← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 7911–7950 · переход к 7916.

стр. 7911

رأسا على عقب فها هو المصرف أصبح دائنا والمقترضون أقل غنى منه بكثير طبقا لكلام الكاتب، أي أنه في تلك الحالة ينطبق عليه تماما ما يتصوره الكاتب في ربا الجاهلية فكيف جوز تلك المعاملة؟ ونلاحظ أيضا أنه يعترف صراحة هنا بكونها عملية قرض، والمتفق عليه أن أي زيادة مشترطة في القرض ربا. ثم إنه يمتلك من الجرأة ما تجعله يقول إن القرض نظير المضاربة وما دامت جائزة فيجوز نظيرها. من الذي قال إن القرض نظير المضاربة؟ وفي تناوله للمضاربة بحيث يؤكد على هذا التشابه والتناظر، كما يقول ذكر آراء بعض المعاصرين الذين يرى الكاتب رأيهم. ونلاحظ أن من تكلم في المضاربة من المعاصرين من أمثال الشيخ خلاف ﵀ إنما ناقش مسألة اشتراط كون الربح نسبة وليس مبلغا محددا، وذهب إلى أن هذا الشرط لا يجب التقيد به لأنه من كلام الفقهاء وليس من القرآن ولا من السنة. ونحن هنا لا نناقش الشيخ خلاف فيما ذهب إليه لسبب بسيط هو أن مجال حديثه غير مجالنا، فنحن نتكلم عن معاملة مصرفية اعترف الكاتب بأنها قرض وهو يتكلم عن المضاربة وشتان بين هذا وذاك. وهب أن كلام الشيخ خلاف له وجه - مع عدم التسليم به - فإن ذلك لا يخدم وجهة نظر الكاتب لا من قريب ولا من بعيد، وذلك لأن القرض عقد ينقل الملكية نقلا كاملا للمقترض بتسلمه للقرض فيصبح القرض ملكا ومالا للمقترض يتصرف فيه كيف يشاء وهو ملتزم برد مثله للمقرض مهما كانت الظروف (١). بينما المضاربة عقد شركة لا ينقل ملكية المال بل يظل مملوكا لصاحبه وكل ما للمضارب فيه هو العمل عليه؛ ولذلك لو تلف أو فقد أو خسر بلا إهمال أو تعد من المضارب، فإن ذلك كله يحسب على صاحبه عكس

стр. 7912

القرض، إذن الطبيعة مختلفة والأركان مختلفة والمقاصد مختلفة. يضاف إلى ذلك أن من تكلم من المعاصرين في المضاربة إنما تكلم فحسب في مسألة الربح وليس في مسألة الضمان ونقل الملكية، فالكل متفق على بقاء المال على ملك صاحبه. تبقى لنا كلمة هنا، لقد نقل الكاتب عن الشيخ خلاف قوله: " واشتراط الفقهاء لصحة العقد ألا يكون لأحدهما من الربح نصيب معين اشتراط لا دليل عليه، وكما يصح أن يكون بالنسبة يصح أن يكون حظا معينا ولا يدخل في ربا الفضل ولا في ربا النسيئة؛ لأنه نوع من المضاربة وهذا الاشتراط مخالف لأقوال الفقهاء ولكنه غير مخالف نصا في القرآن الكريم أو السنة "، والتعليق هنا يقتصر فقط على الجزء الأخير من تلك العبارة. إن كل من له اطلاع على كتب الفقه على اختلاف مذاهبها يجد الإجماع على هذا الشرط " نسبية الربح "؛ إذن هناك إجماع فقهي ليس على مستوى مذهب أو مذهبين بل على مستوى المذاهب الأربعة، بل على مستوى الفقه الإسلامي بما فيه من المذهب الظاهري والزيدي والشيعي. . إلخ وإذا كان ذلك كذلك فكيف يقال إن تحديد مقدار معين من الربح يخالف أقوال الفقهاء ولكنه لا يخالف نصا من قرآن أو سنة؟ لو صح هذا لوقعنا في مأزق حرج، فلو كان القائل بهذا الشرط فقيه أو مذهب أو مذهبان مع مخالفة غيرهما لأمكن مخالفته، لكن أن يكون القائل هم كل علماء الإسلام على اختلاف مذاهبهم فيخالف هذا القول الإجماعي، ثم يقال إنه كلام فقهاء وليس كلام الله ولا كلام الرسول! وكيف أجمع هؤلاء العلماء على ذلك؟ وما مستندهم إن لم يكن كتاب الله وسنة رسوله؟ إن مثل هذا القول فيه تشكيك رهيب في الفقه الإسلامي بل وفي الشريعة نفسها! هذه كلمة خطيرة - سامح

