← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

رفعوا إلى الإمام فلا ينبغي له أن يحدهم وإن رفعوا إليه فقالوا: تبنا، لم يتركوا وهم في هذه الحال؛ كالمحاربين إذا غلبوا. والله أعلم.

стр. 4622

أقوال فقهاء الإسلام في تحديد المراد بجريمة الحرابة والإفساد في الأرض ، وفي عقوبتها مع مناقشتها ا - مذهب الحنفية أ - جاء في الهداية على البداية ما نصه (باب قطع الطريق): قال (وإذا خرج جماعة ممتنعين أو واحد يقدر على الامتناع فقصدوا قطع الطريق فأخذوا قبل أن يأخذوا مالا ويقتلوا نفسا حبسهم الإمام حتى يحدثوا توبة، وإن أخذوا مال مسلم أو ذمي، والمأخوذ إذا قسم على جماعتهم أصاب كل واحد منهم عشرة دراهم فصاعدا أو ما تبلغ قيمته ذلك؛ قطع الإمام أيديهم وأرجلهم من خلاف. وإن قتلوا ولم يأخذوا مالا قتلهم الإمام حدا، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١) الآية، والمراد منه - والله أعلم - التوزيع على الأحوال وهي أربعة: هذه الثلاثة المذكورة والرابعة نذكرها -إن شاء الله تعالى- ولأن الجنايات تتفاوت على الأحوال فاللائق تغلظ الحكم بتغليظها، أما الحبس في الأولى فلأنه بالنفي المذكور؛ لأنه نفي عن وجه الأرض بدفع شرهم عن أهلها، ويعزرون أيضا لمباشرتهم منكر الإخافة وشرط القدرة على الامتناع؛ لأن المحاربة لا تتحقق إلا بالمنعة، والحالة الثانية كما بيناها لما تلوناه وشرط أن يكون المأخوذ مال مسلم أو ذمي لتكون العصمة مؤيدة، ولهذا لو قطع الطريق على المستأمن لا يجب القطع، وشرط كمال النصاب في حق كل واحد كي لا يستباح طرفه إلا بتناوله ما له خطر، والمراد قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى؛ كي لا يؤدي إلى تفويت جنس المنفعة، والحالة الثالثة كما بيناها لما تلوناه (ويقتلون حدا، حتى لو عفا الأولياء عنهم لا يلتفت إلى عفوهم)؛ لأنه حق الشرع (و) الرابعة: (إذا قتلوا وأخذوا المال فالإمام بالخيار، إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وقتلهم وصلبهم، وإن شاء قتلهم، وإن شاء صلبهم، وقال محمد: يقتل أو يصلب ولا يقطع)؛ لأنه جناية واحدة فلا توجب حدين، ولأن ما دون النفس

стр. 4623

يدخل في النفس في باب الحد. كحد السرقة والرجم، ولهما أن هذه عقوبة واحدة تغلظت لتغلظ سببها، وهو تفويت الأمن على التناهي بالقتل وأخذ المال، ولهذا كان قطع اليد والرجل معا في الكبرى حدا واحدا، وإن كانا في الصغرى حدين والتداخل في الحدود لا في حد واحد. ثم ذكر في الكتاب التخيير بين الصلب وتركه، وهو ظاهر الرواية. وعن أبي يوسف أنه لا يتركه لأنه منصوص عليه، والمقصود التشهير ليعتبر به غيره. ونحن نقول: أصل التشهير بالقتل والمبالغة بالصلب فيخير فيه. ثم قال: (ويصلب حيا ويبعج بطنه برمح إلى أن يموت)، ومثله عن الكرخي، وعن الطحاوي أنه يقتل ثم يصلب توقيا عن المثلة. وجه الأول وهو الأصح: أن الصلب على هذا الوجه أبلغ في الردع، وهو المقصود به. قال: (ولا يصلب أكثر من ثلاثة أيام)؛ لأنه يتغير بعدها فيتأذى الناس به. وعن أبي يوسف أنه يترك على خشبة حتى يتقطع فيسقط ليعتبر به غيره. قلنا: حصل الاعتبار بما ذكرناه والنهاية غير مطلوبة، قال: (وإذا قتل القاطع فلا ضمان عليه في مال أخذه) اعتبارا بالسرقة الصغرى وقد بيناه، (فإن باشر القتل أحدهم أجري الحد عليهم بأجمعهم)؛ لأنه جزاء المحاربة. وهي تتحقق بأن يكون البعض ردءا للبعض حتى إذا زلت أقدامهم انحازوا إليهم. وإنما الشرط القتل من واحد منهم، وقد تحقق. قال: (والقتل وإن كان بعصا أو بحجر أو بسيف فهو سواء)؛ لأنه يقع قطعا للطريق بقطع المارة، (وإن لم يقتل القاتل ولم يأخذ مالا وقد جرح اقتص منه فيما فيه القصاص، وأخذ الأرش منه فيما فيه الأرش، وذلك إلى الأولياء)؛ لأنه لا حد في هذه الجناية، فظهر، حتى العبد، وهو ما ذكرناه فيستوي فيه الولي (وإن أخذ مالا ثم جرح قطعت يده ورجله وبطلت الجراحات)؛ لأنه لما وجب الحد حقا لله سقطت عصمة النفس، حقا للعبد كما تسقط عصمة المال، (وإن أخذ بعدما تاب وقد قتل عمدا، فإن شاء الأولياء قتلوه، وإن شاءوا عفوا عنه)؛ لأن الحد في هذه الجناية لا يقام بعد التوبة للاستثناء المذكور في النص؛ ولأن التوبة تتوقف على رد المال، ولا قطع في مثله فظهر حق العبد في النفس والمال حتى يستوفي الولي القصاص أو يعفو. ويجب الضمان إذا هلك في يده أو استهلكه، (وإن كان من القطاع صبي أو مجنون أو ذو رحم محرم من المقطوع عليه سقط الحد عن الباقين)، فالمذكور في الصبي والمجنون قول أبي حنيفة وزفر. وعن أبي يوسف أنه لو باشر العقلاء يحد الباقون، وعلى هذا السرقة الصغرى. له أن المباشر أصل، والرد تابع، ولا خلل في مباشرة العاقل، ولا اعتبار بالخلل في التبع

стр. 4624

وفي عكسه ينعكس المعنى والحكم. ولهما أنه جناية واحدة قامت بالكل، فإذا لم يقع فعل بعضهم موجبا كان فعل الباقين بعض العلة، وبه لا يثبت الحكم فصار كالخاطئ مع العامد، وأما ذو الرحم المحرم فقد قيل: تأويله إذا كان المال مشتركا بين المقطوع عليهم، والأصح أنه مطلق؛ لأن الجناية واحدة على ما ذكرناه. فالامتناع في حق البعض يوجب الامتناع في حق الباقين. بخلاف ما إذا كان فيهم مستأمن؛ لأن الامتناع في حقه لخلل في العصمة وهو يخصه، أما هنا الامتناع لخلل في الحرز، والقافلة حرز واحد. (وإذا سقط الحد صار القتل إلى الأولياء)؛ لظهور حق العبد على ما ذكرناه، (فإن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا عفوا. وإن قطع بعض القافلة الطريق على البعض لم يجب الحد)؛ لأن الحرز واحد؛ فصارت القافلة كدار واحدة، (ومن قطع الطريق ليلا أو نهارا في المصر أو بين الكوفة والحيرة فليس بقاطع الطريق) استحسانا، وفي القياس يكون قاطع الطريق، وهو قول الشافعي لوجوده حقيقة. وعن أبي يوسف أنه يجب الحد إذا كان خارج المصر إن كان بقربه؛ لأنه لا يلحقه الغوث. وعنه إن قاتلوا نهارا بالسلاح أو ليلا به أو بالخشب فهم قطاع الطريق؛ لأن السلاح لا يلبث والغوث يبطئ بالليالي، ونحن نقول: إن قطع الطريق بقطع المارة، ولا يتحقق ذلك في المصر وبقرب منه؛ لأن الظاهر لحوق الغوث، إلا أنهم يؤخذون برد المال أيضا لا للحق إلى المستحق، ويؤدبون ويحبسون لارتكابهم الجناية، ولو قتلوا فالأمر فيه إلى الأولياء لما بينا، (ومن خنق رجلا حتى قتله فالدية على عاقلته عند أبي حنيفة)، وهي مسألة القتل بالمثقل، وسنبين في باب الديات - إن شاء الله تعالى - (وإن خنق في المصر غير مرة قتل به)؛ لأنه صار ساعيا في الأرض بالفساد فيدفع شره بالقتل. والله تعالى أعلم.

стр. 4625

ب - وجاء في فتح القدير على الهداية ما نصه (باب قطع الطريق). آخره عن السرقة وأحكامها لأنه ليس بسرقة مطلقة، ولذا لا يتبادر هو أو ما يدخل هو فيه من إطلاق لفظ السرقة، بل إنما يتبادر الأخذ خفية عن الناس. ولكن أطلق على قطع الطريق اسم السرقة مجاز الضرب من الإخفاء، وهو الإخفاء عن الإمام، ومن نصبه الإمام لحفظ الطريق من الكشاف وأرباب الإدراك فكان السرقة فيه مجازا؛ ولذا لا تطلق السرقة عليه إلا مقيدة، فيقال السرقة الكبرى. ولو قيل: السرقة فقط لم يفهم أصلا، ولزوم

стр. 4626

التقييد من علامات المجاز. (قوله: وإذا خرج جماعة ممتنعين) بقوتهم عمن يقصد مقاتلهم أو واحد له منعة بقوته ونجدته يعني شوكته، يقصدون قطع الطريق أي أخذ المارة، فأحوالهم بالنسبة إلى الجزاء الشرعي أربعة. وبالنسبة إلى ما هو أعم منه خمسة. أما بالنسبة إلى الجزاء فإما أن يؤخذوا قبل أن يأخذوا مالا ويقتلوا نفسا، بل لم يوجد منهم سوى مجرد إخافة الطريق إلى أن أخذوا فحكمهم أن يعزروا ويحبسوا إلى أن تظهر توبتهم في الحبس أو يموتوا. وأما إن أخذوا مال مسلم أو ذمي والمأخوذ إذا قسم على جماعتهم أصاب كل واحد عشرة دراهم فصاعدا أو ما يبلغ قيمته ذلك فيقطع الإمام يد كل منهم اليمنى ورجله اليسرى. وأما إن قتلوا مسلما أو ذميا ولم يأخذوا مالا فيقتلهم الإمام حدا. ومعنى حدا أنه لو عفا أولياء المقتولين لا يقبل عفوهم؛ لأن الحد خالص حق الله تعالى لا يسمع فيه عفو غيره. فمتى عفا عنهم عصى الله تعالى. والرابعة أن يأخذوا المال ويقتلوا. وستأتي - إن شاء الله تعالى -، وفي فتاوى قاضيخان: وإن قتل ولم يأخذ المال يقتل قصاصا. وهذا يخالف ما ذكرنا إلا أن يكون معناه إذا أمكنه أخذ المال فلم يأخذ شيئا، ومال إلى القتل، فإنا سنذكر في نظيرها أنه يقتل قصاصا خلافا لعيسى بن أبان. وفيها أيضا إن خرج على القافلة في الطريق وأخاف الناس ولم يأخذ المال ولم يقتل يعزر ويخلى سبيله، وهو خلاف المعروف من أنه يحبس امتثالا للنفي المذكور في الآية. وأما بالنسبة إلى ما هو أعم فالأربعة المذكورة. والخامسة أن يؤخذوا بعدما أحدثوا توبة، وتأتي أيضا في الكتاب. والتقييد بمسلم أو ذمي في صدر المسألة ليخرج المستأمن. فلو قطعوا الطريق على مستأمن لم يلزمهم شيء مما ذكرنا إلا التعزير والحبس باعتبار إخافة الطريق وإخفار ذمة المسلمين؛ لأن ماله غير معصوم على التأييد وباقي الشروط من كون ذلك في برية لا في مصر ولا قرية ولا بين قريتين وغير ذلك مما يقدمه الشارحون، يأتي ذلك كله في الكتاب مفصلا. (والأصل فيه) أي في توزيع الأجزية كما ذكرنا على الجنايات المذكورة قوله - تعالى -: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ (١) الآية، سمي قاطع الطريق محاربا لله؛ لأن المسافر معتمد على الله تعالى. فالذي يزيل أمنه محارب لمن اعتمد عليه في تحصيل الأمن. وأما محاربته لرسوله، فإما باعتبار عصيان أمره، وإما باعتبار أن الرسول هو الحافظ لطريق المسلمين والخلفاء والملوك بعده نوابه، فإذا قطع الطريق التي تولى حفظها بنفسه ونائبه فقد حاربه، أو هو على حذف مضاف أي

