← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 7316–7355 · переход к 7321.

стр. 7316

المسجد في عهد الوليد بن عبد الملك، وبكل حال فإن الصحابة لم يكونوا يعتادون الصلاة والسلام عليه عند قبره، وإنما كان بعضهم يأتي من خارج إذا قدم من سفر فيسلم عليه ثم ينصرف، كما نقل ذلك عن ابن عمر، ولم يحفظ عن غيره من الصحابة، ولم يكن يفعله دائما، فتكرار ذلك كل وقت بدعة ووسيلة إلى تعظيمه أو دعائه مع الله، وقد اتفق الأئمة ﵏ أن من سلم على النبي ﷺ وأراد الدعاء لنفسه لا يستقبل القبر، وإنما يستقبل القبلة التي هي أفضل الجهات وأرجى لقبول الدعاء، وأما الحكاية عن مالك أنه قال للمنصور: ولم تصرف وجهك عنه. . . بل استقبله واستشفع به. . الخ فهي حكاية موضوعة مكذوبة عليه، كما حقق ذلك العلماء ﵏ (١). ٦ - منع السفر لمجرد زيارة القبر النبوي، ثبت في الصحاح والسنن والمسانيد عنه ﷺ أنه قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى (٢)» ومعنى ذلك النهي عن السفر إلى بقعة أو موضع لقصد التعبد فيه، لاعتقاد أن العمل فيه مضاعف أو له مزية على غيره من المواضع، فدخل في ذلك منع السفر لزيارة القبور ولو قبور الأنبياء، فإنه من اتخاذها أعيادا، والاعتقاد في المقبورين بما يكون وسيلة إلى عبادتهم مع الله تعالى، كما هو الواقع من المشركين في هذا الزمان وقبله، حيث ينشئون الأسفار الطويلة إلى قبور الأولياء كما زعموا، أو يتجشمون المشقات، وينفقون الأموال الطائلة، ومتى وصلوا إلى تلك المشاهد كما أسموها حطوا رحالهم، وأخذوا في الهتاف والنداء لا أولئك الأموات، وعملوا هناك مالا يصلح إلا لله رب العالمين، من الطواف بتلك الأضرحة والتمسح بترابها، والدعاء لأربابها، والذبح والنحر لها ونحو ذلك، فهذا ما خافه ﵊ من منعه شد الرحال لغير المساجد الثلاثة، وقد كتب في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ رسالة ذكر فيها اختلاف العلماء في حكم شد الرحال لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، ورجح المنع، وذكر أنه قول ابن بطة وأبي الوفاء ابن عقيل، والجوينى والقاضي

стр. 7317

عياض وغيرهم، بل هو قول الجمهور، ونص عليه مالك، ولم يخالفه أحد من الأئمة، ولكن ليس المراد النهي عن زيارة القبور بدون شد رحل، فقد ورد الترغيب فيها، وأنها تذكر الآخرة، وأن الزائر يدعو للأموات ويترحم عليهم، وهذا يحصل في أقرب مقبرة عنده، فإن كل بلد لا تخلو من المقابر، فأما إعمال المطي والسفر إلى بلد بعيد لأجل بقعة أو قبر، فإنما يكون ذلك لاعتقاد عظمة ذلك المقبور، وأهليته أن يعظم ويدعى ويرجى، فيصرف له خالص العبادة، فلا جرم ورد النهي عن شد الرحال لغير المساجد الثلاثة، وقد روى الإمام أحمد وغيره عن ابن عمر وأبي سعيد الخدري أنهما منعا شد الرحل إلى الطور، لأجل الصلاة فيه، واستدلا بحديث النهي عن شد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مع أن الله ذكر الطور وسماه بالوادي المقدس، والبقعة المباركة، وكلم عبده موسى هناك، وعلى هذا فمن سافر إلى المدينة قاصدا المسجد النبوي الذي تكون الصلاة فيه بألف صلاة فسفره طاعة وقربة، وله بعد الصلاة في المسجد أن يسلم على القبر الشريف، وعلى قبور الصحابة والشهداء، ويدعو لهم، فأما من أنشأ السفر لأجل القبر نفسه، سواء للسلام عليه أو للدعاء عنده فسفره بدعة منكرة، حيث خالف حديث لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم فأما الأحاديث المروية في فضل الزيارة للقبر الشريف فكلها ضعيفة أو موضوعة، كما حقق ذلك العلماء، فليتنبه لذلك والله الموفق.

стр. 7318

المبحث الخامس شروط الشهادتين ذكر العلماء لكلمة الإخلاص سبعة شروط نظمها بعضهم بقوله: علم يقين وإخلاص وصدقك مع ... محبة وانقياد والقبول لها وهذه الشروط مأخوذة بالاستقراء والتتبع للأدلة من الكتاب والسنة، وقد

стр. 7319

أضاف بعضهم إليها شرطا ثامنا ونظمه بقوله: وزيد ثامنها الكفران منك بما ... سوى الإله من الأنداد قد ألها وأخذ هذا الشرط من قوله ﷺ : «من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه (١)» رواه مسلم (٢) وذكره الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد ثم قال بعده: وهذا من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله، فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصما للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله، فإن شك أو تردد لم يحرم ماله ودمه. . الخ، ومعنى هذا الشرط أن يعتقد بطلان عبادة من سوى الله، وأن كل من صرف شيئا من خالص حق الله لغيره فهو ضال مشرك، وأن كل المعبودات سوى الله من قبور وقباب وبقاع وغيرها نشأت من جهل المشركين وخرافاتهم، فمن أقرهم على ذلك أو تردد في صوابهم، أو شك في بطلان ما هم عليه فليس بموحد، ولو قال لا إله إلا الله، ولم يعبد غير الله. ومع ذلك فإن الشروط السبعة هي المشهورة في كتب أئمة الدعوة ﵏، فنذكر عليها بعض الأدلة للتوضيح. (فأولها): العلم ودليله قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٣) وروى مسلم عن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة (٤)» والمراد العلم الحقيقي بمدلول الشهادتين وما تستلزمه كل منها من العمل، وضد العلم الجهل، وهو الذي أوقع المشركين من هذه الأمة في مخالفة معناها، حيث جهلوا معنى الإله، ومدلول النفي والإثبات، وفاتهم أن القصد من هذه الكلمة معناها، وهو الذي