стр. 7913

الله شيخنا الفاضل فيها - ونحن نجزم بأنها لو صحت عنه فإنه لم يكن على دراية كاملة بمدلولها ومفهومها وما يترتب عليها. ثم ينقل الكاتب عما أسماه بالأستاذ وفيق القصار كلاما في فائدة القرض لا يخرج قيد أنملة عما سبق، وردده رجال الكنيسة في العصور الوسطى تبريرا للفائدة وما يستمر في ترديده الآن رجال الفكر الغربيون. هذا عن الفقرة الرابعة التي تحدث فيها الكاتب عن طبيعة الأعمال المصرفية ومدى مخالفتها للأعمال الربوية كما ذهب الكاتب، وبعد تلك المناقشة هل هناك خلاف حقيقي بينهما فعلا أم أنه خلاف متخيل متوهم؟

стр. 7914

الفقرة الخامسة: بعد ذلك يذكر الكاتب خلاصة لبحثه لا يزيد فيها عما سبق أن كرره كثيرا وما سبق أن رددنا عليه. ولكنا نحب أن نلفت نظر الأخ الكاتب هنا إلى نقطة صغيرة هي أن الأعمال المصرفية " الإيداع " باتفاق رجال الاقتصاد والقانون في الغرب هي من باب القرض وإن تسميت بوديعة أو بغيرها من التسميات. حتى إن تعريفهم للفائدة ينص صراحة على أنها ثمن استعمال النقود المقترضة. إذن كيف يتضح الخلاف والاختلاف؟!! والعجيب أنه يقول ما نصه: " لأنها معاملات جديدة لا تخضع في حكمها للنصوص القطعية التي وردت في القرآن الكريم بشأن حرمة الربا) سبحان الله! وهل مجرد كونها جديدة يجعلها تختلف عن القديم، وهل كل جديد يخالف القديم؟ والأكثر فزعا قوله طالما هي جديدة فلا تخضع في حكمها للنصوص القطعية القرآنية. وكأن القرآن الكريم إنما جاء للمعاملات القديمة التي كانت في الجاهلية وإبان نزوله فحسب، ثم ما يجد من معاملات يبحث له عن مصدر آخر للتعرف على حكمه. مع أنه من المعلوم من الدين بالضرورة أن كل ما في القرآن والسنة هي نصوص خالدة وليست

