← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.

стр. 5706

وقال ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل: سليمان بن يزيد أبو المثنى الكعبي الخزاعي المديني، ثم ذكر أنه يروي عن سعيد المقبري وربيعة بن أبي عبد الرحمن ويحيى بن سعيد الأنصاري وعباد بن إسحاق وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، وأنه يروي عنه عبد الله بن نافع الصائغ، وابن أبي فديك وابن وهب ثم قال: سمعت أبي يقول [أبو المثنى هذا منكر الحديث ليس بقوي]، وبعد أن ذكر الحافظ ابن عبد الهادي ما في تاريخ البخاري والكنى للنسائي والكنى لأبي عمر بن عبد البر من تراجم لأبي المثنى، تدل على أنه لم يسمع من أنس بن مالك أوضح تناقض ابن حبان في ذكره إياه في الكتابين كتاب الثقات وكتاب المجروحين، وعلق على صنيع ابن حبان هذا بقوله: (توهم أنه رجلان وذلك خطأ بل هو رجل واحد منكر الحديث غير محتج به، لم يسمع من أنس بل روايته عنه منقطعة غير متصلة) انتهى.

стр. 5707

وأما رواية ابن عمر عند الديلمي لحديث: «من مات بين الحرمين حاجا أو معتمرا» الحديث، فقد أوردها صاحب كنز العمال جـ ٢ ص ٢٧٢ ضمن حديث طويل لفظه: «من مات بين الحرمين حاجا أو معتمرا بعثه الله يوم القيامة لا حساب عليه ولا عذاب، ومن زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي، ومن جاورني بعد موتي فكأنما جاورني في حياتي، ومن مات بمكة فكأنما مات بالسماء الدنيا، ومن شرب ماء زمرم فماء زمزم لما شرب له، ومن قبل الحجر واستلمه شهد له يوم القيامة بالوفاء، ومن طاف حول بيت الله أسبوعا أعطاه الله بكل طواف عشر نسمات من ولد إسماعيل عتاقة، ومن سعى بين الصفا والمروة ثبت الله قدميه على الصراط في يوم تزل فيه الأقدام» بهذا اللفظ أوردها صاحب كنز العمال، ثم قال في سندها: أفيه أحمد بن صالح الشمومي، قال ابن حجر هذا من مناكيره. انتهى كلام صاحب كنز العمال. وقد قال: ابن حبان في ترجمة أحمد بن صالح هذا من كتاب المجروحين جـ١ ص ١٤٩ [أحمد بن صالح الشمومي أبو جعفر شيخ من أهل مكة يروي عن عبد الله بن صالح كاتب الليث والغرباء، حدثنا عنه شيوخنا كان ممن يأتي عن الإثبات بالمعضلات وعن المجروحين بالطامات تجب مجانبة ما روي من الأخبار، وترك ما حدث من الآثار لتنكبه الطريق المستقيم في الرواية وركوبه أضل السبيل في التحديث.

стр. 5708

وهذا شيخ لم يكن يكتب عنه أصحاب الحديث ولا يكاد يوجد حديثه إلا عند أهل خراسان الذين كانوا يكتبون عنه بمكة، لكني ذكرته ليعرف فتجتنب روايته]، انتهى الكلام. ولرواية ابن عمر لحديث: «من مات بين الحرمين حاجا أو معتمرا بعثه الله بلا حساب عليه ولا عذاب» طريق آخر عند ابن الجوزي في (باب ثواب من مات بين الحرمين) من الموضوعات جـ ٢ ص ٢١٩. قال: أنبأنا محمد بن ناصر، أنبأنا أحمد بن علي بن خلف، أنبأنا أبو عبد الله محمد ابن عبد الله الحاكم، حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن إسحاق الفاكهي، حدثني محمد بن إسماعيل بن سالم الصائغ، حدثنا عبد الله بن نافع، حدثنا مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات بين الحرمين حاجا أو معتمرا بعثه الله بلا حساب عليه ولا عذاب»، هكذا رواه ابن الجوزي وقال: (هذا لا يصح، قال البخاري عبد الله بن نافع منكر الحديث، وقال يحيى: ليس بشيء، وقال النسائي: متروك الحديث) انتهى. وتعقبه السيوطي في اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة جـ ٢ ص ١٣٠. بقوله: [أقلت قال الرشيد العطار: عبد الله بن نافع الذي ضعفه المذكورون لا أعلم له رواية عن مالك وإنما يروي عن أبيه نافع، وإنما الذي روى عن مالك عبد الله بن نافع الصائغ أو عبد الله بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، ولا أعلم فيهما مطعنا، وقد قال ابن الجوزي في كتاب الضعفاء جملة من يجيء في الحديث عبد الله بن نافع سبعة لم نر طعنا سوى في عبد الله بن نافع مولى ابن عمر والله أعلم] انتهى. وقال أبو الحسن علي بن محمد بن عراق الكناني في " تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة " جـ ٢ ص ١٧٣ قلت أخرج الحديث أبو سعد أحمد ابن إبراهيم المقري في كتاب التبصرة والتذكرة، ومن طريقه الحافظ العراقي في تخريج الإحياء الكبير، وقال إسناده حسن، وقال الذهبي في الميزان: ساق ابن الجوزي هذا الحديث في الموضوعات فلم ينصف والله أعلم " انتهى. كلام ابن عراق، ولفظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن نافع الصائغ، صاحب مالك جـ ٢ ص ٥١٤، بعد

стр. 5709

ذكر كلام الأئمة فيه [أنكر مالك ما رواه محمد بن إسماعيل الصائغ ثقة، حدثنا عبد الله بن نافع، حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر مرفوعا «من مات بين الحرمين حاجا أو معتمرا لم يحاسب» هذا الخبر ساقه ابن الجوزي في الموضوعات فلم ينصف]. انتهى. وفي اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة للسيوطي جـ٢ ص ١٢٨ - ١٢٩ أن ابن منده أخرج في أخبار أصبهان حديث ثواب من مات في طريق مكة عن ابن عمر قال: أخرج ابن عبد الله بن منده في أخبار أصبهان، أنبأنا عبد الله بن إبراهيم بن الصباح، حدثنا رجاء ابن صهيب، حدثنا علي بن قرين، حدثنا خالد بن عبد الله الواسطي عن محمد بن إسحاق عن نافع بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «ومن مات في طريق مكة في البدأة أو في الرجعة وهو يريد الحج أو العمرة لم يعرض ولم يحاسب ودخل الجنة» وفي سند هذه الرواية علي بن قرين وهو تالف قاله الحافظ الذهبي.

