لا تفعل زيادة على هذا، إلى أن قال الشوكاني: ومن هذه الحيثية امتنعت عن قبول الهدايا بعد دخولي في القضاء ممن كان يهدي إلى قبل الدخول فيه بل من الأقارب فضلا عن سائر الناس. وقد ذكر المغزلي في شرح بلوغ المرام في شرح حديث الرشوة كلاما في غاية السقوط وقال ما معناه: يجوز أن يرتشي من كان يتوصل بالرشوة إلى نيل حق أو دفع باطل، وكذلك قال: يجوز للمرتشي أن يرتشي إذا كان ذلك في حق لا يلزمه فعله - إلى أن قال: ولا يغتر بمثل هذا الأمر إلا من لا يعرف كيفية الاستدلال. اهـ كلام الشوكاني بإيجاز واختصار من كتابه نيل الأوطار (١).
(٣) وقال الأمير الصنعاني (٢) في كتابه سبل السلام: والرشوة حرام بالإجماع سواء كانت للقاضي أو للعامل على الصدقة أو لغيرهما وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٣).
ثم قال: وحاصل ما يأخذه القضاة من الأموال على أربعة أقسام: -
الأول: الرشوة إن كانت ليحكم له الحاكم بغير حق فهي حرام على الآخذ والمعطي. وإن كانت ليحكم له بالحق على غريمه فهي حرام على الحاكم دون المعطي لأنها لاستيفاء حقه فهي كجعل الآبق، وأجرة
стр. 6232
الوكالة على الخصومة. وقيل تحرم لأنها توقع الحاكم في الإثم.
الثاني: الهدية فإن كانت ممن يهاديه قبل الولاية فلا تحرم استدامتها وإن كان لا يهدي إليه إلا بعد الولاية، فإن كانت ممن لا خصومة بينه وبين أحد عنده جازت وكرهت، وإن كانت ممن بينه وبين غريمه خصومة عنده فهي حرام على الحاكم والمهدي.
الثالث والرابع: الأجرة، وأما الأجرة فإن كان للحاكم جراية من بيت المال ورزق حرمت بالاتفاق (يعني حرمت الهدية للحاكم بالاتفاق) لأنه إنما أجري له الرزق لأجل الاشتغال بالحكم فلا وجه للأجرة.
وإن كانت لا جراية له من بيت المال جاز له الأجرة على قدر عمله غير حاكم، فإن أخذ أكثر مما يستحقه حرم عليه، لأنه إنما يعطى الأجرة لكونه عمل عملا لا لأجل كونه حاكما ولا يستحق لأجل كونه حاكما شيئا من أموال الناس اتفاقا.
فأجرة العمل أجرة مثله فأخذ الزيادة على أجرة مثله حرام.
لذا قيل إن تولية القضاء لمن كان غنيا أولى من تولية من كان فقيرا، وذلك لأنه لفقره يصير متعرضا إلى ما لا يجوز له تناوله إذا لم يكن له رزق من بيت المال.
(٤) قال القرضاوي في كتابه الحلال والحرام (١): وقد حرم الإسلام على المسلم أن يسلك طريق الرشوة للحكام وأعوانهم، كما حرم على هؤلاء أن يقبلوها إذا بذلت لهم، كما حظر على غيرهم أن
стр. 6233
يتوسطوا بين الآخذين والدافعين - ثم ساق الأدلة على تحريم ذلك. . . . . . . ثم قال: والإسلام يحرم الرشوة في أي صورة كانت وبأي اسم سميت، فتسميتها باسم الهدية لا يخرجها من دائرة الحرام إلى الحلال.
стр. 6234
الرشوة لرفع ظلم: -
ثم قال القرضاوي في كتابه المذكور (١): ومن كان له حق مضيع لم يجد طريقة للوصول إليه إلا بالرشوة أو دفع ظلم لم يستطع دفعه عنه إلا بالرشوة فالأفضل له أن يصبر حتى ييسر الله له أفضل السبل لرفع الظلم ونيل الحق.
فإن سلك سبيل الرشوة من أجل ذلك فالإثم على الآخذ المرتشي وليس عليه (إثم الراشي). وهذه الحالة ما دام قد جرب كل الوسائل فلم تأت بجدوى، وما دام يرفع عن نفسه ظلما أو يأخذ حقا له دون عدوان على حقوق الآخرين.
ثم قال: وقد استدل بعض العلماء على ذلك بأحاديث الملحفين الذين كانوا يسألون النبي ﷺ من الصدقة فيعطيهم وهم لا يستحقون، فعن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن أحدكم ليخرج بصدقته من عندي متأبطها أي يحملها تحت إبطه وإنما هي له نارا- قال عمر: يا رسول الله كيف تعطيه وقد علمت أنها له نار؟ قال فما أصنع يأبون إلا مسألتي ويأبى الله لي البخل (٢)».
стр. 6235
وقال القرضاوي معقبا على ذلك: فإذا كان ضغط الإلحاح جعل الرسول ﷺ يعطي السائل ما يعلم أنه نار على آخذه فيكف يكون ضغط الحاجة على دفع ظلم أو أخذ حق مهدور؟؟.
