← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

حديث شريف عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ قال: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى، ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه (١)» متفق عليه

стр. 5427

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (١) سورة ق، الآية ١٦

стр. 5428

المشرف العام سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد لجنة الإشراف الدكتور عبد العزيز بن محمد العبد المنعم الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين الشيخ أحمد بن عبد الرزاق الدويش الدكتور محمد بن سعد الشويعر

стр. 5429

مجلة البحوث الإسلامية الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء رئيس التحرير محمد بن سعد الشويعر مجلة فصلية تعنى بالبحوث الإسلامية تصدر كل أربعة أشهر مؤقتا العدد الثالث عشر: رجب - شعبان - رمضان - شوال عام ١٤٠٥ هـ

стр. 5430

المحتويات الافتتاحية الإسلام هو الدين الحق وما سواه من الأديان باطل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٧ موضوع العدد من أحكام القرآن الكريم اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ١٣ الفتاوى فتاوى خاصة بالحج اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ٦٥ أسئلة وأجوبة في الحج سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ٨٣ اللجنة الدائمة تجيب على أسئلة موجهة إلى سماحة الرئيس العام اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ٩١ فتوى حول من فاته الركوع الثاني من صلاة الكسوف اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ٩٩ بحوث في العقيدة إقامة البرهان على من أنكر خروج المهدي والدجال للشيخ حمود بن عبد الله التويجري ١٠١ حقيقة لا إله إلا الله للشيخ صالح بن فوزان الفوزان ١١٥ بحوث في علوم القرآن الذكر والنسيان في القرآن الكريم للدكتور سيد رزق الطويل ١٢٩

стр. 5431

تحقيق مخطوطة لشيخ الإسلام ابن تيمية- فتوى في علم القراءات للدكتور محمد علي سلطاني ١٧٩ بحوث في السنة بيان كلام أهل العلم في الأحاديث الواردة في فضل من مات بالحرمين للشيخ إسماعيل الأنصاري ٢١١ الإسناد وأهميته في نقد الحديث للدكتور محمد لقمان السلفي ٢٢١ بحوث تاريخية محمد بن عبد الوهاب عبقري العصر وأستاذ الجيل للأستاذ أحمد فهيم مطر ٢٣٣ فترة مشرقة للجهاد الإسلامي في الحبشة للأستاذ فهيم شلتوت ٢٤٩ محمد بن مسلمة الأنصاري اللواء محمد شيت خطاب ٢٦٩ لقاء لقاء مع الداعية المسلم البريطاني - يوسف إسلام لقاء أجرته المجلة ٣٠١ ردود وإيضاحات عدالة السلف برهان يقظتهم للشيخ سعد الخرعان ٣٢١ رد سماحة الشيخ على ما نشر في مجلة المنار سماحة الرئيس العام ٣٢٥ تنبيه لسماحة الشيخ على ما نشر في جريدة عرب نيوز سماحة الرئيس العام ٣٢٩ متى تثبت رؤية الهلال ثبوتا شرعيا وجب العمل بها سماحة الرئيس العام ٣٣١ حكم الحيوان المذبوح بالصعق الكهربائي سماحة الرئيس العام ٣٣٥

стр. 5432

صفحة فارغة

стр. 5433

الافتتاحية الإسلام هو الدين الحق وما سواه من الأديان باطل الحمد لله الذي ارتضى لأمة محمد ﷺ دين الإسلام، وجعل شريعة محمد ﷺ خاتمة الشرائع وأكملها، وأرسل بها أفضل خلقه محمدا ﷺ وبعد: فقد اطلعت على ما نشر في جريدة اليوم العدد ٤٠٨٠ وتاريخ ١٢/ ٨ / ١٤٠٤ هـ الصفحة الأخيرة تحت عنوان معبد غريب للسيخ في الإمارات، نقلا عن وكالة أنباء الخليج. وقد جاء في ذلك الخبر ما يلي: " ووصف أحد علماء المسلمين في دبي هو الدكتور محمود إبراهيم الديك هذا المعبد بأنه يشكل خطرا كبيرا على المسلمين وينبغي إزالته. وقال: إن الديانات المسموح بها في الإمارات هي التي لها كتاب سماوي فقط أما ما عدا ذلك فهي معتقدات كافرة ينبغي إزالة معابدها ومنعها من ممارسة طقوسها؛ حتى لا تؤثر على المسلمين في هذه الأرض " انتهى كلامه. ومن يقرأ كلام الدكتور محمود الديك هذا يدرك منه أمرين:

стр. 5434

أحدهما: أن اليهودية والنصرانية مسموح بهما في الإمارات سواء الانتماء إليهما أو إقامة معابد لهما أو مزاولة كافة طقوسهما. ومعنى ذلك أن التبشير النصراني علني ومسموح له رسميا هناك وهذا أمر خطير. والأمر الثاني: وهو أخطر من الأول: الحكم ضمنا من واقع كلام هذا المتحدث بأن الديانات السماوية كاليهودية والنصرانية ليست كافرة وبالتالي فإنه إذا كان الأمر كذلك يجوز الدخول فيهما والانتماء إليهما والدعوة إليهما والتبشير بهما. ولن أتعرض لمعبد السيخ هذا؛ لأن الخبر جاء فيه بأن الشيخ عبد الجبار الماجد مدير أوقاف دبي قال بأن البلدية سوف تزيل هذا المعبد جزاه الله خيرا؛ لأن وجود هذا المعبد يتضمن الدعوة إلى عبادة الأوثان التي يجب إنكارها. أما كلام الدكتور محمود الديك فمعلوم ما فيه من بطلان وغلط، فإن الدين الإسلامي هو الدين الصحيح المطلوب من أهل الأرض، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٢) ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (٣)، هذا وقد وصف الله اليهود والنصارى بالكفر لما قالوه على الله، وبما حرفوه وغيروه في كتبهم، وتجاوزهم الحد في القول والعمل تبعا لما تصف ألسنتهم، وتستهوي نفوسهم قاتلهم الله أنى يؤفكون، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (٥) ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٦) ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٧)،

стр. 5435

وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (١) ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢). والآيات الكريمات في هذا المعنى كثيرة، مما يعلم معه بأن الديانة اليهودية والديانة النصرانية قد نسختا بديانة محمد ﷺ ، وأن ما فيهما من حق أثبته الإسلام، وما فيهما من باطل هو مما حرفه القوم، وبدلوه حسب أهوائهم، ليشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون، فدين الإسلام هو الدين الصحيح المطلوب من أهل الأرض، وهو الدين الذي بشر به جميع الأنبياء. روى النسائي وغيره عن النبي ﷺ أنه «رأى في يد عمر بن الخطاب ﵁ ورقة من التوراة فقال: أمتهوكون يا ابن الخطاب؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لو كان موسى حيا واتبعتموه وتركتموني ضللتم (٣)». وفي رواية: «لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي. فقال عمر: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا (٤)». وكما أن عيسى ﵇ -جاء مجددا لديانة موسى وليحل لهم بعض ما حرم عليهم كما في قوله تعالى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (٥) ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (٦) فإنه كذلك سينزل في آخر الزمان ليجدد رسالة محمد ﷺ ، ويقاتل اليهود والنصارى، قال ﷺ : «يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية (٧)»، رواه مسلم، قال النووي في شرحه قوله: " يضع الجزية": أي لا يقبل إلا الإسلام أو السيف. اهـ.