стр. 5710

وأما رواية حديث أن «من مات في طريق مكة لم يعرض ولم يحاسب» عن أم المؤمنين عائشة ﵂، فقد رواها أبو نعيم في ترجمة محمد بن صبيح بن السماك من (حلية الأولياء) جـ ٨ ص ٢١٥ - ٢١٦. قال: [حدثنا محمد بن حميد، ثنا أبو يعلى الموصلي، ثنا الحسن بن حماد، ثنا حسين الجعفي، ثنا ابن السماك، عن عائذ بن بشير عن عطاء، عن عائشة، عن النبي ﷺ «من مات في طريق مكة لم يعرض ولم يحاسب»] ورواها الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد جـ ٢ ص ١٧٠ تحت عنوان [ذكر من اسمه محمد واسم أبيه الحسن] قال: " أخبرنا الحسن بن الحسين النعالي قال: نبأنا محمد بن الخضر بن زكريا الدقاق، قال: نبأنا أبو بكر أحمد بن محمد بن شبيب، قال نبأنا أبو عبد الله محمد بن هشام المروروذي قال نبأنا محمد بن الحسن الهمداني عن عائذ المكتب، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ «من مات في هذه الوجه من حاج أو معتمر لم يعرض ولم يحاسب وقيل له أن أدخل الجنة» وفي سند كل واحدة من الروايتين عائذ بن بشير وعائذ هذا قال فيه ابن الجوزي في الموضوعات جـ ٢ ص ٢١٧ - ٠٢١٨ [قال يحيى بن معين عائذ ضعيف روى أحاديث مناكير، وقال ابن عدي تفرد به عائذ عن عطاء، وقال ابن حبان: كان كثير الخطأ لا يحتج بما انفرد به، أي بحديثه عن عائشة في هذا الباب]. انتهى كلام ابن الجوزي.

стр. 5711

وقال الذهبي في ترجمة عائذ بن بشير من " ميزان الاعتدال " جـ ٢ ص ٣٦٣: ضعفه يحيى بن معين، وسرد له ابن عدي مناكير منها: يحيى بن يمان عنه عن عطاء عن عائشة مرفوعا «من مات في طريق مكة لم يعرضه الله يوم القيامة ولم يحاسبه» انتهى. وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه [لسان الميزان]، جـ ٣ ص ٢٢٦ قال العقيلي - أي في عائذ بن بشير -: منكر الحديث وأورد له الحديث الأول - من حديثين ذكرهما «من مات في طريق مكة لم يعرضه الله ولم يحاسبه» من طريق يحيى بن يمان أيضا، ومن طريق مندل عنه عن محمد البصري، عن عطاء مرسلا بمعناه، وقال الدوري عن ابن معين عائذ بن بشير ليس به بأس ولكنه روى أحاديث مناكير. انتهى الكلام. وفي سند رواية الخطيب البغدادي إضافة إلى عائذ بن بشير شيخ عائذ محمد بن الحسن الهمداني، وهو تالف، قال فيه الإمام أحمد بن حنبل ما أراه يسوى شيئا كان ينزل عند مقابر الخيزران جعل يحدثنا بأحاديث يجيء بها كما يحدث بها ابن زائدة وأبو معاوية، وقال في رواية ابنه عبد الله عنه: محمد بن الحسن الهمداني ضعيف. وقاك يحيى بن معين في رواية ابن الغلابي عنه: محمد بن الحسن الكوفي ليس بثقة، وقال في رواية العباس بن محمد عنه: محمد بن الحسن بن أبي يزيد - أي الهمداني - كذاب. وقال يعقوب بن سفيان: محمد بن الحسن الهمداني ومحمد بن الحسن الأسدي ضعيفان. وقال أبو داود في محمد بن الحسن بن أبي يزيد: هذا كذاب وثب على كتب أبيه. وقال عبد الله بن أحمد: محمد بن الحسن بن أبي يزيد ممن دخل بغداد من الكوفيين وحدث بها فلم يحمد أمره. وقال النسائي: محمد بن الحسن بن أبي يزيد متروك الحديث.

стр. 5712

وقال الدارقطني في محمد بن الحسن الهمداني كوفي لا شيء]، روى ذلك كله عن هؤلاء الأجلة الخطيب البغدادي بأسانيده إليهم وذلك في تاريخ بغداد جـ ٢ ص ١٧١ - ١٧٢.

стр. 5713

وأما رواية حديث ثواب من مات في أحد الحرمين عن عمر بن الخطاب ﵁، فعند أبي داود الطيالسي في مسنده ص ١٢ - ١٣ قال: (حدثنا سوار بن ميمون أبو الجراح العبدي، قال حدثني رجل من آل عمر، عن عمر، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من زار قبري، أو قال: من زارني كنت له شفيعا أو شهيدا، ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله من الآمنين يوم القيامة» ومن طريق الطيالسي هذا أورد البيهقي هذا الحديث في زيارة قبر النبي ﷺ من " السنن الكبرى " جـ ٥ ص ٢٤٥، قال أخبرنا أبو بكر بن فورك أنا عبد الله بن جعفر ثنا يونس بن حبيب، ثنا أبو داود، ثنا سوار بن ميمون أبو الجراح العبدي قال: حدثني رجل من آل عمر عن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول من زار قبري أو قال «من زارني كنت له شفيعا أو شهيدا، ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله في الآمنين يوم القيامة» ثم قال البيهقي (هذا إسناد مجهول) انتهى الكلام. هذا ما وصل إليه بحثي عن طرق هذا الحديث، وقد قال الحسن بن محمد بن الحسن القرشي الصفاني في موضوعاته ص٣٩ ما نصه [ومنها - أي من الأحاديث الموضوعة - قولهم: «من مات بين الحرمين بعث آمنا يوم القيامة، ومن مات في مكة حاجا لم يعرضه الله تعالى ولم يحاسبه»] انتهى. والخلاصة أن كل طريق من طرق هذا الحديث لا تخلو من علة قادحة وأن كلام العجلوني لم أجد له بعد التتبع أساسا. والله ولي التوفيق. وهو حسبي ونعم الوكيل.

стр. 5714

الإسناد وأهميته في نقد الحديث النبوي الدكتور محمد لقمان السلفي. ولد عام ١٣٦٢ هـ. حصل على شهادة " المولوي " في العلوم الإسلامية والعربية من الهند. . بالدرجة الأولى حيث كان الأول في ولاية بيهار كلها. وشهادة (الفاضل) في الحديث النبوي والعلوم الإسلامية بالدرجة الأولى من دار العلوم الأحمدية السلفية في ولاية بيهار بالهند. وشهادة الليسانس من كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. وعلى شهادة الماجستير من المعهد العالي للقضاء بالرياض - وكان موضوع الرسالة (حجية السنة والرد على شبه المنكرين). وعلى شهادة الدكتوراه في السنة النبوية وعلومها من كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، وكان موضوع الرسالة (اهتمام المحدثين بنقد الحديث سندا ومتنا ودحض مزاعم المستشرقين وأتباعهم). عمل في الصحافة الإسلامية لمدة ست سنوات حيث أشرف على صفحة العالم الإسلامي في جريدة الدعوة الإسلامية في الرياض - مجلة الدعوة حاليا - وعضو التحرير لمجلة التوعية الإسلامية في الحج لعدة سنوات. الترجمة بين اللغة العربية واللغات الإنجليزية والأردية والفارسية لمدة تزيد عن سبع عشرة سنة. المشاركة في عدة مؤتمرات إسلامية وإعداد تقارير شاملة عن الدعوة الإسلامية والجمعيات الإسلامية والمذاهب الهدامة. يعمل الآن في مكتب سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز في الترجمة، بين سماحته والوفود الإسلامية الزائرة للرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

