← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.

стр. 6756

وعمل عليها فكأنه قد حصل الإذن فيها في الإنفاق عرفا. والإذن العرفي يجري مجرى الإذن اللفظي وشاهده ما ذكرتم من المسائل فيقال هذا من أقوى الحجج عليكم في مسألة علف المرتهن للرهن واستحقاقه للرجوع بما غرمه وهذا نصف المسافة وبقي نصفها الثاني وهو المعاوضة عليها بركوبه وشربه وهي أسهل المسافتين وأقربهما، إذ غايتها تسليط الشارع له على هذه المعاوضة التي هي من مصلحة الراهن والمرتهن والحيوان وهي أولى من تسليط الشفيع على المعاوضة عن الشقص المشفوع لتكميل ملكه وانفراده به وهي أولى من المعاوضة في مسألة الظفر بغير اختيار من عليه الحق فإن سبب الحق فيها ليس ثابتا والآخذ ظالم في الظاهر ولهذا منعه النبي ﷺ من الآخذ وسماه خائنا بقوله: «أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك (١)» وأما هاهنا فسبب الحق ظاهر وقد أذن في المعاوضة للمصلحة التي فيها فكيف تمنع هذه المعاوضة التي سبب الحق فيها ظاهر وقد أذن فيها الشارع وتجوز تلك المعاوضة التي سبب الحق فيها غير ظاهر وقد منع منها الشارع؟ فلا نص ولا قياس. ومما يدل على أن من أدى عن غيره واجبا أنه يرجع عليه به قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ (٢). وليس من جزاء هذا المحسن بتخليص من أحسن إليه بأداء دينه وفك أسره منه وحل وثاقه أن يضيع عليه معروفه وإحسانه وأن يكون جزاؤه منه بإضاعة ماله ومكافأته عليه بالإساءة وقد قال النبي ﷺ : «من أسدى إليكم معروفا فكافئوه (٣)» وأي معروف فوق معروف هذا الذي افتك أخاه من أسر الدين؟ وأي مكافأة أقبح من إضاعة ماله عليه وذهابه وإذا كانت الهدية التي هي تبرع محض قد شرعت المكافأة عليها وهي من أخلاق

стр. 6757

المؤمنين فكيف يشرع جواز ترك المكافأة على ما هو من أعظم المعروف؟ وقد عقد الله الموالاة بين المؤمنين وجعل بعضهم أولياء بعض فمن أدى عن وليه واجبا كان نائبه فيه بمنزلة وكيله وولي من أقامه الشرع للنظر في مصالحه لضعفه أو عجزه. ومما يوضح ذلك أن الأجنبي لو أقرض رب الدين قدر دينه وأحاله به على المدين ملك ذلك وأي فرق شرعي أو معنوي بين أن يوفيه ويرجع به على المدين أو يقرضه ويحتال به على المدين وهل تفرق الشريعة المشتملة على مصالح العباد بين الأمرين؟ ولو تعين عليه ذبح هدي أو أضحية فذبحها عنه أجنبي بغير إذنه أجزأت وتأدى الواجب بذلك ولم تكن ذبيحة غاصب وما ذاك إلا لكون الذبح قد وجب عليه فأدى هذا الواجب غيره وقام مقام تأديته هو بحكم النيابة عنه شرعا وليس الشأن في هذه المسألة لوضوحها واقتضاء أصول الشرع وفروعه لها وإنما الشأن فيمن عمل في مال غيره عملا بغير إذنه ليتوصل بذلك العمل إلى حقه أو فعله حفظا لمال المالك واحترازا له من الضياع فالصواب أنه يرجع عليه بأجرة عمله. وقد نص عليه الإمام أحمد ﵁ في عدة مواضع: منها أنه إذا حصد زرعه في غيبته فإنه نص على أنه يرجع عليه بالأجرة وهذا من أحسن الفقه فإنه إذا مرض أو حبس أو غاب فلو ترك زرعه بلا حصاد لهلك وضاع فإذا علم من يحصده له أنه يذهب عليه عمله ونفقته ضياعا لم يقدم على ذلك وفي ذلك من إضاعة المال وإلحاق الضرر بالمالك ما تأباه الشريعة الكاملة فكان من أعظم محاسنها أن أذنت للأجنبي في حصاده والرجوع على مالكه بما أنفق عليه حفظا لماله ومال المحسن إليه وفي خلاف ذلك إضاعة لماليهما أو مال أحدهما ومنها ما نص عليه فيمن عمل في قناة رجل بغير إذنه فاستخرج الماء قال لهذا الذي عمل نفقته ومنهما لو انكسرت

стр. 6758

سفينته فوقع متاعه في البحر فخلصه رجل فإنه لصاحبه وله عليه أجرة مثله وهذا أحسن من أن يقال: لا أجرة له فلا تطيب نفسه بالتعرض للتلف والمشقة الشديدة ويذهب عمله باطلا أو يذهب مال الآخر ضائعا وكل منهما فساد محض والمصلحة في خلافه ظاهرة والمؤمنون يرون قبيحا أن يذهب عمل مثل هذا ضائعا ومال هذا ضائعا ويرون من أحسن الحسن أن يسلم مال هذا وينجح سعي هذا والله الموفق (١)

стр. 6759

الأمر الثاني النقول عن بعض فقهاء الإسلام في الموضوع وتشتمل على أقوالهم ومآخذهم في مسألتين الأولى في وجدة الإجارة والثانية في زيادة الأجر أثناء المدة بسبب تغير الأحوال وفي كل واحدة من المسألتين رتبت فيها النقول عن فقهاء المذاهب الأربعة حسب الترتيب الزمني بين المذاهب؛ الحنفية ثم المالكية ثم الشافعية ثم الحنابلة وفيما يلي بيان ذلك.

стр. 6760

المسألة الأولى في مدة الإجارة: والكلام عليها يشتمل على نقول عن بعض فقهاء المذاهب الأربعة ١ - من أقوال بعض فقهاء الحنفية: في تنوير الأبصار وشرحه " الدر المختار " ما نصه (١) (فلو أهمل الواقف مدتها أي إجارة الوقف - قيل تطلق الزيادة للقيم وقيل تقيد بسنة مطلقا وبها أي بالسنة يفتى في الدار وبثلاث سنين في الأرض إلا إذا كانت لمصلحة بخلاف ذلك وهذا مما يختلف زمانا وموضعا وفي البزازية لو احتيح لذلك يعقد عقودا فيكون العقد الأول: لازما: لأنه ناجز. والثاني: لا لأنه مضاف قلت. . القائل صاحب الدر المختار- لكن قال أبو جعفر: الفتوى على إبطال الإجارة الطويلة ولو بعقود، ذكره الكرماني في الباب التاسع عشر وأقره قدري أفندي وسيجيء في الإجارة وعلق صاحب الدر المختار على عبارة إلا إذا كانت المصلحة بخلاف ذلك بقوله هذا أحد الأقوال الثمانية وهو ما ذكره الصدر الشهيد من أن المختار أنه لا يجوز في الدور أكثر من سنة إلا إذا كانت المصلحة في الجواز وفي الضياع يجوز إلى ثلاث سنين إلا إذا كانت المصلحة في عدم الجواز وهذا أمر يختلف باختلاف المواضع واختلاف الزمان وعزاه المصنف إلى أنفع الوسائل وأشار الشارح إلى أنه لا يخالف ما في المتن لأن أصل عدول المتأخرين عن قول المتقدمين بعدم التوقيت إلى التوقيت إنما هو يسبب الخوف على الوقف فإذا كانت المصلحة الزيادة أو النقص اتبعت وهو توفيق حسن، ومن فروع

стр. 6761

ذلك ما في الإسعاف دار لرجل فيها موضع وقف بمقدار بيت واحد وليس في يد المتولي شيء من غلة الوقف وأراد صاحب الدار استيجارها مدة طويلة قالوا إن كان لذلك الموضع مسلك إلى الطريق الأعظم لا يجوز له أن يؤجره مدة طويلة ولأن فيه إبطال الوقف وإن لم يكن له مسلك جاز. ا. هـ وفي فتاوى قارئ الهداية إذا لم تحصل عمارة للوقف إلا بذلك يرفع الأمر إلى الحاكم ليؤجره أكثر. ا. هـ. أي إذا احتيج إلى عمارته من أجرته يؤجره الحاكم مدة طويلة بقدر ما يعمر به). ا. هـ. وفي الفتاوى الخانية ما نصه (قال الفقيه أبو جعفر ﵀ إذا لم يذكر الواقف في صك الوقف إجارة الوقف فرأى القيم أن يؤجرها ويدفعها مزارعه في ما كان أدر على الوقف وأنفع للفقراء فعل ألا أن في الدور لا يؤجر أكثر من سنة لأن المدة إذا طالت تؤدي إلى أبطال الوقف فإن من رآه يتصرف فيه تصرف الملاك على طول الزمان يزعمه مالكا فلا يؤجر الدور أكثر من سنة. أما في الأرض فإن كانت الأرض تزرع في كل سنة لا يؤجرها أكثر من سنة، وإن كانت تزرع في كل سنتين مرة أو في كل ثلاث سنين مرة كان له أن يؤجرها مدة يتمكن المستأجر من الزراعة. هذا إذا لم يكن الواقف شرط أن لا يؤجر أكثر من سنة فإن كان شرط ذلك والناس لا يرغبون في استئجارها سنة وكانت إجارتها أكثر من سنة أدر للوقف وأنفع للفقراء فليس للقيم أن يخالف شرطه ويؤجرها أكثر من سنة إلا أنه يرفع الأمر إلى القاضي حتى يؤجرها القاضي أكثر من سنة لأن هذا أنفع للوقف وللقاضي ولاية النظر للفقراء والغائب والميت فإن كان الواقف ذكر في صك الوقف أن لا يؤجر أكثر من سنة إلا إذا كان ذلك أنفع

