← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

فالأمر بالانتشار في الأرض قرنه سبحانه بالفريضة التي هي عماد الدين، وفتح الأنظار للاتجاه إليه والأخذ كمقوم للحياة ترتكز عليه، وجاء في الحديث: «ما أكل أحد طعاما خيرا له من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده (١)»، وفي حديث آخر يقول رسول الله ﷺ لفقير جاء يطلب مددا من المال: «لئن يحتزم أحدكم حزمة من حطب فيحملها على ظهره فيبيعها خير له من أن يسأل رجلا يعطيه أو يمنعه (٢)». هذه مقدمة وضعناها بين يدي بحث اليوم لنركز في الأذهان أن الربا تبطل وقعود عن الكسب المشروع، واستمراء لحياة رتيبة لا نصب فيها ولا كد ولا عناء أو جهد، بل يعيش صاحبها على حساب الآخرين يأكل كسبهم ويمتص نشاطهم، ويجعلهم كالأجراء يعملون له، وليتهم يأخذون أجرا على عملهم، وإنما يأكلون من فتات المائدة لو فضل من المائدة فتات، وسوف نسير - إن شاء الله - في كتابة هذا البحث على المخطط الذي رسمناه له على ضوء الكتاب والسنة، فنبدأ أولا بتعريف الربا لغة وشرعا، (٢) الربا في آي الكتاب العزيز، (٣) الربا في السنة، (٤) حكم الربا في الإسلام، ويشتمل هذا المبحث على: - أ - مضار الربا. ب - تحريم الربا. ج - أنواع الربا وحكم كل نوع. د - وسائل القضاء على الربا ويتفرع عنه ما يأتي: ١ - القرض الحسن. ٢ - الحض على التعاون لصالح الفرد والمجتمع، وهذا التعاون يترجم عنه التعاون الصناعي والتعاون الزراعي التعاون الاجتماعي. ٣ - خطر الربا الاستهلاكي والإنتاجي. ٤ - خاتمة.

стр. 4762

تعريف الربا لغة وشرعا أما التعريف اللغوي فهو: الزيادة على الشيء ومنه (أربى فلان على فلان) إذا زاد عليه (وربا الشيء) إذا زاد على ما كان عليه فعظم (فهو يربو ربوا)، وإنما قيل للرابية (رابية) لزيادتها في العظم والإشراف على ما استوى من الأرض مما حولها من قولهم (ربا يربو)، ومن ذلك قيل (فلان في رباوة قومه) يراد أنه في رفعة وشرف منهم فأصل الربا الأناقة والزيادة، ثم يقال: (أربى فلان) أي أناف ماله حين صيره زائدا وإنما قيل للمربي (مرب) لتضعيفه المال الذي كان له على غريمه حالا أو لزيادته عليه السبب الأجل الذي يؤخره إليه فيزيده إلى أجله الذي كان له قبل حل دينه عليه ولذلك قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ (١). وأما تعريف الربا في الشرع فيقع على معان لم يكن الاسم موضوعا لها في اللغة، ويدل عليه أن النبي ﷺ سمى النسء ربا في حديث أسامة بن زيد فقال: «إنما الربا في النسيئة (٢)»، وقال عمر بن الخطاب إن آية الربا من آخر ما نزل من القرآن وإن النبي ﷺ قبض قبل أن يبينه لنا فدعوا الربا والريبة. فثبت بذلك أن الربا قد صار اسما شرعيا لأنه لو كان باقيا على حكمه في أصل اللغة لما خفي على عمر؛ لأنه كان عالما بأسماء اللغة؛ ولأنه من أهلها ويدل عليه أن العرب لم تكن تعرف بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة نسء ربا، وهو ربا في الشرع وإذا كان ذلك على ما وصفنا صار بمنزلة سائر الأسماء المجملة المفتقرة إلى البيان وهي الأسماء المنقولة من اللغة إلى الشرع لمعان لم يكن الإسلام موضوعا لها في اللغة نحو الصلاة والصوم والزكاة فهو مفتقر إلى البيان ولا يصح الاستدلال بعمومه في تحريم شيء من العقود إلا فيما قامت دلالته أنه مسمى في الشرع بذلك (٣).

стр. 4763

مبحث الربا في الكتاب العزيز ننتقل بعد هذا البسط في مدلول الربا لغة وشرعا إلى إيراد الآيات القرآنية التي جاء فيها ذكر الربا موضحا قال تعالى في سورة البقرة ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١) ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (٢) ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٣) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤) ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (٥) ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٦) ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (٧). تفسير الآيات يقول الحافظ ابن كثير - يرحمه الله-: " لما ذكر تعالى الأبرار المؤدين للنفقات المخرجين للزكوات المتفضلين بالبر والصدقات لذوي الحاجات والقرابات في جميع الأحوال والأوقات شرع في ذكر أكلة الربا وأموال الناس بالباطل وأنواع الشبهات فأخبر عنهم يوم خروجهم من قبورهم وقيامهم منها إلى بعثهم ونشورهم فقال: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (٨) أي لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه، وتخبط الشيطان له، وذلك أنه يقوم قياما منكرا. وقال ابن عباس: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا يخنق. رواه ابن أبي حاتم، ونقل- أي ابن كثير - عن بعض مفسري السلف نحو هذا المعنى، ثم استمر يرحمه الله في نقل الروايات عن مفسري السلف في أن قيامهم على الوضع المذكور يكون يوم القيامة ونقل

стр. 4764

عن ابن جرير بالسند إلى ابن عباس ﵄ قال: يقال يوم القيامة لآكل الربا خذ سلاحك للحرب وقرأ ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ (١) الآية وذلك حين يقوم من قبره (٢)، وجاء في "فتح القدير" عند تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ (٣) قوله: اختصاص هذا الوعيد بمن يأكله بل هو عام لكل من يعامل بالربا فيأخذه ويعطيه وإنما خص الأكل لزيادة التشنيع على فاعله ولكونه هو الغرض الأهم فإن آخذ الربا إنما أخذه للأكل، وقوله: ﴿لَا يَقُومُونَ﴾ (٤) أي يوم القيامة كما يدل عليه قراءة ابن مسعود وبهذا فسره جمهور المفسرين قالوا: إنه يبعث كالمجنون عقوبة له وتمقيتا عند أهل المحشر، وقيل: المراد تشبيه من يحرص في تجارته فيجمع ماله من الربا بقيام المجنون لأن الحرص والطمع والرغبة في الجمع قد استفزته حتى صار شبيها في حركته بالمجنون كما يقال لمن يسرع في مشية ويضطرب في حركاتها: إنه قد جن، ومنه قول الأعشى: وتصبح من غب السرى وكأنها ... ألم بها من طائف الجن أولق فجعلها - أي ناقته - بسرعة مشيها ونشاطها كالمجنون، وقوله: ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ﴾ (٥) أي إلا قياما كقيام الذي يتخبطه، والخبط: الضرب بغير استواء كخبط العشواء وهو المصروع، والمس: الجنون، والأمس: المجنون، وكذلك الأولق وهو متعلق بقوله يقومون أي لا يقومون من المس الذي بهم ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ﴾ (٦) أو متعلق بيقوم، وفي الآية دليل على فساد قول من قال: إن الصرع لا يكون من جهة الجن وزعم أنه من فعل الطبائع، وقال: إن الآية خارجة على ما كانت العرب تزعمه من أن الشيطان يصرع الإنسان وليس بصحيح وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان ولا يكون منه مس وقد استعاذ النبي ﷺ من أن يتخبطه الشيطان. كما أخرجه النسائي وغيره قوله ذلك إشارة إلى ما ذكر من مبالغة بجعلهم الربا أصلا والبيع فرعا، أي: إنما البيع بلا زيادة عند حلول الأجل كالبيع بزيادة عند حلوله، فإن العرب كانت لا تعرف ربا إلا ذلك فرد الله عليهم بقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٧) أي أن الله أحل البيع وحرم نوعا من أنواعه وهو البيع المشتمل على الربا. والبيع