стр. 5436

وعندما يرى هذه الآية أهل الأرض فعند ذلك يرجع لدين الإسلام من هدى الله قلبه، ويدخل فيه من أنار الله بصيرته من اليهود والنصارى، فيؤمن بعيسى بعدما ظهرت أمامه الآيات الساطعات التي تتجلى فيها أنوار الحق الواضحة، والإيمان بعيسى ﵇ -في ذلك الوقت تصديق برسالة محمد ﷺ وبالدين الذي جاء به من عند ربه وهو الإسلام؛ حيث ينكشف الكذب، ويظهر الزيف الذي أدخله الأحبار والرهبان على الديانة النصرانية واليهودية ليضلوا الناس، ويلبسوا عليهم دينهم، قال الله تعالى في قصة عيسى ﵇ -مع أهل الكتاب الذين قالوا بأنهم قتلوه موضحا كذبهم، وأن منهم من سوف يؤمن بعيسى ﵇ -قبل موته؛ لأن الموت حق على جميع البشر في هذه الحياة الدنيا: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (١) ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (٢). وهذا الموقف الذي أبانه القرآن الكريم جاء بعد أن وصفهم بالكفر في آية قبلها، وهو قوله تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ (٣) ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ (٤). وفي عهد رسول الله ﷺ وبعد أن وضحت شريعة الإسلام لأهل الأرض دخل من أنار الله بصيرته من اليهود والنصارى في الإسلام بعدما عرف الحق، وتبرأ من الاعتقادات التي تناقض شرع الله الذي شرع لعباده، وهي الوحدانية لله جل وعلا، وعدم الإشراك معه في العبادة والاعتقاد، ودين الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله لأنبيائه منذ الأزل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٦) ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٧) ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٨).

стр. 5437

ودين الإسلام هو الطريق المستقيم الموصل إلى الله، كما ورد في تفسير سورة الفاتحة، فإن العبد يدعو ربه بأن يهديه إلى الصراط المستقيم، وأن يبعده عن طريق المغضوب عليهم وهم اليهود الذين عصوا الله عن علم ومعرفة، وطريق الضالين وهم النصارى الذين يعبدون الله على جهل وضلال. ومما ذكرناه يتضح أن الطريق إلى الله واحد وهو دين الإسلام، وهو الذي بعث الله به نبيه محمدا ﷺ كما بعث به جميع الرسل، وأن جميع ما خالفه من يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو وثنية أو غير ذلك من نحل الكفر كله باطل وليس طريقا إلى الله، ولا يوصل إلى جنته، وإنما يوصل إلى غضبه وعذابه كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١). وقال النبي ﷺ : «لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار (٢)»، رواه الإمام مسلم في صحيحه، والله المسئول أن يمنحنا وجميع المسلمين التفقه في الدين، والثبات عليه، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا، وأن يهدينا جميعا الصراط المستقيم، وأن يجنبنا طريق المغضوب عليهم والضالين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 5438

صفحة فارغة

стр. 5439

من أحكام القرآن الكريم ١ - حكم السفر بالمصحف إلى أرض العدو. ٢ - حكم مس المصحف لغير من كان طاهرا " الطهارة من الحدث ومن الكفر ". ٣ - ما جاء في النهي عن قراءة الجنب والحائض القرآن. ٤ - حكم تعليم الكافر القرآن. إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

стр. 5440

صفحة فارغة

стр. 5441

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. وبعد: - فبناء على ما ورد إلى سماحة رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد من مدير عام التعليم بمنطقة الرياض برقم ٣٥/ ٣ / ٢/ ٦٢٣١ / ٤ وتاريخ ١/ ٧ / ١٣٩٨ هـ، من السؤال عما يجب أن يعامل به الطالب المسيحي الملتحق بالمدرسة بالنسبة لمادة القرآن الكريم ومواد التربية الإسلامية، باعتبار أنه لا يجوز مس المصحف لغير المسلمين. . انتهى. وبناء على ما اقترحه سماحة الرئيس العام من إدراج هذا الموضوع ضمن جدول أعمال الدورة الثالثة عشرة، وجمع ما تيسر من النقول عن أهل العلم في الأمور الآتية: ١ - ما جاء من النهي عن السفر بالمصحف إلى أرض العدو. ٢ - ما جاء في النهي عن مس المصحف لغير من كان طاهرا "الطهارة من الحدث ومن الكفر". ٣ - ما جاء في النهي عن قراءة الجنب والحائض القرآن. ٤ - حكم تعليم الكافر القرآن. - بناء على ذلك جمعت اللجنة ما تيسر من النقول عن أهل العلم فيما ذكر. . وبالله التوفيق. .

стр. 5442

أولا: اختلف أهل العلم في حكم السفر بالقرآن إلى أرض العدو، وفيما يلي ذكر أقوالهم وأدلتهم والمناقشة. قال البخاري: باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو، وكذلك يروى عن محمد بن بشر، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ وتابعه ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، «عن النبي ﷺ وقد سافر النبي ﷺ وأصحابه في أرض العدو وهم يعلمون القرآن»، حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ «أن رسول الله ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (١)». وقال ابن حجر: قوله: (باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو) سقط لفظ كراهية إلا للمستملي فأثبتها، وبثبوتها يندفع الإشكال الآتي. قوله: (وكذلك يروى عن محمد بن بشر عن عبيد الله) هو ابن عمر (عن نافع عن ابن عمر)، وتابعه ابن إسحاق عن نافع، أما رواية محمد بن بشر فوصلها إسحاق بن راهويه في مسنده عنه، ولفظه: «كره رسول الله ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو؛ مخافة أن يناله العدو (٢)»، قال الدارقطني والبرقاني لم يروه بلفظ الكراهة إلا محمد بن بشر، وأما متابعة ابن إسحاق فهي بالمعنى؛ لأن أحمد أخرجه من طريقه بلفظ: «نهى أن يسافر بالمصحف إلى أرض العدو (٣)»، والنهي يقتضي الكراهة؛ لأنه لا ينفك عن كراهة التنزيه أو التحريم، قوله: (وقد سافر النبي ﷺ وأصحابه في أرض العدو وهم يعلمون القرآن) أشار البخاري بذلك إلى أن المراد بالنهي عن السفر بالقرآن السفر بالمصحف خشية أن يناله العدو، لا السفر بالقرآن نفسه، وقد تعقبه الإسماعيلي بأنه لم يقل أحد: إن من يحسن القرآن لا يغزو العدو في دارهم، وهو اعتراض من لم يفهم مراد البخاري، وادعى المهلب أن مراد البخاري بذلك تقوية القول بالتفرقة بين العسكر الكثير والطائفة القليلة، فيجوز في تلك دون هذه، والله أعلم. ثم ذكر المصنف حديث مالك في ذلك وهو بلفظ: «نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (٤)»، وأورده ابن ماجه من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن مالك وزاد: «مخافة أن يناله العدو (٥)»، ورواه ابن وهب عن مالك فقال: «خشية أن يناله العدو (٦)»، وأخرجه أبو داود عن القعنبي عن مالك فقال: قال مالك: أراه مخافة. فذكره قال

