وقد بحث علماء المذاهب الإسلامية المعتبرة هذا النوع من البيوع واختلفوا فيه على قولين:
فذهب الإمام أحمد ﵀ إلى القول بتصحيحه. قال أبو محمد ابن قدامة ﵀ (١): والعربون في البيع هو أن يشتري السلعة فيدفع إلى البائع درهما أو غيره على أنه إن أخذ السلعة احتسب به من الثمن وإن لم يأخذها فذلك للبائع، يقال: عربون وأربون وعربان وأربان. قال أحمد: لا بأس به وفعله عمر ﵁، وعن ابن عمر أنه أجازه، وقال ابن سيرين: لا بأس به، وقال سعيد بن المسيب وابن سيرين: لا بأس إذا كره السلعة أن يردها ويرد معها شيئا، وقال أحمد: هذا في معناه، واختار أبو الخطاب أنه لا يصح، وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي، ويروى ذلك عن ابن عباس والحسن؛ لأن النبي ﷺ «نهى عن بيع العربون (٢)» رواه ابن ماجه، ولأنه شرط للبائع شيئا بغير عوض فلم يصح كما لو شرطه لأجنبي. ولأنه بمنزلة الخيار المجهول، فإنه اشترط أن له رد المبيع من غير ذكر مدة فلم يصح، كما لو قال: ولي الخيار متى شئت رددت السلعة ومعها درهما، وهذا هو القياس، وإنما صار أحمد فيه إلى ما روي فيه عن نافع بن عبد الحارث أنه اشترى لعمر دار السجن من صفوان بن أمية فإن رضي عمر وإلا فله كذا وكذا. قال الأثرم: قلت لأحمد تذهب إليه؟ قال أي شيء أقول؟ هذا عمر ﵁، وضعف الحديث المروي. روى هذه القصة الأثرم بإسناده.
فأما إن دفع إليه قبل المبيع درهما وقال: لا تبع هذه السلعة لغيري، وإن لم أشترها منك فهذا الدرهم لك ثم اشتراها منه بعد ذلك بعقد مبتدأ وحسب الدرهم من الثمن صح؛ لأن البيع خلا عن الشرط المفسد، ويحتمل أن الشراء الذي اشتري لعمر كان على هذا الوجه فيحمل عليه جمعا بين فعله وبين الخبر وموافقة القياس، والأئمة القائلين بفساد العربون وإن لم يشتر السلعة في هذه الصورة، لم يستحق البائع الدرهم؛ لأنه يأخذه بغير عوض ولصاحبه الرجوع فيه ولا يصح جعله عوضا عن انتظاره وتأخير بيعه من أجله؛ لأنه لو كان عوضا عن ذلك لما جاز جعله من الثمن في حال الشراء، ولأن الانتظار بالمبيع لا تجوز المعاوضة عنه ولو جازت لوجب أن يكون معلوم المقدار كما في الإجارة. اهـ.
وقد لخص الدكتور السنهوري أدلة القولين ورد أدلة القائلين ببطلان بيع العربون فقال بعد إيراده ما ذكره ابن قدامة ﵀ ما نصه: (٣).
ويمكن أن نستخلص من النص المتقدم ما يأتي:
إن الذين يقولون ببطلان بيع العربون يستندون في ذلك إلى حديث النبي ﷺ
стр. 737
الذي نهى عن بيع العربون؛ ولأن العربون اشترط للبائع بغير عوض، وهذا شرط فاسد؛ ولأنه بمنزلة الخيار المجهول إذا اشترط المشتري خيار الرجوع في البيع من غير ذكر مدة كما يقول: ولي الخيار متى شئت ردت السلعة ومعها درهم.
إن أحمد يجيز بيع العربون ويستند في ذلك إلى الخبر المروي عن عمر، وضعف الحديث المروي في النهي عن بيع العربون، وإلى القياس على صورة متفق على صحتها هي: أنه لا بأس إذا كره المشتري السلعة أن يردها ويرد معها شيئا، قال أحمد: هذا في معناه.
ونرى أنه يستطاع الرد على بقية حجج من يقولون ببطلان بيع العربون - فالعربون لم يشترط للبائع بغير عوض إذ العوض هو الانتظار بالمبيع وتوقيف السلعة حتى يختار المشتري وتفويت فرصة البيع من شخص آخر لمدة معلومة، وليس بيع العربون بمنزلة الخيار المجهول إذ المشتري إنما يشترط خيار الرجوع في البيع مع ذكر مدة معلومة إن لم يرجع فيها مضت الصفقة وانقطع الخيار. اهـ.
ويمكن أن يقال بأن الشرط الجزائي يشبه بيع العربون في أن كلا منهما شرط يوجب على من أخل بالشرط عقوبة مالية يجري تعيينها قبل حصول ذلك.
ونوقشت المقارنة والترجيح بما يأتي:
أولا: في سند الأثر الذي فيه شراء نافع من صفوان دار السجن، عبد الرحمن بن فروخ السعد مولى عمر، وهو مجهول العين؛ لأنه لم يرو عنه إلا عمرو بن دينار ولذا ترك مسلم الرواية عنه في صحيحه، ولم يرو عنه البخاري إلا في التعليقات اللهم إلا أن يقال: إن الشهرة تقوم مقام راو آخر، ذكر معنى ذلك ابن حجر في تهذيب التهذيب عن الحاكم.
ثانيا: هذا الأثر يحتمل متنه أن يكون عقد الشراء قد أبرم فعلا بين نافع وصفوان، ويحتمل أن يكون مجرد وعد من نافع لصفوان بالشراء، ثم كان العقد بعد العرض على عمر ورضاه.
ثالثا: دعوى الاتفاق على ما قاله ابن سيرين من أنه لا بأس إذا كره السلعة أن يردها ويرد معها شيئا، تحتاج إلى إثبات حتى يتأتى قياس بيع العربون عليه، وإلا فمجرد قول ابن سيرين ليس بأصل يرجع إليه في الاستدلال، والإمام أحمد ليس بمجتهد مذهب حتى يقال إن هذا من باب التخريج على مسألة في المذهب بل هو مجتهد مطلق يرجع في اجتهاده إلى الأصول الشرعية.
رابعا: ذكر الأستاذ السنهوري أن العربون عوض عن انتظار البائع أو عن تفويت فرصة البيع عليه، فهل الانتظار أو تفويت الفرصة مما يقوم بمال حتى يستحق البائع العربون عوضا عنه؟ هذا محل
стр. 738
نظر، فالمخالف لا يوافقه على ذلك كما مر في النقل عن ابن قدامة ﵀.
خامسا: لم يذكر في تعريف بيع العربون تعيين مدة، فكان شبهة بالخيار المجهول ثابتا.