стр. 7915

تاريخية وتطبق على كل ما حدث وما يحدث وما سوف يحدث إلى قيام الساعة، ثم يواصل في خلاصته قائلا: " إن علينا في ضوء ذلك أن ننظر لها من خلال مصالح العباد وحاجاتهم اقتداء برسول الله ﷺ في إباحته للسلم رغم ما فيه من بيع غير موجود وبيع ما ليس عند البائع، وقد أجمع العلماء على أن إباحة السلم كانت لحاجة الناس إليه) لقد نسي الكاتب أن النصوص الإسلامية كفتنا مؤنة النظر هنا الذي يطالب به الأخ فنصت على حرمة الربا والذي من صوره الأساسية الدين بزيادة مشترطة. والعمل المصرفي من صميمه. والعجيب أن يقول اقتداء برسول الله في إباحته السلم. وكأن رسول الله ﷺ لم يجد نصا أو وجد نصا محرما للسلم ولكن مصالح العباد اقتضت أن ينظر في الأمر فيبيحه. وهل يجهل الكاتب أن الرسول الكريم مشرع في الأول والأخير؟ وكل ما يقوله هو نصوص شرعية واجبة النفاذ؟ وهل هناك نص صريح يفيد حرمة السلم؟ وبفرض وجود ذلك فهل إذا جاء الرسول الكريم وقال نصا مغايرا هل يعتبر الحكم الثاني مصدره العمل بالمصلحة أم بالنص الإسلامي؟ ومن قال من العلماء إن السلم يدخل في باب بيع ما يسمى عندك هم فئة من العلماء وليس كل العلماء، وهناك منهم من أكد على غير ذلك (ابن تيمية وغيره) حيث ذهبوا إلى أن السلم أصل بذاته وليس هو رخصة أو مستثنى من محرم للحاجة، ثم يواصل الكاتب قائلا: " والمصارف والأعمال المصرفية حاجة من حاجات العباد لا تتم مصالح معاشهم إلا بها " أما أن المصارف من حيث المبدأ حاجة اقتصادية عصرية فنعم، لكن ذلك لا يؤدي إلى اعتبار كل عمل تقوم به في حد ذاته حاجة من حاجات الناس. وإلا فيمكن القول أيضا وبنفس القوة إن الربا كان حاجة من حاجات المجتمع الجاهلي، وكان يمثل مصدرا أساسيا

стр. 7916

من مصادر تمويل التجارة ذات الأهمية القصوى في حياتهم واقتصادهم، بل ولشدة تمسكهم به وحاجتهم إليه شبهوه بالبيع بل شبهوا البيع بقولهم: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ (١). فهل أبيح للحاجة والمصلحة؟ بل الصواب أن يقال إن المصارف كمؤسسات تمويلية حاجة هامة، وعلينا نحن المسلمين أن نتعرف على الأعمال التي تؤديها خدمة للمجتمع بما لا يخالف الشريعة وقواعدها وأحكامها، والحمد لله هناك عمل كبير قد تم في هذا الشأن على المستوى النظري وعلى المستوى التطبيقي، وبفرض أن في هذا العمل بعض الثغرات فإن الجهد المطلوب ليس هو نقص ما تم، بل تطويره وتحسينه بحيث يقدم الخدمة المطلوبة على أحسن وجه. ونحن نخالف الكاتب تمام المخالفة من الناحية الاقتصادية فوق مخالفتنا له من الناحية الشرعية، وذلك في ادعائه بأن تحريم المعاملات المصرفية " الإقراض والاقتراض " يهدد كيان الدولة والأمة الإسلامية. . إلخ ما يقول. فالحقيقة الدافعة أن تلك الأعمال بوضعها الراهن هي إحدى الأدوات الفتاكة التي تحقق ما تخوف منه الكاتب. والتبعية النقدية والمصرفية والسيطرة الغربية على أجهزة المصارف والنقد في العالم والمديونية الهائلة التي تتضاعف عاما بعد عام على المستوى الدولي وعلى المستوى المحلي كلها أمور أوضح من أن تناقش هنا، وكذلك الآثار الاقتصادية المدمرة لسعر الفائدة على الإنتاج والاستثمار والتوزيع والاستقرار الاقتصادي، ومن ثم على تقدم المجتمعات وتحقيق الرخاء الحقيقي لكل أفرادها كل ذلك معروف ومدون في كتب الاقتصاد الوضعي، فكيف يجيء كاتب مسلم ويقول إنه بلا الفائدة لن تكون قوة اقتصادية، وبلا قوة اقتصادية لن تكون قوة إسلامية. وهكذا يوصلنا إلى

