← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وهذا يكون كالفهم لها، ولكنه فهم موحى به من قبل الله ، وهؤلاء كأنبياء بني إسرائيل، ونرى ذلك كما في قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ (١). فهم يطلبون وحيا من الله يخبرهم بملك يقاتلون تحت قيادته. ثالثا: عند قراءتنا لقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ (٢) نجد أنه إرسال يشمل النبي والرسول، إذن فهناك إشراك في جزء من الرسالة للنبي، ويعلق على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ (٣) وقوله: ﴿مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ (٤) فذكر إرسالا يعم النوعين، وقد خص أحدهما بأنه رسول، فإن هذا هو الرسول المطلق، الذي أمر بتبليغ رسالته إلى من خالف الله كنوح، وقد ثبت في الصحيح أنه أول رسول بعث إلى أهل الأرض، وقد كان قبله أنبياء كشيث وإدريس، وقبلهما آدم كان نبيا مكلما. قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام، فأولئك الأنبياء يأتيهم وحي من الله بما يفعلونه، ويأمرون به المؤمنين الذين عندهم؛ لكونهم مؤمنين بهم، كما يكون أهل الشريعة الواحدة يقبلون ما يبلغه العلماء عن الرسول. اهـ) (٥). ومن هنا، وبناء على ما ذكرناه استنادا إلى كتاب الله تعالى، فإننا نرتضي رأي الإمام ابن تيمية فهو الذي يسير مع المنهج القرآني حيث يقول: (النبي هو الذي ينبئه الله، وهو ينبئ بما أنبأه الله به، فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول، أما إذا كان يعمل بالشريعة قبله ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة فهو نبي وليس برسول) (٦).

стр. 772

ونحن نضيف إلى هذا الرأي: أن مهمة النبي تتناول التبليغ عن الله في أمور تتعلق بمصلحة المؤمنين، والفصل في قضاياهم العامة كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ (١). كما تتناول الإشراف على سياسة الدولة وتولية المناصب من لدن الله ، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢). وكذلك تتناول التشريع في مسائل جزئية فيها صبغة التشريع المؤقت، كما قال تعالى على لسان ذلك النبي: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ (٣). أما مهمة الرسول فهي شاملة لكل التشريعات القديمة أو الجديدة، على أن تخصيص الرسول بإنزال كتاب جديد عليه قضية لم يقم عليها دليل، ونحن نؤمن بأن جميع الأنبياء والرسل لا بد أن يكون معهم كتاب يكون دستورا للشريعة التي يحكمون بها. قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (٤).

стр. 773

الدكتور: منيع عبد الحليم محمود تاريخ الميلاد: ١٤ يناير ١٩٤٥ بالزيتون - القاهرة - مصر. العمل: مدرس التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين جامعة الأزهر. التخصيص: التفسير وعلوم القرآن. المؤهلات: - حاصل على الشهادة العالية من كلية أصول الدين جامعة الأزهر وكان ترتيبه الأول على قسم التفسير والحديث. - حاصل على درجة الماجستير من كلية أصول الدين جامعة الأزهر في التفسير. - حاصل على درجة الدكتوراه من كلية أصول الدين جامعة الأزهر بمرتبة الشرف الأولى في التفسير، وقررت لجنة المناقشة التوصية بطبع رسالته وتبادلها مع الجامعات الأخرى عام ١٩٧٤. المؤلفات: قام الدكتور منيع بتأليف وتحقيق العديد من الكتب منها: وكان خلقه القرآن، دراسات في السيرة النبوية، الأخلاق المتبولية، أبو الأنبياء، دراسة من القرآن الكريم، الألوهية النبوة الأخلاق، دراسة من سورة الفرقان. وله الكثير من البحوث والمقالات منها: الرسول ﷺ في القرآن الكريم، الإمام القاسمي ومنهجه في التفسير، الإمام البغوي ومنهجه في التفسير، الإمام سفيان الثوري ومنهجه في التفسير، الإمام الطبري ومنهجه في التفسير، الإمام ابن كثير ومنهجه في التفسير. هذا غير الأحاديث الإذاعية. سافر إلى كثير من البلاد منها: المغرب، حيث حضر الدروس الحسنية - وبومباي بالهند، حيث حضر الحلقة الدولية للدراسات العربية الإسلامية - ومكة، حيث حضر مؤتمر رسالة المسجد. العنوان: جمهورية مصر العربية - القاهرة - الزيتون - شارع العزيز بالله - منزل رقم ٥٤.

стр. 774

من كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري في القضاء بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس. سلام عليك. أما بعد. فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك وانفذ إذا تبين لك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، آس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك البينة على من ادعى واليمين من على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا، ولا يمنعك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع على الحق، فإن الحق قديم ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل

стр. 775

علي محمد جريشة شبهات وشعارات حول تطبيق الشريعة ما يمارى مسلم في وجوب تطبيق شريعة الله. . لكنهم. . . يمارون بالشبهات ويجزئون في التطبيق. . . ويسرفون في الوعود. . . ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (١)

стр. 776

شبهات فأما الشبهة الأولى: فقول البعض ببعد الشريعة الإسلامية فعمر الشريعة الإسلامية يقترب من أربعة عشر قرنا. . . لكن ذلك ليس بالنقد " الموضوعي "؛ لأن المعدن الأصيل لا يفقد ميزاته بالقدم. . . بل إن القدم مع الأصالة تشكلان أسباب نفاسته. وشريعة الله - مع قدمها - لها هذه الأصالة. . . فلها من الثبات ما عجزت عنه أية شريعة أخرى. . . وثباتها راجع إلى ثبات مصدريها " القرآن والسنة " وهو أمر قدري قد تقرر لهما بقول الله سبحانه ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ (١) وبمثل قوله ﷺ : «من كذب علي عامدا متعمدا فليتبوأ مقعده من النار (٢)». * * * كما أن هذا الثبات راجع إلى ما حوته الشريعة من نصوص قطعية، ومن قواعد كلية صالحة لكل زمان ومكان. هذا الثبات عجزت عنه دساتير العالم وقوانينه، إذ راحت تنشده ولم تبلغه. . واكتفت في هذا السبيل

стр. 777

باشتراط أغلبيات خاصة لإمكان تعديل الدستور. . لكن ذلك لم يحقق لها الثبات إذا أمكن الحصول على هذه الأغلبيات. . كما أنه في كل الأحوال لا قيمة لمثل هذه النصوص في مواجهة الثورات والانقلابات. . !! بيد أن ثبات شريعة الله لم يمنع من مرونتها. . فقد تركت دائرة واسعة لاجتهاد من يملكون أداة الاجتهاد وأهليته، وذلك في صدد النصوص الظنية (التي تحتمل أكثر من تأويل) أو في صدد ما سكت عنه الشارع الحكيم رحمة بنا غير نسيان. وبذا كان الأصل في شريعة الله هو الثبات. . لكنها مع ثباتها تحمل المرونة التي تمكنها من مواجهة كل حادثة تجد، وتبطل بالتالي حجج الذين يستوردون الأحكام أو النظم أو القوانين بمقولة أن الشريعة سكتت عن هذا الجانب أو عن ذاك. ولها - مع ثباتها - صفة " العدل " المطلق الذي لم ولن تصل إليه شريعة أخرى. وهو عدل لا يميل مع الميل أو الهوى، ولو تعلق الأمر بالنفس أو بمن هو أقرب ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (١) كما أنه عدل لا يحيف مع العداوة أو البغض. ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ (٢) وفي التطبيق: رفض رسول الله ﷺ أن يقبل شفاعة أحب الناس إليه في مخزومية سرقت فقال: «إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد (٣)». وعلى الجانب الآخر نزل القرآن يبرئ يهوديا من تهمة ألصقت به بغير حق، رغم أن اليهود يومئذ أعدى أعداء الدعوة والدولة معا. . لكن هذا البغض لم يحف بالعدل الإسلامي عن طريقه المستقيم. وكانت نهاية الآيات لرسول الله ﷺ : ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ (٤) والعدل الإسلامي لا يعرف الظلم، ولا يحبه ولا يسكت عليه: إن الله لا يحب الظالمين. «إن الله قد حرم الظلم على نفسه فلا تظالموا (٥)»