стр. 4765

مصدر باع يبيع أي دفع عوضا وأخذ معوضا، والجملة بيانية لا محل لها من الإعراب، قوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ (١) أي: من بلغته موعظة من الله من المواعظ التي تشتمل عليها الأوامر والنواهي ومنها ما وقع هنا من النهي عن الربا فانتهى أي: فامتثل النهي الذي جاءه وانزجر عن المنهي عنه، وهو معطوف، أي: قوله: فانتهى على قوله: جاءه وقوله: من ربه متعلق بقوله: (جاءه) أو بمحذوف وقع صفة لموعظة، أي كائنة من من ربه فله ما سلف أي ما تقدم منه من الربا لا يؤاخذ به لأنه فعله قبل أن يبلغه تحريم الربا أو قبل أن تنزل آية تحريم الربا، وقوله: ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) قيل: الضمير عائد إلى الربا، أي: وأمر الربا إلى الله في تحريمه على عباده واستمراره ذلك التحريم، وقيل الضمير يرجع إلى المرابي، أي: أمر من عاد بالربا إلى الله في تثبيته على الانتهاء أو الرجوع إلى المعصية ومن عاد إلى أكل الربا والمعاملة به ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٣) والإشارة إلى من عاد، وجمع أصحاب باعتبار معنى من، وقيل إن معنى من عاد هو أن يعود إلى القول ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ (٤) وأنه يكفر بذلك فيستحق الخلود، وعلى التقدير الأول يكون الخلود مستعارا على معنى المبالغة، كما تقول العرب: ملك خالد [أي: طويل البقاء]، والمصير إلى هذا التأويل واجب للأحاديث المتواترة القاضية بخروج الموحدين من النار قوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ (٥) أي يذهب بركته في الدنيا، وإن كان كثيرا فلا يبقى بيد صاحبه. وقيل: يمحق بركته في الآخرة، قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٦) قوله: اتقوا قوا أنفسكم من عقابه واتركوا البقايا التي بقيت لكم من الربا، وظاهره أنه أبطل من الربا ما لم يكن مقبوضا، قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٧) قيل: هو شرط مجازي على جهة المبالغة، وقيل: إن إن في هذه الآية بمعنى (إذ) قال ابن عطية: وهو مردود لا يعرف في اللغة، والظاهر أن المعنى: إن كنتم مؤمنين على الحقيقة فإن ذلك يستلزم امتثال أوامر الله ونواهيه، قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ (٨) يعني ما أمرتم به من الاتقاء وترك ما بقي من الربا ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٩) أي فاعلموا بها، من أذن بالشيء إذا علم به، وقيل هو من الأذن بالشيء وهو الاستماع لأنه من طريق العلم، وقرأ أبو بكر عن عاصم وحمزة فأذنوا على معنى فأعلموا غيركم أنكم على حربهم، وقد دلت هذه الآية على أن أكل الربا والعمل به من الكبائر ولا خلاف في ذلك، وتنكير الحرب للتعظيم وزادها تعظيما نسبتها إلى اسم الله

стр. 4766

الأعظم وإلى رسوله الذي هو أشرف خليقته، قوله فإن تبتم أي من الربا ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ (١) تأخذونها ﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾ (٢) غرماءكم بأخذ الزيادة ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (٣) أنتم من قبلهم بالمطل والنقص، والجملة حالية أو استثنائية وفي هذا دليل على أن أموالهم مع عدم التوبة حلال لمن أخذها من الأئمة ونحوهم ممن ينوب عنهم، قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ (٤) لما حكم سبحانه لأهل الربا برءوس أموالهم عند الواجدين للمال حكم في ذوي العسرة بالنظرة إلى يسار، [والعسرة] ضيق الحال من جهة عدم المال، ومنه جيش العسرة، [والنظرة] التأخير، [والميسرة] مصدر بمعنى اليسر وارتفع ذو بكان التامة بمعنى وجد، واستمر في شرحه لرفع ذو ثم أورد رواية للمعتمر عن حجاج الوراق قال في مصحف عثمان: "إن كان ذا عسرة" قال النحاس ومكي والنقاش وعلي: هذا يختص لفظ الآية بأهل الربا، وعلى من قرأ ذو فهي عامة في جميع من عليه دين وإليه ذهب الجمهور. قوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ (٥) بحذف إحدى التاءين، وقرئ بتشديد الصاد أي: وأن تصدقوا على معسر غرمائكم بالإبراء خير لكم، وفيه الترغيب لهم بأن يتصدقوا برءوس أموالهم على من أعسر وجعل ذلك خيرا من الإنظار قاله السدي. ونقل ابن جرير الطبري في تفسيره أن المراد: التصدق برءوس أموالكم على الغني والفقير منهم قال: (وأولى التأويلين بالصواب تأويل من قال: معناه وأن تصدقوا على المعسر برءوس أموالكم خير لكم لأنه يلي ذكر حكمه في المعنيين وإلحاقه بالذي يليه أحب إلي من إلحاقه بالذي بعد منه) (٦). قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٧) جوابه محذوف أي إن كنتم تعلمون أنه خير لكم عملتم به، قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾ (٨) هو يوم القيامة، وتنكيره للتهويل، وهو منصوب على أنه مفعول به لا ظرف، قوله ﴿تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ (٩) وصف له، وذهب قوم إلى أن هذا اليوم المذكور هو يوم الموت وذهب الجمهور إلى أنه يوم القيامة كما تقدم قوله إلى الله وفيه مضاف محذوف تقديره إلى حكم الله ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ (١٠) من النفوس المكلفة ما كسبت أي: جزاء ما عملت من خير أو شر وجملة ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (١١) حالية، وجمع الضمير لأنه أنسب بحال الجزاء، كما أن الإفراد أنسب بحال الكسب،

стр. 4767

وهذه الآية فيها الموعظة الحسنة لجميع الناس، وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ (١) قال: نزلت في العباس بن عبد المطلب ورجل من بني المغيرة كانا شريكين في الجاهلية يسلفان الربا إلى ناس من ثقيف فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا. فأنزل الله هذه الآية، وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: كانت ثقيف قد صالحت النبي ﷺ على أن ما لهم من ربا على الناس وما كان للناس عليهم من ربا فهو موضوع، فلما كان الفتح استعمل عتاب بن أسيد على مكة، وكانت بنو عمرو بن عوف يأخذون الربا من بني المغيرة وكان بنو المغيرة يربون لهم في الجاهلية، فجاء الإسلام ولهم عليهم مال كثير فأتاهم بنو عمرو يطلبون رباهم فأبى بنو المغيرة أن يعطوهم في الإسلام ورفعوا ذلك إلى عتاب بن أسيد فكتب عتاب إلى رسول الله ﷺ فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ (٢) فكتب بها رسول الله ﷺ إلى عتاب وقال: إن رضوا وإلا فآذنهم بحرب، وبسند ابن جرير وغيره عن ابن عباس في قوله: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾ (٣) قال: من كان مقيما على الربا لا ينزع منه فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع وإلا ضرب عنقه، وأخرجوا أيضا عنه في قوله: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾ (٤) قال: استيقنوا بحرب، وأخرج أهل السنن وغيرهم عن عمرو الأحوص أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله ﷺ فقال: «ألا وإن كل ربا في الجاهلية موضوع، لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، وأول ربا موضوع ربا العباس (٥)». وأخرج ابن منده عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في ربيعة بن عمرو وأصحابه ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ (٦) وبالسند عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ (٧) قال: نزلت في الربا، وأخرج عبد الرزاق بالسند عن ابن جريج عن الضحاك في الآية قال: وكذلك كل دين على مسلم، وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير نحوه وقد وردت أحاديث صحيحة في الصحيحين وغيرهما في الترغيب لمن له دين على معسر أن ينظره، وبالسند عن ابن عباس قال: آخر آية نزلت من القرآن ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ (٨) وعن ابن عباس أيضا كان بين نزولها وبين موت النبي ﷺ إحدى وثمانون يوما، وعن سعيد بن جبير أنه عاش النبي ﷺ بعد نزولها تسع ليال (٩) اهـ.