стр. 7917

مقولة من أغرب ما قيل وهي: إن الإسلام والمسلمين والدولة الإسلامية كل ذلك رهين وجود الفائدة. وفي نظري أن الأكثر جدوى من إبداء مثالب نظام الفائدة هو تقديم لمحة عن البديل الإسلامي. وهل البديل الإسلامي عاجز عن إشباع تلك الحاجة وتحقيق هذه المصلحة على وجه أكمل من هذا الأسلوب المحرم؟ للإجابة على ذلك نعرض في كلمة لهذا البديل ثم لنرى إلى أي مدى يحقق المصلحة لكافة الأطراف. إن البديل المتعارف عليه حاليا والمتفق عليه بين علماء المسلمين يتمثل في نظام ينحي الفائدة جانبا بكل صورها ويحل محلها أداتين، القرض الحسن " بلا فوائد " والمضاربة. فهل هذا البديل يحقق المصلحة التي يتشدق بها أنصار النظام الربوي أم لا؟ إن الحاجة أو المصلحة برغم تداخلها وترابطها إلا أنه يمكن تحليلها إلى أربع: (١) حاجة صاحب المال. (٢) حاجة صاحب المشروع. (٣) حاجة الوسيط المالي " المصرف ". (٤) حاجة المجتمع. أولا: حاجة صاحب المال. وقبل أن نناقش تلك الحاجة يهمنا أن نشير إلي أن أنصار النظام الربوي عادة، بل غالبا ما يركزون على تلك الحاجة في مناقشاتهم مدعين أن تلك الحاجة إنما تتحقق على الوجه الأكمل في النظام الوضعي عكس النظام الإسلامي. وبمنطق علمي هادئ نناقش تلك المقولة. إن حاجة صاحب المال تتمثل في توظيف ماله بما يحقق له عائدا مجزيا مع توفير أكبر قدر ممكن من الأمن على ماله، وقد تتمثل في المحافظة

стр. 7918

على ماله والسحب منه عندما يحتاج. أما عن توظيف ماله فإن نظام المضاربة يحقق له ذلك من خلال ما يقدمه له من حصة في الأرباح كبرت هذه الحصة أو قلت، كما أن الفائدة ترتفع وتهبط. وبرغم ذلك فعادة ما تثار الغيوم والشكوك. ومن ذلك أن الفائدة مضمونة ومعروفة سلفا وفي ذلك إغراء وتشجيع وأمن كبير. والجواب عن ذلك متعدد الأبعاد لكنا نكتفي بأنه ليس كل مغر معترفا به شرعا سواء في المعاملات المالية أو في غيرها فالإغراء على العمل في حد ذاته ليس هو المعول عليه في التحليل أو التحريم. ولقد حفت النار بالشهوات وإغراء الشهوة في كل مجال معروف. كذلك قد يقال إن المال نفسه مضمون هناك ومعرض للمخاطر هنا. والجواب عن ذلك يتمثل في: (١) المال في المصرف الوضعي غير مضمون ضمانا كاملا من الناحية الحقيقية الاقتصادية، بل هو مجرد ضمان شكلي قانوني ويكفي أن تعرف نسبة رأسمال المصرف إلى ودائعه إنها عادة لا تصل إلى ١: ٥ فأي ضمان هذا؟ (٢) إن المصرف هو المصرف فكيف يمنح الثقة الكاملة في حالة الفائدة وتسلب منه هذه الثقة في حالة المضاربة؟ (٣) وهل هناك ما يمنع من وجود دراسات وسياسات للاستثمار وضوابط للمشروعات التي يمارسها المصرف على غرار " عدم السير في بطن الوادي وعدم الاتجار في حيوان وعدم ركوب البحر "؟ (٤) وهل إذا وظف الشخص ماله في مشروع خاص أو شركة هل يضمن رأسها له وأرباحه مائة في المائة؟ (٥) وهب جدلا أن بعض المصارف لم يكن على المستوى المطلوب من حيث الكفاية والأمانة ترى هل يظل قائما في السوق؟ أم سينصرف عنه المتعاملون مما يدفعه دفعا