стр. 4627

يحاربون عباد الله. وهو أحسن من تقدير أولياء الله؛ لأن هذا الحكم يثبت بالقطع على الكافر الذمي. (والمراد من الآية التوزيع) أي توزيع الأجزية المذكورة على أنواع قطع الطريق، وبه قال الشافعي والليث وإسحاق وقتادة وأصحاب أحمد، وقال عطاء وسعيد بن المسيب ومجاهد والحسن والضحاك والنخعي وأبو ثور وداود: الإمام مخير فيه على ما هو ظاهر النص مطلقا، وقال مالك: إذا رأى الإمام القاطع جلدا ذا رأي قتله، وإن كان جلدا لا رأي له قطعه. ولنا ما روى محمد عن أبي يوسف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «وادع رسول الله ﷺ أبا بردة هلال بن عويمر الأسلمي فجاء أناس يريدون الإسلام فقطع عليهم أصحاب أبي بردة الطريق فنزل جبريل ﵇ على رسول الله ﷺ بالحد أن من قتل وأخذ المال صلب، ومن قتل ولم يأخذ قتل، ومن أخذ مالا ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، ومن جاء مسلما هدم الإسلام ما كان منه في الشرك»، وفي رواية عطية عن ابن عباس: «ومن أخاف الطريق ولم يقتل ولم يأخذ المال نفي»، وبالنظر إلى المعنى، وهو أن من المقطوع به أن ما ذكر من القتل والصلب والقطع والنفي كلها أجزية على جناية القطع. ومن المقطوع به أن هذه الجناية تتفاوت خفة وغلظا والعمل بالإطلاق المحض للآية يقتضي أن يجوز أن يرتب على أغلظها أخف الأجزية المذكورة، وعلى أخفها أغلظ الأجزية، وهذا مما يدفعه قواعد الشرع والعقل؛ فوجب القول بتوزيع الأغلظ للأغلظ، والأخف للأخف؛ ولأن في هذا التوزيع موافقة لأصل الشرع حيث يجب القتل بالقتل، والقطع بالأخذ، إلا أن هذا الأخذ لما كان أغلظ من أخذ السرقة، حيث كان مجاهرة ومكابرة مع إشهار السلاح جعل المرة منه كالمرتين، فقطع في الأخذ مرة اليد والرجل معا من غير اشتراط كون النصاب فيه عشرين؛ لأن الغلظ في هذه الجناية من جهة الفعل لا متعلقة. ولموافقة قاعدة الشرع شرط في قطعهم كون ما يصيب كل واحد منهم نصابا كاملا كي لا يستباح طرفه بأقل من النصاب، فيخالف قاعدة الشرع. ولم يشرط مالك سوى أن يكون المأخوذ نصابا فصاعدا أصاب كلا نصاب أو لا، وكون المقطوع اليد اليمنى والرجل اليسرى بالإجماع، كي لا يثوى نصفه، وكذا الأحكام السابقة من أنه لو كانت يسراه شلاء لا تقطع يمينه، وكذا رجله اليمنى لو كانت شلاء لا تقطع اليسرى، ولو كان مقطوع اليد اليمنى لا تقطع له يد، وكذا الرجل اليسرى؛ فإن قلت ليس في الأجزية الموزعة الحبس قلنا: هو المراد بالنفي، وذلك لأن ظاهره

стр. 4628

لا يعمل به، وهو النفي من الأرض، أي من وجه الأرض؛ لأنه يتحقق ما دام حيا. وإن حمل على بعضها وهي بلدته لا يحصل به المقصود، وهو دفع أذاه عن الناس؛ لأنه إذا كان ذا منعة يقطع الطريق فيما يصير إليه من البلدة الأخرى فعملنا بمجازه وهو الحبس؛ فإنه قد يطلق عليه أنه خارج من الدنيا، قال صالح بن عبد القدوس فيما ذكره الشريف في الغرر: خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها ... فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى إذا جاءنا السجان يوما لحاجة ... عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا ولما رأى مالك ﵁ أن مجرد النفي لا يفيد في المقصود قال: يحبس في بلدة النفي، ومعلوم أن المقصود لا يتفاوت بالحبس في بلدة النفي وغيرها، فيقع تعيين بلدة النفي في غير القاعدة المطلوبة. (قوله: والرابعة) أي من أنواع هذه الجناية، (ما إذا قتلوا وأخذوا المال، فالإمام بالخيار، إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وقتلهم وصلبهم، وإن شاء قتلهم) بلا صلب وقطع، (وإن شاء صلبهم) أحياء ثم قتلهم. وهذا قول أبي حنيفة وزفر. وقال أبو يوسف ﵀: لا بد من الصلب للنص في الحد. ولا يجوز ترك الحد كالقتل. وبه قال الشافعي وأحمد أجاب بأن أصل التشهير يحصل بالقتل والمبالغة بالصلب. ولم ينقل أنه ﷺ صلب العرنيين ولا غيره صلب أحدا. ومع أن ظاهر النص لا يحتم الصلب. فإن قوله: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ (١) إنما يفيد أن يقتلوا بلا صلب، أو يصلبوا بلا قتل. لكن يقتل بعد الصلب مصلوبا بالإجماع. وقال محمد: لا يقطع ولكن يقتل أو يصلب. وفي عامة الروايات من المباسيط وشروح الجامع الصغير ذكر أبو يوسف ومحمد - وبه قال مالك -: إن كان القاطع ذا رأي، والشافعي وأحمد مع أبي يوسف في أنه لا بد من الصلب، ومع محمد في أنه لا يقطع. (وجه قولهم: أنه جناية واحدة، هي جناية قطع الطريق فلا توجب حدين، ولأن ما دون النفس في باب الحد يدخل في النفس كحد السرقة والرجم) إذا اجتمعا، بأن سرق المحصن ثم زنى؛ فإنه يرجم ولا يقطع اتفاقا (ولهما) أي لأبي حنيفة وأبى يوسف - وهذا على اعتبار أبي يوسف مع أبي حنيفة لا مع محمد - (أن هذه) الجناية وإن كانت واحدة باعتبار أنه قطع الطريق فهذا المجموع من القطع والقتل أيضا (عقوبة واحدة، وإنما تغلظت لتغلظ سببها)، حيث بلغ النهاية في تفويت

стр. 4629

الأمن (حيث فوت الأمن على المال والنفس بالقتل وأخذ المال)، وكونها أمورا متعددة لا يستلزم تعدد الحدود في قطع الطريق، ألا يرى أن قطع اليد والرجل فيها حد واحد، وهو في الصغرى حدان؛ ولأن مقتضى التوزيع الذي لزم اعتباره أن يتعين القطع ثم القتل؛ لأن التوزيع أدى إلى أن من أخذ المال قطع، وهذا قد أخذه فيقطع، وأن من قتل يقتل أو يصلب، وهذا قتل فيجب أن يجمع له بين القطع والقتل إلا أن ذلك كان فيما إذا فعل ذلك على الانفراد، فأما على الاجتماع فجاز أن يؤخذ حكمه من الانفراد، فجاز ذلك للإمام. وما ذكر من دخول ما دون النفس في النفس هو ما إذا كانا حدين، أحدهما غير النفس والآخر النفس، أما إذا كان ذلك حدا واحدا فلا بد من إقامته، فهي أجزاء حد واحد غير أنه إن بدأ بالجزء الذي لا تتلف به النفس فعل الآخر، وإن بدأ بما تتلف به لا يفعل الآخر لانتفاء الفائدة، وهو الضرب بعد الموت. (قوله: ثم قال) أي القدوري فيما إذا اختار الإمام صلبه، أو ما إذا قلنا بلزومه على قول أبي يوسف أنه (يصلب حيا ويبعج بطنه إلى أن يموت، ومثله عن الكرخي وجه قوله وهو الأصح إن الصلب على هذا الوجه أبلغ في الردع)؛ ولأن المقصود الزجر، وهو بما يحصل في الحياة لا بما بعد الموت. إلا أن يقال: النص دل على ذلك، فإنه قال: أن يقتلوا أو يصلبوا فلزم كون الصلب بلا قتل؛ لأنه معاند له بحرف العناد فلا يتصادق معه، والقتل الذي يعرض بعد الصلب ليس في اللفظ، وعن الطحاوي يقتل ثم يصلب توقيا عن المثلة؛ فإنها نسخت من لدن العرنيين على ما عرف. لا يقال وجه الأول، وهو الأصح، لا يخفى أنه لا يكافئ وجه الطحاوي؛ لأننا نقول: الحاصل ليس غير صلب وقتل بطعن الرمح، والثاني هو المعتاد بينهم؛ لأن عادتهم القتل به، فليس مثلة عندهم كما هو في جدع الأذنين، وقطع الأنف، وسمل العينين، فإن كان هناك مثلة، فالصلب ليس غير، وهو مقطوع بشرعيته؛ فتكون هذه المثلة الخاصة مستثناة من المنسوخ قطعا لا يحتمل الشك، ثم يخلى بينه وبين أهله يدفنونه، وعلمت في كتاب الشهيد أنه لا يصلى على قاطع الطريق، (ولا يصلب أكثر من ثلاثة أيام؛ لأنه يتغير بعدها فيتأذى به الناس. وعن أبي يوسف أنه يترك على خشبة حتى يتقطع فيسقط ليعتبر به غيره. قلنا: حصل الاعتبار بما ذكرنا والنهاية غير لازمة) من النص، وكونه أمر بالصلب لا يقتضي الدوام بل بمقدار متعارف لإبلاء الأعذار كما في مهلة المرتد وغيره كما في مدة الخيار. (قوله: وإذا قتل القاطع فلا ضمان عليه فيما أخذه) لما بينا في السرقة الصغرى من سقوط

стр. 4630

عصمته بالقطع، (قوله: وإن باشر القتل أحدهم) أي واحد منهم والباقون وقوف لم يقتلوا معه ولم يعينوه (أجري الحد على جميعهم) فيقتلوا. ولو كانوا مائة بقتل واحد منهم واحدا (لأن القتل جزاء المحاربة التي فيها قتل بالنص مع التوزيع، والمحاربة تتحقق بأن يكون البعض ردءا للبعض حتى إذا انهزموا انحازوا إليهم، وقد تحققت المحاربة مع القتل؛ فيشمل الجزاء الكل، وهو قول مالك وأحمد خلافا للشافعي. قلنا: إنه حكم تعلق بالمحاربة فيستوي فيه المباشرة والردة كالغنيمة. ولا فرق بين كون القتل بسيف أو عصا أو حجر في قتل الكل، وإن لم يوجب أبي حنيفة القصاص بالمثقل؛ لأن هذا ليس بطريق القصاص فلا يستدعي المماثلة، ولهذا يقتل غير المباشر وإن لم يقتل القاطع ولم يأخذ مالا، وقد جرح فما كان من جراحة يجري فيها القصاص اقتص، وما كان لا يجري فيه ذلك لزمه الأرش، ويعرف ما يقتص به وما لا يقتص في الجنايات - إن شاء الله رب العالمين -. وهذا لأنه لا حد في هذه الجناية من قطع أو قتل فظهر حق العبد فيستوفيه الولي، وإن أخذ مالا ثم جرح قطعت يده ورجله من خلاف وبطلت الجراحات؛ لأنه لما وجب الحد حقا لله سقطت عصمة النفس، أي ما حل بها من تفريق اتصال الجسم بالجارحات حقا للعبد كما تسقط عصمة المال؛ ولذا تبطل الجراحات إذا قتل فقتل حدا؛ لأن الحد والضمان لا يجتمعان، قوله: وإن أخذ بعدما تاب سقط الحد عنه بلا خلاف بالنص. قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (١) فإن كان قد قتل، فإن شاء الأولياء قتلوه، وإن شاءوا عفوا عنه؛ لأن هذا القتل قصاص فصح العفو عنه والصلح به، وحينئذ لا بد أن يكون قتل بحديد ونحوه؛ لأن القصاص لا يجب إلا به. ونحوه عند أبي حنيفة، وكذا إذا كان أخذ مالا ثم تاب؛ فإن صاحبه إن شاء تركه، وإن شاء ضمنه، إن كان هالكا ويأخذه إن كان قائما؛ لأنه لا يقطع بعد التوبة لسقوط الحد؛ فظهر حق العبد في ماله كما في النفس، وفي المبسوط والمحيط رد المال من تمام توبتهم لتنقطع به خصومة صاحبه، ولو تاب ولم يرد المال لم يذكره في الكتاب، واختلفوا فيه فقيل: لا يسقط الحد كسائر الحدود لا تسقط بالتوبة، وقيل: يسقط، أشار إليه محمد في الأصل؛ لأن التوبة تسقط الحد في السرقة الكبرى بخصوصها للاستثناء في النص، فلا يصح قياسها على باقي الحدود مع معارضة النص. وسائر الحدود لا تسقط بالتوبة عندنا، وبه قال مالك وأحمد في رواية والشافعي في قول، وعنهما تسقط لقوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ (٢) ونحن نقطع بأن

стр. 4631

رجم ماعز والغامدية كان بعد توبتهما، والآية منسوخة. إنما كان ذلك في أول الأمر، وإذا عرف هذا القول المصنف، ولأن التوبة تتوقف على رد المال ولا قطع في مثله شبه التناقض؛ لأنها إذا توقفت على رد المال فأخذ القاطع قبل الرد أخذ قبل التوبة. والأخذ قبل التوبة بعد أخذ المال فيه الحد بقطع اليد والرجل، أجيب بفرض المسألة فيما إذا رد بعضه فإنه علامة توبته، فيكون ذلك شبهة في سقوط الحد فيجب الضمان لو هلك الباقي أو استهلكه، ومثل ما لو أخذوا بعد التوبة في سقوط الحد والرجوع إلى القصاص وتصرف الأولياء فيه وفي المال ما لو أخذوا قبل التوبة، وقد قتلوا ولكن أخذوا من المال قليلا لا يصيب كلا نصاب؛ فإن الأمر في القتل والجرح إلى الأولياء إن شاءوا قتلوا قصاصا وإن شاءوا عفوا. وقال عيسى: يقتلهم الإمام حدا؛ لأنهم لو قتلوا ولم يأخذوا شيئا من المال قتلهم حدا لا قصاصا. وهذا لأن ما دون النصاب كالعدم، ولأنه تتغلظ جنايتهم بأخذ شيء من المال فلا يسقط الحد، والأصح ما ذكر في الكتاب؛ لأن وجوب الحد عليهم باعتبار ما هو المقصود، وهم يقصدون بالقطع أخذ المال وقتلهم ليس إلا ليصلوا إليه، فإذا تركوا أخذ المال عرفنا أن قصدهم القتل لا القطع؛ لأن القطع ليس إلا للمال فيقتص منهم إن شاء الولي، وتجري فيه أحكام القصاص، قوله: وإن كان من القطاع صبي أو مجنون أو ذو رحم محرم من المقطوع عليه سقط الحد عن الباقين. فتظهر أحكام القصاص وتضمين المال والجراحات، وفي المبسوط: تابوا، وفيهم عبد قطع يد حر دفعه مولاه أو فداه كما لو فعله في غير قطع الطريق، وهذا لأنه قصاص بين العبيد الأحرار فيما دون النفس، فيبقى حكم الدفع والفداء، فإن كانت فيهم امرأة فعلت ذلك فعليها دية اليد في مالها؛ لأنه لا قصاص بين الرجال والنساء في الأطراف، والواقع منها عمد لا تعقله العاقلة. قال المصنف فالمذكور في الصبي والمجنون قول أبي حنيفة وزفر - رحمهما الله -. وعن أبي يوسف: أنه لو باشر العقلاء الأخذ والقتل يحد الباقون، وإن باشر ذلك الصبي والمجنون فلا حد على الباقين، وقيل: كان الوجه أن يقول وقال أبو يوسف بعد أن قال المذكور في الصبي والمجنون قول أبو حنيفة وزفر، أو يقول المذكور ظاهر الرواية عن أصحابنا. وعن أبي يوسف كما قال القدوري في شرحه لمختصر الكرخي وغيره. ولم يذكر قول محمد واكتفى بقوله العقلاء، عن البالغين، فإن العقلاء مما يقال في مقابلة الصبيان والمجانين، وعلى هذا السرقة الصغرى إن ولي المجنون أو الصبي إخراج المتاع سقط الحد عن الكل، وإن ولي غيرهما قطعوا إلا الصبي والمجنون،