(٥) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الفتاوى: قال ﵀ رحمة واسعة (١): ولهذا قال العلماء يجوز رشوة العامل لدفع الظلم لا لمنع الحق وإرشاؤه حرام فيهما، وكذلك الأسير والعبد المعتق إذا أنكر سيده عتقه له أن يفتدي نفسه بمال يبذله يجوز له بذله وإن لم يجز للمستولي عليه بغير حق أخذه.
وكذلك المرأة المطلقة ثلاثا إذا جحد الزوج طلاقها فافتدت منه بطريق الخلع في الظاهر كان حراما عليه ما بذلته ويخلصها من رق استيلائه. مستدلا بحديث عمر بن الخطاب المتقدم - قال ابن تيمية: ولهذا قال رسول الله ﷺ : «إني لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها يتلظاها نارا قالوا: يا رسول الله فلم تعطيهم؟ قال يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل (٢)» ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن ذلك ما وقى به المرء عرضه فهو صدقة، فلو أعطى الرجل شاعرا أو غير شاعر لئلا يكذب عليه أو يهجوه أو يتكلم في عرضه كان بذله لذلك جائزا.
وجاء في الفتاوى لشيخ الإسلام (٣) وسئل شيخ الإسلام عن رجل أهدى الأمير هدية يطلب حاجة أو التقرب أو للاشتغال بالخدمة عنده أو ما أشبه ذلك فهل تجوز هذه الهدية على هذه الصورة أم لا؟؟ فأجاب
стр. 6236
رحمه الله: الحمد لله ففي سنن أبي داود وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: «من شفع لأخيه شفاعة فأهدي له هدية فقبلها فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا (١)».
وقال: وسئل ابن مسعود عن السحت فقال: هو أن تشفع لأخيك شفاعة فيهدي لك هدية فتقبلها فقال له: أرأيت إن كانت هدية في باطل؟ فقال: ذلك كفر، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) ولهذا قال العلماء: إن من أهدى هدية لولي أمر ليفعل معه ما لا يجوز كان حراما على المهدي والمهدى إليه - وهذه من الرشوة التي قال فيها النبي ﷺ : «لعن الله الراشي والمرتشي (٣)».
والرشوة تسمى البرطيل، والبرطيل في اللغة هو الحجر المستطيل فاه. فأما إذا أهدى له هدية ليكف ظلمه عنه أو ليعطيه حقه الواجب كانت هذه الهدية حراما على الآخذ، وجاز للدافع أن يدفعها إليه - ثم ساق شيخ الإسلام ابن تيمية حديث عمر بن الخطاب المتقدم. . . . وقد أسهب ابن تيمية في هذه المسألة فمن أراد المزيد من الاطلاع فليراجع الفتاوى من ص٢٨٥ إلى ص٢٨٨ من المجلد الحادي والثلاثين.
стр. 6237
حكم هدية غير الحكام والعمال:
(١) أما هدية غير الحكام والعمال فإذا توصل بها إلى تحقيق ظلم أو إبطال حق فلا خلاف بين علماء الإسلام على أنها حرام.
(٢) وأما إذا لم يتوصل بها إلى تحقيق ظلم أو إبطال حق وإنما قصد بها منفعة للمهدى إليه فهي جائزة ومشروعة.
стр. 6238
(٣) وهناك من أجاز للمهدي أن يتوصل إلى حقه ومنعها على المهدى إليه - واستدل المانعون بعموم النصوص الواردة بتحريم أكل أموال الناس بالباطل وبغير حق ومن غير طيب نفس.
فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له هدية فقبلها فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا (١)» رواه أحمد.
وقال الأمير الصنعاني (٢): وفيه دليل على تحريم الهدية في مقابلة الشفاعة وظاهره سواء كان قاصدا لذلك عند الشفاعة أو غير قاصد.
وقال الصنعاني (٣): والرشوة حرام بالإجماع سواء كانت للقاضي أو العامل على الصدقة أو لغيرهما وقد تقدم كلامه. . . .
стр. 6239
خلاصة القول في المسألة:
والظاهر من الأدلة الصريحة أن الرشوة حرام بجميع ضروبها وأشكالها وألوانها إذا كان يتوصل بها إلى إبطال حق أو إقرار ظلم لما يترتب على ذلك من المفاسد والأضرار.
والإسلام راعى أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، والتسامح بجواز الرشوة يعود الناس على أكل الحرام وعدم الشعور بالمسئولية لما يترتب على ذلك من تعطيل مصالح المسلمين وتأخير أعمالهم وعدم إنجازها إلا بالرشوة - فتنعدم الثقة بين الناس وتقل أواصر المودة والمحبة بينهم وهذا مما حذر منه القرآن الكريم ونهى عنه النبي الكريم
стр. 6240
صلوات الله وسلامه عليه. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١).
وفي الحديث الشريف عن جرير بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: «" من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء (٢)» رواه مسلم.
ولا شك أن الرشوة قتل لروح التعاون بين المسلمين وهدر لكرامة المؤمنين. ومن عود نفسه على أخذ الرشوة وأكلها فقد سن في الإسلام سنة سيئة عليه إثمها وإثم من استن به وقلده بهذا الجرم.