стр. 7919

إلى بذل كل جهد حرصا على النجاح والاستمرار؟ (٦) وهل هناك ما يمنع من رقابة وإشراف الحكومة وقيامها بوضع الضوابط الكفيلة بمنع أي تلاعب أو انحراف؟ وقد يقال إن عودة المال إلى صاحبه عندما يحتاجه متيسرة في ظل نظام الفائدة وغير متيسرة في ظل نظام المضاربة. والجواب: أما أنها متيسرة هناك بلا قيد ولا شرط فهذا غير صحيح، فالودائع الاستثمارية عادة محددة الفترات، وأما أنه غير متيسر هنا فهو الآخر إلى حد كبير غير صحيح إذ من الممكن في الكثير من الحالات سحب المال أو جزء منه. وعلينا أن نعلم أن التجارة والصناعة وغيرها من جوانب النشاط الاقتصادي تحتاج إلى الزمن، ويجب أن نحترم هذا العنصر، وإلا ما تم مشروع واعتقد أن ذلك مصلوب اقتصاديا، وهب أن الشخص يعمل لحسابه، فهل من السهولة بمكان أن يقض مشروعه ويحصل على أمواله نقدا عندما يريد؟ أظن أن الإجابة على ذلك من الناحية الاقتصادية معروفة ولا تحتاج إلى تعليق. أما عن حاجة صاحب المال المتمثلة في مجرد المحافظة على ماله والسحب منه عند ما يريد على غرار ما هو معروف بالوديعة الجارية. فهل البديل الإسلامي يعجز عن ذلك؟ إن الفقه الإسلامي قد خصص من أبوابه بابا أسماه بالوديعة، وقدم لها من الأحكام والضوابط ما يجعلها تنهض نهوضا كاملا بتلبية مصلحة رب المال. وليس هنا مجال مناقشة ذلك لكنا نشير إلى مجرد جزئية فيها لأهميتها. وهي أن الأصل أن يحتفظ المستودع " المصرف " بالوديعة دون التصرف فيها لكن طالما أن الوديعة تأخذ الشكل النقدي والنقد غير متعين عند الكثير من العلماء إلا في حالات معينة، وطالما أن من حق المستودع أن يتصرف في الوديعة بإذن، وطالما أن من حقهما " الطرفين " أن يحولا الوديعة إلى قرض يصبح

стр. 7920

مالكا له المستودع " المقترض " ويتصرف فيه كما يشاء وله الغنم وعليه الغرم طالما أن ذلك كله متاح في الإسلام. فهل بعد ذلك يعجز البديل الإسلامي عن تلبية مصلحة صاحب المال في حفظ ماله والسحب منه عندما يحتاج؟ مع ملاحظة أن المودع للوديعة الجارية في النظام الربوي لا يحصل عادة على فوائد، بل كثيرا ما يدفع مصاريف وهو هنا أيضا لا يحصل على عوائد، بل ربما يدفع أجرة الحفظ والصيانة اللهم إلا إذا صرح له بالتصرف فيها متحملا الغرم مستفيدا بالغنم، فعند ذلك تتحول الوديعة إلى قرض لا يحصل المودع على شيء منه ولا يدفع مصروفا له. هذا عن حاجة صاحب المال ومصلحته فهل عجز البديل الإسلامي عن تحقيقها؟ ثانيا: حاجة صاحب المشروع. إن صاحب المشروع يحتاج إلي تأمين التمويل الكافي لإقامة مشروعه ولاستمراريته. ومن الحقائق المدونة في دنيا الاقتصاد أن حصول صاحب المشروع على خدمات عناصر الإنتاج المختلفة والتي منها خدمة رأس المال لا يتم مجانا وبلا مقابل عادة، بل لا بد من دفع المقابل أو الثمن. هذا معروف في الاقتصاد الوضعي ولا يعرف غيره. فهل البديل الإسلامي يحقق ذلك فقط؟ أم لمحققه وزيادة؟ أم لا يحققه؟ بالتحري والتدقيق نجد البديل الإسلامي يحقق ذلك وزيادة. فأمام صاحب المشروع أن يذهب للمصرف ويتفاهم معه حول تمويل مشروعه بعد دراسته دراسة جيدة والاطمئنان على سلامته من الناحية الاقتصادية ومن الناحية الشرعية. وأمامهما عند ذلك أكثر من وسيلة لإنجاز هذا المطلوب من بينها دفع التمويل على سبيل المضاربة أي بحصته فيما يتحقق من أرباح. وهنا نجد أن حاجة صاحب المشروع قد لبيت فقد حصل على التمويل اللازم، وكل ما عليه أن يتنازل عن حصته