стр. 5443

أبو عمر: كذا قال يحيى الأندلسي، ويحيى بن بكير، وأكثر الرواة عن مالك جعلوا التعليل من كلامه ولم يرفعوه، وأشار إلى أن ابن وهب تفرد برفعها وليس كذلك لما قدمته من رواية ابن ماجه، وهذه الزيادة رفعها ابن إسحاق أيضا كما تقدم، وكذلك أخرجها مسلم والنسائي وابن ماجه من طريق أيوب عن نافع ومسلم من طريق أيوب بلفظ: «فإني لا آمن أن يناله العدو (١)»، فصح أنه مرفوع وليس بمدرج، ولعل مالكا كان يجزم به، ثم صار يشك في رفعه، فجعله من تفسير نفسه، قال ابن عبد البر: أجمع الفقهاء أن لا يسافر بالمصحف في السرايا والعسكر الصغير المخوف عليه، واختلفوا في الكبير المأمون عليه، فمنع مالك أيضا مطلقا، وفصل أبو حنيفة، وأدار الشافعية الكراهة مع الخوف وجودا وعدما، وقال بعضهم كالمالكية واستدل به على منع بيع المصحف من الكافر؛ لوجود المعنى المذكور فيه وهو التمكن من الاستهانة به، ولا خلاف في تحريم ذلك، وإنما وقع الاختلاف هل يصح لو وقع الاختلاف (٢). ويؤمر بإزالة ملكه عنه أم لا " (٣). وقال مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك: عن نافع، عن عبد الله بن عمر قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (٤)». وحدثنا قتيبة، حدثنا ليث ح وحدثنا ابن رمح، أخبرنا الليث، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، عن رسول الله ﷺ «أنه كان ينهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو (٥)»، وحدثنا أبو الربيع العتكي وأبو كامل قالا: حدثنا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تسافروا بالقرآن فإني لا آمن أن يناله العدو (٦)» قال أيوب: فقد ناله العدو وخاصموكم به. حدثني زهير بن حرب حدثنا إسماعيل -يعني ابن علية -ح وحدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان والثقفي كلهم، عن أيوب ح وحدثنا ابن رافع، حدثنا ابن أبي فديك، أخبرنا الضحاك -يعني ابن عثمان - جميعا، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ في حديث ابن علية والثقفي: "فإني أخاف" وفي حديث سفيان وحديث الضحاك بن عثمان: «مخافة أن يناله العدو (٧)».

стр. 5444

وقال النووي: " قوله: «نهى رسول الله ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (١)»، وفي الرواية الأخرى: «مخافة أن يناله العدو (٢)»، وفي الرواية الأخرى: «فإني لا آمن أن يناله العدو (٣)»؛ فيه النهي عن المسافرة بالمصحف إلى أرض الكفار للعلة المذكورة في الحديث، وهي خوف أن ينالوه فينتهكوا حرمته، فإن أمنت هذه العلة بأن يدخل في جيش المسلمين الظاهرين عليهم فلا كراهة ولا مانع منه حينئذ لعدم العلة، هذا هو الصحيح، وبه قال أبو حنيفة والبخاري وآخرون، وقال مالك وجماعة من أصحابنا بالنهي مطلقا، وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة الجواز مطلقا، والصحيح عنه ما سبق، وهذه العلة المذكورة في الحديث هي من كلام النبي ﷺ وغلط بعض المالكية فزعم أنها من كلام مالك، واتفق العلماء على أنه يجوز أن يكتب إليهم كتاب فيه آية أو آيات، والحجة فيه كتاب النبي ﷺ إلى هرقل، قال القاضي: وكره مالك وغيره معاملة الكفار بالدراهم والدنانير التي فيها اسم الله تعالى وذكره " (٤). وقال الأبي: " قوله: "نهى"، قلت: لا يدخل الخلاف المذكور في قول الراوي: نهى لتصريحه بالنهي في الطريق الثاني. قوله: «أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (٥)» (ع) المراد بالقرآن هنا المصحف، وكذا جاء مفسرا في بعض الأحاديث، قلت: لم يكن المصحف مكتوبا حينئذ فلعله من الإخبار عن مغيب، أو لعله كان مكتوبا في رقاع فيصح ويتقرر النهي عن السفر بالقليل والكثير منه، لا سيما على القول أن القرآن اسم جنس يصدق على القليل والكثير، وأما على القول بأنه اسم للجمع فيتعلق النهي بالقليل لمشاركته الكل في القلة، فإن حرمة القليل منه كالكثير. (ع) واختلف في السفر به، فمنعه مالك وقدماء أصحابه وإن كان الجيش كبيرا؛ لأنه قد ينسى أو يسقط، وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة جوازه مطلقا، والصحيح عنه جوازه في الجيش الكبير دون السرايا؛ لأن نيل العدو إياه مع الجيش الكبير نادر لا

стр. 5445

يلتفت إليه. وأجاز الفقهاء الكتب إليهم بالآية ونحوها للدعاء إلى الإسلام والوعظ " انتهى (١). قال الأبي: "قوله: «مخافة أن يناله العدو (٢)» (ع) ظن بعض الناس وصحح أن هذا التعليل من قول مالك أو ما بعده من قوله: «فإني لا آمن أن يناله العدو (٣)»، وفي الآخر: «إني أخاف أن يناله العدو (٤)» فلن يرده، فإنه ظاهر أنه من كلامه ﷺ ومتصل به، واختلف في ذلك رواة الموطأ، فرواه ابن مهدي وابن وهب والأكثر متصلا بكلامه ﷺ ورواه يحيى بن يحيى الأندلسي ويحيى بن بكير أنه من كلام مالك، وهذه الرواية تحمل على أن مالكا شك في رفع هذه الزيادة فجعلها -لتحريه- من كلامه وإلا فهي رواية الثقات " انتهى (٥). وجاء في موطأ مالك: " حدثني يحيى، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (٦)»، فقال مالك: وإنما ذلك مخافة أن يناله العدو ". انتهى. وقال الباجي: " قوله: «نهى رسول الله ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (٧)» يريد والله أعلم الصحف لما كان القرآن مكتوبا فيها سماها قرآنا، ولم يرد ما كان منه محفوظا في الصدر؛ لأنه لا خلاف أنه يجوز لحافظ القرآن الغزو، وإنما ذلك لأنه لا إهانة للقرآن في قتل الغازي، وإنما الإهانة للقرآن بالعبث بالمصحف والاستخفاف به، وقد روي مفسرا: «نهى أن يسافر بالمصحف (٨)» رواه عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمرو «أن رسول الله ﷺ نهى أن يسافر بالمصحف إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو (٩)». فصل: والسفر اسم واقع على الغزو وغيره، قال ابن سحنون: قلت لسحنون: أجاز بعض العراقيين الغزو بالمصحف إلى أرض العدو في الجيش الكبير كالطائفة ونحوها، وأما السرية ونحوها فلا. قال سحنون: لا يجوز ذلك لنهي رسول الله ﷺ عن ذلك عاما ولم يفصل، وقد يناله العدو من ناحية الغفلة. والدليل على صحة ما ذهب إليه

стр. 5446

سحنون أنه لا قوة فيه على العدو، وليس مما يستعان به على حربه، وقد يناله لشغل عنه كما قال سحنون، وقد يناله بالغلبة أيضا.