стр. 4632

وقالت الأئمة الثلاثة وأكثر أهل العلم: لا يسقط الحد عن غير الصبي والمجنون وذي الرحم؛ لأنها شبهة اختص بها واحد فلا يسقط الحد عن الباقين، لأبي يوسف أن المباشر أصل، والردة تابع. ففي مباشرة العاقل الخلل في التبع ولا عبرة به بعد أن لا خلل في الأصل فيحد الباقون، وفي عكسه وهو أن يباشر الصبي والمجنون ينعكس المعنى، وهو السقوط عن الأصل. فإن السقوط حينئذ في التبع فينعكس الحكم وهو حد الباقين فلا يحدون ولهما - أي لأبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - أن قطع الطريق جناية واحدة؛ لأن الموجود من الكل يسمى جناية قطع الطريق غير أنها لا تتحقق في الغالب إلا بجماعة، فكان الصادر من الكثير جناية واحدة قامت بالكل، فإذا لم يقع فهل بعضهم موجبا للحد لشبهة أو عدم تكليف لا يوجب في حق الباقين؛ لأن فعل الباقين حينئذ بعض العلة وببعض العلة لا يثبت الحكم وصار كالخاطئ مع العامد إذا اجتمعا في قتل معصوم الدم يسقط القصاص عن العامد. وأما ذو الرحم المحرم فقيل: تأويله، أي تأويل سقوط الحد عن الكل، أن يكون المال مشتركا بين المقطوع عليهم، وفي القطاع ذو رحم محرم من أحدهم فلا يجب الحد على الباقين باعتبار نصيب ذي الرحم المحرم، وتصير شبهة في نصيب الباقين فلا يجب الحد عليهم؛ لأن المأخوذ شيء واحد، فإذا امتنع في حق أحدهم بسبب القرابة يمتنع في حق الباقين، فأما إذا لم يكن المال مشتركا، فإن لم يأخذ المال إلا من ذي الرحم المحرم فكذلك، وإن أخذوا منه ومن غيره يحدون باعتبار المأخوذ عن ذلك الغير، والأصل أنه مجرى على الإطلاق، وأنهم لا يحدون بكل حال؛ لأن مال جميع القافلة في حق قطاع الطرق كشيء واحد؛ لأنه محرز بحرز واحد وهو القافلة، والجناية واحدة وهي قطع الطريق، فالامتناع في حق البعض لا يوجب الامتناع في حق الباقين بخلاف السرقة من حرزين؛ لأن كل واحد من الفعلين هناك منفصل عن الآخر حقيقة وحكما، وإذا كان في المقطوع عليهم شريك مفاوض لبعض القطاع لا يحدون كذي الرحم المحرم. قوله: بخلاف ما إذا كان فيهم أي في المقطوع عليهم، وهو القافلة، مستأمن جواب عن مقدر، هو أن القطع على المستأمن وحده لا يوجب حد القطع كما على ذي الرحم لمحرم، ثم عند اختلاط ذي الرحم القاطع مع غيره من القافلة صار شبهة في الحد. فكذا يجب عند اختلاط المستأمن كذلك، وليس كذلك بل يقام الحد عليهم. أجاب بأن الامتناع في حق المستأمن إنما كان لخلل في عصمة نفسه وماله، وهو أمر يخصه، أما هنا الامتناع لخلل في الحرز والقافلة حرز واحد؛ فيصير كأن

стр. 4633

لقريب سرق مال القريب وغير القريب من بيت القريب، وإذا سقط الحد صار القتل إلى الأولياء إن شاءوا عفوا وإن شاءوا اقتصوا، ويجري الحال في المال على ما ذكر من قريب، ولو لم يقع القتل والأخذ إلا في المستأمنين لا حد عليهم، ولكن يضمنون أموال المستأمنين لثبوت عصمة أموالهم للحال، وإن لم يكن معصوما على التأييد، والله تعالى أعلم. قوله: (وإذا قطع بعض القافلة الطريق على البعض لم يجب الحد لأن الحرز واحد)، وهو القافلة فصار كسارق سرق متاع غيره وهو معه في دار واحدة؛ فلا يجب الحد، وإذا لم يجب الحد وجب القصاص في النفس إن قتل عمدا بحديدة أو بمثقل عندهما، ورد المال إن أخذه وهو قائم، وضمانه إن هلك أو استهلكه. قوله: (ومن قطع الطريق ليلا أو نهارا في المصر أو بين الكوفة والحيرة)، وهي منزل النعمان بن المنذر قريب من الكوفة بحيث يتصل عمران إحداهما بالأخرى فليس بقاطع الطريق استحسانا، وكذا بين القريتين، وحد بعضهم مكان القطع أن يكون في قرية بينهما وبين المصر مسيرة سفر في ظاهر الرواية، وفي القياس أن يكون قاطعا، وهو قول الشافعي، فإن في وجيزهم من أخذ في البلد مالا مغالبة فهو قاطع طريق. وعن أبي يوسف أنه إذا كان خارج المصر ولو بقرب منه يجب الحد؛ لأنه لا يلحقه الغوث؛ لأنه محارب بل مجاهرته هنا أغلظ من مجاهرته في المفازة، ولا تفصيل في النص في مكان القطع. وعن مالك: كل من أخذ المال في وجه لا يمكن لصاحبه الاستغاثة فهو محارب. وعنه: لا محاربة إلا على قدر ثلاثة أميال من العمران. وتوقف أحمد مرة وأكثر أصحابه أن يكون بموضع لا يلحقه الغوث. وعن أبي يوسف في رواية أخرى إن قصده بالسلاح نهارا في المصر فهو قاطع، وإن كان بغيره من الخشب ونحوه فليس بقاطع. وفي الليل يكون قاطعا بالخشب والحجر؛ لأن السلاح لا يلبث فيتحقق القطع قبل الغوث، والغوث يبطئ بالليل فيتحقق بلا سلاح. وفي شرح الطحاوي: الفتوى على قول أبي يوسف. قال المصنف: ونحن نقول إن قطع الطريق يقطع المارة ولا يتحقق ذلك في المصر وما يقرب منه؛ لأن الظاهر لحوق الغوث، وأنت تعلم أن الحد المذكور في الآية لم ينط بمسمى قطع الطريق، وإنما هو اسم بين الناس، وإنما أنيط بمحاربة عباد الله على ما ذكرنا من تقدير المضاف، وذلك يتحقق في المصر وخارجه، ثم هذا الدليل المذكور لا يفيد تعيين مسيرة ثلاثة أيام بين المصر والقاطع. ولا شك في أن ليس لحوق الغوث في ذلك المقدار ظاهرا، وهو ما علل به الظاهر، وإذا قلنا: إنهم ليسوا قطاعا فسبيلهم أن يضربوا ويحبسوا، وإن

стр. 4634

قتلوا لزم القصاص وأحكامه، وإن أخذوا مالا ضمنوه إذا أتلفوه، وعلى تقدير أنهم قطاع إن قتلوا قتلوا حدا؛ فلا يقبل عفو الأولياء فيهم، ثم لا يضمنون على ما سمعت، وقوله لما بينا أي من قوله لظهور حق العبد عند اندفاع الحد. قوله: ومن خنق رجلا حتى قتله لزمته الدية على عاقلته عند أبي حنيفة، وهي مسألة القتل بالمثقل. وسنبينه - إن شاء الله تعالى - في الديات، وظاهر أنها ليست مسألة المثقل، وإنما المعنى أنها مثلها في ثبوت الشبهة عنده في العمد، حيث كانت الآلة فيها قصور يوجب التردد في أنه قصد قتله بهذا الفعل أو قصد المبالغة في إيلامه، وإدخال الضرر على نفسه، فأنفق موته وعدم احتماله لذلك، فإن خنق غير مرة قتل الآن؛ لأنه ظهر قصده إلى القتل بالتخنيق حيث عرف إفضاؤه إلى القتل ثم صار يعتمده؛ ولأنه صار ساعيا في الأرض بالفساد، وكل من كان كذلك يدفع شره بالقتل. (فروع) نص في الأصل على أن العبد والمرأة في حكم قطع الطريق كغيرهما، أما العبد فظاهر، وأما المرأة فكغيرها في السرقة الكبرى في ظاهر الرواية، وهو اختيار الطحاوي؛ لأن الواجب قطع وقتل، وهي كالرجل في جريان كل منهما عليها عند تحقق السبب منها، وذكر الكرخي: أن حد قطاع الطريق لا يجب على النساء؛ لأن السبب هو المحاربة، والمرأة بأصل الخلقة ليست محاربة كالصبي، ألا يرى أنها في استحقاق ما يستحق بالمحاربة، وهو السهم من الغنيمة لا يساوي بين الرجل والمرأة، فكذا في العقوبة المستحقة بالمحاربة. ولكن يرد على هذا العبد فإنه لا يساوي الحر في استحقاق الغنيمة ويساويه في هذا الحد. وفي الصبيان والمجانين لعدم أهلية العقوبة، وذلك لا يوجد في النساء. وذكر هشام في نوادره عن أبي يوسف إذا قطع قوم الطريق ومعهم امرأة، فباشرت المرأة القتل وأخذت المال دون الرجال، فإنه يقام الحد عليهم لا عليها، وقال محمد: يقام عليها، ولا يقام عليهم، وذكر ابن سماعة عن محمد عن أبي حنيفة أنه يدرأ عنهم جميعا لكون المرأة فيهم، وجعل المرأة كالصبي. والعجب ممن يذكر هذه. أعني كون المرأة مع الرجال في القطع ثم يقتصر على ذكر الخلاف بين أبي يوسف ومحمد فيها، ويذكر حاصل هاتين الروايتين عنهما، ويترك نقل ما في المبسوط من أنها كالرجال منسوبا إلى ظاهر الرواية مع مساعدة الوجه وورود النقص الصحيح على مختار الكرخي بالعبد كما ذكرنا. وممن نقل ذلك صاحب الدراية وصاحب الفتاوى الكبرى والمصنف في التجنيس وغيرهم مع ضعف الأوجه المذكورة في التفرقة مثل الفرق بضعف البنية في أصل الخلقة، ومثل ذلك من الكلام الضعيف من مصادمته إطلاق الكتاب في

стр. 4635

المحاربين ولا قوة إلا بالله. وما في النوازل من قوله: عشر نسوة قطعن الطريق فقتلن وأخذن المال قتلن وضمن المال بناء على غير الظاهر من أنهن لسن محاربات؛ وعلله بأن المرأة إذا قاتلت العدو وأسرت لم تقتل، وإنما قتلن بقتلهن، والضمان لأخذهن المال. ويثبت قطع الطريق بالإقرار مرة واحدة. وأبو يوسف شرط مرتين كقوله في السرقة الصغرى، ويقبل رجوع القاطع كما في السرقة الصغرى، فيسقط الحد ويؤخذ بالمال، إن كان أقر به معه، وبالبينة بشهادة اثنين على معاينة القطع أو الإقرار. فلو شهد أحدهما بالمعاينة والآخر على إقرارهم به لا يقبل. ولا يقبل الشهادة بالقطع على أب الشاهد وإن علا، وابنه وإن سفل، ولو قالا: قطعوا علينا وعلى أصحابنا وأخذوا مالنا لا يقبل؛ لأنهما شهدا لأنفسهما. ولو شهدوا أنهم قطعوا على رجل من عرض الناس وله ولي يعرف أو لا يعرف لا يقيم الحد عليهم إلا بمحضر من الخصم، ولو قطعوا في دار الحرب على تجار مستأمنين أو في دار الإسلام في موضع غلب عليه أهل البغي، ثم أتي بهم إلى الإمام لا يمضي عليهم الحد؛ لأنهم باشروا السبب حين لم يكونوا تحت يده، وفي موضع لا يجري به حكمه فلم ينعقد فعلهم موجبا عليه الإقامة عليهم فلا يفعله، ومثله تقدم في الزنا في دار الحرب. ولو رفعوا إلى قاض يرى تضمينهم المال فضمنهم وسلمهم إلى أولياء القود فصالحوهم على الديات ثم رفعوا بعد زمان إلى قاض آخر لم يقم عليهم الحد، إما لتقادم العهد - وفيه نظر - أو لعدم الخصم، وقد سقط خصومتهم بما وصل إليهم، أو لقضاء الأول فيتم بذلك لنفاذه؛ إذ هو في فصل مجتهد فيه من تقرر الضمان. وإذا قضى القاضي عليهم بالقتل وحبسهم لذلك، فذهب أجنبي فقتلهم لا شيء عليه. وكذا لو قطع يده؛ لأنه لما سقطت حرمة نفسه سقطت حرمة أطرافه، ولو قتله قبل الثبوت عليه ثم قامت البينة بقطع للطريق اقتص منه؛ لأنه قتل نفسا معصومة ثم لا يقضي القاضي بحل دمه بهذه البينة بعدما قتل؛ لفوات المحل، فوجود هذه البينة كعدمها إلا أن يكون القاتل ولي الذي قتله القاطع في قطع الطريق، فلا يلزمه شيء لظهور أنه استوفى حق نفسه، ولو أن لصوصا أخذوا متاع قوم، فاستعانوا بقوم وخرجوا في طلبهم، إن كان أرباب المتاع معهم حل قتالهم، وكذا إذا غابوا والخارجون يعرفون مكانهم ويقدرون على رد المتاع.