стр. 778

«الظلم ظلمات يوم القيامة (١)». «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده (٢)». وهي قبل ذلك وبعد ذلك شريعة ربانية: و" ربانيتها " تجعل القلوب لها خير حارس وأقوى حارس، لا يغني عنها كثير من الحراس، وتغني هي عن كثير من الحراس. انظروا كيف حركت " الربانية " مشاعر امرأة وإحساسها. . فراحت من تلقاء نفسها تعترف بذنب عقوبته " الإعدام ". راحت الغامدية تعترف لرسول الله ﷺ بمقارفتها لجريمة الزنا، ويردها رسول الله ﷺ مرة. . ومرة. . فتعود بعد ذلك من تلقاء نفسها كذلك - بغير حاجة إلى شرطة ولا مباحث ولا مخابرات - تعود لتقول: «طهرني يا رسول الله "، فيقيم عليها الحد، ويقول ﷺ في حقها: لقد تابت توبة لو وزعت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم (٣)». ويفعل مثلها " ماعز " ويراجعه رسول الله ﷺ أربع مرات فيصر على اعترافه! أين هذا من جرائم اليوم؟! يحتاج أصحابها إلى أكثر من جهاز يتتبعهم ثم لا يلبث أن ينتزع منهم الاعتراف انتزاعا!! وفي مجال آخر تحرك " الربانية " ضمائر الناس. فيعطون الزكاة عن طيب خاطر، لا يتهربون ولا يخفون ولا يستخفون، حتى تستطيع حصيلة الضرائب في يوم ما أن تغطي حاجة الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب وتفيض بعد ذلك، فتفعل الدولة ما لم تفعله أغنى دول العالم ولا أرقاها، تسدد عن الناس ديونهم. واليوم تفرض الدولة " الضرائب " وترسل وراءها الجباة والمراقبين للتهرب، وما تستطيع أن تحصل " الحصيلة " الحقيقية للضريبة المفروضة. ومثل أخير: حرمت الخمر في أمريكا بتشريع. . فما أطاعه أحد، بل بذلت الدولة لتنفيذه من وسائل الترغيب والترهيب ما بلغ في الأولى تقرير الجوائز وما بلغ في الثانية حد الإعدام. . وما استطاعت - رغم ذلك - أن تفرض احترام " قانونها " واضطرت للعدول عنه بعد ذلك. وفي دولة الإسلام نزل التشريع الرباني بتحريم الخمر. . منتهيا بقول الله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٤)

стр. 779

فقالوا جميعا: انتهينا. . انتهينا، وقاموا إلى براميل الخمر وأوانيه يهرقونها فوق الرمال. .! هذه الأصالة " لشريعة الله " جعلها - رغم البعد - أقرب إلى حبل الوريد، وجعلت استسماك أتباعها بها أشد من استمساكهم بحياتهم. لكنها تعرضت بعد البعد للإبعاد. ولم يكن إبعاد شريعة الله عن رغبة أهلها، إنما تم في ظروف تنم عن أن الإبعاد كان تخطيطا وعملا لأعداء الله الذين أدركوا أن أول ما ينبغي نقضه " عروة الحكم " وأدركوا أن ذلك أيسر على يد من بالداخل عن أن يفرض من الخارج. ولا يزال المثل الحي لذلك: إلغاء الخلافة الإسلامية في تركيا؛ اتجاها إلى العلمانية الآثمة الرافضة لحكم شريعة الله، ولقد سبق إلغاء الخلافة الإسلامية في تركيا حدثان هامان: أولهما: إصدار انجلترا لوعد بلفور بإعطاء فلسطين لليهود. وثانيهما: طلب زعيم الماسونية في " سالونيك " إلى الخليفة عبد الحميد إعطاء اليهود أرض فلسطين مقابل " جعل " تقدم به إلى الخليفة، فلما رفض الخليفة المسلم قال له: " ستعلم كم يكلفك هذا الرفض. . ". وفي مصر كان إصدار القوانين الأهلية المستمدة من القوانين الأجنبية بعد سنة واحدة من الاحتلال البريطاني أي في سنة ١٨٨٣، وحين أرادت مصر إلغاء الامتيازات الأجنبية وانعقد لذلك مؤتمر جنيف سنة ١٩٣٧م كان شرط المؤتمرين لتوقيع معاهدة " مونتريه " أن تستمد مصر تشريعها من التشريع الغربي. وكما لم تتأثر شريعة الله " بالبعد " فهي كذلك لم تتأثر " بالإبعاد ". ولا تزال صحوة مصر الإسلامية في ١٩٧١ م عند وضع الدستور، وإجماع الأمة كلها على الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله. لا يزال ذلك كله أقوى دليل على أن هذه الأمة لن تتخلى عن شريعتها، ولن يؤثر فيها " بعد " ولا " إبعاد ". هذا عن الشبهة الأولى. * * *

стр. 780

وأما الشبهة الثانية: فقولهم بوجود أقليات غير إسلامية وما نعلم أن وجود الأقليات الإسلامية في بعض البلاد المسيحية منع تلك البلاد أن تفرض ما تشاء من قوانين ولو تعارضت مع الشريعة الإسلامية، بل ولو تعارضت مع العقيدة الإسلامية. بل وما نعلم أن الأقليات الإسلامية تنعم بجزء مما تنعم به في بلانا الأقليات غير الإسلامية. وإلا فليقولوا لنا؛ لم تتعرض الأقلية الإسلامية في الفلبين لما تتعرض له من اضطهاد وعسف. بل وإبادة!!؟ ولم تتعرض الأقلية الإسلامية في الحبشة وفي لبنان - وهي في حقيقتها أغلبية - لم تتعرض لما تتعرض له؟! ولا نذهب إلى الماضي لننكأ جروح الأندلس وهي غائرة في الصدور وفي القلوب. ولا نذهب إلى الدول مثل روسيا والصين لنسأل عن حقوق المسلمين فيها، وبرغم ذلك كله نقول: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ (١) لن نأخذ " الأقليات غير الإسلامية " بما تفعله الدولة غير الإسلامية بأقلياتنا؛ لأن الله علمنا ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢) وعلمنا ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (٣) وعلمنا مع ذلك كله: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٤) وعلمنا رسول الله ﷺ معها: «من آذى ذميا فأنا خصمه يوم القيامة». من هنا نترك لهم عقيدتهم، فلا إكراه في الدين. ونترك لهم معها عباداتهم، ونترك لهم كذلك أحوالهم الشخصية " من زواج وطلاق. . ". أما القانون العام " فإنه يسرى عليهم كما يسري على المسلمين، وهو بالنسبة لهم بعد تشريع الدولة. وفي كل العالم تصدر التشريعات بالأغلبية فكيف ينكر على بلد إسلامي أن يتحاكم أهله إلى قانون إسلامي؟!

стр. 781

وأما الشبهة الأخيرة: فقولهم بقسوة الحدود وقولهم هذا كقول من شاهد قاتلا يدفع ضحيته بعنف فراح يلوم الضحية على هذا العنف وترك القاتل بغير مساءلة ولا عتاب!!!. نعم. . ينظرون إلى الحدود ولا ينظرون إلى الجرائم. ينظرون إلى المجرمين نظرة العطف ولا ينظرون إلى الضحايا نفس النظرة. والمجرم في الحد قد يكون واحدا، أما الضحية فهو أكثر من واحد. إنه " العفة " و "الفضيلة " و " الشرف " و " الأخلاق " و " الحياة ". إنه المجتمع كله ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (١) إن المجرم بمقارفته للحد يتحدى المجتمع كله فكيف يصبر عليه؟ وكيف يعفو عنه؟ ! إن الفقه الحديث لم يستطع أن يتسامح في جريمة " الخيانة العظمى " ولا أن يتهاون فيها، وأعطاها أقسى ما عنده من عقاب. فكيف ينكر علينا " الحدود " وجرائمها عندنا خيانة عظمى، انتهاك " للنظام العام " للدولة؟! والذين ينكرون علينا قطع يد السارق - وهي لا تقطع مع شبهة، كما أن لها ضوابط وأركانا - لم ينكروا على بعض الدول الاشتراكية إعدام السارق. حرموا يده وأحلوا رقبته!! وهكذا يغدو منطقهم متهافتا متهاترا. هذه بعض الشبهات، أو أهم الشبهات. يماري بها من كان في عقله جهل أو كان في قلبه مرض.