стр. 7921

من الربح للمصرف إذا تحقق ربح. كما أنه يمكنه الحصول على قرض حسن من المصرف " الودائع الجارية " وعندئذ يلتزم التزاما قانونيا برده وفي نظير ذلك له كل ما يتحقق من ربح. وإذن فمن الممكن إجراء ترتيب بمقتضاه يمكن منح صاحب المشروع حاجته أو بعضها من التمويل دون دفع ثمن. وهذه الصورة غير موجودة على الإطلاق في النظام الربوي. وهنا قد تثار بعض الشكوك والغيوم، والتي منها أن صاحب المشروع قد يتعرض للتدخلات الكثيرة والمعوقة من المصرف في أعماله وهذا ما لا يرغبه عكس نظام الفائدة. والجواب عن ذلك إن هذه العملية نظرا لأهميتها وموضوعيتها قد احترمها الإسلام، ووضع من الأحكام والضوابط ما يجعل هذا التدخل في أدنى الحدود بالقدر الذي يعتبر في حقيقته من مصلحة صاحب المشروع أما ما عدا ذلك فلا تدخل من المصرف، وأحكام المضاربة تنص بوضوح وتفصيل على ذلك. وفي ضوء ذلك فمن مصلحة صاحب المشروع التعامل بنظام المضاربة بدلا من نظام الفائدة. ذات العبء الثابت والمال المضمون الذي لا بد له من إرجاعه بغض النظر عما قد يحدث للمشروع مع عدم الإهمال. أما في نظام المضاربة فليس هناك عبء ثابت وليس هناك التزام قانوني برد المال إلا عند الإهمال أو التعدي كما أن هناك دراسة مشتركة لجدوى المشروع مما يخفف من العبء على صاحب المشروع. ثالثا: حاجة الوسيط المالي "المصرف". سوف نسلم بأن عملية الوساطة المالية أو عملية الصرافة عملية مباحة ومتاحة أمام من يرغب في ذلك من الأفراد فكما أن من حق الأفراد أن يقيموا شركات تجارية أو زراعية أو صناعية الخ فمن حقهم أن يقيموا مؤسسات أو شركات تمارس عمليات الوساطة أو بمعنى آخر عمليات الربط بين أصحاب الأموال

стр. 7922

وأصحاب المشروعات. فهل البديل الإسلامي يعجز عن تلبية مصلحة هؤلاء؟ إن مصلحتهم تتمثل في وجود إقبال من أصحاب الأموال عليهم وبالمثل من أصحاب المشروعات. وفي الوقت نفسه الحصول على عائد مجزي من جراء تلك العملية أو ممارسة هذا النشاط. من الملاحظ أن نظام المضاربة يحقق ذلك وذلك من حيث إنه يحقق مصلحة كل من أصحاب الأموال وأصحاب الأعمال، وفي الوقت نفسه فإنه يبيح للمصرف الحصول على عائد مجزي إما على سبيل العمولة أو الأجرة أو على أساس اعتباره طرفا أصيلا في العملية مع كل من أصحاب الأموال من جانب وأصحاب المشروعات من جانب آخر. وبالمثل فقد تثار هنا بعض الشكوك حول تخوف المصارف من إعطاء الأموال لأصحاب المشروعات دون ضمان قانوني برجوعها أو الحصول على عوائدها. ولكن الرد على ذلك جد يسير فمن حقها الدراسة الجادة والمتابعة القويمة وأخذ الضمانات الكفيلة لسلامة العملية، ثم بعد ذلك فإن ما قد يحدث من تلاعب هو وارد على كل نظام، كما أنه سرعان ما يقضي على نفسه بنفسه. وقد يقال ما مصلحتها في إعطاء قروض حسنة؟ والجواب على ذلك يمثل في: وما ضررها في ذلك طالما أنها هي بنفسها تحصل على قروض حسنة؟ يضاف إلي ذلك أن هذه القروض عادة ما تؤدي إلى توثيق الصلة مع أصحاب المشروعات بل وتوسيع أعمالهم ونشاطهم مما يجعلهم في حاجة إلى المزيد من التمويل عن طريق المضاربة. مع ملاحظة. أن الكثير من عمليات التمويل في النشاط الاقتصادي عادة ما تتم بأساليب غير قرضية. رابعا: حاجة المجتمع. ونحب أن نشير هنا إلى أن تلك المسألة كثيرا ما تستخدم من قبل أنصار النظام الربوي فدائما ما نسمع صيحات عالية