стр. 6762

للفقراء وكان للقيم أن يؤجرها بنفسه أكثر من سنة إذا رأى ذلك خيرا ولا يحتاج إلى المرافعة إلى القاضي لأن الواقف أذن له بذلك ولو أن القيم أجر دار الوقف خمس سنين قال الشيخ الإمام أبو القاسم البلخي رحمه الله تعالى لا تجوز إجارة الوقف أكثر من سنة إلا لأمر عارض يحتاج إلى تعجيل الأجرة بحال من الأحوال وقال الفقيه أبو بكر محمد بن الفضل رحمه الله تعالى: إنا لا نقول بفساد هذه الإجارة إذا أجر مدة طويلة لكن الحاكم ينظر فيه فإن كان ضررا بالوقف أبطلها. وهكذا قال الإمام أبو الحسن علي السعدي رحمه الله تعالى، وعن الفقيه أبي الليث رحمه الله تعالى أنه كان يجيز إجارة الوقف ثلاث سنين من غير فصل بين الدار والأرض إذا لم يكن الواقف شرط أن لا يؤجر أكثر من سنة. وعن الإمام أبي حفص البخاري رحمه الله تعالى أنه كان يجيز إجارة الضياع ثلاث سنين فإن آجر أكثر من ثلاث سنين، اختلفوا فيه قال أكثر مشايخ بلخ رحمهم الله تعالى: لا يجوز وقال غيرهم: يرفع الأمر إلى القاضي حتى يبطله وله أخذ الفقيه أبو الليث رحمه الله تعالى ا. هـ وقال في ص ٢٦٧ من الفتاوى البزازية. لا تجوز الإجارة الطويلة في الوقف وإن احتيج إليها يعقد عقودا فيكتب استأجر فلان بن فلان كذا ثلاثين عقدة كل عقدة على سنة فيكون العقد الأول: لازما: لأنه ناجز، والباقي: لا: لأنه مضاف ولو آجر الوقف أكثر من عام كان الوقف دارا أو أرضا إن خالف شرط الواقف لا يصح وإن كانت إجارته أكثر من عام أدر وأنفع للوقف للزوم رعاية شرط الواقف وإن استثنى الواقف إلا إذا كانت الإجارة أكثر من عام أنفع للوقف جاز إذا كان أنفع للفقراء وإن لم

стр. 6763

يشترط ذلك قال الصدر الفتوى في الضياع بالجواز إلى ثلاث إلا إذا كانت المصلحة عدم الجواز وفي الدور بعام إلا إذا كانت المصلحة في عدم الجواز في أكثر من عام وهذا يختلف باختلاف الأزمنة والمكان وقال القاضي أبو علي لا ينبغي أن يؤجر بأكثر من ثلاث فإن فعل جازت وصحت وعلى هذا فلا يحتاج إلى الحيلة التي ذكرناها في الإجارة الطويلة آنفا والفقيه أبو جعفر اختار أن لا يؤجر الدور أكثر من عام والأرض التي تزرع في كل عام كذلك وإن كانت تزرع في كل عامين أو ثلاث أو أربع أو يزرع كل قطعة منها في كل عام حتى يستوعب الزراعة كلها مثلا في كل أربع أو خمس يشترط في العقد ذلك المقدار من المدة المستغرقة للكل في العادة لأنه لو آجرها عاما أو عامين يزرع المستأجر كلها في تلك المدة وتصير الأرض خرابا لا يستأجر بعدها إلى مدة فيتضرر الوقف وكان الإمام أبو جعفر الكبير ﵀ يجيز إجارة ضياعه ثلاثة أعوام لأن الزارع في العادة لا يرغب في أقل منه وفي الدور سنة لأن من رآه يتصرف في متواليا ولا مالك يعارض ويزاحم ومال الواقف مال ضائع لعدم الطالب المهتم يظنه الرائي بتصرفه الدائم مالكا ويشهد له بالملك إذا ادعاه ولا مصلحة للوقف في أمر يدعو ويؤدي إلى هذا الضرر والفقيه أجاز ثلاث سنين في الضياع والدور وغيرهما) ا. هـ. في الفتاوى الخانية في ص ٣٣٣ بهامش الفتاوى الهندية ما نصه (فإن احتاج القيم أن يؤجر الوقف إجارة طويلة قالوا الوجه فيه أن يعقد عقودا مترادفة كل عقد على سنة ويكتب في الصك استأجر فلان ابن فلان أرض كذا أو دار كذا ثلاثين سنة بثلاثين عقدا كل عقد سنة وكذا من غير أن يكون بعضها شرطا في بعض فيكون العقد الأول لازما: لأنه ناجز، والثاني غير لازم: لأنه مضاف قال ﵁: وكان فيما قالوا: نظر

стр. 6764

فإنهم قالوا الأول لازم، والثاني غير لازم، لأنه مضاف وذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله تعالى أن الإجارة المضافة تكون لازمة في إحدى الروايتين وهو الصحيح، وذكروا أيضا القيم إذا احتاج إلى تعجيل الأجرة يعقد عقودا مترادفة على نحو ما قالوا وأجمعوا على أن الأجرة لا تملك في الإجارة المضافة باشتراط التعجيل فكان فيما قالوا نظر من هذا الوجه ا. هـ. قال صاحب رد المحتار، تعليقا على قول للفقيه أبي جعفر: الفتوى على إبطال الإجارة الطويلة ولو بعقود قال في ص ٥٥٠ أي لتحقق المحذور المار فيها وهو أن طول المدة يؤدي إلى إبطال الوقف كما في الذخيرة) ا. هـ. ونقل الأستاذ محمود الأوزجندي قاضيخان في فتاواه، ج٣، ص ٣٣٣، عن أبي جعفر الفقيه أن إطالة مدة إيجار الوقف يؤدي إلى إبطال الوقف فإن من رآه يتصرف فيه تصرف الملاك على طول الزمان يزعمه مالكا.

стр. 6765

١ - من أقوال بعض فقهاء المالكيين: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين ﷺ وعليهم وعلى آل كل وصحبهم والتابعين (وبعد) فالغرض ذكر ما لأهل المذهب في هذه الأوراق من الخلاف في العقار إذا خرب وانقطعت منفعته ولم يرج عودها هل يجوز بيعه ويستبدل بثمنه غيره من نوعه أو المناقلة به أو كراؤه المدة الطويلة أو لا، قال ابن رشد في البيان في شرح رابع مسألة من رسم طلق بن حبيب من سماع ابن القاسم. كتاب الحبس: الأحباس في جواز بيعها والاستبدال بها إذا انقطعت لمنفعة تنقسم على ثلاثة أقسام: قسم يجوز بيعه باتفاق، وهو ما انقطعت

стр. 6766

منفعته ولم يرج أن يعود، وفي إبقائه ضرر مثل الحيوان الذي يحتاج إلى الإنفاق عليه ولا يمكن أن يستعمل في نفقته فيضر الإنفاق عليه بالمحبس عليه أو بيت المال إن كان حبسا في السبيل أو على المساكين وقسم لا يجوز بيعه باتفاق وهو ما يرجى أن تعود منفعته ولا ضرر في إبقائه، وقسم يختلف في جواز بيعه والاستبدال به وهو ما انقطعت منفعته ولم يرج أن يعود ولا ضرر في إبقائه وخراب الربع المحبس الذي اختلف في جواز بيعه من هذا القسم انتهى. فجعل الربع المحبس إذا خرب وانقطعت منفعته ولم يرج عودها من المختلف فيه. وظاهر كلامه سواء كان الربع الخراب في العمران أو بعيدا عنه وهو ظاهر كلام غيره من أهل المذهب كما سنقف عليه في كلامهم وجعل اللخمي الخلاف إنما هو إذا كان بعيدا عن العمران، وأما إذا كان في العمران فظاهر كلامه أنه من القسم المتفق على عدم جواز بيعه، ونصه في ترجمة بيع الحبس وإذا انقطعت منفعة الحبس وعاد بقاؤه ضررا جاز بيعه وإن لم يكن ضررا ورجي أن تعود منفعته لم يجز بيعه، واختلف إذا لم يكن ضررا ولا ترجى منفعته فأجاز ابن القاسم وربيعة البيع ومنعه غيرهما، ولا يباع ما خرب من الرباع إذا كان في المدينة لأنه لا ييأس من إصلاحه وقد يقوم محتسب لله فيصلحه وإن كان على عقب فقد يستغني بعض فيصلحه وما بعد من العمران ولم يرج إصلاحه جرى على القولين والذي آخذ به في الرباع المنع لئلا يتذرع الناس إلى بيع الأحباس ا. هـ. قال ابن ناجي في شرح قول الرسالة ولا يباع الحبس وإن خرب. ما ذكره الشيخ هو المعروف وروى أبو الفرج جوازه حكاه ابن رشد وكذا ذكر اللخمي الخلاف وعزا الجواز لابن القاسم جريا على قوله في الثياب إذا بليت إلا أنه قصر الخلاف على ما بعد من العمران ولم يرج إصلاحه وأما ما كان بمدينة فلا يباع وظاهر كلامه باتفاق فجعله

стр. 6767

بعض شيوخنا قولا ثالثا ا. هـ. وبعض شيوخه هو ابن عرفة ويشير بذلك لقول ابن عرفة في كتاب الحبس وفيها مع العتبية والموازية، وغيرهما منع ما خرب من ربع حبس مطلقا وسمع ابن القاسم لا تباع دار حبس خربت ليبتاع دونها. ابن رشد فيها لربيعة أن الإمام يبيع الربع إذا ولي ذلك لخرابه وهي إحدى روايتي أبي الفرج اللخمي لا يباع إن كان بمدينة إذ لا ييأس من صلاحه من محتسب وبعض عقب وما بعد عن العمران ولم يرج صلاحه جرى على القولين والذي آخذ به المنع خوف كونه ذريعة لبيع الحبس. قلت ففي منعه ثالثها إن كان بمدينة للمعروف وإحدى روايتي أبي الفرج ونقل اللخمي ا. هـ كلام ابن عرفة بلفظه وقال في العتبية في أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب الحبس قال ابن القاسم وسمعت مالكا قال في قوم حبست عليهم دار فخربت فأرادوا بيعها ابتياع دونها إن ذلك لا يجوز لهم وأما الفرس يكلب أو يجن فإنه يباع ويشترى بثمنه فرس يحبس مكانه قال ابن رشد هذا هو ما في المدونة أن الربع الحبس لا يباع وإن خشي عليه الخراب ومثله في رسم الأقضية. الثاني من سماع أشهب من كتاب جامع البيوع بخلاف ما بلي من الثياب وضعف من الدواب والفرق بين ذلك أن الربع وإن خرب فلا تذهب المنفعة ويمكن أن يعاد إلى حاله وابن الماجشون يرى أن لا يباع شيء من ذلك كله وهو قول غير ابن القاسم في المدونة، وروي عن ربيعة أن الإمام يبيع الربع إذا أدى ذلك إلى خرابه كالدواب والثياب وهو قول مالك في إحدى روايتي أبي الفرج عنه قال لا يباع الربع الحبس وقال في موضع آخر إلا أن يخرب ا. هـ. فحاصل ذلك أن القول بالمنع مطلقا والقول لجواز إذا انقطعت منفعته ولم يرج عودها سواء كان في العمران أو بعيدا. . المنع لمالك في المدونة وغيرها والجواز لإحدى روايتي أبي الفرج