جاء في كتاب الحلال والحرام للقرضاوي (٣) قال: ولا غرابة في تحريم الإسلام للرشوة وتشديده على كل من اشترك فيها فإن شيوعها في مجتمع شيوع للفساد والظلم من حكم بغير الحق أو امتناع عن الحكم بالحق وتقديم من يستحق التأخير وتأخير من يستحق التقديم وشيوع روح النفعية في المجتمع لا روح الواجب. اهـ والحق أن الإسلام حرم على المسلم كل فعل أو قول أو واسطة تساعد على الباطل أو يتوصل بها إلى الحرام، كآكل الربا ومعطي الربا وكاتب المعاملة بينهما والشاهد عليها واعتبر الإسلام الجميع في الجرم سواء.
فعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء (٤)» رواه
стр. 6241
مسلم فالحديث الشريف شمل الجميع بالإثم لأن عملية الربا تقوم على أربعة أركان لا تتم إلا بهذه الأركان الأربعة فكل ركن منها ساعد على الظلم وأعان على الباطل، فدخل في غضب الله ووعيده. وهذا ما يتعارض مع قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١) وكذا الحال في الرشوة. فكل من أعان على ترويجها بين الأفراد وفي المجتمعات فهو على خطر عظيم دخل في الوعيد الشديد. فليحذر المؤمن من المروجين للباطل والمزينين للحرام، فالرسول ﷺ يقول في الحديث الصحيح: «وإن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه (٢)».
стр. 6242
محاسبة العمال: .
عن أبي حميد عبد الرحمن بن سعد الساعدي ﵁ قال: «استعمل النبي ﷺ رجلا من الأزد يقال له: ابن اللتبية على الصدقة فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي إلي فقام رسول الله ﷺ على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد: فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيأتي فيقول: هذا لكم وهذا هدية أهديت إلي، أفلا جلس في بيت أبيه أو أمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقا، والله لا يأخذ أحد منكم شيئا بغير حقه إلا لقي الله تعالى يحمله يوم القيامة، فلا أعرفن أحد منكم لقي الله يحمل بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر، ثم رفع يديه حتى رؤي بياض
стр. 6243
إبطيه فقال: اللهم هل بلغت (١)». متفق عليه قال ابن حجر العسقلاني (٢) بعد أن ساق هذا الحديث حديث ابن اللتبية قال في الحديث:
١ - مشروعية محاسبة المؤتمن.
٢ - منع العمال من قبول الهدية ممن له عليه حكم وأنها إذا أخذت تجعل في بيت المال ولا يختص العامل منها إلا بما أذن له الإمام.
٣ - قال ابن حجر: وقال ابن بطال: يلحق بهدية العامل الهدية لمن له دين ممن عليه الدين ولكن له أن يحاسب بذلك من دينه.
٤ - وفيه إبطال كل طريق يتوصل بها من يأخذ المال إلى محاباة المأخوذ منه والانفراد بالمأخوذ.
٥ - وفيه من رأى متأولا أخطأ في تأويل يضر من أخذ به أن يشهر القول للناس ويبين خطأه ليحذر من الاغترار به.
٦ - وفيه جواز توبيخ المخطئ واستعمال المفضول في الإمارة والإمامة والأمانة مع وجود من هو أفضل منه. وقال ابن حجر العسقلاني (٣):
قال المهلب: حديث الباب (أي حديث ابن اللتيبة المتقدم) أصل في محاسبة المؤتمن وأن المحاسبة تصحيح أمانته وأن سبب محاسبته ما وجد معه من جنس مال الصدقة وادعى أنه أهدي إليه.
стр. 6244
مكافأة المحسن:
الإسلام دعا إلى مكافأة المحسن بما يستطيعه المسلم من أنواع الإحسان ولو كان ذلك بالكلمة الطيبة والدعاء له بالخير، واعتبر الإسلام ملاقاة المسلم لأخيه المسلم بطلاقة الوجه وبشاشة النفس
стр. 6245
اعتبره معروفا وإحسانا له يؤجر على ذلك المحسن - وهذا من كمال هذا الدين وشموله وآدابه ومحاسنه لتبقى المودة والألفة والمحبة خلقا للمسلمين وشعارا لهم.
١ - فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «والكلمة الطيبة صدقة (١)» متفق عليه.
٢ - وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق (٢)» رواه مسلم.
٣ - وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «من استعاذكم بالله فأعيذوه ومن سألكم بالله فأعطوه ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا فادعوا له (٣)».
قال الأمير الصنعاني (٤) عند حديث ابن عمر المذكور ودل الحديث على وجوب المكافأة للمحسن إلا إذا لم يجد فإنه يكافئه بالدعاء وأجزأه إن علم أنه قد طابت نفسه أو لم تطب وهو ظاهر الحديث ومثل هذه المكافأة لا تعتبر من باب الرشوة إلا إذا تواطأ معه واشترطها لنفسه. أهـ كلام الصنعاني.
هذا وأسأل الله تعالى أن يبصرنا في ديننا وأن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه إنه على ما يشاء قدير وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
كتبه الفقير إلى عفو ربه يوسف عبد الرحمن البرقاوي.
стр. 6246
بيان مذهب أهل السنة: في الاستواء وسائر الصفات
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وبعد: -.