стр. 4768

خلاصة التفسير تلخص من مجموع ما أوردناه في تفسير الآيات ما يأتي: ١ - المراد بأكل الربا جميع التصرفات وعبر عن ذلك بالأكل لأنه الغرض الرئيسي وغيره من الأغراض تبع له. ٢ - تشبيه المرابي بالمصروع لأن المصروع يتخبط في سيره فينهض ويسقط وكذلك آكل الربا يوم القيامة. ٣ - تشبيه البيع بالربا مبالغة في جعل الربا أصلا في الحل والبيع فرعا والعكس هو الصحيح. ٤ - المحقق يشمل ما يأتي: أ - المحق بالكلية بحيث يذهب المال من يد المرابي دون أن ينتفع به. ب - محق بركة المال مهما كثر فإن عاقبته إلى قل. ٥ - إسدال الستر على ما سبق من تعاطي الربا قبل تحريمه فلا يلحق المرء تبعته. ٦ - الترغيب في بذل الصدقات للوعد الكريم بتنمية الله لها. ٧ - الوعيد الشديد لمن يزاول تعاطي الربا بعد التحريم. ٨ - للمرابي أن يأخذ رأس ماله ويدع الزيادة عليه. ٩ - الترغيب في إنظار المعسر أو إبراء ذمته من الدين. ١٠ - توجيه الأنظار ليوم القيامة والتذكير بالوقفة فيه أمام رب العزة للحساب والجزاء على الأعمال.

стр. 4769

(مبحث الربا في السنة النبوية) قوام الدين وعماده والمصدر الذي يؤخذ منه التشريع كتاب الله وسنة رسوله محمد ﷺ وقد عرضنا فيما تقدم من هذا المبحث للآيات التي ورد فيها ذكر الربا وتحريمه

стр. 4770

والوعيد عليه ونردف ذلك بما ورد في السنة النبوية في موضوع الربا ولن نستعرض كل الأحاديث الواردة في ذلك وإنما نكتفي منها بما يلي: ١ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «اجتنبوا السبع الموبقات قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات (١)» رواه البخاري ومسلم. الشرح قوله (اجتنبوا) أي: أبعدوا وهو أبلغ من قوله دعوا واتركوا لأن النهي عن القربان أبلغ كقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ (٢) قوله: الموبقات أي: المهلكات وسميت هذه موبقات لأنها تهلك فاعلها في الدنيا بما يترتب عليها من العقوبات وفي الآخرة من العذاب، وفي حديث ابن عمر عند البخاري في الأدب المفرد والطبري في التفسير وعبد الرزاق مرفوعا وموقوفا قال: «الكبائر تسع وذكر السبعة المذكورة وزاد والإلحاد في الحرم وعقوق الوالدين (٣)» إلى آخر ما أفاض فيه شارح الحديث في تعداد الكبائر، قوله: (الشرك بالله) هو أن يجعل لله ندا يدعوه ويرجوه ويخافه كما يخاف الله. بدأ به لأنه أعظم ذنب عصي الله به في الأرض كما في الصحيحين عن ابن مسعود «سألت النبي ﷺ أي الذنب أعظم عند الله قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك (٤)» الحديث، وأخرجه الترمذي بسنده عن صفوان بن عسال ثم أورد الحديث بتمامه وقال: صحيح. قوله: (السحر) السحر في اللغة عبارة عما خفي ولطف سببه، وقال في الكافي: السحر عزائم ورقى يؤثر في القلوب والأبدان إلى آخر ما أفاض فيه الشارح يرحمه الله، قوله: (وقتل النفس التي حرم الله) أي حرم الله قتلها وهي نفس المسلم المعصوم. (إلا بالحق) أي: بأن تفعل ما يوجب قتلها، قوله: (وأكل الربا) تناوله بأي وجه كان كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (٥) الآيات من سورة البقرة، قال ابن دقيق العيد: وهو مجرب لسوء الخاتمة نعوذ بالله من ذلك وأكل مال اليتيم يعني التعدي فيه وعبر بالأكل لأنه أعم وجوه الانتفاع، قوله: (والتولي يوم

стр. 4771

الزحف) أي الإدبار عن الكفار وقت التحام القتال، وإنما يكون كبيرة إذا فر إلى غير فئة أو غير متحرف لقتال كما قيد به في الآية (١٥) في سورة الأنفال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ (١) وقوله: (وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) أي: المحفوظات من الزنا والمراد الحرائر العفيفات (٢). ٢ - حديث عبد الله بن مسعود ﵁ «أن النبي ﷺ لعن آكل الربا ومؤكله وشاهديه وكاتبه (٣)» رواه الخمسة وصححه الترمذي غير أن لفظ النسائي: «آكل الربا ومؤكله وشاهديه وكاتبه إذا علموا ذلك ملعونون على لسان محمد ﷺ يوم القيامة (٤)». ٣ - عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة قال: قال رسول الله ﷺ : «درهم من ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية (٥)» رواه أحمد. الشرح حديث ابن مسعود أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم وصححاه وأخرجه مسلم من حديث جابر بلفظ «أن رسول الله ﷺ لعن آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه (٦)» وقال: هم سواء. وفي الباب عن علي ﵁ عند النسائي وعن أبي جحفة، وحديث عبد الله بن حنظلة أخرجه أيضا الطبراني في الأوسط والكبير قال في مجمع الزوائد: ورجال أحمد رجال الصحيح، ويشهد له حديث البراء عند ابن جرير بلفظ: «الربا اثنان وستون بابا أدناها مثل إتيان الرجل أمه (٧)» وهو حديث صحيح، وحديث أبي هريرة عند البيهقي بلفظ: «الربا ثلاثة وسبعون بابا أدناها مثل أن ينكح الرجل أمه (٨)»، وأخرج ابن جرير نحوه، وكذلك أخرج عنه نحوه ابن أبي الدنيا وحديث عبد الله بن مسعود عند الحاكم وصححه بلفظ: «الربا ثلاثة وسبعون بابا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه وأن أربى الربا عرض الرجل المسلم (٩)» وهو حديث صحيح، وقوله (آكل الربا) ومؤكله بسكون الهمزة بعد الميم ويجوز إبدالها واوا أي: ولعن مطعمه غيره، وسمي آخذ المال آكلا، ودافعه مؤكلا؛ لأن المقصود منه

стр. 4772

الأكل وهو أعظم منافعه وسببه إتلاف أكثر الأشياء. قوله: (وشاهديه) رواية أبي داود بالإفراد والبيهقي وشاهديه أو شاهده، قوله: (وكاتبه) دليل على تحريم كتابة الربا إذا علم ذلك، وكذلك الشاهد لا يحرم عليه الشهادة إلا مع العلم، فأما من كتب أو شهد غير عالم فلا يدخل في الوعيد، قوله: (أشد من ست وثلاثين. . . إلخ) يدل على أن معصية الربا من أشد المعاصي لأن المعصية التي تعدل معصية الزنا التي هي في غاية الفظاعة والشناعة بمقدار العدد المذكور بل أشد منها لا شك أنها قد تجاوزت الحد في القبح، وأقبح منها استطالة الرجل في عرض أخيه المسلم ولهذا جعله الشارع أربى الربا. فالرجل يتكلم بالكلمة التي لا يجد لها لذة ولا تزيد في ماله ولا جاهه فيكون إثمه عند الله أشد من إثم من زنى ستا وثلاثين زنية هذا ما لا يصنعه بنفسه عاقل (١). ٤ - حديث سمرة بن جندب الطويل نجتزئ منه بما يلي: قال: «كان رسول الله ﷺ إذا صلى الغداة أقبل علينا بوجهه فقال: هل رأى منكم أحد الليلة رؤيا فإن كان أحد رأى فيها رؤيا قصها عليه فيقول فيها ما شاء الله، فسألنا يوما هل رأى أحد منكم رؤيا فقلنا: لا، قال: ولكني رأيت الليلة رجلين أتياني فأخذا بيدي فأخرجاني إلى أرض مستوية أو فضاء، فمررنا برجل جالس ورجل قائم على رأسه وبيده كلوب من حديد يدخله في شدقه فيشقه حتى يبلغ فاه ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك ويلتئم شدقه هذا فيعود فيه فيصنع به مثل ذلك، قال: قلت ما هذا؟ قالا: انطلق، واستمر الرسول ﷺ في سرد رؤيته إلى أن قال: فانطلقنا حتى نأتي على نهر من دم فيه رجل قائم وعلى شط النهر رجل قائم بين يديه حجارة فأقبل ذلك الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن يخرج منه رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فرده حيث كان، فقلت لهما: ما هذا؟ قالا: انطلق (٢)». الحديث أخرجه البخاري نعرض بعد هذا للإيضاح عن الفقرات التي وردت في هذا الحديث عن الملكين: قالا: أما الرجل الذي رأيت يشق شدقه فإنه رجل كذاب يتحدث بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فهو يصنع به ما ترى إلى يوم القيامة، وأما الرجل الذي رأيته يشدخ رأسه فإن ذلك رجل علمه الله القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل بما فيه بالنهار فهو