стр. 6768

عنه، إلا أن المنع صرح بمشهوريته غير واحد من أهل المذهب، قال في معين الحكام اختلف قول مالك في بيع العقار المحبس إذا خرب فالمشهور عنه المنع وروى عنه أبو الفرج في حاويه الجواز. وقال ابن راشد محلب القباب وأما الرباع فالمشهور فيها المنع وروى أبو الفرج الجواز وقال ابن هارون في مختصر المتيطية وإذا انقطعت منفعة الحبس فأما الرباع فاختلف في بيعها إذا خربت فالمشهور عن مالك (١). وروى عنه أبو الفرج في كتابه الجواز وهو قول ربيعة ا. هـ، فهؤلاءكلهم صرحوا بمشهورية المنع وتقدم في كلام ابن عرفة وابن رشد أنه المعروف لمالك واختيار اللخمي له أيضا وعليه اقتصر الشيخ خليل في مختصره لا عقار وإن خرب والقول بالجواز اختاره جماعة من المتأخرين وبه وقعت الفتوى والحكم وجرى به العمل قال ولد ابن عاصم في شرح رجز والده عند قوله: وغير أصل عادم النفح صرف ... ثمنه في مثله ثم وقف استثنى الأصول بقوله. وغير أصل وذلك على المشهور من المذهب وقد قيل بيع ما عدمت منفعته منها وإن كان غير المشهور وقد أفتى بذلك من شيوخ شيوخنا الأستاذ أبو عبد الله الحفار رحمه الله تعالى فسئل في فدان محبس على مصرف من مصارف البر لا منفعة فيه هل يباع ويشترى بثمنه ما يكون فيه منفعة فأجاب إن كان الفدان الذي حبس لا منفعة فيه فإنه يجوز أن يباع ويشترى بثمنه فدان آخر يحبس وتصرف غلته في المصرف الذي حبس عليه الفدان الأول على ما أفتى به كثير من العلماء في هذا النحو، فقد أفتى ابن رشد رحمه الله تعالى في أرض محبسة عدمت منفعتها بسبب ضرر جيران أن تباع ويعاض بثمنها ما فيه منفعة على ما قاله جماعة من العلماء في الربع المحبس إذا خرب ويكون ذلك بحكم القاضي بعد أن

стр. 6769

يثبت عنده أنه لا منفعة فيه قاله محمد الحفار وبمثل ذلك أفتى الأستاذ أبو سعيد بن لب رحمه الله تعالى وقد سئل في طراز محبسة على الرابطة ثبت أنه قد تداعى للسقوط وأنه يضر بحيطان الجيران المشتركة معه من جيران الرباط إضرارا بينا وأنه لا بد من حله وأنه لا يصلح للرباطة ما يسدد به بناءه فأجاب يسوغ بيع الطراز على الصحيح من القولين وبعوض بثمنه للحبس ما يكون له أنفع وإن وجد من يناقل به بربع آخر للحبس فهو حسن إن أمكن قاله: فرج. انتهى. وقال البرزلي ابن عات عن الفضل بن سلمة. وبحبس المساكين يكون في البلد فتيبس أشجاره ويقحط بحبس الماء عنه يرى القاضي فيه رأيه بيع أو شركة أو عمل أو كراء ما رآه فيها. وعن ابن اللباد أرى أن يباع إذا كان بهذه الحال. يحيى بن خلف وكذلك الموضع الصغير الذي لا يحرث عليه وحده ولا ينتفع به فإنهم يرون بيعه ويدخل في غيره وهو الصواب إن شاء الله تعالى. والله الموفق وجرى العمل عندنا ببيع ما لا نفع منها. ووقعت مسائل عندنا بتونس منها فندق ابن يعطاس تهدم فأفتى شيخنا الإمام يعني ابن عرفة أنه تباع أنقاضه ويغير عن حاله دارا ورجح هذا القول وحكم بهذه الفتوى قاضي الجماعة وحق له ذلك. ومنها دار خربت من دور مدرسة القنطرة فأفتى فيها شيخنا الإمام المذكور ببيعها - واشتري بثمنها رسم في الغابة بتونس وظاهر فتاوى الأندلسيين إباحة البيع ويستبدل بها ما هو أعود بالمنفعة انتهى كلام البرزلي بلفظه ونقله ابن سلمون في وثائقه أيضا ونصه وفي كتاب الاستفتاء قال الفضل بن سلمة في حبس المساكين يكون في البلد فتيبس أشجاره ويقحط بحبس الماء عنه فقال يرى القاضي فيه رأيه في بيع أو شركة أو غير ذلك. وقال ابن اللباد أرى أن يباع إذا كان بهذه الحالة قال يحيى بن خلف

стр. 6770

وكذلك الموضع الصغير الذي لا يحرث وحده ولا ينتفع به فإنهم يرون بيعه وإدخال ثمنه في غيره وقال ابن عرفة في مسألة ما إذا كانت غلة الحبس لا تفي بنفقته والأظهر عندي أن ينظر فإن كان مع ذلك لا ثمن له رد لمحبسه وإن كان له ثمن يبلغ ما يشترى به ما فيه نفع ولو قل بيع واشترى بثمنه ذلك. ثم قال والحاصل أن نفقته من فائدته فإن عجزت بيع وعوض بثمنه ما هو من نوعه فإن عجز صرف في مصرفه انتهى فتحصل من هذه النصوص أن في العقار الموقوف إذا انقطعت منفعته ولم يرج عودها سواء كان في مدينة أو بعيدا من العمران لمالك قولين: الأول: المنع وهو المشهور عنه في المدونة والعتبية والموازية وغيرها وعليه اقتصر الشيخ خليل في مختصره، والثاني: الجواز وهو ما رواه عنه أبو الفرج في حاويه وقال به جماعة من العلماء ورجحه ابن عرفة كما تقدم في نقل البرزلي وبه وقعت الفتوى والحكم وقال أبو سعيد بن لب إنه الصحيح من القولين وقال يحيى بن خلف إنه الصواب إن شاء الله تعالى ووجه القاضي عبد الوهاب في شرح الرسالة القول بالمنع بما نصه والدليل على ذلك أي المنع أن الوقف إزالة ملك لا إلى ملك فإذا كان فيما لا ضرر في تبقيته فلم يجز البيع اعتبارا به إذا لم يخرب وبذلك فارق الحيوان على أحد الوجهين لأن في تبقيته ضررا إذا لم ينتفع به وإن أجبنا بالتسوية قلنا لأنه إزالة ملك بسبب يمنع البيع من السلامة فوجب أن يمنع فيه مع التغير كالعتق وتزيد بالإزالة في الفرع المنافع ولأن القصد انتفاع الموقوف عليه بمنفعته فلو أجزنا بيعه لخالفنا شرط الواقف وجعلنا المنفعة له بالأصل ولأن العمارة قد تعود وتنتقل ففي إجازة بيعه إبطال حق من جعل له حق بعد هذا البطن وذلك مما لا سبيل إليه انتهى، ووجه الجواز بما نصه، [ووجه الجواز اعتباره بالحيوان ولأن الواقف إنما أراد وصول الانتفاع إلى

стр. 6771

الموقوف عليهم من جهة هذا الوقف فإذا لم يكن من جهته منفعة وجب أن تنتقل إلى منفعة ما يقوم مقامه وإلا كان في ذلك إبطال شرطه والأول أصح وأوضح انتهى. فهذا ملخص ما يتعلق بالكلام على البيع إذا انقطعت منفعته ولم يرج عودها والاستبدال بثمنه من نوعه. وأما حكم المعاوضة بالعقار الخرب بعقار آخر غير خرب فقال الشيخ ابن أبي زيد في رسالته، واختلف في المعاوضة بالربع الخرب ربعا غير خرب، واختلف شراحه في حمل كلامه هذا مع قوله أولا ولا يباع الحبس وإن خرب فمنهم من حمل ذلك على أن ذلك مسألة واحدة ومعنى الكلامين أنه لا يجوز أن يباع الحبس الخرب ويشترى بثمنه غيره من جنسه يكون وقفا عوضه فجزم أولا بما اختاره من أنه لا يباع وإن خرب ثم حكى وجود الخلاف فيه ومنهم من حمل الأول على الصورة المتقدمة والثاني على المعاوضة به بربع غيره من غير بيع قال الجزولي إثر قوله ولا يباع الحبس وإن خرب ظاهر هذا معارض لما يأتي من قوله واختلف في المعاوضة فقال في تلك اختلف في بيعه وقال هنا لا يجوز وإن خرب. والانفصال عن هذا أن يقال مذهبه أنه لا يجوز بيع الحبس وإن خرب وهو الذي قال أولا وقوله في المعاوضة إلخ، إنما حكى الخلاف ويكون مذهبه القول بالمنع ثم قال في شرح قوله واختلف في المعاوضة بالربع الخرب ربعا غير خرب صورة هذا أن تكون دار محبسة ثم خربت فإنها تباع ممن يملكها ويشترى بثمنها أخرى فيصير الحبس ملكا والملك حبسا فاختلف فيه على قولين: مالك يمنعه، وربيعة وابن القاسم يجيزان بيعه، ووجه قول مالك سدا للذريعة وحسما للباب ومنهم من قال إنما صورته أن يباع الحبس الخرب بدار أخرى غير خربة وفي بعض النسخ ومنهم من قال صورة المناقلة أن يدفع ربعا خربا في ربع صحيح الشيخ بغير تعقب ولا فرق بين المسألتين

