ذاك طرف يسير. . من تكريم الإسلام وإكرامه للمرأة أيا كان مكانها.
стр. 7352
٢ - شبهات حول المرأة في الإسلام:
ولقد حلا لأعداء الله أن يوقعوا الشقاق بين شطري المجتمع (الرجل والمرأة) لتقوم العلاقة بينهما على الريبة والشك والتربص. . بدلا من ذلك المستوى الكريم من السكن، والمودة، والتراحم!.
فصوروا للمرأة أن الإسلام يريدها في البيت سجينة، وأن سجانها الغليظ هو الرجل، الذي يمسك بالمفتاح يتحكم كيف يشاء، إن شاء سمح بالنور أو سمح بالهواء. . وإن لم يشأ لم يسمح!، وراحت حكايات " الحريم " يرددها المبشرون والمستشرقون وتلاميذ هؤلاء وأولئك!.
ثم أثاروا الشبهات حول " الطلاق في الإسلام " وتعدد الزوجات في الإسلام وميراث المرأة في الإسلام. .
حتى دفعوا بعض " الجاهلين " و " العملاء " وأصحاب الأهواء الدنيئة إلى المناداة ثم التطبيق في المجالات بما يقولون وعلى غير ما أمر الله ورسوله، حيث اقتضت الحكمة الإلهية أن يكون توازن المجتمع واستمرار نموه الطبيعي لكي يؤدي وظيفته على أكمل وجه بإدراك الترابط الوظيفي للرجل والمرأة داخل المجتمع الواحد، بل وعلى مستوى البشرية جمعاء، حيث يكمل كل منهم الآخر بأداء وظيفته المناطة به والتي تقبلها طبيعة كل منهما.
وعرفت بعض البلاد الإسلامية ما يسمى قوانين " الأحوال الشخصية " تقيد الطلاق وتحد من تعدد الزوجات وتساوي في الإرث بين الرجل والمرأة، وذلك على عكس الطبيعة الإنسانية وسننها. . كأنهم أرحم بها من الله. . أو كأنهم أعلم به وبها من الله. . . والله يسائلهم وأمثالهم ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ (١) واستجاب هؤلاء وأولئك مرة أخرى لكيد الأعداء فقذفوا بالمرأة بعيدا عن بيتها. . لتضرب في كل ميدان، ولتقتحم كل الأسوار، حتى ما يصادم فطرتها ويخدش حياءها
стр. 7353
وأنوثتها، كل ذلك تحت دعوى " المساواة المطلقة " مع أن التسوية كذلك ظلم وعدوان، ولقد ظهرت في مقابل ذلك مقاومة لهذه الأفكار والتي بدأت من فضل الله على عباده تظهر بين هذه الأوساط الضالة، وبدأت الدعوات لرفع هذا الظلم والمغالطة. . والأدلة على ذلك كثيرة ومتعددة، حيث ظهر حديثا في أمريكا المناداة بمحاربة مبدأ (أي. آر. أي) وهو مبدأ المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة، ومحاولة ضمه إلى القانون الأمريكي. . وبدأت الشواهد تظهر لهذا المجتمع الأمريكي مما سبب وجود جمعيات وتجمعات متعددة منها ما يرفض عمل المرأة مطلقا، ومنها ما يقوم بالمحاربة السياسية للاقتراح المقدم سابق الذكر. . ومنها ما يقوم بدورات وبرامج إعلامية تركز على أن كثيرا من التفكك الأسري والإجرام ومصائب الصغار والأطفال قد ساهمت فيه مثل هذه النظريات، ويمكن الرجوع إلى العديد من المراجع
стр. 7354
٣ - ميدان العمل للمرأة:
لا شك - كما يعرف علماء الطبيعة والعلوم الأخرى- أن هناك سننا وقوانين أوجدها الله سبحانه بحكمة بالغة، وجعل من هذه القوانين الأدوار المحددة لكل مخلوق من ذكر وأنثى، وجعل ذلك مترابطا حيث برز دور المرأة في الحياة بشكل يدركه كل إنسان، بل وأصبح من المدركات العامة. فالله سبحانه خلق هؤلاء الزوجين وجعل لكل منهما دورا لا يتم يجدون دور الآخر، مما يتحتم عليه وجوده فيه. كل ذلك ندلف منه إلى الموضوع الذي نود أن نعالجه. .
هل يسمح الإسلام للمرأة أن تعمل. .؟ وإذا سمح فبأي الشروط؟ ثم إذا توافرت الشروط، فأي الميادين. .؟ وهذا ما نبذل جهدنا في الإجابة عليه فيما يلي من السطور بمشيئة الله.
стр. 7355
قبل الإجابة على هذا السؤال وجب تذكر التكليف الملقى على المرأة، والمتمثل في دورها العملي الهام في هذه الحياة، وهو ما تشير إليه الآيات والأحاديث الشريفة، وكذلك وجب تذكر الفترات الأولى من الإسلام ودور المرأة فيه. ومن هنا نرى أن مفهوم العمل مفهوم شامل، يعني مجموع النشاطات والجهود المبذولة في تحقيق هدف ما. وعليه فهل كانت المرأة معطلة لا تعمل؟ ثم إذا كانت غير معطلة هل يعني العمل تغيير المهام الملائمة والواجبات الأساسية إلى عمل آخر بغض النظر عن الدوافع؟ وإن تعاملنا مع المفهوم الرائج عن العمل تجاوزا يمكن أن نسأل:
стр. 7356
٤ - هل سمح الإسلام للمرأة بالعمل ؟
ونقول في هذا بعون الله: إن الإسلام لم يأمرها أن تعمل في ميادين الحياة العامة من أجل الكسب المادي. . لكنه كذلك لم ينهها عن العمل، ومن ثم بقي الأمر على الإباحة الأصلية، لكنه مشروط بالشروط المستمدة من النصوص ثم من مقاصد الشريعة، وما أذنت به من دفع المضار وجلب المنافع.
стр. 7357
٥ - شروط العمل للمرأة:
يقول رسول الله ﷺ : «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء (١)» ويقول الله في كتابه ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٢).