стр. 5715

صفحة فارغة

стр. 5716

الإسناد وأهميته في نقد الحديث النبوي الدكتور / محمد لقمان السلفي ١ - أثر الحركات الهدامة في وضع الأحاديث: إن دخول أخلاط من الناس في الإسلام أوجد بين المسلمين بعد العصر الأول جماعات غير متشبعة بالمعنى الصحيح للإسلام، وبالولاء الكامل المطلق لله ولرسوله، وبالشعور الرقيق لمكانة القرآن وسنة الرسول ﷺ . ولم يلفت الأنظار في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلا واقعة أو واقعتان، فلما كان آخر عهد عثمان بن عفان وجدت حركة سرية، للنيل من مكانة الصحابة والسنة النبوية لعلمهم أن الصحابة هم القوة الجبارة وراء الفتوحات الإسلامية، وأن السنة هي المصدر الثاني بعد القرآن للإيمان والعقيدة والعمل الصالح. وقد أصبحت قيادة الحركة في أيدي اليهود من جنوب اليمن وعلى رأسهم الخب اللعين عبد الله بن سبأ. وقد بدأ عملهم السري في المستوطنات العسكرية - أجناد المسلمين - في البصرة والكوفة والشام ومصر. ولم يكن يوجد في تلك المستوطنات من الصحابة إلا قليلون، فكان الجو ملائما جدا لإيجاد الخلايا الفاسدة ضد الإسلام (١). كما أن قلة بضاعة النزل في تلك المستوطنات في العلم وبداوتهم وما يتبعها من الأمور الأخرى، كانت من أهم الأسباب لوقوعهم في فخ أولئك الماكرين الذين كانت إثارة الفتن هدفهم، وبيع الفساد دينهم وعقيدتهم (٢).

стр. 5717

وأولئك المتآمرون كانوا يعلمون جيدا أنه من الاستحالة في مكان التعرض للقرآن الكريم، كما كانوا يعرفون تماما أن الكذب لا يمكن أن يصدر من الصحابة أو أن يروج بينهم. فالتجأ المتآمرون إلى أولئك الأخلاط من الناس، وأخذوا يضعون الأحاديث على أفواه بعض الصحابة الذين كانوا يذيعون عنهم بين أولئك الناس أن هؤلاء وحدهم كانوا على صلة مخلصة بالرسول ﷺ دون غيرهم من الصحابة. ولذلك نجد الحافظ ابن حجر العسقلاني، يشير إلى أن حركة ابن سبأ إنما استهدفت الإساءة إلى مكانة الصحابة وإلى الأحاديث النبوية في وقت واحد (١). وقد نقل الحافظ على لسان الشعبي: أول من كذب، عبد الله بن سبأ (٢). ٢ - الحركات تتقوى: فلما توفي عمر بن الخطاب ﵁، وانتشرت الفوضى في صفوف المسلمين، جمع عثمان ﵁، ولاة المناطق واستشارهم في الأمر. فقال بعضهم: أرى لك يا أمير المؤمنين أن تشغلهم بالجهاد عنك (٣). ولكن الوقت كان متأخرا. إذ الفتنة كانت قد أخذت مأخذها في رءوس كثير من الناس.

стр. 5718

٣ - المحاولة للقضاء على الفتنة: وأخذت في الشدة بمر الزمن، وابتلي المسلمون بالحروب الأهلية وكاد المؤرخون أن يجمعوا على أن السبئيين هم الذين حولوا الصلح إلى الحرب - في وقعة الجمل - ثم استمرت الفتن، ووقعت حرب الصفين، ثم حروب الخوارج، والسبئيون يعملون تحت الستار لنشر الأكاذيب.

стр. 5719

وقد حاول علي ﵁ أن يقضي على الفتنة، ولكن الأمور كانت قد فسدت إلى أبعد الحدود، فإن السنوات الماضية كانت كافية لبث الموضوعات والأكاذيب على لسان الرسول ﷺ بين أجناد المسلمين، خطب عبد الملك بن مروان مرة في المدينة فقال: قد سالت علينا أحاديث من قبل هذا المشرق ولا نعرفها (١). روى مسلم عن مجاهد قال: جاء بشير العدوي إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ ، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه، ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس، مالي لا أراك تسمع لحديثي، أحدثك عن رسول الله ﷺ ولا تسمع؟ فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله ﷺ ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بأذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف (٢). والقرائن تشير إلى أن الحوار وقع في البصرة، عندما كان ابن عباس واليا عليها. ويبدو أن ابن عباس لم يكن وحده الذي حصل عنده رد الفعل، فإن استعمال كلمة الجمع (إنا كنا) دليل واضح على أنه وجدت في ذلك الوقت جماعة ترى هذا الرأي. وإلى هذا يشير ما رواه الحاكم عن الحسن عما جرى بين عمران بن حصين ﵁ وبين رجل طلب منه أن يحدثه بالقرآن فقط، فقال له عمران: أنت وأصحابك تقرءون القرآن، أكنت محدثي عن الصلاة وما فيها وما حدودها؟ أكنت محدثي عن الزكاة في الذهب والإبل والبقر وأصناف المال، ولكن قد شهدت وغبت أنت. ثم قال فرض علينا رسول الله ﷺ في الزكاة كذا وكذا فقال الرجل: أحييتني، أحياك الله (٣). وقد أورده الخطيب في باب تخصيص السنن لعموم محكم القرآن وذكر الحاجة في المجمل إلى التفسير والبيان (٤). وإلى هذا يشير ما قاله علي بن أبي طالب ﵁ (قاتلهم الله أي عصابة بيضاء سودوا، وأي حديث من حديث رسول الله ﷺ أفسدوا) (٥). وروى مسلم

стр. 5720

عن أبي إسحاق قال: لما أحدثوا تلك الأشياء بعد علي، قال رجل من أصحاب علي: قاتلهم الله أي علم أفسدوا (١). ولكن من المعلوم بالضرورة أن الإحجام عن الرواية، لم يكن الحل الصحيح للمشكلة، فإن الأحاديث النبوية دين وشرح للقرآن الكريم. ولذا كان لا بد من الحلول الجذرية، ومن التقيد بأصول وقواعد تضع الحد من هذه الظاهرة الخطيرة وتنقح الصحيح من المكذوب. فظهر السؤال عن الإسناد.

стр. 5721

٤ - أهمية الإسناد: روى مسلم بسنده عن ابن سيرين قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم. فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع، فلا يؤخذ حديثهم (١). وقد روى نحوه ابن أبي حاتم (٢). وفي رواية أخرى لمسلم عن ابن سيرين قال: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم (٣). وقد روى نحوه الخطيب في الكفاية والرامهرمزي في " المحدث الفاصل " بطرق عديدة، وابن عبد البر في " التمهيد " (٤). وقد تدرج الأمر إلى الأمام، وأخذ الأئمة المحدثون يشددون في طلب الإسناد، فهذا الشعبي (بعد المائة) يروي عن الربيع بن الخيثم قال: من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. فله كذا وكذا وسمى من الخير. قال الشعبي: فقلت: من حدثك؟ قال: عمرو بن ميمون قلت: من حدثه؟ قال: أبو أيوب، صاحب رسول الله ﷺ (٥).