стр. 6772

أعني من أن يأخذ فيه دراهم ويشتري بها دارا أخرى أو يأخذ دارا فيها كلاهما يقال فيه عاوض بدار غير خرب انتهى. (فرع) قال الجزولي وأما مناقلة الأحباس فقال ابن أبي زيد لا تجوز من غير خلاف وصورته أن يكون رجلان لكل واحد منهما حبس وحبس كل واحد منهما بإزاء الآخر فأراد أن يتناقلاهما وأراد كل واحد منهما الحبس الذي بإزائه فهذا لا يجوز. ا. هـ] ونقله عن الشيخ ابن أبي زيد غير واحد وهو في النوادر في كتاب الحبس في ترجمة بيع الحبس إذا خرب. " مسألة: وأما بيع بعض العقار الوقف لإصلاح بعضه فمقتضى كلام ابن الماجشون في النوادر في ترجمة بيع الحبس إذا خرب أنه لا يجوز بيعه من غير خلاف ونصه قال ابن الماجشون ولو حبس إبلا أو غنما فانفصلت الذكور من التيوس أكثر نسلها قال لا تباع ولو صارت ضرورة بكثرة ما ينفق في رعايتها ومؤنتها فلا تباع عندي إذا كانت لا تضر بغيرها من الصدقة وهو كالربع الخرب الذي إذا بيع بعضه أصلح به باقيه ا. هـ ونقله الشيخ بهرام في شرحه الكبير بلفظ - وفي النوادر عن ابن الماجشون في الإبل والغنم المحبسة تلد الذكور وتكثر بذلك فإنها لا يباع شيء منها قال ولو صارت ضرورة لكثرة ما ينفق في رعايتها ومؤنتها فلا تباع عندي إذا كانت لا تضر بغيرها من الصدقة وهو كالربع الخرب إذا بيع بعضه أصلح به باقيه ا. هـ فقول ابن الماجشون إذا كانت لا تضر بغيرها من الصدقة مفهومه أنها إذا أضرت بغيرها من الصدقة أنها تباع فأجاز بيعها لإصلاح باقيها بإزالة الضرر عنه واستدلاله على ذلك بمسألة الربع الخرب الذي إذا بيع بعضه أصلح باقيه يقتضي عدم الخلاف في مسألة الربع الخرب لأن الاستدلال على الحكم مسألة أخرى يقتضي عدم الخلاف في المسألة المستدل بها فتأمل والله أعلم. وفي أحكام ابن سهل الكبرى عن ابن زرب

стр. 6773

أنه سئل عن دار محبسة هدم من تحت يده قطعة منها وباع نقضها فأمر بإخراجه منها وتسعيرها عليه فقال له السائل إنه لا يبنى منها شيء على يد من هي تحت يده لأنه شديد السعة فقال أرى أن يباع من النقض بعضه وينفق من ثمنه في بنيان الحبس ويدخل باقي النقض في البنيان ثم يباع للموقوف عليه فقال له جماعة من أهل المجلس أو ليس هذا من بيع الحبس؟ فقال ليس هذا من بيع الحبس هذا إصلاح له " انتهى. والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. قال العلامة أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي المعروف بالحطاب المتوفي سنة ٩٥٤ في شرح قول خليل في مختصره (وإكراء ناظره إن كان على معين كالسنتين) قال يعني أن الحبس إذا كان على معينين كبني فلان فللناظر أن يكريه سنتين أو ثلاث سنين ولا يكريه أكثر من ذلك ولكن لا يكون كراؤه بالنقد، انظر النوادر في ترجمة الحبس، يزاد فيه أو يعمر من غلته وكراء الحبس السنين الكثيرة. (فرع) قال في البيان في رسم الأقظية هذا من سماع أشهب من كتاب الصدقات فإن وقع الكراء في السنين الكثيرة على القول بأنه لا يجوز فعثر على ذلك وقد مضى بعضها فإن كان الذي بقي يسيرا لم يفسخ وإن كان كثيرا فسخ على ما قاله في كتاب محمد. ا. هـ قلت- القائل الحطاب - ولم يبين حد اليسير والظاهر أنه كالشهر والشهرين كما في مسألة كراء الوصي ربع الصغير ثم يتبين رشده وذكر البرزلي في مسائل الحبس عن نوازل ابن

стр. 6774

رشد فيمن حبس على بني فلان أكرى أحدهم نصيبه خمسين عاما فأجاب إن وقع الكراء لهذه المدة على النقد فسخ وفي جوازه على غير النقد قولان الصحيح منهما عندي المنع وهذا فيما ينفسخ فيه الكراء بموت المكري وهذا كمسألتك. أما الحبس على المساجد والمساكين وشبههما فلا يكريها الناظر إلى أكثر من أريعة أعوام إن كانت أرضا أو أكثر من عام إن كانت دارا وهو عمل الناس ومضى عليه عمل القضاة فإن أكرى أكثر من ذلك مضى إن كان نظرا على مذهب ابن القاسم وروايته ولا يفسخ انتهى. وقال في الشامل وجاز كراء بقعة من أرض محبسة على غير معينين لتبنى دارا أو عمل به انتهى. وانظر أحكام ابن سهل في أول كتاب الأقضية من مسائل الحبس في ترجمة قطع محبس باعته المحبسة وانظر الأحكام الصغرى من مسائل الأقضية) ا. هـ كلام الحطاب. ج ٦ ص ٤٧. وقد زاد الأستاذ أبو عبد الله الشيخ محمد عليش في فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك على ما نقله الحطاب عن نوازل البرزلي ج ٢ ص ١٩٩ - ٢٠٠، قول البرزلي قلت وقعت هذه المسألة في كتاب الأقضية من كتاب ابن سهل وذكر أنها نزلت ببطليوس اكترى أرضا محبسة خمسين عاما ثم قام النسوة المكريات المحبس عليهن على الغارس يطلبن فسخ الكراء بعد سبعة أعوام وامتنع المكتري من ذلك وهو أبو شاكر

стр. 6775

أحد فقهاء تلك البلد فكتب إلي بها أبو شاكر وقاضيها ابن خالص وكتبت جوابها لأبي شاكر وكان أنكر علي فسخ الكراء فأجبته: من المعول عليه في الفتوى في الأحكام قول ابن القاسم (لا سيما إذا كان في المدونة ثم على ما وقع فيها لغيره). هذا الذي سمعناه قديما في مجالس شيوخنا الذين تفقهنا عندهم وعلة ذلك اعتماد الناس في المغرب عليها حتى أنست نفوسهم وألفت معانيها وتقررت عندهم صحة أصولها وفروعها وما سبق للنفس ألفته ثم ذكر مسائل من المدونة والعتبية والواضحة والوقار منها أنه لا يجوز كراء الحبس إلا إلى سنة. ونحوها ولا بأس بكراء الدور السنة وفوق ذلك إلى عشرين سنة من غيره ثم قال وما أجاب به ابن رزق من جواز عقد الكراء سبعين عاما فيبطله ما تقدم ولا سمعته ولا رأيته إنما حكي لي عن المنصور بن أبي عامر أنه اكترى موضعا حبسا إلى سبعين عاما. وهذا لو صح نقله فلا يصح أصله ولا يجوز العمل به لما ذكرناه عن مالك وأصحابه. وفي وثائق أبي العطار: الذي جرى به العمل قبالات أرض الأحباس لأربعة أعوام وهذا الذي شاهدناه بقرطبة ودور الأحباس والحوانيت إنما تكرى عاما فعاما، وشاهدنا ذلك من قضاتها بمحضر فقهائها مرارا وقد رأيت مسألة نزلت بقاضي الجماعة حفيد ابن زرب أقبل بياضا وفيها سواد اثنتي عشرة سنة وذكر أنه شاور الفقهاء فاختلفوا في نقضها لطول مدة الكراء فقال بعضهم يفسخ وقال بعضهم يمضي وأبين هذا مما نحن فيه ثم قال البرزلي والواقع عندنا اليوم بتونس مما جرت به العادة في أحباس قرطاجنه بقاء المدة أربعين سنة ورأيت كذا في قاعة دار خمسين سنة من الحبس وهذا نحو ما تقدم لأبي شاكر

стр. 6776

ومنصور بن أبي عامر ولعلهم لم يجدوا من يتقبلها إلا على هذه الهيئة فافتقروا ذلك للضرورة كالتزام الجزاء على أرض الجزاء أبدا لضرورة حاجة بيت المسلمين وإن كان عن ثمن الأرض لكونه تابعا لأصل جائز للضرورة والله أعلم ا. هـ كلام البرزلي. قال الأستاذ أبو عبد الله الشيخ محمد عليش المالكي في فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك، - ج ٢، ص ١٩٩، ما نصه قال العلامة العدوي في حاشية الخرشي اعلم أن للخلو صورا منها أن يكون الوقف آيلا للخراب فيكريه ناظره لمن يعمره بحيث يصبر الحانوت مثلا يكرى بثلاثين نصف فضه ويحمل عليه لجهة الوقف خمسة عشر فصارت المنفعة مشتركة بينهما فما قابل الدراهم المصروفة من المنفعة هو الخلو فيتحقق به البيع والوقف والإرث والهبة ويقضى منه الدين وغير ذلك ولا يسوغ للناظر إخراجه من الحانوت ولو وقع عقد الإيجار على سنين معينة كتسعين سنة ولكن شرط ذلك أن لا يكون ريع يعمر به. ا. هـ. وقال أبو عبد الله محمد عليش في ص ٢٠٧، ج٢، قال الأجهوري ﵀ الخلو اسم لما يملكه دافع الدارهم من المنفعة التي دفع الدراهم في مقابلتها ا. هـ، قال الغرقاوي وظاهره سواء كانت المنفعة عمارة كأن يكون في الوقف أماكن آيلة للخراب فيكريها ناظره لمن يعمرها ويكون ما صرفه خلوا له ويكون شريكا للواقف بما زادته عمارته مثلا كانت الأماكن التي عمرت تكرى، قبل العمارة كل يوم بعشرة أنصاف وبعد العمارة تكرى كل يوم بعشرين نصفا فيكون الذي عمر شريكا بالنصف أو الثلث أو الثلثين بحسب ما وقع من الشرط فإن احتاجت تلك المحلات إلى العمارة ثانيا كان الوقف ما يخصه من نصف أو ثلث أو ثلثين وعلى صاحب

