← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.

стр. 6196

مدخل في العقوبة لم يكن لذكره فائدة فإن لم يكن هو العلة التامة كان جزءا من العلة. وعلى التقديرين: يحصل المقصود. وأيضا: فإن النبي ﷺ قال: «الأعمال بالنيات (١)» والمتوسل بالوسيلة التي صورتها مباحة إلى المحرم إنما نيته المحرم، ونيته أولى به من ظاهر عمله. وأيضا: فقد روى ابن بطة وغيره بإسناد حسن عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل» وإسناده مما يصححه الترمذي. وأيضا: فإن النبي ﷺ قال: «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها، وأكلوا أثمانها (٢)» و " جملوها " يعني: أذابوها وخلطوها وإنما فعلوا ذلك ليزول عنها اسم الشحم، ويحدث لها اسم آخر، وهو الودك، وذلك لا يفيد الحل، فإن التحريم تابع للحقيقة، وهي لم تتبدل بتبدل الاسم. وهذا الربا تحريمه تابع لمعناه وحقيقته، فلا يزول بتبدل الاسم بصورة البيع كما لم يزل تحريم الشحم بتبديل الاسم بصورة الجمل والإذابة، وهذا واضح بحمد الله. وأيضا: فإن اليهود لم ينتفعوا بعين الشحم، إنما انتفعوا بثمنه، فيلزم من وقف مع صور العقود والألفاظ، دون مقاصدها وحقائقها: أن لا يحرم ذلك، لأن الله تعالى لم ينص على تحريم الثمن، وإنما حرم عليهم نفس الشحم، ولما لعنهم على استحلالهم الثمن وإن لم ينص على تحريمه دل على أن الواجب النظر إلى المقصود وإن اختلفت الوسائل

стр. 6197

إليه، وأن ذلك يوجب أن لا يقصد الانتفاع بالعين، ولا ببدلها. ونظير هذا: أن يقال: لا تقرب مال اليتيم، فتبيعه وتأكل عوضه، وأن يقال: لا تشرب الخمر، فتغير اسمه وتشربه، وأن يقال: لا تزن بهذه المرأة، فتعقد عليها عقد إجارة، وتقول: إنما استوفي منافعها. وأمثال ذلك. وقالوا: ولهذا الأصل -وهو تحريم الحيل المتضمنة إباحة ما حرم الله أو إسقاط ما أوجبه الله عليه - أكثر من مائة دليل، وقد ثبت أن النبي ﷺ «لعن المحلل والمحلل له (١)» مع أنه أتى بصورة عقد النكاح الصحيح لما كان مقصوده التحليل، ولا حقيقة النكاح، وقد ثبت عن الصحابة أنهم سموه زانيا ولم ينظروا إلى صورة العقد. ا / هـ (٢). د- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي الله وسلم: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا (٣)» رواه أبو داود (٤). قال ابن القيم: وللعلماء في تفسيره قولان: - أحدهما: أن يقول بعتك بعشرة نقدا، أو عشرين نسيئة، وهذا هو الذي رواه أحمد عن سماك، ففسره في حديث ابن مسعود قال «نهى رسول الله ﷺ عن صفقتين في صفقة (٥)». قال سماك: الرجل يبيع البيع، فيقول: - هو على نساء بكذا، وبنقد بكذا " (٦).

стр. 6198

وهذا التفسير ضعيف، فإنه لا يدخل الربا في هذه الصورة، ولا صفقتين هنا وإنما هي صفقة واحدة بأحد الثمنين. والتفسير الثاني: أن يقول: أبيعكها بمائة إلى سنة على أن أشتريها منك بثمانين حالة، وهذا معنى الحديث، الذي لا معنى له غيره، وهو مطابق لقوله " فله أوكسهما أو الربا " فإنه إما أن يأخذ الثمن الزائد فيربي، أو الثمن الأول فيكون هو أوكسهما، وهو مطابق لصفقتين في صفقة، فإنه قد جمع صفقتي النقد والنسيئة في صفقة واحدة ومبيع واحد، وهو قد قصد بيع دراهم عاجلة بدراهم مؤجلة أكثر منها، ولا يستحق إلا رأس ماله، وهو أوكس الصفقتين، فإن أبى إلا الأكثر كان قد أخذ الربا. فتدبر مطابقة هذا التفسير لألفاظه ﷺ ، وانطباقه عليها. ومما يشهد لهذا التفسير: ما رواه الإمام أحمد عن ابن عمر عن النبي ﷺ «أنه نهى عن بيعتين في بيعة (١)» عن سلف وبيع " (٢) فجمعه بين هذين العقدين في النهي لأن كلا منهما يؤول إلى الربا، لأنهما في الظاهر بيع وفي الحقيقة ربا. ومما يدل على تحريم العينة: حديث ابن مسعود يرفعه "، «لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه، والمحلل والمحلل له (٣)». ومعلوم أن الشاهدين والكاتب إنما يكتب ويشهد على عقد صورته جائزة الكتابة والشهادة، لا يشهد بمجرد الربا، ولا يكتبه. ولهذا قرنه

стр. 6199

بالمحلل والمحلل له، حيث أظهرا صورة النكاح ولا نكاح، كما أظهر الكاتب والشاهدان صورة البيع ولا بيع. وتأمل كيف لعن في الحديث الشاهدين والكاتب والآكل والموكل؟ فلعن المعقود له، والمعين له على ذلك العقد، ولعن المحلل والمحلل له، فالمحلل له: هو الذي يعقد التحليل لأجله، والمحلل: هو المعين له بإظهار صورة العقد، كما أن المرابي: هو المعان على أكل الربا بإظهار صورة العقد المكتوب المشهود به. فصلوات الله على من أوتي جوامع الكلم. ا / هـ (١).