стр. 782

ننتقل بعد ذلك إلى ما تتابعت فيه بعض الدول الإسلامية أو توشك أن تتابع فيه، وهو قبول تجزئه الشريعة؛ لتحكم جانبا ويحكم القانون الوضعي جانبا آخر، وهو أخطر ما وقعت فيه - أو تقع فيه - بعض البلاد الإسلامية. أما خطورة الأمر: فلأنه يتم أو يمكن أن يتم خفية دون أن يشعر الناس فتنقض عرى الإسلام عروة عروة، والناس معتقدون أنهم بخير وأن دينهم بخير؛ لأنهم يسمعون الأذان ويؤدون الصلاة! تماما كما ينقب بيت ويسرق منه في كل ليلة شيئا، وصاحبه مطمئن نائم؛ لأن بيته لم ينقض عليه. من هنا كان تعطيل جزء من شريعة الله، واستبدال جزء به كان هذا أخطر على المسلمين من تعطيلها كلها؛ لأن تعطيلها دفعة واحدة ينبه المسلمين للخطر فيفيق النوم الغافلون، أما تعطيلها جزءا جزءا فإن النوم والغافلين لا ينتبهون. وعرى الإسلام تنقض عروة عروة، أولها الحكم وآخرها الصلاة. ولقد كان ذلك مسلك أعداء الإسلام دائما؛ فالتتار حين احتلوا أرض المسلمين لم يرغموهم على ترك شريعة الله كلها، وإنما عرضوا عليهم أن يأخذوا من الشريعة الإسلامية ومن شريعتهم ومن شرائع أخرى، وقدموا لهم الياسق، فطعن علماء المسلمين في ذلك، ورفضوه بالإجماع، وأفتوا بكفر من قبله أو تحاكم إليه (١). وهو ما حدث في تركيا قبل إلغاء الخلافة الإسلامية. فقد بدأ الأمر في سنة ١٨٤٠ بإصدار قانون عقوبات مأخوذ عن القوانين الأجنبية. وفي سنة ١٨٥٠ بإصدار قانون التجارة مأخوذ كذلك عن القوانين الأجنبية. وفي سنة ١٨٦٠ بإنشاء المحاكم النظامية إلى جوار المحاكم الشرعية. وأخيرا كان إلغاء الخلافة كلها في سنة ١٩٢٣م. وهو ما حدث في مصر كذلك - على نحو ما أشرت إليه. ولقد نبه الله سبحانه إلى هذا الخطر فقال مخاطبا نبيه ومن بعده كل ولي أمر، وكل مسلم: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ (٢)

стр. 783

﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (١) ففي هذه الآيات عبر عن تجزئه أحكام الله بأنها فتنة. وأي فتنة تلك التي يقع فيها المسلم حين يحار في نظام يفرض في بلد ترتفع فيه المآذن وتقام فيه الصلوات. ثم تعطل الحدود، أو تمنع فيه الزكاة، أو يسمح فيه بالربا تحت اسم الفائدة أو تحت أي اسم آخر؟ * * * وبعد أن عبر عن تجزئه أحكام الله بأنها فتنة، ووضع لنا الميزان الحق الذي لا تزيغ معه القيم ولا تختل المفاهيم، فجعل حكم الله كاملا في كفة وجعل ما دون ذلك حكم الجاهلية، سواء عطلت الشريعة كلها أو بعضها؛ لأن الجاهلية تتحقق بالمعصية والانحراف الصغير كما تتحقق بالكفر والانحراف الكبير. وفي مكان آخر عبر الله سبحانه عن هذه الفتنة الجاهلية بالكفر فقال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ (٢) وكما يتحقق الكفر بجحود كل القرآن يتحقق بجحود بعضه، وكما يتحقق الكفر برفض كل القرآن يتحقق كذلك برفض بعضه. وأخيرا عبر عنها القرآن بأنها محاربة لله ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٣) ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٤) حرب من الله ورسوله إذا عطلنا حكما واحدا، إذا أبحنا الربا، وكم من بلادنا الإسلامية تبيح الربا تحت اسم الفائدة في البنوك. أو تحت اسم المعاملات التجارية بين الأفراد، وكأننا نخدع الله بتغيير اسم الربا

стр. 784

إلى اسم آخر ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (١) وكم من بلادنا تبيح - مع الربا - الخمر والزنا ! وكم منها تستبيح مكارم الأخلاق فتهزأ بها وسائل إعلامها وتسخر: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٢) ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (٣) والذين يقولون: إننا نستكمل ما جاء في الشريعة بأنظمة لم تأت بها الشريعة مثل بعض المعاملات التجارية أو بعض الأمور الاقتصادية أو بعض النظم السياسية. هؤلاء حكموا من حيث يشعرون أو لا يشعرون. . حكموا على دين الله بالنقص، والله أنزل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٤) ومن حيث لا يشعرون أو يشعرون حكموا على الله سبحانه بالنقص؛ لأن الشيء الذي يصدر صورة لصاحبه، أو كما يقول المثل القديم: كل إناء ينضح بما فيه. فإذا اعترفنا لله سبحانه بالكمال فلا بد أن نعترف به للدين الذي أنزله خاتم الأديان. واعترافنا بكمال الدين اعتراف بكمال الله سبحانه، والقول بنقص الدين بشكل أو بآخر إسناد للنقص إلى الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وهم من حيث لا يشعرون يحكمون على أنفسهم بالجهل أو العجز أو بالخيانة؛ بالجهل إذ لا يعلمون حكم الله فيما يستوردون، أو بالعجز إذ يعلمون لكنهم لا يستطيعون الاجتهاد، أو بالخيانة إذ يعلمون ويستطيعون ولا يفعلون! بعد ذلك هل أنا بحاجة إلى أن أبين جوانب دين الله وشريعته؟ هل أنا بحاجة إلى أن أبين أن أساسها العقيدة تنشر بين الناس تعليما وإعلاما. . ويدافع عنها كذلك تعليما وإعلاما. . وبسيف السلطان لمن حاد أو زاغ، ولا يرجع أو يئوب؟ هل أنا بحاجة إلى أن أبين أن الأخلاق تقف مع العقيدة ليربى عليها الفرد وتربى عليها الأسرة؟!