стр. 6777

الخلو ما يخصه وقد تكون المنفعة غير عمارة لكن لا بد أن تكون تلك المنفعة أو تلك الدراهم عائدة على جهة الوقف كوقيد مصباح وسواء كان الإذن في ذلك من الواقف أو ناظره. وأما ما يقع عندنا بمصر من خلو الحوانيت لمن هو مستأجر كل شهر بكذا فقال بعض الشيوخ إنه من ملك المنفعة وتورث عنه شرعا إذا كان العقد صحيحا والإجارة لازمة بشروطها وذلك أن الواقف حين يريد بناء محلات للوقف يأتي له أشخاص يدفعون له دراهم على أن يكون لكل شخص محل من تلك المحلات يسكنه بأجرة معلومة يدفعها في كل شهر فكأن الواقف باعهم حصة من المحلات قبل التحبيس وحبس الباقي فليس للواقف تصرف في المحلات إلا بقيض الأجرة المعلومة كل شهر وكان دافع الدراهم شريكا للواقف بتلك الحصة ثم قال الغرقاوي وفتاوى الناصر مخرجة على النصوص وقد أجمع على العمل بها واشتهرت في المشارق والمغارب وانحط الأمر عليها وهو إن لم يستند فيها إلى نص صريح فقد وافقه عليها من هو مقدم عليه ولا يضر عدم استناد المفتي إلى نص فيما أفتى به عندنا لأنه يجوز له إذا لم يجد نصا في الحادثة تخريجها على النصوص بالشروط الآتية كما صرح به الشهاب القرافي وقد سئل نور الدين الشيخ علي الأجهوري ﵀ عن جواب المفتي إذا لم يجد نصا في المسألة ولم يكن له مستند ولا مرجع فيما أفتى به كفتوى الناصر اللقاني في مسألة الخلوات وجوازها هل يكون من أحد الأدلة الشرعية حتى إنه للمفتي المالكي أن يفتي بقوله ويتخذه حجة ومستندا ودليلا على صحة جواز الخلوات مع عدم نص في ذلك من الأئمة المتقدمين في المذهب أو لا فأجاب رحمه الله تعالى يجوز للمفتي إذا لم يجد نصا في المحادثة أن يخرجها على النصوص إذا كان شديد الاستحضار لقواعد مذهبه وقواعد الإجماع ونص أيضا على أنه يجوز لمن

стр. 6778

حفظ روايات المذهب وعلم مطلقها ومقيدها وعامها وخاصها وعلم أصول الفقه وكتاب القياس وأحكامه وترجيحاته وموانعه وشرائطه أن يفتي بما يخرجه على ما هو محفوظ له وشيخ عصره الشيخ ناصر الدين اللقاني ممن اتصف بهذه الصفات التي يسوغ لمن اتصف بها جواز الإفتاء فيما لم يكن فيه نص وقد أطبق من بعده من العلماء على متابعته فيما يفتى به مما لم يوجد فيه نص في المذهب ثقة به واعتقادا لاطلاعه على ما لم يطلعوا عليه وأنه لا يقدم على ذلك من غير شيء يعتمد عليه وقد وافقه على ذلك من هو مقدم عليه في الفقه وهو أخوه الشيخ محمد اللقاني وقد وقع لعلماء مذهبهم المعتمد عليهم كابن عرفة والبرزلي وابن ناجي العمل بما جرى عليه عمل شيوخهم مما ليس بمنصوص عليه. فهذا أو نحوه يفيد أنه يجوز للمفتي أن يفتي بما خرجه غيره على النصوص ممن فيه أهلية للتخريج. ومما يستأنس به في هذا المقام قوله ﵊: «ما رآه المؤمنون حسنا فهو حسن (١)» يعني أنه عند الله حسن ومقتضى الحال في المسألة الواقعة هي أن حوانيت الأوقاف بمصر جرت عادة سكانها أنه إذا أراد أحدهم الخروج من الدكان أخذ من الآخر مالا على أن ينتفع بالسكنى فيه ويسمونه خلوا وجدكا ويتداولون ذلك بينهم واحدا بعد واحد وليس يعود على تلك الأوقاف نفع أصلا غير أجرة الحانوت بل الغالب أن أجرة الحانوت أقل من أجرة المثل بسبب ما يدفعه الآخذ من المال والذي يدور عليه الجواب في ذلك إن كان الساكن الذي أخذ الخلو يملك منفعة الحانوت مدة فأسكنها غيره وأخذ على ذلك مالا فإن الآخذ بيده إجارة صحيحة من الناظر أو الوكيل بشروطها بأجرة المثل فهو سائغ له الأخذ على تلك المنفعة التي يملكها ولا ضرر على الوقف لصدور الأجرة موافقة لأجرة المثل وأما إن لم يكن مالكا للمنفعة بإجارة صحيحة فلا عبرة بخلوه

стр. 6779

ويؤجره الناظر لمن شاء بأجرة المثل ويرجع دافع الدراهم بها على من دفعها له. وبعد أن ذكر الشيخ محمد عليش جميع ما ذكرناه في الخلو عقد فصلا لشروط الخلو قال فيه ما نصه (فصل في شروط صحة الخلو). منها: أن تكون الدراهم المدفوعة عائدة على جهة الوقف يصرفها في مصالحه فما يفعل الآن من صرف الناظر الدراهم في مصالح نفسه بحيث لا يعود على الوقف منها لشيء فهو غير صحيح ويرجع دافع الدراهم بها على الناظر ومنها أن لا يكون للوقف ريع يعمر به فإن كان له ريع يفي بعمارته مثل أوقاف الملوك فلا يصح فيه خلو ويرجع دافع الدراهم بها على الناظر. ومنها ثبوت الصرف في منافع الوقف بالوجه الشرعي فلو صدقه الناظر من غير ثبوت لم يعتبر لأن الناظر لا يقبل قوله في مصرف الوقف حيث كان له شاهد. وفائدة الخلو أنه يصير كالملك ويجري عليه البيع والإجارة والهبة والرهن ووفاء العين والإرث كما يؤخذ من فتوى الناصر اللقاني وسئل عن هذا كله شهاب الدين أحمد السنهوري ﵁ فأجاب بما نصه الخلوات الشرعية يصح وقفها ويكون لازما منبرما مع شرط اللزوم كالحوز وانتفاء المانع كالدين كوقف صحيح الأملاك ويجب العمل بذلك ورهنه وإجارته وهبته وعاريته كل ذلك صحيح ولواقفه أن يجعله مؤبدا أو مؤقتا على غيره فقط أو عليه وعلى ذريته أو على جهة من جهات الخير كوقود مصباح وتفرقة خبز وتسبيل ماء ونحو ذلك مما ينص عليه الواقف ويراه ويشترط فيه ما يجوز له اشتراطه من الأمور الجائزة عملا بما أفتى به شيخنا الشيخ ناصر الدين اللقاني في فتواه انتهى، وقد بحث في ذلك شيخنا العلامة الأجهوري في شرحه على المختصر بكلام طويل حاصله أن الخلو هو ملك المنفعة كما تقدم ومحل صحة وقف المنفعة إذا لم تكن منفعة حبس لتعلق الحبس بها وما تعلق الحبس به لا يحبس ولو صح

стр. 6780

وقف منفعة الوقف لصح وقف الوقف واللازم باطل شرعا ألا ترى أنه لا يوقف ما فتح من الأرض عنوة ولو إن أقطعه له الإمام لأنها بمجرد الفتح صارت وقفا فلا يصح وقفها شرعا ولا عقلا ومن المعلوم أن كل ذات وقفت إنما يتعلق الوقف بمنفعتها وأن ذاتها مملوكة للواقف ولهذا تعلم بطلان تحبيس الخلو. وأما أجرته فيصح تحبيسها لكنه يبطل تحبيسها بموت المحبس لأن المنفعة تنتقل للوارث فتكون أجرتها له إلا أن يجيز فعل مورثه انتهى. وقد بالغ في عدم صحة وقف الخلو ولكن الذي عليه العمل ما أفتى به العلامة الشيخ أحمد السنهوري من صحة وقف الخلو وجرى به العمل كثيرا في الديار المصرية ويلزم على بطلانه ضياع أموال الناس وكثرة الخصام المؤدي للتفاقم انتهى كلام الغرقاوي ملخصا. قال في المجموع: صح وقف مملوك وإن منفعة ولو خلو وقف آخر كما في الحاشية قال في ضوء الشموع قال في الحاشية المذكورة اعلم أن الخلو يصور بصور منها: أن يكون الوقف آيلا للخراب فيكريه ناظر الوقف لمن يعمره بحيث يصير الحانوت مثلا يكرى بثلاثين نصف فضة ويجعل عليه لجهة الوقف خمسة عشر فصارت المنفعة مشتركة بينهما فما قابل الدراهم المصروفة من المنفعة هو الخلو فيتعلق به البيع والوقف والإرث، والهبة ويقضي عنه الدين وغير ذلك ولا يسوغ للناظر إخراجه من الحانوت ولو وقع عقد الإيجار على سنين معينة كتسعين سنة ولكن شرط ذلك أن لا يكون ريع يعمر به. الثانية: أن يكون للمسجد حوانيت موقوفة عليه واحتاج المسجد لتكميل أو عمارة ويكون الدكان يكرى الشهر بثلاثين نصفا مثلا ولا يكون هناك ريع يكمل به المسجد أو يعمر به فيعمد الناظر إلى الساكن في الحوانيت فيأخذ منه قدرا من المال يعمر به المسجد، ويجعل عليه خمسة عشر مثلا في كل شهر. والحاصل أن منفعة الحانوت المذكورة

стр. 6781

شركة بين صاحب الخلو والناظر على وجه المصلحة كما يؤخذ مما أفتى به الناصر كما أفاده الأجهوري. الثالثة: أن تكون أرض محبسة فيستأجرها من الناظر ويبني فيها دارا مثلا على أن عليه كل شهر لجهة الوقف ثلاثين نصف فضة ولكن الدار تكرى بستين نصف فضة مثلا فالمنفعة التي تقابل الثلاثين الأخرى يقال لها خلو. وإذا اشترك في البناء المذكور جماعة وأورد بعضهم بيع حصته في البناء فلشركائه الأخذ بالشفعة. وإذا حصل خلل في البناء ففي الصورتين الأوليين الإصلاح على الناظر وصاحب الخلو على قدر ما لكل وفي الأخيرة على صاحب الخلو وحده. واعلم أن الخلو من ملك المنفعة لا من ملك الانتفاع ينتفع بنفسه فقط ولا يؤجر ولا يهب ولا يعير. ولمالك المنفعة تلك الثلاثة مع انتفاعه بنفسه فقط ولا يؤجر ولا يهب ولا يعير. ولمالك المنفعة تلك الثلاثة مع انتفاعه بنفسه والفرق بينهما أن مالك الانتفاع يقصد ذاته مع وصفه كإمام وخطيب ومدرس وقف عليه بالوصف المذكور بخلاف مالك المنفعة فإنما يقصد به الانتفاع بالذات بأي منتفع كمستعير لم يمنع عن إعارته ثم إن من ملك الانتفاع وأراد أن ينفع به غيره فإنه يسقط حقه منه ويأخذه الغير على أنه من أهله حيث كان من أهله. والخلو من ملك المنفعة فلذلك يورث وليس للناظر أن يخرجها عنه وإن كانت الإجارة لغيره ولذلك قال الأجهوري: واعلم أن العرف عندنا بمصر أن الأحكام مستمرة للأبد وإن عين فيها وقت الإجارة مدة فهم لا يقصدون خصوص تلك المدة والعرف عندنا كالشرط فمن احتكر أرضا مدة ومضت فله أن يبقى وليس للمتولي أمر الأرض إخراجه نعم إن حصل ما يدل على القصر على زمن الإجارة لا على الأبد فإنه يعمل بذلك نحو أن مدة الاحتكار كذا وكذا. تنبيه قد تقدم أن الخلو اسم للمنفعة التي حصل في مقابلتها الدراهم. والحاصل أن وقف الأجرة متفق عليه بين الأجهوري وغيره كما أفاده بعض شيوخنا