стр. 7320

خالفه المشركون العالمون بما تدل عليه، حيث قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ (١) وقالوا: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ (٢) (وثانيها): اليقين وضده الشك والتوقف، أو مجرد الظن والريب، والمعنى أن من أتى بالشهادتين فلا بد أن يوقن بقلبه ويعتقد صحة ما يقوله، من أحقية إلهية الله تعالى، وصحة نبوة محمد ﷺ وبطلان إلهية غير الله بأي نوع من التأله وبطلان قول كل من ادعى النبوة بعد محمد ﷺ فإن شك في صحة معناها أو توقف في بطلان عبادة غير الله لم تنفعه هاتان الشهادتان، ودليل هذا الشرط ما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ «قال في الشهادتين لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة (٣)» وفي الصحيح عنه أيضا أن النبي ﷺ قال له: «من لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة (٤)» وقد مدح لله تعالى المؤمنين بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ (٥) وذم المنافقين بقوله: ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ (٦) وقد روي عن ابن مسعود ﵁ قال: الصبر نصف الإيمان واليقين الإيمان كله (٧) ولا شك أن من كان موقنا بمعنى الشهادتين فإن جوارحه تنبعث لعبادة الرب وحده، ولطاعة الرسول ﵊. (وثالثها): القبول المنافي للرد، فإن هناك من يعلم معنى الشهادتين، ويوقن بمدلولهما، ولكنه يرددهما كبرا وحسدا، وهذه حالة علماء اليهود والنصارى فقد

стр. 7321

شهدوا بإلهية الله وحده، وعرفوا محمدا ﷺ كما يعرفون أبناءهم، ومع ذلك لم يقبلوه: ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ (١) وهكذا كان المشركون يعرفون معنى لا إله إلا الله وصدق محمد ﷺ ولكنهم يستكبرون عن قبوله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (٣). (ورابعها): الانقياد، ولعل الفرق بينه وبين القبول، أن الانقياد هو الاتباع بالأفعال، والقبول إظهار صحة معنى ذلك بالقول، ويلزم منهما جميعا الاتباع، ولكن الانقياد هو الاستسلام والإذعان، وعدم التعقب لشيء من أحكام الله، وقال الله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (٦) فهذا هو الانقياد لله تعالى بعبادته وحده، فأما الانقياد للنبي ﷺ بقبول سنته، واتباع ما جاء به والرضى بحكمه، فقد ذكره الله تعالى بقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٧) فاشترط في صحة إيمانهم أن يسلموا تسليما لحكمه، أي ينقادوا ويذعنوا لما جاء به من ربه.

стр. 7322

(وخامسها): الصدق وضده الكذب، وقد ورد اشتراط ذلك في الحديث الصحيح عنه ﷺ : «من قال لا إله إلا الله صادقا من قلبه دخل الجنة (١)» فأما من قالها بلسانه وأنكر مدلولها بقلبه فإنها لا تنجيه، كما حكى الله عن المنافقين أنهم قالوا: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ (٢) قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ (٣) وهكذا كذبهم بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٤). (وسادسها): الإخلاص وضده الشرك، قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٥) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٦) وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (٧) وقال: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ (٨) وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه (٩)» وهو معنى قوله ﷺ في حديث عتبان: «فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله (١٠)» فالإخلاص أن تكون العبادة لله وحده، دون أن يصرف منها شيء لغيره، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، وكذا الإخلاص في اتباع محمد ﷺ بالاقتصار على سنته، وتحكيمه، وترك البدع والمخالفات، وكذا ترك التحاكم إلى ما وضع البشر من قوانين وعادات ابتكروها وهي مصادمة للشريعة، فإن من رضيها أو حكم بها لم يكن من المخلصين.

стр. 7323

(وسابعها): المحبة المنافية لضدها من الكراهية والبغضاء، فيجب على العبد محبة الله ومحبة رسوله، ومحبة كل ما يحبه من الأعمال والأقوال، ومحبة أوليائه وأهل طاعته، فهذه المحبة متى كانت صحيحة ظهرت آثارها على البدن، فترى العبد الصادق يطيع الله ويتبع رسوله ﷺ ويعبد الله حق عبادته، ويلتذ بطاعته، ويسارع إلى كل ما يحبه مولاه من الأقوال والأعمال، وتراه يحذر المعاصي ويبتعد عنها، ويمقت أهلها ويبغضهم، ولو كانت تلك المعاصي محبوبة للنفس ولذيذة في العادة، لعلمه بأن النار حفت بالشهوات، والجنة حفت بالمكاره، فمتى كان كذلك فهو صادق المحبة، ولهذا سئل ذو النون المصري ﵀: متى أحب ربي؟ فقال إذا كان ما يبغضه أمر عندك من الصبر (١) ويقول بعضهم: من ادعى محبة الله ولم يوافقه فدعواه باطلة. وقد شرط الله لعلامة محبته اتباع النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٢). وقد سبق أن ذكرنا بعض الأدلة على محبة النبي ﷺ وما تستلزمه من الأعمال فكذلك محبة الله تعالى.

стр. 7324

المبحث السادس نواقض الشهادتين تكلم علماء الإسلام في كل مذهب على نواقض الإسلام في كتب الفقه في حكم المرتد، وما تحصل به الردة، وبالغ بعضهم في سرد الأمثلة التي تحصل بها الردة نعوذ بالله، وقد بلغت عددا من المئين ما بين فعل وترك، لكن الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى - لخصها في عشرة نواقض، مذكورة في مجموعة التوحيد وغيرها، وإنما يهمنا هنا أن نذكر بعض الخصال التي ينافي فعلها كلمتي التوحيد، ولا يحصل الأمر المرتب على فعلهما والنطق بهما فمن ذلك:

стр. 7325

١ - إنكار خلق الله تعالى لبعض الموجودات، أو إسناد بعض التدبر والتصرف إلى الطبيعة والصدفة، فإن ذلك طعن في الرب تعالى، وذلك ينافي اعتقاد المسلمين إثبات كمال التصرف لله وحده، وأنه لذلك هو المستحق للعبادة. ٢ - إنكار شيء من صفات الكمال لله كالعلم والحياة والقيومية والجبروت والسمع والبصر، فإن ذلك غاية التنقص الذي ينافي استحقاق الرب للإلهية، وهكذا إثبات شيء من النقائص التي نزه الله نفسه عنها، كالسنة والنوم والنسيان والظلم والولد والشريك ونحوها، فإن ذلك ينافي الكمال الذي استحق به الله تعالى العبادة من جميع الخلق. ٣ - وصف بعض المخلوقات بشيء من خصائص الخالق كعلم الغيب، وعموم الملك، وكمال التصرف في الكون، والقدرة على الخلق والإيجاد بدون إرادة الله، فإن هذا تشريك مع الله لهذا المخلوق، ورفع له إلى مرتبة الخالق، وذلك غاية التنقص لله تعالى. ٤ - نفي استحقاق الرب لكل العبادات أو لبعضها كاعتقاد أنه تعالى لا يخشى ولا يدعى ولا يستحق أن يستعان به، أو لا أهمية لذلك أو لا فائدة فيه، وهكذا حكم من سخر ببعض العبادات، أو استهزأ بالمصلين أو المتمسكين بأي نوع من أنواع الطاعة، فإن ذلك انتقاد للشرع، وهو ينافي الشهادتين. ٥ - من اعتقد أن أحدا من الناس يسوغ له التشريع والتقنين ووضع الأحكام التي تغير الشرع، كإباحة الزنا أو الربا، وإبطال العقوبات الشرعية، كقتل القاتل وقطع السارق، وإبطال الزكاة، وتغيير الفرائض أو أي نوع من أنواع العبادات، وهكذا التحاكم إلى غير شرع الله والحكم بغير ما أنزل، فمن اعتقد ذلك أو نحوه فقد اعترض على الرب في شرعه، وزعم أنه ناقص أو غير ملائم، أو أن غير حكم الله أحسن من حكمه، وذلك غاية التنقص فلا يجتمع مع التوحيد الخالص. ٦ - صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله تعالى، وهو شرك القبوريين في هذه