стр. 5447

مسألة: ولو أن أحدا من الكفار رغب أن يرسل إليه بمصحف ليتدبره لم يرسل إليه به؛ لأنه نجس جنب، ولا يجوز له مس المصحف، ولا يجوز لأحد أن يسلمه إليه ذكره ابن الماجشون. فصل: وقوله: «مخافة أن يناله العدو (١)» يريد أهل الشرك؛ لأنهم ربما تمكنوا من نيله والاستخفاف به فلأجل ذلك منع السفر به إلى بلادهم" انتهى (٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تسافر بالقرآن فإني أخاف أن يناله العدو (٣)». وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن -يعني ابن مهدي - حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر «أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها نهى البائع والمشتري، ونهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو (٤)». وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: «لا تسافروا بالقرآن فإني أخاف أن يناله العدو (٥)». وجاء في مختصر المنذر لسنن أبي داود: " عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (٦)». قال مالك: أراد مخافة أن يناله العدو. وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه، هكذا ذكره هاهنا أن قوله: «مخافة أن يناله العدو (٧)»، من قول مالك.

стр. 5448

وأخرجه من رواية القعنبي عنه، ووافق القعنبي على ذلك كأبي مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري ويحيى بن يحيى الأندلسي ويحيى بن بكير، ورواه بعضهم من حديث عبد الرحمن بن مهدي والقعنبي عن مالك، فأدرج هذه الزيادة في الحديث. فقد اختلف على القعنبي في هذه الزيادة، فمرة يبين أنها قول مالك، ومرة يدرجها في الحديث. ورواه يحيى بن يحيى النيسابوري عن مالك، فلم يذكر الزيادة البتة، وقد رفع هذه الكلمات أيوب السختياني والليث بن سعد بزيادة (مخافة أن يناله العدو) وأخرجه مسلم من طريق أيوب السختياني بلفظ «لا تسافروا بالقرآن فإني لا آمن أن يناله العدو (١)» ومن طريق الضحاك بن عثمان الحزامي عن نافع عن ابن عمر. وقال بعضهم: يحتمل أن مالكا شك هل هي من قول النبي ﷺ فجعل (التحرية) هذه الزيادة من كلامه على التفسير، وإلا في صحيحه من قول النبي ﷺ من رواية الثقات. والمراد بالقرآن هاهنا المصحف، وكذا جاء مفسرا في بعض الحديث، ونيل العدو له استخفافه به وامتهانه إياه، فإذا أمنت العلة في الجيوش الكثيرة. وقد قيل: ارتفع النهي، وهو مذهب أبي حنيفة وغيره من العلماء، وأشار إليه البخاري، وحملوا النهي على الخصوص، ولم يفرق مالك بين العسكر الكبير والصغير في النهي عن ذلك، وحكي عن بعضهم جواز السفر به مطلقا. وقيل: إن نهيه ﷺ فيه ليس على وجه التحريم والفرض وإنما هو على معنى الندب والإكرام للقرآن. انتهى (٢). وجاء في طرح التثريب: وعن نافع، عن ابن عمر قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (٣)» فيه فوائد. ١ - أخرجه الشيخان وأبو داود وابن ماجه من طريق مالك، وزاد في رواية ابن ماجه: «مخافة أن يناله العدو (٤)»، وفي رواية أبي داود: قال مالك: أراه مخافة أن يناله العدو،

стр. 5449

وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه من طريق الليث بن سعد بزيادة: «مخافة أن يناله العدو (١)»، وأخرجه مسلم من طريق أيوب السختياني بلفظ: «لا تسافروا بالقرآن فإني لا آمن أن يناله العدو (٢)»، ومن طريق الضحاك بن عثمان بلفظ: «مخافة أن يناله العدو (٣)»، وعلقه البخاري من طريق محمد بن بشر عن عبيد الله بن عمر، ومن طريق ابن إسحاق ستتهم عن نافع عن ابن عمر، وقال أبو بكر البرقاني: لم يقل: "كره" إلا محمد بن بشر، ورواه أبو همام عن محمد بن بشر كذلك، ورواه عن عبيد الله بن عمر جماعة، فاتفقوا على لفظة النهي، وقال ابن عبد البر: هكذا قال يحيى بن يحيى والقعنبي وابن بكير، وأكثر الرواة يعني بلفظ: (قال مالك: أراه مخافة أن يناله العدو)، ورواه ابن وهب عن مالك فقال في آخره: «خشية أن يناله العدو (٤)» وفي سياقه الحديث لم يجعله من قول مالك. قلت: وتقدم أنه في سنن ابن ماجه من رواية مالك في نفس الحديث وهو عنده من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن مالك قال. وكذلك قال عبيد الله بن عمر وأيوب والليث وإسماعيل بن أمية وليث بن أبي سليم وإن اختلفت ألفاظهم، قال: وهو صحيح مرفوع. وقال القاضي عياض: في الرواية المشهورة عن مالك يحتمل أنه شك هل هي من قول النبي ﷺ أم لا، وقد روي عن مالك متصلا من كلام النبي ﷺ كرواية غيره من رواية عبد الرحمن بن مهدي وعبد الله بن وهب، وقال النووي: هذه العلة المذكورة في الحديث هي من كلام النبي ﷺ وغلط بعض المالكية فزعم أنها من كلام مالك. ٢ - فيه النهي عن السفر بالقرآن، والمراد به المصحف إلى أرض العدو، وهذا محتمل للتحريم والكراهة، وفي لفظ مسلم: «لا تسافروا بالقرآن (٥)»، وظاهر هذا اللفظ التحريم، ولفظ رواية محمد بن بشر عن عبيد الله: «كره أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (٦)»، وظاهره التنزيه فقط. وقد بوب عليه البخاري (باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو، وكذلك يروى عن محمد بن بشر عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ وتابعه ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ «وقد سافر النبي ﷺ وأصحابه في أرض العدو وهم يعلمون القرآن». انتهى وفي بعض نسخه: (باب السفر) بدون ذكر الكراهة، وقد اعتمد في الكراهة على لفظ رواية محمد بن بشر عن عبيد الله بن عمر، وقد عرفت من كلام البرقاني أن المشهور لفظ النهي، على أن لفظ الكراهة يحتمل التحريم أيضا، وقال ابن عبد البر: أجمع الفقهاء أن لا يسافر بالقرآن