стр. 6782

ومخالفة الأجهوري لغيره إنما هي في وقف المنفعة والحق مع غيره والحاصل أن تلك المنفعة بعضها موقوف ولعضها غير موقوف وهو المسمى بالخلو فيتعلق به. أما إن كان لذمي خلو في وقف المسجد فإنه يمنع من وقفه على كنيسة مثلا قطعا بالعقل والنقل هذه عبارة الحاشية وقوله بالعقل أي لأن الوقف الأصلي حاصل لمنفعة الخلو ولا يصح أن يحمل المسجد للكنيسة والنقل النصوص الدالة على أن المطلوب إذلال الكفر وهذا ينافيه وما نقله عن بعض الشيوخ من أن وقف الأجرة متفق عليه والخلاف إنما هو في وقف المنفعة يرد عليه أن الأجرة ناشئة عن المنفعة وما ذكره عن الأجهوري من تأييد الحكر ولو ذكر أجل كستين سنة، يرد عليه أن ضرب الأجل على هذا يصير لا فائدة فيه، إلا أن يقال ضربه في مقابلة المقبوض ومعه تأييد الحكر فتكون الدراهم عجلت في نظير شيئين الأجل المضروب والتأييد بالحكر ينظر في ذلك. ثم أن الخلو ربما يقاس عليه الجدك المتعارف في حوانيت مصر. فإن قال قائل الخلو إنما هو في الوقف لمصلحة وهذا يكون في الملك قيل له إذا صح في وقف فالمالك أولى لأن المالك يفعل في ملكه ما يشاء نعم بعض الجدكات بناء أو إصلاح أخشاب في الحانوت مثلا بإذن وهذا قياسه على الخلو ظاهر خصوصا وقد استندوا في تأييد الحكر للعرف والعرف حاصل في الجدك وبعض الجدكات وضع أمور مستقلة في المكان غير مستمرة فيه كما يقع في الحمامات وحوانيت القهوة بمصر فهذه بعيدة الخلوات فالظاهر أن للمالك إخراجها وكتب عبد الله ما نصه قد أفتى شيخنا عبد الباقي بإبطال وقف الخلو فراجعه ولده سيدي محمد بفتوى الشيخ أحمد السنهوري وبفتوى الناصر اللقاني بجواز بيعه وإرثه فرجع عن فتواه المذكورة انتهى. وفتواه التي رجع عنها تبع فيها شيخه الأجهوري وحاصل كلامه أن منفعة الوقف وقف فلو صح وقف

стр. 6783

الخلو لزم وقف الوقف أيضا فشرط الشيء المحبس أن لا يتعلق به حق للغير. وجوابه أن الوقف والحق في المنفعة الأصلية والوقف الثاني للخلو الذي حصل بالتعمير مثلا فقد اختلف المحل قاله الأجهوري ولا يلزم من ملك منفعة الخلو وقفها فإن المالك قد يمنع من فعل بعض التصرفات لمانع كمنع وقف من ملك عبدا على مرسى بقصد الضرر ومنع مالك آلة الحرب من بيعها لحربي وقاطع طريق ومنع مالك عهد مسلم من بيعه لكافر ولا شك أن تعلق الوقف بمنفعته يمنع وقفها لما بينا من تعلق الحق وقد علمت جوابه من اختلاف محل الوقفين والحقين نعم يظهر كلام جهوري في الصورة الثانية من صور الخلو السابقة في كلام الحاشية فإنه لم يحدث عمارة وإنما أخذ دراهم عمر بها المسجد وجعل الحانوت بخمسة عشر بعد أن كان بثلاثين فصارت منفعة الحانوت الوقف بعينها مشتركة بين صاحب الخلو والناظر فكيف بوقفها ثانيا فتدبر انتهى كلام ضوء الشموع والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم ا. هـ.

стр. 6784

٣ - من أقوال بعض فقهاء الشافعية: قال الشيرازي واختلف قوله في أكثر مدة الإجارة والمساقاة فقال في موضع، سنة، وقال في موضع يجوز ما شاء وقال في موضع يجوز ثلاثين سنة فمن أصحابنا من قال: فيه ثلاثة أقوال. أحدها: لا تجوز بأكثر من سنة لأنه عقد على غرر أجيز للحاجة ولا تدعو الحاجة إلى أكثر من سنة لأن منافع الأعيان تتكامل في سنة. والثاني: تجوز ما بقيت العين لأن كل عقد جاز إلى سنة جاز إلى منها كالكتابة والبيع إلى أجل.

стр. 6785

والثالث: أنه لا تجوز أكثر من ثلاثين سنة لأن الثلاثين شطر العمر ولا تبقى الأعيان على صفة أكثر من ذلك ومنهم من قال هي على القولين الأولين وأما الثلاثون فإنما ذكره على سبيل التكثير لا على سبيل التحديد وهو الصحيح (١). قال الفقيه ابن حجر المكي الهيتمي في الفتاوى الكبرى الفقهية، -٣، ص ٣٣٨، طبعة عبد الحميد أحمد حنفي قال في بيان المصلحة المجوزة لإجارة المدة الطويلة: هي المصلحة التي ترجع إلى بقاء عين الوقف وقد انحصرت في إيجاره تلك المدة لا إلى مجرد مصلحة المستحق أما الأول فلما يأتي عن أبي زرعة وغيره. وأما الثاني فالدليل عليه ما قررته من كلام صاحب الإرشاد وغيره من أن مجرد زيادة أجرة المثل لا تجوز إجارة المدة الطويلة وقد صرح به السبكي حيث قال لعمارة ونحوها كما يأتي عنه تخص الجواز بالعمارة ونحوها وعلى ما ذكرته من أن الإجارة لمجرد زيادة الأجرة لا تجوز ينبغي أن يحمل إطلاق الأذرعي امتناع الإجارة الطويلة لأنها تؤدي إلى تملك الوقف ومفاسد أخرى تعلم مما سأذكره فمحل امتناعها إذا كانت المصلحة عائدة للمستحقين فقط وأما إطلاقه امتناعها وإن عادت إلى عين الوقف فلا يتجه كما بينه أبو زرعة في فتاويه وسيأتي فتعين حمل كلامه على ما ذكر وكذلك يحمل على ذلك قول تلميذه الزركشي جواز إجارة الوقف مائة سنة ونحوها، بعيد، فإنه يؤدي إلى استهلاكه ويدل على حمل كلامه أعني الزركشي على ما ذكرته قوله أيضا ويخرج من كلام ابن سراقه وأبي الفرج الجزم بالجواز مطلقا في الخراب وهو ظاهر إذا اقتضته المصلحة ليحتكر. ا. هـ. فافهم أن استبعاده الأول إنما هو في غير الخراب ويوجه بأن المصلحة في غير

стр. 6786

الخراب إنما تعود على المستحق فلم تكن مسوغة للإجارة الطويلة لاشتماله على مفاسد فلا تفعل إلا لمصلحة ترجع إلى عين الوقف لأن رعاية حفظه بالعمارة أولى من رعاية توهم تملكه. ومما يؤيد اشتمالها على مفاسد قول الزركشي أن الحكام من أئمتنا القائلين بأن الموقوف لا يؤجر أكثر من ثلاث سنين لئلا يندرس مالوا إلى مذهب أبي حنيفه ﵁ لأنه أحوط. وقول أبي زرعة وصاحب الأنوار ما فعلوه من ذلك الاصطلاح هو الاحتياط وقول السبكي منتصرا لهذا الاصطلاح لعل سببه أن إجارة الوقف تحتاج إلى أن تكون بالقيمة وتقويم المدة المستقبلة البعيدة صعب قال وفيه أيضا توقع الانتقال إلى البطن الثاني وقد تتلف الأجرة فتضيع عليهم ومع ذلك قد تدعو الحاجة إلى المدة الطويلة لعمارة ونحوها فالحاكم يجتهد في ذلك ويقصد وجه الله تعالى. ا. هـ. قال الكمال الرداد شارح الإرشاد وما قاله ظاهر لا سيما في هذا الوقف شاهدنا كثيرا إجارة بعض الحكام الوقف مدة طويلة أدت إلى تملكه وإبطال وقفيته واندراسه والاحتياط متعين في هذا الزمان بلا شك. ا. هـ. وقال أيضا في امرأة أرادت أن تؤجر وقفا خمسين سنة بإذن الحاكم فرارا من البطن الذي بعدها لا يجوز لها ذلك ولا يجوز للحاكم الإذن لها في تلك المدة المذكورة لأن التقويم لأجرة المثل المدة البعيدة صعب ولأنه يخشى على الوقف إذا أجر المدة المذكورة اندراسه رأينا ذلك وشاهدناه على أن القاضي وتلميذه البغوي والمتولي ذكروا أن الحكام اصطلحوا على منع إجارة الوقف أكثر من ثلاث سنين هذا في زمانهم فكيف في زماننا الذي لا يوجد فيه قاض أمين أهل للولاية بل قال الأذرعي قضاة العصر كقريبي العهد بالإسلام وهذا في زمانه فكيف في زماننا. ا. هـ. وقال أيضا وقد كثرت المفاسد في نظار الوقف في تأجير المدة الطويلة حتى صار كثير من أماكن الأرض الموقوفة مندرس الوقف