ب - مسألة ما إذا أعطى الرجل الخياط ثوبه فقال له: إن خطته اليوم فبعشرة أو خطته غدا فبتسعة. فهذه المسألة بحثها الفقهاء ﵏ ومنهم أبو الحسن المرداوي الحنبلي، فقد قال ما نصه:
قوله: وإن قال: إن خطت هذا الثوب اليوم فلك درهم وإن خطته غدا فلك نصف درهم فهل يصح؟ على روايتين. وأطلقهما في الهداية والمذهب والمستوعب والخلاصة والمغني والشرح والفائق وشرح ابن منجا والحاوي الصغير إحداهما لا يصح وهو المذهب، والرواية الثانية يصح، وقدمه في الرعايتين. اهـ (١).
ج - مسألة ما إذا أكرى لأحد الناس دابة فقال: إن ردتها اليوم فكراؤها خمسة وإن رددتها غدا فكراؤها عشرة. فقال أحمد في رواية عبد الله: لا بأس به، قال في الفائق: صح في أصح الروايتين وجزم في الوجيز والمذهب وقدمه في الرعايتين والخلاصة والحاوي الصغير والنظم (٢).
فعلى رأي القائلين بصحة العقد في المسألتين (ب - جـ) يكونون قد صححوا اقتطاع جزء من كل الأجرة جزاء التأخير، وهذا يشبهه الشرط الجزائي من حيث إن كلا منهما يوجب على المتسبب في الإخلال بالاتفاق غرامة مالية يجري تقديرها سلفا في مبدأ العقد. وقد يرد على ذلك بأن العقد في كلتا الصورتين ليس مشتملا على شرط التنجيز بخياطة الثوب أو رد الدابة وإنما هو عقد تخييري لحالين، أي حال منهما يقع عليها الاختيار يتعين العقد بموجبها، وعليه فليس فيه اقتطاع جزء من كامل الأجرة.
د - مسألة إذا قال: من خاط لي هذا الثوب في هذا اليوم فله كذا: فإذا خاطه في اليوم الثاني مثلا فهل يستحق الجعل أو أجرة المثل أو لا يستحق شيئا؟ هذه المسألة ذكرها ابن قدامة ﵀ في المغني فقال في معرض تفريقه بين الإجارة والجعالة في حكم الجمع بين تقدير المدة والعمل: وإن علقه بمدة معلومة فقال: من رد لي عبدي من العراق إلى شهر فله دينار. أو من خاط قميصي هذا في اليوم فله درهم صح؛ لأن المدة إذا جازت مجهولة فمع التقدير أولى. . . إلى أن قال: فإن العمل الذي يستحق به الجعل هو عمل مقيد بمدة إن أتى به فيها استحق الجعل ولا يلزمه شيء آخر، وإن لم يف به فيها فلا شيء له. اهـ (٣).
стр. 739
وذكرها البهوتي ﵀ في الكشاف فقال:
ويصح الجمع بين تقدير العمل والمدة كأن يقول: من خاط لي هذا الثوب في يوم فله كذا فإن أتى به فيها استحق الجعل ولم يلزمه شيء آخر وإن لم يف به فيها فلا يلزمه شيء له. اهـ (١).
فعلى القول بأنه يستحق أجرة المثل إن لم يكن أكثر من الجعل ففي حال نقص أجرة المثل عن الجعل فإن الفرق بينهما في مقابلة التأخير، وعليه فيمكن أن يقال بأن الشرط الجزائي يشبهه من حيث إن استحقاق الشرط الجزائي في مقابلة الإخلال بالالتزام ومنه التأخير.
هـ - المسألة التي حكم فيها القاضي شريح والتي سبق ذكرها في أول البحث ونصها: روى البخاري في صحيحه بسنده عن ابن سيرين أن رجلا قال لكريه: أدخل ركابك فإن لم أرحل معك يوم كذا وكذا فلك مائة درهم، فلم يخرج فقال شريح: من شرط على نفسه طائعا غير مكروه فهو عليه. اهـ.
فهذه المسألة صريحة في أنها من أنواع الشروط الجزائية.
ويمكن أن يقال بتصحيح الشرط الجزائي بناء على اعتباره عقوبة مالية في مقابلة الإخلال بالالتزام حيث إن الإخلال به مظنة الضرر وتفويت المنافع، ولأن في تصحيحه ووجوب الوفاء به سدا لأبواب الفوضى والتلاعب بحقوق عباد الله، وسببا من أسباب الحفز على الوفاء بالوعود والعهود تحقيقا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٢)
هذا ومن الجدير بالذكر أن اللجنة بنت ما ذكرته من احتمالات في تطبيق الضوابط وفي الإلحاق بالنظائر على أوسع المذاهب في ذلك، وأقر بها إلى قوة الدليل، فإن سلم ذلك وظهر الحكم فالحمد لله، وإلا فالشرط الجزائي أبعد عن الحكم فيه بالجواز إذا طبقت عليه ضوابط الشروط الصحيحة والفاسدة في المذاهب الفقهية الأخرى كالمذهب الحنفي والشافعي، اللهم إلا أن ينظر إلى ما نقل عن الحنفية من اعتبار ما جرى به التعامل وتعارفه الناس في معاملاتهم وكان غير مناقض لمقتضى العقد، فبهذا يمكن أن يقال: إن الشرط الجزائي يتسع له هذا الضابط، فيعد من الشروط الصحيحة.
هذا ما تيسر ذكره، وبالله التوفيق. . وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. .
стр. 740
ملخص قرار الهيئة
الحمد لله:
بعد مداولة الرأي والمناقشة واستعراض المسائل التي يمكن أن يقاس عليها الشرط الجزائي ومناقشة توجيه قياسه على تلك المسائل والإيراد عليه وتأمل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١) وما روي عنه ﷺ من قوله: «المسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا (٢)»، ولقول عمر ﵁ " مقاطع الحقوق عند الشروط " والاعتماد على القول الصحيح: من أن الأصل في الشروط الصحة وأنه لا يحرم منها ويبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله نصا أو قياسا.
واستعراض ما ذكره أهل العلم من تقسيم الشروط في العقود إلى صحيحة وفاسدة، وتقسيم الصحيحة إلى ثلاثة أنواع:
стр. 741
إحداها: شرط يقتضيه العقد: كاشتراط التقابض وحلول الثمن.
الثاني: شرط من مصلحة العقد: كاشتراط صفة في الثمن كالتأجيل أو الرهن أو الكفيل به أو صفة في الثمن ككون الأمة بكرا.
الثالث: شرط فيه منفعة معلومة وليس من مقتضى العقد ولا من مصلحته ولا منافيا لمقتضاه: كاشتراط البائع سكنى الدار شهرا.
وتقسيم الفاسدة إلى ثلاثة أنواع.
إحداها: اشتراط أحد طرفي العقد على الطرف الثاني عقدا آخر: كبيع أو إجارة أو نحو ذلك.
الثاني: اشتراط ما ينافي مقتضى العقد: كأن يشترط في المبيع ألا خسارة عليه أو ألا يبيع أو يهب ولا يعتق.
الثالث: الشرط الذي يتعلق به العقد: كقوله: بعتك إن جاء فلان.