стр. 5450

إلى أرض العدو في السرايا والعسكر الصغير المخوف عليه، واختلفوا في جواز ذلك في العسكر الكبير المأمون عليه، فلم يفرق مالك بين الصغير والكبير، وقال أبو حنيفة: لا بأس في السفر بالعسكر العظيم. وقال النووي في شرح مسلم: إن أمنت العلة بأن يدخل في جيش المسلمين الظاهر عليهم فلا كراهة ولا منع حينئذ لعدم العلة، هذا هو الصحيح، وبه قال أبو حنيفة والبخاري وآخرون، وقال مالك وجماعة من أصحابنا بالنهي مطلقا، وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة الجواز مطلقا، والصحيح عنه ما سبق. انتهى. وقول البخاري ﵀: (قد سافر النبي ﷺ وأصحابه إلى أرض العدو وهم يعلمون القرآن) إن قصد به معارضة النهي عن ذلك فلا تعارض بينهما؛ لأن النهي عن ذلك في المصحف لئلا يتمكنوا منه فينتهكوا حرمته، وليس آدميا يمكنه الدفع عن نفسه بخلاف ما في صدور المؤمنين من القرآن، فإنهم عند العجز عن المدافعة عن أنفسهم لا يعد المهين لهم مهينا للمصحف؛ لأن الذي في صدورهم أمر معنوي، والذي في المصحف مشاهد محسوس- والله أعلم. ٣ - يستنبط منه منع بيع المصحف إلى الكافر لوجود المعنى فيه، وهو تمكنه من الاستهانة به، ولا خلاف في تحريم ذلك، ولكن هل يصح لو وقع؟ اختلف أصحابنا فيه على طريقين (أصحهما): القطع ببطلانه، (والثاني): إجراء الخلاف الذي في بيع العبد المسلم للكافر فيه، والفرق بينهما على عظم حرمة المصحف، وأنه لا يمكنه دفع الذل عن نفسه بالاستعانة بخلاف العبد (١). وقال النووي: " اتفقوا على أنه لا يجوز المسافرة بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه في أيديهم لحديث ابن عمر ﵄ في الصحيحين، أن النبي ﷺ : «نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (٢)». واتفقوا أنه يجوز أن يكتب إليهم الآية والآيتان وشبههما في أثناء كتاب؛ لحديث أبي سفيان ﵁ «أن رسول الله ﷺ كتب إلى هرقل عظيم الروم كتابا فيه: (٤)» الآية (٥).

стр. 5451

ثانيا: ما جاء في النهي عن مس المصحف لغير من كان طاهرا "الطهارة من الحدث ومن الكفر" اختلف أهل العلم في ذلك وفيما يلي نقول عن أهل العلم من المفسرين والمحدثين والفقهاء وتشمل على أقوالهم وأدلتهم ومناقشتها: ١ - النقول عن المفسرين: قال الجصاص: " قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ (١) ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ (٢) ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٣) روي عن سلمان أنه قال: لا يمس القرآن إلا المطهرون، فقرأ القرآن ولم يمس المصحف حين لم يكن على وضوء. وعن أنس بن مالك في حديث إسلام عمر قال: فقال لأخته: أعطوني الكتاب الذي كنتم تقرءون، فقالت: إنك رجس وأنه لا يمسه إلا المطهرون فقم فاغتسل أو توضأ، فتوضأ، ثم أخذ الكتاب فقرأه. وذكر الحديث، وعن سعد أنه أمر ابنه بالوضوء لمس المصحف. وعن ابن عمر مثله، وكره الحسن والنخعي مس المصحف على غير وضوء، وروي عن حماد أن المراد الذي في اللوح المحفوظ لا يمسه إلا المطهرون يعني الملائكة. وقال أبو العالية في قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٤) قال: هو في كتاب مكنون ليس أنتم (٥) من أصحاب الذنوب. وقال سعيد بن جبير وابن عباس: المطهرون الملائكة. وقال قتادة: لا يمسه عند الله إلا المطهرون، فأما في الدنيا فإنه يمسه المجوسي والنجس والمنافق. قال أبو بكر: إن حمل اللفظ على حقيقة الخبر، فالأولى أن يكون المراد القرآن الذي عند الله، والمطهرون الملائكة، وإن حمل على النهي، وإن كان في صورة الخبر، كان عموما فينا، وهذا أولى؛ لما روي عن النبي ﷺ في أخبار متظاهرة أنه كتب في كتابه لعمرو بن حزم: «ولا يمس القرآن إلا طاهر (٦)» فوجب أن يكون نهيه ذلك بالآية؛ إذ فيها احتمال له" (٧).

стр. 5452

وقال القرطبي: " الخامسة- قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (١) اختلف في معنى لا يمسه هل هو حقيقة في المس بالجارحة أو معنى؟ وكذلك اختلف في المطهرون من هم؟ فقال أنس وسعيد بن جبير: لا يمس ذلك الكتاب إلا المطهرون من الذنوب وهم الملائكة. وكذا قال أبو العالية وابن زيد: إنهم الذين طهروا من الذنوب كالرسل من الملائكة، والرسل من بني آدم: فجبريل النازل به مطهر، والرسل الذين يجيئهم بذلك مطهرون. الكلبي: هم السفرة الكرام البررة. وهذا كله قول واحد، وهو نحو ما اختاره مالك حيث قال: أحسن ما سمعت في قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٢) أنها بمنزلة الآية التي في عبس وتولى ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ (٣) ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ (٤) ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ (٥) ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ (٦) ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ (٧)، يريد أن المطهرين هم الملائكة الذين وصفوا بالطهارة في سورة (عبس)، وقال: معنى لا يمسه لا ينزل به، إلا المطهرون أي الرسل من الملائكة على الرسل من الأنبياء. وقيل: لا يمس اللوح المحفوظ الذي هو الكتاب المكنون إلا الملائكة المطهرون. وقيل: إن إسرافيل هو الموكل بذلك، حكاه القشيري. ابن العربي: وهذا باطل؛ لأن الملائكة لا تناله في وقت، ولا تصل إليه بحال، ولو كان المراد به ذلك لما كان للاستثناء فيه مجال، وأما من قال: إنه الذي بأيدي الملائكة في الصحف فهو قول محتمل، وهو اختيار مالك. وقيل: المراد بالكتاب المصحف الذي بأيدينا، وهو الأظهر. وقد روى مالك وغيره أن في كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه له رسول الله ﷺ ونسخته: «من محمد النبي إلى شرحبيل بن عبد كلال والحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال قيل ذي رعين ومعافر وهمدان أما بعد (٨)» وكان في كتابه: «ألا يمس القرآن إلا طاهر (٩)». وقال ابن عمر: قال النبي ﷺ : «لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر». وقالت أخت عمر لعمر عند إسلامه وقد دخل عليها ودعا بالصحيفة: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (١٠) فقام واغتسل وأسلم. وقد مضى في أول سورة (طه)، وعلى هذا المعنى قال قتادة وغيره: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (١١) من