стр. 7326

الأزمنة، فمن دعا ميتا أو رجاه أو علق قلبه به أو أحبه كحب الله أو انحنى له أو خشع وخضع عند القبر ونحوه، أو طاف به أو ذبح له أو نحو ذلك من أنواع العبادة، فقد أبطل شهادته أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وقد سبق شيء مما يتعلق بمعنى الإلهية والعبادة وما يدخل فيها. ٧ - موالاة أعداء الله ومحبتهم وتقريبهم، ورفع مقامهم، واعتقاد أنهم على حق أو أنهم أولى بالتبجيل والاحترام من المسلمين، وسواء كانوا من أهل الكتابين أو من الوثنيين أو الدهريين، فإن طاعتهم وتوقيرهم وإعزازهم يوحي بأنهم على صواب، وأن المسلمين المخالفين لهم ضالون خاطئون، أو يدل احترامهم على تعظيم دنياهم أو علومهم الدنيوية، وكل ذلك ينافي حقيقة الشهادة. ٨ - الطعن في رسالة النبي ﷺ أو في شريعته، أو تكذيبه أو دعوى خيانته أو كتمانه لما أوحي إليه، وكذا إظهار سبه أو عيبه أو التهكم بسيرته أو شيء من أعماله أو أحواله أو تصرفاته، ونحو ذلك مما يدل على إنكار رسالته في الباطن، فإن الطعن فيه طعن في الرب تعالى، فهو الذي أرسله وحمله هذه الرسالة، وذلك يناقض كلمتي الشهادتين. ٩ - الطعن في القرآن الذي هو كلام الله تعالى، كدعوى المشركين أنه سحر أو شعر أو أساطير الأولين، أو أنه مفترى مكذوب، وكذا من زعم أنه قول البشر، أو نفي إعجازه أو حاول معارضته بمثله، وأن ذلك ممكن أو كذب ببعض ما اشتمل عليه، أو أنكر بعض السور أو الآيات المنقولة بالتواتر أو نحو ذلك، فإنه كافر مكذب لله ورسوله، وذلك يناقض كلمة التوحيد. ١٠ - إنكار شيء من الأمور الغيبية التي أمر الله بالإيمان بها وأخبر بثبوتها وأحقيتها في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ كالملائكة والكتب، والرسل، والبعث بعد الموت، وحشر الأجساد والجنة والنار، وكذا عذاب القبر ونعيمه، ونحو ذلك، فإن من جحد منها شيئا فقد كذب الله وكذب رسوله ﷺ وذلك أكبر الطعن في الرسالة، وما اشتملت عليه، فهو يخالف ما تستلزمه الشهادتان.

стр. 7327

وأقتصر على هذا القدر مما يتعلق بالشهادتين وما يكون به تحقيقهما، وذلك على وجه الاختصار، ومن أراد التفصيل وجد ذلك في كتب أئمة الدعوة ﵏ وكذا من سبقهم من علماء المسلمين، والله أعلم وأحكم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 7328

من أعلام المجددين الإمام أحمد ﵀ نشأته - علمه وفضله - محنته وصبره - آثاره للدكتور صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه. فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين (١) وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم وبعد: - فمن المعلوم أنه كلما تأخر الزمان، وبعد الناس عن آثار الرسالة حدثت البدع والخرافات، وفشا الجهل واشتدت غربة الدين، وظن الناس أن ما وجدوا عليه

стр. 7329

آباءهم هو الدين وإن كان بعيدا عنه، ولكن الله سبحانه لا يخلي الأرض من قائم لله بحجة. وقد أخبر الرسول ﷺ بأن طائفة من المسلمين لا تزال على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله تعالى، كما أخبر ﷺ في الحديث الذي رواه أبو داود وصححه الحاكم وغيره حيث قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها (١)» قال المناوي (٢) في فيض القدير أي يقيض لها «على رأس كل مائة سنة (٣)» من الهجرة أو غيرها والمراد الرأس تقريبا (من) أي رجلا أو أكثر «يجدد لها دينها (٤)» أي يبين السنة من البدعة، وينشر العلم وينصر أهله، ويكسر أهل البدعة ويذلهم - قالوا ولا يكون إلا عالما بالعلوم الدينية الظاهرة والباطنة، قال ابن كثير: قد ادعى كل قوم في إمامهم أنه المراد بهذا الحديث والظاهر أنه يعم جملة من العلماء من كل طائفة وكل صنف من مفسر ومحدث وفقيه ونحوي ولغوي وغيرهم انتهى. وقد وقع مصداق ما أخبر به النبي ﷺ في هذا الحديث فلا يزال - والحمد لله - فضل الله على هذه الأمة يتوالى بظهور المجددين عند اشتداد الحاجة إليهم ومن هؤلاء المجددين الإمام أحمد بن حنبل في القرن الثالث، وشيخ الإسلام ابن تيمية في آخر القرن السابع وأول الثامن، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في القرن الثاني عشر، وقد أحببت في هذه العجالة أن أقدم بعض المعلومات عن هؤلاء الأئمة وما قاموا به من تجديد هذا الدين مما لا تزال آثاره باقية في هذه الأمة ولله الحمد والمنة والقصد من ذلك تعريف من يجهل مجهود هؤلاء الأئمة والتنبيه للانتفاع بآثارهم والاقتداء بهم، والله الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 7330

الإمام أحمد بن حنبل ١ - نسبه: هو أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي ابن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان (١)