ونقول من وراء هذه النصوص، ثم من وراء مقاصد الشريعة، وما أذنت به من دفع المضار وجلب المنافع، وأخيرا من وراء طبيعة المرأة الخاصة وفطرتها التي امتازت بها عن الرجل:
стр. 7358
(أ) يجب ألا يكون عمل المرأة صارفا لها عن مهمتها الأصلية:
ومهمتها الأصلية أن تكون " زوجة " وأن تكون " أما " ومن ثم فالعمل المباح " للجزء " قد لا يكون مباحا " للكل " إذ ترتب عليه تفويت مصلحة أكبر.
стр. 7359
وحاجة الأمة الإسلامية إلى " الزوجة " وإلى " الأم " أكثر من حاجتها للعاملات اللاتي يمكن أن يحل محلهن في كثير من الأعمال الرجال، خاصة في بلاد وفي أوقات تنتشر فيها البطالة بين الرجال.
стр. 7360
(ب) يجب ألا يكون عمل المرأة في كل الأحوال مزاحما للرجل:
مما يؤدي إلى حلولها محل الرجل في أعمال قد يكون الرجل فيها أكفأ، لكنها توضع في هذه الأماكن إما " مجاملة " أو " توددا " أو " إظهارا " للتحضر والتمدن ومجاراة الغربيين أو المتغربين وهو ما يؤدي في " المجموع " إلى انتشار البطالة بين الرجال، وعمل الرجل يفتح به " بيتا " ويقيم به أسرة، وعمل المرأة نادرا ما تفتح به بيتا أو تقيم به أسرة. . إذ ما زال الرجل هو صاحب القوامة وهو المكلف بالإنفاق فالنادر لا حكم له.
стр. 7361
(ج) يجب ألا يعرضها العمل للفتنة أو يعرض الرجال للفتنة أيضا:
وذلك إذا وضعت في أماكن يكون فيها " الاختلاط " بين الرجال والنساء مما يعرضها أو يعرض الرجال للفتنة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «صنفان من أهل النار لم أرهما بعد، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رؤسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها (١)»، كما ينبغي ألا يكون في زيها ما يشف أو يصف أو يلفت الأنظار. إذا قدر لها أن تنتقل لعمل مناسب.
مع ملاحظة. . أن الحياء يتأثر، وأن الأنظار تألف شيئا فشيئا ما قد يكون في البداية مثار إنكار.
стр. 7362
(د) يجب ألا يصادم العمل الفطرة الطبيعية:
وواضح أن التكوين العضوي " البيولوجي " و "النفسي " " السيكولوجي " في المرأة
стр. 7363
مغاير للرجل فوضع الرجل مكان المرأة مصادم للفطرة، ووضع المرأة مكان الرجل كذلك مصادم للفطرة.
فكما أن الرجل لا يصلح " للرضاعة "، " والحضانة " ولا يصلح " للحمل ولا للوضع ". . فكذلك المرأة لا تصلح في أعمال تتطلب " قوة جسدية " أو " خشونة " أو يكون فيها مساس بحياء المرأة أيا كان المساس. . والأمثلة كثيرة لا تحتاج إلى تعداد!.
стр. 7364
٦ - مجالات العمل للمرأة:
(أ) فليس من الضرورة أن تعمل المرأة مهندسة معمارية أو مدنية:
(بل يجب أن لا تعمل. . . .) فتصعد " السقالة " وتختلط بالعمال، وتعطي لهم الأوامر وتتولى الإشراف. . لأنها فضلا عن أنها قد لا تستطيع، فإنها إن استطاعت أرهقت نفسها، وزاحمت الرجال أماكنهم المناسبة، وما يترتب على ذلك من أضرار البطالة وما تجره من أضرار " الاختلاط " وسائر الأضرار الاجتماعية والاقتصادية.
وقس على هذا اللون: (أعمال المناجم، أعمال الحفر والتنقيب، مجالات الصناعة المحتاجة إلى الخشونة، أو التي تفرض الاختلاط).
(ب) يجب أن لا تعمل " سكرتيرة " خاصة أو عامة:
ونقصد بالخاصة الأعمال الخاصة التي يديرها أفراد أو شركات، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم (١)» وعن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما (٢)».
стр. 7365
ونقصد بالعامة مجالات العمل الحكومي أو شبه الحكومي.
ومهما قيل أن نجاح المرأة في هذا المجال أكثر من نجاح الرجل، فنحسب أن هذه " دعاية " مدروسة ومسمومة؛ لإشاعة هذا اللون من العمل؛ ليشيع نوعا أو أنواعا من " الخلوات " (جمع خلوة) قد لا يتحقق في غيره، وليتحقق فيه مزيد من التعرف الذي يأتي معه (الإعجاب) المتبادل الذي كثيرا ما يجري التنفيس عنه في مجالات ليست بالحلال، كما أنه كثيرا ما يترتب عليه " تصدع " البناء الأسري، وإصابة العلاقات الزوجية بالملل والفتور، والبعد والنفور، بالإضافة إلى ما تمليه علينا التجربة العالمية الإنسانية في هذا المجال، وخاصة في مجتمعات مفتوحة لا تعرف الحلال والحرام، بل يشرع فيها زواج الرجل من الرجل، وممارسة الجنس بأبشع أشكاله البهيمية. مما تتعرض له المرأة العاملة في هذه المجالات.
ونحن نحذر من مغبة التوسع في تدريب النساء على البرامج الآتية: (الحاسب الآلي، إدخال البيانات، مكتبات، نسخ إعدادي، شئون الموظفين. . .) لخريجات الثانوية، والمتوسطة وذلك " أملا في أن يتطور التدريب ليشمل برامج التدريب للأعمال المكتبية، ثم برامج التدريب للإدارة العليا " وعلى أي حال هل قمنا بدراسة وضع الطاقة البشرية لدينا قبل أن نقوم بزج بناتنا في هذا المجال؟ وهل أهلنا الرجال قبل النساء؟ وهل يمكن الاستفادة في مجالات أخرى غير هذه. .!؟
وقد نشرت مجلة معهد الإدارة مقالا لإحدى الكاتبات تشير إلى أن عمل هؤلاء
стр. 7366
المدربات سيكون في أقسام خاصة بالسيدات، لتطمئن إلى عدم اختلاط المرأة، فإنه يخشى مع كثرة الخريجات، ومع الدعوات المسمومة بفتح مجال العمل للمرأة، أن نجد الفتاة المسلمة في يوم قريب تجلس سكرتيرة لمدير، أو تعمل في مجال آخر تختلط فيه مع الرجال!