стр. 5722

وما إن حل القرن الثاني، حتى صار السؤال عن السند ضرورة ملحة لا سبيل إلى إغفالها. حدث عتبة بن حكيم: أنه كان عند إسحاق بن أبي فروة وعنده الزهري (١٢٥ هـ) قال: فجعل ابن أبي فروة يقول: قال رسول الله ﷺ ، فقال الزهري: قاتلك الله، يا ابن أبي فروة، ما أجرأك على الله، ما تسند حديثك. تحدثنا بأحاديث، ليس لها خطم ولا أزمة (١). وقال ابن أبي الزناد: قال لي هشام بن عروة (١٤٦ هـ): إذا حدثت بحديث، أنت منه في ثبت، فخالفك إنسان، فقل: من حدثك هذا؟ فإني حدثت بحديث، فخالفني فيه رجل، فقلت: هذا حدثني به أبي فأنت من حدثك؟ فجف (٢). وعن الأعمش (١٤٧ هـ) قال: جالست إياس بن معاوية، فحدثني بحديث، قلت: من يذكر هذا، فضرب لي مثل رجل من الحرورية فقلت: إلي تضرب هذا المثل، تريد أن أكنس الطريق بثوبي، فلا أدع بعرة ولا خنفساءة إلا حملتها؟ (٣).

стр. 5723

٥ - الإسناد ركن من ركني الحديث: نرى من خلال الأخبار المتعلقة بالإسناد أن الأمر لم يعد هينا، بل أصبح يعتبر ركنا من ركني الحديث النبوي، وأمرا من أمور الدين فقد روى مسلم بسنده إلى عبد الله بن المبارك يقول: الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء (١). وفي رواية أخرى يقول عبد الله: بيننا وبين القوم القوائم يعني الإسناد (٢). وقال محمد: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن عيسى الطالقاني قال: قلت لعبد الله بن المبارك يا أبا عبد الرحمن. الحديث الذي جاء: أن من البر بعد البر أن تصلي لأبويك مع صلاتك، وتصوم لهما مع صومك، قال: فقال عبد الله: يا أبا إسحاق: عمن هذا؟ قال: قلت له هذا من حديث لشهاب بن خراش، فقال: ثقة، عمن قال؟ قلت: عن الحجاج بن دينار. قال: ثقة، عمن قال؟ قلت: قال رسول الله ﷺ قال

стр. 5724

يا أبا إسحاق إن بين الحجاج بن دينار، وبين النبي ﷺ مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي (١). وعنه أيضا: مثل الذي يطلب أمر دينه بلا إسناد كمثل الذي يرتقي السطح بلا سلم (٢). وقال سفيان الثوري: الإسناد سلاح المؤمن فإذا لم يكن معه سلاح، فبأي شيء يقاتل (٣). وقال الشافعي: مثل الذي يطلب الحديث بلا إسناد كمثل حاطب ليل يحمل حزمة الحطب، فيها أفعى تلدغه وهو لا يدري. ويمر الزمن ويستقر في أذهان الأئمة النقاد أن الإسناد جزء لا يتجزأ من رواية الحديث، وانكبوا يفحصونه، وينظرون فيه بأسلوبهم المعين. قال الحاكم: لولا كثرة طائفة المحدثين على حفظ الأحاديث، لا ندرس منار الإسلام ولتمكن أهل الإلحاد والمبتدعة من وضع الأحاديث، وقلب الأسانيد (٤).

стр. 5725

٦ - دور الرحلة في خدمة الإسناد: ومن أجل أهمية السند في تلقي السنة الصحيحة، رحل المحدثون المسافات البعيدة، على بعد الشقة، وعظم المشقة، طلبا للحديث وبحثا عن أسانيد الأحاديث بل عن إسناد الحديث الواحد. ويبدو أثر الرحلة للناظر في أسانيد الأحاديث واضحا جليا. إذا ما تناولنا أي إسناد منها، ودرسنا تاريخ رواته، نجد في أغلب الأحيان أنهم ينتمون إلى أكثر من موطن. بل ربما وجدنا كل واحد منهم من بلدة، جمعت الرحلة في طلب الحديث شتاتهم، وقربت بعد ما بينهم، حتى تسلسلوا في قرن واحد في سند الحديث الواحد (١). فهذا جابر بن عبد الله يشتري راحلة، ويسير من المدينة إلى مصر ليسأل عقبة بن عامر عن حديث في ستر المؤمن، لم يبق أحد سواهما سمعه من رسول الله ﷺ ويؤكد له عقبة: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من ستر مؤمنا في الدنيا على خربة ستره الله يوم القيامة (٢)»، فيعود أدراجه لا يلوي على شيء.

стр. 5726

وهذا سعيد بن المسيب أحد كبار التابعين يقول: إني كنت لأسافر مسيرة الأيام والليالي في الحديث الواحد (١). ورحل شعبة بن الحجاج من أجل إسناد لحديث فضل الوضوء والذكر بعده. فإن أبا إسحاق السبيعي الذي سمع منه شعبة هذا الحديث مدلس. ولم يكشف لشعبة عن حقيقة أمر الإسناد. وكان شعبة كثير العناية بتتبع المدلسين. فرحل تلك الرحلة المضنية، حتى توصل إلى نتيجة مؤسفة هي سقوط رواة من السند، أحدهم مطعون فيه. فلم يملك نفسه أن قال: دمر علي هذا الحديث. لو صح لي هذا الحديث، كان أحب إلي من أهلي ومن مالي ومن الدنيا كلها.

стр. 5727

٧ - أثر الإسناد في نقد الحديث: وبهذا أصبح الإسناد للحديث مثل الأساس للبناء. واستقر في الأذهان أنه لا يمكن تصور الحديث بدون الإسناد، كما لا يمكن أن يتصور البنيان بدون الأساس، والجسم بدون الروح. فأصبح الحديث عبارة عن جزئين: الإسناد، والمتن. فإذا كان المتن واحدا وله إسنادان، فهما حديثان في اصطلاح المحدثين، والحديث الذي ليس له سند ليس بشيء. ولذلك اشتهر بين المحدثين: أن السند للخبر كالنسب للمرء. وجعله عبد الله بن المبارك من الدين فقال: " الإسناد عندي من الدين، لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. فإذا قيل له: من حدثك؟ بقي (أي ساكتا) (١). فكلما تقدم الزمن، وازداد الخلل، اشتد نظام المراقبة، واشتد نظام الإسناد. وفي ضوء ما وصل إلينا من جهود المحدثين بصدد الإسناد وتهذيبه وتقييد قواعده، وتأصيل أصوله، يمكنني أن أذكر بعض آثار السند في نقد الحديث وتنقيحه، وتمييز الصحيح من المكذوب والموصول من المنقطع، والمرفوع من الموقوف والمرسل، فأقول:

стр. 5728

١ - رتبت أسماء الرواة بحسب القوة والضعف ترتيبا، يكون هو الحكم في قبول الحديث ورده، فلا يعد الحديث صحيحا، إلا إذا كانت تتألف سلسلة الإسناد من أفراد يوثق بروايتهم. ٢ - ولم يروا الاحتجاج إلا بالحديث الموصول غير المنقطع الذي ليس فيه رجل مجهول ولا رجل مجروح (١) وقد سئل الشافعي عما تقوم به الحجة على أهل العلم، حتى يثبت عليهم خبر الخاصة، فقال خبر الواحد عن الواحد، حتى ينتهي به إلى النبي ﷺ أو من انتهى به إليه دونه (٢) فبالإسناد تتبين صحة الحديث ويظهر اتصاله من انقطاعه. وإذا كان هناك من رفع للموقوف أو وصل للمرسل لم يخف على المحدثين بفضل تتبعهم الدقيق لرجال السند. ٣ - ونظروا إلى أهل السنة، فأخذوا حديثهم، ونظروا إلى أهل البدع، فلم يأخذوا حديثهم (٣). ومن هذا القبيل: الحديث الموضوع المروي عن أبي بن كعب مرفوعا في فضل القرآن، سورة سورة، من أوله إلى آخره، فقد روى السيوطي عن المؤمل بن إسماعيل قال: حدثني شيخ به، فقلت للشيخ: من حدثك به؟ فقال: حدثني رجل بالمدائن وهو حي، فصرت إليه فقلت من حدثك به؟ فقال: حدثني شيخ بواسط وهو حي، فصرت إليه فقال: حدثني شيخ بالبصرة، فصرت إليه، فقال: حدثني شيخ بعبادان فصرت إليه. فأخذ بيدي، فأدخلني بيتا، فإذا فيه قوم من المتصوفة، ومعهم شيخ، فقال: هذا الشيخ حدثني فقلت: يا شيخ من حدثك؟ فقال: له لم يحدثني أحد، ولكنا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن فوضعنا لهم هذا الحديث.

стр. 5729

٤ - نصوا الحديث عن الثقة المعروف في زمانه، المشهور بالصدق والأمانة عن مثله، حتى تناهي أخبارهم. ثم بحثوا أشد البحث، حتى عرفوا الأحفظ فالأحفظ، والأضبط فالأضبط، والأطول مجالسة لمن فوقه ممن كان أقل مجالسة، ثم كتبوا الحديث من عشرين وجها أو أكثر وأجروا عملية المقارنة بين تلك الروايات، حتى وصلوا إلى نتيجة صحيحة دقيقة. ومن الأمثلة على هذا، ما ذكره مسلم في كتاب التمييز قال: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر قالا: حدثنا شعبة عن سلمة بن كهيل قال: سمعت حجرا أبا العنبس يقول: حدثني علقمة بن وائل عن وائل عن النبي ﷺ ، وثنا إسحاق، أنا أبو عامر، ثنا شعبة عن سلمة، سمعت حجرا أبا العنبس يحدث عن وائل بن حجر عن النبي ﷺ بهذا الحديث. كلهم عن شعبة عن سلمة عن حجر عن علقمة عن وائل، إلا إسحاق عن أبي عامر، فإنه لم يذكر علقمة. وذكر الباقون كلهم علقمة. قال مسلم: أخطأ شعبة في هذه الرواية حين قال: وأخفى صوته أي بآمين (١). ٥ - وضعوا أصولا وقواعد لاستعمال السند استعمالا علميا دقيقا، حتى أمكن الوصول إلى نتائج واضحة صريحة حول صحة الأحاديث أو ضعفها، وقد قسموا الإسناد إلى أقسام، وجعلوها على مراتب ودرجات من حيث القبول والرد. قال شيخ الإسلام: يمكن للناظر المتقن ترجيح بعضها على بعض من حيث حفظ الإمام الذي رجح وإتقانه. وإن لم يتهيأ ذلك على الإطلاق فلا يخلو النظر فيه من فائدة، لأن مجموع ما نقل عن الأئمة من ذلك يفيد ترجيح التراجم التي حكموا لها بالأهمية على ما لم يقع له حكم من أحد منهم. ولذلك نجد المحدثين جعلوا بعض الأسانيد سلسلة ذهبية واختلفت أقوالهم فيها. فمنهم من جعل أصح الأسانيد: أحمد عن الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر. وقيل أصحها مطلقا: الزهري عن سالم عن أبيه عبد الله بن عمرو قيل أصحها:

стр. 5730

ابن سيرين عن عبيدة السلماني عن علي بن أبي طالب. وقيل أصحها: مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر (١). كما جعلوا بعض الأسانيد أضعفها، والبعض الآخر الإسناد الكاذب وقد نقل السيوطي عن الحاكم أمثلة عديدة لأوهى الأسانيد. فمثلا أوهى ابن عباس مطلقا: السدي الصغير محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عنه. قال شيخ الإسلام: هذه سلسلة الكذب لا سلسلة الذهب (٢).

стр. 5731

٨ - استعمال الإسناد لرواية الكتب: وكما استعمل المحدثون الإسناد محل فرد من الأحاديث، استعملوه أيضا لرواية الكتب. فالإسناد كان له التأثير البالغ على الكتب المروية من مؤلفيها. فإن كان الرجل عدلا، قبلت روايته للكتاب، وإلا فلا وهذا أمر معلوم بالضرورة، فإذا لم يكن مأمون الجانب، فقد يزيد وينقص ويغير ويحرف، قال الشافعي: وبكون المحدث عالما بالسنة ثقة في دينه، معروفا بالصدق في حديثه، عدلا فيما يحدث، حافظا لكتابه إن حدث من كتابه، يؤمن من أن يكون مدلسا يحدث عمن لقي بما لم يسمع أو يحدث عن النبي ﷺ بما يحدث الثقات بخلافه عنه ﵊ (١). وقال القاضي عياض: وأما متى كان ممسك الأصل على الشيخ أو على القارئ غير ثقة ولا مأمون على ذلك أو غير بصير بما اقرأه، فلا يحل السماع والرواية بهذه القراءة. وقال أيضا: وقد ضعف أئمة الصنعة رواية من سمع الموطأ على مالك بقراءة " حبيب " كاتبه لضعفه عندهم. وأنه كان يخطرف الأوراق حين القراءة ليتعجل. وكان يقرأ للغرباء.

стр. 5732

وقال: ولهذه العلة لم يخرج البخاري من حديث ابن بكير. عن مالك إلا القليل، وأكثر عنه عن الليث. قالوا: لأن سماعه كان بقراءة حبيب (١) وقد أنكر هو ذلك (٢) وعند الحديث عن الأخذ بالإجازة قال: ولمالك شرط في الإجازة أن يكون الفرع معارضا بالأصل حتى كأنه هو، وأن يكون المجيز عالما لما يجيز، ثقة في دينه وروايته، معروفا بالعلم، وأن يكون المجاز من أهل العلم متسما به. وقال أبو عمر الحافظ: الصحيح أنها لا تجوز إلا لماهر بالصناعة (٣). ولذلك تجد الكتب العلمية القديمة حافلة بالسماعات التي كان المقصود منها التدليل على أن الكتاب صحيح، وليكن الاعتماد عليه، لكون الذين نقلوه إلينا بالسماع ثم الكتابة هم علماء عدول، حملوا الأمانة، ثم أدوها إلى من بعدهم كما هي.