стр. 6200

الترجيح: - من خلال ما سبق من عرض أدلة كل فريق ومناقشتها يظهر لنا أن الراجح تحريم بيع العينة كما هو قول جمهور الفقهاء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وذلك للأدلة الدالة على ذلك، ولأن من أجاز بيعها استدل بالأدلة العامة الدالة إلى إباحة البيع، وهذه الأدلة معارضة بأدلة تحريم العينة والدليل المحرم مقدم على الدليل المبيح احتياطا. ولأن بيع العينة وسيلة إلى الربا بل هو من أهم الوسائل إليه، والوسيلة إلى الحرام حرام لأن للوسيلة حكم الغاية. قال ابن القيم ﵀: وأيضا فلو لم يأت في هذه المسألة أثر لكان محض القياس ومصالح العباد وحكمة التشريع تحريمها أعظم من تحريم الربا، فإنها ربا مستحل بأدنى الحيل. . . . وأيضا فكيف يليق بالشريعة الكاملة التي لعنت آكل الربا وموكله وبالغت في تحريمه وآذنت صاحبه

стр. 6201

بحرب من الله ورسوله أن تبيحه بأدنى الحيل مع استواء المفسدة " ا / هـ (١). وقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إذا استقمت بنقد فبعت بنقد فلا بأس وإذا استقمت بنقد فبعت بنسيئة فلا خير فيه، تلك ورق بورق ". ومعنى كلامه أنك إذا قومت السلعة بنقد ثم بعتها بنسيئة كان مقصود المشتري شراء دراهم معجلة بدراهم مؤجلة، وإذا قومتها بنقد ثم بعتها به فلا بأس فإن ذلك بيع المقصود منه السلعة لا الربا (٢). وهذا الذي ذكرناه من تحريم بيع العينة خاص بالصورة التي ذكرناها في صدر هذا البحث وهي: أن يبيع سلعة بثمن مؤجل يشتريها منه نقدا بأقل مما باعها به. وعلى هذا فلا بد من توفر هذه الشروط: - (١) أن يكون العقد الثاني قبل قبض الثمن الأول. (٢) أن يكون المشتري الثاني هو البائع الأول أو وكيله. (٣) أن يشتريها المشتري الثاني من المشتري الأول أو وكيله. (٤) أن يكون الثمن الثاني نقدا بجنس الثمن الأول.

стр. 6202

(٥) أن يكون الثمن الثاني أقل من الثمن الأول. (٦) أن لا يتغير المبيع بنحو مرض أو عيب. إذا توفرت هذه الشروط فالعقد الثاني باطل ومحرم لما أسلفناه أما العقد الأول ففيه خلاف. حكم العقد الأول: - اختلف الفقهاء الذين قالوا ببطلان العقد الثاني في حكم العقد الأول. على النحو الآتي: - (١) قال بعضهم يصح البيع الأول إن كان بلا مواطأة (١). لأنه بيع تام بأركانه وشروطه فطريان الثاني عليه لا يبطله وهو قول ابن القاسم من المالكية (٢). (٢) وقال آخرون: إن البيع الأول باطل بدليل قول عائشة ﵂ في الحديث المتقدم " بئسما شريت وبئسما اشتريت " ففيه دليل على بطلان العقدين معا لأنها ﵂ ذمت الشراء والبيع على هذه الصفة. وبهذا قال أكثر الفقهاء. قال ابن القيم: وهذا هو الصحيح من

стр. 6203

المذهب ا / هـ قال في مطالب أولي النهى: قال الشيخ تقي الدين: القول ببطلان العقد الأول هو قول الإمام أحمد والإمام أبي حنيفة والإمام مالك (١). أما قول من قال: إن البيع تم بأركانه وشروطه فغير صحيح لأن البيع الأول لم يكن مقصودا لذاته وإنما جعله وسيلة إلى الربا فهو طريق إلى المحرم ووسيلة إليه، والوسيلة لها حكم الغاية.

