابن خويز منداد: واختلفت الرواية عن مالك في المحارب إذا أقيم عليه الحد، ولم يوجد له مال هل يتبع دينا بما أخذ أو يسقط عنه كما يسقط عن السارق؟ والمسلم والذمي في ذلك سواء. الحادية عشرة - وأجمع أهل العلم على أن السلطان ولي من حارب فإن قتل محارب أخا امرئ أو أباه في حال المحاربة فليس إلى طالب الدم من أمر المحارب شيء، ولا يجوز عفو ولي الدم، والقائم بذلك الإمام، جعلوا ذلك بمنزلة حد من حدود الله تعالى. قلت: فهذه جملة من أحكام المحاربين جمعنا غررها واجتلينا دررها، ومن أغرب ما قيل في تفسيرها وهي: الثانية عشرة - تفسير مجاهد لها، قال مجاهد: المراد بالمحاربة في هذه الآية الزنى والسرقة، وليس بصحيح، فإن الله سبحانه بين في كتابه وعلى لسان نبيه أن السارق تقطع يده، وأن الزاني يجلد ويغرب إن كان بكرا ويرجم إن كان ثيبا محصنا. وأحكام المحارب

стр. 4619

في هذه الآية مخالف لذلك؛ اللهم إلا أن يريد إخافة الطريق بإظهار السلاح قصدا للغلبة على الفروج؛ فهذا أفحش المحاربة، وأقبح من أخذ الأموال، وقد دخل هذا في معنى قوله تعالى: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ (١) الثالثة عشر - قال علماؤنا ويناشد اللص بالله تعالى، فإن كف ترك، وإن أبى قوتل، فإن أنت قتلته فشر قتيل، ودمه هدر. روى النسائي عن أبي هريرة: «أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيت إن عدي على مالي؟ قال: فانشد بالله، قال: فإن أبوا علي، قال فانشد بالله، قال: فإن أبوا علي، قال: فانشد بالله، قال: فإن أبوا علي، قال: فقاتل، فإن قتلت ففي الجنة، وإن قتلت ففي النار (٢)» وأخرجه البخاري ومسلم. وليس فيه ذكر المناشدة - عن أبي هريرة قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ قال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه مالك، قال: أرأيت إن قاتلني، قال: فقاتله، قال: أرأيت إن قتلني، قال: فأنت شهيد، قال: إن قتلته؟ قال: هو في النار (٣)»، قال ابن المنذر: وروينا عن جماعة من أهل العلم أنهم رأوا قتال اللصوص ودفعهم عن أنفسهم وأموالهم هذا مذهب ابن عمرو الحسن البصع وإياهم النخعي وقتادة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق والنعمان، وبهذا يقول عوام أهل العلم للرجل أن يقاتل عن نفسه وأهله وماله إذا أريد ظلما؛ للأخبار التي جاءت عن النبي ﷺ لم يخص وقتا دون وقت، ولا حالا دون حال، إلا السلطان فإن جماعة أهل الحديث كالمجتمعين على أن من لم يمكنه أن يمنع عن نفسه وماله إلا بالخروج على السلطان ومحاربته أنه لا يحاربه ولا يخرج عليه للأخبار الدالة عن رسول الله ﷺ التي فيها الأمر بالصبر على ما يكون منهم من الجور والظلم وترك قتالهم والخروج عليهم ما أقاموا الصلاة. قلت: وقد اختلف مذهبنا إذا طلب الشيء الخفيف، كالثوب والطعام هل يعطونه ويقاتلون، وهذا الخلاف مبني على أصل، وهو هل الأمر بقتالهم لأنه تغيير منكر أو هو من باب دفع الضرر، وعلى هذا أيضا ينبني الخلاف في دعوتهم قبل القتال. والله أعلم. الرابعة عشر - قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ (٤) لشناعة المحاربة، وعظم ضررها، وإنما كانت المحاربة عظيمة الضرر؛ لأن فيها سد سبيل الكسب على الناس؛ لأن أكثر المكاسب وأعظمها التجارات وركنها وعمادها الضرب في الأرض كما قال :