стр. 5733

٩ - الإسناد من اختصاص المسلمين: وبهذا تبين أن الإسناد نعمة من نعم الله خص بها هذه الأمة ولذا قال أبو حاتم الرازي: لم يكن في أمة من الأمم منذ خلق الله آدم، أمناء يحفظون آثار الرسل، إلا في هذه الأمة (١) وقال محمد بن حاتم بن المظفر: إن الله تعالى قد أكرم هذه الأمة وشرفها وفضلها بالإسناد. وليس لأحد من الأمم كلها قديمها وحديثها إسناد موصول، إنما هو صحف في أيديهم. وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم (٢) وقال شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية ﵀: وعلم الإسناد والرواية مما خص الله به أمة محمد ﷺ وجعله سلما إلى الدراية. فأهل الكتاب لا إسناد لهم يأثرون

стр. 5734

به المنقولات. وهكذا المبتدعون من هذه الأمة أهل الضلالات. وإنما الإسناد لمن أعظم الله عليه المنة أهل الإسلام والسنة يفرقون به بين الصحيح والسقيم والمعوج والقويم. وغيرهم من أهل البدع والكفار، إنما عندهم منقولات يأثرونها بغير إسناد وعليها من دينهم الاعتماد، وهم لا يعرفون فيها الحق من الباطل ولا الحالي من العاطل. وأما هذه الأمة المرحومة وأصحاب هذه الأمة المعصومة، فإن أهل العلم منهم والذين هم من أمرهم على يقين. فظهر لهم الصدق من المين كما يظهر الصبح لذي عينين (١). وهذا تحقيق عظيم لم يسبق إليه شيخ الإسلام ﵀ إذ استنتج من كون الإسناد من خصائص المسلمين، أن ما ليس من الإسلام الصحيح من العقائد والآراء، فإنه لا سند له يعتمد عليه، وإنما هي أقوال بلا دليل ومنقولات بغير إسناد. وقد فصل " هذا الكلام الإمام الأندلسي أبو محمد علي بن حزم ﵀ في كتابه (الفصل في الملل والنحل) أحسن تفصيل، حيث قسم نقل المسلمين إلى ستة أقسام، وأثبت أن نقل الثقة عن الثقة، حتى يصل به إلى النبي ﷺ لم يوجد عند غير المسلمين، وأن المبادئ الأساسية للإسلام والشريعة المنقولة عن النبي ﷺ وما يتعلق به من الأحكام، كلها ثابت بهذا النوع من النقل.

стр. 5735

الشيخ محمد بن عبد الوهاب عبقري العصر وأستاذ الجيل للأستاذ أحمد فهيم مطر تمهيد: قبل أن نتكلم عن حياة الإمام الشيخ الجليل محمد بن عبد الوهاب عبقري العصر وأستاذ الجيل، والذي كان له الأثر الكبير في صفاء العقيدة ونقائها من الشرك بعد أن ضل الناس وزاغوا، وحادوا عن الطريق المستقيم، وخالفوا الكتاب والسنة، واتبعوا السبل المتفرقة التي نهى الله عنها، ولم يستجيبوا لأمر الله حين قال في كتابه الكريم: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١) ولم ينتهوا عند تحذير الله لهم حين قال سبحانه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (٣) وقد حذر النبي ﷺ أمته من التفرق في الدين، والاختلاف فيه، والبعد عن غواية الشيطان الذي يجرهم إلى الضلالة بأساليبه الملتوية، ووسوسته الخبيثة، فقد

стр. 5736

أخبرنا الصادق المصدوق ﷺ أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وقد سئل عنها الرسول الكريم فقال: «ما أنا عليه اليوم وأصحابي (١)». وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة، فعن معاوية بن أبي سفيان ﵁ قال " قال رسول الله ﷺ : «إن أهل الكتاب افترقوا في دينهم على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة - يعني أهل الأهواء - كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة (٢)». فلا نجاة لأحد إلا باتباع القرآن الكريم وسنة الرسول الأمين وأصحابه البررة الطاهرين.

стр. 5737

عودة الجاهلية الأولى: في أوائل القرن الثاني عشر الهجري كانت الجزيرة العربية تغط في جهل عميق، وتسبح في بحر من الظلم والفسق والتغيير والتبديل، فلا ترى أثرا لدعوة ولا لإصلاح مما أفضى بها إلى الشرك كشرك الجاهلية الأولى، فقد كثر الاعتقاد في أشياء كثيرة كالأشجار والأحجار والقبور والأضرحة، والتبرك بها، والنذر لها، والذبح عندها، وطلب الحاجات منها، والتوسل إليها، وتمسح المصابين والمرضى وذوي العاهات بها، ابتغاء الشفاء، تاركين الله جانبا، ناسين كتابه الكريم وسنة رسوله الأمين، وإذا سألتهم عن ذلك أجابوا بالإجابة التي أجاب بها المشركون الأوائل ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (١) ذلك هو المدخل الذي يدخل منه الشيطان على ابن آدم ليضله عن سبيل الله، وقد صار ذلك بتعاقب الأيام ومر السنين والأسباب في ذلك كثيرة. فقد كانت الأعراب تنزل البلدان وقت الثمار وصار منهم رجال ونساء يطببون ويداوون، فإذا كان في أحد من أهل البلدة مرض أو في أحد أعضائه أتى إلى مطببه فوصف له الدواء بأن يقول له: اذبح في الموضع الفلاني كذا وكذا إما خروفا بهيما أسود وإما تيسا أصمع. ثم يقولون لهم لا تسموا على ذبحه وأعطوا المريض منه كذا وكذا وكلوا منه كذا وكذا واتركوا كذا وكذا. فربما يشفي الله مريضهم فتنة لهم واستدراجا فتكثر الأقاويل وتنتشر بين الناس فيقعون في حبائل الشيطان.

стр. 5738

وعكفوا على ضلالاتهم وأوثانهم ونذورهم وذبائحهم واعتقدوا في هذه الأشياء التي لا تضر ولا تنفع وصدق الله العظيم ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١) وجعلوا لله شركاء وأندادا يدعونهم من دون الله ونسوا أن الله واحد لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣). ونسوا أن الضار والنافع هو الله وأنه هو الملجأ عند الشدة والمعين عند الحاجة قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (٤) وقال تعالى ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (٥) ولقد كان ما يرتكبه الناس من أوضار وآثام يندى لها الجبين خزيا ويقشعر منها قلب كل مؤمن. ومن ذلك أنهم كانوا يقصدون قبر زيد بن الخطاب يدعونه لتفريج الكرب وكشف الضر، وكانوا يذهبون إلى الدرعية زاعمين أن بها قبور بعض الصحابة يعبدونهم ويدعونهم ويتوسلون إليهم ولقد انطبق عليهم قول الله تعالى ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ (٦) وكأن الجواب كان حاضرا ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٧) وكانوا يتوجهون إلى ذلك الغار الموجود بالدرعية أيضا، ويزعمون أن الله خلقه في الجبل لامرأة تسمى بنت الأمير أراد بعض الفسقة أن يظلمها فصاحت ودعت الله فانفلق لها الغار بإذن الله، فأجارها من ذلك السوء، فكانوا يرسلون الطعام واللحم وأنواع الهدايا.