جـ - ليس من الضرورة على الإطلاق أن تعمل مذيعة للإذاعة والتلفزيون:
فالعبرة هنا بإيصال الكلمة إلى المستمع أو المشاهد، وما عدا ذلك من أساليب الدعاية المادية، حيث نرى أن المرأة استعملت كوسيلة دعائية يتاجر من خلالها بخدعة المستمع أو الشاهد، وهذه من المبادئ الرأس مالية مما يوضح كل هذه الأمور التي نقوم بتقليدها دون استخلاص تجربة من سبقنا. لاعتمادها الأول على " صوتها " وفي الثاني على " صورتها " مع أن " صوتها " ولسنا نزعم أن صوت المرأة عورة. . لكنه مع ما يجري في الإذاعة من مقابلات وضحكات يصير كذلك، وغالبا ما يصحبه " اللين " أو " الخضوع " بالقول. . فيطمع الذي في قلبه مرض.
ومع الصورة يصير الأمر أشد، مع ما تعمد إليه الكثيرات في هذا المجال من تغيير خلق الله عن طريق ما عمت به البلوى من " موضات " المكياج وغيره.
وإذا كان عملها كمذيعة في هذا الميدان محل نظر، فما بعد ذلك أشد وأنكى. . التمثيل، والغناء، والرقص، وطريق الشيطان منزلق لا يكاد يلمس القدم أوله حتى يتزحلق إلى آخره أو قريبا من آخره! ﴿عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ (١).
стр. 7367
٧ - إذن فما ميدان عمل المرأة ؟
الميادين كثيرة. . .
أولها: ما كان خاصا بالنساء وبعيدا عن الاختلاط.
كالتدريس للبنات في المراحل المختلفة، والعمل الإداري في هذه المجالات النسائية، وكالتطبيب للنساء في التخصصات المختلفة، وكالتمريض للنساء (لا للرجال) في المجالات المختلفة، مع إحسان فصل الأقسام عن بعضها، وتشغيل الأطباء والممرضين من الرجال في أقسام الرجال، والانتهاء من المنكر القائم الذي يتيح الاختلاط داخل العنابر، وداخل الغرف بين العاملين والعاملات، وبين المرضى والعاملات! والأسواق والمصارف الخاصة بالنساء.
وآخرها: ما حكمت به الضرورة.
مثل ميادين القتال. . إذا احتجنا للنساء لعلاج الجرحى من المقاتلين، لتخصيص الرجال للقتال. . والضرورة تقدر بقدرها - كما ذهب إلى ذلك العلماء -.
ونحن إذا ألقينا نظرة على الأمم التي سبقتنا في ترك الحرية للمرأة أن تعمل سواء في أمريكا أو أوروبا أو بعض البلاد الشرقية نجد أن المرأة أتعس مخلوق؛ فهي تمارس الأعمال الشاقة، وتزاحم الرجال في كسب الرزق، وأهملت بيتها، وتأكل طعامها من الأسواق، ففقدت أنوثتها، وتبدد حلم السعادة الذي كانت تحلم به، لو خرجت إلى مجالات العمل، وتفككت أواصر الأسرة، وأهملت تربية الأبناء، وشاع الانحلال، وانتشرت البطالة بين الرجال، وصارت الأصوات ترتفع من النساء قبل الرجال بأن لا صلاح إلا بعودة المرأة إلى بيتها.
وصارت بعض الدول الإسلامية التي سبقت في هذا المضمار تشجع المرأة على أن تأخذ إجازة بنصف المرتب حتى تخلي مكانها لشاب عاطل، وتتفرغ لرعاية أبنائها وإصلاح بيتها، إنه دحض المحاولات الواهية المبنية على العاطفة والرغبة الشخصية المنحرفة، مثل محاولة الترويج والادعاء بأن نصف المجتمع معطل وما أشبه ذلك من ادعاءات كاذبة، ودحض هذه المفتريات لا يكون بألفاظ عاطفية، وإنما من خلال دراسة علمية جادة تتفهم إمكانياتنا البشرية المعطلة من خلال هذه الظواهر:
стр. 7368
١ - شباب يتسكع في الشوارع.
٢ - إهدار للوقت بين العاملين.
٣ - المبالغة والإسراف في استجلاب العمالة كمصدر للمفاخرة مما يترتب عليه رفع مستوى الخدمات في البلد كميا، وبالتالي زيادة الطلب في عمالة أخرى.
٤ - البطالة المقنعة بين الموظفين من عدم الحرص على الوقت وأداء العمل في وقته.
٥ - عدم إتاحة الفرصة، وتربية أبناء المدارس على الاعتماد على ذواتهم بعد الله، والاستفادة من العمل خارج أوقات دراستهم، لسد الحاجة في الأعمال البسيطة، ولإتاحة فرصة تربوية جادة لهم.
٦ - . . . إلخ.
إن محاولة التقليد لمجتمعات يظن أنها متقدمة يجب أن لا يبرر هدم المجتمع بالقضاء على دعائمه الأساسية الذي يكون للمرأة الدور الكبير فيه، وذلك بأثرها على الرجل وعلى الأطفال، بل على الأسرة بأكملها، وإن التدليل على ذلك أمر يسير، وذلك لكثرة الدراسات التي أوضحت وضع الأسر في الغرب والمجتمعات الأخرى من إجرام وانحراف وتشرد وقتل وأنانية إلى غير ذلك من الأمور، والتي كان من أهم أسبابها تخلي المرأة عن دورها الذي يجب أن تؤديه في مجتمعها.
إن الدور الذي تقوم به المرأة هو عمل في غاية الأهمية، بل إنه إذا قيس بالأعمال الأخرى حسب أهميته، وجد في المقدمة بل هو الأصل والأساس. . ألم يكن ذلك عملا. إن إحصائيات الإجرام والمشكلات السلوكية كالانتحار والسرقة والقتل. . إلخ يكون تخلي المرأة عن دورها هو العامل الأول في مثل هذه الجرائم.