стр. 4620

﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (١) فإذا أخيف الطريق انقطع الناس عن السفر، واحتاجوا إلى لزوم البيوت فانسد باب التجارة عليهم، وانقطعت أكسابهم، فشرع الله على قطاع الطريق الحدود المغلظة، وذلك الخزي في الدنيا وردعا لهم عن سوء فعلهم، وفتحا لباب التجارة التي أباحها لعباده لمن أرادها منهم، ووعد فيها بالعذاب العظيم في الآخرة. وتكون هذه المعصية خارجة عن المعاصي ومستثناة من حديث عبادة في قول النبي ﷺ : «فمن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة (٢)» والله أعلم. ويحتمل أن يكون الخزي لمن عوقب وعذاب الآخرة لمن سلم في الدنيا، ويجري هذا الذنب مجرى غيره، ولا خلود لمؤمن في النار على ما تقدم، ولكن يعظم عقابه لعظم الذنب، ثم يخرج إما بالشفاعة، وإما بالقبضة، ثم إن هذا الوعيد مشروط الإنفاذ بالمشيئة كقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٣) أما أن الخوف يغلب عليهم بحسب الوعيد وكبر المعصية. الخامسة عشرة - قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (٤) استثنى جل وعز التائبين قبل أن يقدر عليهم، وأخبر بسقوط حقه عنهم، بقوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥) أما القصاص وحقوق الآدميين فلا تسقط ومن تاب بعد القدرة فظاهر الآية أن التوبة لا تنفع وتقام الحدود عليه كما تقدم. وللشافعي قول: إنه يسقط كل حد بالتوبة، والصحيح من مذهبه أن ما تعلق به حق الآدمي قصاصا كان أو غيره، فإنه لا يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه. وقيل: أراد بالاستثناء المشرك إذا تاب وآمن قبل القدرة عليه، فإنه تسقط عنه الحدود، وهذا ضعيف؛ لأنه إن آمن بعد القدرة عليه لم يقتل أيضا بالإجماع. وقيل: إنما لا يسقط الحد من المحاربين بعد القدرة عليهم، والله أعلم؛ لأنهم متهمون بالكذب في توبتهم والتصنع فيها إذا نالتهم يد الإمام، أو لأنه لما قدر عليهم صاروا بمعرض أن ينكل بهم فلم تقبل توبتهم كالمتلبس بالعذاب من الأمم قبلنا، أو من صار إلى حال الغرغرة فتاب، فأما إذا تقدمت توبتهم القدرة عليهم فلا تهمة، وهي نافعة على ما يأتي بيانه في سورة (يونس)، فأما الشراب والزناة والسراق إذا تابوا وأصلحوا وعرف ذلك منهم ثم

стр. 4621

رفعوا إلى الإمام فلا ينبغي له أن يحدهم وإن رفعوا إليه فقالوا: تبنا، لم يتركوا وهم في هذه الحال؛ كالمحاربين إذا غلبوا. والله أعلم.