стр. 5453

الأحداث والأنجاس. الكلبي: من الشرك. الربيع بن أنس: من الذنوب والخطايا. وقيل: معنى لا يمسه لا يقرؤه إلا المطهرون إلا الموحدون. قال محمد بن فضيل وعبدة: قال عكرمة: كان ابن عباس ينهى أن يمكن أحد من اليهود والنصارى من قراءة القرآن. وقال الفراء: لا يجد طعمه ونفعه وبركته إلا المطهرون، أي المؤمنون بالقرآن. ابن العربي: وهو اختيار البخاري، قال النبي ﷺ : «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا (١)». وقال الحسين بن الفضل: لا يعرف تفسيره وتأويله إلا من طهره الله من الشرك والنفاق. وقال أبو بكر الوراق: لا يوفق للعمل به إلا السعداء. وقيل: المعنى لا يمس ثوابه إلا المؤمنون. ورواه معاذ عن النبي ﷺ . ثم قيل: ظاهر الآية خبر عن الشرع أي: لا يمسه إلا المطهرون شرعا، فإن وجد خلاف ذلك فهو غير الشرع، وهذا اختيار القاضي أبي بكر بن العربي، وأبطل أن يكون لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر، وقد مضى هذا المعنى في سورة (البقرة). المهدوي: يجوز أن يكون أمرا وتكون ضمة السين ضمة إعراب، ويجوز أن يكون نهيا وتكون ضمة السين ضمة بناء، والفعل مجزوم. السادسة- واختلف العلماء في مس المصحف على غير وضوء؛ فالجمهور على المنع من مسه لحديث عمرو بن حزم، وهو مذهب علي وابن مسعود وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعطاء والزهري والنخعي والحكم وحماد، وجماعة من الفقهاء منهم مالك والشافعي، واختلفت الرواية عن أبي حنيفة، فروي عنه أنه يمسه المحدث، وقد روي هذا عن جماعة من السلف منهم ابن عباس والشعبي وغيرهما، وروي عنه أنه يمس ظاهره وحواشيه وما لا مكتوب فيه، وأما الكتاب فلا يمسه إلا طاهر. ابن العربي: وهذا إن سلمه مما يقوى الحجة عليه؛ لأن تحريم الممنوع ممنوع. وفيما كتبه النبي ﷺ لعمرو بن حزم أقوى دليل عليه. وقال مالك: لا يحمله غير طاهر بعلاقة ولا على وسادة. وقال أبو حنيفة: لا بأس بذلك. ولم يمنع من حمله بعلاقة أو مسه بحائل. وقد روي عن الحكم وحماد وداود بن علي أنه لا بأس بحمله ومسه للمسلم والكافر طاهرا أو محدثا، إلا أن داود قال: لا يجوز للمشرك حمله، واحتجوا في إباحة ذلك بكتاب النبي ﷺ إلى قيصر، وهو موضع ضرورة فلا حجة فيه. وفي مس الصبيان إياه على وجهين: أحدهما: المنع اعتبارا

стр. 5454

بالبالغ، والثاني: الجواز؛ لأنه لو منع لم يحفظ القرآن، لأن تعلمه حال الصغر، ولأن الصبي وإن كانت له طهارة إلا أنها ليست بكاملة، لأن النية لا تصح منه، فإذا جاز أن يحمله على غير طهارة كاملة جاز أن يحمله محدثا " (١). وقال ابن كثير: " وقال ابن جرير: حدثني موسى بن إسماعيل، أخبرنا شريك، عن حكيم -هو ابن جبير - عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٢) قال: الكتاب الذي في السماء. وقال العوفي عن ابن عباس: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٣) يعني الملائكة. وكذا قال أنس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وأبو الشعثاء جابر بن زيد وأبو نهيك والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم. وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، حدثنا معمر، عن قتادة ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٤) قال: لا يمسه عند الله إلا المطهرون، فأما في الدنيا فإنه يمسه المجوسي النجس، والمنافق الرجس، قال: وهي في قراءة ابن مسعود: (ما يمسه إلا المطهرون). وقال أبو العالية: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٥) ليس أنتم، أنتم أصحاب الذنوب. وقال ابن زيد: زعمت كفار قريش أن هذا القرآن تنزلت به الشياطين، فأخبر الله تعالى أنه لا يمسه إلا المطهرون كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ (٦) ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (٧) ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ (٨) وهذا القول قول جيد وهو لا يخرج عن الأقوال التي قبله، وقال الفراء: لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن به. وقال آخرون: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٩) أي من الجنابة والحدث، قالوا: ولفظ الآية خبر، ومعناها الطلب، قالوا: والمراد بالقرآن هاهنا المصحف، كما روى مسلم عن ابن عمر «أن رسول الله ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو (١٠)»، واحتجوا في ذلك بما رواه الإمام مالك في موطئه عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد عن عمرو بن حزم أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: «أن لا يمس القرآن إلا طاهر (١١)». وروى أبو داود في المراسيل من حديث الزهري قال: قرأت في صحيفة عند أبي بكر بن محمد بن حزم، أن رسول الله ﷺ قال: «ولا

стр. 5455

يمس القرآن إلا طاهر (١)»، وهذه وجادة جيدة قد قرأها الزهري وغيره، ومثل هذا لا ينبغي الأخذ به، وقد أسنده الدارقطني عن عمرو بن حزم وعبد الله بن عمر وعثمان بن أبي العاص، وفي إسناد كل منهما (٢) نظر" (٣). وقال القرطبي: " قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٤) ابتداء وخبر، واختلف العلماء في معنى وصف المشرك بالنجس، فقال قتادة ومعمر بن راشد وغيرهما: لأنه جنب؛ إذ غسله من الجنابة ليس بغسل. وقال ابن عباس وغيره: بل معنى الشرك هو الذي نجسه. قال الحسن البصري: من صافح مشركا فليتوضأ. والمذهب كله على إيجاب الغسل على الكافر إذا أسلم إلا ابن عبد الحكم فإنه قال: ليس بواجب؛ لأن الإسلام يهدم ما كان قبله، وبوجوب الغسل عليه قال أبو ثور وأحمد، وأسقطه الشافعي. وقال: أحب إلي أن يغتسل، ونحوه لابن القاسم، ولمالك قول: إنه لا يعرف الغسل، رواه عنه ابن وهب وابن أبي أويس. وحديث ثمامة وقيس بن عاصم يرد هذه الأقوال، رواهما أبو حاتم البستي في صحيح مسنده «وأن النبي ﷺ مر بثمامة يوما فأسلم، فبعث به إلى حائط أبي طلحة، فأمره أن يغتسل، فاغتسل وصلى ركعتين. فقال رسول الله ﷺ : لقد حسن إسلام صاحبكم (٥)»، وأخرجه مسلم بمعناه. وفيه: «أن ثمامة لما من عليه النبي ﷺ انطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل (٦)»، وأمر قيس بن عاصم أن يغتسل بماء وسدر. فإن كان إسلامه قبل احتلامه فغسله مستحب، ومتى أسلم بعد بلوغه لزمه أن ينوي بغسله الجنابة، هذا قول علمائنا، وهو تحصيل المذهب" (٧). وقال ابن كثير على قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٨): " أمر تعالى عباده المؤمنين الطاهرين دينا وذاتا بنفي المشركين الذين