стр. 4636

٢ - مذهب المالكية ١ - (جاء في المدونة الكبرى ما نصه: (كتاب المحاربين) (ما جاء في المحاربين) قلت لابن القاسم: أرأيت أهل الذمة وأهل الإسلام إذا حاربوا فأخافوا ولم يأخذوا مالا ولم يقتلوا فأخذوا كيف يصنع بهم الإمام في قول مالك؟ قال: قال مالك إذا أخافوا السبيل كان الإمام مخيرا إن شاء قتل، وإن شاء قطع، قال مالك: ورب محارب لا يقتل وهو أخوف وأعظم في خوفه ممن قتل. (قلت): فإن أخذه الإمام وقد أخاف ولم يأخذ مالا ولم يقتل أيكون الإمام مخيرا فيه، يرى في ذلك رأيه إن شاء قطع يده، وإن شاء قطع رجله، وإن شاء قتله وصلبه، أم لا يكون ذلك للإمام؟ قال: قال مالك: إذا نصب وأخاف وحارب وإن لم يقتل كان الإمام مخيرا، وتأول مالك هذه الآية قول الله ﵎، في كتابه ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (١)، قال فقد جعل الله الفساد مثل القتل. قلت: وكذلك إن أخاف ولم يأخذ المال، قال: إذا أخاف ونصب ولم يأخذ المال فإن الإمام مخير، وقد قال مالك: وليس كل المحاربين سواء، قال مالك: منهم من يخرج بعصاه أو بشيء فيؤخذ على تلك الحال لم يخف السبيل ولم يأخذ المال ولم يقتل، قال مالك: فهذا لو أخذ فيه بأيسره لم أر بذلك بأسا. قلت: وما أيسره عند مالك؟ قال: أيسره وأخفه أن يجلد وينفى ويسجن في الموضع الذي نفي إليه. قلت: وإلى أي موضع نفي هذا المحارب إليه إذا أخذ بمصر؟ (قال:) قد نفى عمر بن عبد العزيز من مصر إلى شغب، ولم أسمع من مالك فيه شيئا إلا أنه قال: قد كان ينفى عندنا إلى فدك أو خيبر، وقد كان لهم سجن يسجنون فيه. قلت: وكم يسجن حيث ينفى؟ قال مالك: يسجن حتى تعرف له توبة. قلت: أرأيت إن أخذه الإمام وقد قتل وأخذ الأموال وأخاف السبيل كيف يحكم فيه؟ (قال): يقتله ولا يقطع يده ولا رجله عند مالك. (قلت:) ويصلبه؟ (قال): قال مالك: لم أسمع أحدا صلب إلا عبد الملك بن مروان؛ فإنه كان صلب الذي كان يقال له: الحارث؛ الذي كان تنبأ، صلبه عبد الملك، (قال): قال مالك:

стр. 4637

وذلك إلى الإمام يجتهد في ذلك. (قلت:) وكيف يصلبه في قول مالك، أحيا أم ميتا؟ (قال): لم أسمع من مالك إلا ما أخبرتك مما ذكر عن عبد الملك بن مروان فإنه صلب الحارث وهو حي وطعنه بالحربة بيده. (قال): وأنا أرى أن يصلب حيا ويطعن بعد ذلك. قلت: أرأيت الذي أخذه الإمام ولم يقتل ولم يفسد ولم يخف السبيل إلا أنه قد حارب خرج بخشبة أو ما أشبه هذا أيكون للإمام أن يعفو عن هذا؟ قال: لا يكون للإمام أن يعفو عن هذا عند مالك، ولا عن أحد من المحاربين. (قلت:) فكم يضربه في قول مالك؟ قال: يجتهد الإمام برأيه في ضربه ونفيه. قلت: أرأيت المحاربين من أهل الذمة وأهل الإسلام في قول مالك أهم سواء؟ قال: نعم، والنصارى والعبيد والمسلمون في ذلك الحكم فيهم واحد عند مالك، إلا أنه لا نفي على العبيد. قلت: أرأيت إن أخذ وقد أخاف السبيل وأخذ المال؟ قال: قال مالك: إذا خرج ولم يخف السبيل ولم يأخذ المال ولم يقتل وأخذ بحضرة ما خرج أو خرج بخشبة أو ما أشبه ذلك ولم ينصب ولم يعل أمره، فإن الإمام يجلد مثل هذا وينفيه، قال مالك: وإن هو خرج وأخاف السبيل ونصب وعلا أمره ولم يأخذ المال فالإمام مخير، إن شاء قتله، وإن شاء قطع يده ورجله، قلت: فهل يجتمع مع القطع والفشل الضرب، قال: لم أسمع من مالك فيه شيئا، ولا أرى ذلك. قلت: أرأيت إن هو قتل وأخذ المال وأخاف أيكون للإمام أن يقطع يده ورجله ولا يقتله؟ قال: لا يكون ذلك إلى الإمام إذا قتل وأخذ المال، قال مالك: فأرى أن يقتل، إن رأى ذلك الإمام - إذا أخذ المال ولم يقتل - أن يقتله قتله؛ لأن الله يقول في كتابه: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (١) فأخذ المال من الفساد في الأرض، وإنما يجتهد الإمام في الذي يخيف ولا يقتل ولا يأخذ مالا ويؤخذ يحضره ذلك قبل أن يطول زمانه، قال مالك: والذي تقطع يده ورجله لا أرى أن يضرب إذا قطعت يده ورجله. قلت: فإن قتل وأخذ المال أتقطع يده ورجله وتقتله أم تقتله ولا تقطع يده ورجله في قول مالك؟ قال: القتل يأتي على ذلك كله، قال: وإنما يخير الإمام عند مالك إذا أخاف ولم يأخذ مالا ولم يقتل فأخذ بحضرة ذلك، فأما من طال زمانه، ونصب نصبا شديدا؛ فهذا لا يكون الإمام فيه مخيرا، ويقتله الإمام، وأما الذي أخذه بحضرة الخروج، فإن مالكا قال في هذا: لو أن الإمام أخذ بأيسره لم أر بذلك بأسا، وقد فسرت لك ذلك فهذا أصل قول مالك في هذه الأشياء. قلت: أرأيت إن أخذ المحاربون من المال أقل مما تقطع

стр. 4638

فيه اليد أقل من ثلاثة دراهم؟ قال: ليس حد المحاربين مثل حد السارق، والمحارب إذا أخذ المال قليلا كان أو كثيرا فهو سواء، والسارق لا يقطع إلا في ربع دينار. قلت: أرأيت فإن قطعوا على المسلمين وعلى أهل الذمة أهو سواء في قول مالك؟ قال: نعم، ولقد بلغني عن مالك أخبرني عنه من أثق به عن غير واحد أن عثمان قتل مسلما وقتل ذميا على وجه الحرابة، قتله على مال كان معه، فقتله عثمان. قلت: أرأيت إن تابوا من قبل أن يقدر عليهم، وقد كانوا قتلوا وأخافوا وأخذوا الأموال وجرحوا الناس، قال: قال مالك: يضع عنهم حد الإمام كل شيء إلا أن يكونوا قتلوا فيدفعون إلى أولياء القتلى، وإن أخذوا المال أغرموا المال. قلت: وكذلك الجراحات؟ قال: نعم. قلت: ويدرأ عنهم القتل والقطع في الذي كان يجب عليهم لو أخذوا قبل أن يتوبوا؟ فأما ما صنعوا في أموال الناس وفي دمائهم وفي أبدانهم فهم يؤخذون بذلك عند مالك، إلا أن يعفى عنهم، قال: نعم. قلت: أرأيت إن كانوا محاربين فقطعوا على الناس الطريق فقتلوا رجلا قتله واحد منهم إلا أنهم كانوا أعوانا له في تلك الحال إلا أن هذا الواحد منهم ولي القتل حين زاحفوهم، ثم تابوا وأصلحوا، فجاء ولي المقتول يطلب دمه أيقتلهم كلهم أم يقتل الذي قتل وليه وحده؟ قال: قال مالك: يقتلون كلهم إذا أخذوا على تلك الحال. قال ابن القاسم: فإن تابوا قبل أن يؤخذوا فأتى أولياء القتيل يطلبون دمه دفعوا كلهم إلى أولياء المقتول فقتلوا من شاءوا، وعفوا عمن شاءوا، وأخذوا الدية ممن شاءوا، وقد ذكر مالك عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - حين قال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا. فهذا يدلك على أنهم شركاء في قتله، فذلك إلى أولياء المقتول، يقتلون من شاءوا منهم، ويعفون عمن شاءوا منهم. قال: ولقد قال لي مالك في قوم خرجوا وقطعوا الطريق فتولى رجل منهم أخذ مالا كان مع رجل ممن أخذ، أخذه منه والآخرون وقوف، لا أنه بهم قوي، وأخذ المال فأراد بعض من لم يأخذ المال التوبة، وقد أخذ المال الذي أخذ ودفع إلى الذي لم يأخذ حصته، ماذا ترى عليه حين ذلك أحصته التي أخذ أم المال كله؟. (قال): بل أرى المال كله عليه؛ لأنه إنما قوي الذي أخذ المال بهم، والقتل أشد من هذا، فهذا يدلك على ما أخبرتك به من القتل، ولقد ذكروا عن مالك عن عمر بن الخطاب أن بعضهم كان ربيئة للذين قتلوا فقتله عمر معهم، قلت: أرأيت إن كانوا قد أخذوا المال فلما تابوا كانوا عدما لا مال لهم أيكون ذلك لأصحاب المال دينا عليهم في قول مالك؟ قال: نعم. قلت: فإن

стр. 4639

أخذوا قبل أن يتوبوا أقيم عليهم الحد فقطعوا أو قتلوا ولهم أموال أخذت أموال الناس من أموالهم، وإن لم يكن لهم يومئذ مال لم يتبعوا بشيء مما أخذوا بمنزلة السرقة؟ قال: نعم، وهو قول مالك فيما بلغني عمن أثق به وهو رأيي. قلت: أرأيت إن أخذهم الإمام وقد قتلوا وجرحوا وأخذوا الأموال فعفا عنهم أولياء القتلى وأولياء الجراحات، وأهل الأموال أيجوز عفوهم في قول مالك؟ قال: قال مالك: لا يجوز العفو هاهنا، ولا يجوز للإمام أن يعفو؛ لأن هذا حد من حدود الله قد بلغ السلطان فلا يجوز فيه العفو ولا يصلح لأحد أن يشفع فيه؛ لأنه حد من حدود الله. قلت: فإن تابوا وأصلحوا وقد قتلوا أناسا من أهل الذمة ولم يقتلوا أحدا غيرهم؟ قال: أرى أن الدية في أموالهم لأولياء القتلى؛ لأن المسلم لا يقتل بالذمي عند مالك. قلت: فإن كانوا ذميين أكان عليهم القود في قول مالك؟ قال: نعم؛ لأن مالكا قال: يقتل النصراني بالنصراني. قلت: وكيف تعرف توبة هؤلاء النصارى المحاربين في قول مالك؟ قال: ما سمعت من مالك فيه شيئا، وأرى إن تركوا ما كانوا عليه قبل أن يقدر عليهم، فلا أرى أن يقام عليهم حد المحاربين. قلت: أرأيت إن كانت فيهم امرأة أيكون سبيلها في قول مالك سبيل الرجال أم لا؟ وهل يكون النساء محاربات في قول مالك أم لا؟ قال: أرى أن النساء والرجال في ذلك سواء. قلت فالصبيان؟ قال: لا يكونون محاربين حتى يحتلموا عند مالك؛ لأن الحدود لا تقام عليهم عند مالك، والحرابة حد من الحدود، والنساء إنما صرن محاربات؛ لأن مالكا قال: تقام عليهن الحدود، والحرابة حد من الحدود. قلت: أرأيت إن قطعوا الطريق في مدينتهم التي خرجوا منها فأخذوا أيكونون محاربين في قول مالك؟ قال: نعم. قلت: أرأيت إن خرج مرة فأخذه الإمام فقطع يده ورجله، ثم خرج ثانية فأخذه الإمام أيكون له أن يقطع يده الأخرى ورجله الأخرى؟ قال: نعم إن رأى أن يقطعه قطعه. قلت: وسمعته من مالك قال: لا، إلا أني أراه مثل السارق، ألا ترى أنه يقطع يده ثم رجله ثم يده ثم رجله فكذلك المحارب تقطع يده ورجله، فإن خرج ثانية فإن رأى الإمام أن يقطعه قطع يده الباقية ورجله. قلت: أرأيت إن أخذ الإمام هذا المحارب، وهو أقطع اليد اليمنى فأراد قطعه ورأى أن يقطعه كيف يقطعه، قال: ما سمعت من مالك فيه شيئا، إلا أن قول مالك في السارق إذا كان أقطع اليد اليمنى أو أشل اليد اليمنى قطع رجله اليسرى وترك يده اليمنى فكذلك المحارب إذا لم تكن يده اليمنى قائمة قطعت يده اليسرى ورجله اليسرى، وهذا