стр. 785

ويربى عليها المجتمع، ويدافع عنها كذلك تعليما وإعلاما وبسيف السلطان كذلك لمن حاد أو زاغ ولا يراجع أو يئوب. .؟ ! ثم هل أنا بحاجة إلى أن أبين منزلة الشعائر والعبادات في بناء الإسلام، وإلى أن أبين أن المقصود ليس مجرد شكلها وإلا لغدت جسدا بغير روح، وشكلا بغير مضمون؟! فأي قيمة لها؟! وإلى أن أبين أن تعظيمها وتوقيرها وإعطاء القدوة من الحاكم للمحكومين. . كل ذلك واجب. . وأجب. . وأجب. . وأخيرا. . هل أن بحاجة إلى أن أبين أن أحكام المعاملات هي الجزء الأخير من شريعة الله، التي تأتي بعد العقيدة، والأخلاق، والعبادات؟! وأن واجب الدولة ليس قاصرا على إصدار القوانين والأحكام، لكنه قبل ذلك واجب توجيهي تربوي تعليمي نخلف فيه رسول الله ﷺ ؟! وهل لي أن أعيد قولا بدأته: أن شريعة الله بناء متكامل يشد بعضه بعضا. . وأنه لا يقبل التجزئة، وأن ذلك فتنة وجاهلية وكفر وحرب لله ورسوله. . وبعد. . فإنه ليس بالحدود وحدها تقام شريعة الله. . إنها بناء متكامل يشد بعضه بعضا، الحدود بعض لبنائه، لكنها لا تقوم إلا بغيرها من اللبنات. . إلا بالعقيدة، والأخلاق، والشعائر، ومنها شعائر أحكام المعاملات. . وهي تشمل ما يسميه رجال العصر: فروع القانون العام والخاص على السواء. وأن بيتنا المتكامل ليس بحاجة إلى أن يدخله غريب يرممه أو يكمله. إنه يلفظ كل غريب أو مستغرب، ويرحب بكل قريب. والإسلام رحم بين أهله!! * * * وقد نهى رسول الله ﷺ عن أن يكون الواحد منا " إمعة " إذا أحسن الناس أحسن وإن أساءوا أساء، ونعى القرآن على قوم ينعقون بما لا يسمعون إلا دعاء ونداء فقال تعالى:

стр. 786

﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (١) إن الثقافة تتجه يوما بعد يوم إلى العلمانية، والجيل الجديد يولع يوما بعد يوم بكل ما هو أجنبي. العقيدة خليط بين الكفر والإيمان، والخرافة والتقليد!! وهو ما عبر عنه ابن خلدون بولع المغلوب بتقليد الغالب. إنه ليس بالحدود وحدها تقام شريعة الله. إنها بناء متكامل يشد بعضه بعضا، لا يقبل التجزئة ولا التفرقة، وإقامة الحدود دون أداء الزكاة تجزئة، وإقامة الحدود مع بقاء الربا تجزئة، وإقامة الحدود قبل أن تقام العقيدة والأخلاق وكذا الشعائر. . إقامتها تربية وتعليما ونشرا وإعلاما ودفع كل ما يمسها أو ينال منها كذلك تجزئة. ليس بالحدود وحدها تقام الشريعة، إنما الحدود جزء منها واجب ولازم، لكنه لا يقوم وحده، كما لا يقوم جزء من طابق من غير ما تحته من طوابق أو أساس. أقيموها كاملة كما أنزلها الله كاملة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢) * * *

стр. 787

الدكتور: علي محمد جريشة البلد: صفط زريق - مركز ديرب نجم - شرقية - مصر. المؤهلات: دكتوراه في الشريعة والقانون. المؤلفات: (١) في الزنزانة. (٢) الإيمان الحق. (٣) الشريعة الإسلامية العليا " تحت الطبع " إن شاء الله. (٤) عندما يحكم المجرمون " تحت الطبع " إن شاء الله. (٥) ليس بالحدود وحدها " تحت الطبع " إن شاء الله. (٦) مبادئ في الفقه السياسي الإسلامي " تحت الطبع " إن شاء الله. (٧) بحث في موسوعة الفقه الإسلامي " آل ". (٨) مقالات حول الشريعة بجريدة الأهرام القاهرية. الأعمال التي مارسها: وكيل النائب العام المصري. نائب بمجلس الدولة المصري. مستشار بمجلس الدولة المصري. أستاذ بجامعة الرياض - المملكة العربية السعودية. الأعمال الإضافية: الاشتراك في موسوعة الفقه الإسلامي - الكويت. مدير تحقيقات. رئيس لجنة بوزارة التموين ومستشار نائب رئيس الوزراء المصري. رئيس اللجنة الأولى للقسمة القضائية بوزارة الأوقاف المصرية.

стр. 788

عن معاذ، قال: «أوصاني رسول الله ﷺ بعشر كلمات. قال: لا تشرك بالله شيئا وإن قتلت وحرقت، ولا تعقن والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك، ولا تتركن صلاة مكتوبة متعمدا، فإن من ترك صلاة مكتوبة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله، ولا تشربن خمرا فإنه رأس كل فاحشة، وإياك والمعصية فإن بالمعصية حل سخط الله، وإياك والفرار من الزحف وإن هلك الناس، وإذا أصاب الناس موت وأنت فيهم فاثبت، وأنفق على عيالك من طولك ولا ترفع عنهم عصاك أدبا، وأخفهم في الله (١)»

стр. 789

محمد أبو الفتح البيانوني تحول العبادات إلى عادات وأثره في حياة المسلمين الحمد لله رب العالمين، القائل في كتابه المبين: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) والصلاة والسلام على سيدنا محمد القائل: «أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا (٢)» ورضي الله عن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. . . أما بعد: فالفرق كبير شاسع بين أن يعتاد المرء العبادة فتصبح جزءا من حياته وسلوكه، وبين أن تغلب عليها العادة فتفقدها صفة العبادة، وتعرضها للتغير والزوال تبعا لتغير تلك العادة. وقد غلبت العادات على كثير من الأعمال الشرعية في المجتمعات الإسلامية اليوم فأخرجتها عن وصف العبادة حتى زهد الشاب فيها وتحولوا عنها، بعد أن كانت عبادات خالصة تؤدي وظيفتها في حياة الناس. ويرى المتتبع لهذه الظاهرة في حياة الناس: أن هذا التحول الخطير الذي عم الكبار والصغار، والرجال

стр. 790

والنساء، والأفراد والجماعات، قد شمل أيضا على مختلف أشكالها، وتفاوت درجاتها، فلم يقتصر على بعض الفضائل والمندوبات، ولا على بعض المظاهر والشعائر، بل تعداها إلى كثير من الواجبات الأساسية، والأركان الإسلامية. والذي يعجب له المرء كل العجب أن تتحول أركان الإسلام الخمسة عند كثير من المسلمين اليوم من عبادات وأركان، إلى عادات ومظاهر. . . ولهذا أحببت أن أعرض في بحثي هذا نماذج من هذه التحولات، محللا أسبابها، ومشيرا إلى مكامن الخطر فيها، مؤيدا ذلك بصور عملية من واقع حياة المسلمين. . . عسى أن نتنبه إلى هذا الخطر الذي يهدد إسلامنا وإسلام أجيال بعدنا، ونحن عنه غافلون، مطمئنين لشيوع المظاهر والشعائر في حياتنا الخاصة والعامة، فنندفع إلى دراسة هذه الظاهرة ومعالجتها. وسيشمل بحثي النقاط التالية: أ - مفهوم العبادة في الإسلام. ب - تحول هذا المفهوم تدريجيا. ج - أمثلة على هذا التحول. د - سبب هذا التحول. هـ - خطره على الحياة الإسلامية. وأساليب علاجه. أسأله سبحانه أن يلهمنا الصواب، وأن يبصرنا بمواطن الضعف في نفوسنا، والله ولي التوفيق. . . * * *

стр. 791

مفهوم العبادة في الإسلام مفهوم العبادة في الإسلام مفهوم واسع شامل، ذكرها الله في معرض بيان وظيفة الإنسان في هذه الحياة، فحصر فيها حياته، وجعلها الغاية من خلقه، فقال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١).

стр. 792

ولهذا كانت حياة المسلم كلها - كما أرادها الله - عبادة خالصة له سبحانه في جميع جوانبها الخاصة والعامة، والاعتقادية والعملية. . . فالمسلم عبد الله في كل تحرك وسكون ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١). ومن هنا عرف الإمام ابن تيمية ﵀ العبادة بأنها: " اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، كالصلاة والزكاة، والصيام والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة. وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضى بقضائه والتوكل عليه، والرجاء لرحمته والخوف من عذابه وأمثال ذلك من العبادة لله. وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة له، والمرضية له التي خلق الخلق لها كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢) (٣). وفي تأكيد هذا الشمول لمعنى العبادة يقول الأستاذ سيد قطب ﵀: " ليس في التصور الإسلامي نشاط إنساني لا ينطبق عليه معنى العبادة، أو لا يطلب فيه تحقيق هذا الوصف، والمنهج الإسلامي كله غايته تحقيق معنى العبادة أولا وأخيرا. . . " (٤). وإذا ما عرف العلماء العبادة بالخضوع الشامل، والطاعة الكاملة، فلا بد لنا من أن نلاحظ في تعريف العبادة بالنسبة للإنسان قيدا خاصا يميز خضوعه عن خضوع غيره من المخلوقات، فالكون كله بأملاكه وأفلاكه، وجماداته وحيواناته خاضع لله لا يخرج عن طاعته قيد شعرة، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (٥). ولهذا كان لا بد لنا من قيد مميز لعبادة الإنسان عن عبادة غيره من المخلوقات، قيد ينسجم مع ما وهبه الله إياه من نعمة العقل، ألا وهو قيد " الإرادة ". فعبادة الإنسان لله هي: خضوعه الإرادي الشامل وطاعته الإرادية المطلقة له سبحانه، أما الخضوع القسري فلا مزية فيه لمخلوق على مخلوق. . .