وبتطبيق الشرط الجزائي عليها وظهور أنه من الشروط التي تعتبر من مصلحة العقد إذ هو حافز لإكمال العقد في وقته المحدود له، والاستئناس بما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن ابن سيرين أن رجلا قال لكريه: أدخل ركابك فإن لم أرحل معك يوم كذا وكذا فلك مائة درهم، فلم يخرج فقال شريح: من شرط على نفسه طائعا غير مكره فهو عليه. وقال أيوب عن ابن سيرين أن رجلا باع طعاما وقال: إن لم آتك الأربعاء فليس بيني وبينك بيع، فلم يجئ فقال شريح للمشتري: أنت أخلفت فقضى عليه.
وفضلا عن ذلك فهو في مقابلة الإخلال بالالتزام حيث إن الإخلال به مظنة الضرر وتفويت المنافع. وفي القول بتصحيح الشرط الجزائي سد لأبواب الفوضى والتلاعب بحقوق عباد الله، وسبب من أسباب الحفز على الوفاء بالعهود والعقود تحقيقا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١)
لذلك كله فإن المجلس يقرر بالإجماع: أن الشرط الجزائي الذي يجري اشتراطه في العقود شرط صحيح معتبر يجب الأخذ به ما لم يكن هناك عذر في الإخلال بالالتزام
стр. 742
الموجب له يعتبر شرعا فيكون العذر مسقطا لوجوبه حتى يزول. وإذا كان الشرط الجزائي كثيرا عرفا بحيث يراد به التهديد المالي ويكون بعيدا عن مقتضى القواعد الشرعية فيجب الرجوع في ذلك إلى العدل والإنصاف على حسب ما فات من منفعة أو لحق من مضرة.
ويرجع تقدير ذلك عند الاختلاف إلى الحاكم الشرعي عن طريق أهل الخبرة والنظر عملا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (٢) وبقوله ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار (٣)» وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. . .
стр. 743
الفهرس
٥٩ الشرط الجزائي.
٦١ المراد بالشرط الجزائي والداعي إليه.
٦٤ ما يندرج تحته الشرط الجزائي من أنواع الشروط التي تشترط في عقود المعاملات أو إجارة أو نحو ذلك مع بيان وجه الاندراج.
٩٧ ضوابط الشروط المقترنة بالعقد.
١٠١ ما يجب لصحة الشرط الذي يلائم العقد.
١٠٤ الشرط الذي يلائم العقد يصح استثناؤه على سبيل الاستحسان عند الحنفية ويصح أصلا في المذاهب الأخرى.
١٠٥ الشرط الذي يجري به التعامل.
١٠٦ الشرط الفاسد.
١٠٧ أولا: المذهب الحنفي.
١٠٧ شرط فاسد يفسد العقد.
١٠٩ الصور المختلفة للشرط الفاسد الذي يفسد العقد.
١١١ الأسباب التي دعت المذهب إلى القول بفساد الشرط والعقد في هذه الصور.
١١٢ العقود التي يكون فيها الشرط الفاسد مفسدا للعقد.
١١٢ شرط فاسد يسقط ويبقى العقد
١١٣ شرط لا منفعة فيه لأحد وهو شرط فاسد فيسقط.
١١٥ تأصيل المذهب الحنفي وتطور الفقه الإسلامي
أ - سبب فساد العقد في المذهب الحنفي.
ب - السبب الحقيقي في فساد العقد إذا اقترن بالشرط.
стр. 744
الفهرس
ج - علتان تنتهيان إلى علة واحدة - تعدد الصفقة.
١١٧ السبب في تحريم تعدد الصفقة - وحدة العقد.
١١٨ تطور الفقه الإسلامي في الشروط المقترنة بالعقد.
تطور الفقه الإسلامي في المذاهب الأربعة.
تطور الفقه الإسلامي في المذهب الحنفي.
١١٩ تطور الفقه الإسلامي في المذهب الشافعي.
١٢١ تطور الفقه الإسلامي في المذهب المالكي.
١٢١ الشرط الصحيح في مذهب مالك.
١٢٢ الشرط الفاسد في مذهب مالك.
١٢٤ تقدير مذهب مالك.
١٢٤ تطور الفقه الإسلامي في المذهب الحنبلي.
١٢٤ المذهب الحنبلي أبعد المذاهب تطورا في تصحيح الشروط.
١٢٥ الشرط الصحيح في مذهب الحنابلة.
١٢٧ الشرط الفاسد في مذهب الحنابلة.
١٢٩ استكمال المذهب الحنبلي بأقوال ابن تيمية.
١٣٠ ابن تيمية: الشرط لا يفسد إلا على سبيل الاستثناء في موضعين.
١٣٢ مقارنة بين المذاهب الأربعة في تصحيح الشروط المقترنة بالعقد.
مقارنة إجمالية.
١٣٣ مقارنة تفصيلية.
١٤٠ ملخص قرار الهيئة.
стр. 745
عبد الحليم محمود
من زوايا الدعوة إلى الله
قال الله تعالى:
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١)
آية: ١٠٤ - آل عمران.
ونبدأ فنقول:
إن كلمة " من " في قوله تعالى: " منكم " إنما هي للتبعيض، أخرجت من لا يستطيعون الدعوة إلى الخير ولا يستطيعون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعجزهم أو جهلهم أو ضعفهم.
وهذا المعنى على هذه الصورة ينسجم انسجاما
الدكتور عبد الحليم محمود
شيخ الجامع الأزهر
стр. 746
تاما مع المعنى إذا قلنا: إن " من " للتبيين أو أنها صلة وتكون بمثابة " من " في قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (١)
إنه سبحانه لم يرد اجتناب بعض الأوثان بل أراد: اجتنبوا الأوثان جميعها.
" والأمة كلها إذن - ما عدا من لا يستطيعون - مأمورة بالدعوة إلى الخير، ومأمورة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك أن الآية الكريمة افتتحت بالأمر:
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ (٢)
وهذه الصيغة صيغة أمر؛ لأن اللام في قوله تعالى: " ولتكن " لام الأمر.
على أن القرآن صريح في إيجاب الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل الأمة، يقول سبحانه:
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٣)
ولقد بدأت هذه الآية الكريمة بالدعوة إلى الخير، والخير في الآية الكريمة: هو الأخلاق الفاضلة.
* * *
والأخلاق في جو الإسلام مرتبطة بالدين ارتباطا لا ينفصل، منه تنبع، وعلى أساسه تقوم، وعنه تصدر، إنها جزء من الدين الإسلامي، لا يتجزأ، مصدرها هو مصدره: إلهي رباني.
وبعض الناس في العصر الحديث يريد أن يجعل للأخلاق مصادر أخرى.
стр. 747
يريد بعضهم أن يجعل أساس الأخلاق الضمير، بيد أن ذلك خطأ بين، فالضمير يربى ويكون، وتربيته وتكوينه هما شكله، ونزعته واتجاهه، الذي يتكيف بحسب الثقافة والبيئة والعصر والوسط.
أين مثلا الضمير عند الأمريكي الأبيض بالنسبة للأمريكي الأسود، وأين ضمائر البيض في جنوب إفريقيا بالنسبة لأهل البلاد الأصليين، وأين ضمير المستعمر أينما كان بالنسبة للمستعمر؟؟
إن الضمير أحيانا يصنع كما تصنع المزيفات، وهو إذن مقياس للأخلاق خاطئ.