стр. 4622

أقوال فقهاء الإسلام في تحديد المراد بجريمة الحرابة والإفساد في الأرض ، وفي عقوبتها مع مناقشتها ا - مذهب الحنفية أ - جاء في الهداية على البداية ما نصه (باب قطع الطريق): قال (وإذا خرج جماعة ممتنعين أو واحد يقدر على الامتناع فقصدوا قطع الطريق فأخذوا قبل أن يأخذوا مالا ويقتلوا نفسا حبسهم الإمام حتى يحدثوا توبة، وإن أخذوا مال مسلم أو ذمي، والمأخوذ إذا قسم على جماعتهم أصاب كل واحد منهم عشرة دراهم فصاعدا أو ما تبلغ قيمته ذلك؛ قطع الإمام أيديهم وأرجلهم من خلاف. وإن قتلوا ولم يأخذوا مالا قتلهم الإمام حدا، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١) الآية، والمراد منه - والله أعلم - التوزيع على الأحوال وهي أربعة: هذه الثلاثة المذكورة والرابعة نذكرها -إن شاء الله تعالى- ولأن الجنايات تتفاوت على الأحوال فاللائق تغلظ الحكم بتغليظها، أما الحبس في الأولى فلأنه بالنفي المذكور؛ لأنه نفي عن وجه الأرض بدفع شرهم عن أهلها، ويعزرون أيضا لمباشرتهم منكر الإخافة وشرط القدرة على الامتناع؛ لأن المحاربة لا تتحقق إلا بالمنعة، والحالة الثانية كما بيناها لما تلوناه وشرط أن يكون المأخوذ مال مسلم أو ذمي لتكون العصمة مؤيدة، ولهذا لو قطع الطريق على المستأمن لا يجب القطع، وشرط كمال النصاب في حق كل واحد كي لا يستباح طرفه إلا بتناوله ما له خطر، والمراد قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى؛ كي لا يؤدي إلى تفويت جنس المنفعة، والحالة الثالثة كما بيناها لما تلوناه (ويقتلون حدا، حتى لو عفا الأولياء عنهم لا يلتفت إلى عفوهم)؛ لأنه حق الشرع (و) الرابعة: (إذا قتلوا وأخذوا المال فالإمام بالخيار، إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وقتلهم وصلبهم، وإن شاء قتلهم، وإن شاء صلبهم، وقال محمد: يقتل أو يصلب ولا يقطع)؛ لأنه جناية واحدة فلا توجب حدين، ولأن ما دون النفس

стр. 4623

يدخل في النفس في باب الحد. كحد السرقة والرجم، ولهما أن هذه عقوبة واحدة تغلظت لتغلظ سببها، وهو تفويت الأمن على التناهي بالقتل وأخذ المال، ولهذا كان قطع اليد والرجل معا في الكبرى حدا واحدا، وإن كانا في الصغرى حدين والتداخل في الحدود لا في حد واحد. ثم ذكر في الكتاب التخيير بين الصلب وتركه، وهو ظاهر الرواية. وعن أبي يوسف أنه لا يتركه لأنه منصوص عليه، والمقصود التشهير ليعتبر به غيره. ونحن نقول: أصل التشهير بالقتل والمبالغة بالصلب فيخير فيه. ثم قال: (ويصلب حيا ويبعج بطنه برمح إلى أن يموت)، ومثله عن الكرخي، وعن الطحاوي أنه يقتل ثم يصلب توقيا عن المثلة. وجه الأول وهو الأصح: أن الصلب على هذا الوجه أبلغ في الردع، وهو المقصود به. قال: (ولا يصلب أكثر من ثلاثة أيام)؛ لأنه يتغير بعدها فيتأذى الناس به. وعن أبي يوسف أنه يترك على خشبة حتى يتقطع فيسقط ليعتبر به غيره. قلنا: حصل الاعتبار بما ذكرناه والنهاية غير مطلوبة، قال: (وإذا قتل القاطع فلا ضمان عليه في مال أخذه) اعتبارا بالسرقة الصغرى وقد بيناه، (فإن باشر القتل أحدهم أجري الحد عليهم بأجمعهم)؛ لأنه جزاء المحاربة. وهي تتحقق بأن يكون البعض ردءا للبعض حتى إذا زلت أقدامهم انحازوا إليهم. وإنما الشرط القتل من واحد منهم، وقد تحقق. قال: (والقتل وإن كان بعصا أو بحجر أو بسيف فهو سواء)؛ لأنه يقع قطعا للطريق بقطع المارة، (وإن لم يقتل القاتل ولم يأخذ مالا وقد جرح اقتص منه فيما فيه القصاص، وأخذ الأرش منه فيما فيه الأرش، وذلك إلى الأولياء)؛ لأنه لا حد في هذه الجناية، فظهر، حتى العبد، وهو ما ذكرناه فيستوي فيه الولي (وإن أخذ مالا ثم جرح قطعت يده ورجله وبطلت الجراحات)؛ لأنه لما وجب الحد حقا لله سقطت عصمة النفس، حقا للعبد كما تسقط عصمة المال، (وإن أخذ بعدما تاب وقد قتل عمدا، فإن شاء الأولياء قتلوه، وإن شاءوا عفوا عنه)؛ لأن الحد في هذه الجناية لا يقام بعد التوبة للاستثناء المذكور في النص؛ ولأن التوبة تتوقف على رد المال، ولا قطع في مثله فظهر حق العبد في النفس والمال حتى يستوفي الولي القصاص أو يعفو. ويجب الضمان إذا هلك في يده أو استهلكه، (وإن كان من القطاع صبي أو مجنون أو ذو رحم محرم من المقطوع عليه سقط الحد عن الباقين)، فالمذكور في الصبي والمجنون قول أبي حنيفة وزفر. وعن أبي يوسف أنه لو باشر العقلاء يحد الباقون، وعلى هذا السرقة الصغرى. له أن المباشر أصل، والرد تابع، ولا خلل في مباشرة العاقل، ولا اعتبار بالخلل في التبع