стр. 6787

ويتصرف فيه تصرف الملك ولا شك أن ذلك قادح في نظرهم فعلى الإمام ونوابه أصلحهم الله إزالة هذه المفاسد. ا. هـ. فظهر من كلام هؤلاء الأئمة أن في الإجارة الطويلة مفاسد فلذا وجب الاحتياط فيها أكثر ولا يتم ذلك الاحتياط إلا إن انحصرت المصلحة في العمارة ونحوها مما يتعلق بعين الوقف وبقائه كما صرح به الإمام أبو زرعة محقق عصره باتفاق من بعده ومن ثم ترجموه بأنه ما رأى مثل نفسه لأنه جمع فقه شيخيه الأسنوي والبلقيني وحديث والده حافظ المتأخرين وحاصل عبارته في فتاويه أنه سئل عما يفعله حكام مكة من إجارة دور مكة الخربة الساقطة مائة سنة أو نحوها مما يقوم بعمارتها ويقدرون ذلك أجرتها في مدة الإجارة ويأذنون للمستأجر في صرفه في العمارة ويقرون الدار معه بعد عمارتها على حكم الإجارة السابقة من غير زيادة في الأجرة هل هذا التصرف حسن يسوغ اعتماده وتكراره أم لا لأن هذه المدة تؤدي إلى تملك الوقف غالبا وذلك أعظم ضررا من الخراب وأطالوا في السؤال فأجاب وأطال وملخصه أن منافع الوقف كمنافع الطلق يتصرف الناظر فيها بالمصلحة وقد تقتضي المصلحة تكثير مدة الإجارة وتقليلها وحينئذ فيجوز إجارة الدار الموقوفة مدة تبقى إليها غالبا ويختلف ذلك باختلاف الدور ولاختلاف البلاد في إحكام ما يبنون به وإتقانه ومدة بقائه غالبا فيما يفعله حكام مكة من إجارة دور الوقف الخربة الساقطة مائه سنة أو نحوها عند الاحتياج لأجرة المدة المذكورة لأجل العمارة حسن يسوغ اعتماده إذا لم يكن للوقف حاصل يعمر به ولا وجد من يقرض القدر المحتاج إليه للعمارة بأقل من أجرة تلك المدة فإنه لا معنى لإجارة مدة مستقبلة بأجرة حالة من غير احتياج لذلك وإنما استحسناه وسوغناه لأن فيه بقاء عين الوقف وهو مقدم على سائر المقاصد وقد تعينت الإجارة المذكورة طريقا لذلك ثم قال ولا نظر

стр. 6788

لخشية تملك الوقف حينئذ لأن الأمور إذا ظنت مصلحتها في الحال لا نظر في إبطالها إلى احتمال مفسدة مستقبلة ولا نظر إلى أن العمارة إنما يحصل النفع بها للمستأجر فقط لأن مدته لا تفرغ إلا وقد عادت الدار خربة كما كانت لحصول غرض الواقف مع ذلك بعمارته لها وذلك الغرض هو بقاء العين الموقوفة منقلة عن ملك الآدميين لرقبتها مملوكة لله فيبقى ثوابه مستمرا حتى يجري عليه ولو لم ينتفع الموقوف عليه بريعها والصورة التي تكلمنا عليها أن الإجارة المذكورة تعينت طريقا لبقاء عين الوقف فإنه تداعى للسقوط ولم يوجد ما يعمر به من ريع حاصل والقرض. والأولى إذا خرب الوقف ولم ينهض بعمارته إلا أجرة مائة سنة أن يؤجر المدة المذكورة ليعمر جميعه بالأجرة لأن بقاء عين الوقف مقصود شرعا في غرض الواقف ولا نظر إلى خشية الإفضاء إلى تملكه لأن ذلك غير محقق وبالجملة فمتى أمكنت المبادرة إلى عمارة الوقف وبقاء عينه كما كانت فهو حسن فليفعل ذلك بكل طريق ممكن شرعي ويحترز عما يتوقع من المفسدات بما أمكن الاحتراز به ولا تترك المصالح المظنونة للمفاسد الموهومة. ا. هـ. حاصل كلام الولي رحمه الله تعالى وهو صريح لمن عنده أدنى تأمل لما ذكرته أنه لا بد في الحاجة المسوغة للإجارة الطويلة من عودها إلى عين الوقف لتوقع بقائها على ذلك ألا ترى إلى قوله عند الاحتياج لأجرة المدة المذكورة لأجل العمارة حسن يسوغ اعتماده إذا لم يكن للوقف حاصل يعمر به ولا وجد من يقرض القرض المحتاج إليه للعمارة بأقل من أجرة تلك المدة فإنه لا معنى لإجارة مدة مستقبلة بأجرة حالة من غير احتياج لذلك وإنما استحسناه، إلخ. فتأمل قوله (لأجل العمارة) وقوله (إذا لم يكن الوقف) إلخ وقوله (من غير احتياج لذلك) تجد ذلك كله كبقية كلامه صريحا فيما ذكرته من أنه لا يجوز إجارة المدة

стр. 6789

الطويلة إلا عند تحقق الحاجة الراجحة إلى العمارة ونحوها. وهذا أمر ظاهر من كلامه لا ينكره إلا معاند مكابر لا يلتفت إليه، ويوافقه قول السبكي السابق ومع ذلك فقد تدعو الحاجة إلى المدة الطويلة لعمارة ونحوها. فإن قلت الحاجة أخص من المصلحة وهم لم يشترطوا في إجارة الناظر إلا المصلحة ولا يلزم من اشتراط الأعم اشتراط الأخص وإذا أجره بزيادة على أجرة المثل كان ذلك مصلحة فلم لا يسوغ أن زيادة أجرة المثل هنا بمجردها تكون مصلحة مسوغة للإجارة وإن طالت مدتها، وكلام السبكي إنما هو في الحاجة وهي منحصرة في نحو العمارة فلا ينافي ما ذكرناه من جواز الإجارة للمصلحة التي ذكرت قلت أما كون الحاجة أخص من المصلحة فواضح وأما اشتراطهم في الناظر ما ذكر فإنما هو لكونه شرطا في كل إجارة ثم بعض الإجارات كالذي نحن فيه يشترط فيه زيادة على ذلك وهو الحاجة وبعضها كإجارة المدة القليلة يكفي فيه مطلق المصلحة وفي هذه الحالة لا يحتاج إلى الزيادة على أجرة المثل بل حيث كان في الإجارة مصلحة اكتفى فيها بأجرة المثل وحيث لم يكن لم يكتف فيها إلا بالزيادة كما مر عن الكمال شارح الإرشاد فعلمنا أن الزيادة بمجردها ليست مصلحة كافية عن غيرها لا في الإجارة القصيرة ولا الطويلة فبطل اعتبار تلك الزيادة ولم يجز النظر إليها وبهذا علم الجواب عنه. فإن قلت فلم اشترطتم في الإجارة الطويلة الحاجة واكتفيتم في القصيرة بمجرد المصلحة قلت لأن الطويلة فيها مفاسد شتى كما مر وهذا متفق عليه بين المطلقين المنع والمجوزين لها بالشروط السابقة وإذا اشتملت على مفاسد منافية لغرض الواقف والشارع من بقاء عين الوقف فكان الأصل امتناعها وما كان الأصل امتناعه لا يجوز إلا لضرورة أو حاجة حاقة ولا شك أن العمارة إذا توقفت على الإجارة الطويلة كان ذلك إما ضرورة أو حاجة

стр. 6790

فمن ثم جوزوها حينئذ. وأما إذا لم يكن ضرورة ولا حاجة بأن كان المكان عامر لا يخشى عليه انهدام ولا يحتاج لترميم ونحوه من العمارات فالمنع باق بحاله خشية من تلك المفاسد ويؤيد ذلك أن الولي قال في رده منع الأذرعي الطويلة مطلقا لأنه يؤدي إلى استهلاكه لم أر من قاله هكذا في كل شيء على الإطلاق ولا نظير يشهد له ومنع الإجارة بأمر متوهم وهو إفضاء الأمر إلى استهلاكه لا دليل عليه ولا تقتضيه قواعدنا وكيف نثبت أمرا بالشك وليس من مذهبنا سد الذرائع ا. هـ فرده لهذا مع تقييده الجواز بما مر عنه صريح في أنه إنما قصد بذلك رد المنع إطلاق لا أصل المنع وإلا لم يشترط في الجواز ما قدمته عنه ونتج من كلامه أن الطويلة لا تجوز إلا لحاجة وليس علته إلا ما قررته فافهمه. فإن قلت ينافي ما ذكرته كلام الكمال شارح الإرشاد في فتاويه فإنه سئل عن رجل وقف بيتا يملكه على ولدي ابن له ليسكناه ويؤجراه وينتفعا به وجعل النظر في ذلك إليه مدة حياته ثم بعده إلى الموقوف عليهما ثم مات الواقف وأحد الولدين صغير لم يبلغ فاحتاج إلى الكسوة والنفقة فنصب الحاكم الابن البالغ على أخيه اليتيم فأجر المنصوب حصة أخيه اليتيم بالمصلحة لحاجته وضرورته إلى النفقة والكسوة على أخيه بأجرة زائدة على أجرة المثل في الوقف مدة مائة سنة وقبض له الأجرة فهل تصح هذه الإجارة أم لا؟ فأجاب نعم تصح الإجارة المذكورة انتهى. قلت لا ينافي ما ذكرته. أما أولا فلأنه أطلق هنا الصحة وقد قدمت عنه عدة أماكن من فتاويه مصرحة بأنه لا بد في الإجارة الطويلة من مصلحة غير زيادة الأجرة. وأما ثانيا فلأن جوابه منزل على ما قاله السائل وهو أنه أجر الحصة بالمصلحة ولحاجة اليتيم بأجرة المثل فأكثر فذكر هنا ثلاثة أسباب المصلحة وحاجة اليتيم وزيادة أجرة المثل فتعين أن المصلحة راجعة لعين الوقف وليس مستند الإجارة في

стр. 6791

السؤال ذكر فيه مثل هذه الثلاثة إذ لو ذكر فيه ذلك المذكور لكان أمره واضحا جليا وقد علمت أنه لم يذكر فيه إلا أن المصلحة التي للوقف والموقوف عليه مقيدة بزيادة الأجرة على أجرة المثل. وقد علمت بما قررته ووضحته أن مجرد هذه غير كاف في الإجارة الطويلة فاعلم ذلك وتنبه له فإن بعض المعاندين ربما اطلع على كلام الكمال هذا فجعله مستندا له على صحة مكتوب الإجارة الذي في السؤال وليس فيه مستند لذلك يوجه لما علمت من إيضاح الفرق بينهما ثم رأيت بعد فراغي من جواب المسائل السابقة والآتية الرافعي صرح في الكلام على ألفاظ الوجيز بما هو صريح فيما قدمته عن أبي زرعة وغيره من أنه لا بد من مصلحة تعود للوقف دون الموقوف عليه فإنه قال في قول الوجيز وتأثيره أي لزوم الوقف إزالة الملك وحبس التصرف على الموقوف ويجوز أن يغير قوله. وحبس التصرف على الموقوف بقصر التصرف على ما يلائم غرض الواقف ويمنع الموقوف عليه ا. هـ كلام الرافعي فتأمل تفسيره كلام الغزالي بقصر التصرف الذي لا يكون إلا من الناظر على ما يلائم غرض الواقف ويمنع الموقوف عليه تجده قاضيا بما قلناه من أن مصلحة التصرف لا بد وأن ترجع إلى غرض بقاء الوقف وأنه إذا تعارض هذا مع غرض المستحق قدم الأول ومنع المستحق من غرضه المنافي له. فإن قلت لا شاهد في هذه العبارة لأن من غرض الواقف نفع الموقوف عليه قلت نعم هو منه لكن إنما يراعى حيث لم يعارض غرض الوقف أما عند المعارضة فيقدم غرض الوقف وفي مسألتنا لو جعلنا مجرد زيادة الأجرة مسوغا للإجارة الطويلة المؤدية إلى استهلاك الوقف من غير حاجة الوقف إلى ذلك لكنا قدمنا غرض المستحق على غرض الواقف وهو ممتنع كما علمت من كلام الرافعي هذا ومما يؤيد ذلك أيضا قولهم لو قال الموقوف عليه أسكن الدار وقال الناظر أؤجرها