стр. 7331

٢ - نشأته وتعلمه: قدم به والده من مرو وهو حمل، فوضعته أمه ببغداد في ربيع الأول من سنة أربع وستين ومائة، وتوفي أبوه وهو ابن ثلاث سنين فكفلته أمه، وقد كان في حداثته يختلف إلى مجلس القاضي أبي يوسف، ثم ترك ذلك وأقبل على سماع الحديث وكان سنه ست عشرة سنة، ثم حج عدة مرات، وجاور بمكة مرتين، ثم سافر إلى عبد الرزاق في اليمن وكتب عنه، وقد طاف في البلاد والآفاق وسمع من مشايخ العصر وكانوا يجلونه ويحترمونه (١) قال ابن الجوزي: ابتدأ أحمد ﵁ في طلب العلم من مشايخ بغداد ثم رحل إلى الكوفة والبصرة ومكة والمدينة واليمن والشام والجزيرة، وكتب عن علماء كل بلد، ثم ذكر أسماء من لقي من كبار العلماء وروى عنهم مرتين على حروف المعجم من الآلف إلى الياء، ثم ذكر من روى عنهم ممن عرف بكنيته ولم يتحقق عنده اسمه، ثم ذكر من روى عنهن من النساء (٢) وقد ذكر خلقا كثيرا من شيوخه.

стр. 7332

٣ - غزارة علمه: قال إبراهيم الحربي: رأيت أحمد بن حنبل فرأيت كأن الله جمع له علم الأولين والآخرين من كل صنف يقول ما شاء ويمسك ما شاء، وقال أحمد بن سعيد الرازي: ما رأيت أسود الرأس أحفظ لحديث رسول الله ﷺ ولا أعلم بفقهه ومعانيه من أبي عبد الله أحمد بن حنبل. وقال أبو عاصم: ليس ثمة ببغداد إلا ذلك الرجل - يعني أحمد بن حنبل - ما جاءنا من ثم أحد مثله يحسن الفقه، وقال الخلال: كان أحمد قد كتب كتب الرأي وحفظها ثم لم يلتفت إليها. وكان إذا تكلم في الفقه تكلم كلام رجل قد انتقد العلوم فتكلم عن معرفة، وقال أبو زرعة كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث (١) فقيل له وما يدريك، قال ذاكرته فأخذت عليه الأبواب (٢) وقال ابن الجوزي: وقد كان أحمد يذكر الجرح والتعديل من حفظه إذا سئل عنه كما يقرأ الفاتحة - ومن نظر في كتاب العلل لأبي بكر الخلال عرف ذلك، ولم يكن لأحد من بقية الأئمة، وكذلك انفراده في علم النقل بفتاوى الصحابة وقضاياهم وإجماعهم واختلافهم لا ينازع في ذلك، وأما علم العربية فقد قال أحمد كتبت من العربية أكثر مما كتب أبو عمرو الشيباني، وأما القياس فله من الاستنباط ما يطول شرحه (٣) وقال الإمام ابن الجوزي: واعلم أنا نظرنا في أدلة الشرع وأصول الفقه، وسبرنا أحوال الأعلام المجتهدين، فرأينا هذا الرجل أوفرهم حظا من تلك العلوم، فإنه كان من الحافظين لكتاب الله قال أبو بكر ابن حمدان القطيعي: قرأت على عبد الله بن أحمد بن حنبل قال لقنني أبي أحمد بن حنبل القرآن كله باختياره وقرأ ابن حنبل على يحيى بن آدم وعبيد بن الصباح وإسماعيل بن جعفر وغيرهم بإسنادهم.

стр. 7333

وكان أحمد لا يميل شيئا في القرآن ويروي الحديث: «أنزل مفخما ففخموه» وكان لا يدغم شيئا في القرآن إلا (اتخذتم) وبابه. كأبي بكر، ويمد مدا متوسطا وكان ﵁ من المصنفين في فنون العلوم من التفسير والناسخ والمنسوخ والمقدم والمهر إلى غير ذلك، وأما النقل فقد سلم الكل له انفراده فيه بما لم ينفرد به سواه من الأئمة من كثرة محفوظة منه ومعرفة صحيحه من سقيمه وفنون علومه، وقد ثبت أنه ليس في الأئمة الأعلام قبله من له حظ في الحديث كحظ مالك. ومن أراد معرفة مقام أحمد في ذلك من مقام مالك فلينظر فرق ما بين المسند والموطأ (١) قال ابن بدران في كتاب المدخل (٢) في ذكر مؤلفاته: والمسند وهو ثلاثون ألف حديث، وكان يقول لابنه عبد الله: احتفظ بهذا المسند فإنه سيكون للناس إماما، وقال عبد الله قرأ علينا أبي المسند وما سمعه منه غيرنا وقال لنا: هذا كتاب قد جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة ألف حديث. . . انتهى. وهذا يدل على غزارة علمه بالحديث، وتميزه فيه وقوة نقده. وهكذا من يتعلم العلم من مصادره الأصيلة: كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ويتتلمذ على حملته من جهابذة العلماء مع النية الصادقة والعمل به، فإنه حري أن يوفق لتحمل العلم النافع، ويكون إماما في الدين، كما كان الإمام أحمد وغيره من أئمة الإسلام وحملة الشريعة، فعسى أن يكون في هذا حافزا لشباب المسلمين اليوم وقد توفرت لهم وسائل التعلم ليهبوا لحمل هذا العلم الذي به عزهم وشرفهم في الدنيا والآخرة - نرجو ذلك.

стр. 7334

٤ - عمله وأخلاقه: من المعلوم أن العلم وسيلة للعمل ومصحح له، فالغاية المطلوبة هي العمل الصالح والعلم وسيلة لتلك الغاية - وفي الحكمة المأثورة: " علم بلا عمل

стр. 7335

كشجرة بلا ثمر " والله تعالى يقول: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١) والصحابة ﵃ يقول قائلهم: ما كنا نتجاوز عشر آيات حتى نتعلم معانيهن والعمل بهن، قالوا فتعلمنا العلم والعمل جميعا، وكان سلفنا الصالح على هذه الصفة، ومنهم الإمام أحمد فقد اتصف بالعلم الغزير والعمل الصالح والأخلاق الفاضلة. ذكر ابن الجوزي في صفوة الصفوة (٢) قال: وعن عبد الله بن أحمد قال كان أبي أصبر الناس على الوحدة، لم يره أحد إلا في مسجد أو حضور جنازة أو عيادة مريض، وكان يكره المشي في الأسواق. وعنه قال: كان أبي يصلي في كل يوم وليلة ثلاثمائة ركعة، فلما مرض من تلك الأسواط (٣) أضعفته فكان يصلي في كل يوم وليلة مائة وخمسين ركعة. وقد كان قرب من الثمانين، وكان يقرأ في كل يوم سبعا يختم في كل سبعة أيام، وكانت له ختمة في كل سبع ليال سوى صلاة النهار، وكان ساعة يصلي عشاء الآخرة ينام نومة خفيفة ثم يقوم إلى الصباح يصلي ويدعو، وحج أبي خمس حجات، ثلاث حجج ماشيا واثنتين راكبا، وأنفق في بعض حجاته عشرين درهما، وعنه قال: كنت أسمع أبي كثيرا يقول في دبر الصلاة: اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك صنه عن المسألة لغيرك، وقال صالح بن أحمد بن حنبل: ورد كتاب علي ابن الجهم: أن أمير المؤمنين (يعني المتوكل) قد وجه إليك يعقوب المعروف بقوصرة ومعه جائزة ويأمرك بالخروج، فالله الله أن تستعفي أو ترد المال فيتسع القول لمن يبغضك، فلما كان من الغد ورد يعقوب فدخل عليه فقال: يا أبا عبد الله أمير المؤمنين يقرئك السلام ويقول قد أحبب أن آنس بقربك وأن أتبرك بدعائك - وقد وجهت إليك عشرة آلاف درهم معونة على سفرك وأخرج صرة فيها بدرة نحو مائتي