стр. 6204

بعض المسائل المتفرعة عن مسألة العينة: - هناك بعض المسائل التي تشبه مسألة العينة لكنها قد تختلف بعض الاختلاف، لذا رغبنا التنبيه عليها وبيان أقوال العلماء فيها ليتضح حكمها، ومن هذه المسائل ما يأتي: - * هل يشترط في التحريم أن يشتريها المشتري الثاني بنقد؟. في ذلك خلاف. فعند بعضهم أن التحريم خاص فيما لو اشتراها المشتري الثاني بنقد، أما إن اشتراها بأقل مما باعها به لنسيئة فلا بأس. وقال آخرون: لا يشترط في التحريم أن يشتريها الثاني بنقد بل يحرم شراؤها سواء كان بنقد أو نسيئة (١). * إن اشتراها الثاني بعوض أو كان بيعها الثاني بعوض فاشتراها بنقد جاز وبه قال أبو حنيفة. قال في المغني لا نعلم فيه خلافا لأن

стр. 6205

التحريم إنما كان لشبهة الربا ولا ربا بين الأثمان والعروض (١). * إذا باعها بنقد ثم اشتراها بنقد آخر مثل أن يبيعها بمائتي درهم ثم يشتريها بعشرة دنانير. في ذلك خلاف. (١) قال بعضهم يجوز لأنهما جنسان لا يحرم التفاصل بينهما فجاز كما لو اشتراها بعوض أو بمثل الثمن. (٢) وقال أبو حنيفة لا يجوز استحسانا لأنهما كالشيء الواحد في معنى الثمنية أو لأن ذلك يتخذ وسيلة إلى الربا فأشبه ما لو باعها بجنس الثمن الأول، ورجح هذا صاحب المغني فقال: وهذا أصح (٢). * عكس مسألة العينة: هي أن يبيع سلعة بنقد ثم يشتريها بأكثر منه نسيئة. وفيها خلاف: (١) فقال بعضهم إن وقع ذلك اتفاقا من غير قصد جاز لأن الأصل حل البيع وإنما حرم في مسألة العينة بالأثر الوارد فيه وليس هذا في معناه، ولأن التوسل بالعينة إلى الربا أكثر فلا يلحق به ما دونه. (٢) وقال أحمد في رواية حرب لا يجوز ذلك إلا أن يغير السلعة لأن ذلك يتخذه وسيلة إلى الربا فأشبه مسألة العينة (٣).

стр. 6206

قال في الإنصاف: عكس العينة مثلها في الحكم على الصحيح من المذهب نص عليه ابن قدامة في المغني والشرح والفروع والفائق. ا / هـ. وقال ابن القيم: فإن قيل فما تقولون فيمن باع سلعة بنقد ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة؟. قلنا: قد نص أحمد في رواية حرب على أنه لا يجوز إلا أن تتغير السلعة لأن هذا يتخذ وسيلة إلى الربا، فهو كمسألة العينة سواء وهي عكسها صورة، وفي الصورتين قد ترتب في ذمته دراهم مؤجلة بأقل منها نقدا لكن في إحدى الصورتين البائع هو الذي اشتغلت ذمته وفي الصورة الأخرى: المشتري هو الذي اشتغلت ذمته. فلا فرق بينهما. وقال بعض أصحابنا يحتمل أن تجوز الصورة الثانية إذا لم يكن ذلك حيلة ولا مواطأة بل واقع اتفاقا. وفرق بينهم وبين الصورة الأولى بفرقين: - أحدهما: أن النص ورد فيها فيبقى ما عداها على أصل الجواز. والثاني: أن التوسل إلى الربا بتلك الصورة أكثر من التوسل بهذه. والفرقان ضعيفان: أما الأول فليس في النص ما يدل على اختصاص العينة بالصورة الأولى حتى تقيد به نصوص مطلقة على تحريم العينة، والعينة فعلة من العين، والنقد. قال الشاعر: -

стр. 6207

أندان أم نعتان (١) أم ينبري لنا ... فتى مثل نصل السيف ميزت مضاربه قال الجوزجاني: أنا أظن أن العينة إنما اشتقت من حاجة الرجل إلى العين من الذهب والورق فيشتري السلعة ويبيعها بالعين الذي احتاج إليها وليست به إلى السلعة حاجة. وأما الفرق الثاني. فكذلك لأن المعتبر في هذا الباب هو الذريعة ولو اعتبر فيه الفرق من الاتفاق والقصد لزم طرد ذلك في الصورة الأولى وأنتم لا تعتبرونه. ا / هـ (٢) وإن اشترى المبيع في مسألة العينة بعد قبض ثمنه أو بعد تغير صفته بأن هزل العبد أو نسي صنعته أو تخرق الثوب أو اشتراه من غير مشتريه أو وهبه ونحوه ثم اشتراه بائعه الأول ممن صار إليه جاز ذلك لعدم تحقق شروط العينة السابقة. وكذلك إن اشتراه أبو بائعه الأول أو ابنه أو مكاتبه أو زوجته بلا حيلة إلى التوصل إلى مسألة العينة جاز ذلك أيضا. قال ابن قدامة في المغني: فإن نقصت مثل أن هزل العبد أو نسي صناعة أو تخرق الثوب أو بلي جاز له شراؤها؛ لأن نقص الثمن لنقص المبيع لا للتوسل إلى الربا. وإن نقص سعرها أو زاد لذلك أو لمعنى حدث فيها لم يجز بيعها بأقل من ثمنها كما لو كانت بحالها. نص أحمد على هذا كله. ا / هـ (٣)