стр. 6792

لأرممها بأجرتها أجيب الناظر فهذا فيه التصريح منهم بتقديم مصلحة الوقف على مصلحة المستحق وقولهم في موقوف له منافع يجتهد الحاكم ويستعمله فيما هو أقرب إلى مقصود الواقف وأجرى الرافعي ذلك في الدار المشرفة على انهدام ففيه تصريح منه بأنه إذا تقابل غرض الواقف وغرض المستحق قدم غرض الواقف وما نحن فيه تقابل غرضاهما فيقدم غرض الواقف من عدم الإجارة الطويلة على غرض المستحق. وقولهم يراعى غرض الواقف ما أمكن فانظر قولهم ما أمكن تجده هو صريحا فيما قلناه. ومما يصرح بذلك أيضا قولهم في باب التفليس (والعبارة للشيخين) يؤجر الموقوف على المفلس المرة بعد المرة إلى أن يفي الدين وتبعهما المتأخرون على ذلك فتأمل قولهم المرة بعد الأخرى ولم يقولوا يؤجر مدة طويلة تراه شاهدا لما قررته من رعاية غرض الواقف دون المستحق وإلا لم يحتج إلى تكرار الإجارة وأوجر مدة طويلة رعاية لغرضه مع قوله بأن الحجر يدوم عليه حتى يفي الدين على ما فيه ومع ذلك لم تلفت الأئمة إلى هذا الغرض ويجوزون الإجارة لأجل ارتفاع الحجر مدة طويلة تفي بالدين. بل أوجبوا أن يؤجر المرة بعد المرة وإن أدى إلى دوام الحجر. فإن قلت قد خالف السبكي كلام الشيخين وغيرهما فقال في شرح المهذب الوجه أن يقال إذا كانت أي العين الموقوفة مما تؤجر غالبا لمدة قريبة يغلب البقاء فيها ألزم بذلك لأن جملة تلك المدة كالمال الحاضر عرفا وتضاف تلك الأجرة إلى بقية أمواله ويقسم بين الغرماء ويفك الحجر عنه وقال غيره الأقرب أنه يؤجر دفعة واحدة بأجرة معجلة لا مرة بعدة مرة خلافا للشيخين قلت لا نظر لمخالفته هذه فإنه نفسه صرح بأن هذا رأي له ولم يره منقولا وإذا تعارض رأيه ومنقول الشيخين وغيرهما قدم المنقول ولم يجز العمل بذلك الرأي كما هو بديهي لمن عنده

стр. 6793

أدنى إلمام بأصول المذهب ومأخذه فتأمل جميع ذلك فإنه مهم وفيه دلالات ظاهرة أو صريحة لما قررته. فإن قلت ما وجه دلالة عبارتهم على امتناع إيجار المدة الطويلة هنا قلت صراحة عبارتهم على ذلك لا تحتاج إلى برهان وكفاك شاهدا على ذلك مخالفة السبكي المذكورة إذ لولا أن تلك العب للاشتراط لما قال خلافا للشيخين ولما قال عما قاله هذا ما رأيته ولم منقولا ا. هـ. قال الفقيه ابن حجر الهيتمي في ج٣، من (الفتاوى الكبرى الفقهية) ص ٣٤٨، طبعة عبد الحميد أحمد حنفي قال قد تباينت آراء الأئمة في الإجارة الطويلة - أي الوقف- فمنعها، جماعة منهم الأذرعي وتبعه تلميذه الزركشي فاستبعد جوازها وجوزها آخرون بشروط منهم السبكي وأبو زرعة وغيرهما وجرى عليه الكمال الرداد شارح الإرشاد وهو الحق واتفق الكل على أن فيها مفاسد فالمانعون نظروا إليها فأطلقوا منعها نظرا للعادة المحققة لها غالبا والمجوزون لها نظروا إلى أنها موهومة مع الحاجة إذا حقت منعت النظر إليها وقد صرح الأئمة بأنه يجب على الناظر الاحتياط في الإجارة وفي حفظ الأصول ولا يتم الاحتياط في هذين في الإجارة الطويلة إلا إن احتيج إليهما كما ذكر. وصرحوا أيضا في عدة مواضع بأنه يجب على المتصرف على الغير أن يراعي في تصرفه الأغبط والأصلح ففي مدد الإجارات يلزمه رعاية الأصلح منها ولا يجوز له فعل المصالح مع وجود الأصلح فلا يفعل الإجارة الطويلة إلا إذا تحقق كونها أصلح. وذكروا أيضا أن لا يسجل نحو إجارته إلا إن ثبت مسوغها وهذا كله مؤيد للمجوزين للإجارة الطويلة بشرط الحاجة لتوقف بقاء عين الوقف بعمارته أو نحوها عليها ا. هـ. ونقل الفقيه ابن حجر الهيتمي الشافعي في (الفتاوى الكبرى الفقهية)

стр. 6794

ج ٣، ص ٣٣٨، عن السبكي أنه قال في إجارة الوقوف المدة الطويلة (تحتاج إلى أن تكون بالقيمة وتقويم المدة المستقبلة البعيدة صعب. قال وفيه أيضا توقع الانتقال إلى البطن الثاني وقد تتلف الأجرة فتضيع عليهم ومع ذلك قد تدعو الحاجة إلى المدة الطويلة لعمارة ونحوها فالحاكم يجتهد في ذلك ويقصد وجه الله تعالى) ثم نقل ابن حجر عن الكمال الرداد شارح الإرشاد، أنه قال: قد شاهدنا كثيرا إجارة بعض الحكام الوقف مدة طويلة أدت إلى تملكه وإبطال وقفيته واندراسه، والاحتياط متعين في هذا الزمان بلا شك. ا. هـ. قال (وقال أيضا في امرأة أرادت أن تؤجر وقفا خمسين سنة بإذن الحاكم فرارا من البطن الذي بعدها لا يجوز لها ذلك ولا يجوز للحاكم الإذن لها في تلك المدة المذكورة، لأن التقويم لأجرة المثل المدة البعيدة صعب ولأنه يخشى على الوقف إذا أجر المدة المذكورة اندراسه كما رأينا ذلك وشاهدناه على أن القاضي وتلميذه البغوي والمتولي ذكروا أن الحكام اصطلحوا على منع إجارة الوقف أكثر من ثلاث سنين هذا في زمانهم فكيف في زماننا الذي لا يوجد فيه قاض أمين أهل للولاية بل قال الأذرعي قضاة العصر كقريبي العهد بالإسلام وهذا في زمانه فكيف في زماننا. ا. هـ. وقال أيضا وقد كثرت المفاسد من نظار الوقف في تأجير المدة الطويلة حتى صار كثير من أماكن الأرض الموقوفة مندرس الوقف ويتصرف فيه تصرف الملك ولا شك أن ذلك فاح في نظرهم فعلى الإمام ونوابه أصلحهم الله إزالة هذه المفاسد. ا. هـ. وجاء في فتاوى ابن الحسن تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي ج١، ص ٤٤١، نشر مكتبة القدسي ما نصه (مسألة: ما يقول السادة العلماء أئمة الدين في شخص وقف وقفا على أولاده وشرط أنه لا يؤجر

стр. 6795

أكثر من سنه ولا يعقد على ذلك ولا على بعضه عقد إجارة ثانية حتى تنقضي مدة العقد الأول ويعود إلى يد الناظر ولا يتحيل على ذلك فقيه بحيلة شرعية، وحكم بصحة ذلك حاكم من حكام المسلمين فآجره الناظر المستحق له يومئذ عشرين سنة هلاليات متواليات في عشرين عقدا كل عقد منها سنة واحدة يتلو بعضها بعضا ثم أقر الناظر المؤجر المستحق للوقف إقرارا صحيحا شرعيا أنه لا يستحق في منافع المأجور المعين فيه المدة المعينة فيه منع المستأجر المسمى فيه حقا قليلا ولا كثيرا ولا أجرة ولا إجارة ولا استحقاق منفعة ولا دعوى ولا طلب بوجه ولا سبب ولأن منافع المأجور فيه يستحقها المستأجر استحقاقا صحيحا شرعيا بطريقة صحيحة شرعية فهل تصح الإجارة فيه في المدة المعينة أم لا بحكم أنها مخالفة لما شرط الواقف ولم يدثر الوقف ولم ينهدم إذا بطلت الإجارة فهل يؤاخذ بإقراره المعين أم لا. وإذا كان إقراره باطلا فهل يرجع المقر المؤجر على المستأجر بأجرة المثل فيما زاد عن المسألة الأولى في الإجارة المذكورة أم لا. أفتونا مأجورين؟. وأجاب ﵁ هذه أمور ملتبسة والظاهر أنها صادرة عن أمور باطلة وإن احتملت وجها من الصحة. والذي أراه بطلان الإجارة وأن المقر مؤاخذ بإقراره ولا يعطى أي شيء وإن كان الوقف يستحق غيره معه يصرف إليه وإلا فيكون منقطع الوسط يصرف مصارف المنقطع الوسط والله أعلم. ا. هـ. وفي الفتاوى الكبرى الفقهية لابن حجر الهيتمي، ج ٣، ص ٢٤٨، ما نصه (سئل عن واقف شرط في وقفه أن لا يؤجر أكثر من سنة بأجرة مثل فإذا آجره الناظر عشر سنين في عشرة عقود كل سنة بأجرة مثله تلك السنة من شخص واحد فهل يجوز ذلك كما صرح به شيخ الإسلام زكريا الأنصاري ﵀ في كتابه عماد الرضا في بيان أدب القضا أم لا يجوز
следующие страницы →