وإذا بحثنا في معاجم اللغة العربية عن معنى كلمة " الضمير " فإننا لا نجد من بين معانيها، المعنى الأخلاقي، الذي نفهمه من هذه الكلمة في العصر الحاضر ونستعملها فيه ونطلقها عليه، وهي لم ترد بهذا المعنى في القرآن، أو الحديث، أو في الشعر العربي القديم، إنه معنى محدث، أخذناه عن الغرب في العصور الحديثة.
ويقول صاحب كتاب المشكلة الأخلاقية الأستاذ الفرنسي أندريه كرسون:
" ولما استعرضوا التاريخ والوقائع والمشاهدات، يستنيرون بها في أمر الضمير رأوا: أن الناس في كل العصور وفي جميع الأقطار يستشيرون ضمائرهم.
" ولكنها لا تسمعهم جميعا لحنا واحدا إذ أن ما يظهر عدلا وخيرا لبعض النفوس المخلصة في عصر خاص، لا يظهر عدلا ولا خيرا لنفوس أخرى، هي أيضا مخلصة، ولكنها عاشت في عصر آخر، أو مكان آخر ".
ويقول: " وكانت القوانين الرومانية القديمة، تجعل من المرأة والأطفال ملكا للزوج، كما لو كانوا أمتعة وأنعاما، لهذا كان للأب، من بين الحقوق الأخرى، الحق في أن يعرض ابنته المولودة حديثا، في السوق العام، إذا كانت له بنت أخرى، ولسنا بحاجة إلى أن نذهب بعيدا.
فها هم أولاء أسلافنا، كانوا يرون شرعية تطبيق العقوبة على مجرد ظن الجريمة، وكانوا بلا أدنى قلق يشاهدون الفرد مشنوقا من أجل اختلاس تافه ".
ويقول: " ومن ناحية أخرى: فإنه لا شيء أغرب من مشاهدة بعض الالتزامات التي تقتضيها حياة بعض البدائيين، وليس من المجهول، ما يعد من المحرمات الدينية عندهم: مثل تحريم بعض أنواع اللحوم، أو بعض أنواع الأشربة، أو خروج النساء بدون حجاب.
стр. 748
وأمر الطقوس السائدة في البلاد " الأوقيانوسية " معروف مشهور: فهي تعتبر من الآثام، ما قد يظهر لنا طبيعيا، بل فوق ذلك ما يظهر ضروريا: إنها تحرم تناول الطعام تحت السقف، والمكث في المسكن إذا كان المرء مريضا، واستعمال الأيدي في التغذية، بعد فراغ المرء من حلق شعره، أو بعد فراغه من صنع زورق على أن الدلالة العميقة إنما هي مظاهر اختلاف الضمير في البيئة الواحدة، وفي الجماعة الواحدة، المتحضرة المتمدينة.
وهل الرأسمالي، الذي يدافع عن نظام الميراث، أقل إخلاصا من الشيوعي الذي يهاجمه؟
أم هل الديموقراطي، الذي يقرر ضرورة الانتخاب العام، أقل إخلاصا من الأرستوقراطي الذي يعلن عدم ملاءمة هذا النظام؟
وهل " فيلانت " عندما يبيح أنواعا من الكذب، أقل اقتناعا برأيه من " ألسست " عندما يحرمها؟
إن " شارلوت كردي " عندما قضت على حياة " مارا " كانت ترى - ولا شك - أنها تقوم بعمل أخلاقي عظيم بلا مراء، فهل المواطنون الذين ساقوها إلى المقصلة كانوا أقل إيمانا منها بالقيمة الأخلاقية لعملهم هذا؟ " اهـ
* * *
هذه الأمثلة التي ذكرها الأستاذ " أندريه كرسون ": إنما هي قطرة من بحر، مما يمكن أن يبرهن به، على اختلاف الضمير، بحسب اختلاف الزمن، أو اختلاف الثقافات في البيئة الواحدة، وهناك أمثلة لا تحصى إذا ما قارنا ضمائر العرب في العصر الجاهلي، بضمائرهم في العصر الإسلامي، أو ضمائر الوثنيين في مكة بضمائر المسلمين فيها عند نشأة الإسلام، أو إذا ما قارنا ضمائر المتفرنجين في مصر في العصر الحاضر بضمائر المحافظين فيها.
والنتيجة لكل هذه المقارنات هي: أن اتخاذ الضمير كأساس للأخلاق، أو كمقياس لها إنما هو مجرد حماقة وعبث.
* * *
لقد
نظر فضيلة الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر الأسبق إلى الضمير، وإلى أحكامه نظرة فاحصة دقيقة. وانتهى فيه إلى الحق، فوضعه في موضعه الصادق.
стр. 749
لقد كتب في كتابه تفسير القرآن الكريم ص ٢٢٥ تحت عنوان: " إرضاء الضمير " مقياس غير منضبط، ما يلي:
" وهناك فريق من الناس يرون أن أساس الفضيلة هو تلبية الضمير فيما يعتقدونه خيرا للمجتمع، ويرون أن هذا كاف في سعادة الإنسان، وأن الضمير كفيل بتقدير الخير ومعرفته دون رجوع إلى الله وما يرسم لعباده من شرع وخلق، وأنهم بهذا ليسوا في حاجة إلى الوحي، وأن الوحي إذا كان فإنما يحتاج إليه لإرشاد من ليسوا من أرباب الضمائر الحية المتيقظة، وقد فات هؤلاء أن فهم ما ينفع الهيئة الاجتماعية وما لا ينفعها كثيرا ما تختلف فيه الأنظار والآراء، وقلما نجد في تاريخ هذه النظرية - قديمة وحديثة - اتفاقا على نفع جزئية معينة، أو ضرر الخير والفضيلة، وقد عدل كثير من الفلاسفة عن آرائهم الأولى، واستحدثوا آراء أخرى جديدة، ولهذا تعترك في عصرنا الحاضر المذاهب الاجتماعية من ديمقراطية وفاشية ونازية وشيوعية واشتراكية، بل يتنازع أرباب المذهب الواحد، بل يتناقض الفرد الواحد مع نفسه ورأسه في وقتين مختلفتين، وكل هؤلاء يتحاكمون إلى الضمير، أو يتحاكمون إلى الإدراك البشري في معرفة الفضيلة، وهو تحاكم - كما ترى - إلى أساس غير ثابت ولا منضبط ولا مأمون العاقبة، وهو في الوقت ذاته سير بالنفس وبالعالم في طريق محفوفة بالمخاطر تهدد العالم في أمنه واستقراره، وتشعل فيما بين جوانبه نار الحروب والتدمير، ولا سبيل إلى الاستقرار في هذا العالم وسلامته من أثر الآراء المشتجرة إلا بالرجوع إلى أساس ثابت منضبط صادر عن عليم بطيات النفوس. ونزعات البشرية، يبصرهم ذلك الأساس بالخير والفضيلة التي ارتسمت في لوح الوجود الحق الذي لا يكتنهه إلا خالق الوجود ومدبر الكون على ما يعلم فيه من سنن وشئون، وليس ذلك المبصر إلا وحي العليم الحكيم: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (١) اهـ.