وهناك العديد من الدراسات والبحوث التي يجب أن ندرسها بعين العبرة والعظة، والتي ستجعلنا بأمر الله نتجنب كثيرا من السلبيات: التي يحاولون الآن تجنبها بأغلى ثمن.
ثم ونحن أمة إسلامية، وجب أن نحكم معيار الله فينا، حيث إن لا خيرة إلا فيما اختاره الله ورسوله. . هذا إذا أردنا أن نبني مجتمعا إنسانيا راقيا. .
стр. 7369
وحتى نكون قدوة لغيرنا علينا أن ندرك أهمية هذا الدين القويم مطيعين لمبادئه وتعاليمه بكل فخر واعتزاز، وحتى تجد المجتمعات الضالة القدوة والحل.
هذه تجارب الأمم قبلنا، فهل لنا أن نأخذ منها العظة والعبرة، ونرسم لأنفسنا ولأجيالنا المقبلة الطريق الآمن حتى لا يتعرض مجتمعنا الإسلامي إلى هزات وتغيرات. . ولا ينبغي أن نندفع مع العواطف إلى التقليد دون روية أو تفكير.
ولا يمكن أن تستقيم أحوال المجتمع بتخلي المرأة عن القيم والآداب والمثل العليا التي حباها بها الإسلام من التصون والعفاف والمرؤة والحياء وعدم الابتذال. . والله ولي التوفيق والهادي إلى سواء السبيل.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
انظر الكتب والمراجع الآتية:
١ - عمل المرأة في الميزان. د / محمد علي البار.
٢. Attempted suicide in children and adolescents. Oxford University. Journal of child psychology Oct Vol. ٢٣ October. ١٩٨٢. ٣- six notes، sexuality and the recoverint woman alcoholic program is- sues Journal of Psychoacive Drugs ١٩٨٢ jan-june Vol. ١٤ (١-٢) .
стр. 7370
أثر الإيمان في إشاعة الاطمئنان
بقلم الدكتور: محمد بن سعد الشويعر
توطئة
الحمد لله رب العالمين، القائل في محكم التنزيل: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١).
والصلاة والسلام على من سماه قومه قبل البعثة الأمين: فكان أمينا على أموالهم، وأمينا على أسرارهم، ثم أمينا على رسالة ربه بعد أن حمل أعباءها.
وبعد: -
فإن أثر الإيمان في إشاعة الأمن والاطمئنان من منظور القرآن والسنة، موضوع واسع ومتشعب، وتتبع النصوص من الكتاب الكريم، وهدي المصطفى ﷺ يستوجب حيزا أكبر، ومجالا أوسع. وكنت أتمنى الحصر في جانب من جوانب الأمن الاجتماعي، أو بعض التشريعات التي فرضت على المسلمين وأثرها في إشاعة الاطمئنان في حياتهم. أو عن الحدود ودورها في استتباب الأمن.
لأن راحة النفس لا تكون إلا بالإيمان، ورخاء المجتمع لا يكون إلا بالأمان، والأمان ثمرة من ثمار الإيمان، وحصيلة من حصائل العقيدة الصافية.
стр. 7371
والإيمان والعقيدة الصافية لا يكونان إلا بعد الدخول في الإسلام وفهمه جيدا، وتطبيقه عملا.
стр. 7372
نفس. . . بلا إيمان
ونفس لا إيمان فيها تبقى مضطربة وقلقة، وتائهة وخائفة: -
فأما اضطرابها فلأنها كالسفينة التي تتقاذفها الرياح في البحر. فتموج بها تقلبات الجو يمينا وشمالا، وتتقاذفها العوامل المؤثرة التي تطغى عليها. فهي لم تجد ما يرسيها، أو يوصلها لبر الأمان؛ لأن كل نفس تأخذ مصدرا تشريعيا في سلوكها، أو منهجا عقديا في تصرفاتها. غير المصدر الذي أوجده الله للمؤمنين، وارتضاه سبحانه لعباده وبعث به رسله، فإنه لا يلبي رغبة، ولا يريح نفسا، ولا يحقق هدفا.
والمصدر الذي ارتضاه الله هو كتابه القويم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ لأنه تنزيل من عزيز حكيم، ثم ما بلغ به المصطفى من وحي عن ربه أو أوضحه من شرع لصالح الأمة، وإنقاذهم من الضلالة، مما يعالج ما يختلج في النفوس، ويؤرق الضمائر.
وبهذين المصدرين تسكن النفس من اضطرابها، وترتاح في مسيرتها، وتطمئن على حاضر أمرها ومستقبله.
أما كونها فلسفة: فإن من الغرائز التي أودعها الله في النفوس حب استجلاء المستقبل والتخوف من العواقب، ولكي تسير في اتجاهها: تلجأ يمينا وشمالا للبحث عما يحقق قبسا من أملها أو راحة من ضمير، ولا يمحو هذا القلق والحيرة من النفوس، إلا يقين يزيل دواعي هذا القلق، ويقضي على مسبباته، والإيمان بالقدر خيره وشره، واليقين بأن ما قدره الله كائن لا محالة، والرضا بما قسم الله: من أقوى دعائم هذا اليقين كما في حديث ابن عباس.
وأما كونها تائهة: فإن من يسير بغير هدى، أو معرفة لشرع الله الذي شرع لعباده: فإنه كالمسافر في طريق لا يعرف اتجاهه. وطرق المسالك في العبادة
стр. 7373
والعقيدة: كالطرق الموصلة من مكان لمكان، فالذي يأخذ المعروف منها بعلاماته وإرشاداته، فإنه قد سلك الآمن الموصل، أما غيره من الطرق فإنها تؤدي للضياع والاضطراب النفسي، وتدعو للخوف على النفس من المخاطر العديدة، وعلى المال والممتلكات، ألم يقل سبحانه: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١).
ويقترن بتلك الأمور كلها الخوف، فهو مصاحب للاضطراب، بل هو المحرك له وهو المؤثر في القلق، كما أنه هو الذي يثير التيهان، ويدعو لعدم الاطمئنان.