стр. 5456

هم نجس دينا عن المسجد الحرام، وأن لا يقربوه بعد نزول هذه الآية، وكان نزولها في سنة تسع، ولهذا بعث رسول الله ﷺ عليا صحبة أبي بكر ﵄ عامئذ، وأمره أن ينادي في المشركين: «أن لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان (١)»، فأتم الله ذلك وحكم به شرعا وقدرا. وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٢) إلا أن يكون عبدا أو أحدا من أهل الذمة. وقد روي مرفوعا من وجه آخر، فقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا شريك، عن الأشعث - يعني ابن سوار - عن الحسن، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل مسجدنا بعد عامنا هذا مشرك إلا أهل العهد وخدمهم (٣)»، تفرد به الإمام أحمد مرفوعا، والموقوف أصح إسنادا. وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي: كتب عمر بن عبد العزيز ﵁ أن امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين، وأتبع نهيه قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٤) وقال عطاء: الحرم كله مسجد؛ لقوله تعالى ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٥) ودلت هذه الآية الكريمة على نجاسة المشرك كما ورد في الصحيح: «المؤمن لا ينجس (٦)». وأما نجاسة بدنه فالجمهور على أنه ليس بنجس البدن والذات؛ لأن الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب، وذهب بعض الظاهرية إلى نجاسة أبدانهم، وقال أشعث عن الحسن: من صافحهم فليتوضأ، رواه ابن جرير " (٧).

стр. 5457

٢ - النقول عن المحدثين: أ- قال الزيلعي: " الحديث الخامس: قال النبي ﷺ : «لا يمس القرآن إلا طاهر (١)»، قلت: روي من حديث عمرو بن حزم، ومن حديث ابن عمر، ومن حديث حكيم بن حزام، ومن حديث عثمان بن أبي العاص، ومن حديث ثوبان.

стр. 5458

أما حديث عمرو بن حزم فرواه النسائي في "سننه" في "كتاب الديات"، وأبو داود في "المراسيل" من حديث محمد بن بكار بن بلال، عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن أرقم، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن في السنن والفرائض والديات: «أن لا يمس القرآن إلا طاهر (١)» انتهى. وروياه أيضا من حديث الحكم بن موسى، عن يحيى بن حمزة، ثنا سليمان بن داود الخولاني، حدثني الزهري، عن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده بنحوه، قال أبو داود: وهم فيه الحكم بن موسى "يعني قوله: سليمان بن داود " وإنما هو سليمان بن أرقم، قال النسائي: الأول أشبه بالصواب، وسليمان بن أرقم متروك. انتهى. وبالسند الثاني رواه ابن حبان في "صحيحه" في النوع السابع والثلاثين، من القسم الخامس، قال: سليمان بن داود الخولاني من أهل دمشق ثقة مأمون، انتهى. وكذلك الحاكم في المستدرك (٢) وقال: هو من قواعد الإسلام، وإسناده من شرط هذا الكتاب. انتهى. أخرجه بطوله، ورواه الطبراني في "معجمه" والدارقطني (٣) ثم البيهقي في سننهما، وأحمد في مسنده، وابن راهويه. طريق آخر: رواه الدارقطني في "غرائب مالك " من حديث أبي ثور هاشم بن ناجية، عن مبشر بن إسماعيل، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن جده قال: «كان فيما أخذ عليه رسول الله ﷺ أن لا يمس القرآن إلا طاهر (٤)»، قال الدارقطني: تفرد به أبو ثور عن مبشر عن مالك، فأسنده عن جده، ثم رواه من حديث إسحاق الطباع: أخبرني مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، قال: «كان في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ أن لا يمس القرآن إلا طاهر (٥)» قال: وهذا الصواب عن مالك، ليس فيه عن جده. انتهى.

стр. 5459

قال الشيخ تقي الدين في "الإمام" وقوله فيه: (عن جده) أن يراد به جده الأدنى وهو محمد بن عمرو بن حزم، ويحتمل أن يراد به جده الأعلى، وهو عمرو بن حزم، وإنما يكون متصلا إذا أريد الأعلى، لكن قوله: كان فيما أخذ عليه رسول الله ﷺ يقتضي أنه عمرو بن حزم؛ لأنه الذي كتب له الكتاب. طريق آخر أخرجه البيهقي في "الخلافيات" من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، «أن رسول الله ﷺ كتب في عهده: ولا يمس القرآن إلا طاهر (١)» انتهى. قلت: لم أجده عند عبد الرزاق في "مصنفه" وفي "تفسيره" إلا مرسلا، فرواه في "مصنفه" في "باب الحيض": أخبرنا معمر، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه قال: كان في كتاب رسول الله ﷺ الحديث ورواه في "تفسيره" في سورة الواقعة أخبرنا معمر، عن عبد الله ومحمد ابني أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن أبيهما، «أن النبي ﷺ كتب لهم كتابا فيه: ولا يمس القرآن إلا طاهر (٢)» انتهى. ومن طريق عبد الرزاق رواه الدارقطني ثم البيهقي في "سننهما" هكذا مرسلا. قال الدارقطني: هذا مرسل ورواته ثقات. انتهى. طريق آخر، رواه البيهقي في "الخلافيات" أيضا من حديث إسماعيل بن أبي أويس، حدثني أبي، عن عبد الله ومحمد ابني أبي بكر يخبرانه، عن أبيهما، عن جدهما، عن رسول الله ﷺ أنه كتب هذا الكتاب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن، وأبو أويس صدوق، أخرج له مسلم في "المتابعات"، وقد روى هذا الحديث من طرق أخرى مرسلة، وسيأتي في "الزكاة" وفي "الديات" بعض ذلك إن شاء الله تعالى، قال السهيلي في "الروض الأنف" (٣): حديث: «لا يمس القرآن إلا طاهر (٤)» مرسل لا يقوم به الحجة، وقد أسنده الدارقطني من طرق أقواها رواية أبي داود الطيالسي، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده. انتهى.