стр. 4773

يعمل به ما رأيت إلى يوم القيامة، وأما الذي رأيت في نهر الدم فذاك آكل الربا وهذه الفقرة هي المقصودة من إيراد هذا الحديث (١). وعلق الإمام الذهبي في كتابه الكبائر على هذا الحديث أو على الفقرة التي جاء فيها الوعيد لآكل الربا بقوله. . . " إن آكل الربا يعذب من حين يموت إلى يوم القيامة بالسباحة في النهر الأحمر الذي هو مثل الدم ويلقم بالحجارة وهو المال الحرام الذي كان جمعه في الدنيا يكلف المشقة فيه ويلقم حجارة من نار كما ابتلع الحرام في الدنيا، هذا العذاب له في البرزخ قبل يوم القيامة مع لعنة الله له كما في حديث أبي أمامة بسند ضعيف جدا أن رسول الله ﷺ قال: «أربع حق على الله أن لا يدخلهم الجنة ولا يذيقهم نعيمها: مدمن الخمر، وآكل الربا، وآكل مال اليتيم بغير حق، والعاق لوالديه إلا أن يتوبوا (٢)» أخرجه الحاكم وأبو الشيخ والمقدسي في المختارة، وقد ورد أن أكلة الربا يحشرون في صور الكلاب والخنازير من أجل حيلهم على أكل الربا كما مسخ أصحاب السبت حين تحيلوا على إخراج الحيتان التي نهاهم الله عن اصطيادها يوم السبت فحفروا لها حياضا تقع فيها يوم السبت، فيأخذونها يوم الأحد. فلما فعلوا ذلك مسخهم الله قردة وخنازير، وهكذا الذين يتحيلون على الربا بأنواع الحيل فإن الله لا تخفى عليه حيل المحتالين (٣). اهـ. وحسبنا الأحاديث التي أوردناها عن الربا وبشاعته وعقوبة المرابين، ننتقل بعد ذلك إلى:

стр. 4774

مبحث حكم الربا في الإسلام وقد تقدم من آي الكتاب العزيز، والسنة النبوية ما يشعر ويوجب تحريم الربا مما لا يدع مجالا للتردد في ذلك أو التأويل ولم يحرم الإسلام شيئا إلا لحكمة واضحة أو منفعة تعود على العباد وتبعا لتحريمه حرم الوسائل المفضية إليه سدا للذريعة، فمثلا: حرم بيع العينة بكسر العين وفتح النون وهي: أن تباع سلعة بثمن معلوم إلى أجل ثم يشتريها البائع من المشتري بأقل ليبقى الكثير في ذمته، وسميت عينة لحصول العين أي النقد فيها؛ ولأنه يعود إلى

стр. 4775

البائع عين ماله، واستدل لتحريم بيع العينة بالحديث الذي رواه أبو داود عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى تراجعوا دينكم (١)». ففي هذا الحديث دليل على تحريم هذا البيع، وذهب إليه مالك وأحمد وبعض الشافعية قالوا: لما فيه من تفويت مقصد الشارع من المنع عن الربا وسد الذرائع، قال القرطبي: لأن بعض صور هذا البيع تؤدي إلى بيع التمر بالتمر متفاضلا ويكون الثمن لغوا (٢). اهـ. نعود إلى الحديث آنف الذكر «إذا تبايعتم بالعينة (٣)» الحديث. لنكشف عن صحته وهل عليه مأخذ من حيث سنده يهبط به عن درجة الصحة. يقول الشيخ محمد ناصر الدين الألباني حفظه الله في كتابه (سلسلة الأحاديث الصحيحة): " هو حديث صحيح لمجموع طرقه وقد وقفت على ثلاث منها كلها عن ابن عمر ﵁ مرفوعا، الأولى: عن إسحاق أبي عبد الرحمن أن عطاء الخراساني حدثه أن نافعا حدثه عن ابن عمر قال: فذكره- أي الحديث - إلى أن قال- أي الشيخ الألباني -: روي ذلك من وجهين عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر يشير بذلك إلى تقوية الحديث، وقد وقفت على أحد الوجهين المشار إليهما وهو الطريق الثانية: عن أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر أخرجه أحمد، الثالثة: عن شهر بن حوشب عن ابن عمر رواه أحمد. ثم وجدنا له شاهدا من رواية بشير بن زياد الخراساني حدثنا ابن جريج عن عطاء عن جابر سمعت رسول الله ﷺ فذكره- أي الحديث، أخرجه ابن عدي في ترجمة بشير هذا من (الكامل) وهو غير معروف، في حديثه بعض النكارة، وقال الذهبي ولم يترك (٤). وجاء في (معالم السنن) توجيه الخطابي لوجهة نظر المحرمين للعينة، قال المحرمون للعينة: الدليل على تحريمها من وجوه، أحدها: أن الله تعالى حرم الربا والعينة وسيلة إليه بل هي من أقرب وسائله، والوسيلة إلى الحرام حرام، فهنا مقامان أحدهما: بيان كونها وسيلة، والثاني: بيان الوسيلة إلى الحرام حرام، فأما الأول فيشهد له النقل والعرف والنية

стр. 4776

والقصد وحال المتعاقدين ثم أورد جملة أحاديث تصور البيع بالعينة إلى أن قال: وأما شهادة العرف بذلك فأظهر من أن تحتاج إلى تقرير بل قد علم الله وعباده من المتبايعين قصدهما أنهما لم يعقدا على السلعة عقدا يقصدان به تملكها، ولا غرض لهما فيها بحال وإنما الغرض والمقصود بالقصد الأول، مائة بمائة وعشرين وإدخال تلك السلعة في الوسط تلبيس وعبث، وهي بمنزلة الحرف الذي لا معنى له في نفسه بل جيء به لمعنى في غيره، حتى لو كانت تلك السلعة تساوي أضعاف ذلك الثمن أو تساوي أقل جزء من أجزائه لم يبالوا بجعلها موردا للعقد لأنهم لا غرض لهم فيها، وأهل العرف لا يكابرون أنفسهم في هذا. وأما النية والقصد فالأجنبي المشاهد لهما يقطع بأنه لا غرض لهما في السلعة وإنما القصد الأول مائة بمائة وعشرين فضلا عن علم المتعاقدين ونيتهما، ولهذا يتواطأ كثير منهم على ذلك قبل العقد ثم يحضران تلك السلعة محلالا لما حرم الله ورسوله. وأما المقام الثاني وهو أن الوسيلة إلى الحرام حرام، فبانت بالكتاب والسنة والفطرة والمعقول، فإن الله سبحانه مسخ اليهود قردة وخنازير لما توسلوا إلى الصيد الحرام بالوسيلة التي ظنوها مباحة، وسمى أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون مثل ذلك مخادعة كما تقدم، وقال أيوب السختياني: يخادعون الله كما يخادعون الصبيان، لو أتوا الأمر على وجهه كان أسهل. والرجوع إلى الصحابة في معاني الألفاظ متعين سواء كانت لغوية أو شرعية والخداع حرام، وأيضا فإن هذا العقد يتضمن إظهار صورة مباحة وإضمار ما هو أكبر من الكبائر فلا تنقلب الكبيرة مباحة بإخراجها في صورة البيع الذي لم يقصد نقل الملك فيه أصلا. وإنما قصده حقيقة الربا. وأيضا فإن الطريق متى أفضت إلى الحرام فإن الشريعة لا تأتي بأختها أصلا؛ لأن إباحتها وتحريم الغاية جمع بين النقيضين، فلا يتصور أن يباح شيء ويحرم ما يفضي إليه، بل لا بد من تحريمهما أو إباحتهما. والثاني باطل قطعا فتعين الأول، وأيضا فإن الشارع إنما حرم الربا لأن فيه أعظم الفساد والضرر فلا يتصور مع هذا أن يبيح هذا الفساد العظيم بأيسر شيء يكون من الحيل (١) اهـ.