стр. 4624

وفي عكسه ينعكس المعنى والحكم. ولهما أنه جناية واحدة قامت بالكل، فإذا لم يقع فعل بعضهم موجبا كان فعل الباقين بعض العلة، وبه لا يثبت الحكم فصار كالخاطئ مع العامد، وأما ذو الرحم المحرم فقد قيل: تأويله إذا كان المال مشتركا بين المقطوع عليهم، والأصح أنه مطلق؛ لأن الجناية واحدة على ما ذكرناه. فالامتناع في حق البعض يوجب الامتناع في حق الباقين. بخلاف ما إذا كان فيهم مستأمن؛ لأن الامتناع في حقه لخلل في العصمة وهو يخصه، أما هنا الامتناع لخلل في الحرز، والقافلة حرز واحد. (وإذا سقط الحد صار القتل إلى الأولياء)؛ لظهور حق العبد على ما ذكرناه، (فإن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا عفوا. وإن قطع بعض القافلة الطريق على البعض لم يجب الحد)؛ لأن الحرز واحد؛ فصارت القافلة كدار واحدة، (ومن قطع الطريق ليلا أو نهارا في المصر أو بين الكوفة والحيرة فليس بقاطع الطريق) استحسانا، وفي القياس يكون قاطع الطريق، وهو قول الشافعي لوجوده حقيقة. وعن أبي يوسف أنه يجب الحد إذا كان خارج المصر إن كان بقربه؛ لأنه لا يلحقه الغوث. وعنه إن قاتلوا نهارا بالسلاح أو ليلا به أو بالخشب فهم قطاع الطريق؛ لأن السلاح لا يلبث والغوث يبطئ بالليالي، ونحن نقول: إن قطع الطريق بقطع المارة، ولا يتحقق ذلك في المصر وبقرب منه؛ لأن الظاهر لحوق الغوث، إلا أنهم يؤخذون برد المال أيضا لا للحق إلى المستحق، ويؤدبون ويحبسون لارتكابهم الجناية، ولو قتلوا فالأمر فيه إلى الأولياء لما بينا، (ومن خنق رجلا حتى قتله فالدية على عاقلته عند أبي حنيفة)، وهي مسألة القتل بالمثقل، وسنبين في باب الديات - إن شاء الله تعالى - (وإن خنق في المصر غير مرة قتل به)؛ لأنه صار ساعيا في الأرض بالفساد فيدفع شره بالقتل. والله تعالى أعلم.

стр. 4625

ب - وجاء في فتح القدير على الهداية ما نصه (باب قطع الطريق). آخره عن السرقة وأحكامها لأنه ليس بسرقة مطلقة، ولذا لا يتبادر هو أو ما يدخل هو فيه من إطلاق لفظ السرقة، بل إنما يتبادر الأخذ خفية عن الناس. ولكن أطلق على قطع الطريق اسم السرقة مجاز الضرب من الإخفاء، وهو الإخفاء عن الإمام، ومن نصبه الإمام لحفظ الطريق من الكشاف وأرباب الإدراك فكان السرقة فيه مجازا؛ ولذا لا تطلق السرقة عليه إلا مقيدة، فيقال السرقة الكبرى. ولو قيل: السرقة فقط لم يفهم أصلا، ولزوم
следующие страницы →