стр. 7336

دينار والباقي دراهم صحاح فلم ينظر إليها ثم شدها يعقوب، وقال له أعود غدا حتى أبصر ما تعزم عليه وانصرف فجئت بإجانة خضراء فكببتها على البدرة، فلما كان عند المغرب قال: يا صالح خذ هذا صيره عندك فصيرتها عند رأسي فوق البيت فلما كان سحرا فإذا هو ينادي يا صالح فقمت فصعدت إليه فقال: ما نمت ليلتي هذه فقلت: لم يا أبت؟ فجعل يبكي وقال: سلمت من هؤلاء حتى إذا كان في آخر عمري بليت بهم، قد عزمت على أن أفرق هذا الشيء إذا أصبحت فقلت ذلك إليك، فلما أصبح قال: جئني يا صالح بميزان، وقال: وجهوا إلى أبناء المهاجرين والأنصار. ثم قال: وجه إلى آل فلان، فلم يزل يفرقها كلها ونفضت الكيس ونحن في حالة الله تعالى بها عليم، وكتب صاحب البريد أنه قد تصدق بالدراهم من يومه حتى تصدق بالكيس، قال علي بن الجهم فقلت يا أمير المؤمنين قد علم الناس أنه قد قبل منك وما يصنع أحمد بالمال وإنما قوته رغيف، فقال لي صدقت يا علي - وبهذه النقولات عن ابني الإمام وقد عايشا أباهما معايشة خاصة أكبر دليل على مدى صلاح الإمام أحمد وتقواه وزهده وورعه. وأما تواضعه: فقد قال ابن الجوزي (١) بلغني عن أبي الحسن بن المنادي قال سمعت جدي يقول: كان أحمد من أحب الناس وأكرمهم نفسا وأحسنهم عشرة وأدبا كثير الإطراق، معرضا عن القبيح واللغو، لا يسمع منه إلا المذاكرة بالحديث، وذكر الصالحين والزهاد في وقار وسكون ولفظ حسن، وإذا لقيه إنسان بشيء به وأقبل عليه، وكان يتواضع للشيوخ تواضعا شديدا، وكانوا يكرمونه ويعظمونه، قال الخلال: وأخبرني محمد بن الحسين أن أبا بكر المروذي حدثهم قال: كان أبو عبد الله لا يجهل، وإن جهل عليه احتمل وحلم ويقول: يكفي الله، ولم يكن بالحقود ولا العجول، ولقد وقع بين عمه وجيرانه منازعة فكانوا يجيئون إلى أبي عبد الله فلا يظهر لهم ميله مع عمه ولا يغضب لعمه ويتلقاهم بما يعرفون من الكرامة، وكان كثير التواضع يحب الفقراء، لم أر الفقير في مجلس أعز منه في

стр. 7337

مجلسه، مائلا إليهم مقتصرا عن أهل الدنيا، تعلوه السكينة والوقار، إذا جلس في مجلسه بعد العصر للفتيا لا يتكلم حتى يسأل، وإذا خرج إلى مسجده لم يتصدر يقعد حيث انتهى به المجلس، وكان لا يمد قدمه في المجلس ويكرم جليسه، وكان حسن الخلق، دائم البشر، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، وكان يحب في الله ويبغض في الله، وكان إذا أحب رجلا أحب له ما يحب لنفسه، وكره له ما يكره لنفسه ولم يمنعه حبه إياه أن يأخذ على يديه ويكفه عن ظلم وإثم أو مكروه إن كان منه، وكان إذا بلغه عن شخص صلاح أو زهد أو قيام بحق أو اتباع للأمر سأل عنه وأحب أن يجري بينه وبينه معرفة. وأحب أن يعرف أحواله، وكان رجلا فطنا. إذا كان الشيء لا يرضاه اضطرب لذلك، ويغضب لله ولا يغضب لنفسه فلا ينتصر لها، فإذا كان في أمر من الدين اشتد له غضبه حتى كأنه ليس هو، لا تأخذه في الله لومه لائم، وكان حسن الجوار، يؤذى فيصبر ويحتمل الأذى من الجار انتهى. هذه أخلاق الإمام أحمد. علم وعمل وتواضع وصبر واحتمال، وجدير بمن تربى على الكتاب والسنة وتتلمذ على العلماء العاملين وخالط الصالحين أن يكون كذلك، بخلاف من يتربى على نظريات الفلاسفة وأفكار الغرب فإنه سيتأثر بها ويتخلق بها، فيجب على المسلمين أن يوجهوا أولادهم إلى الكتاب والسنة وأخلاق السلف الصالح ليتربوا التربية الصحيحة، ويتجهوا الوجهة السليمة، ويزكوا استيراد النظريات التربوية من الكفار وفلاسفة الغرب.