стр. 6208

* مسألة التورق (١) التورق هو أن يحتاج إلى دراهم ولا يجد من يقرضه فيشتري سلعة بثمن مؤجل ثم يبيع السلعة على شخص آخر غير الذي اشتراها منه، وقد اختلف العلماء في حكم هذا البيع على النحو الآتي: - (١) قيل يكره وهو رواية في مذهب الإمام أحمد. (٢) وقيل يحرم وهو رواية في مذهب الإمام أحمد (٢) وبالتحريم قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) وابن القيم (٤) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: - وقد تنوزع في كراهته، فكرهه عمر بن عبد العزيز والإمام أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين، وقال عمر بن عبد العزيز: التورق أخية الربا، أي أصل الربا وهذا القول أقوى. ا / هـ (٥) (٣) وقيل إنه جائز. قال في الإنصاف: وهو المذهب وعليه الأصحاب (٦).

стр. 6209

استدل من قال بالكراهة أو التحريم بما يأتي: أ- ما روى الإمام أحمد في المسند أن علي بن أبي طالب ﵁ قال: [يأتي على الناس زمان عضوض يعض الموسر على ما في يده، قال: ولم يؤمر بذلك] قال الله : - ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (١) وينهد الأشرار ويستذل الأخيار ويبايع المضطرون. قال: وقد «نهى رسول الله ﷺ عن بيع المضطرين، وعن بيع الضرر، وعن بيع الثمرة قبل أن تدرك (٢)». رواه أحمد وأبو داود (٣). وجه الاستدلال أن في الحديث التصريح بأن رسول الله ﷺ قد نهى عن بيع المضطر، والنهي يقتضي التحريم كما يراه جمهور الأصوليين، والبيع على الصفة المذكورة في مسألة التورق بيع للمضطر، لأن الموسر يضن عليه بالقرض فيضطر إلى أن يشتري منه سلعة ثم يبيعها ليحصل على النقد. وبيع المضطر منهي عنه بنص الحديث المذكور. ب- أن البيع في هذه المسألة قريب من الربا ولا يبعد عن بيع العينة لأن مقصود المشتري الحصول على النقد، لذا روي عن عمر بن

стр. 6210

العزيز أنه قال: - التورق أخية الربا (١). قال ابن القيم: وعن أحمد فيه روايتان: وأشار في رواية الكراهة إلى أنه مضطر وهذا من فقهه رحمه قال: فإن هذا لا يدخل فيه إلا مضطر وكان شيخنا ﵀ يمنع من مسألة التورق وروجع فيها مرارا وأنا حاضر فلم يرخص فيها وقال: المعنى الذي لأجله حرم الربا موجود فيها بعينه مع زيادة الكلفة بشراء السلعة وبيعها والخسارة فيها، فالشريعة لا تحرم الضرر الأدنى وتبيح ما هو أعلى منه. ا / هـ (٢). واستدل من قال بالجواز بما يأتي: - أ- أن الرجل يشتري السلع ويكون غرضه إما عين السلعة وإما عوضها وكلاهما غرض صحيح للمشتري فالعقد المبني عليهما صحيح كذلك. ب- أن البيع تم بأركانه وشروطه وكون غرض المشتري المال أي العوض عن العين المشتراة لا بأس به لأن من أسباب تحريم بيع العينة عودة العين إلى صاحبها وزيادة المال له بسبب المال، وهذا المعنى غير موجود في التورق. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: ولكن نظرا لحاجة الناس اليوم وقلة المقرضين ينبغي القول بالجواز بشروط: - (١) أن يكون محتاجا إلى الدراهم، فإن لم يكن محتاجا فلا يجوز كمن

стр. 6211

يلجأ إلى هذه الطريقة ليدين غيره. (٢) أن لا يتمكن من الحصول على المال بطرق أخرى مباحة كالقرض والسلم، فإن تمكن من الحصول على المال بطريقة أخرى لم تجز هذه الطريقة لأنه لا حاجة به إليها. (٣) أن لا يشتمل العقد على ما يشبه صورة الربا مثل أن يقول بعتك إياها العشرة أحد عشر أو نحو ذلك فإن اشتمل على ذلك فهو إما مكروه أو محرم، نقل عن الإمام أحمد أنه قال في مثل هذا: كأنه دراهم بدراهم لا يصح، هذا كلام الإمام أحمد. وعليه فالطريق الصحيح أن يعرف الدائن قيمة السلعة ومقدار ربحه ثم يقول للمستدين بعتك إياها بكذا وكذا إلى سنة. (٤) أن لا يبيعها المستدين إلا بعد قبضها وحيازتها لأن النبي ﷺ نهى عن بيع السلع قبل أن يحوزها التجار إلى رحالهم. فإذا تمت هذه الشروط الأربعة فإن القول بجواز مسألة التورق متوجه كيلا يحصل تضييق على الناس وليكن معلوما أنه لا يجوز أن يبيعها المستدين على الدائن بأقل مما اشتراها به بأي حال من الأحوال، لأن هذه هي مسألة العينة. ا / هـ (١).