* * *
وبعض الناس يريد أن يرجع بالأخلاق الفاضلة أو الخير الذي دعا الله سبحانه إليه إلى المصلحة العامة، ولكن المصلحة العامة كلمة غير محددة. وكل من يتحدث باسم المصلحة العامة: إنما يتحدث باسم فكرته هو سواء أكانت هذه الفكرة منحرفة أم ليست منحرفة.
والمصلحة العامة إذن كأساس للأخلاق: إنما هي أساس غير مضمون.
وبعض الناس يريد أن يرجع بالأخلاق إلى المصلحة الشخصية أو إلى اللذة أو إلى المنفعة.
стр. 750
وكل هذا وارد الغرب الأوربي، أو الغرب الأمريكي عندما انحرف هذا الغرب وألحد.
стр. 751
أما وارد الشرق الإسلامي، أو بتعبير أدق، وارد الإسلام الإلهي، فإن مقياس الأخلاق فيه: إنما هو المبادئ الدينية، إنما هو آيات القرآن، وإنما هو الفضائل التي أوحاها الله، ، هذه الفضائل التي حددها القرآن في أسلوب عربي مبين، وركزها القرآن والسنة على أسس من الإيمان قوية ثابتة.
ومنها مثلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (١)
ومنها قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٢)
ومن أجمعها الآيات الجميلة حقا التي تختتم بها سورة الفرقان، والتي تبدأ بقوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (٣) ويقول رسول الله ﷺ في شمول وتعميم - كما يروي ابن مردويه بسنده - عن أبي جعفر الباقر قال: «قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ (٤) ثم قال: الخير اتباع القرآن وسنتي».
* * *
بعد أن أمرت الآية الكريمة بالدعوة إلى الخير، أمرت بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعن هذا المبدأ الإسلامي الأصيل يقول صاحب الإحياء: " إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، ولو طوى بساطه وأهمل عمله لتعطلت النبوة، واضمحلت الديانة، وعمت الفترة، وفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد - وهلك العباد،
стр. 752
وإن لم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد، وقد كان الذي خفنا أن يكون وإنا لله وإنا إليه راجعون، إذ قد اندرس من هذا القطب عمله وعلمه، وانمحى بالكلية حقيقته ورسمه، واستولت على القلوب مداهنة الخلق، وانمحت عنها مراقبة الخالق، واسترسل الناس في اتباع الهوى والشهوات استرسال البهائم، وعز على بساط الأرض مؤمن صادق لا تأخذه في الله لومة لائم، فمن سعى في تلافي هذه الفترة، وسد هذه الثلمة، إما متكفلا بعملها، أو متقلدا لتنفيذها، مجددا لهذه السنة الدائرة، ناهضا بأعبائها ومتشمرا في إحيائها، كان مستأثرا من بين الخلق بإحياء سنة أفضى الزمان إلى إماتتها، ومستبدأ بقربة تتضاءل درجات القرب دون ذروتها " اهـ.
* * *
وكما بين الله تعالى المعروف بيانا شاملا في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية الشريفة، فإنه سبحانه بين المنكر بيانا شافيا أيضا، ومن أجمع الآيات في بيان المنكر قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١) ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٢)
وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٣)
وحينما نكون بصدد المعروف أو بصدد المنكر فإنما نعني بذلك بيان الإسلام في المعروف وبيانه في المنكر، وذلك أن الغرب له معروف وله منكر، وقد يختلف معروف الغرب ومنكره عن معروف الإسلام ومنكره، وكثيرا ما يختلفان في الأخلاق وفي الاقتصاد وفي العقيدة، وفي مثل هذا الحال فإنه يجب علينا إيثار الجو الإسلامي إيثارا كاملا، يقول رسول الله ﷺ : «والله لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به (٤)».
ويقول رسول الله ﷺ : «من ابتدع في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٥)».
стр. 753
ويقول سيدنا عبد الله بن مسعود ﵁: " اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم "
* * *
وتتفاوت استعدادات الناس ومراكزهم فيما يتعلق بمسئولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فبعضهم يأمر بيده، أي يغير المنكر ويقف في وجهه بالقوة، وهذه مرتبة الحكام. ومنهم من يقف في وجه المنكر بلسانه، وذلك مرتبة كل عارف، وليست خاصة بطبقة دون طبقة من الناس، وذلك أن معرفة الأمي بأن السرقة حرام كمعرفة العالم بحرمتها، وكذلك الأمر فيما يتعلق بالخمر أو الاختلاس أو الاغتصاب، والمسئولية تترتب على المعرفة، فما دامت هناك معرفة فهناك مسئولية، ولا تختص - إذن - مسئولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر القولية بعلماء الدين فحسب، وإنما هي موزعة على كل من يعلم بالمعروف ويعلم بالمنكر.
ومن الناس من لا يستطيع أن يقف في وجه المنكر إلا بقلبه، وهذه الطبقة - وإن كانت في المرتبة الأولى - طبقة الذين لا يستطيعون الجهاد باليد، ولا الجهاد باللسان، فإنها - في حقيقة الأمر - تعم جميع أفراد الأمة، أي أن المجاهد بيده يجب أن يكون في الوقت نفسه مجاهدا بقلبه، والمجاهد بلسانه يجب في الوقت نفسه أن يكون مجاهدا بقلبه، وينتفي الإيمان - في وضعه السليم الصادق - بانتفاء الجهاد القلبي. والجهاد القلبي معناه عدم الرضا عن فعل المنكر، ومظهر عدم الرضا إنما هو اعتزال فاعل المنكر إذا لم يرعو ولم يأخذ بالنصيحة، فإذا كان تاجرا لا يشتري الإنسان منه، وإن كان مشتريا لا يبيعه، وإذا كان صديقا يقطع صداقته فلا يؤاكله ولا يشاربه ولا يجالسه، وإذا كان مرشحا لأية هيئة نقابية مثلا لا يساعده ولا يعينه، ولا ينتخبه، وذلك أن المجاهر بالمنكر محاد لله ورسوله، وجزاء الذين يحادون الله ورسوله معروف، وقد حرم الله - سبحانه - أن يعقد المؤمن صداقة ومودة بينه وبين الذين يجاهرون بالمنكر، فقال سبحانه: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) سورة المجادلة.
هذا هو الجهاد القلبي: إنه ليس جهادا سلبيا، كلا، وإنما هو في حقيقة الأمر علاج حاسم للمجاهرين
стр. 754
بالمنكر، وذلك أن المجاهر بالمنكر حينما يشعر بنفسه مهينا في المجتمع، وحينما يشعر بأن الناس يعتزلونه كما يعتزلون وباء خبيثا فإنه يعود مضطرا أو مختارا إلى الجادة.
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (١)».