فقد اطلعت أخيرا على ما نشر في مجلة البلاغ بعددها رقم٦٣٧ من إجابة الشيخ أحمد محمود دهلوب على السؤال الآتي (ما تفسير قوله تعالى: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (١) وجاء في هذه الإجابة جملة نسبها إلى السلف وهي قوله (وقال أهل السلف استوى على العرش استولى عليه وملكه كقولهم:
استوى بشر على العراق ... من غير سيف أو دم مهراق
وحيث إن هذه النسبة إلى السلف غلط محض. أحببت التنبيه على ذلك لئلا يغتر من يراها فيظنها من قول العلماء المعتبرين. والصواب أن هذا التفسير هو تفسير الجهمية والمعتزلة ومن سلك سبيلهم في نفي الصفات وتعطيل الباري سبحانه وتعالى عما وصف به نفسه من صفات الكمال. وقد أنكر علماء السلف ﵏ مثل هذا التأويل وقالوا إن القول في الاستواء كالقول في سائر الصفات وهو إثبات الجميع لله على الوجه اللائق به سبحانه من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل قال الإمام مالك رحمه لله (الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به
стр. 6247
واجب والسؤال عنه بدعة).
وعلى هذا درج علماء السلف من أهل السنة والجماعة ﵏، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في رسالة الحموية (فهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وسنة رسوله ﷺ من أولها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة: مملوء بما هو إما نص وإما ظاهر في أن الله هو العلي، وهو فوق كل شيء، وهو عال على كل شيء وأنه فوق العرش وأنه فوق السماء: مثل قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (١) ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ (٢) ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ (٣) ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ (٤) ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ (٥) ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ (٦) ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ (٧) ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ (٨) ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٩) في ستة مواضع ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١٠) إلى أمثال ذلك مما لا يكاد يحصى إلا بالكلفة. وفي الأحاديث الصحاح والحسان مما لا يحصى
стр. 6248
إلا بالكلفة مثل قصة معراج الرسول ﷺ إلى ربه، ونزول الملائكة من عند الله وصعودها إليه وقوله في الملائكة الذين يتعاقبون فيكم بالليل والنهار: فيعرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم فيسألهم وهو أعلم بهم.
وفي الصحيح في حديث الخوارج «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحا ومساء (١)» إلى أن قال (إلى أمثال ذلك مما لا يحصيه إلا الله مما هو من أبلغ المتواترات اللفظية والمعنوية التي تورث علما يقينا من أبلغ العلوم الضرورية أن الرسول المبلغ عن الله ألقى إلى أمته المدعوين أن الله سبحانه على العرش وأنه فوق السماء كما فطر الله على ذلك جميع الأمم عربهم وعجمهم في الجاهلية والإسلام إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته. ثم عن السلف في ذلك من الأقوال ما لو جمع لبلغ مئين أو ألوفا إلخ) (٢) ا. هـ.
وبما ذكرناه يتضح للقراء أن ما نسبه أحمد محمود دهلوب إلى السلف من تفسير الاستواء بالاستيلاء غلط كبير وكذب صريح لا يجوز الالتفات إليه بل كلام السلف الصالح في ذلك معلوم ومتواتر وهو ما أوضحه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من تفسير الاستواء بالعلو فوق العرش وأن الإيمان به واجب وأن كيفيته لا يعلمها إلا الله سبحانه وقد روي هذا المعنى عن أم سلمة أم المؤمنين وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ مالك ﵀ وهو الحق الذي لا ريب فيه وهو قول أهل السنة والجماعة بلا ريب. وهكذا القول في باقي الصفات من السمع والبصر والرضى والغضب، واليد والقدم والأصابع والكلام والإرادة وغير ذلك. كلها
стр. 6249
يقال فيها أنها معلومة من حيث اللغة العربية، فالإيمان بها واجب والكيف مجهول لنا، لا يعلمه إلا الله سبحانه مع الإيمان أن صفاته سبحانه كلها كاملة وأنه سبحانه لا يشبه من خلقه فليس علمه كعلمنا ولا يده كأيدينا ولا أصابعه كأصابعنا ولا رضاه كرضانا إلى غير ذلك كما قال سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٢) ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٣) ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ (٤) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (٦) والمعنى أنه لا أحد يساميه سبحانه أي: يشابهه، وقال ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٧) والآيات في هذا المعنى كثيرة والواجب على المؤمن التمسك بما أخبر الله به ورسوله ودرج عليه سلف الأمة من الصحابة ﵃ وأتباعهم بإحسان، والحذر من مقالات أهل البدع الذين أعرضوا عن الكتاب والسنة وحكموا أفكارهم وعقولهم فضلوا وأضلوا والله المسئول أن يحفظنا وجميع المسلمين من مضلات الفتن وأن يعيذنا وسائر المسلمين من نزغات الشيطان واتباع خطواته إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 6250
" وجوب استعمال الماء عند القدرة عليه في الطهارتين وتحريم التيمم في هذه الحال ".
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه أما بعد: -.
فقد ذكر لي بعض الثقات أن بعض البادية يستعملون التيمم للصلاة مع توافر الماء لديهم وهذا منكر عظيم يجب التنبيه عليه وذلك لأن الوضوء للصلاة شرط من شروط صحتها عند وجود الماء كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (١). الآية.
وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال «لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ (٢)». وقد أباح الله التيمم وأقامه مقام الوضوء في حال فقد الماء أو العجز عن استعماله لمرض ونحوه للآية السابقة لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (٣).
стр. 6251
وعن عمران بن حصين ﵁ قال «كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فصلى بالناس فإذا هو برجل معتزل فقال ما منعك أن تصلي قال أصابتني جنابة ولا ماء قال ﷺ عليك بالصعيد فإنه يكفيك (١)» متفق عليه.
ومن هذا يعلم أن التيمم للصلاة لا يجوز مع وجود الماء والقدرة على استعماله بل الواجب على المسلم أن يستعمل الماء في وضوئه وغسله من الجنابة أين ما كان ما دام قادرا عليه. وليس بمعذور في تركه والاكتفاء بالتيمم وتكون صلاته حينئذ غير صحيحة لفقد شرط من شروطها وهو الطهارة بالماء عند القدرة عليه وكثير من البادية هداهم الله وغيرهم من يذهب إلى النزهة يستعملون التيمم والماء عندهم كثير والوصول إليه ميسر وهذا بلا شك تساهل عظيم وعمل قبيح لا يجوز فعله لكونه خلاف الأدلة الشرعية وإنما يعذر المسلم في استعمال التيمم إذا بعد عنه الماء أو لم يبق عنده منه إلا اليسير الذي يحفظه لإنقاذ حياته وأهله وبهائمه مع بعد الماء عنه فالواجب على كل مسلم أين ما كان أن يتق الله سبحانه في جميع أموره وأن يحذر مخالفة شرعه في كل شيء وأن يلتزم بما أوجب الله عليه ومن ذلك الوضوء بالماء عند القدرة عليه كما يلزمه أن يحذر ما حرمه الله عليه ومن ذلك التيمم مع وجود الماء والقدرة على استعماله وأسأل الله أن يوفقنا والمسلمين جميعا للفقه في دينه والثبات عليه وأن يعيذنا جميعا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا إنه جواد كريم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
الرئيس العام.
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.
عبد العزيز بن عبد الله بن باز.
стр. 6252
علم الحساب لا يعتمد عليه في إثبات الصوم
والفطر والأحكام الشرعية بإجماع سلف الأمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: فقد رأست الدورة السادسة لندوة توحيد التقويم الهجري المنعقدة في مكة المكرمة من يوم الثلاثاء ١٠/ ١ / ١٤٠٦هـ حتى يوم الخميس ١٢/ ١ / ١٤٠٦هـ.
وقد أعد في هذه الجلسات بيانات توضح مطالع الشهور القمرية لعامي ١٤٠٧هـ و١٤٠٨ هـ وخمسة أشهر من عام ١٤٠٩هـ وفق الحساب الذي يستعمله الفلكيون، ولم أوقع على البيان والجداول خشية أن يظن من يطلع عليها أنني موافق على إثبات الصوم والفطر والأحكام الشرعية بالحساب.
وقد أفهمت اللجنة ذلك وأوضحت لها أن إثبات الأهلة والأحكام الشرعية إنما يكون بالرؤية أو إكمال العدد كما نص على ذلك نبينا محمد ﷺ في أحاديث صحيحة منها قوله ﷺ : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين (١)» متفق عليه. ومنها قوله ﷺ : «لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة (٢)» رواه النسائي وأبو داود بإسناد صحيح. ومنها قوله ﷺ : «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا وعقد الإبهام في الثالثة والشهر هكذا وهكذا وهكذا يعني تمام الثلاثين (٣)» متفق عليه. وهذا لفظ مسلم.
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
стр. 6253
أما توحيد التقويم بالحساب فلا مانع أن يعتمد عليه في المسائل الإدارية ونحوها وللإيضاح والنصيحة وبراءة الذمة رأيت نشر هذا البيان وفق الله الجميع لما يحب ويرضى إنه جواد كريم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
الرئيس العام.
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.
عبد العزيز بن عبد الله بن باز.
стр. 6254
بيان ما يلزم المحدة على زوجها من الأحكام
أولا: تلزم بيتها الذي مات زوجها وهي ساكنة فيه ولا تخرج منه إلا لحاجة أو ضرورة كمراجعة المستشفى عند المرض وشراء حاجتها من السوق كالخبز ونحوه إذا لم يكن لديها من يقوم بذلك.
ثانيا: تجتنب الملابس الجميلة وتلبس ما سواها.
ثالثا: تجتنب أنواع الطيب ونحوها إلا إذا طهرت من حيضها فلا بأس أن تتبخر بالبخور.
رابعا: تجتنب الحلي من الذهب والفضة والماس وغيرها سواء كان ذلك قلائد أو أسوره أو غير ذلك.