стр. 4640

عندنا بين لأن الله ﵎ قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (١) فالقطع في المحارب في يده ورجله جميعا إنما هما جميعا شيء واحد بمنزلة القطع في يد السارق أو رجله، إنما هو شيء واحد، فإذا أصاب إحدى اليدين شلل أو قطع رجع إلى اليد الأخرى والرجل التي تقطع معها؛ لأنهما في القطع بمنزلة الشيء الواحد في المحارب، ألا ترى أن السارق إذا أصيب أقطع اليد اليمنى أو أشل اليد اليمنى رجع الإمام إلى رجله اليسرى، فإن أصابه أيضا أقطع أصابع اليمنى قطع رجله اليسرى، ولم يقطع بعض اليد دون بعض، فكذلك إذا كانت اليد ذاهبة في المحارب لم تقطع الرجل التي كانت تقطع معها ولكن تقطع اليد الأخرى، والرجل التي تقطع معها حتى يكون من خلاف كما قال الله تعالى. قلت: أرأيت المحارب يخرج بغير سلاح. أيكون محاربا أم لا؟ قال: لم أسمع من مالك فيه شيئا، وأرى إن فعل ما يفعل المحارب من تلصصهم على الناس وأخذ أموالهم مكابرة منه لهم فأراه محاربا. قلت: أرأيت الرجل الواحد هل يكون محاربا في قول مالك؟ قال: نعم، وقد قتل مالك رجلا واحدا كان قد قتل على وجه الحرابة، وأخذ مالا وأنا بالمدينة يومئذ. قلت: أرأيت القوم يشهدون على المحاربين أنهم قد قطعوا الطريق عليهم وقتلوا منهم ناسا وأخذوا أموالهم منهم؟ قال: سألت مالكا عنهم فقال مالك: ومن يشهد على المحاربين إلا الذين قطع عليهم الطريق، قال: نعم، تجوز شهادتهم عليهم فيما شهدوا عليهم إذا كانوا عدولا، من قتل أو أخذ مال أو غير ذلك. قلت: ويعطيهم هذه الأموال التي شهدوا عليها، وأن هؤلاء المحاربين قطعوا عليهم السبيل وأخذوها منهم أيعطيهم مالك هذا المال بشهادتهم؟ قال: نعم في رأيي، إذا شهد بعضهم لبعض، ولا تقبل شهادة أحد في نفسه في مال أخذ منه. قلت: أرأيت المحاربين اللصوص. إذا أخذوا ومعهم الأموال فجاء قوم يدعون تلك الأموال، وليست لهم بينة، قال: سألت مالكا عنها، فقال مالك: أرى الإمام أن يقبل قولهم في أن المال لهم، ولكن لا أرى أن يعجل بدفع ذلك المال إليهم ولكن ليستأن قليلا ولا يطول حتى ينتشر ذلك، فإن لم يجئ لمال طالب سواهم دفعه إليهم وضمنهم، قال: فقلت لمالك: الجميل؟ قال لا، ولكن يشهد عليهم ونضمنهم في أموالهم بغير جميل إن جاء لذلك طالب، قلت أفيستحلفهم في قول مالك؟ قال: لم أسمعه من مالك، وأرى أن يحلفهم، قلت: رأيت القوم يخرجون تجارا

стр. 4641

إلى أرض الحرب فيقطع بعضهم الطريق على بعض، وكلهم مسلمون، إلا أنهم قد قطعوا في دار الحرب على مسلمين مثلهم وذميين دخلوا دار الحرب بأمان؟ قال: قال مالك: في هؤلاء الخناقين الذين يخرجون مع الجيش إلى أرض الحرب فيخنقون الناس على أموالهم في دار الحرب في الطوائف، قال: بلغني عن مالك أنه قال: يقتلون، قلت: والخناق محارب عند مالك؟ قال: نعم، الخناق محارب إذا خنق على أخذ مال.

стр. 4642

في الذين يسقون الناس السيكران قال: وقال مالك وهؤلاء الذين يسقون الناس السيكران إنهم محاربون إذا سقوهم ليسكروا فيأخذوا أموالهم، قال: قال مالك: هم محاربون يقتلون، قلت: هذا يدلني على قول مالك: أن من حارب وحده بغير سلاح أنه محارب، قال: نعم يستدل بهذا. قلت: أرأيت محاربين أخذوا وقد أخذوا أموالا وأخافوا ولم يقتلوا فرأى الإمام أن يقطع أيديهم وأرجلهم ولا يقتلهم، فقطع أيديهم وأرجلهم ولم يقتلهم أيضمنهم المال الذي أخذوا وقد استهلكوه في أموالهم أم لا؟ قال: بلغني عن مالك أنه قال: هو مثل السرقة، وأنهم يضمنون إن كان لهم مال يومئذ، ولا يتبعون به دينا إذا لم يكن لهم مال. قلت: أرأيت من قتل غيلة ورفع إلى قاض من القضاة فرأى أن لا يقتله، وأن يمكن أولياء المقتول منه ففعل فعفوا عنه ثم استقضى غيره فرفع إليه أفترى أن يقتله القاضي الثاني أم لا يقتله؛ لأنه قد حكم به قاض قبله في قول مالك قال: لا أرى أن يقتله؛ لأنه مما اختلف الناس فيه، قال: وقال لي مالك: من دخل على رجل في حريمه على أخذ ماله فهو عندهم بمنزلة المحارب يحكم فيه كما يحكم في المحارب. قلت: أرأيت قوما محاربين شهد عليهم الشهود بالحرابة فقتلهم رجل قبل أن تزكى البينة، وقبل أن يأمر القاضي بقتلهم كيف يصنع مالك بهذا الذي قتلهم، قال: قال مالك: إن زكيت البينة أدب هذا الذي قتلهم ولم يفشل. قلت: أرأيت إن لم تزك البينة وبطلت الشهادة أتقتله؟ قال: نعم في رأي. قلت: أرأيت المحاربين؛ أجهادهم عند مالك جهاد؟ قال: قال مالك: نعم، جهادهم جهاد. قلت: فإن شهدت الشهود بإقراره بالحرابة وهو منكر، أيقيم الإمام عليه الحد حد الحرابة أم لا؟ قال: لا يقام ذلك عليه ويقال. اهـ.

стр. 4643

ب - جاء في الشرح الكبير للدردير على مختصر خليل ما نصه (باب) في الحرابة: وما يتعلق بها من الأحكام وعقبها السرقة لاشتراكها معها في بعض حدودها، وهو مطلق القطع، وليكون المشبه به في قوله الآتي واتبع كالسارق معلوما، وعرف المحارب المشتق من الحرابة فيعلم منه تعريفها بقوله: (المحارب قاطع الطريق لمنع سلوك)؛ علة للقطع، أي من قطعها لأجل عدم الانتفاع بالمرور فيها، ولو لم يقصد أخذ مال السالكين والمراد بالقطع الإخافة لا المنع، وإلا لزم تعليل الشيء بنفسه، وسواء كانت الطريق خارجة عن العمران أو داخلة كالأزقة، أو آخذ بالمد اسم فاعل معطوف على قاطع، (مال مسلم أو غيره) من ذمي ومعاهد ولو لم يبلغ نصابا، (على وجه يتعذر معه الغوث)، أي شأنه تعذر الغوث؛ فإن كان شأنه عدم تعذره فغير محارب بل غاصب، ولو سلطانا وقراءة " آخذ " بالمد اسم فاعل أولى من قراءته مصدر الإفادة أنه محارب، ولو لم يحصل منه قطع طريق فيشمل مسألة سقي السيكران، ومخادعة الصبي أو غيره ليأخذ ما معه وجبابرة أمراء مصر، ونحن وهم يسلبون أموال المسلمين ويمنعونهم أرزاقهم، ويغيرون على بلادهم ولا تتيسر استغاثة منهم بعلماء ولا بغيرهم. ولا يشترط عدد المحارب ولا قصده عموم الناس بل يعد محاربا (وإن انفرد بمدينة) قصد جميع أهلها أم لا (كمسقي السيكران، بضم الكاف، نبت معلوم؛ (لذلك) أي لأجل أخذ المال وأشد منه في تغييب العقل البنج، وأشد منه نبت يسمى الداتورة. والبنج، بفتح الباء الموحدة وسكون النون نبت معروف، والكاف للتمثيل إن قرئ آخذ اسم فاعل، وللتشبيع إن قرئ مصدرا، (ومخادع الصبي) أي المميز، إذ هو الذي يخدع (أو غيره) أي خدعه حتى أدخله مكانا (ليأخذ ما معه)، ولو لم يقتله وقتله من قتل الغيلة، (والداخل) عطف على مسقي أي وكالداخل، (في ليل أو نهار في زقاق أو دار) حال كونه (قاتل) حين الأخذ، (ليأخذ المال)، وأخذه على وجه يتعذر معه الغوث، واحترز بقول قاتل ليأخذ عما لو أخذه ثم علم به فقاتل لينجو به، فلا يكون محاربا بل هو سارق إن علم به خارج الحرز، لا قبله فمختلس إن نجا به. ثم شرع في بيان حد المحارب، وأنه أحد أنواع أربعة كما في الآية بقوله: (فيقاتل بعد المناشدة)، والمناشدة مندوبة كما في الخطاب، ويندب أن تكون ثلاث مرات، يقال له ناشدتك الله ألا ما خليت سبيلنا ونحو ذلك، (إن أمكن)، فإن عاجل بالقتال قوتل بلا مناشدة بالسلاح أو غيره مما فيه هلاكه، فعلم من قوله "يقاتل" أنه يقتل، وهو أحد حدوده الأربع، والقاتل له مأرب المال حال حرابته له، وأما

стр. 4644

الحاكم ولو بعد حرابته إذا قدر عليه قبل توبته كما يأتي، (ثم يصلب فيقتل)، عطف على مقدر، أي فيقتل ثم إلخ، وثم للترتيب الإخباري، ولو قال: أو يصلب إلخ كان أحسن و (أو) في الآية للتخيير، والمعنى أن الإمام مخير بين أن يقتله بلا صلب، أو يصلبه على خشبة ونحوها حيا غير منكوس الرأس، ثم يقتله مصلوبا قبل نزوله على الأرجح، وهذا هو النوع الثاني من أنواع حده، وأشار للثالث بقوله: (أو ينفى) الذكر (الحر) البالغ العاقل (كالزنا) في مسافة البعد كفدك وخيبر من المدينة، ولكنه يسجن هنا حتى تظهر توبته أو يموت، وأما في الزنا فيسجن سنة، فالتشبيه ليس بتام ويكون النفي بعد الضرب باجتهاد الإمام، ولم يذكره المصنف، والقتل مع الصلب والضرب مع النفي ظاهر القرآن خلافه. فلعله أخذ منه من المعنى، وذلك لأن الحرابة أشد من الزنا بدليل أن الحد فيها أشد، والزنا قرن النفي فيه بالجلد، ومجرد صلب بلا قتل ليس فيه كبير ردع المفسدين في الأرض، فعلم أنه لا يضمن قتله بعده، وأشار للرابع بقوله: (أو تقطع يمينه) أي يده اليمنى من الكوع (ورجله اليسرى) من مفصل الكعبين (ولاء) بلا تأخير ولو خيف عليه الموت؛ لأن القتل أحد حدوده، فإن كان مقطوع اليمنى أو أشلها قطعت يده اليسرى ورجله اليمنى؛ ليكون القطع من خلاف، وكذا إن كان أقطع الرجل اليسرى فتقطع يده اليسرى ورجله اليمنى، فإن لم يكن له إلا يد أو رجل قطعت، فإن كان له يدان أو رجلان فقط قطعت اليد اليمنى فقط، أو الرجل اليسرى فقط، وهذه الحدود الأربعة يخير الإمام فيها باعتبار المصلحة في حق الرجال الأحرار، وأما المرأة فلا تصلب ولا تنفى، وإنما حدها القتل أو القطع من خلاف، وأما العبد فحده ثلاثة، وهي ما عدا النفي كما أشار له المصنف - رحمه الله تعالى - بقوله: أو ينفى الحر، (وبالقتل يجب قتله) مجرد أو مع صلب، ولا يجوز قطعه أو نفيه بقتل حر مسلم بل، (ولو بكافر) أو عبد (أو بإعانة) على القتل بمسك أو إشارة بل، ولو يتقوى بجاهه إذ لولا جاهه ما تجرأ القاتل على القتل فجاهه أعانه عليه حكما، (ولو جاء) المحارب القاتل (تائبا) قبل القدرة عليه إذ توبته لا تسقط حقوق الآدميين، (وليس للولي) أي ولي المقتول (العفو) عن القاتل قبل مجيئه تائبا؛ لأن الحق لله، وأما بعد مجيئه تائبا فله العفو؛ لأن قتله حينئذ قصاص لا حراب (وندب) للإمام النظر بالمصلحة، ولا يتعين عليه شيء بخصوصه؛ لأن (أو) في الآية للتخيير، فالأولى (لذي التدبير) من المحاربين (القتل)؛ لأن