فالخوف على المصير، والخوف من المستقبل، والخوف من النتائج، والخوف مما يحيط بالإنسان: على نفسه وولده وماله، وكل عزيز لديه؛ لأن أنواع الخوف كثيرة، ودواعيها عديدة القياس لكن منهجها واحد.
стр. 7374
طريق الأمان
وقد رسم رسول الله ﷺ لأصحابه بوسيلة إيضاح جيدة، ما يؤكد طريق الأمان، ويزيل المخاوف عنهم، وذلك باتباع ما جاء به من عند ربه: فقد خط خطا مستقيما في التراب، وأفهمهم أن هذا الطريق الموصل إلى الله، وهو ما بعثه الله به، ثم خط خطوطا جانبية متفرعة منه، وبين أن: هذه السبل، من اتبعها ضل وغوى وابتعد عن طريق الرشاد، ثم قرأ الآية السابقة.
وفي كتاب الله - جل وعلا - علاج سهل المأخذ لمن وفقه الله، يريح القلوب، ويطمئنها من كل أمر مؤرق، قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (١) أي ترتاح وتهدأ، ويسهل الأمر الصعب، وهذا هو الأمن النفسي، الذي لا يكون إلا بتذكر عظمة الخالق سبحانه واستصغار ما دونه، فلا إله إلا الله: كلمة صغيرة في حروفها، سهلة في نطقها، لكنها عظيمة في مدلولها، كبيرة في معناها، عميقة في تأثيرها: فهي مطمئنة للنفس، ومهدئة للأعصاب، ومسكنة للجيشان.
стр. 7375
ومادة أمن، قد جاءت في كتاب الله هي ومشتقاتها أكثر من ثمانمئة مرة " ٨٠٠ "، فالمؤمنون والإيمان والأمانة، والأمين، والذين آمنوا، كلها من الأمور المرتبطة حسا ومعنى بالإيمان ونتائجه. وكلها تؤدي برابطة قوية مع الله، ومن منطلق التمسك بشرعه.
كما أن الكلمات التي تدل على معنى الراحة والسكينة، وتوفير السعادة للنفس وتذكيرها بالله وعقابه لمن عصى وانحرف، والنعيم والفوز لمن أطاع واستجاب كثيرة في كتاب الله.
وما ذلك الاهتمام الكثير في كتاب الله بهذا الجانب، إلا لما يوليه التشريع الإسلامي من عناية فائقة بالنفس البشرية، وعناية بتوجيهها، مع كفل ما يريحها ويؤمنها من المخاطر؛ حتى تعمل وهي مطمئنة على النتيجة، مع راحة بال بالوصول لثمرة ما كلفت به؛ لأن العمل قد حداه يقين وصدق.
والسنة النبوية قد اهتمت في هذا الجانب بترسيخ ما جاء في القرآن الكريم، لزيادة تمكينه، بزيادة الدلالة اللفظية والمعنوية؛ لأن زيادة تأكيد المبنى، زيادة في تمكين المعنى، كما يقول بذلك البلاغيون.
стр. 7376
التعريف اللغوي لكلمة أمن
والتعريف اللغوي لكلمة أمن أمنا وأمانا وأمانة وأمنا وإمنا وأمنة: اطمأن ولم يخف، فهو آمن وأمن وأمين يقال: لك الأمان أي قد آمنتك. والبلد: اطمأن أهله فيه، وأمن الشر ومنه: سليم، وأمن فلانا على كذا: وثق به واطمأن إليه، أو جعله أمينا، وفي التنزيل العزيز: ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾ (١).
وأمن أمانة: كان أمينا، وآمن إيمانا: صار ذا أمن، وآمن به: وثق وصدقه،
стр. 7377
وفي التنزيل العزيز: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ (١) وأمن فلانا: جعله يأمن.
وأمن على دعائه: قال: آمين، وأمن على ماله وعلى الشيء: دفع مالا منجما لينال هو أو ورثته قدرا من المال متفقا عليه، أو تعويضا عما فقد. يقال: أمن على حياته أو على داره أو سيارته، وأمن فلانا: جعله في أمن. وأمن فلانا على كذا: أمنه والأمانة الوفاء والوديعة، والأمنة، والأمنة: من يؤمن بكل ما يسمع، ويطمئن إلى كل أحد.
стр. 7378
الأمن الذي تبحث عنه النفوس
والأمن الذي تبحث عنه النفوس في كل شأن من شئون الحياة، هو جزء من هذه المشتقات التي جاء بها اللغويون وأوضحوها، وقد جعل القرآن الكريم، وهدي رسول الله ﷺ محور هذا الأمن الإيمان الذي مقره القلب، سواء كان ذلك فيما يتعلق بالنفس ومتطلباتها، كالأمن الصحي، والأمن النفسي، والأمن الغذائي، والأمن الاقتصادي والأمن الأخلاقي، وغيرها.
أو ما يتعلق بالمجتمع وترابطه: كالأمن في الأوطان، والأمن على الأعراض، والأمن على الأموال والممتلكات وغيرها.
أو ما يتعلق بالأمن على النفس من عقاب الله ونقمته بامتثال أمره، وطاعة رسوله، واتخاذ طريق المتقين مسلكا لكي تنقذ النفس بكسب رضا الله، واستجلاب رحمته والأمن من عذابه في نار جهنم وغيرها.
وكل هذه الأنواع من الأمن مطالب ملحة تسعى إليها البشرية في كل عصر، وفي كل مكان، وكل من حمل راية الزعامة في أي مجتمع وبيئة يدعو إليها،
стр. 7379
لأنها هي التي تلامس أوتار الخاصة والعامة. ذلك أن النفس البشرية تبحث عن ذلك، ولا تدرك مدى الحاجة له والضرورة الملحة إليه، إلا بفقدانه، أو انتقاص مرتبة من مراتبه.