стр. 5739

ولقد كانت هذه الضلالات وغيرها تعم الجزيرة العربية كلها. فالحرم المكي من أطهر البقاع على ظهر الأرض - زاده الله تشريفا وطهرا - كانوا يفعلون فيه الأفاعيل وكانت الأعراب تأتي فيه المنكر والفسوق والعصيان ما يبعث في النفس الأسى والكمد والحسرة والألم، ولقد توعد الله من يلحد فيه أو يظلم بالعذاب الأليم. قال الله تعالى ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١) ولكن الله تعالى لا يعجل بالعقاب حتى تكون هناك فرصة للتوبة والندم والرجوع إليه . ولقد بلغ من انتهاكهم حرمة الحرم أنه لو لجأ إليه سارق أو غاصب أخذوه، أما إذا لجأ إلى بعض قبورهم مما يعظمون مثل قبر المحجوب الذين كانوا يلتمسون عنده الشفاء والشفاعة تركوه وشأنه ولم يتعرضوا له بسوء أو عقاب. وقد كانت هناك قبور كثيرة يعظمونها ويستغيثون بأصحابها ويقدمون لها القرابين ومن ذلك ما كان يفعل عند قبر ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين. وما كان يفعل عند قبر عبد الله بن عباس وناهيك بما كان يفعل عند قبر المصطفى ﷺ كالانحناء والسجود كذلك، وخضوعا وكتعفير الخدود وقد نهى ﷺ عن ذلك ولعن من يفعله. ولقد كان الشيطان عونا ومساعدا لهم ومزينا هذه الأعمال في أعينهم، فوضع لهم قبرا في جدة طوله ستون ذراعا وأوحى لهم بأنه قبر أمهم حواء.

стр. 5740

الجاهلية تعم المسلمين: ولقد عمت هذه الجاهلية التي ضربت أطنابها في الجزيرة العربية جميع بلاد المسلمين، ولا من داع أو أثر لداع أو منكر على الناس ما هم فيه من البدع والخرافات والضلالات والشرك الذي يرتكبونه جهارا تحت سمع العلماء وبصرهم، وللأسف الشديد كان هناك من العلماء من شجعهم على ذلك ممن لبسوا الصوفية وخزعبلاتها. فنرى في مصر آثاما يندى لها الجبين وتخزى لها الإنسانية وذلك من الأمور التي تحصل عند قبور الأولياء من أمثال السيدة زينب والإمام الشافعي والحسين بن علي ﵁ وإبراهيم الدسوقي وأبي الحسن الشاذلي والسيد أحمد البدوي. فنرى العامة من الناس يقصدون هذه الأماكن ويتمسحون بها ويتشفعون بأصحابها

стр. 5741

ويقدمون لها القرابين ويسمون السيدة زينب رئيس الديوان. ولقد صدق فيهم قول الشاعر الذي رأى وسمع: ورأيت في روما كنيسة بطرس ... تبلي الشفاه بها حديد الباب ورأيت في طنطا ضراعة قائل ... يا أيها البدوي فرج ما بي أظن أنه لا يوجد شرك أكثر من هذا الشرك وضلال فوق هذا الضلال. وفي بلاد اليمن يوجد مثل ذلك وأكثر منه. فعندهم قبر الهادي والبرعي وابن علوان وغيرهم من الأحياء والأموات الذين يعظمونهم ويقدمون لهم القرابين والذبائح ويطلبون منهم العون والمدد. وفي بلاد الشام ما يفوق هذا كله، وما يتجاوز الحصر من عبادة القبور وأصحاب القبور وطلب الشفاعة والاستغاثة عندهم ومنهم. وفي العراق كذلك ترى القبور الكثيرة التي يؤمها الناس لطلب الخير والمنفعة، كقبر الإمام أبي حنيفة ومعروف الكرخي ومشهد علي بن أبي طالب ﵁، فقد جعلت منه الرافضة وثنا يعبد من دون الله، يخشعون في حضرته أكثر مما يخشعون لله ويتوجهون له بالعبادة والدعاء من دون الله، ويحلفون بالله كذبا ولا يحلفون به كذبا أبدا؛ لأنهم يزعمون أن عنده مفاتح الغيب، ولهذا يقولون إن زيارته أفضل من سبعين حجة، وكذلك مشهد الحسين ﵁، فنرى عنده من يلطم الخدود ويشق الجيوب ويرفع صوته بالبكاء والعويل ولبس السواد وغير ذلك من هذه المنكرات التي تخرج بهم عن الإسلام. هذا وفي جميع البلاد العربية والإسلامية نرى هذه الفتن وتلك الضلالات وهذه البدع والخرافات والشرك بالله . ولهذا كان لا بد من ظهور رجل قوي وداعية شجاع ليأخذ بيد الناس إلى ما فيه الخير والفلاح، ولا يخشى في ذلك أميرا أو حاكما، ولا يخاف قتلا أو نفيا أو سجنا أو تشريدا. فكان من فضل الله ورحمته بعباده أن ظهر الداعية الكبير، عبقري العصر وإمام الجيل وأستاذه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الذي عرفهم الطريق وأوضح لهم الحلال من الحرام، وصحح لهم العقيدة وطهرهم من الشرك والأوثان.

стр. 5742

حياة الشيخ: نسبه: هو محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن مشرف بن عمرو بن معضاد بن ريس بن زاخر بن محمد بن علوي بن وهيب بن قاسم بن موسى بن مسعود بن عقبة بن سنيع بن نهشل بن شداد بن زهير بن شهاب بن ربيعة بن أبي سود بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناه بن تميم بن مر بن أد بن طانجة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. وهو نسب ثابت ومنقول بالتواتر. مولده: ولد رحمه الله تعالى سنة ألف ومائة وخمس عشرة من الهجرة النبوية الشريفة في بلدة العيينة وهي من بلاد نجد. أصله: يرجع أصل الشيخ إلى - الوهبة - وهي بطن من تميم مقرهم في بلدة - أشيقر - إحدى بلدان الوشم وكانت أسرته تقيم بها إلا أن جده سليمان انتقل إلى روضة سدير قاضيا لهم، فحصلت بينه وبين بعض أعيانها مغاضبة فانتقل إلى العيينة حيث ولد والد الشيخ، ثم ولد الشيخ بعد ذلك في العيينة. نشأته: نشأ في بلدة العيينة وتلقى العلم فيها فحفظ القرآن الكريم قبل العاشرة من عمره، وكان حاد الفهم، وقاد الذهن، سريع الحفظ، ذكيا فطنا، وكان أبوه يتوسم فيه خيرا ويتعجب من فهمه وإدراكه مع صغر سنه، وزوجه أبوه وسنه اثنتا عشرة سنة وقدمه ليؤم الناس لتمكنه من معرفة الأحكام، ثم استأذن والده في الحج فأذن له ثم قام بزيارة المسجد النبوي الشريف ثم عاد إلى العيينة. المدرسة الأولى: كانت مدرسته الأولى مدرسة والده الذي تلقى على يديه دراسة الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ثم دراسة بعض العلوم الشرعية واللغوية. وكان الشيخ شغوفا بالعلم يقرأ كل ما يقع تحت يده من كتب التفسير والحديث والعقائد وخاصة كتب الشيخ ابن تيمية وكتب ابن القيم فانشرح صدر الشيخ لهذه الكتب في معرفة التوحيد وتحقيقه ونواقضه التي تضل عن سبيله، وأنكر ما حوله من البدع والخرافات والضلالات والشرك الذي انحدر فيه المسلمون، وقد رأى من الناس لجاجة جعلته يفطن إلى أن يتسلح بالعلم ويستزيد منه، فهو خير معين له على دعوته وإلى