خامسا: تجتنب الكحل لأن الرسول ﷺ نهى المحدة عن هذه الأمور كلها ولها أن تغتسل بالماء والصابون والسدر متى شاءت ولها أن تكلم من شاءت من أقاربها وغيرهم ولها أن تجلس مع محارمها وتقدم لهم القهوة والطعام ونحو ذلك ولها أن تعمل في بيتها وحديقة بيتها وأسطحة بيتها ليلا ونهارا في جميع أعمالها البيتية كالطبخ والخياطة وكنس البيت وغسل الملابس وحلب البهائم ونحو ذلك مما يفعله غير المحدة ولها المشي في القمر سافرة كغيرها من النساء ولها طرح الخمار عن رأسها إذا لم يكن عندها غير محرم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 6255
صفحة فارغة
стр. 6256
-تنويه واستدراك-
نعتذر للإخوة القراء فقد حدث سهوا نقص في الفتوى رقم ١٦١٠ وتاريخ ١٠/ ٧ / ١٣٩٧هـ في العدد الثالث عشر صفحة ٧٤ حيث سقطت كلمة [طواف الإفاضة] بعد كلمة أو التقصير في الإجابة على السؤال، والصواب [حتى يتحلل التحلل الكامل وذلك برمي جمرة العقبة والحلق أو التقصير وطواف الإفاضة والسعي إن كان عليه سعي. . .
حدت خطأ مطبعي في الفتوى رقم ٢٠٣٠ وتاريخ ١٦/ ٧ / ١٣٩٨هـ صفحة ٨١ السطر الخامس، وردت عبارة أو أنثى من المعز والصواب أو ثني من المعز.
وبالله التوفيق
стр. 6257
صفحة فارغة
стр. 6258
حديث شريف
قال ﵊: «من جهز غازيا فقد غزا، ومن خلف غازيا في أهله فقد غزا (١)»
رواه مسلم
المشرف العام
سماحة الشيخ
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
لجنة الإشراف
الدكتور
عبد العزيز بن محمد العبد المنعم
الشيخ
عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين
الشيخ
أحمد بن عبد الرزاق الدويش
الدكتور
محمد بن سعد الشويعر
стр. 6261
مجلة البحوث الإسلامية
الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء
رئيس التحرير
محمد بن سعد الشويعر
مجلة فصلية تعنى بالبحوث الإسلامية
تصدر كل أربعة أشهر مؤقتا
العدد
الخامس عشر
ربيع الأول - ربيع الثاني - جمادى الأولى - جمادى الآخرة ١٤٠٦ هـ
стр. 6262
المحتويات
الافتتاحية
حكم الاختلاط في التعليم سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٦
ما هكذا الدعوة إلى إصلاح الأوضاع يا حمد سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ١٢
موضوع العدد
حكم الأسورة المغناطيسية اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ١٦
الفتاوى
فتاوى خاصة بالصلاة اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ٦٣
بحوث في العقيدة والفقه
أطوار الاجتهاد الفقهي الدكتور عبد الله الزايد ٨٨
موقف الشريعة من نكاح التحليل الدكتور محمد أحمد الصالح ١٣٩
اهتمام علماء المسمين بعقيدة السلف الدكتور أبو اليزيد العجمي ١٧٢
стр. 6263
بحوث تاريخية
زيد بن حارثة اللواء محمد شيت خطاب ٢٠٥
ابن خلدون وريادته لعلم تفسير التأريخ الدكتور عبد الحليم عويس ٢٣٧
تعليقات - وردود - وإيضاحات
التعليق على العقيدة الطحاوية سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ٢٥٧
الشريعة الإسلامية منهاج رباني الشيخ سعد الخرعان ٢٦٩
توضيح عمل المرأة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ٢٧٤
أسئلة موجهة من جريدة الجزيرة لقاء مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ٢٧٨
تحذير من بعض الكتب سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ٢٨٦
كشاف مجلة البحوث الإسلامية:
من العدد الأول إلى الخامس عشر إعداد أمين سليمان سيدو ٢٨٨
стр. 6264
الافتتاحية:
حكم الاختلاط في التعليم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فقد اطلعت على ما نشرته جريدة السياسة الصادرة يوم ٢٤/ ٧ / ١٤٠٤ هـ بعددها ٥٦٤٤ منسوبا إلى مدير جامعة صنعاء عبد العزيز المقالح الذي زعم فيه أن المطالبة بعزل الطالبات عن الطلاب مخالفة للشريعة، وقد استدل على جواز الاختلاط بأن المسلمين من عهد الرسول ﷺ كانوا يؤدون الصلاة في مسجد واحد، الرجل والمرأة وقال: (ولذلك فإن التعليم لا بد أن يكون في مكان واحد)، وقد استغربت صدور هذا الكلام من مدير لجامعة إسلامية في بلد إسلامي، يطلب منه أن يوجه شعبه من الرجال والنساء إلى ما فيه السعادة والنجاة في الدنيا والآخرة فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ولا شك أن هذا الكلام فيه جناية عظيمة على الشريعة الإسلامية؛ لأن الشريعة لم تدع إلى الاختلاط حتى تكون المطالبة بمنعه مخالفة لها، بل هي تمنعه وتشدد في ذلك كما قال الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (١) الآية. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢)، وقال سبحانه:
стр. 6265
﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ (١) إلى أن قال سبحانه: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (٣) الآية، وفي هذه الآيات الكريمات الدلالة الظاهرة على شرعية لزوم النساء لبيوتهن؛ حذرا من الفتنة بهن، إلا من حاجة تدعو إلى الخروج، ثم حذرهن سبحانه من التبرج تبرج الجاهلية، وهو إظهار محاسنهن ومفاتنهن بين الرجال، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء (٤)» متفق عليه من حديث أسامة بن زيد ﵁، وخرجه مسلم في صحيحه، عن أسامة وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ﵄ جميعا، وفي صحيح مسلم، عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء (٥)».