стр. 4777

ولشيخ الإسلام ابن تيمية - يرحمه الله - جملة فتاوى في مسألة بيع العينة منها: أنه سئل عن رجل طلب من إنسان ألف درهم إلى سنة بألف ومائتي درهم فباعه فرسا أو قماشا بألف درهم واشتراه منه بألف ومائتي درهم إلى أجل معلوم. فأجاب: لا يحل له بذلك بل هو ربا باتفاق الصحابة والعلماء، كما دلت على ذلك سنة رسول الله ﷺ . سئل ابن عباس ﵁ عن رجل باع حريرة تم ابتاعها لأجل زيادة درهم فقال: دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة، وسئل عن ذلك أنس بن مالك فقال: هذا مما حرم الله ورسوله. وقالت عائشة لأم ولد زيد بن أرقم في نحو ذلك: بئس ما شريت وبئس ما اشتريت، أخبري زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب. فمتى كان المقصود المتعامل دراهم بدراهم إلى أجل، فإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى. فسواء باع المعطى الأجل أو باع الأجل المعطى ثم استعاد السلعة، وفي السنن عن النبي ﷺ أنه قال: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا (١)»، وفيه أيضا: «إذا تبايعتم بالعينة واتبعتم أذناب البقر وتركتم الجهاد في سبيل الله أرسل الله عليكم ذلا لا يرفعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم (٢)» وهذا كله بيع العينة وهو بيعتان في بيعة، وقال ﷺ : «لا يحل سلف وبيع ولا سلف ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك (٣)» قال الترمذي: حديث صحيح، فحرم ﷺ أن يبيع الرجل شيئا ويقرضه مع ذلك فإنه يحابيه في البيع لأجل القرض حتى ينفعه فهو ربا. وهذه الأحاديث وغيرها تبين أن ما تواطأ عليه الرجلان بما يقصدان به دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل فإنه ربا، سواء كان يبيع ثم يبتاع أو يبيع ويقرض وما أشبه ذلك، والله أعلم (٤).

стр. 4778

الخلاصة اتضح مما أوردناه من آي الكتاب العزيز وتفسيرها والسنة النبوية وشروحها وأقوال الصحابة والتابعين: اتضح تحريم الربا في الإسلام والوسائل المفضية إليه فتلخص من ذلك ما يأتي: ١ - النهي عن تعاطي الربا بكل الألوان والوسائل. ٢ - إنه من الموبقات أي المهلكات. ٣ - إنه من كبائر الذنوب. ٤ - لعن آكل الربا ومؤكله وكل من تعاون عليه بكتابة أو شهادة. ٥ - معصية أكل الربا تجاوزت الحد في القبح لأنها تعدل معصية الزنا. ٦ - آكل الربا كما جاء في حديث سمرة وتعليق صاحب شرح السنة: يعذب في البرزخ بالسباحة في النهر الأحمر، ويلقم بحجارة من نار، وعليه اللعنة ثم الحيلولة بينه وبين دخول الجنة. ٧ - حرمة عرض المسلم وتحريم الاستطالة فيه. ٨ - أكلة الربا يحشرون في صورة الكلاب والخنازير من أجل تحيلهم على أكله. ٩ - من وسائل التحيل لآكل الربا بيع العينة. ١٠ - الوعيد الوارد على التبايع بالعينة. ١١ - الوسيلة للحرام محرمة. ١٢ - تحريم الربا وإباحة الوسيلة الموصلة إليه هو جمع بين النقيضين وذلك لا يقره الإسلام. ١٣ - لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما لم يكن تحت تصرف البائع.

стр. 4779

١٤ - ما تواطأ عليه البائع والمشتري بما يقصدان به دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل فإنه ربا، سواء كان يبيع ثم يبتاع أو يبيع ويقرض وأمثال ذلك.

стр. 4780

مضار الربا وحكمة تحريمه قلت في مقدمة هذا البحث: إن الإسلام دين العمل وبقدر ما يعمل المسلم يأخذ، أما التبطل والقعود عن الكسب المشروع اتكالا على مجهود الغير أو اعتدادا بغنيمة باردة تصل إليه فليس ذلك من دين الإسلام بل هو مناقض لما جاء به الإسلام. ومن ثم نجد المدخل لمضار الربا فهو تبطل يعيش المتعاطي له على حساب الغير؛ يأكل كسبهم ويمتص نشاطهم إلى آخر ما سطرته في المقدمة، بالإضافة إلى أنه يسبب العداء بين أفراد المجتمع. ودين الإسلام دين التراحم والتعاطف والمساواة لا يقر الهامل الذي يعيش كالمتطفل على كدح غيره، يستمرئ حياة الدعة ليأكل الربا غنيمة باردة دون عناء وجهد في الكسب، ولذلك أباح الله البيع وحرم الربا؛ للفارق العظيم بين البيع والربا، فالبيع: كد وجهد مبذول ولقمة يأكلها البائع من عرق الجبين، بخلاف المرابي فإنه تتضخم ثروته وينمو ماله بالغنيمة الباردة التي يستبزها من الفقير المحتاج. وهنالك خسارة قد تحيق بالمرابي دون أن يحسب لها حسابا ألا وهي هبوط الأسعار والديون التي أثقل بها نفسه وأخذها بفائدة ليوسع بها تجارته قد ينجم عنه الإفلاس، فهو مضطر إذا حان أجل التسديد أن يبيع السلعة برأس مالها حتى يأتي على كل السلع التي تحت يديه والتي كانت قوام تجارته ويغدو صفر اليدين، بل قد تلجئه الحاجة إلى أن يتكفف الناس أو يركن إلى الاستدانة، وذلك ما تترجم عنه الآية الكريمة: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ (١) والحديث النبوي الشريف: «الربا وإن كثر فإن عاقبته إلى قل (٢)» أو كما قال رسول الله ﷺ . وذكر بعض العلماء المعاصرين عن مضار الربا أنه وسيلة للاستعمار وشقائه فقد ثبت أن الغزو الاقتصادي القائم على المعاملات الربوية كان التمهيد الفعال للاحتلال العسكري الذي سقطت أكثر دول الشرق تحت رحمته، فقد اقترضت الحكومات الشرقية بالربا وفتحت أبواب البلاد للمرابين الأجانب فما هي إلا سنوات معدودة حتى تسربت