стр. 7338

٥ - محنته وصلابته في الحق: قال الحافظ ابن كثير ﵀ (١) باب ذكر ما جاء في محنة أبي عبد الله أحمد بن حبنل / في أيام المأمون ثم المعتصم ثم الواثق بسبب القرآن العظيم. وما أصابه من الحبس الطويل والضرب الشديد والتهديد بالقتل بسوء العذاب وأليم العقاب وقلة مبالاته بما كان منهم من ذلك إليه، وصبره عليه، وتمسكه بما كان عليه من الدين القويم والصراط المستقيم، وكان أحمد عالما بما ورد بمثل حاله من الآيات المتلوة

стр. 7339

والأخبار المأثورة. وبلغه بما أوصي به في المنام واليقظة فرضي وسلم إيمانا واحتسابا - وفاز بخير الدنيا ونعيم الآخرة، وهيأه الله بما آتاه من ذلك لبلوغ أعلى منازل أهل البلاء في الله من أوليائه، ثم قال ابن كثير ﵀: قد ذكرنا فيما تقدم أن المأمون كان قد استحوذ عليه جماعة من المعتزلة، فأزاغوه عن طريق الحق إلى الباطل، وزينوا له القول بخلق القرآن، ونفي الصفات عن الله قال البيهقي: ولم يكن في الخلفاء قبله من بني أمية وبني العباس خليفة إلا على مذهب السلف ومنهاجهم، فلما ولي الخلافة اجتمع به هؤلاء فحملوه على ذلك، وزينوا له واتفق خروجه إلى طرسوس لغزو الروم فكتب إلى نائبه ببغداد - إسحاق بن إبراهيم بن مصعب - يأمره أن يدعو الناس إلى القول بخلق القرآن، واتفق له ذلك آخر عمره قبل موته بشهور من سنة ثماني عشرة ومائتين، فلما وصل الكتاب كما ذكرنا استدعى جماعة من أئمة الحديث فدعاهم إلى ذلك فامتنعوا فتهددهم بالضرب وقطع الأرزاق فأجاب أكثرهم مكرهين، واستمر على الامتناع من ذلك الإمام أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح الجنديسابوري، فحملا على بعير وسيرا إلى الخليفة عن أمره بذلك. وهما مقيدان متعادلان في محمل على بعير واحد - فلما اقتربا من جيش الخليفة ونزلوا دونه بمرحلة جاء خادم وهو يمسح دموعه بطرف ثوبه ويقول: يعز علي يا أبا عبد الله أن المأمون قد سل سيفا لم يسله قبل ذلك، وأنه يقسم بقرابته من رسول الله ﷺ لئن لم تجبه إلى القول بخلق القرآن ليقتلنك بذلك السيف، قال فجثا الإمام أحمد على ركبتيه ورمق بطرفه إلى السماء وقال سيدي غر حلمك هذا الفاجر حتى تجرأ على أوليائك بالضرب والقتل، اللهم فإن يكن القرآن كلامك غير مخلوق فاكفنا مؤنته، قال فجاءهم الصريخ بموت المأمون في الثلث الأخير من الليل، قال أحمد ففرحنا ثم جاء الخبر بأن المعتصم قد ولي الخلافة، وقد انضم إليه أحمد بن أبي دؤاد وأن الأمر شديد، فردونا إلى بغداد في سفينة مع بعض الأسرى ونالني منهم أذى كثير، وكان في رجليه القيود، ومات صاحبه محمد بن نوح في الطريق، وصلى عليه أحمد - فلما رجع أحمد إلى بغداد دخلها في رمضان فأودع السجن نحوا من ثمانية وعشرين شهرا وقيل نيفا وثلاثين شهرا، ثم أخرج إلى الضرب بين يدي المعتصم، وكان أحمد وهو في السجن هو الذي يصلي في أهل السجن والقيود في رجليه، ولما أحضره

стр. 7340

المعتصم من السجن زاد في قيوده، قال أحمد: فلم أستطع أن أمشي بها - فربطتها في التكة وحملتها بيدي، ثم جاءوني بدابة فحملت عليها، فكدت أن أسقط على وجهي من ثقل القيود. وليس معي أحد يمسكني فسلم الله حتى جئنا دار المعتصم، فأدخلت في بيت وأغلق علي، وليس عندي سراج فأردت الوضوء، فمددت يدي فإذا إناء فيه ماء، فتوضأت منه، ثم قمت ولا أعرف القبلة، فلما أصبحت إذا أنا على القبلة ولله الحمد - ثم دعيت فأدخلت على المعتصم. وذكر ابن كثير ﵀ المناظرة التي دارت بينه وبين خصومه بحضرة المعتصم في موضوع خلق القرآن - إلى أن قال: ثم لم يزالوا يقولون له يا أمير المؤمنين إنه ضال مضل كافر، فأمرني فقمت بين العقابين وجيء بكرسي فأقمت عليه، وأمرني بعضهم أن آخذ بيدي بأي الخشبتين، فلم أفهم فتخلعت يداي وجيء بالضرابين ومعهم السياط، فجعل أحدهم يضربني سوطين- ويقول له - يعني المعتصم - شد قطع الله يدك - ويجئ الآخر فيضربني سوطين ثم الآخر كذلك فضربوني أسواطا فأغمي علي وذهب عقلي مرارا - فإذا سكن الضرب يعود علي عقلي - وقام المعتصم إلي يدعوني إلى قولهم فلم أجبه - وجعلوا يقولون ويحك الخليفة على رأسك فلم أقبل. فأعادوا الضرب ثم عاد إلي فلم أجبه، فأعادوا الضرب ثم جاء الثالثة فدعاني فلم أعقل ما قال من شدة الضرب، ثم أعادوا الضرب فذهب عقلي فلم أحس بالضرب، وأرعبه ذلك من أمري وأمر بي فأطلقت ولم أشعر إلا وأنا في حجرة من بيت وقد أطلقت الأقياد من رجلي، ثم أمر الخليفة بإطلاقه إلى أهله، وكان جملة ما ضرب نيفا وثلاثين سوطا، وقيل ثمانين سوطا، ولكن كان ضربا مبرحا شديدا جدا، ولما رجع إلى منزله جاء الجرائحي فقطع لحما ميتا من جسده وجعل يداويه، ولما شفاه الله بالعافية بقي مدة وإبهاماه يؤذيهما البرد. - وجعل كل من آذاه في حل إلا أهل البدعة وكان يتلو في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ (١) الآية ويقول ماذا ينفعك أن يعذب أخوك المسلم بسببك، انتهى باختصار. وهكذا ثبت الإمام أحمد ﵀ على الحق، وصبر على السجن والضرب ولم

стр. 7341

تأخذه في الله لومة لائم، ولم ترهبه السلطة والجبروت، فكانت العاقبة له والعقوبة لأعدائه، ومع هذا يعفو ويصفح عن خصومه، ويجعلهم في حل ما عدا المبتدعة - لأن المبتدعة انتهكوا محارم الله، ولم تكن إساءتهم قاصرة عليه، إنه الإيمان الراسخ والتربية النافعة المستمدة من الكتاب والسنة، يصنعان الرجال ويبعثان على الثبات في مواقف الفتن والأهوال، وهكذا تكون مواقف الأبطال.