стр. 5743

ما يريد الجهر به فصمم على أن يرحل في طلب العلم ليكون سلاحه في معركته القادمة. رحلاته: قام الشيخ بعدة رحلات ما بين مكة والمدينة والبصرة وغيرهن من البلدان؛ ليتزود من العلم ويتسلح بالمعرفة لإقناع المعاندين المكابرين بالحجة والبرهان. رحلته إلى مكة والمدينة: وصل الشيخ إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج والتزود من العلم، فأخذ يتردد على العلماء ويباحثهم ويأخذ عنهم حتى استفاد منهم، وقد وجد بالمدينة عالمين جليلين كان لهما أكبر الأثر في حياته وهما الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف النجدي، والعالم الكبير محمد بن حياة السندي، وقد كانوا يشاهدون ما يفعله الناس عند الحجرة النبوية الشريفة من الدعاء والاستغاثة فقال الشيخ السندي للشيخ ابن عبد الوهاب: ما تقول في هؤلاء؟ قال: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) وأقام بالمدينة فترة ثم رجع إلى نجد. رحلته إلى البصرة: رجع الشيخ إلى بلده وأقام بها ما يقرب من السنة، ثم عزم على الرحيل إلى البصرة، وفي البصرة سمع الحديث والفقه من جماعة من العلماء، وقرأ النحو وأتقنه وكتب كثيرا من اللغة والحديث، وكان يلازم هناك أحد علماء البصرة وهو الشيخ محمد المجموعي البصري وفي أثناء إقامته كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. كان يأمرهم تجنب البدع وترك الشرك ويحثهم على طريق الحق والاستقامة، ويعلن للناس أن الدعاء لله فمن صرف شيئا منه إلى سواه كفر، وكان يبين لهم أن محبة الأولياء والصالحين إنما هي باتباع طريقهم وليست باتخاذهم آلهة من دون الله. وتكررت منه الدعوة فآذاه بعض أهل البصرة وأخرجوه منها وقت الهجيرة، فخرج منها ماشيا على قدميه فلما وصل منتصف الطريق بين البصرة والزبير اشتد العطش به حتى كاد يموت، فلحقه رجل مكاري يدعى " أبا حميدان " من أهل الزبير فرأى عليه الهيبة والوقار، فسقاه وحمله على حماره حتى وصل الزبير، فمكث بها أياما ثم أراد الذهاب إلى الشام ولكن نفقته قد ضاقت فعدل عن المسير إليها.

стр. 5744

رحلته إلى الأحساء: مكث الشيخ ببلدة الزبير أياما وأراد الرجوع إلى نجد بعد ضياع نفقته، وفي طريق عودته توجه إلى الأحساء ونزل بها ضيفا على الشيخ العالم عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف الأحسائي. وقد كان الشيخ ينشر دعوته في كل مكان يحل به ولا يضيع فرصة تمر به إلا أبدى رأيه وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ثم توجه منها إلى " حريملاء " وكان أبوه عبد الوهاب قد انتقل إليها من العيينة، وأقام بها بعد أن حصل بينه وبين واليها منازعة، فعزله عن القضاء فترك له العيينة وأقام " بحريملاء " وفي حريملاء أقام الشيخ مع أبيه سنين يقرأ ويتعلم منه، ثم بدأ يعكف على دراسة القرآن الكريم وكتب السنة وتفاسير علماء السلف فاستفاد من ذلك فائدة كبيرة، وكان مما استفاد منه أكثر من غيره كتب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، وكتب تلميذه الشيخ محمد بن القيم فقد وجد في كتبهما العلوم الصحيحة والأقوال المبنية على الكتاب والسنة والتحقيق والأحكام المطابقة للعقل والنقل مما زاده فهما وإدراكا، وأهله لأن يكون من الدعاة المخلصين الذين صمدوا أمام الإيذاء ووقفوا في وجه الطغيان وحملوا راية الحق والجهاد والإصلاح، فنادى بدعوته في حريملاء جهرا، ولم يفعل ذلك إلا بعد موت والده الذي كان يشفق عليه من الناس ولا يريده أن يشتد عليهم، فلما مات والده وكان ذلك سنة ألف ومائة وثلاث وخمسين من الهجرة أعلن دعوته وجهر بها بين الناس، واشتد في إنكاره لمظاهر الشرك والبدع وجد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأخذ يدعو إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة وجعل يلوم على العلماء تهاونهم وكتمهم الحق عن الناس وكان يخاطبهم بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (١). أهل حريملاء يستجيبون للشيخ: استجاب للشيخ بعض أهل حريملاء واشتهر أمره وذاع صيته بين الناس، فوفد عليه أناس كثيرون من البلدان المجاورة وشرعوا في قراءة التفسير والحديث والتوحيد والسيرة عليه وكذلك الفقه، فكثر أتباعه وصار ينكر كل ما يراه مخالفا للشريعة، وأنكر على بعض الموالي لرؤساء وأعيان حريملاء فسقهم وفجورهم

стр. 5745

وأراد منعهم فتسوروا عليه داره وأرادوا قتله، ولكن أتباع الشيخ علموا بذلك فظلوا في حراسته وأرهبوهم فرجعوا خائفين. انتقال الشيخ إلى العيينة: بعد أن وقعت للشيخ هذه الحوادث في بلدة حريملاء انتقل منها إلى العيينة لأن حريملاء صغيرة لا تتسع للدعوة ونشرها، أما العيينة فهي من أكبر مدن نجد وأكثرها سكانا، وكان أميرها إذ ذاك عثمان بن حمد بن عبيد الله بن معمر، فقابله أميرها بالحفاوة والتكريم وتزوج فيها الجوهرة بنت عبد الله بن معمر. وناصره الأمير وآزره وألزم العامة والخاصة بامتثال أمره وقبول قوله، فقويت شوكته واتسع نفوذه وذاع صيته واشتهر أمره فقام بقطع الأشجار المعظمة وكسر الأحجار وهدم القباب والمشاهد وتعديلها على السنة، وقد هدم بيده قبة زيد بن الخطاب لأن الناس كانت تتهيب هدمها وتخاف من صاحبها أن ينزل بهم العقاب، وقد انتظروا الليلة التي هدمها فيها الشيخ وهم يترقبون له حدثا ولكنه ظهر بأحسن حال، فعلم جهال القوم أن ما يفعله الشيخ صحيح، وأن ما كانوا عليه باطلا وشركا وضلالا قال الله تعالى: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (١) ولكن هل يقتنع أهل الضلالة ويقلعوا عن غيهم وضلالهم ويتبعوا الهدى والنور. لا، إنهم في غمرة وجهالة وعناد وخصام لكل ما هو خير للإنسانية فتجمعوا على المخاصمة والحرب. وتأليب الناس على الشيخ وإذاعة الأباطيل والأكاذيب ينشرونها بين الناس، ولجئوا في ذلك إلى ضعاف النفوس من علماء تلك البلاد الذين لا يبتغون من علمهم وجه الله وإنما يسيرون وراء منفعة مادية أو مصلحة دنيوية، فألف هؤلاء العلماء المصنفات في تضليل الشيخ وأنه قد غير في الشرع والسنة، وأغروا به الخاصة والعامة وخصوصا السلاطين والحكام، وخوفوهم منه على سلطانهم وحكم بلادهم وخروج الناس عليهم وإعلان عصيانهم. الدعوة تنتشر رغم المعارضة: لقد اشتد أمر الشيخ وقوى عوده فقام بتنفيذ بعض الأحكام الشرعية فنفذ الحكم في امرأة زانية أقرت وهي محصنة. وفشا التوحيد وانتشر واطمأن الناس إلى حكم الله. ولكن أعداء الحق والعدالة لا ينامون يخافون على
следующие страницы →