стр. 4781

الثروة من أيدي المواطنين إلى هؤلاء الأجانب حتى إذا أفاقت الحكومات وأرادت الذود عن نفسها وأموالها استعدى هؤلاء الأجانب عليها دولهم فدخلت باسم حماية رعاياها، ثم تغلغلت هي كذلك فوضعت يدها مستثمرة مرافق البلاد، ولهذا لعن رسول الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء (١). أما حكمة تحريم الربا فتشمل الجانب الاقتصادي والأخلاقي والاجتماعي، وتفصيل ذلك ملخصا فيما جاء في تفسير الفخر الرازي وهي كما يلي: ١ - إن الربا يقتضي أخذ مال الإنسان من غير عوض؛ لأن من يبيع الدرهم بالدرهمين يحصل له زيادة درهم من غير عوض. ومال الإنسان متعلق بحاجته وله حرمة عظيمة كما جاء في الحديث: «حرمة مال المسلم كحرمة دمه (٢)» فوجب أن يكون أخذ ماله من غير عوض محرما. ٢ - إن الاعتماد على الربا يمنع الناس عن الاشتغال بالمكاسب، وذلك لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بواسطة عقد الربا من تحصيل الدرهم الزائد نقدا كان أو نسيئة خف عليه اكتساب وجه المعيشة، فلا يكاد يتحمل مشقة الكسب والصناعات الشاقة والتجارة وذلك يفضي إلى انقطاع منافع الخلق. ومن المعلوم أن مصالح العالم لا تنتظم إلا بالتجارات والحرف والصناعات والعمارات، وهذا هو الجانب الاقتصادي. ٣ - إنه يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض؛ لأن الربا إذا حرم طابت النفوس بقرض الدراهم واسترجاع مثله. ولو حل الربا لكانت حاجة المحتاج تحمله على أخذ الدرهم بدرهمين فيفضي ذلك إلى انقطاع المواساة والمعروف والإحسان، وهذا هو الجانب الأخلاقي. ٤ - إن الغالب أن المقرض يكون غنيا والمستقرض يكون فقيرا، فالقول بتجويز عقد الربا تمكين من يأخذ من الفقير الضعيف مالا زائدا وذلك غير جائز برحمة الرحيم وهذا هو الجانب الاجتماعي. ومعنى هذا أن الربا فيه اعتصار الضعيف لمصلحة القوي ونتيجته أن يزداد الغني غنى والفقير فقرا مما يفضي إلى تضخم طبقة من المجتمع على حساب طبقة

стр. 4782

أو طبقات أخرى مما يخلق الأحقاد والضغائن ويورث نار الصراع بين المجتمع بعضه ببعض، ويؤدي إلى الثورات المتطرفة والمبادئ الهدامة، كما أثبت التاريخ القريب خطر الربا والمرابين على السياسة والحكم والأمن المحلي والدول جميعا (١).

стр. 4783

أنوع الربا وحكم كل نوع الشح: خلة وضعة وهوان تزري بصاحبها وتجعله نشازا في مجتمعه، يجمع المال ويشح بإنفاقه حتى على مصالح نفسه. وعلى العكس منه البذل بسخاء خاصة في وجوه البر والخير وإغاثة الملهوف وكل ما فيه مصلحة للمجموع. وعلى هذا الاعتبار جاء تحريم الربا والترغيب في البذل ابتغاء كريم الأجر، ونزل القرآن والعرب تتعامل بالربا لتفكك مجتمعهم وانفصام عرى التآلف بينهم، فعندما تنزل الحاجة بأحدهم أو يوصله الفقر بالرغام لا يجد من يسعفه أو يعينه في محنته أو ينقذه من ذل الحاجة إلا بنكبته بالزيادة على ما يقرضه، والمفاضلة بين ما يقبضه ويعيده من مال، وذلك هو الربا الذي جاء الإسلام بتحريمه، وقد أوردنا من آي الكتاب العزيز والسنة المطهرة ما يكفي عن المزيد، بقي أن نوضح نوعية الربا المحرم والذي كانت العرب تتعامل به، جاء في كتاب "أحكام القرآن " قوله: الربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به ولم يكونوا يعرفون البيع بالنقد إذا كان متفاضلا من جنس واحد، هذا كان المتعارف المشهور بينهم، ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ (١) فأخبر أن تلك الزيادة المشروطة إنما كانت ربا في المال العين لأنه لا عوض لها من جهة المقرض وقال تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ (٢) إخبارا عن الحال التي خرج عليها الكلام من شرط الزيادة أضعافا مضاعفة، فأبطل الله الربا الذي كانوا يتعاملون به وأبطل ضروبا من البياعات وسماها ربا، فانتظم قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٣) تحريم جميعها لشمول الاسم عليها من طريق الشرع، ولم يكن تعاملهم بالربا إلا على الوجه الذي ذكرناه من قرض دراهم أو دنانير إلى أجل

стр. 4784

مع شرط الزيادة (١) اهـ. وذكر صاحب تفسير آيات الأحكام أن الربا ينقسم إلى قسمين: ربا النسيئة، وربا الفضل. فربا النسيئة: هو الذي كان معروفا بين العرب في الجاهلية لا يعرفون غيره وهو أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدرا معينا. فإذا حل الأجل طولب المدين برأس المال كاملا فإن تعذر الأداء زادوا في الحق والأجل. وربا الفضل: أن يباع من الحنطة بمنوين منها أو درهم بدرهمين أو دينار بدينارين أو رطل من العسل برطلين، وقد كان ابن عباس لا يحرم إلا القسم الأول، وكان يجوز ربا الفضل اعتمادا على ما روي أن النبي ﷺ قال: «إنما الربا في النسيئة (٢)» ولكن لما تواتر عنده الخبر بأن النبي ﷺ قال: «الحنطة بالحنطة مثلا بمثل يدا بيد (٣)» وذكر الأصناف الستة كما رواه عبادة بن الصامت وغيره رجع عن قوله. وأما قوله ﵇: «وإنما الربا في النسيئة (٤)» فمحمول على اختلاف الجنس، فإن النسيئة حينئذ تحرم ويباح التفاضل كبيع الحنطة بالشعير تحرم فيه النسيئة ويباح التفاضل ولذلك وقع الاتفاق على تحريم الربا في القسمين. أما (الأول): فقد ثبت تحريمه بالقرآن، (وأما الثاني): فقد ثبت تحريمه بالخبر الصحيح. كما روي عن عبادة ابن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد (٥)». واشتهرت روايته هذه حتى كانت مسلمة عند الجميع. ثم اختلف العلماء بعد ذلك فقال نفاة القياس: إن الحرمة مقصورة على هذه الأشياء الستة، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وجمهور الفقهاء: إن الحرمة غير مقصورة على هذه الأشياء الستة، بل تتعداها إلى غيرها. وأن الحرمة ثبتت في هذه الستة لعلة، فتتعدى الحرمة إلى كل ما توجد فيه تلك العلة، ثم اختلفوا في هذه العلة. فقال الحنفية: إن العلة هي اتحاد هذه الأشياء الستة في الجنس والقدر- أي الكيل والوزن- فمتى اتحدت البلدان في الجنس والقدر حرم الربا كبيع الحنطة بالحنطة وإذا عدما معا حل التفاضل والنسيئة كبيع الحنطة بالدراهم إلى أجل. وإذا عدم القدر واتحد الجنس حل الفضل دون النسيئة كبيع عبد بعبدين،

стр. 4785

وإذا عدم الجنس واتحد القدر حل الفضل دون النسيئة أيضا كبيع الحنطة بالشعير. وقال المالكية: إن العلة هي اتحاد الجنسين مع الاقتيات أو ما يصلح به الاقتيات. وقال الشافعية: إن العلة في الذهب والفضة هي اتحاد الجنس مع النقدية، وفي الأشياء الأربعة الباقية اتحاد الجنس مع الطعم، والتفاضل في أمر الربا يعلم من كتب الفقه (١).

стр. 4786

نوعية الربا كما أوضحها ابن القيم وقفت في جملة ما وقفت عليه من المراجع على كتاب بعنوان: (الودائع المصرفية النقدية واستثمارها في الإسلام) لمؤلفه " حسن عبد الله الأمين " أورد فيه نص ابن قيم الجوزية ﵀ عن نوعية الربا وقدم له بقوله: تكلمنا فما سبق عن التقسيم الفقهي القديم للربا: ربا النسيئة، وربا الفضل. . . وبقي هناك قسم ثالث للربا وضعه عالم جليل هو ابن القيم الجوزية وهو تقسيم يتفق في مضمونه مع تقسيم الربا: إلى ربا ديون، وربا بيوع ولكنه يسمي الأول: الربا (الجلي) وأن تحريمه تحريم مقاصد؛ لأنه ثابت بالقرآن الكريم وهو ما كانت تفعله الجاهلية. ويسمي النوع الثاني: الربا (الخفي) وأنه حرم سدا للذريعة من الربا الجلي فتحريمه تحريم وسيلة وهو الذي ثبت بالسنة في الأصناف الستة، ثم ذكر النص من كتاب (إعلام الموقعين) فقال - أي ابن القيم -: الربا نوعان: جلي وخفي؛ (فالجلي): حرم لما فيه من الضرر العظيم، (والخفي): حرم لأنه ذريعة إلى الجلي. فتحريم الأول قصدا، وتحريم الثاني وسيلة. فأما الجلي: فربا النسيئة وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية مثل أن يؤخر دينه ويزيده في المال. وكلما أخره زاد في المال حتى تصير المائة عنده آلافا (١). وأما ربا الفضل: فتحريمه من باب سد الذرائع كما صرح به في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين فإني أخاف عليكم الرماء (٢)» والرماء هو الربا. فمنعهم من ربا الفضل لما يخافه عليهم من ربا النسيئة،

стр. 4787

وذلك أنهم إذا باعوا درهما بدرهمين، ولا يفعل هذا إلا للتفاوت الذي بين النوعيين، إما في الجودة وإما في السكة وإما في الثقل والخفة وغير ذلك، تدرجوا بالربح المعجل فيها إلى الربح المؤخر وهو عين ربا النسيئة، وهذه ذريعة قريبة جدا فمن حكمة الشارع أن سد عليهم هذه الذرائع ومنعهم من بيع درهم بدرهمين نقدا أو نسيئة (١).