стр. 7342

٦ - مميزات مذهبه والأصول التي بناه عليها: مذاهب أهل السنة كلها مذاهب حق لا سيما مذاهب الأئمة الأربعة - أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، وكل مذهب من هذه المذاهب السنية له مميزات، ويمتاز مذهب الإمام أحمد من بينها بقربه من النصوص (١) وفتاوى الصحابة. قال الإمام ابن القيم ﵀ (٢) رويت فتاويه ومسائله وحدث بها قرنا بعد قرن فصارت إماما وقدوة لأهل السنة على اختلاف طبقاتهم حتى إن المخالفين لمذهبه بالاجتهاد والمقلدين لغيره ليعظمون نصوصه وفتاواه ويعرفون لها حقها وقربها من النصوص وفتاوى الصحابة. ومن تأمل فتاواه وفتاوى الصحابة رأى مطابقة كل منهما على الأخرى، ورأى الجميع كأنها تخرج من مشكاة واحدة. حتى إن الصحابة إذا اختلفوا على قولين جاء عنه في المسألة روايتان، وكان تحريه لفتاوى الصحابة كتحري أصحابه لفتاويه ونصوصه بل أعظم، حتى إنه ليقدم فتاويهم على الحديث المرسل. أصول مذهبه: كان مذهبه مبنيا على خمسة أصول وهي: ١ - النصوص، فإذا وجد نصا أفتى بموجبه ولم يلتفت إلى ما خالفه ولا من خالفه.

стр. 7343

٢ - ما أفتى به الصحابة - فإذا وجد لأحدهم فتوى لا يعرف له مخالف منهم فيها لم يعدها إلى غيرها، ولم يقل إن ذلك إجماع - بل من ورعه في العبارة يقول: لا أعلم شيئا يدفعه أو نحو هذا. ٣ - إذا اختلف الصحابة في المسألة تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة، ولم يخرج عن أقوالهم، فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال للدليل حكى الخلاف ولم يجزم بقول. ٤ - الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه ويرجع ذلك على القياس، والمراد بالحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح وقسم من أقسام الحسن، وليس المراد بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر ولا ما في روايته متهم. ٥ - فإذا لم يكن هناك نص ولا قول للصحابة أو أحدهم ولا أثر مرسل أو ضعيف عدل إلى القياس فاستعمله للضرورة. فهذه الأصول الخمسة هي أصول مذهبه - وقد يتوقف في الفتوى لتعارض الأدلة عنده، أو لاختلاف الصحابة فيها، أو لعدم اطلاعه فيها على أثر أو قول أحد من الصحابة والتابعين، وكان شديد الكراهية والمنع للإفتاء بمسألة ليس فيها أثر عن السلف - كما قال لبعض أصحابه: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام (١) أي لم يسبق أن قال بها أحد من الأئمة بشيء.

стр. 7344

٧ - مؤلفاته: قال الإمام ابن القيم (١): كان الإمام أحمد ﵀ شديد الكراهية لتصنيف، الكتب وكان يحب تجريد الحديث، ويكره أن يكتب كلامه ويشتد عليه جدا، فعلم الله حسن نيته وقصده فكتب من كلامه وفتواه أكثر من ثلاثين سفرا، ومن الله سبحانه علينا بأكثرها فلم يفتنا منها إلا القليل، وجمع الخلال نصوصه في الجامع الكبير فبلغ نحو عشرين سفرا أو أكثر، ورويت فتاويه ومسائله وحدث بها

стр. 7345

قرنا بعد قرن، فصارت إماما وقدوة لأهل السنة على اختلاف طبقاتهم، وقال ابن الجوزي: كان الإمام أحمد ﵁ لا يرى وضع الكتب، وينهى أن يكتب عنه كلامه ومسائله ولو رأى ذلك لكانت له تصانيف كثيرة ولنقلت عنه كتب (١) واقتصر الإمام أحمد على التصنيف في النقول - أي الأحاديث والآثار وهذه بعض مؤلفاته. ١ - المسند في الحديث، وكان يقول لابنه عبد الله: احتفظ بهذا المسند فإنه سيكون للناس إماما (٢) ٢ - التفسير - وهو مائة ألف وعشرون ألفا - يعنى بالأحاديث والآثار. ٣ - الناسخ والمنسوخ. ٤ - التاريخ. ٥ - المقدم والمؤخر في القرآن. ٦ - جوابات القرآن. ٧ - المناسك الكبير والصغير. ٨ - الزهد. ٩ - الرد على الجهمية.

стр. 7346

٨ - وفاته: مرض في أول شهر ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ومائتين، وتوفي ليلة الجمعة وهي ليلة الثاني عشر من هذا الشهر، ولما حضرته الوفاة أشار إلى أهله أن يوضئوه، فجعلوا يوضئونه وهو يشير إليهم أن خللوا أصابعي، وهو يذكر الله في جميع ذلك، فلما أكملوا وضوءه توفي ﵀ ورضي عنه - فغسلوه وكفنوه بثوب كان قد غزلته جاريته، وخرج الناس بنعشه والخلائق حوله ما لم يعلم عددهم إلا الله، ثم صلي عليه، وأعيدت الصلاة عليه عند القبر. ثم أعيدت الصلاة أيضا

стр. 7347

على القبر بعد دفنه، ولم يستقر في قبره ﵀ إلا بعد العصر، وذلك لكثرة الخلق الذين حضروا. وقد قدر عدد الذين صلوا عليه وشيعوه إلى قبره بألف ألف، وفي رواية وسبعمائة ألف - أي مليون وسبعمائة ألف - رحم الله الإمام أحمد رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرا، وجعله مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. . .

стр. 7348

مجال عمل المرأة في الإسلام إعداد الدكتور محمد بن أحمد الصالح (١) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. ١ - مكانة المرأة في الإسلام: كانت المرأة في الجاهلية الأولى تعتبر من سقط المتاع، يتوارثه الناس كما يتوارثون الأرض والبناء والأثاث، بل كانوا يذهبون إلى اعتبارها عارا يتخلصون منه بجريمة قتل بشعة إذ يدفنونها حية، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (٢) ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ (٤) ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (٥). انتشل الإسلام المرأة من هذه الوهدة السحيقة، ليضعها في مكان كريم. . ليضعها أولا في مكان "المساواة الإنسانية الكريمة «النساء شقائق الرجال (٦)» ثم ليضعها في التكليف أو أمام التكليف مع الرجل سواء

стр. 7349

بسواء، قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (١) بل وليجعلها مع الرجل في الجزاء سواء: قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (٢) ثم ليضعها بعد ذلك في مكان عزيز وسط أسرتها. . فهي أم موضع التكريم، بل تسبق الأب في هذا التكريم: عن أبي هريرة قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال ثم من؟ قال: أمك. قال ثم من؟ قال أمك: قال ثم من؟ قال أبوك (٣)». والجنة تحت أقدام الأمهات، عن معاوية بن جاهمة «أن جاهمة ﵁ أتى رسول الله ﷺ فقال: (يا رسول الله أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك فقال: هل لك من أم؟ قال: نعم. قال: لا فالزمها فإن الجنة عند رجلها (٤)» وهي زوجة كذلك موضع التكريم، عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ : «خيركم، خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي (٥)» «ألا أخبركم بخير ما يكنز المرء: الزوجة الصالحة (٦)»