* * *
وصور رسول الله ﷺ المجتمع ووجوب الأخذ على يد المفسد فيه - حتى لا يكون الهلاك - بالصورة الرائعة التالية، التي رواها الإمام البخاري عن النعمان بن بشير عن رسول الله ﷺ قال: «مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا (٢)».
وروى الترمذي عن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم (٣)».
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر (٤)».
ولقد هدد رسول الله ﷺ الأمة الإسلامية إذا تهاونت في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال ﷺ فيما رواه أبو داود عن ابن مسعود ﵁: «إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه
стр. 755
ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال: ثم قال: كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا، ولتقصرنه على الحق قصرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم (٥)».
وقد بين سيدنا أبو بكر، ﵁، وجوب الأخذ على يد الظالم مبينا الأمر في غاية الدقة في موضوع آية اشتبه على كثير من الناس تفسيرها، فعنه ﵁ قال: " يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (٦)
وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول.
«إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه (٧)».
* * *
وبعد فإنه لا بد من:
١ - الدعوة إلى الخير، وذلك واجب الأفراد، وواجب الحكومات على وجه العموم. وجوهر الدعوة إلى الخير إنما هو الدعوة إلى التوحيد، أي الدعوة إلى إسلام الوجه لله وحده، والدعوة إلى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٨) الدعوة إلى: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله (٩)».
والدعوة إلى التوحيد إنما هي دعوة إلى الاستناد
стр. 756
إلى الله تعالى في التشريع، والاستناد إليه تعالى في العقيدة، والاستناد إليه تعالى في الأخلاق.
٢ - الأمر بالمعروف: المعروف الإسلامي كما أتى به الوحي الشريف على لسان محمد ﷺ .
٣ - النهي عن المنكر، الذي نهى الله تعالى عنه.
وإذا فعلنا ذلك سلمنا من عذاب الله تعالى، وتولانا الله سبحانه برعايته وكفالته وحمايته وتوفيقه.
منيع عبد الحليم محمود (١)
النبوة
دراسة من القرآن الكريم
فقط النبي مأخوذ من الإنباء، فيتضمن معنى الإعلام والإخبار، ولكنه في استعماله أخص من مطلق الإخبار، فهو يستعمل في الإخبار بالأمور الغائبة المختصة دون المشاهدة المشتركة، كما في قوله تعالى: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ (٢).
وقال: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (٣).
وجمع النبي أنبياء، وهو من النبأ، وأصله الهمزة، وقد قرئ بها، وهي قراءة نافع. لكن لما كثر استعماله لينت همزته كما فعل مثل ذلك في الذرية وفي البرية.
стр. 759
وقيل: هو من النبوة - بفتح النون وسكون الباء، وهي العلو، فمعنى النبي: المعلى الرفيع المنزلة، والأصح أن هذا المعنى لازم للأول، فمن أنبأه الله وجعله منبئا عنه، فلا يكون إلا رفيع القدر عليا. وأما لفظ العلو والرفعة فلا يدل على خصوص النبوة، إذ يوصف بهذا من ليس نبيا كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١).
* * *
ويقول الإمام ابن تيمية: وقراءة الهمزة قاطعة بأنه مهموز، وما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «أنا نبي الله ولست نبيء الله» فما رأيت له إسنادا، لا سندا ولا مرسلا، ولا رأيته في شيء من كتب الحديث، ولا السير المعروفة، ومثل هذا لا يعتمد عليه.
ثم يبين الإمام ابن تيمية أننا إذا اعتبرنا النبي مهموز الأصل، فإن الهمزة يمكن أن تلين، فذلك جائز، فتصير حرفا معتلا، فيعبر عنه باللفظين فترد إليه القراءتان بخلاف المعتل، فإنه لا يجعل همزة، فيجب القطع بأن النبي مأخوذ من الإنباء لا من النبوة بفتح النون وسكون الباء.
على أنه إذا كان هذا هو التحديد اللفظي واللغوي لمعنى النبوة، فإن أغلب تحديدات معنى النبوة تدور حول هذا ولا تزيد عنه إلا قليلا.
فإن المشهور في عرف الشرع - كما يقول الإمام الألوسي -: (إن النبي من أوحي إليه سواء أمر بالتبليغ أم لا).
أما صاحب شرع المقاصد على المواقف فيقول: (إن النبوة هو كون الإنسان مبعوثا من الحق إلى الخلق) (٢).
أما الإمام محمد عبده، فإنه لا يحدد معنى النبوة بتعريفها بل يحددها بهدفها يقول: (النبوة تحدد ما ينبغي أن يلحظ في جانب واجب الوجود من الصفات، وما يحتاج إليه البشر كافة من ذلك، وتشير إلى خاصتهم بما يمكن لهم أن يفضلوا به غيرهم في مقدمات عرفانهم، لكنها لا تخدم إلا ما فيه الكفاية للعامة (٣).
على أننا إذا نظرنا إلى مجموع هذه التحديدات لمعنى النبوة نجد أنها لا تكفي كفاية تامة لتحديد معنى النبوة، فلم تحدثنا هذه التعريفات، عن علامات الرسل وسماتهم المحدودة، وعن خلقهم قبل الاصطفاء
стр. 760
للنبوة، وبالتأكيد فإن هذه التعريفات لم تخرج عن نطاق التحديد اللفظي للنبوة، ولم يخرج عن هذا النطاق سوى الشيخ محمد عبده، حيث تكلم عن أهدافها دون تحديد تعريف لها.
ولكن كيف يتأتى لنا أن نحدد معنى النبوة؟
* * *
إن التعريف الذي يحدد لنا معنى النبوة هو التعريف القرآني، وهو الذي يخرجنا من هذه الدائرة الضيقة المحدودة للتعريفات السابقة.
وتبدو لنا أولى الآيات التي تحدد لنا المعنى المراد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (١) ويقول تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (٢) ويقول: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ (٣).
تدلنا هذه الآيات على أن الله تعالى يصطفي الأنبياء ويجتبيهم لنفسه ويرسم حياتهم قبل ميلادهم. فيختار لهم النسب الشريف الذي يميزهم عن غيرهم ويصنعهم على عينه، يقول رسول الله ﷺ : «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم: إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل: بني كنانة، واصطفى من بني كنانة: قريشا، واصطفى من قريش: بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم (٤)».
وليس هناك دليل على ما ذكرنا من قبل أكثر من قول الله عن سيدنا عيسى ﵇ قبل أن يولد:
﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (٥) ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٦)، ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ (٧).
стр. 761
ولعل ما يشرح الآيات السابقة بتفصيل أوسع ذلك الحديث الذي ذكره الإمام البخاري عن كيفية استدلال هرقل على صدق رسول الله ﷺ وفيه ركز هرقل تركيزا كبيرا على حياة الرسول ﷺ قبل البعثة؛ عن الإمام البخاري ﵁ قال: حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، قال: أخبرنا شعيب عن الزهري، قال: أخبرني عبد الله بن عتبة بن مسعود: أن عبد الله بن عباس أخبره: أن أبا سفيان بن حرب أخبره: «أن هرقل أرسل إليه في ركب قريش وكانوا تجارا بالشام، في المدة التي كان رسول الله ﷺ ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش فأتوه بإيلياء فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بترجمانه، فقال:
أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟
فقال أبو سفيان فقلت: أنا أقربهم نسبا.