стр. 793

ومن هنا نلاحظ أن القرآن الكريم استعمل لفظة العبادة بالنسبة للإنسان استعمالا يشعر بهذا القيد الإرادي فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (١) وقال أيضا: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٢) والاستكبار عن العبادة أمر إرادي لا يكون إلا من الإنس والجن. أما غيرهم من الملائكة مثلا فلا يعرفون الاستكبار؛ لأنهم مفطورون على الطاعة والخضوع. قال تعالى في وصف الملائكة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ (٣) ولهذا كان مفهوم العبادة في الإسلام يشتمل على عنصرين: ١ - الخضوع الشامل لله . ٢ - كون هذا الخضوع إراديا مقصودا. ولما كان الخضوع الإرادي لله عنوان العبادة الحقيقية من هذا الإنسان، كان كافيا أن يرافق هذا الخضوع أي تصرف من تصرفات الإنسان الاختيارية أو الاضطرارية ليصبح هذا التصرف عبادة لله ؛ لأنه ابتغى به وجهه، وجاء على وفق رضائه، ومن هنا كان بإمكان المسلم أن يجعل حياته كلها عبادة حتى عاداته وغرائزه من طعام وشراب ولباس وسكن ومتعة في هذه الحياة. . . فهو يماثل غيره في صور هذه التصرفات، ويتميز عن غيره في حقيقتها واعتبارها. . . ففي الحديث الشريف: «(وفي بضع أحدكم صدقة) قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: (أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر) (٤)». كما يكفي أن يفارق هذا الخضوع الإرادي أي تصرف من تصرفات الإنسان ليفقد هذا التصرف وصف العبادة حتى ولو كان هذا التصرف صلاة وصياما، أو زكاة وحجا أو غير ذلك من شعائر العبادات، «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى (٥)» ... كأن يقوم بمثل هذه العبادات ولا يقصد منها العبادة أو أن تكون من فاقد العقل مثلا. * * *

стр. 794

تحول مفهوم العبادة عرف المسلمون الأولون حقيقة معنى العبادة، فكانوا عبادا لله حقا، وكان وصف العبودية جليا في حياتهم وجميع أعمالهم، بل كانت عاداتهم عبادات. . . إذ كانوا لا يتحركون تحركا ولا يسكنون سكونا إلا ويستشعرون رضا الله عن ذلك التحرك والسكون، حتى أصبح هذا الشعور محور تحركهم، ومبعث سلوكهم، لا تشوبه شائبة، ولا يغفلون عنه لحظة. ولما ضعف هذا المفهوم في نفوس من بعدهم، وخفت ذلك الشعور في تصرفاتهم، بعدوا عن حقيقة العبادة تدريجيا حسب بعدهم عن ذلك المحور، وانقلبت كثير من عباداتهم إلى عادات. ولقد كان هذا التحول والبعد متنوعا فيهم، ومتفاوتا بينهم. . . فهناك من المسلمين من انحصر مفهوم العبادة عندهم في جانب من جوانب الحياة، ففصلوا بين علاقة الإنسان بربه وبين علاقته مع نفسه ومع غيره. . . وحصروا معنى العبادة في علاقتهم مع الله فخرجوا بذلك عن الجادة. وفي هذا يقول الأستاذ سيد قطب ﵀: " جعل بعض الناس يفهمون أنهم يملكون أن يكونوا مسلمين إذا هم أدوا نشاط العبادة وفق أحكام الإسلام بينما هم يزاولون كل نشاط المعاملات وفق منهج آخر، ولا يتلقونه من الله ولكن من إله آخر، هو الذي يشرع لهم في شئون الحياة ما لم يأذن به الله! وهذا وهم كبير، فالإسلام وحدة لا تنفصم، وكل من يفصمه إلى شطرين - على هذا النحو - فإنما يخرج من هذه الوحدة، أو بتعبير آخر، يخرج من هذا الدين، وهذه هي الحقيقة الكبيرة التي يجب أن يلقي باله إليها كل مسلم يريد أن يحقق إسلامه، ويريد في الوقت ذاته أن يحقق غاية وجوده الإنساني. " (١). وهناك من المسلمين من انفصل شعورهم عن سلوكهم في أداء هذه الشعائر التعبدية، فخضعوا لله بجوارحهم، ولم يخضعوا له بمشاعرهم وقلوبهم، بل تصور كثير منهم تعبده لله نقمة عليه، وقيدا لسعادته وحريته في هذه الحياة، فتراه لا يخضع عن طواعية ورضى، أو يخضع لله فيما خضع له مجتمعه، أو اعتاد الخضوع فيه من بيئته، وهو لا يجد لهذا الخضوع معنى، ولا يحس له في نفسه أثرا. . . مما شوه صورة العبادة في نفوس الأجيال، وأدى إلى تركها والاستكبار عنها. . . فخرج الناس عن وظيفتهم الحقيقية في هذه الحياة، وخبطوا خبط عشواء. . . مما أجهد الدعاة والوعاظ، وأوقعهم في الحيرة من أمرهم، لا يعرفون لهذا التحول الكبير سرا، ولا يجدون منه مخرجا.

стр. 795

أمثلة على هذا التحول بعد أن كان للشعائر التعبدية قدسيتها في نفوس المؤمنين تبعا لتفهمهم لها وحرصهم عليها. . . فقد الناس بتحول مفهوم العبادة عن معناه الصحيح تلك القدسية، وأصبحت عندهم عبارة عن مظاهر ومراسم لا تترك أثرا ولا تجدي نفعا. فبعد أن كان المرء يحسب للفظ الشهادتين كل حساب، ويشعر وهو يتلفظ بهما بالخشوع والخضوع الكامل. . . أصبحنا نجد المسلم الذي يكررها مئات المرات ويجعلها وردا من أوراده وهي لا تترك فيه أثرا، ولا تصلح منه سلوكا. وقل مثل هذا في جميع أنواع الذكر: فكم من مستغفر لله وهو متلبس بمعصية الله ومخالفته لا يجاوز الاستغفار لسانه. . .! وكم من مسبح وحامد وشاكر لله بلسانه، وهو غافل عن نعمه، ومرتكب لما يوحي بالكفران لهذه النعم. . .! تجد هذا كثيرا في عامة الناس المحافظين على الأذكار والأوراد التي اعتاد عليها لسانهم، ولكنها لا تحرك قلوبهم. . . ترى هل يعتبر ذكرهم هذا عادة أم عبادة!؟ كنت مرة مع صحب لي في المسجد النبوي الشريف ننتظر الإفطار في رمضان، وكان أحد المحافظين على ذكر الإفطار جالسا، فما أن تناول واحدة من التمر حتى قال على عجل: «اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت، وبك آمنت وعليك توكلت، ذهب الظمأ وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله (١)». فقلت له - منبها على هذه الحال وقبل أن يتناول الماء - هل ذهب ظمؤك، وابتلت عروقك حقا!؟ فتعجب وتنبه. وإن تعجب فعجب فعل مرتكب الكبائر، يجلس في المسجد ويتلو آيات القرآن فتمر عليه آيات الربا وغيرها دون أن تهز من نفسه، أو تنبه شعوره!! والصلاة التي كانت قرة عيون المؤمنين، ومعراج المتقين، أصبحت عند كثير من المصلين عبارة عن حركات منظمة تفتقد الخشوع والطمأنينة.