стр. 7350

وهي إن كانت بتعبير " السنة " كنزا أو خير الكنوز. . فهي في القرآن جزء من النفس، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١) وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ (٢) وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ (٣) وهي في الوقت ذاته " مسكن " وعلاقتها مع زوجها هي علاقة " المودة " و " الرحمة ". أي تكريم بعد هذا التكريم، وأي مستوى للعلاقات الزوجية أكرم من هذا المستوى؟ وهي بعد ذلك مكرمة. . أختا أو بنتا أو رحما. . فوصلها وصل للرحمن، وإحسان تربيتها وإكرامها. . وقاء من النار وطريق إلى الجنة. . عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ : «من ابتلى من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له سترا من النار (٤)»، وعن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ : «الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله (٥)»، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «استوصوا بالنساء خيرا (٦)» وقال ﵊: «لا يفرك مؤمن مؤمنة إن ساءه منها خلق سره آخر (٧)»

стр. 7351

ذاك طرف يسير. . من تكريم الإسلام وإكرامه للمرأة أيا كان مكانها.

стр. 7352

٢ - شبهات حول المرأة في الإسلام: ولقد حلا لأعداء الله أن يوقعوا الشقاق بين شطري المجتمع (الرجل والمرأة) لتقوم العلاقة بينهما على الريبة والشك والتربص. . بدلا من ذلك المستوى الكريم من السكن، والمودة، والتراحم!. فصوروا للمرأة أن الإسلام يريدها في البيت سجينة، وأن سجانها الغليظ هو الرجل، الذي يمسك بالمفتاح يتحكم كيف يشاء، إن شاء سمح بالنور أو سمح بالهواء. . وإن لم يشأ لم يسمح!، وراحت حكايات " الحريم " يرددها المبشرون والمستشرقون وتلاميذ هؤلاء وأولئك!. ثم أثاروا الشبهات حول " الطلاق في الإسلام " وتعدد الزوجات في الإسلام وميراث المرأة في الإسلام. . حتى دفعوا بعض " الجاهلين " و " العملاء " وأصحاب الأهواء الدنيئة إلى المناداة ثم التطبيق في المجالات بما يقولون وعلى غير ما أمر الله ورسوله، حيث اقتضت الحكمة الإلهية أن يكون توازن المجتمع واستمرار نموه الطبيعي لكي يؤدي وظيفته على أكمل وجه بإدراك الترابط الوظيفي للرجل والمرأة داخل المجتمع الواحد، بل وعلى مستوى البشرية جمعاء، حيث يكمل كل منهم الآخر بأداء وظيفته المناطة به والتي تقبلها طبيعة كل منهما. وعرفت بعض البلاد الإسلامية ما يسمى قوانين " الأحوال الشخصية " تقيد الطلاق وتحد من تعدد الزوجات وتساوي في الإرث بين الرجل والمرأة، وذلك على عكس الطبيعة الإنسانية وسننها. . كأنهم أرحم بها من الله. . أو كأنهم أعلم به وبها من الله. . . والله يسائلهم وأمثالهم ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ (١) واستجاب هؤلاء وأولئك مرة أخرى لكيد الأعداء فقذفوا بالمرأة بعيدا عن بيتها. . لتضرب في كل ميدان، ولتقتحم كل الأسوار، حتى ما يصادم فطرتها ويخدش حياءها

стр. 7353

وأنوثتها، كل ذلك تحت دعوى " المساواة المطلقة " مع أن التسوية كذلك ظلم وعدوان، ولقد ظهرت في مقابل ذلك مقاومة لهذه الأفكار والتي بدأت من فضل الله على عباده تظهر بين هذه الأوساط الضالة، وبدأت الدعوات لرفع هذا الظلم والمغالطة. . والأدلة على ذلك كثيرة ومتعددة، حيث ظهر حديثا في أمريكا المناداة بمحاربة مبدأ (أي. آر. أي) وهو مبدأ المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة، ومحاولة ضمه إلى القانون الأمريكي. . وبدأت الشواهد تظهر لهذا المجتمع الأمريكي مما سبب وجود جمعيات وتجمعات متعددة منها ما يرفض عمل المرأة مطلقا، ومنها ما يقوم بالمحاربة السياسية للاقتراح المقدم سابق الذكر. . ومنها ما يقوم بدورات وبرامج إعلامية تركز على أن كثيرا من التفكك الأسري والإجرام ومصائب الصغار والأطفال قد ساهمت فيه مثل هذه النظريات، ويمكن الرجوع إلى العديد من المراجع

стр. 7354

٣ - ميدان العمل للمرأة: لا شك - كما يعرف علماء الطبيعة والعلوم الأخرى- أن هناك سننا وقوانين أوجدها الله سبحانه بحكمة بالغة، وجعل من هذه القوانين الأدوار المحددة لكل مخلوق من ذكر وأنثى، وجعل ذلك مترابطا حيث برز دور المرأة في الحياة بشكل يدركه كل إنسان، بل وأصبح من المدركات العامة. فالله سبحانه خلق هؤلاء الزوجين وجعل لكل منهما دورا لا يتم يجدون دور الآخر، مما يتحتم عليه وجوده فيه. كل ذلك ندلف منه إلى الموضوع الذي نود أن نعالجه. . هل يسمح الإسلام للمرأة أن تعمل. .؟ وإذا سمح فبأي الشروط؟ ثم إذا توافرت الشروط، فأي الميادين. .؟ وهذا ما نبذل جهدنا في الإجابة عليه فيما يلي من السطور بمشيئة الله.

стр. 7355

قبل الإجابة على هذا السؤال وجب تذكر التكليف الملقى على المرأة، والمتمثل في دورها العملي الهام في هذه الحياة، وهو ما تشير إليه الآيات والأحاديث الشريفة، وكذلك وجب تذكر الفترات الأولى من الإسلام ودور المرأة فيه. ومن هنا نرى أن مفهوم العمل مفهوم شامل، يعني مجموع النشاطات والجهود المبذولة في تحقيق هدف ما. وعليه فهل كانت المرأة معطلة لا تعمل؟ ثم إذا كانت غير معطلة هل يعني العمل تغيير المهام الملائمة والواجبات الأساسية إلى عمل آخر بغض النظر عن الدوافع؟ وإن تعاملنا مع المفهوم الرائج عن العمل تجاوزا يمكن أن نسأل:
следующие страницы →