ويؤصل هذا المدلول ما روي عن رسول الله ﷺ بقوله: «نعمتان مجحودتان - وفي رواية مغبون فيهما كثير من الناس - الصحة في الأبدان، والفراغ (١)» رواه البخاري عن ابن عباس (٢)، ولئن كانت الزعامات البشرية تغفل عن الأمن الأخروي، والأمن من عقاب الله، فإنما هذا عائد لنقص الإيمان لديها.
أما نظرة القرآن الكريم، وتوجيهات رسول الله ﷺ فإنها تؤصل الإيمان، الذي يجعل النفس البشرية مطمئنة، تؤمن بما قدر الله، وتستسلم لقضائه، وتحتسب ذلك عنده أجرا مدخرا.
ومن هنا فسوف نمر عرضا ببعض من المطالب البشرية، للاطمئنان على شئون الحياة، ليبرز من ذلك اهتمام التشريع الإسلامي بذلك في مصدريه: كتاب الله وسنة رسوله الكريم ﷺ . ليتضح لنا اهتمام القرآن الكريم بالعلاج النفسي المريح، قبل اهتمام علماء ومفكري العالم به.
والفرق بين الاهتمامين أن الإسلام جاء لمصلحة النفس البشرية، وتوجيهها لما يسعدها، وأن المصلحة عائدة لهذه النفس في الأول والآخر، أما ما يضعه البشر من أنظمة، يخاطب بها ألباب الجماهير، وما تحمل من وعود ومطالب وخيالات، فإن هذه الأمور تتبدد كالسراب؛ لأن الواحد يسعى لنفسه حتى يحقق ما يطلب، ويصل إلى بغيته، حيث يتجاهل بعد ذلك وعده للآخرين بالسعي لمصالحهم، ويتنكر لما يطمئنهم.
ورسول الله ﷺ الذي بعثه الله رحمة للعالمين، قد كان قدوة صالحة في نفسه أولا، بمنهج السلوك والعمل، وبدعوته لتأصيل الإيمان، وتمكين العقيدة في الفئة المؤمنة؛ لأن ذلك مما يطمئن النفس ويريحها.
стр. 7380
ومن هنا ندرك أهمية ما جاء في القرآن الكريم، وسيرة المصطفى ﷺ من آيات وعبر تقوي دعائم الإيمان، وتمكنه من النفوس، في كل أمر يعترض الإنسان في أمور حياته وآخرته.
стр. 7381
الإيمان لغة وشرعا
وهذا يدعونا إلى إيراد تعريف للإيمان لغة وشرعا، ولأن من التعريف يرسخ المفهوم المراد، على ضوء ما يستعرض من أدلة.
فالإيمان لغة: هو التصديق والاطمئنان، وقد مر بنا جزء من تعريفات مادة أمن في اللغة، والتي توسعت فيها كتب اللغة توسعا يشبع فهم الباحث، وهي سهلة ميسرة لمن يريدها.
أما في الاصطلاح الشرعي: فهو الإيمان بالله، والإيمان بملائكته، والإيمان بكتبه. والإيمان برسله، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره.
فهذه الأمور الستة هي التي عليها مدار النفس وتفكيرها، في حاضرها ومستقبل أمرها، في شئون الحياة الدنيا، وما يصلح الأموال فيها، وفي المستقبل المنتظر حدوثه في هذه الحياة الدنيا، أو ما يحصل بعد الموت وعند البعث والنشور.
стр. 7382
القرآن الكريم وأثره في توطين النفس
فالقرآن الكريم قد أعطى هذا الجانب اهتماما كبيرا، لما له من أثر في توطين النفس البشرية على الرضى والاستسلام، والترقب والاهتمام، وفق منطلق عقدي، جعل له التوجيه الإسلامي قاعدة متينة يرتكز عليها، وسندا قويا يدعمه، لتشد بذلك جوانب النفس حتى لا تنحرف أو تزيغ.
وإذا كانت النفس البشرية في عصرنا الحاضر الذي تقاربت فيه الشعوب،
стр. 7383
وتداخلت الثقافات، وقد دهمها الاضطراب، بحيث أصبح القلق يؤرقها في كل شيء: فهي تخاف من بعضها البعض، وهي تخاف من كوارث الحياة، ريحا أو مطرا أو أعاصير أو ثلوج، وهي تخاف من الأمراض المتعددة والأوبئة، وخاصة ما يظهر جليا في وسائل الإعلام منذ عامين عن المرض القاتل ضعف المناعة المسمى "الإيدز" كما كانت تخاف من السرطان وغيره، وهي تخاف وتضطرب من أمور كثيرة ومتعددة لا يمكن حصرها، حتى أصبح الخوف والقلق سمة من سماتهم، وانتشر تبعا لذلك الانتحار، والرغبة من الخلاص من هذه الحياة. وما ذلك إلا من نقص الإيمان في قلوبهم، وضعف الوازع العقدي المرتبط بالله وبدينه الذي رضيه لعباده، ذلك الوازع الذي يجعل النفس تؤمن بقضاء الله وقدره، بدون تسخط أو تأفف وتحتسب الأجر فيما تتحمله النفس عند الله مدخرا في يوم الجزاء والنشور، عندما يحصل ما في الصدر، ويؤكد هذا المعنى رسول الله ﷺ في حديث رواه ابن عباس ﵄ قال: «كنت رديف رسول الله ﷺ يوما فقال: يا غلام!! احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك (١)» رواه الترمذي.
والله يسوق الكوارث على البشر في حياتهم الدنيا، لينبه النفوس من غفلتها، وليعيدها إلى خالقها، ويربطها بموجدها، ويذكرها به كلما بعدت، وهذا هو الإيمان بالله وبكتبه وبرسله، وهو معرفة الحق المطمئن، الذي جاء من عند الله، إيمانا به، واعتقادا بأنه من عند الله قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (٢) ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (٣) ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٤).
فإذا كانت هذه البلوى في نزول المصائب على النفوس المؤمنة، من أجل أن يقوى إيمانها، وتستعين به على الصبر والتحمل في مجابهة ما ينزل من
стр. 7384
بلوى، فإن هذا من ترسيخ الإيمان، والاطمئنان بتمكينه، ذلك أن تسليم الأمور لله، وعدم الجزع مما حل لا يتحمله بصبر وثبات، ورضى واطمئنان، إلا النفوس المؤمنة المحتسبة، وقد سماهم الله في آخر الآيات بالمهتدين السائرين على الدرب المستقيم.