стр. 4645

القطع مثلا لا يدفع ضرره، (و) لذي (البطش) إذا لم يقتل أحدا (القطع) من خلاف، (ولغيرهما ولمن وقعت منه) الحرابة (فله) بلا قتل أحد (النفي والضرب) بالاجتهاد، وما ذكره المصنف من الندب هو المذهب، (والتعيين) فما يندب فعله (للإمام لا لمن قطعت، يده ونحوها)، من جرح وأخذ مال فلا كلام له؛ لأن ما يفعله الإمام بالمحارب ليس عن شيء معين، وإنما هو عن جميع ما وقع منه في حرابته من إخافة وأخذ مال وجرح وغير ذلك لا لخصوص ما وقع لهذا الشخص، (وغرم كل) أي كل واحد بانفراده من المحاربين إذا أخذوا شيئا من الأموال (عن الجميع)؛ لأنهم كالحملاء فكل من قدر عليه منهم أخذ بجميع ما أخذه هو وأصحابه (مطلقا)، أي سواء كان ما أخذه أصحابه باقيا أم لا، جاء المحارب تائبا أم لا، نابه بشيء مما نهبوه أم لا، لتقوي بعضهم ببعض؛ فكانوا كالحملاء كما تقدم، ومثلهم البغاة والنصاب واللصوص، (وأتبع) المحارب (كالسارق)، فإن سقط عنه الحد بمجيئه تائبا أغرم مطلقا أيسر أو أعسر، وإن قتل أو قطع أغرم إن أيسر من الأخذ إلى القطع أو القتل فيؤخذ من تركته؛ لأن اليسار المتصل كقيام المال، وإلا فلا غرم والنفي كالقطع على الراجح، وقيل: كسقوط الحد فيغرم فيه مطلقا، (ودفع ما بأيديهم لمن طلبه) أي ادعاءات وصفه كما توصف اللقطة (بعد الاستيناء)، وبعد (اليمين) من الطالب خوف أن يأتي غيره بأثبت مما أتى به، ولا يؤخذ منه حميل، وإنما يدفعه له الإمام ويشهد عليه، فإن جاء غيره بأثبت منه نزعه منه ودفعه لذلك الغير (أو بشهادة رجلين) عدلين (من الرفقة)، وأولى من غيرهم بلا استيناء؛ ولذا أخر البينة عن الاستيناء فتجوز شهادة بعضهم لبعض ما لم يشهد العدل لأبيه أو ابنه أو نحوهما، وأولى لنفسه على أن ما يصدر من الشخص لنفسه لا يسمى شهادة، (وإنما هو دعوى فلا حاجة لقوله: (لأنفسهما) وبقي الرجل والمرأتان أو أحدهما مع يمين الطالب، والظاهر أنه كالعدلين لثبوت الأموال بذلك، فكأنه احترز بالرجلين عن الرجل بلا يمين معه من الطالب. (ولو شهد اثنان عدلان عند الحاكم على رجل اشتهر بالحرابة (أنه) أي هذا الشخص هو (المشهر بها) أي بالحرابة عند الناس (ثبتت) الحرابة بشهادتهما، (وإن لم يعايناها) منه فللإمام قتله بشهادتهما، (وسقط حدها) أي الحرابة دون غيرها كالزنا والقذف والشرب والقتل، (بإتيان الإمام طائعا) قبل القدرة عليه لا إن تاب بعد القدرة عليه، (أو ترك ما هو عليه) من الحرابة، وإن لم يأت الإمام، وإنما عليه غرم ما أخذه مطلقا أيسر أو أعسر بقي ما أخذه أم لا كما قدمه.

стр. 4646

مذهب الشافعية أ - قال الشافعي في الأم (حد قاطع الطريق): قال الشافعي ﵀ قال الله ﵎: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ (١) الآية. قال الشافعي أخبرنا إبراهيم (٢) عن صالح مولى التوأمة (٣) عن ابن عباس في قطاع الطريق: إذا قتلوا وأخذوا المال: قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يصلبوا المال: قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا: قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا هربوا: طلبوا حتى يوجدوا فتقام عليهم الحدود، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا: نفوا من الأرض. (قال الشافعي): وبهذا نقول: وهو موافق معنى كتاب الله ﵎، وذلك أن الحدود إنما نزلت فيمن أسلم، فأما أهل الشرك فلا حدود فيهم إلا القتل أو السباء والجزية، واختلاف حدودهم باختلاف أفعالهم على ما قال ابن عباس ﵄ إن شاء الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (٤) فمن تاب قبل أن يقدر عليه سقط حق الله عنه وأخذ بحقوق بني آدم، ولا يقطع من قطاع الطريق إلا من أخذ قيمة ربع دينار فصاعدا قياسا على السنة في السارق. (قال الشافعي) ﵀: والمحاربون الذين هذه حدودهم: القوم يعرضون بالسلاح للقوم حتى يغصبوهم مجاهرة في الصحاري والطرق، (قال): رأى ذلك في ديار أهل البادية وفي القرى سواء، إن لم يكن من كان في المصر أعظم ذنبا فحدودهم واحدة، فإذا عرض اللصوص لجماعة أو واحد مكابرة بسلاح فاختلف أفعال المعارضين فكان منهم من قتل وأخذ المال، ومنهم من قتل ولم يأخذ مالا، ومنهم من أخذ مالا ولم يقتل، ومنهم من كثر الجماعة وهيب، ومنهم من كان ردا للصوص يتقوون بمكانه، أقيمت عليهم الحدود باختلاف أفعالهم على ما وصفت وينظر إلى من قتل منهم وأخذ مالا، فيقتله ويصلبه وأحب إلي أن يبدأ بقتله قبل صلبه؛ لأن في صلبه وقتله على الخشبة تعذيبا له يشبه المثلة، وقد قال غيري: يصلب ثم يطعن فيقتل، وإذا قتل ولم يأخذ مالا قتل ودفع إلي أوليائه فيدفنوه أو يدفنه غيرهم، ومن أخذ مالا ولم يقتل قطعت يده اليمنى ثم حسمت ثم رجله

стр. 4647

اليسرى، ثم حسمت في مكان واحد وخلي، ومن حضر وكثر وهيب، أو كان ردا يدفع عنهم، عزر وحبس وسواء افترقت أفعالهم كما وصفت في مقام واحد، أو كانت جماعة كابرت ففعلت فعلا واحدا مثل قتل وحده، أو قتل وأخذ مال أو أخذ مال بلا قتل، حد كل واحد منهم حد مثله بقدر فعله، ولو هيبوا ولم يبلغوا قتلا ولا أخذ مال عزروا، ولو هيبوا وجرحوا أقص منهم بما فيه القصاص وعزروا وحبسوا، ولو كان القاتل قتل منهم رجلا وجرح آخر أقص صاحب الجرح منه ثم قتل، وكذلك لو كان أخذ المال وجرح أقص صاحب الجرح ثم قطع لا تمنع حقوق الله حقوق الآدميين في الجراح وغيرها، ولو كانت الجراح مما لا قصاص فيه، وهي عمد فأرشها كلها في مال الجارح يؤخذ دينا من ماله، وإن قتل أو قطع فأراد أهل الجارح عفو الجراح فذلك لهم، وإن أراد أولياء المقتولين عفو دماء من قتلوا لم يكن ذلك بحقن دماء من عفوا عنه، وكان على الإمام أن يقتلهم إذا بلغت جنايتهم القتل، (قال الشافعي) ﵀: وأحفظ عن بعض أهل العلم قبلنا أنه قال: يقتلون، وإن قتلوا عبدا أو ذميا على مال يأخذونه، وهذا مخالف للقتل على غير الغيلة، (قال): ولقوله هذا وجه؛ لأن الله ذكر القتل والصلب فيمن حارب وسعى في الأرض فسادا؛ فيحتمل أن يكون إذا نيل هذا من عبد أو ذمي من المحاربة أو الفساد، ويحتمل أن يكونوا إذا فعلوا ما في مثله القصاص، وإن كنت أراه قد خالف سبيل القصاص في غيره؛ لأن دم القاتل فيه لا يحقن بعفو الولي عنه، ولا يصلحه لو صالح فيه كان الصلح مردودا، وفعل المصالح؛ لأنه حد من حدود الله ليس فيه خبر يلزم فيتبع، ولا إجماع أتبعه، ولا قياس بتفرق فيصح، وإنما أستخير الله فيه.

стр. 4648

الشهادات والإقرار في السرقة وقطع الطريق وغير ذلك (قال الشافعي) ﵀: ولا يقام على سارق ولا محارب حدا إلا بواحد من وجهين: إما شاهدان عدلان يشهدان عليه بما في مثله الحد، وإما باعتراف يثبت عليه حتى يقام عليه الحد، وعلى الإمام أن يقف الشاهدين في السرقة حتى يقولا: سرق فلان، ويثبتاه بعينه وإن لم يثبتاه باسمه ونسبه متاعا لهذا يساوي ربع دينار، وحضر المسروق منه يدعي ما قال الشاهدان، فإن كذب الشاهدين لم يقطع السارق، وإن لم يحضر حبس السارق حتى يحضر

стр. 4649

فيدعي أو يكذب الشاهدين، وإذا ادعى مرة كفى ما لم يرجع بعدها، فإذا لم يعرفا القيمة شهدا على المتاع بعينه أو صفة يثبتانها أنها أكثر ثمنا من ربع دينار، ويقولان: سرق من حرز، ويصفان الحرز، لا يقبل منهما غير صفته؛ لأنه قد يكون عندهما حرزا وليس عند العلماء بحرز، فإذا اجتمع هذا أقيم عليه الحد، وكذلك يشهد الشاهدان على قطاع الطريق بأعيانهم وإن لم يسموا أسماءهم وأنسابهم أنهم عرضوا بالسلاح لهؤلاء أو لهذا بعينه وأخافوه بالسلاح ونالوا منه ثم فعلوا ما فيه حد، فإن شهدوا على أخذ المتاع شهدوا كما يشهد شهود السارق على متاع بعينه أو بقيمته أو بصفته كما وصفت في شهادة السارق ويحضر أهل المتاع وأولياء المقتول، وإن شهد شاهدان من أهل رفقته أن هؤلاء عرضوا لنا فنالونا وأخذوا منا أو من بعضنا لم تجز شهادتهما؛ لأنهما خصمان ويسعهما أن يشهدا أن هؤلاء عرضوا لهؤلاء ففعلوا وفعلوا، ونحن ننظر. وليس على الإمام عندي أن يقفهم فيسألهم هل كنتم فيهم؟ لأن أكثر الشهادة عليهم هكذا، فإن شهدوا أن هؤلاء عرضوا ففعل بعضهم لا يثبت أيهم فعل من أيهم لم يفعل، لم يؤخذوا بهذه الشهادة حتى يثبت الفعل على فاعل بعينه، وكذلك السرقة. (قال الشافعي) ﵀: ولا يجوز في الحدود شهادة النساء، ولا يقبل في السرقة ولا قطع الطريق أقل من شاهدين، ولا يقبل فيه شاهد ويمين، وكذلك حتى يبينوا الجارح والقاتل وأخذ المتاع بأعيانهم، فإن لم يوجد شاهدان فجاء رب السرقة بشاهد حلف مع شاهده وأخذ سرقته بعينها أو قيمتها يوم سرقت إن فاتت؛ لأن هذا مال يستحقه، ولم يقطع السارق وإن جاء بشاهد وامرأتين أخذ سرقته بعينها أو قيمتها يوم سرقها، فإن هذا مال، وتجوز شهادة النساء فيه، ولا يختلف، وهكذا يفعل من طلب قطاع الطريق بكل مال أخذوه، وإن طلب جرحا يقتص منه وجاء بشاهد لم يقسم في الجراح، وأحلف المدعى عليه وبرئ، وإن طلب جرحا لا قصاص فيه وجاء بشاهد أحلف مع شاهده وأخذ الأرش، وإن جاء بشاهد على سرقته من حرز أو غير حرز أحلف مع شاهده وأخذ السرقة أو قيمتها إن لم توجد، ولا يقطع أحد بشاهد ويمين، ولا يقتص منه من جرح ولا بشاهد وامرأتين، وإن أقر السارق بالسرقة، ووصفها وقيمتها، وكانت مما يقطع به قطع. (قال الربيع): يقطع إلا أن يرجع فلا يقطع، وتؤخذ منه قيمة السلعة التي أتلف على ما أقر به أولا، (قال الشافعي) ﵀: وقاطع الطريق كذلك، ولو أقر بقتل فلان وجرح فلان وأخذ مال فلان أو بعض ذلك فيكفي كل واحد منهما الإقرار مرة، ويلزم

стр. 4650

كل واحد منهما ما أقر به على ما أقر به فيحدان معا حدهما، ويقتص ممن عليه القصاص منهما، ويغرم كل واحد منهما ما يلزمه كما يفعل به لو قامت به عليه بينة عادلة، فإن أقرا بما وصفت ثم رجعا قبل أن يقام عليهما الحد لم يقم عليهما حد القطع ولا القتل ولا الصلب بقطع الطريق، ولزمهما حقوق الناس وأغرم السارق قيمة ما سرق، وأغرم قاطع الطريق قيمة ما أقر أنه أخذ لأصحابه، وإن كان في إقراره أنه قتل فلانا دفع إلى وليه، فإن شاء قتله، وإن شاء أخذ منه الدية، وإن شاء عفا عنه؛ لأنه ليس بالحد يقتل، إنما يقتل باعتراف قد رجع عنه، ولو ثبت على الاعتراف قتل، ولم يحقن دمه عفو الولي عنه، وإن كان أقر بجرح، وكان يقتص منه اقتص منه، وإن كان لا يقتص منه أخذ أرشه من ماله، ولو قال: أصبته بذلك الجرح خطأ أخذ من ماله، لا تعقل عاقلته عنه اعترافا، ولو قطعت بعض يد السارق بالإقرار ثم رجع كف عن قطع ما بقي من يده، إلا أن يأمر هو بها على أنه لا يصلحه إلا ذلك، فإن شاء من أمره قطعه، وإن شاء فلا، هو حينئذ يقطع على العيب، ولو قطعت يد المعترف بقطع الطريق ثم رجع لم تقطع رجله إذا كان لا يقام عليه إلا باعترافه، إلا أن تثبت بينة عليه فسواء تقدم رجوعه أو تأخر، أو وجد المانع للحد خوفا منه أو لم يجده، وتؤخذ منهما حقوق الناس كما وصفت قبل هذه المسألة. (قال الشافعي) ذكر الله ﵎ حد استتابة المحارب فقال : ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (١) فمن أخاف في المحاربة الطريق وفعل فيها ما وصفت من قتل أو جرح وأخذ مال أو بعضه، فاختلف أصحابنا فيه فقال بعضهم: كل ما كان لله من حد يسقط فلا يقطع، وكل ما كان للآدميين لم يبطل يجرح بالجرح، ويؤخذ منه أرشه إن لم يكن فيه قصاص، ويؤخذ منه قيمة ما أخذ، وإن قتل دفع إلى أولياء القتيل، فإن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا عفوا ولا يصلب، وإن عفا جاز العفو؛ لأنه إنما يصير قصاصا لا حدا، وبهذا أقول، وقال بعضهم: يسقط عنه ما لله وللناس كله إلا أن يوجد عنده متاع رجل بعينه فيدفعه إليه. (قال الشافعي) والله أعلم السارق مثله قياسا عليه، فيسقط عنه القطع، ويؤخذ بغرم ما سرق، وإن فات ما سرق.