стр. 796

وأنى لصلاة كهذه أن تنهى عن الفحشاء والمنكر، فتؤدي وظيفتها في حياة الناس وسلوكهم. . .! والزكاة التي شرعت طهرة للقلوب، وتزكية لها من حب المال أصبحت عند كثير من المؤدين لها ضريبة من الضرائب، يحتال عليها ويتثاقل من دفعها. وأنى لمثل هذه الزكاة أن تردع صاحبها عن الحرام، وأن تطهر قلبه من حب المال. . .! وشهر رمضان الذي كان مدرسة التقوى والصبر. . . أصبح شهر طعام وشراب، وتلذذ وسمر. . . يفهمه كثير من الصائمين امتناعا عن الطعام والشراب في النهار، واسترسالا فيه بالليل، وأنى لمثل هذا الصيام أن يطهر النفوس ويربيها على فضائل الصيام. . .! ومناسك الحج تلك المدرسة التربوية الجامعة، أصبحت عند معظم الحجاج أعمالا روتينية لا تؤدي وظيفتها في النفوس. . . يتقيد الحاج أيام الحج بمحظورات الإحرام، وهو متلبس بمحظورات الإسلام. . . فكم من حاج يسأل مثلا عن حكم لبس الساعة حال الإحرام خشية الوقوع في المحظور، وهو متختم بالذهب طيلة حياته، لا يشعر به ولا يسأل عنه. . .! وكم من حاج يخشى سقوط شعرة أو شعرات من جسمه، ويتحرز عنه كل التحرز، وهو مطلق لنفسه العنان في غير أيام الحج فيحلق ما يشاء ويترك ما يشاء، وكأنه سيد نفسه، ولا يشعر بعبوديته. . .! وأنى لحاج مثل هذا وذاك أن يستفيد من الحج، وأن يعود حجه عليه بالنفع!! والحجاب الذي كان مظهر العفة والحياء، أصبح عند كثير من النساء عبئا ثقيلا يتفنن في إزاحته، أو تشويه حقيقته. . . وإذا ما لبسته المرأة فإنما تلبسه تبعا لعاداتها وتقاليد بلادها، وما أعجب أن تحتجب المرأة في صلاتها، ثم تخرج بعدها سافرة متبرجة!! واللحية بعد أن كانت شعار التمسك والاتباع، أصبحت عند كثير من المسلمين تبعا للتقاليد والأزياء. . . وقل مثل هذا في كل شعيرة من الشعائر التعبدية، وفي كل عمل دعا إليه الإسلام، ولا يزال في المسلمين من يتمسك به أو يدعو إليه.

стр. 797

ودع عنك أولئك الذين تنصلوا من الأحكام الشرعية، ولم يراعوا في حياتهم حلالا ولا حراما. . . فأي معنى العبادة يبقى لهؤلاء، وأي وصف من أوصافها يسلم لهم!! ولا حول ولا قوة إلا بالله. * * *

стр. 798

سبب هذا التحول ولعلنا نستطيع أن نرجع هذا التحول الخطير إلى سببين أساسيين: هما: ١ - الخطأ في مفهوم الإنسان لوجوده ووظيفته في هذه الحياة. ٢ - تصور المسلم الشعائر التعبدية غايات لا وسائل. فقد أوضح الله للناس سنته في خلقه فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١). وقال أيضا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٢). وليس بعد هذه السنة الكونية القاطعة قول لحكيم ولا تعليل لخبير. . . فبعد أن كان مفهوم المسلم أنه ما خلق في هذا الكون إلا ليعبد الله ، ويحقق كمال العبودية في طاعته وخضوعه. . . نسي هذه الغاية، وجهل تلك الوظيفة، وتشبه بالحيوانات فجعل أكبر همه في هذه الحياة طعامه وشرابه وشهوته. . . فغفل عن الكرامة التي أكرمه الله بها، وجحد نعمة العقل والتكليف، فتغير مفهومه لهذه الحياة. . . وتبعا لهذا التغير تغير كل شيء: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (٣) وبدلا من أن تكون الشعائر التعبدية عند المسلم وسائل تربوية، ومدارس تدريبية، يعرج بها المؤمن في

стр. 799

معارج الكمال، ويصل بها إلى كمال العبودية الحقة فيكون عبدا حقا وصدقا. بدلا من هذا كله أصبحت هذه الشعائر التعبدية من صلاة وصيام وزكاة وحج وغيرها. . . غايات في ذاتها، يحافظ عليها المرء دون أن تكون لها صلة بحياته، ويؤديها ثم ينطلق بعدها كما يريد دون أن يشعر بالتعارض والتناقض. وأنى لمثل هذا أن يتفكر في حقائقها، وأن يستفيد من دروسها، ما دام ينظر إليها تلك النظرة، ويفهمها ذلك الفهم!!. مثله في هذا مثل الطفل الصغير الذي يرى المدرسة قيدا لحريته، ولكنه يذهب إليها إرضاء لوالده أو خوفا من عقابه. . . فأنى له أن يستفيد من مدرسته، وهيهات أن يتخرج من المدرسة - ما دام على هذه الحال - عالما صالحا!! إنه لن يستفيد منها حتى يعلم حقيقتها، وتتغير نظرته إليها. * * *

стр. 800

خطر هذا التحول على الحياة الإسلامية وبعد عرضنا لتحول مفهوم العبادة وتحليلنا لأسبابه، يمكننا أن نتلمس خطر هذا التحول في حياة المسلمين، ونجمله في جانبين أساسيين: ١ - فقدان أثر هذه المدارس التربوية في النفوس. ٢ - ومن ثم: زهد الناس فيها، وضياعهم بتركها. أما الجانب الأول: فيظهر جليا بقدر تفهم أثر تلك الشعائر التعبدية، والمدارس التربوية في نفوس الناس وحياتهم. تصوروا بلدة كثر فيها بناء المدارس التعليمية، والمستشفيات الصحية حتى عمت كل حي وشارع. . . إلا أن الناس فيها أعرضوا عنها، واكتفوا بكثرتها وانتشارها، فلا أساتذة ولا طلاب في المدارس، ولا أطباء ولا مرضى في المستشفيات. . . فهل يمكن لهذه المؤسسات أن تؤدي وظيفتها في هذه المدينة، فتشيع بين أهلها العلم، وتقضي على الأمراض

стр. 801

والأسقام!!؟ وهل يغني هؤلاء القوم وجودها عندهم، وانتشارها بينهم؟! فذلك مثل الشعائر التعبدية، والمدارس الدينية التربوية التي افتتحها الله لعباده، وبين حاجتهم إليها، ومجال الاستفادة منها فقال عن الصلاة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (١). وقال عن الصيام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢) وقال: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٣) وقال عنه رسول الله ﷺ : «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه (٤)». وقال عن الزكاة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٥). وقال عن الحج: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (٦) وقال: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (٧). إلى غير ذلك من نصوص عللت مشروعية العبادات والأعمال الشرعية وبينت أثرها في حياة الناس. . . فإذا باشر الناس هذه العبادات، وأدوا هذه الشعائر على أنها مجرد أوامر، دون تنبه لمقاصدها، وحرص على الاستفادة منها، فقدوا خيرها وآثارها في نفوسهم، وزهدوا من بعدهم فيها. وأما الجانب الثاني: وهو زهد الناس فيها، وضياعهم بتركها، فيؤكده واقع المسلمين اليوم في أغلب بلدانهم، حيث ترى محافظة الكبار منهم على هذه الشعائر التعبدية محافظة عادة. في الوقت الذي ترى فيه إعراض الشباب عنها، وزهدهم فيها، فالناس بين محافظين غافلين، وبين معرضين زاهدين. . . وأي شيء أخطر على حياة المسلمين من هذه الحال. . .!؟