стр. 6212

صفحة فارغة

стр. 6213

صفحة فارغة

стр. 6214

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تحريم الرشوة بقلم: يوسف بن عبد الرحمن البرقاوي الأصل في المسلم أنه معصوم الدم والمال فلا يجوز الاعتداء عليه بحال من الأحوال، واعتبر الإسلام الموت في سبيل الدفاع عن المال والدم والشرف نوعا من أنواع الشهادة، والأدلة على حرمة دم المسلم وما له كثيرة: قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٢). (١) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله صلى عليه وسلم: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه (٣)». (٢) وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، الثيب الزاني والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة (٤)».

стр. 6215

(٣) وعن السائب بن يزيد عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يأخذن أحدكم متاع أخيه جادا ولا لاعبا، وإذا أخذ أحدكم عصا أخيه فليردها عليه (١)». (٤) وعن أنس ﵁ أن النبي صلى الله عليم وسلم قال: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه (٢)». (٥) وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «من ظلم شبرا من الأرض طوقه الله من سبع أرضين (٣)». هذه الأدلة المتقدمة وغيرها من الأدلة المستفيضة تفيد حرمة المسلم وحرمة ماله ودمه وعرضه وأرضه فلا يجوز الاعتداء عليه ولا على شيء مما يملك إلا بحق الإسلام كما لا يجوز أخذ ماله ومتاعه إلا برضاه وطيب نفسه. وهذا ما أكده رسول الله ﷺ في حجة الوداع حيث قال: «أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا (٤)».

стр. 6216

الأكل من الطيبات: - فالإسلام حض المؤمنين وأمر المسلمين بالأكل من الطيبات والمباحات واجتناب المحرمات والخبائث والمكروهات وترك الأشياء المشتبهات. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (١) ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ (٢).

стр. 6217

والأحاديث في هذا الباب كثيرة منها: - (١) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: وقال تعالى: ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له (٣)». (٢) وعن النعمان بن بشير ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه. ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب (٤)».

стр. 6218

أدلة تحريم الرشوة: - فالرشوة كسب خبيث وأكل لأموال الناس بالباطل وإعانة على

стр. 6219

الظلم والعدوان وهدر لكرامة الإنسان لما يترتب عليها من ضياع الحقوق وفساد المجتمعات وقد توعد رسول الله ﷺ أكلة الرشوة والمتعاملين بها بالطرد والإبعاد عن مظان الرحمة كما جاءت الأحاديث مصرحة بذلك. (١) فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: «لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي (١)». (٢) وعن ثوبان ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي والرائش يعني الذي يمشي بينهما (٢)»

стр. 6220

تعريف الرشوة: - قال ابن حجر العسقلاني: الرشوة: بضم الراء وكسرها ويجوز الفتح وهي ما يؤخذ بغير عوض ويعاب أخذه (١) وقال ابن العربي: " الرشوة كل مال دفع ليبتاع به من ذي جاه عونا على ما لا يحل والمرتشي قابضه والراشي معطيه والرائش الواسطة " اهـ من فتح الباري. قال الأمير الصنعاني: والراشي هو الذي يبذل المال ليتوصل به إلى الباطل مأخوذ من الرشا وهو الحبل الذي يتوصل به إلى الماء في البئر (٢) وقال أيضا: وفي النهاية لابن الأثير قال: الراشي من يعطي الذي يعينه على الباطل والمرتشي الآخذ والرائش هو الذي يمشي بينهما وهو السفير بين الدافع والآخذ. وإن لم يأخذ على سفارته أجرا فإن أخذ فهو أبلغ (أي بالإثم والحرمة) (٣).

стр. 6221

قال القرضاوي في كتابه الحلال والحرام: " ومن أكل أموال الناس بالباطل أخذ الرشوة وهي ما يدفع من مال إلى ذي سلطان أو وظيفة عامة ليحكم له أو على خصمه بما يريد هو أو ينجز له عملا أو يؤخر لغريمه عملا، وهلم جرا " (١).

стр. 6222

حكم هدايا العمال والحكام وعامة الناس: - أ- فقد وردت أحاديث صحيحة بحرمة هدية الحاكم من قضاة ومسئولين وغيرهم واعتبرت من الرشوة الذي صرح النبي ﷺ بحرمتها وأكل أموال الناس بالباطل وخصوصا إذا كان هناك مصلحة للمهدي عند المهدى إليه وبالأدلة الشرعية على حرمتها يتضح ذلك. ب- وهناك من أباح هدية الحاكم لدفع ظلم أو تحقيق حق كما سيأتي. جـ- وهناك من أباح للمهدي للحصول على حقه وحرم على الآخذ أي المهدى إليه. والحق في ذلك أن الأحاديث الصحيحة تفيد الحرمة على الجميع المهدي والمهدى إليه للأدلة الصريحة في التحريم والتحذير. (١) فعن أبي حميد عبد الرحمن بن سعد الساعدي ﵁ قال: «استعمل النبي ﷺ رجلا من الأزد -يقال له: ابن اللتبية - على الصدقة فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي إلي - فقام رسول ﷺ على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيأتي فيقول: هذا لكم وهذا هدية أهديت إلي أفلا جلس في بيت أبيه أو أمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقا والله لا