стр. 4651

ب - وقال مؤلف نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ما نصه: (باب قاطع الطريق) أي أحكامهم، وقطعه هو البروز لأخذ مال أو لقتل أو إرهاب مكابرة اعتمادا على الشوكة مع البعد عن الغوث كما سيأتي، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١) الآية، قال جمهور العلماء: إنما نزلت في قطاع الطريق لا في الكفار، واحتجوا له بقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (٢) الآية، إذ المراد التوبة عن قطع الطريق، ولو كان المراد الكفار لكانت توبتهم بإسلامهم، وهو دافع للعقوبة قبل القدرة وبعدها، (هو مسلم) لا حربي لعدم التزامه أحكامنا، ولا معاهد ومؤمن، أما الذمي فيثبت له حكم قطع الطريق كما قاله ابن المنذر في الإشراف، وصرح به الشافعي، قال الزركشي: وهو قضية إطلاق الأصحاب فإنهم لم يشرطوا الإسلام. اهـ. ويمكن أن يقال: إنه مخصوص بغير الذمي، أو أن جميع أحكام قطاع الطريق لا تتأتى فيهم، أو أنه خرج بقوله مسلم الكافر، وفيه تفصيل، وهو أنه إن كان ذميا ثبت له حكم قطع الطريق، أو حربيا أو معاهدا أو مؤمنا فلا، والمفهوم إذا كان فيه تفصيل لا يرد (مكلف) أو سكران يختار، ولو قلنا: وامرأة فلا عقوبة على صبي ومجنون ومكره، وإن ضمنوا النفس والمال (له شوكة) أي قوة وقدرة، ولو واحدا يغلب جمعا، وقد تعرض للنفس أو البضع أو المال مجاهرا، (لا مختلسون يتعرضون لآخر قافلة يعتمدون الهرب)؛ لانتفاء الشوكة فحكمهم قودا أو ضمانا كغيرهم، والفرق عسر دفع ذي الشوكة بغير السلطان فغلظت عقوبته ردعا له، بخلاف نحو المختلس. (والذين يغلبون شرذمة بقوتهم قطاع في حقهم) لاعتمادهم على الشوكة بالنسبة إليهم، (لا لقافلة عظيمة)، إذ لا قوة لهم بالنسبة إليهم، فالشوكة أمر نسبي فلو فقدت بالنسبة لجمع يقاومونهم لكن استسلموا لهم حتى أخذوهم، لم يكونوا قطاعا وإن كانوا ضامنين لما أخذوه؛ لأن ما فعلوه لا يصدر عن شوكتهم بل عن تفريط القافلة، (وحيث يلحق غوث) لو استغاثوا (ليسوا بقطاع) بل منتهبون (وفقد الغوث يكون للبعد) عن العمران أو السلطان (أو الضعف) بأهل العمران أو بالسلطان أو بغيرهما، كأن دخل جمع دارا وشهروا السلاح ومنعوا أهلها من الاستغاثة، فهم قطاع في حقهم، وإن كان السلطان موجودا قويا (وقد يغلبون والحالة هذه) أي وقد ضعف السلطان أو

стр. 4652

بعد هو وأعوانه (في بلد) لعدم من يقاومهم من أهلها (فهم قطاع) كالذين بالصحراء، وأولى لعظم جراءتهم. ولو علم الإمام قوما يخيفون الطريق أو واحدا ولم يأخذوا مالا أي نصابا (ولا) قتلوا نفسا عزرهم وجوبا ما لم ير في تركه مصلحة، كما يؤاخذ من باب التعزير (بحبس وغيره) ردعا لهم عن هذه الأمور الفظيعة. وقد فسر النفي في الآية بالحبس، ومن ثم كان أولى من غيره، فلا يتعين وله جمع غيره معه كما اقتضاه كلام المصنف، ويرجع في قدره وقدر غيره وجنسه لرأي الإمام، ولا يتعين الحبس كما هو ظاهر ولا يتقدر بمدة، والأولى استدامته إلى ظهور توبته، وأن يكون بغير بلده وأفهم قوله علم أن له الحكم بعلمه هنا نظرا لحق الآدمي. (وإذا أخذ القاطع نصاب السرقة)، ولو لجمع اشتركوا فيه واتحد حرزه وتعتبر قيمة محل الأخذ بفرض أن لا قطاع، ثم إن كان محل بيع، وإلا فأقرب محل بيع إليه من حرزه كأن يكون معه أو بقربه ملاحظ بشرطه المار من قوته أو قدرته على الاستغاثة، قاله الماوردي. لا يقال القوة والقدرة تمنع قطع الطريق لما مر أنه حيث لحق غوث لو استغيث لم يكونوا قطاعا؛ لأنا نمنع ذلك؛ إذ القوة والقدرة بالنسبة للحرز غيرهما بالنسبة لقطع الطريق؛ لأنه لا بد فيه من خصوص الشوكة ونحوها كما علم مما مر بخلاف الحرز يكفي فيه مبالاة السارق به عرفا، وإن لم يقاوم السارق من غير شبهة مع بقية شروطها المارة، ويثبت ذلك برجلين لا بغيرهما إلا بالنسبة للمال وطلب المالك نظير ما مر في السرقة (قطعت يده اليمين) للمال كالسرقة (ورجله اليسرى) للمحاربة كما قاله العمراني، وجزم به ابن المقري تبعا للروضة بعد ذلك، ومع ذلك هو حد واحد، وخولف بينهما لئلا تفوت المنفعة كلها من جانب واحد، ولو فقدت إحداهما ولو قبل أخذ المال ولو لشللها وعدم أمن نزف الدم اكتفي بالأخرى، ولو عكس ذلك بأن قطع الإمام يده اليمنى. ورجله اليمنى فقد تعدى ولزمه القود في رجله إن تعمد وإلا فديتها، ولا يسقط قطع رجله اليسرى، ولو قطع يده اليسرى ورجله اليمنى فقد أساء، ولا يضمن وأجزاه والفرق أن قطعهما من خلاف نص يوجب مخالفته الضمان، وتقديم اليمنى على اليسرى اجتهاد يسقط بمخالفة الضمان. ذكره الماوردي والروياني، وتوقف الأذرعي في إيجاب القود وعدم الإجزاء في الحالة الأولى. قال الزركشي: وقضية الفرق أنه لو قطع في السرقة يده اليسرى في المرة الأولى عامدا أجزأ؛ لأن تقديم اليمنى عليها بالاجتهاد

стр. 4653

أي وليس كذلك كما مر، وأجيب بعدم تسليم أن تقديم اليمنى تم بالاجتهاد بل بالنص، لما مر أنه قرئ شاذا "فاقطعوا أيمانهما"، وأن القراءة الشاذة كخبر الواحد. وينبغي كما قاله الأذرعي مجيء ما مر في السرقة هنا من توقف القطع على طلب المالك، وعلى عدم دعوى التملك ونحوه من المسقطات، فقد قال البلقيني: إنه القياس، وفي الأم ما يقتضيه ولا بد من انتفاء الشبهة كما في التنبيه، ويحسم موضع القطع كما في السارق، ويجوز أن تحسم اليد ثم تقطع الرجل، وأن يقطعا جميعا ثم يحسما، فإن فقدتا قبل الأخذ أو عاد ثانيا بعد قطعهما إلى أخذ المال فيسراه ويمناه يقطعان للآية، (وإن قتل) قتلا يوجب القود ولو بسراية جرح مات منه بعد أيام قبل الظفر به والتوبة، قتل حتما؛ لأن المحاربة تفيد زيادة ولا زيادة هنا إلا التحتم فلا يسقط بعفو مستحق القود، ويستوفيه الإمام؛ لأنه حقه تعالى. قال البندنيجي: وإنما يتحتم، إن قتل لأخذ المال واعتمده البلقيني وهو الأوجه، (وإن قتل) قتلا يوجب القود (وأخذ مالا) يقطع به في السرقة، كما دل عليه كلامهما، وإن نازع فيه البلقيني قتل بلا قطع ثم غسل كفن وصلي عليه، ثم صلب مكفنا معترضا على نحو خشبة، ولا يقدم الصلب على القتل لكونه زيادة تعذيب ثلاثا من الأيام بلياليها وجوبا، ولا تجوز الزيادة عليها ليشتهر الحال ويتم النكال، وحذف التاء لحذف المعدود سائغ، ثم ينزل إن لم يخف تغيره قبلها وإلا أنزل حينئذ. قال الأذرعي: وكان المراد بالتغير هنا الانفجار ونحوه، وإلا فمتى حبست جيفة الميت ثلاثا حصل النتن والتغير غالبا، وقيل: يبقى وجوبا حتى يتهرى ويسيل صديده تغليظا عليه. ومحل قتله وصلبه محل محاربته إلا أن لا يكون محل مرور الناس فأقرب محل إليه. وظاهر أن هذا مندوب لا واجب، وفي قول يصلب حيا قليلا ثم ينزل فيقتل؛ لأن الصلب عقوبة فيفعل به حيا، واعتراض قوله قليلا بأنه زيادة لم تحك عن هذا القول، فإن أريد به ثلاثة أيام كان أحد أوجه ثلاثة مفرعة على هذا القول لا أنه من جملته. ويجاب: بأن من حفظ حجة على من لم يحفظ، فإذا حفظا أن قليلا من جملة هذا القول قدما، ثم الذي يتجه أن المراد به أدنى زمن ينزجر به عرفا غيره. وافهم ترتيبه الصلب على القتل أنه يسقط بموته حتف أنفه، وبقتله بغير هذه الجهة كقود في غير المحاربة؛ إذ التابع يسقط بسقوط متبوعه، وبما تقرر فسر ابن عباس ﵄ الآية فإنه جعل (أو) فيها للتنويع لا للتخيير، حيث قال: المعنى أن يقتلوا إن قتلوا أو يصلبوا مع ذلك إن قتلوا وأخذوا المال، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن أخذوه فقط،

стр. 4654

أو ينفوا من الأرض إن أرعبوا ولم يأخذوه، وهذا منه إما توقيف وهو الأقرب أو لغة، وكل منهما من مثله حجة؛ لأنه ترجمان القرآن؛ ولأن الله تعالى بدأ فيه بالأغلظ فكان مرتبا ككفارة الظهار، ولو أريد التخيير لبدأ بالأخف ككفارة اليمين، ومن أعانهم وكثر جمعهم مقتصرا على ذلك عزر بحبس وتغريب وغيرهما كبقية المعاصي، وتعبير أصله (بأو) لا ينافي كلام المصنف؛ إذ المرجع إلى رأي الإمام نظير ما مر فيمن أخافوا الطريق، (وقيل: يتعين التغريب إلى حيث يراه) الإمام وما تقتضيه المصلحة، وقيل: القاطع المتحتم يغلب فيه معنى القصاص، إذ الأصل في اجتماع حقه تعالى. وحق الآدمي تغليب الثاني لكونه مبنيا على التضييق، وفي قول الحد لعدم صحة العفو عنه، ويستقل الإمام باستيفائه، فعلى الأول تلزمه الكفارة ولا يقتل بولده وإن سفل، وذمي وقن للأصالة أو لعدم الكفاءة، بل تلزمه الدية أو القيمة، وعلى الأول أيضا لو مات القاطع بلا قطع فدية للمقتول في ماله إن كان حرا، وإلا فقيمته، وعليه أيضا لو قتل جمعا معا، قتل بواحد وللباقين ديات، فإن قتلهم مرتبا قتل بالأول، وعليه أيضا لو عفا وليه بمال وجب وسقط القصاص، ويقتل حدا كما لو وجب قتل على مرتد فعفا عنه وليه، وعليه أيضا لو قتل بمثقل أو بقطع عضو فعل به مثله) رعاية للمماثلة كما مر في فصل القود، وإن نازع فيه البلقيني بأنه يقتل بالسيف على القولين، وقال: إن النص يقتضيه ويختص التحتم بالقتل والصلب دون غيرهما، فحينئذ لو جرح جرحا فيه قود كقطع يد فاندمل أو قتله عقبه لم يتحتم قصاص فيه في ذلك الجرح في الأظهر، بل يتخير المجروح بين القود والعفو على مال أو غيره؛ لأن التحتم تغليظ لحقه تعالى فاختص بالنفس كالكفارة. أما إذا سرى إلى النفس فيتحتم القتل كما مر، والثاني يتحتم كالقتل، والثالث في اليدين والرجلين للشروع فيها القطع حدا دون غيرهما كالأذن والأنف والعين، وتسقط عقوبات تخص القاطع من تحتم وصلب وقطع رجل وكذا يد، كما شمل ذلك كلامه؛ لأن المختص به القاطع اجتماع قطعهما فهما عقوبة واحدة إذا سقط بعضها سقط كلها بتوبته عن قطع الطريق قبل القدرة عليه؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ (١) الآية، والمراد بما قبل القدرة أن لا تمتد إليهم يد الإمام بهرب أو استخفاء أو امتناع، بخلاف ما لا تخصه كالقود وضمان المال لا بعدها، وإن صلح عمله على المذهب لمفهوم الآية، وإلا لم يكن لقبل فيها فائدة، والفرق أنه قبلها غير متهم فيها بخلافه بعدها لاتهامه بدفع الحد. ولو ادعى

стр. 4655

بعد الظفر سبق توبة وظهرت أمارة صدقه فوجهان: أوجههما: عدم تصديقه لاتهامه ما لم تقم بها بينة، وقيل في كل منهما قولان، ولا تسقط سائر الحدود المختصة بالله تعالى كحد زنا وسرقة وشرب مسكر بها أي بالتوبة قبل الرفع وبعده، ولو في قاطع الطريق في الأظهر؛ لأنه ﷺ حد من ظهرت توبته، بل من أخبر عنها بها بعد قتلها. والثاني تسقط بها قياسا على حد قاطع الطريق، وانتصر له جمع، نعم؛ تارك الصلاة يسقط حده بها عليهما ولا يسقط بها عن ذمي بإسلامه كما مر، ومحل الخلاف في الظاهر، أما فيما بينه وبين الله تعالى فحيث صحت توبته سقط بها سائر الحدود قطعا ومن حد في الدنيا لم يعاقب عليه. اهـ.