والصبر يأتي على ضربين: صبر المؤمن الذي يرجو أجر الله ويخاف عقابه، فيتحمل في سبيله باطمئنان ورضا أمورا كثيرة، وهذا هو الذي حث عليه القرآن الكريم في أكثر من ستين موضعا، وهذا أول نوع من الجهاد فرض في الإسلام. فقد مكث ﷺ في مكة ثلاث عشرة سنة، يرسخ في أصحابه عقيدة التوحيد، ويأمرهم بالصبر على أذى قريش حتى يجعل الله لهم مخرجا، ويطمئنهم بنصر الله وتأييده، وأن الغلبة لله ولرسوله وللمؤمنين.
وصبر الكافر على ما ينزل عليه من مصائب وكوارث، فهو إن صبر فبغير احتساب، وصبره كصبر البهائم لما يحمل عليها من أثقال، أو تلقى من أصحابها في مشقة، وهو إن جزع فإنما يجزع بتسخط على الله الذي قدر الأشياء لحكمة وعبرة، فحياته قلق وضجر.
والقاسم المشترك ما بين المؤمن والكافر في تحمل المصائب والكوارث، والاستسلام للأمر وتطبيقه أو النكوص عنه، هو العامل الإيماني الذي تتفتح عنه النفوس، وتتقبله القلوب كما توضحه الآية الكريمة: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (١).
والقرآن الكريم يربط كل عامل من عوامل الدنيا التي تجعل الإنسان قلقا بشأنها، بقوة العقيدة، وسلامة الإيمان ونقاوته، وبذلك تخف الوطأة، وتهون المصيبة، فهو يخاطب النفس بما يطمئنها ويريحها، ويهدئ ثائرتها، ولن يمر بالقارئ لكتاب الله آية إلا ويلمس فيها سرا عجيبا، وعلاجا مريحا، يزيل عن النفس كابوس القلق ومؤثر الاضطراب.
стр. 7385
وهذا هو أقوى علاج نفسي للخروج من ذلك المحيط، الذي لم يعرف وجوده لدى المسلمين، إلا بعد ضعف الوازع الإيماني، والتساهل في أمور الدين، والبعد عن كتاب الله الذي هو أكبر مؤثر يريح النفوس، وتطمئن به لما فيه من عظات وعبر، ووعد ووعيد، وهدي المصطفى الذي يعطي حديثا لكل حادثة، ويجعل لكل حالة مخرجا.
وليس هذا المفهوم منا معاشر المسلمين الذين نجد العلاج ماثلا قولا وعملا فقط، ولكن رجال الغرب المهتمين بالنفس البشرية، وما تعانيه في مجتمعاتهم في قرننا الحاضر من قلق واضطراب، وأزمات عديدة، قد جاءت دراسات منهم تقول: إن المسلمين لا يعرفون الانتحار المنتشر في بلاد الغرب، وإن المسلمين لا يعيشون الاضطرابات المتعددة التي وقع فيها أبناء الغرب. وبعضهم يطلق على أجيال ما بعد الحرب العالمية الأولى، والحرب العالمية الثانية أجيال القلق والضياع الفكري.
ومن هنا نلمس في ديارهم كثرة المصحات النفسية، وانتشار شركات التأمين على كل شيء يخشون ضياعه أو حلول كارثة فيه.
فاستغلت شركات التأمين التي أسسها ودعا إليها بوسائل إعلامه المختلفة مصاصوا دماء الشعوب وهم اليهود، عندما استغلوا القلق الذي يعيشه أولئك الذين فرغت قلوبهم من الإيمان بالله، فسهل عليهم جذبهم إلى مصائدهم، واستغلال نقطة الضعف فيهم، ومن هنا ندرك بعضا من سر عداوة اليهود للإسلام وأهله، حسبما أوضح الله عنهم في القرآن الكريم: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (١) ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٢) ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ (٣).
стр. 7386
فاليهود وصفهم الله بشدة العداوة لأهل الإيمان؛ لأنهم يعرفون الله، ويعرفون الحق الذي أنزل على عباده، ويتركون العمل به وأتباعه قصدا، وبسابق إصرار وعن علم ودراية، فلذلك كانوا أعداء لله، ولأهل الإيمان، وأخذوا الأسبقية في هذا قبل المشركين عبدة الأصنام للمعاندة والمخالفة مع العلم، فقلوبهم قاسية وحاقدة.
أما النصارى ففيهم رقة تقربهم من المؤمنين، فإذا وضح لهم الحق استجابوا لندائه، فهم أقرب للإيمان بآيات الله كما وصفتهم الآية الكريمة.
وما يحصل من قساوة قادة النصارى، ورجال الكنيسة ضد الإسلام فهو لأحد سببين: -
- إما مصالح قيادية يخشى عليها.
- وإما بتحريض من اليهود الذين يوالون النصارى ليجتمعوا سويا في محاربة الإسلام.
ولذا امتن الله على أمة محمد ﷺ بطريق وسط بين غل والنصارى، وجحود اليهود، فالمؤمنون من أمة محمد ﷺ ، والمصدقون بشرع الله الذي جاءهم من عند الله، والمطمئنة قلوبهم بمصدري التشريع في الإسلام عن عقيدة ويقين، يدعون الله بالاستقامة على الطريق المستقيم الذي يمثل عقيدة وسطا، وعملا لا مشقة فيه، فلا تكليف للنفس فوق طاقتها فتمل. يقول الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (١) ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (٢).
فالمغضوب عليهم هم اليهود الذين عصوا الله عن علم ومعرفة، والضالون هم النصارى الذين يعبدون الله عن جهل وضلال.
وقد قال سفيان الثوري ﵀: من فسد من عباد أمة محمد ﷺ ففيه شبه بالنصارى، ومن فسد من علمائهم ففيه شبه باليهود.