стр. 6223

يأخذ أحد منكم شيئا بغير حقه إلا لقي الله تعالى يحمله يوم القيامة فلا أعرفن أحدا منكم لقي الله يحمل بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر، ثم رفع يديه حتى رؤي بياض إبطيه فقال اللهم هل بلغت (١)» متفق عليه. (٢) وعن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «" من شفع لأخيه شفاعة فأهدي له هدية فقد أتى بابا عظيما من الربا (٢)». (٣) وعن حذيفة بن اليمان مرفوعا: «هدايا العمال حرام». وعن أبي حميد عن النبي ﷺ قال: «هدايا العمال غلول (٣)».

стр. 6224

رفض الخلفاء الهدية خوفا من الشبهة: - وكان سلفنا الصالح يتورعون عن قبول الهدايا خوفا من الشبهة وخصوصا إذا تقلد أحدهم عملا من أعمال المسلمين. ولهذا فقد بوب البخاري في صحيحه بابا وقال: [باب من لم يقبل الهدية لعلة]. ذثم ساق البخاري أثر عمر بن عبد العزيز ﵀ قوله " كانت الهدية في زمن رسول الله ﷺ هدية واليوم رشوة ". وقال ابن حجر العسقلاني في هذا الباب قال فرات بن مسلم: اشتهى عمر بن عبد العزيز التفاح فلم يجد في بيته شيئا يشترى به فركبنا معه فتلقاه غلمان الدير بأطباق تفاح فتناول واحدة فشمها ثم رد الأطباق، فقلت له في ذلك. فقال لا حاجة لي فيه. فقلت ألم يكن رسول الله صلى الله عليه

стр. 6225

وسلم وأبو بكر وعمر يقبلون الهدية؟. فقال أي عمر بن عبد العزيز: إنها لأولئك هدية وهي للعمال بعدهم رشوة (١).

стр. 6226

أقوال العلماء في هدايا الحكام وغيرهم: - (١) جمهور علماء الإسلام لا يجيزون هدايا الحكام ولا العمال للأدلة المتقدمة لما في ذلك من أكل أموال الناس بالباطل واعتبروها من السحت وإعانة على الظلم لما يترتب على ذلك من محابات المهدي بسبب هديته. (٢) وهناك من جعلها في درجة الكفر ولعل هذا القول فيه مغالاة وسيأتي بيانه في موضعه. ولربما كان مقصدهم الكفر العملي لا الاعتقادي والله أعلم. (٣) وهناك من أجاز هدية الحاكم من باب المكافأة والإثم على الحاكم لا على المهدي إذا كان لا يتوصل إلى حقه إلا بالهدية. ونقل ابن حجر العسقلاني قول فرات بن مسلم في هذا الموضع في فتح الباري. قال ﵀: " إن لم يكن المهدى له حاكما والإعانة لدفع مظلمة أو إيصال حق فهو جائز ولكن يستحب له ترك الأجر. وإن كان حاكما فهو حرام " (١). وللقارئ الكريم أقوال علماء الإسلام في هذه المسألة: - (١) قال ابن قدامة (٢) في المغني قال: فأما الرشوة في الحكم ورشوة

стр. 6227

العامل فحرام بلا خلاف، قال الله تعالى: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (١). قال الحسن البصري وسعيد بن جبير في تفسيره هو الرشوة وقال إذا قبل القاضي الرشوة بلغت به إلى الكفر. . . إلى أن قال ولأن المرتشي إنما يرتشى ليحكم بغير الحق أو ليوقف الحكم عنه وذلك من أعظم الظلم. ثم قال ابن قدامة: قال مسروق: سألت ابن مسعود عن السحت أهو الرشوة في الحكم قال: لا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) - ﴿هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٣) - ﴿هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٤) ولكن السحت أن يستعينك الرجل على مظلمة فيهدي لك فلا تقبل. وقال قتادة: قال كعب: الرشوة تسفه الحليم وتعمي عين الحكيم -إلى أن قال ابن قدامة - فأما الراشي فإن رشاه ليحكم له بباطل أو يدفع عنه حقا فهو ملعون. وإن رشاه ليدفع عنه مظلمة ويجزيه على واجبه، فقد قال عطاء وجابر بن زيد والحسن؛ لا بأس أن يصانع على نفسه. قال ابن قدامة: قال جابر بن زيد: ما رأينا في زمن زياد أنفع لنا من الرشا ولأنه يستنقذ له كما يستنقذ الرجل أسيره. فإن ارتشى الحاكم أو قبل هدية ليس له قبولها فعليه ردها إلى أربابها لأنه أخذها بغير حق فأشبه المأخوذ بعقد فاسد. ويحتمل أن يضعها في بيت المال لأن النبي

стр. 6228

صلى الله عليه وسلم لم يأمر ابن اللتبية بردها إلى أربابها. ا. هـ من المغني. قال الشوكاني في نيل الأوطار (١): " قال ابن رسلان في شرح السنن ويدخل في إطلاق الرشوة: الرشوة للحاكم والعامل على أخذ الصدقات وهي حرام بالإجماع. قال الإمام المهدي في البحر (٢) في كتاب الأجارات فيه مسألة، وتحرم رشوة الحاكم إجماعا بقوله ﷺ : «لعن الله الراشي والمرتشي (٣)» وقال الشوكاني أيضا: قال المنصور بالله وأبو جعفر وبعض أصحاب الشافعي وإن طلب بذلك حقا مجمعا عليه جاز. قيل وظاهر المذهب المنع لعموم الخبر.