стр. 5460

وأما حديث ابن عمر، فرواه الطبراني في "معجمه" والدارقطني (١) ثم البيهقي من جهته في "سننهما"، من حديث ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، قال: سمعت سالما يحدث عن أبيه قال: قال النبي ﷺ : «لا يمس القرآن إلا طاهر (٢)»، انتهى. وسليمان بن موسى الأشدق مختلف فيه، فوثقه بعضهم، وقال البخاري: عنده مناكير، وقال النسائي: ليس بالقوي، وأما حديث حكيم بن حزام، فرواه الحاكم في "المستدرك" في "كتاب الفضائل" من حديث سويد بن أبي حاتم ثنا: مطر الوراق، عن حسان بن بلال، عن حكيم بن حزام قال: لما بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، قال: «لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر»، انتهى. قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، رواه الطبراني، والدارقطني ثم البيهقي في "سننهما". وأما حديث عثمان بن أبي العاص، فرواه الطبراني في "معجمه ": حدثنا أحمد بن عمرو الخلال المكي، ثنا: يعقوب بن حميد، ثنا: هشام بن سليمان، عن إسماعيل بن رافع، عن محمد بن سعيد، عن عبد الملك، عن المغيرة بن شعبة، عن عثمان بن أبي العاص، أن رسول الله ﷺ قال: «لا يمس القرآن إلا طاهر (٣)». انتهى. وأما حديث ثوبان فلم أجده موصولا، ولكن قال ابن القطان في كتابه "الوهم والإيهام": وروى علي بن عبد العزيز في "منتخبه" حدثنا: إسحاق بن إسماعيل ثنا: مسعدة البصري، عن خصيب بن جحدر، عن النضر بن شفي، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان قال: قال رسول ﷺ : «لا يمس القرآن إلا طاهر، والعمرة هي الحج الأصغر (٤)» انتهى. قال ابن القطان: وإسناده في غاية الضعف، أما النضر بن شفي فلم أجد له ذكرا في شيء من مظانه، فهو مجهول جدا، وأما الخصيب بن جحدر فقد رماه ابن معين بالكذب، وأما مسعدة البصري فهو" ابن اليسع " تركه أحمد بن حنبل، وخرق حديثه، ووصفه أبو حاتم بالكذب، وأما إسحاق بن إسماعيل فهو " ابن عبد الأعلى " يروي عن ابن عيينة وجرير وغيرهما، وهو شيخ

стр. 5461

لأبي داود، وأبو داود إنما يروي عن ثقة عنده، انتهى كلامه. وفي الباب أثران جيدان: أحدهما: أخرجه الدارقطني (١) عن إسحاق الأزرق، ثنا القاسم بن عثمان البصري، عن أنس بن مالك، قال: خرج عمر متقلدا بالسيف، فقيل له: إن ختنك وأختك قد صبوا، فأتاهما عمر، وعندهما رجل من المهاجرين، يقال له: خباب، وكانوا يقرءون (طه) فقال: أعطوني الذي عندكم، فأقرأه -وكان عمر يقرأ الكتب- فقالت له أخته: إنك رجس، ولا يمسه إلا المطهرون فقم فاغتسل أو توضأ، فقام عمر فتوضأ، ثم أخذ الكتاب فقرأ (طه) انتهى. ورواه أبو يعلى الموصلي في "مسنده" مطولا، قال الدارقطني: تفرد به القاسم بن عثمان، وليس بالقوي، وقال البخاري: له أحاديث لا يتابع عليها. الثاني: أخرجه الدارقطني أيضا عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: كنا مع سلمان، فخرج فقضى حاجته، ثم جاء فقلت: يا أبا عبد الله لو توضأت لعلنا نسألك عن آيات، قال: إني لست أمسه، إنه لا يمسه إلا المطهرون، فقرأ علينا ما شئنا، انتهى. وصححه الدارقطني " (٢).

стр. 5462

ب- وقال ابن حجر: " حديث: «لا يمس القرآن إلا طاهر (١)» أبو داود في المراسيل والنسائي من حديث عمرو ابن حزم، في أثناء حديثه الطويل.

стр. 5463

وأخرجه الدارقطني (١) من طريق أبي ثور عن مبشر بن إسماعيل، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن جده، قال: «كان فيما أخذ عليه رسول الله ﷺ أن لا يمس القرآن إلا طاهر (٢)» تفرد به أبو ثور، وقال: الصواب ليس فيه: عن جده. ثم أخرجه من طريق إسحاق بن الصباغ عن مالك كذلك. وأخرجه عبد الرزاق والدارقطني والبيهقي من طريقه، عن معمر، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، ليس فيه: عن جده. وقد أخرجه الطيالسي من طريق أبي بكر بن محمد، عن أبيه، عن جده نحوه. وفي الباب: عن ابن عمر أخرجه الطبراني والبيهقي. وعن حكيم بن حزام أخرجه الحاكم والطبراني والدارقطني. وعن عثمان (٣) بن أبي العاص، أخرجه الطبراني. وعن ثوبان رفعه: «لا يمس القرآن إلا طاهر، والعمرة هي الحج الأصغر (٤)» أخرجه علي بن عبد العزيز في منتخب المسند، وإسناده ضعيف. وعن أخت عمر أنها قالت له عند إسلامه: إنك رجس ولا يمسه إلا المطهرون. أخرجه أبو يعلى والطبراني. وعن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان، أنه قضى حاجته فخرج ثم جاء، فقلت: لو توضأت لعلنا نسألك عن آيات؟ قال: إني لست أمسه، لا يمسه إلا المطهرون، فقرأ علينا ما شئنا، أخرجه الدارقطني وصححه (٥).

стр. 5464

ج- وقال ابن حجر أيضا: " حديث: أنه ﷺ قال لحكيم بن حزام: لا يمس المصحف إلا طاهر، الدارقطني والحاكم في المعرفة من مستدركه، والبيهقي في الخلافيات، والطبراني من حديث حكيم قال: لما بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن: قال: «لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر»، وفي إسناده سويد أبو حاتم، وهو ضعيف، وذكر الطبراني في الأوسط: أنه تفرد به، وحسن الحازمي إسناده، واعترض النووي على صاحب المهذب في إيراده له عن حكيم بن حزام بما حاصله أنه تبع في ذلك الشيخ أبا حامد، يعني في قوله: عن حكيم بن حزام، قال: والمعروف في كتب الحديث أنه عن عمرو بن حزم، قلت: حديث عمرو بن حزم أشهر، وهو في الكتاب الطويل، كما سيأتي الكلام عليه في الديات إن شاء الله تعالى. ثم إن الشيخ محي الدين في الخلاصة ضعف حديث حكيم بن حزام وحديث عمرو بن حزم جميعا، فهذا يدل على أنه وقف على حديث حكيم بعد ذلك، والله أعلم. وفي الباب عن ابن عمر رواه الدارقطني وإسناده لا بأس به، ذكر الأثرم أن أحمد احتج به، وعن عثمان بن أبي العاص، رواه الطبراني وابن أبي داود في المصاحف، وفي إسناده انقطاع، وفي رواية الطبراني من لا يعرف. وعن ثوبان، أورده علي بن عبد العزيز في منتخب مسنده، وفي إسناده خصيب بن جحدر، وهو متروك، وروى الدارقطني في قصة إسلام عمر أن أخته قالت له قبل أن يسلم: إنك رجس، ولا يمسه إلا المطهرون. وفي إسناده مقال. وفيه عن سلمان موقوفا، أخرجه الدارقطني والحاكم. قوله: ويروى أنه ﷺ قال: «لا يحمل المصحف ولا يمسه إلا طاهر (١)» هذا اللفظ لا يعرف في شيء من كتب الحديث، ولا يوجد ذكر حمل المصحف في شيء من الروايات، وأما المس ففيه الأحاديث الماضية.

стр. 5465

حديث: أنه ﷺ كتب كتابا إلى هرقل، وكان فيه: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ (١) الآية، متفق عليه من حديث ابن عباس عن أبي سفيان صخر بن حرب في حديث طويل (٢).
следующие страницы →