стр. 802

إن السنة الكونية التي بينها الله بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١) والتي بينت لنا الداء، وكشفت لنا عن سبب هذا التحول الخطير، هي نفسها مع مثيلاتها من آيات الله توضح له الدواء، وتصف أساليب العلاج. فكما تحول واقع المسلمين من حسن إلى سيئ تبعا لتغير مفهومهم لحقيقة وجودهم، وتقصيرهم في أداء وظيفتهم. . . فكذلك تكفل الآية لهم أن يغير الله ما بهم، ويعيدهم إلى ما كانوا عليه من خير إذا ما حققوا ذلك الشرط، وغيروا واقعهم السيئ الذي صاروا إليه، فأصلحوا مفاهيمهم، وقاموا بوظيفتهم حق القيام. كل هذا يؤكده منطوق هذه الآية، فيشمل التغيير من أسفل إلى أعلى، كما شمل التغيير من أعلى إلى أسفل. . . إلا أن هذا التغيير المطلوب ليس بالأمر السهل الهين، وإنما يحتاج إلى جهود عظيمة متواصلة. . . جهود خاصة يبذلها الدعاة والمربون، وجهود عامة يقوم بها عامة المسلمين. . . فعلى الدعاة أولا أن يوضحوا للناس الحكمة من مشروعية هذه العبادات، وكيفية الاستفادة منها، وأن يلمسوا الناس واقعهم السيئ الذي هم في غفلة عنه، والذي سببه جهلهم بحقيقة هذه العبادات وغاياتها، وتحول مفهومهم لها. وعلى الناس ثانيا أن يتفهموا هذه الحقائق، ويتنبهوا إلى الخطر المحدق بهم، ليؤدوا هذه الشعائر التعبدية عن وعي وفهم، وبخضوع وخشوع، لتؤتي ثمارها في نفوسهم. ومن ثم تأتي رغبة الأجيال بها، ويقوى حرصهم عليها، إذا لمسوا آثارها في النفوس، وظهرت فوائدها للعيون. . . وعندئذ تقل الحاجة إلى الكلام والإقناع؛ لأن الواقع العملي المتحرك أكبر مؤثر في النفوس، والصلاح المنبثق عن العبادة أول داع لها ومحبب فيها. . . فلنسهم جميعا في توضيح هذه الحقائق للناس بالوسائل المختلفة، والأساليب المتنوعة، ولنكون من أنفسنا وأهلينا نماذج تطبيقية سليمة تكون الداعية الأولى للصلاح، والمصدق الأكبر لما ندعو إليه، وعندئذ نوفر

стр. 803

كثيرا من الجهود، ونجني أطيب الثمار، ونستعيد رضا الله ورحمته التي وعد بها عباده التائبين المؤمنين الحريصين على العمل الصالح فقال سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (١) ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ (٢). ونحقق وعد الله لنا بقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣).

стр. 804

الدكتور: محمد أبو الفتح البيانوني ١ - الاسم الكامل: محمد عبد الله أبو الفتح البيانوني. ٢ - التولد: عام ١٣٥٩ هـ الموافق ١٩٤٠ م في مدينة حلب شمال سورية. ٣ - التخصص العلمي: في أصول الفقه، ولقد حصل على شهادة " الدكتوراه " في أصول الفقه من الجامعة الأزهرية برسالة قدمها بعنوان " الحكم التكليفي في الشريعة الإسلامية " وذلك عام ١٣٩٠ هـ. ٤ - العمل الحالي: عين مدرسا بكلية الشريعة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية منذ عام ١٣٨٩ - ١٣٩٠ هـ ولا يزال مدرسا فيها. ٥ - إنتاجه العلمي: صدر له كتاب عن الإمام " سفيان الثوري " - حياته العلمية والعملية - وله كتاب تحت الطبع بعنوان " دراسات في الاختلافات الفقهية " وأبحاث متفرقة لم تطبع بعد. ٦ - العنوان الدائم: سورية - حلب - الجبيلة، أو الرياض - كلية الشريعة.

стр. 805

عن بلال بن الحارثة، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من الخير ما يعلم مبلغها يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من الشر ما يعلم مبلغها يكتب الله بها عليه سخطه إلى يوم يلقاه (١)»

стр. 806

عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل أحمد بن حنبل هو أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني المروزي البغدادي، وشيبان حي من بكر القبيلة المشهورة من قبائل العرب. ولد في ربيع الأول على المشهور سنة ١٦٤ هجرية في بغداد، وكانت أمه قد حملت به في مرو التي كان يقيم فيها أبوه، والمعروف أن أباه مات بعد ولادته عن ثلاثين سنة تقريبا، وأحمد إذ ذاك صغير لا يدرك شيئا بدليل أنه نفى رؤيته لأبيه وجده. وكان جده قد انتقل إلى خراسان، وكان واليا على سرخس في العهد الأموي، ثم انضم إلى صفوف الدعوة العباسية حتى أوذي في هذا السبيل، ويقال: إنه كان قائدا. ***

стр. 807

نشأ أحمد ﵁ يتيما، وقامت على تربيته أمه - صفية بنت ميمونة بنت عبد الملك الشيباني - وترك له أبوه بيتا في بغداد يسكنه وبيتا آخر يغل غلة ضئيلة. وكان في هذا كشيخه الإمام الشافعي في اليتم والفقر والحاجة وعلو الهمة. تشابهت نشأة التلميذ والأستاذ ولكل منهما أم تدفعه إلى التقدم والعلو والزيادة من الخير. نشأ الإمام أحمد ﵁ ببغداد، وتربى فيها تربيته الأولى، وقد كانت بغداد إذ ذاك تموج بالناس الذين اختلفت مشاربهم، وتخالفت مآربهم، وزخرت بأنواع العلوم والمعارف، ففيها القراء والمحدثون والمتصوفة وعلماء اللغة والفلاسفة وغيرهم، فقد كانت حاضرة العالم الإسلامي، وقد توافر فيها ما توافر في حواضر العالم من تنوع المسالك وتعدد السبل وتنازع المشارب ومختلف العلوم حتى إذا أتم حفظ القرآن وعلم اللغة اتجه إلى الديوان ليتمرن على التحرير والكتابة، ولقد قال في ذلك: كنت وأنا غليم أختلف إلى الكتاب، ثم أختلف إلى الديوان وأنا ابن أربع عشرة سنة. وكان وهو صبي محل ثقة الذين يعرفونه من الرجال والنساء حتى إنه ليروى أن الرشيد وهو بالرقة مع جنده وكان أولئك الجند يكتبون إلى نسائهم بأحوالهم فلا يجد النساء غير أحمد يقرأ لهن ما كتب به إليهن، ويكتب لهن الردود ولا يكتب ما يراه منكرا من القول. . . * * * شب أحمد على هذا، واستمر في طلب العلم بعزم صادق وجد، وأمه تشجعه على ذلك، وترشده وتدعوه إلى الرفق بنفسه إذا خشيت عليه الإرهاق، وحكى ذلك أحمد عنها فقال: كنت ربما أردت البكور في الحديث فتأخذ أمي بثيابي وتقول: اصبر حتى يؤذن الناس أو حتى يصبحوا، وكان اتجاهه إلى الأخذ عن رجال الحديث. ويروى أن أول تلقيه كان على القاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة فقد قال: أول من كتبت عنه الحديث أبو يوسف، وفي تاريخ الحافظ الذهبي قال الخلال: كان أحمد قد كتب كتب الرأي، وحفظها ثم لم يلتفت إليها. اتجه أحمد إلى كتابة الحديث من سنة ١٧٩ حينما كان عمره ست عشرة سنة، واستمر مقيما في بغداد يأخذ عن شيوخ الحديث فيها حتى سنة مائة وست وثمانين، وابتدأ في هذه السنة رحلته إلى البصرة، ثم إلى الحجاز واليمن وغيرها، واستمر ملازما لشيخه هشيم بن بشير بن أبي خازم الواسطي حتى سنة وفاته ١٨٣. قال صالح بن أحمد قال أبي: كتبت عن هشيم سنة ١٧٩، ولزمناه إلى سنة ثمانين وإحدى وثمانين واثنين وثمانين وثلاث. ومات في سنة ثلاث وثمانين. كتبنا عنه كتاب الحج نحوا من ألف حديث وبعض التفسير وكتاب القضاء وكتبا صغارا، فقال صالح: يكون ثلاثة آلاف، قال: أكثر، ثم ارتحل في طلب العلم إلى الحجاز وغيره وقد ذكر ابن كثير تفصيل رحلاته الحجازية في تاريخه البداية والنهاية جزء ١٠ ص ٣٢٦ وكان من أبرز الشخصيات التي التقى بها الإمام أحمد أثناء رحلاته وفي إقامته، الإمام الشافعي ﵁ فقد أخذ عنه، واستفاد منه كثيرا، وكان الشافعي يجله ويقدره ويعول عليه في معرفة صحة الحديث أحيانا، ورشحه الإمام الشافعي