فقال: أدنوه مني وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه:
قل لهم: إني سائل هذا عن هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه، فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذبا لكذبت عنه.
ثم كان أول ما سألني عنه: أن قال: كيف نسبه فيكم؟
قلت: هو فينا ذو نسب.
قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟
قلت: لا.
قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا.
قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟
فقلت: بل ضعفاؤهم.
قال: أيزيدون أم ينقصون؟
قلت: بل يزيدون.
قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟
قلت: لا.
قال: فهل يغدر؟ قلت: لا ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها.
قال: ولم يكن كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة.
قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم.
قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال: ينال منا وننال منه.
قال: ماذا يأمركم؟
стр. 762
قلت: يقول: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف والصلة.
فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها.
وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول؟ فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت: رجل يأتسي بقول قيل قبله.
وسألتك: هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا، قلت: فلو كان في آبائه من ملك لقلت: رجل يطلب ملك أبيه.
وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله.
وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل.
وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم.
وسألتك: أيرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت: أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.
وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت: أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر.
وسألتك: بم يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف. فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه (١)».
* * *
ثم نأتي للجزء الثاني من المنهج القرآني لتحديد النبوة وهو حالة تلقي الوحي، فبعد أن يصطفي الله رسله ويربيهم ويعني بهم العناية الكاملة يفاجئهم بتلقي الوحي.
стр. 763
فبالنسبة للأنبياء السابقين على الإسلام يقول الله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ (١) ﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ (٢) ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى﴾ (٣) ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ (٤) ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ (٥) ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٦) ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ (٧) ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ (٨).
وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ (٩) ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١٠).
ويفاجئ الرسول ﷺ الوحي وهو في غار حراء، وإذا كان الإمام البخاري قد ذكر الحديث الدال على ذلك في صحيحه فإن القرآن الكريم يعبر عنها بقوله:
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١١).
وقال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ (١٢) ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (١٣) ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (١٤).
أما شرح تلك الحالة: فقد ورد في صحيح البخاري بسنده عن السيدة عائشة أم المؤمنين أنها قالت: «أول ما بدئ به رسول الله ﷺ ، من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء.
فجاءه الملك فقال: اقرأ.
стр. 764
قال: ما أنا بقارئ.
قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني،
فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني الثانية حتى بلغ مني الجهد.
فقال: اقرأ.
فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني.
فقال: فرجع بها رسول الله ﷺ ، يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد ﵂، فقال: زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر:
لقد خشيت على نفسي.
فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى - ابن عم خديجة - وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية إلى ما شاء الله أن يكتب وكان شيخا كبيرا قد عمي.
فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك.
فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟
فأخبره ﷺ خبر ما رأى.
فقال له ورقة: هذا الناموس، الذي نزله الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك؟
فقال رسول الله ﷺ : أومخرجي هم؟
قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي (٤)».
هذا هو المنهج القرآني لتعريف النبوة والذي يمثل لنا التعريف الصحيح لها باعتباره النص الذي أتانا من عند الله ، وعن رسول الله ﷺ ، ولنا أن نوجزه فنقول:
стр. 765
(النبوة سفارة بين الله وخلقه يقصد بها إصلاح أمرهم، وهبة من الله يمنحها لمن يصطفيهم من عباده بعد أن يربيهم التربية الصحيحة التي بها يكونون مؤهلين لتلقي الوحي من الله في أي وقت).
стр. 766
الفرق بين النبي والرسول
هل هناك فرق بين النبي والرسول؟
الواقع أن العلماء في إجابتهم على هذا السؤال انقسموا إلى فرقتين:
الفرقة الأولى: قررت هذه الفرقة أنه لا يوجد أي فرق بين النبي والرسول فكلا اللفظين معناهما الإنباء والإخبار، فالنبي هو من ينبئ والرسول يبلغ الرسالة، وعلى ذلك فلا فرق بينهما. والواقع أن أصحاب هذا الرأي استندوا في تفسيرهم للفظين إلى اللغة باعتبار أن النبي اسم فاعل أو اسم مفعول، والرسول اسم مفعول، وبناء على هذا قرروا عدم وجود فرق بين اللفظين.
الفرقة الثانية: وهم جمهور العلماء، فقد قرروا وجود فرق بين لفظي نبي ورسول، واستندوا في ذلك على القرآن والأحاديث الشريفة التي تؤيدهم في هذا الرأي، ومن ذلك: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ (١).
يقول الإمام الألوسي في تفسير الآية: وعطف نبي على رسول يدل على المغايرة بينهما وهو الشائع، ويدل على المغايرة أيضا ما روي أنه ﷺ «سئل عن الأنبياء فقال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، قيل: فكم الرسل منهم؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر جما غفيرا (٢)».
ونضيف نحن قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ (٣)
стр. 767
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ (١)
فإن توارد الصفتين: الرسول والنبي على موصوف واحد في التنكير والتعريف يقتضي تباينا ولو من وجه كما يقتضي تغايرا ولو في المفهوم على ما بيناه في آخر المقام. هذه هي أهم الأدلة على وجود الفرق بين النبي والرسول وبها يرجح رأي الفرقة الثانية.
* * *
стр. 768
الفرق بين النبي والرسول على أشهر الآراء
اختلفت آراء العلماء في تحديد الفرق بين النبي والرسول، بل إن بعضهم اختلفوا هم أنفسهم على قولين، وباستقراء الآراء في تحديد الفرق بين النبي والرسول نجدها كالآتي:
أولا: الرسول هو من له كتاب أو نسخ لبعض أحكام الشريعة السابقة، والنبي قد يخلو من ذلك كيوشع ﵇.
ثانيا: أن الرسول صاحب الوحي بواسطة الملك، والنبي هو المخبر عن الله تعالى بكتاب أو إلهام أو تنبيه في المنام.
ثالثا: الرسول من يأتيه الملك ﵇ بالوحي يقظة، والنبي يقال له ولمن يوحى إليه في المنام لا غير.
وقد عدد الإمام الألوسي بعض الآراء التي تمثل الجو العام للتفرقة بين النبي والرسول نذكر منها:
رابعا: الرسول ذكر حي بعثه الله بشرع جديد يدعو الناس إليه، والنبي يعمه ومن بعثه لتقرير شرع سابق، كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا بين موسى وعيسى ﵉.
خامسا: الرسول ذكر حر بعثه الله تعالى إلى قوم بشرع جديد بالنسبة إليهم وإن لم يكن جديدا في نفسه، كإسماعيل ﵇، إذ بعث لجرهم أولا. والنبي يعمه، من بعث بشرع غير جديد
стр. 769
كذلك.