стр. 6229

رد وتعقيب للإمام الشوكاني: - وقال الشوكاني ردا على أئمة الزيدية: " والتخصيص لطالب الحق بجواز تسليم الرشوة منه للحاكم لا أدري بأي مخصص. فالحق التحريم مطلقا أخذا بعموم الحديث. ومن زعم الجواز في صورة من الصور فإن جاء بدليل مقبول وإلا كان تخصيصه ردا عليه فالأصل في مال المسلم التحريم ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (١). ثم قال الشوكاني: والأصل أن الدافع للرشوة إنما دفعه لأحد أمرين: - الأول: - إما لينال به حكم الله إن كان محقا وذلك لا يحل لأن المدفوع في مقابلة أمر واجب أوجب الله على الحاكم الصدع به. فكيف

стр. 6230

لا يفعل حتى يأخذ عليه شيئا من الحطام. الثاني: - وإن كان الدافع للمال من صاحبه لينال به خلاف ما شرعه الله إن كان مبطلا فذلك أقبح، لأنه مدفوع في مقابلة أمر محظور، فهو أشد تحريما من المال المدفوع للبغي في مقابلة الزنا بها، لأن الرشوة يتوصل بها إلى أكل مال الغير الموجب لإحراج صدره والإضرار به بخلاف المدفوع للبغي. فالتوسل به إلى شيء محرم وهو الزنا لكنه مستلذ للفاعل والمفعول به. وهو أيضا ذنب بين العبد وربه. وهو أسمح الغرماء ليس بين العاصي وبين المغفرة إلا التوبة ما بينه وبين الله، وبين الأمرين فرق بعيد. ثم ساق الأدلة على تحريم الرشوة (١). ثم قال الشوكاني: وقال أبو وائل شقيق بن سلمة أحد التابعين: القاضي إذا أخذ الهدية فقد أكل السحت، وإذا أخذ الرشوة بلغت به الكفر. رواه ابن أبي شيبة، بإسناد صحيح وقال: ويدل على المنع من قبول هدية من استعان بها على دفع مظلمته ما أخرجه أبو داود عن أبي أمامة عن النبي ﷺ : «من شفع لأخيه شفاعة فأهدي له عليها فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا (٢)» وفي إسناده مقال. ثم قال الشوكاني: فليحذر الحاكم المتحفظ لدينه المستعد للوقوف بين يدي ربه من قبول هدايا من أهدى إليه بعد توليته القضاء فإن للإحسان تأثيرا في طبع الإنسان، والقلوب مجبولة على حب من أحسن إليها، فربما مالت نفسه إلى المهدي إليه ميلا يؤثر الميل عن الحق عند عروض المخاصمة بين المهدي وبين غيره والقاضي لا يشعر بذلك ويظهر أنه لم يخرج عن الصواب بسبب ما قد زرعه الإحسان في قلبه. والرشوة

стр. 6231

لا تفعل زيادة على هذا، إلى أن قال الشوكاني: ومن هذه الحيثية امتنعت عن قبول الهدايا بعد دخولي في القضاء ممن كان يهدي إلى قبل الدخول فيه بل من الأقارب فضلا عن سائر الناس. وقد ذكر المغزلي في شرح بلوغ المرام في شرح حديث الرشوة كلاما في غاية السقوط وقال ما معناه: يجوز أن يرتشي من كان يتوصل بالرشوة إلى نيل حق أو دفع باطل، وكذلك قال: يجوز للمرتشي أن يرتشي إذا كان ذلك في حق لا يلزمه فعله - إلى أن قال: ولا يغتر بمثل هذا الأمر إلا من لا يعرف كيفية الاستدلال. اهـ كلام الشوكاني بإيجاز واختصار من كتابه نيل الأوطار (١). (٣) وقال الأمير الصنعاني (٢) في كتابه سبل السلام: والرشوة حرام بالإجماع سواء كانت للقاضي أو للعامل على الصدقة أو لغيرهما وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٣). ثم قال: وحاصل ما يأخذه القضاة من الأموال على أربعة أقسام: - الأول: الرشوة إن كانت ليحكم له الحاكم بغير حق فهي حرام على الآخذ والمعطي. وإن كانت ليحكم له بالحق على غريمه فهي حرام على الحاكم دون المعطي لأنها لاستيفاء حقه فهي كجعل الآبق، وأجرة