стр. 4788

التعامل مع البنوك التعامل مع البنوك على إقراض المال بفائدة مشروطة محددة كاثنين في المائة مثلا أو أكثر أو أقل، هل هو من أنواع الربا المحرم أم له احتمال آخر؟ نعود مرة أخرى إلى كتاب الودائع المصرفية آنف الذكر فنجد المؤلف يقرر بصراحة أن معنى الزيادة في القرض عند العقد هي إحدى صورتي ربا الجاهلية الذي حرم تحريما قاطعا بنص القرآن، ونص كلامه كالآتي: (إذا كان معنى الفائدة يختلف عن معنى الربح في المصطلح الفقهي ولا يلتقي معه بحال، فماذا يكون موقف الفائدة من الربا، هل تلتقي معه في إحدى صوره أم أنها تختلف عنه كما اختلفت عن الربح ولا تلتقي معه في واحدة منها، ثم أفاض في البسط حتى قال: تبين لنا على ضوء ما تقدم أن معنى (الفائدة) على ضوء ما تقدم يلتقي تماما في مقاييس الفقه والشريعة الإسلامية بمعنى الزيادة في القرض عند العقد وهي أحد صورتي ربا الجاهلية الذي حرم تحريما قاطعا بنص القرآن، بل هي الصورة البارزة في ربا الجاهلية حتى أن الجصاص بالغ في التوكيد عليها لدرجة أنه قال: ولم يكن تعاملهم - أي: عرب الجاهلية- بالربا إلا على الوجه الذي ذكرنا من قرض دراهم أو دنانير إلى أجل مع الزيادة، فالفائدة إذن ما هي إلا زيادة مشروطة في قرض مؤجل لمصلحة المودع في حالة الودائع المؤجلة أو ودائع الادخار بدليل عدم وجودها في الودائع الجارية - أي: تحت الطلب- مع أنها هي أيضا معتبرة قرضا في الفقه والتشريع، كما أنها زيادة في قرض مؤجل أيضا لمصلحة البنك في حالة إقراضه لشخص آخر، فالزيادة في حالة استقراض البنك بقبول الودائع المؤجلة أو إقراضه بدفع قروض من أمواله الخاصة

стр. 4789

أو من ودائع المقترضين الآخرين هي ربا. بل هي الربا الذي لا يشك فيه؛ لأنها إحدى صورتي ربا الجاهلية الذي كانوا يتعاملون به والذي حرمه القرآن تحريما قاطعا بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١) وقال فيه رسول الله ﷺ في حجة الوداع: «ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أبدأ به ربا العباس بن عبد المطلب (٢)».

стр. 4790

تحريم الربا الاستهلاكي والإنتاجي يفرق بعض علماء الاقتصاد من الغربيين بين تحريم الربا الاستهلاكي والإنتاجي بدعوى أن تحريم الربا كان من الضروريات في الماضي وأن إباحته في هذا العصر من الضروريات أيضا؛ لأن الدين فيما مضى كان للاستهلاك وأما الآن فهو للإنتاج. وهو زعم متداع؛ لأن الربا إن كان للاستهلاك فهو لنفقة المستدين على حاجاته الضرورية فإنه لا يجوز أن يرهق برد زائد على دينه، فحسبه أن يرد أصل الدين عند الميسرة. وإن كان للإنتاج فالأصل أن الجهد الذي يبذله المستدين هو الذي ينال عليه الربح لا المال الذي يستدينه فالمال لا يربح إلا بالجهد (١). وفي إطار الحديث عن أنواع الربا يتحدث الداعية الإسلامي أبو الأعلى المودودي في الفصل الخامس من كتابه (الربا) تحت عنوان "الربا وأحكامه " فيقول: إن الربا هو الزيادة التي ينالها الدائن من مدينه نظير التأجيل، وهذا النوع من الربا يصطلح عليه شرعا بربا النسيئة أي الزيادة بسبب النسيئة وهي التأجيل، وهذا النوع من الربا هو المنصوص على تحريمه في القرآن، وأجمع على تحريمه السلف الصالح والعلماء المجتهدون من بعدهم وتعاقبت القرون على ذلك الإجماع ولم يتطرق إليه الريب في عصر من العصور واستمر في البسط إلى أن قال: لقد كان الإسلام إنما نهى عن التعامل بالربا في شئون الدين والقرض في بادئ الأمر، واستمر في البسط فتحدث عن ربا الفضل وقال: وهذا النوع أيضا قد حرمه النبي ﷺ لأنه يفتح الباب في وجه الناس إلى الربا الصريح وينشئ فيهم

стр. 4791

عقلية من نتائجها اللازمة شيوع المراباة في المجتمع، وذلك عين ما أوضحه النبي ﷺ بقوله: «لا تبيعوا الدرهم بدرهمين فإني أخاف عليكم الرماء (١)» وهو الربا. وتحدث عن حكم ربا الفضل وأورد حديث عبادة بن الصامت وجملة أحاديث في معناه، ثم علق عليها تعليقا ضافيا ثم ذكر خلاف الفقهاء في علة تحريم ربا الفضل وخلص من ذلك إلى القول بأن الاختلاف بين المذاهب في الأمور التي يدخلها الربا إنما هو من الأمور المشتبهة الواقعة على الحد بين الحلال والحرام، فإن حاول أحد الآن محتجا بهذه المسائل المختلف فيها أن يرمي بالاشتباه أحكام الشريعة في المعاملات التي قد وردت النصوص على كونها من الربا ويفتح باب الرخص والحيل بهذا الطريق للاستدلال ويدعو الأمة إلى سلوك طرق الرأسمالية فلا شك أنه يعد تاركا للكتاب والسنة للظن والخرص وضالا مضلا ولو كان مخلصا صادق النية عند نفسه (٢) اهـ.

стр. 4792

وسائل القضاء على الربا من مزايا دين الإسلام أنه لم يحرم شيئا إلا وأوجد له بديلا يغني عنه، ويأخذ بحجز المسلمين من أن يقعوا في المحرم المنكور، ولا نطيل ضرب الأمثلة لذلك وإنما نكتفي بتحريم الخمر. أبدل الله المسلمين عن شربها بشرب جميع العصيرات والمنتبذات مما لا يكون فيه شبهة حرام وعندما حرم الربا أباح البيع والتجارة في الأمور المباحة وأنواع المضاربة، وهكذا فلم يرهق المسلم من أمره عسرا، ولم يكلفه شططا، وإنما أوجد له الحلول وشرع وسائل من شأنها القضاء على الربا والتجافي عنه والترفع عن مزالقه والتورط في إثمه، ويشمل ذلك ما يأتي: (أ) القرض الحسن: فبدلا من أن يقرض المسلم ماله بفائدة تقض مضجع المقترض وتزيد من محنته وبلباله، رغب الإسلام في القرض الحسن بالوعد الكريم والجزاء الضافي كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ (١)،

стр. 4793

وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ (١).

стр. 4794

(ب) إنظار المعسر ريثما يزول إعساره والترغيب في إبراء ذمته من الدين دون مطالبته كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١).