стр. 808

عند الرشيد لقضاء اليمن فأبى أحمد، وقال له: جئت إليك لأقتبس منك العلم تأمرني أن أدخل لهم في القضاء، وكان ذلك في آخر حياة الرشيد، ثم رشحه الشافعي مرة ثانية لقضاء اليمن عند الأمين فأبى أحمد وكان ذلك ١٩٥ هـ. * * * ودخل الشافعي يوما على أحمد بن حنبل فقال: يا أبا عبد الله كنت اليوم مع أهل العراق في مسألة كذا فلو كان معي حديث عن رسول الله ﷺ . فدفع أحمد إليه ثلاثة أحاديث فقال له: جزاك الله خيرا. وقال الشافعي لأحمد يوما: أنتم أعلم بالحديث، والرجال، فإذا كان الحديث الصحيح فعلموني إن شاء يكون كوفيا أو شاميا حتى أذهب إليه إذا كان صحيحا، وهذا من كمال دين الشافعي وعقله حيث سلم هذا العلم لأهله؛ وقال عبد الوهاب الوراق: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل، قالوا له: وأي شيء بان لك من علمه وفضله على سائر من رأيت؟ قال: رجل سئل عن ستين ألف مسألة فأجاب فيها بأن قال (أخبرنا) و (حدثنا). وقال أبو زرعة الرازي: حفظ أحمد بن حنبل بالمذاكرة على سبعمائة ألف حديث، وفي لفظ آخر قال أبو زرعة الرازي: كان أحمد يحفظ ألف ألف، فقيل له: وما يدريك؟ قال: ذكراته فأخذت عليه الأبواب. * * * كان الإمام أحمد يقول: - فاتني مالك فأخلف الله علي بسفيان بن عيينة؛ وفاتني حماد بن زيد فأخلف الله علي إسماعيل ابن علية. وكان ملازما لكتابة الحديث فانشغل بذلك عن كل شيء حتى عن الزواج فلم يتزوج إلا بعد الأربعين. وقيل له: يا أبا عبد الله قد بلغت هذا المبلغ وأنت إمام المسلمين فقال: مع المحبرة إلى المقبرة، فأنا أطلب العلم إلى أن أدخل القبر. وقد روى المزني: أن الشافعي قال: ثلاثة من عجائب الزمان: عربي لا يعرب كلمه وهو أبو ثور، وأعجمي لا يخطئ في كلمة وهو الحسن الزعفراني، وصغير كلما قال شيئا صدقه الكبار وهو أحمد بن حنبل. وقال الشافعي: - خرجت من بغداد ما خلفت بها أحدا أورع ولا أفقه ولا أتقى من أحمد بن حنبل، ولم يزل على ذلك مكبا على الحديث والإفتاء وما فيه نفع المسلمين، والتف حوله أصحابه يأخذون عنه الحديث والفقه وغيرهما، وألف المسند في مدة ستين سنة تقريبا، وكان قد ابتدأ بجمعه في سنة ١٨٠ هـ أول ما بدأ بطلب الحديث، وسيأتي الكلام على المسند إن شاء الله تعالى، وألف في التفسير، وفي الناسخ والمنسوخ، وفي التاريخ، وفي المقدم والمؤخر في القرآن، وفي جوابات القرآن، وألف المناسك الصغير والكبير، وفي حديث شعبة، وألف كتاب الزهد، وكتاب الرد على الجهمية والزنادقة، وكتاب الصلاة، وكتاب السنة وكتاب الورع والإيمان، وكتاب

стр. 809

العلل والرجال، وكتاب الأشربة، وجزءا في أصول السنة، وفضائل الصحابة، وله قصائد متناثرة، وأجزاء في بعض الأصول والمسائل، كما نقل عنه مجموعة من المسائل، منها مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود السجستاني صاحب السنن وهي مطبوعة نشرها السيد محمد رشيد رضا بمطبعة المنار وتقع في ٣٢٨ صفحة. وهي أجوبة على بعض المسائل التي سئل عنها الإمام أحمد في الفقه؛ ومنها مسائل ابنه عبد الله بن أحمد، ومسائل إسحاق بن إبراهيم رواية ابن منصور المروزي وهي مخطوطة وتوجد في المكتبة الظاهرية بدمشق وغير ذلك من مؤلفاته ﵁. * * *

стр. 810

كان في بغداد أيام المأمون تيارات ثقافية متضادة: منها ما كان عليه السلف الصالح من أهل السنة والجماعة الممثل في حلقات أهل الحديث والفقهاء وغيرهم ممن يرجعون إلى النصوص الشرعية. ويثبتون لله ما أثبته لنفسه وما صح عن رسوله ﷺ إثباتا بلا تمثيل وتنزيها بلا تأويل ولا تعطيل ومن أبرز هؤلاء: الإمام أحمد ومحمد بن نوح وأحمد بن نصر الخزاعي وغيرهم. ومنها تيار المعتزلة القائلين بخلق القرآن وتأويل آيات الصفات وغير ذلك مما هو معروف من مذهبهم: كالقول بالعدل والتوحيد والوعد والوعيد والمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكان الرشيد يقاوم القول بخلق القرآن فلم يجرؤ أحد عليه مدة حياته كما روي عن محمد بن نوح قال: سمعت هارون الرشيد يقول: بلغني أن بشرا المريسي زعم أن القرآن مخلوق، علي إن أظفرني الله به لأقتلنه قتلة ما قتلها أحد قط، فلما مات الرشيد وتولى الأمين أراد المعتزلة حمله على ذلك فأبى. فلما تولى المأمون الخلافة، وكان يميل إلى المعتزلة ويقربهم وكان أستاذه أبو الهذيل العلاف من زعماء المعتزلة وكذلك قاضيه أحمد بن أبي دؤاد فأشار عليه ابن أبي دؤاد بإظهار القول بخلق القرآن، فأظهر القول بذلك عام ٢١٢ هـ. فكان المأمون يناظر من يغشى مجلسه في ذلك ولكنه لم يلزم بذلك أحدا بل ترك الناس أحرارا فيما يذهبون إليه، فلما كان ٢١٨ هـ رأى المأمون حمل الناس وخصوصا العلماء والقضاة والمفتين على القول بخلق القرآن الكريم؛ وكان المأمون آنذاك في الرقة فأرسل إلى واليه على بغداد إسحاق بن إبراهيم وهو صاحب الشرطة ببغداد أن يجمع من بحضرته من القضاة ويمتحنهم فيما يقولون ويعتقدون في خلق الله القرآن وإحداثه، ويعلمهم أن أمير المؤمنين غير مستعين في عمله بمن لا يقول بهذا القول وكان ذلك في ربيع الأول من عام ٢١٨ هـ. فثار العلماء حين سمعوا كتاب المأمون إلى نائبه في بغداد وقال واحد منهم: لقيت ثمانمائة شيخ ونيفا وسبعين فما رأيت أحدا يقول بهذه المقالة - يعني خلق القرآن - وقد حبس وعذب وقتل في هذه المحنة خلائق
следующие страницы →