стр. 6232

الوكالة على الخصومة. وقيل تحرم لأنها توقع الحاكم في الإثم. الثاني: الهدية فإن كانت ممن يهاديه قبل الولاية فلا تحرم استدامتها وإن كان لا يهدي إليه إلا بعد الولاية، فإن كانت ممن لا خصومة بينه وبين أحد عنده جازت وكرهت، وإن كانت ممن بينه وبين غريمه خصومة عنده فهي حرام على الحاكم والمهدي. الثالث والرابع: الأجرة، وأما الأجرة فإن كان للحاكم جراية من بيت المال ورزق حرمت بالاتفاق (يعني حرمت الهدية للحاكم بالاتفاق) لأنه إنما أجري له الرزق لأجل الاشتغال بالحكم فلا وجه للأجرة. وإن كانت لا جراية له من بيت المال جاز له الأجرة على قدر عمله غير حاكم، فإن أخذ أكثر مما يستحقه حرم عليه، لأنه إنما يعطى الأجرة لكونه عمل عملا لا لأجل كونه حاكما ولا يستحق لأجل كونه حاكما شيئا من أموال الناس اتفاقا. فأجرة العمل أجرة مثله فأخذ الزيادة على أجرة مثله حرام. لذا قيل إن تولية القضاء لمن كان غنيا أولى من تولية من كان فقيرا، وذلك لأنه لفقره يصير متعرضا إلى ما لا يجوز له تناوله إذا لم يكن له رزق من بيت المال. (٤) قال القرضاوي في كتابه الحلال والحرام (١): وقد حرم الإسلام على المسلم أن يسلك طريق الرشوة للحكام وأعوانهم، كما حرم على هؤلاء أن يقبلوها إذا بذلت لهم، كما حظر على غيرهم أن

стр. 6233

يتوسطوا بين الآخذين والدافعين - ثم ساق الأدلة على تحريم ذلك. . . . . . . ثم قال: والإسلام يحرم الرشوة في أي صورة كانت وبأي اسم سميت، فتسميتها باسم الهدية لا يخرجها من دائرة الحرام إلى الحلال.

стр. 6234

الرشوة لرفع ظلم: - ثم قال القرضاوي في كتابه المذكور (١): ومن كان له حق مضيع لم يجد طريقة للوصول إليه إلا بالرشوة أو دفع ظلم لم يستطع دفعه عنه إلا بالرشوة فالأفضل له أن يصبر حتى ييسر الله له أفضل السبل لرفع الظلم ونيل الحق. فإن سلك سبيل الرشوة من أجل ذلك فالإثم على الآخذ المرتشي وليس عليه (إثم الراشي). وهذه الحالة ما دام قد جرب كل الوسائل فلم تأت بجدوى، وما دام يرفع عن نفسه ظلما أو يأخذ حقا له دون عدوان على حقوق الآخرين. ثم قال: وقد استدل بعض العلماء على ذلك بأحاديث الملحفين الذين كانوا يسألون النبي ﷺ من الصدقة فيعطيهم وهم لا يستحقون، فعن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن أحدكم ليخرج بصدقته من عندي متأبطها أي يحملها تحت إبطه وإنما هي له نارا- قال عمر: يا رسول الله كيف تعطيه وقد علمت أنها له نار؟ قال فما أصنع يأبون إلا مسألتي ويأبى الله لي البخل (٢)».

стр. 6235

وقال القرضاوي معقبا على ذلك: فإذا كان ضغط الإلحاح جعل الرسول ﷺ يعطي السائل ما يعلم أنه نار على آخذه فيكف يكون ضغط الحاجة على دفع ظلم أو أخذ حق مهدور؟؟. (٥) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الفتاوى: قال ﵀ رحمة واسعة (١): ولهذا قال العلماء يجوز رشوة العامل لدفع الظلم لا لمنع الحق وإرشاؤه حرام فيهما، وكذلك الأسير والعبد المعتق إذا أنكر سيده عتقه له أن يفتدي نفسه بمال يبذله يجوز له بذله وإن لم يجز للمستولي عليه بغير حق أخذه. وكذلك المرأة المطلقة ثلاثا إذا جحد الزوج طلاقها فافتدت منه بطريق الخلع في الظاهر كان حراما عليه ما بذلته ويخلصها من رق استيلائه. مستدلا بحديث عمر بن الخطاب المتقدم - قال ابن تيمية: ولهذا قال رسول الله ﷺ : «إني لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها يتلظاها نارا قالوا: يا رسول الله فلم تعطيهم؟ قال يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل (٢)» ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن ذلك ما وقى به المرء عرضه فهو صدقة، فلو أعطى الرجل شاعرا أو غير شاعر لئلا يكذب عليه أو يهجوه أو يتكلم في عرضه كان بذله لذلك جائزا. وجاء في الفتاوى لشيخ الإسلام (٣) وسئل شيخ الإسلام عن رجل أهدى الأمير هدية يطلب حاجة أو التقرب أو للاشتغال بالخدمة عنده أو ما أشبه ذلك فهل تجوز هذه الهدية على هذه الصورة أم لا؟؟ فأجاب
следующие страницы →