стр. 4795

(جـ) التعاون في مختلف دروبه وبكل وسائله يشمل التعاون الاجتماعي والصناعي والزراعي ويدخل في إطار ذلك الضمان الاجتماعي وتمويل المزارعين وأصحاب الصناعات بما يشد أزرهم ويضاعف إنتاجهم فيما يعود بالخير للمجموعة الإسلامية، وثمة فتح المدارس وبناء المستشفيات ودور العجزة، وما إليه مما تشمله الآية الكريمة ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (١)، فيغدو المجتمع في ظلال هذا التعاون الشامل سعيدا بعيدا عن مآسي الربا والانزلاق إلى أوحاله، ولا يغيب عن الأذهان إخراج زكاة الأموال ودفعها إلى مستحقيها كما نصت على ذلك الآية الكريمة ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ (٢)، وجملة القول أن وسائل القضاء على الربا والأخذ بها والتعاون على تنفيذها وفي الطليعة إخراج الزكاة دون تهرب أو تسويف أو طغيان الأنانية على بعض النفوس فتستأثر بالمال وتحتجزه وتشح به فلا تستجيب لإنفاقه كما أمر الله وكما قال تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (٣)، كل أولئك مما يحول دون الارتداع في أرجاس الربا والوقوع في أوحاله. وقبل أن نضع القلم يجدر أن نعرض لموضوع كثر الأخذ به في أعقاب الزمن وهو بيع التورق، يشتري المرء السلعة بثمن إلى أجل ثم يبيعها بأقل من الثمن الذي اشتراها به وذلك ما يسمى بمسألة التورق لأن البائع ليس له حاجة في السلعة وإنما حاجته في الورق، وإيضاح ذلك من قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في فتاويه حيث يقول: وقد

стр. 4796

سئل عن الرجل يبيع سلعة بثمن مؤجل ثم يشتريها من ذلك الرجل بأقل من ذلك الثمن حالا هل يجوز أم لا؟ فأجاب: إذا باع السلعة إلى أجل ثم اشتراها من المشتري بأقل من ذلك حالا فهذه تسمى (مسألة العينة). وهي غير جائزة عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم، وهو المأثور عن الصحابة كعائشة وابن عباس وأنس بن مالك، فإن ابن عباس سئل عن حريرة بيعت إلى أجل ثم اشتريت بأقل فقال: دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة، وأبلغ من ذلك أن ابن عباس قال: إذا اشتريت بنقد ثم بعت بنسيئة فتلك دراهم بدراهم. فبين أنه إذا قوم السلعة بدراهم ثم باعها إلى أجل فيكون مقصوده دراهم بدراهم - والأعمال بالنيات- وهذه تسمى (التورق). فإن المشتري تارة يشتري السلعة لينتفع بها وتارة يشتريها ليتجر بها فهذان جائزان باتفاق المسلمين، وتارة لا يكون مقصوده إلا أخذ الدراهم فينظر كم تساوي نقدا فيشتري بها إلى أجل ثم يبيعها في السوق بنقد فمقصوده الورق. فهذا مكروه في أظهر قولي العلماء، كما نقل ذلك عن عمر بن عبد العزيز وهو إحدى الروايتين عن أحمد إلى آخر ما أفاض فيه يرحمه الله مما خرج به للاستطراد (١).

стр. 4797

خاتمة البحث نأتي بعد أن فرغنا من كتابة البحث بتوفيق الله إلى الخاتمة فقد عرضنا بعد المقدمة لتعريف الربا لغة وشرعا وأوردنا الآيات القرآنية التي جاءت منتظمة عن الربا مع تفسيرها وقد تحصل من التفسير ما يأتي: ا- المراد بأكل الربا جميع التصرفات. ٢ - تشبيه المرابي بالمصروع. ٣ - المحق يشمل ذهاب المال وذهاب بركته. ٤ - لا يلحق متعاطي الربا تبعة التعامل به قبل التحريم.

стр. 4798

٥ - الترغيب في بذل الصدقات. ٦ - الوعيد لمن تعاطى الربا بعد التحريم. ٧ - للمرء أن يأخذ رأس ماله بعد التوبة من تعاطي الربا. ٨ - الترغيب في إنظار المعسر وإبراء ذمته، وأردفنا ذلك بمبحث الربا في السنة وإيراد نص ما ورد من الأحاديث مع شرحها ثم بيان حكم الربا في الإسلام وأنه محرم بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة وأساطير العلم بما في ذلك تحريم كل وسيلة تفضي إليه كبيع العينة واستخلصنا من مجموع ذلك ما يأتي: أ- النهي عن تعاطي الربا بكل الألوان والوسائل. ب- إنه من الموبقات ومن كبائر الذنوب. جـ- لعن آكل الربا كل متعاون عليه. د- معصية الربا تجاوزت الحد في القبح. هـ- تحريم الاستطالة في عرض المسلم. وآكل الربا يعذب في البرزخ وعليه اللعنة ويحال بينه وبين دخول الجنة. ز- أكلة الربا يحشرون في أسوأ صورة. ح- تحريم التبايع بالعينة والوعيد عليها. ط- الوسيلة للحرام محرمة. ك- لا يحل سلف ولا بيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما لم يكن تحت تصرف البائع. ل- ما تواطأ عليه البائع والمشتري بما يقصدان به دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل فهو ربا محرم سواء كان يبيع ثم يبتاع أو يبيع ويقرض. ثم انتقلنا بعد ذلك إلى مضار الربا وحكمة تحريمه، وأوردنا نقولا عن ذلك من أقوال العلماء القدامى والمعاصرين مبسوطة في الصفحات (١٨، ١٩) وعقبنا بمبحث أنواع الربا وحكم كل نوع فذكرنا ربا النسيئة وأنه هو الربا الذي كانت تتعامل به الجاهلية الأولى وهو الذي ورد تحريمه بالقرآن، ثم ربا الفضل وتحريمه جاءت به السنة النبوية سدا

стр. 4799

للذريعة، وعرضنا لعلة تحريم ربا الفضل واختلاف العلماء فيها، ثم لنوعية الربا كما أوضحها ابن القيم -يرحمه الله- ثم لبحث التعامل مع البنوك وفيه القرض بالفائدة المشروطة وأنها محرمة، ثم تناولنا بحث تحريم الربا الاستهلاكي والإنتاجي ورد نظرية تحريم الربا في الماضي وإباحته في الحاضر، وأردفنا ذلك بالحديث عن وسائل القضاء على الربا وذكرنا أن منها القرض الحسن وإنظار المعسر وإبراء ذمته والتعاون الاجتماعي والصناعي والزراعي وتوزيع أموال الزكاة، ثم أنهينا البحث بموضوع التورق وأنه مكروه وأوردنا فتوى لشيخ الإسلام ابن تيمية -يرحمه الله- في هذه المسألة. وأسأل الله أن يأجرني بقدر ما بذلت في هذا البحث من جهد علمي وجسمي ولم أصل فيه إلى الكمال، وإنما هو إسهام وجهد مقل، وأن يشمل سبحانه بتوفيقه ابني أسامة على ما أسهم به من تهيئة المراجع المطلوبة للبحث والعون بجهد مشكور وينفع به كل من قرأه مغضيا عما لعله أن يكون فيه من مآخذ - فالكمال لله وحده- ويأجر أيضا كل من تعاون على إشاعته بكل وسيلة خاصة مجلة البحوث بالرياض ورئاسة تحريرها والمشرفين عليها. وصلى الله على خير خلقه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبع سبيله وسار على نهجه، وقد فرغت من وضعه في شهر جمادى الثانية سنة ألف وأربعمائة وأربعة. والله يوفقنا إلى ما فيه الخير والرشاد،،،

стр. 4800

ثبت المراجع والمصادر ١ - ابن تيمية، أبو العباس أحمد بن عبد الحليم الحراني. (الفتاوى). الطبعة: الأولى ١٣٨٢ هـ. الرياض: مطابع الرياض. ٢ - ابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني. (فتح الباري بشرح صحيح البخاري). الطبعة: الأولى. تصحيح وترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي - محب الدين الخطيب. القاهرة: المطبعة السلفية (١٣ جزء).
следующие страницы →