стр. 7387
الإيمان الذي تطمئن به القلوب
فالإسلام هو دين الحق المطمئن بتعاليمه، المريح بمنهجه، وهو دين إبراهيم الخليل ﵇ أب الأنبياء الذي عرف آيات الله في حداثة عمره، ففي حواره ﵇ مع قومه عندما دعاهم للإيمان بعدما تبدت له الآيات، نراه ﵇ يدعوهم لترك الأصنام، ويخوفهم بها؛ لأن قلوبهم متعلقة بها، لاعتقادهم النفع والضر منها، أما هو فلا يرى غير الله جالبا للنفع أو دافعا للضر، فهو سبحانه الذي يجب أن تؤمن به القلوب، وتسلم أمرها إليه لتهتدي وتطمئن، فتأمن وتستقر، ويبرز هذا العامل الإيماني في هاتين الآيتين الكريمتين اللتين حكاهما الله على لسان إبراهيم ﵇: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٢).
فكان هذا الحوار الكريم من نبي الله ﵇ دعوة قوية للإيمان الذي تطمئن القلوب به، كما أنها حجة قاطعة تسكت من يناقش، فإذا كان الإيمان غريزة في القلوب، والتعلق فطرة فطر الناس عليها، فما هو الطريق الأفضل، وما هو الشيء الذي يريح النفس، ويهدئ من ثائرتها، ويقضي على المشكلات التي تعترضها؟؟
إن ذلك لا بد أن يكون شيئا عمليا، تتجاوب فيه الأحاسيس مع الوجدانيات، وتتعاطف فيه الحواس مع الأعمال، ويكون فيه انسجام بين المعقول والمنقول، وبين الأخذ والمأخوذ منه.
وهذا كله لا يتأتى في علاقته بأوهام، ولا بمعبودات غير مستقرة لا تنفع أو تدفع عن نفسها شيئا.
ولذا جاء وصف الله - جل وعلا - لحوار إبراهيم الذي يدعو للإيمان عقيدة
стр. 7388
وعملا، بمقارنته بين آلهتهم التي أشركوها مع الله، في عمل لم ينزل الله به سلطانا، وبين الرابطة مع الله الذي تطمئن بذكره القلوب، وترتاح بالتوكل عليه هواجس النفس، بحيث تبتعد عن المؤثرات عليها. جاء الوصف لذلك بأن هذه حجة قوية على قومه، حيث لم يجدوا لذلك جوابا؛ إذ لا شك أن الأمن مع الإيمان بالله، وراحة الضمير مع عقيدة الوحدانية به سبحانه فقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (١) والإيمان الذي تطمئن به القلوب، وترتاح به النفوس، يدخل في كل شأن من شئون الإنسان، فالأعمال لا بد أن تنبثق عن الإيمان وترتبط به؛ لأن الإيمان بالنسبة للعمل بمثابة المرشح للماء، فالمرشح يصفي الماء، ويمسك الرواسب فيه، فلا يخرج إلا ماء صافيا، ونقيا صالحا للشرب، يحافظ على الصحة.
وكذلك الإيمان بالنسبة للأعمال قد أوضحه القرآن الكريم، والسنة المطهرة؛ لأن الأعمال الصالحة مهما كانت والخصال الحميدة التي ترنو إليها الأفئدة، ونقاوة النفس من الموبقات والمحظورات، كل ذلك ثمرة الإيمان، وقد قال رسول الله ﷺ : «الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان (٢)».
فإذا كان إماطة الأذى عن طريق الناس حتى لا يؤذيهم إذا مروا به أو وقعت عليها أقدامهم وهو من أبسط الأعمال، يعتبر من الإيمان الذي يطمئن القلوب، لوجود رابطة تضم شمل المؤمنين. وعاطفة تجعل بعضهم يهتم بالآخرين، ولو في الشيء البسيط من الأعمال والأقوال.
فإن دين الإسلام كما هي نصوص تعليماته، تتمكن فيه عقيدة الإيمان
стр. 7389
بأعمال أخرى، منها ما هو عائد للنفس وحدها كالحياء الذي أخبر عنه رسول الله ﷺ بأنه شعبة من شعب الإيمان الكثيرة، التي حدد عددها في هذا الحديث.
والإيمان لا يكون قويا إلا إذا وقر في القلب، وسيطر على المشاعر، وقد أوضح هذا المدلول رسول الله ﷺ بقوله: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا (١)».
وكان من دعاء مالك بن دينار ﵀: اللهم أذقني حلاوة الإيمان. ذلك أن للإيمان مذاقا مميزا، يحس به من تمكن من قلبه، وارتبطت به حواسه.
والعلم إذا اقترن بالإيمان صار درجة مرغوبة، ويحث عليها الإسلام، وهذا هو العلم الذي ينفع صاحبه، وينفع الآخرين؛ لأن الإيمان يرشد العالم لطريق الصواب، ويوجهه لما فيه الخير.
وهذا مشهد من مشاهد يوم القيامة يوضح فيه أهل العلم الذين آمنوا بالله: حقيقة معرفتهم ما أوجبه الله عليهم، بما علموه من العلم النافع المفيد، فطبقوه في حياتهم، واطمأنت به قلوبهم في يوم الفزع الأكبر، والخوف الشديد، فهم يقولون ذلك وبراحة نفس، واطمئنان قوي، حيث أمن الله روعهم، وسكن قلوبهم بعقيدة الإيمان، يحكي الله - جل وعلا - هذا المشهد بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢).
стр. 7390
فأصبحت علومهم الدنيوية، ومقدرتهم في اللجاج والحجج لم تنفعهم، ولم يعتبر ذلك علما؛ لأنه لم ينقذهم من أهوال ذلك اليوم، ولم يوصلهم لباب من أبواب الاطمئنان والهدوء النفسي، عندما وقعوا في الأمر، ووصلوا إلى يوم البعث والجزاء، يوم القلق النفسي، أو الراحة أو الاطمئنان والنتيجة هذه لا تتأتى إلا بالعمل وفق منهج كتاب الله، وهدي رسوله، اللذين فيهما الدواء لكل داء، ولذا قال بعض العارفين من علماء الإسلام في صدره الأول: إذا سمعت في كتاب الله: يا أيها الذين آمنوا، فأصغ إليها سمعك، فهو إما خير يأمرك الله به، أو شر يحذرك الله منه.