ولقد صدق رسول الله ﷺ فإن الفتنة بهن عظيمة، ولا سيما في هذا العصر الذي خلع فيه أكثرهن الحجاب، وتبرجن فيه تبرج الجاهلية، وكثرت بسبب ذلك الفواحش والمنكرات، وعزوف الكثير من الشباب والفتيات عما شرع الله من الزواج في كثير من البلاد، وقد بين الله سبحانه أن الحجاب أطهر لقلوب الجميع، فدل ذلك على أن زواله أقرب إلى نجاسة قلوب الجميع وانحرافهم عن طريق الحق، ومعلوم أن جلوس الطالبة مع الطالب في كرسي الدراسة من أعظم أسباب الفتنة، ومن أسباب ترك الحجاب الذي شرعه الله للمؤمنات ونهاهن عن أن يبدين زينتهن لغير من بينهم الله سبحانه في الآية السابقة من سورة النور، ومن زعم أن الأمر بالحجاب خاص بأمهات المؤمنين
стр. 6266
فقد أبعد النجعة وخالف الأدلة الكثيرة الدالة على التعميم، وخالف قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (١)؛ فإنه لا يجوز أن يقال: إن الحجاب أطهر لقلوب أمهات المؤمنين ورجال الصحابة دون من بعدهم، ولا شك أن من بعدهم أحوج إلى الحجاب من أمهات المؤمنين ورجال الصحابة ﵃ لما بينهم من الفرق العظيم في قوة الإيمان والبصيرة بالحق؛ فإن الصحابة ﵃ رجالا ونساء ومنهن أمهات المؤمنين هم خير الناس بعد الأنبياء، وأفضل القرون بنص الرسول ﷺ المخرج في الصحيحين، فإذا كان الحجاب أطهر لقلوبهم فمن بعدهم أحوج إلى هذه الطهارة، وأشد افتقارا إليها ممن قبلهم، ولأن النصوص الواردة في الكتاب والسنة لا يجوز أن يخص بها أحد من الأمة إلا بدليل صحيح يدل على التخصيص، فهي عامة لجميع الأمة في عهده ﷺ وبعده إلى يوم القيامة؛ لأنه سبحانه بعث رسوله ﷺ إلى الثقلين في عصره وبعده إلى يوم القيامة، كما قال : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٢)، وقال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٣)، وهكذا القرآن الكريم لم ينزل لأهل عصر النبي ﷺ وإنما أنزل لهم ولمن بعدهم ممن يبلغه كتاب الله، كما قال الله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٤)، وقال : ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (٥) الآية، وكان النساء في عهد النبي ﷺ لا يختلطن بالرجال لا في المساجد ولا في الأسواق الاختلاط الذي ينهى عنه المصلحون اليوم، ويرشد القرآن والسنة وعلماء الأمة إلى التحذير منه حذرا من فتنته، بل كان النساء في مسجده ﷺ يصلين خلف الرجال في صفوف متأخرة عن الرجال، وكان يقول ﷺ : «خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها (٦)» حذرا من افتتان
стр. 6267
آخر صفوف الرجال بأول صفوف النساء، وكان الرجال في عهده ﷺ يؤمرون بالتريث في الانصراف حتى يمضي النساء ويخرجن من المسجد؛ لئلا يختلط بهن الرجال في أبواب المساجد مع ما هم عليه جميعا رجالا ونساء من الإيمان والتقوى، فكيف بحال من بعدهم؟ وكانت النساء ينهين أن يتحققن الطريق، ويؤمرن بلزوم حافات الطريق؛ حذرا من الاحتكاك بالرجال والفتنة بمماسة بعضهم بعضا عند السير في الطريق، وأمر الله سبحانه نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن حتى يغطين بها زينتهن حذرا من الفتنة بهن، ونهاهن سبحانه عن إبداء زينتهن لغير من سمى الله سبحانه في كتابه العظيم حسما لأسباب الفتنة، وترغيبا في أسباب العفة، والبعد عن مظاهر الفساد والاختلاط، فكيف يسوغ لمدير جامعة صنعاء -هداه الله وألهمه رشده - بعد هذا كله أن يدعو إلى الاختلاط، ويزعم أن الإسلام دعا إليه، وأن الحرم الجامعي كالمسجد، وأن ساعات الدراسة كساعات الصلاة! ومعلوم أن الفرق عظيم، والبون شاسع لمن عقل عن الله أمره ونهيه وعرف حكمته سبحانه في تشريعه لعباده، وما بين في كتابه العظيم من الأحكام في شأن الرجال والنساء، وكيف يجوز لمؤمن أن يقول: إن جلوس الطالبة بحذاء الطالب في كرسي الدراسة مثل جلوسها مع أخواتها في صفوفهن خلف الرجال، هذا لا يقوله من له أدنى مسكة من إيمان وبصيرة يعقل ما يقول.