стр. 4656

مذهب الحنابلة قال ابن قدامة ﵀ في المغني ما نصه (كتاب قطاع الطريق) الأصل في حكمهم قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (١) وهذه الآية في قول ابن عباس وكثير من العلماء نزلت في قطاع الطريق من المسلمين، وبه يقول مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، وحكي عن ابن عمر أنه قال: نزلت هذه الآية في المرتدين، وحكي ذلك عن الحسن وعطاء وعبد الكريم؛ لأن سبب نزولها قصة العرنيين، وكانوا ارتدوا عن الإسلام وقتلوا الرعاة فاستاقوا إبل الصدقة؛ فبعث النبي ﷺ من جاء بهم فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وألقاهم في الحرة حتى ماتوا، قال أنس: فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾ (٢) الآية، أخرجه أبو داود والنسائي، ولأن محاربة الله ورسوله إنما تكون من الكفار لا من المسلمين. ولنا قول الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (٣) والكفار تقبل توبتهم بعد القدرة كما تقبل قبلها، ويسقط عنهم القتل والقطع في كل حال، والمحاربة قد تكون من المسلمين بدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤) ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٥).

стр. 4657

مسألة: قال: (المحاربون الذين يعرضون للقوم بالسلاح في الصحراء فيغصبونهم المال مجاهرة). وجملته أن المحاربين الذين تثبت لهم أحكام المحاربة التي نذكرها بعد تعتبر لهم شروط ثلاثة: (أحدها): أن يكون ذلك في الصحراء، فإن كان ذلك منهم في القرى والأمصار فقد توقف أحمد ﵀ فيهم، وظاهر كلام الخرقي أنهم غير محاربين، وبه قال أبو حنيفة والثوري وإسحاق؛ لأن الواجب يسمى حد قطاع الطريق وقطع الطريق إنما هو في الصحراء؛ ولأن من في المصر يلحق به الغوث غالبا؛ فتذهب شوكة المعتدين ويكونون مختلسين، والمختلس ليس بقاطع ولا حد عليه، وقال كثير من أصحابنا: هو قاطع حيث كان، وبه قال الأوزاعي والليث والشافعي وأبو يوسف وأبو ثور لتناول الآية بعمومها كل محارب؛ ولأن ذلك إذا وجد في المصر كان أعظم خوفا وأكثر ضررا فكان بذلك أولى. يشترط في المحاربين أن يكون معهم سلاح وأن يأتوا مجاهرة. . . إلخ. وذكر القاضي أن هذا إن كان في المصر مثل أن كبسوا دارا، فكان أهل الدار بحيث لو صاحوا أدركهم الغوث، فليس هؤلاء بقطاع طريق؛ لأنهم في موضع يلحقهم الغوث عادة، وإن حصروا قرية أو بلدا ففتحوه وغلبوا على أهله أو محلة منفردة بحيث لا يدركهم الغوث عادة فهم محاربون؛ لأنهم لا يلحقهم الغوث، فأشبه قطاع الطريق في الصحراء. (الشرط الثاني) أن يكون معهم سلاح، فإن لم يكن معهم سلاح فهم غير محاربين؛ لأنهم لا يمنعون من يقصدهم، ولا نعلم في هذا خلافا، فإن عرضوا بالعصي والحجارة فهم محاربون، وبه قال الشافعي وأبو ثور، وقال أبو حنيفة ليسوا محاربين؛ لأنه لا سلاح معهم. ولنا أن ذلك من جملة السلاح الذي يأتي على النفس والطرف فأشبه الحديد. (الشرط الثالث) أن يأتوا مجاهرة ويأخذوا المال قهرا، فأما إن أخذوه مختفين فهم سراق، وإن اختطفوه وهربوا فهم منتهبون لا قطع عليهم، وكذلك إن خرج الواحد والاثنان على آخر قافلة فاستلبوا منها شيئا فليسوا بمحاربين؛ لأنهم لا راجعون إلى منعة

стр. 4658

وقوة، وإن خرجوا على عدد يسير فقهروهم فهم قطاع طريق. مسألة - قال: (فمن قتل منهم وأخذ المال قتل وإن عفا صاحب المال، وصلب حتى يشتهر ودفع إلى أهله، ومن قتل منهم ولم يأخذ المال قتل ولم يصلب، وإن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى في مقام واحد ثم حسمتا وخلي). روينا نحو هذا عن ابن عباس وبه قال قتادة ومجلز وحماد والليث والشافعي وإسحاق، وعن أحمد أنه إذا قتل وأخذ المال قتل وقطع؛ لأن كل واحدة من الجنايتين توجب حدا منفردا فإذا اجتمعا وجب حدهما معا كما لو زنى وسرق، وذهبت طائفة إلى أن الإمام مخير فيهم بين القتل والصلب، والقطع والنفي؛ لأن (أو) تقتضي التخيير كقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (١)، وهذا قول سعيد بن المسيب، وعطاء ومجاهد والحسن والضحاك والنخعي وأبي الزناد وأبى ثور وأبي داود، وروي عن ابن عباس ما كان في القرآن (أو) فصاحبه بالخيار، وقال أصحاب الرأي: إن قتل قتل، وإن أخذ المال قطع، وإن قتل وأخذ المال فالإمام مخير بين قتله وصلبه، وبين قتله وقطعه، وبين أن يجمع له ذلك كله؛ لأنه قد وجد منه ما يوجب القتل والقطع فكان للإمام فعلهما كما لو قتل وقطع في غير قطع طريق، وقال مالك: إذا قطع الطريق فرآه الإمام جلدا ذا رأي قتله، وإن كان جلدا لا رأي له قطعه ولم يعتبر فعله. ولنا على أنه لا يقتل إذا لم يقتل قول النبي ﷺ : «ولا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير حق (٢)»، فأما (أو) فقد قال ابن عباس مثل قولنا، فإما أن يكون توقيفا أو لغة وأيهما كان فهو حجة يدل عليه أنه بدأ بالأغلظ فالأغلظ، وعرف القرآن فيما أريد به التخيير البداءة بالأخف ككفارة اليمين، وما أريد به الترتيب بدئ فيه بالأغلظ فالأغلظ ككفارة الظهار والقتل، ويدل عليه أيضا أن العقوبات تختلف باختلاف الإجرام؛ ولذلك اختلف حكم الزاني والقاذف

стр. 4659

والسارق، وقد سووا بينهم مع اختلاف جناياتهم، وهذا يرد على مالك فإنه إنما اعتبر الجلد والرأي دون الجنايات، وهو مخالف للأصول التي ذكرناها. وأما قول أبي حنيفة فلا يصح؛ لأن القتل لو وجب لحق الله تعالى لم يخير الإمام فيه كقطع السارق، وكما لو انفرد بأخذ المال، ولأن الحدود لله تعالى إذا كان فيها قتل سقط ما دونه كما لو سرق وزنى وهو محصن. وقد روي عن ابن عباس قال: «وادع رسول الله ﷺ أبا برزة الأسلمي فجاء ناس يريدون الإسلام فقطع عليهم أصحابه فنزل جبريل ﵇ بالحد فيهم: أن من قتل وأخذ المال قتل وصلب، ومن قتل ولم يأخذ المال قتل، ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف»، وقيل: إنه رواه أبو داود وهذا كالمسند، وهو نص، فإذا ثبت هذا فإن قاطع الطريق لا يخلو من أحوال خمس: (الأول) إذا قتل وأخذ المال فإنه يقتل ويصلب في ظاهر المذهب، وقتله متحتم لا يدخله عفو. أجمع على هذا كل أهل العلم، قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من تحفظ عنه من أهل العلم. روي ذلك عن عمر، وبه قال سليمان بن موسى والزهري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي؛ ولأنه حد من حدود الله تعالى فلم يسقط بالعفو كسائر الحدود. وهل يعتبر التكافؤ بين القاتل والمقتول، فيه روايتان: (إحداهما): لا يعتبر بل يؤخذ الحر بالعبد، والمسلم بالذمي، والأب بالابن؛ لأن هذا القتل حد الله تعالى فلا تعتبر فيه المكافأة كالزنا والسرقة. (والثانية): تعتبر المكافأة لقول النبي ﷺ : «لا يقتل مسلم بكافر (١)»، والحد فيه انحتامه بدليل أنه لو تاب قبل القدرة عليه سقط الانحتام ولم يسقط القصاص، فعلى هذه الرواية إذا قتل المسلم ذميا أو الحر عبدا أو أخذ ماله قطعت يده ورجله من خلاف لأخذه المال، وغرم دية الذمي وقيمة العبد، وإن قتله ولم يأخذ مالا غرم ديته ونفي، وذكر القاضي أنه إنما يتحتم قتله إذا قتله ليأخذ المال، وإن قتله لغير ذلك مثل أن يقصد لعداوة بينهما، فالواجب قصاص غير متحتم، وإذا قتل صلب لقول الله تعالى: ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ (٢) والكلام فيه في ثلاثة أمور:. (أحدهما): في وقته، ووقته بعد القتل، وبهذا قال الشافعي، وقال الأوزاعي ومالك والليث وأبو حنيفة وأبو يوسف: يصلب حيا ثم يقتل مصلوبا يطعن بالحربة؛ لأن الصلب عقوبة، وإنما يعاقب الحي لا الميت، ولأنه جزاء على المحاربة فيشرع في

стр. 4660

الحياة كسائر الأجزية، ولأن الصلب بعد قتله يمنع تكفينه ودفنه فلا يجوز. ولنا أن الله تعالى قدم القتل على الصلب لفظا، والترتيب بينهما ثابت بغير خلاف؛ فيجب تقديم الأول في اللفظ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (١)، ولأن القتل إذا أطلق في لسان الشرع كان قتلا بالسيف، ولهذا قال النبي ﷺ : «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة (٢)»، وأحسن القتل، هو القتل بالسيف، وفي صلبه حيا تعذيب له، وقد نهى النبي ﷺ عن تعذيب الحيوان، وقولهم: إنه جزاء على المحاربة، قلنا: لو شرع لردعه لسقط بقتله كما يسقط سائر الحدود مع القتل، وإنما شرع الصلب ردعا لغيره ليشتهر أمره، وهذا يحصل بصلبه بعد قتله، وقولهم: يمنع تكفينه ودفنه، قلنا: هذا لازم لهم؛ لأنهم يتركونه بعد قتله مصلوبا. (الثاني): في قدره ولا توقيت فيه إلا قدر ما يشتهر أمره، قال أبو بكر: لم يوقت أحمد في الصلب، فأقول يصلب قدر ما يقع عليه الاسم، والصحيح توقيته بما ذكر الخرقي من الشهرة؛ لأن المقصود يحصل به، وقال الشافعي: يصلب ثلاثا، وهو مذهب أبي حنيفة، وهذا توقيت بغير توقيف، فلا يجوز مع أنه في الظاهر يقضي إلى تغيره ونتنه وأذى المسلمين برائحته ونظره، ويمنع تغسيله وتكفينه ودفنه فلا يجوز بغير دليل. (الثالث): في وجوبه وهذا واجب حتم في حق من قتل وأخذ المال لا يسقط بعفو ولا غيره، وقال أصحاب الرأي: إن شاء الإمام صلب، وإن شتاء لم يصلب. ولنا حديث ابن عباس أن جبريل نزل بأن من قتل وأخذ المال صلب؛ ولأنه شرع حدا فلم يتخير بين فعله وتركه كالقتل وسائر الحدود، إذا ثبت هذا فإنه إذا اشتهر أنزل ودفع إلى أهله فيغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن. (فصل) وإن مات قبل قتله لم يصلب؛ لأن الصلب من تمام الحد، وقد فات الحد بموته فيسقط ما هو من تتمته، وإن قتل في المحاربة بمثقل قتل، كما لو قتل بمحدد؛ لأنهما سواء في وجوب القصاص بهما، وإن قتل بآلة لا يجب القصاص بالقتل بها كالسوط والعصا والحجر الصغير، فظاهر كلام الخرقي أنهم يقتلون أيضا؛ لأنهم دخلوا في العموم.
следующие страницы →