سادسا: أن المشهور في عرف الشرع أن النبي أعم من الرسول، فإنه من أوحى إليه وأمر بالتبليغ
بدراستنا لهذه الآراء نجد أنها جميعا لا تقدم لنا الفرق الكافي بين لفظي النبي والرسول، بل إن بعضها يتهافت في نفسه عند أول طعن، كالرأي الثالث الذي نقضه الإمام الألوسي، وإذا كان أهم هذه الآراء وأشهرها وهو الرأي السادس، فإننا بدراسته نجد أنه لا يحدد الفرق بين النبي والرسول تحديدا بينا فهو يخلط بينهما، يجعل النبي نبيا إذا لم يؤمر بالتبليغ، ويجعله رسولا إذا أمر بالتبليغ، مما لا يجعلنا نرى هناك فرقا واضحا بينهما، ونشارك في ذلك الرأي الإمام الألوسي بقوله تعقيبا على هذا الرأي:
(ولا يصح إرادة ذلك؛ لأنه إذا قوبل العام بالخاص يراد بالعام ما عدا الخاص، فمتى أريد بالنبي ما عدا الرسول، كان المراد به من لم يؤمر بالتبليغ، وحيث تعلق به الإرسال صار مأمورا بالتبليغ، فيكون رسولا فلم يبق في الآية بعد تعلق الإرسال رسول ونبي مقابل له) (١).
* * *
стр. 770
نهج القرآن في تحديد كل من النبي والرسول
أولا: أنه ليس من الضروري أن يأتي الرسول بشريعة جديدة، وهذا نأخذه من قوله عن يوسف ﵇: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ (١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ (٢) ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٣).
فإن يوسف ﵇ كان يسير على شريعة إبراهيم ﵇، وداود وسليمان ﵉ كانا يسيران على شريعة التوراة، ومع ذلك كانوا من الرسل.
ثانيا: أن الأنبياء يأتيهم وحي من الله فيبلغونه للمؤمنين، مع وجود شريعة يعمل بها،
стр. 771
وهذا يكون كالفهم لها، ولكنه فهم موحى به من قبل الله ، وهؤلاء كأنبياء بني إسرائيل، ونرى ذلك كما في قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ (١).
فهم يطلبون وحيا من الله يخبرهم بملك يقاتلون تحت قيادته.
ثالثا: عند قراءتنا لقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ (٢) نجد أنه إرسال يشمل النبي والرسول، إذن فهناك إشراك في جزء من الرسالة للنبي، ويعلق على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ (٣) وقوله: ﴿مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ (٤) فذكر إرسالا يعم النوعين، وقد خص أحدهما بأنه رسول، فإن هذا هو الرسول المطلق، الذي أمر بتبليغ رسالته إلى من خالف الله كنوح، وقد ثبت في الصحيح أنه أول رسول بعث إلى أهل الأرض، وقد كان قبله أنبياء كشيث وإدريس، وقبلهما آدم كان نبيا مكلما.
قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام، فأولئك الأنبياء يأتيهم وحي من الله بما يفعلونه، ويأمرون به المؤمنين الذين عندهم؛ لكونهم مؤمنين بهم، كما يكون أهل الشريعة الواحدة يقبلون ما يبلغه العلماء عن الرسول. اهـ) (٥).
ومن هنا، وبناء على ما ذكرناه استنادا إلى كتاب الله تعالى، فإننا نرتضي رأي الإمام ابن تيمية فهو الذي يسير مع المنهج القرآني حيث يقول: (النبي هو الذي ينبئه الله، وهو ينبئ بما أنبأه الله به، فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول، أما إذا كان يعمل بالشريعة قبله ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة فهو نبي وليس برسول) (٦).
стр. 772
ونحن نضيف إلى هذا الرأي: أن مهمة النبي تتناول التبليغ عن الله في أمور تتعلق بمصلحة المؤمنين، والفصل في قضاياهم العامة كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ (١).
كما تتناول الإشراف على سياسة الدولة وتولية المناصب من لدن الله ، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢).
وكذلك تتناول التشريع في مسائل جزئية فيها صبغة التشريع المؤقت، كما قال تعالى على لسان ذلك النبي: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ (٣).
أما مهمة الرسول فهي شاملة لكل التشريعات القديمة أو الجديدة، على أن تخصيص الرسول بإنزال كتاب جديد عليه قضية لم يقم عليها دليل، ونحن نؤمن بأن جميع الأنبياء والرسل لا بد أن يكون معهم كتاب يكون دستورا للشريعة التي يحكمون بها.
قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (٤).
стр. 773
الدكتور: منيع عبد الحليم محمود
تاريخ الميلاد: ١٤ يناير ١٩٤٥ بالزيتون - القاهرة - مصر.
العمل: مدرس التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين جامعة الأزهر.
التخصيص: التفسير وعلوم القرآن.
المؤهلات:
- حاصل على الشهادة العالية من كلية أصول الدين جامعة الأزهر وكان ترتيبه الأول على قسم التفسير والحديث.
- حاصل على درجة الماجستير من كلية أصول الدين جامعة الأزهر في التفسير.
- حاصل على درجة الدكتوراه من كلية أصول الدين جامعة الأزهر بمرتبة الشرف الأولى في التفسير، وقررت لجنة المناقشة التوصية بطبع رسالته وتبادلها مع الجامعات الأخرى عام ١٩٧٤.
المؤلفات: قام الدكتور منيع بتأليف وتحقيق العديد من الكتب منها: وكان خلقه القرآن، دراسات في السيرة النبوية، الأخلاق المتبولية، أبو الأنبياء، دراسة من القرآن الكريم، الألوهية النبوة الأخلاق، دراسة من سورة الفرقان.
وله الكثير من البحوث والمقالات منها: الرسول ﷺ في القرآن الكريم، الإمام القاسمي ومنهجه في التفسير، الإمام البغوي ومنهجه في التفسير، الإمام سفيان الثوري ومنهجه في التفسير، الإمام الطبري ومنهجه في التفسير، الإمام ابن كثير ومنهجه في التفسير. هذا غير الأحاديث الإذاعية.
سافر إلى كثير من البلاد منها: المغرب، حيث حضر الدروس الحسنية - وبومباي بالهند، حيث حضر الحلقة الدولية للدراسات العربية الإسلامية - ومكة، حيث حضر مؤتمر رسالة المسجد.
العنوان: جمهورية مصر العربية - القاهرة - الزيتون - شارع العزيز بالله - منزل رقم ٥٤.
стр. 774
من كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري في القضاء
بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس. سلام عليك. أما بعد.
فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك وانفذ إذا تبين لك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، آس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك البينة على من ادعى واليمين من على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا، ولا يمنعك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع على الحق، فإن الحق قديم ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل
стр. 775
علي محمد جريشة
شبهات وشعارات
حول
تطبيق الشريعة
ما يمارى مسلم في وجوب تطبيق شريعة الله. . لكنهم. . . يمارون بالشبهات ويجزئون في التطبيق. . . ويسرفون في الوعود. . .
﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (١)