هذا لو سلمنا وجود الحجاب الشرعي، فكيف إذا كان جلوسها مع الطالب في كرسي الدراسة مع التبرج وإظهار المحاسن والنظرات الفاتنة والأحاديث التي تجر إلى فتنة؟ فالله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال الله : ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (١).
وأما قوله: (والواقع أن المسلمين منذ عهد الرسول كانوا يؤدون الصلاة في مسجد واحد الرجل والمرأة؛ ولذلك فإن التعليم لا بد أن يكون في مكان واحد)
стр. 6268
فالجواب عن ذلك أن يقال: هذا صحيح، لكن كان النساء في مؤخرة المساجد مع الحجاب والعناية والتحفظ مما يسبب الفتنة، والرجال في مقدم المسجد فيسمعن المواعظ والخطب، ويشاركن في الصلاة، ويتعلمن أحكام دينهن مما يسمعن ويشاهدن، «وكان النبي ﷺ في يوم العيد يذهب إليهن بعدما يعظ الرجال فيعظهن ويذكرهن؛ لبعدهن عن سماع خطبته» وهذا كله لا إشكال فيه ولا حرج فيه، وإنما الإشكال في قول مدير جامعة صنعاء -هداه الله وأصلح قلبه وفقهه في دينه-: (ولذلك فإن التعليم لا بد أن يكون في مكان واحد) فكيف يجوز له أن يشبه التعليم في عصرنا بصلاة النساء خلف الرجال في مسجد واحد مع أن الفرق شاسع بين واقع التعليم المعروف اليوم وبين واقع صلاة النساء خلف الرجال في عهده ﷺ ؟ ولهذا دعا المصلحون إلى إفراد النساء عن الرجال في دور التعليم، وأن يكن على حدة والشباب على حدة حتى يتمكن من تلقي العلم من المدرسات بكل راحة من غير حجاب ولا مشقة؛ لأن زمن التعليم يطول بخلاف زمن الصلاة، ولأن تلقي العلوم من المدرسات في محل خاص أصون للجميع وأبعد لهن من أسباب الفتنة، وأسلم للشباب من الفتنة بهن، ولأن انفراد الشباب في دور التعليم عن الفتيات مع كونه أسلم لهم من الفتنة، فهو أقرب إلى عنايتهم بدروسهم وشغلهم بها وحسن الاستماع إلى الأساتذة وتلقي العلم عنهم بعيدين عن ملاحظة الفتيات والانشغال بهن، وتبادل النظرات المسمومة والكلمات الداعية إلى الفجور.
وأما زعمه -أصلحه الله- أن الدعوة إلى عزل الطالبات عن الطلبة تزمت ومخالف للشريعة، فهي دعوة غير مسلمة، بل ذلك هو عين النصح لله ولعباده والحيطة لدينه، والعمل بما سبق من الآيات القرآنية والحديثين الشريفين، ونصيحتي لمدير جامعة صنعاء أن يتقي الله ، وأن يتوب إليه سبحانه مما صدر منه، وأن يرجع إلى الصواب والحق؛ فإن الرجوع إلى ذلك هو عين الفضيلة، والدليل على تحري طالب العلم للحق والإنصاف، والله المسئول سبحانه أن يهدينا جميعا سبيل الرشاد، وأن يعيذنا وسائر المسلمين من القول عليه بغير علم، ومن مضلات الفتن ونزغات الشيطان، كما أسأله سبحانه أن يوفق
стр. 6269
علماء المسلمين وقادتهم في كل مكان لما فيه صلاح البلاد والعباد في المعاش والمعاد، وأن يهدي الجميع صراطه المستقيم، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
بالمملكة العربية السعودية
ورئيس المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة
стр. 6270
ما هكذا الدعوة إلى
إصلاح الأوضاع يا حمد
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فقد اطلعت على ما نشر في جريدة السياسة بعددها ٦٦٨ في ١٩/ ٨ / ١٤٠٤هـ لكاتبه حمد السعيدان، وقد نسب إلي - هداه الله - كلاما عن حلق اللحية، تجرأ فيه بشيء لم أقله، ومما ذكر أني قلت: أي فتوى تصدر باسمي يجب أن تكون ممهورة بخاتمي، ومصدقة من وزارة الأوقاف الإسلامية، وهذا الكلام ظاهر البطلان؛ لأني لم أشترط يوما ما تصديق وزارة الأوقاف الإسلامية على ما يصدر مني من الفتاوى، ثم استرسل في الكلام على حلق اللحية وغيرها، وزعم أن قول النبي ﷺ : «خالفوا المشركين، أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى (١)» يقتضي بهذا العصر أن نحلق اللحى؛ لأن المجوس والمشركين واليهود والسيخ وغيرهم يطلقون اللحى، وقال: (وعليه يجب مخالفة هذه الفئات نحلق لحانا، وقد قام رجال الأزهر بتطبيق هذا الحديث وهو مخالفة المشركين وغيرهم وحلقوا لحاهم. . .) إلى آخر ما قال، ولا شك أن هذه جرأة من الكاتب، وسوء أدب منه مع سنة رسول الله ﷺ فبيانه ﷺ واضح، وأمره واجب الامتثال والتنفيذ، ويخشى على مخالفه من العاقبة السيئة، كما قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢) وأمره ﷺ بإعفاء