стр. 7923

عن مصلحة المجتمع ومصلحة الاقتصاد القومي وحاجة البلد إلى التنمية والتقدم والقوة والرخاء والعمالة. . الخ. وكأن البديل الإسلامي يناقض كل ذلك!! علما بأنه عند التحري نجد البديل الإسلامي يحقق تلك المصلحة كأحسن ما يكون ذلك. دعونا من ترديد كلمات وعبارات جوفاء وتعالوا نحدد بدقة مضمون حاجة المجتمع ومصلحته في هذا الشأن. ليمكن الحكم العملي على مدى تحقق تلك المصلحة من عدمه في ظل البديل الإسلامي. إن مصلحة المجتمع هنا يمكن إجمالها في كلمة هي توظيف وتشغيل كل ما لديه من موارد وطاقات والعمل المستمر على توسعة تلك الطاقات ووضعها في خدمة إنتاج ما يحتاجه المجتمع من سلع وخدمات. في إطار من قيمه وعقيدته وأخلاقياته. في ضوء هذا التحديد لمصلحة المجتمع فإنني أطلب من كل من لديه اعتراض على البديل الإسلامي أن يدلنا دلالة صحيحة بينة على نقطة الضعف أو العجز في هذا البديل حيال تلك المصلحة. فمن حيث الأموال هل يعجز هذا البديل عن توظيف وتعبئة وجذب كل ما هو متاح من أموال!! ومن حيث المشروعات فهل هناك مشروعات تنتج سلعا وخدمات يحتاجها المجتمع لا يمد لها البديل الإسلامي يد التمويل الذي تحتاجه!!. هذا هو البديل الإسلامي لنظام الفائدة الربوي فهل هو عاجز عن سد حاجة المجتمع وتحقيق مصلحته؟ وإلى هذه المرحلة من البحث قد يقال إن ذلك يمكن قبوله على المستوي الداخلي. لكن ما العمل على

стр. 7924

المستوى الخارجي؟ ونحن نعلم تشابك الاقتصاد القومي مع الاقتصاد العالمي وحاجة كل دولة إسلامية إلى التعامل الخارجي وحاجة الكثير منها إلى التمويل الخارجي وحاجة البعض فيها إلى توظيف أموالها في الخارج. وهذه حاجات لا تستقيم أحوال الأمة الإسلامية دون الاعتراف بها وأخذها في الحسبان. فكيف نشبع تلك الحاجة في ظل البديل الإسلامي؟ أنا لا أدعي أن الإجابة هنا -من قبل الباحث- جاهزة بوضوح وتفصيل وفي نفس الوقت لا أدعي أنها غير جاهزة على مستوى البحث الفكري الإسلامي عامة. فبالتأكيد هناك دراسات وأبحاث حول هذا الموضوع وللتأكيد أيضا هناك إمكانيات متزايدة لتطوير هذه الدراسات وتحسين هذه الإجابات. وأعتقد أن هذا يحتاج بحثا مستقلا. ولكن ذلك لا يستدعي توقف كل شيء إلى أن يتم كل شيء. فدعونا نؤمن إيمانا كاملا بصلاحية البديل الإسلامي لتحقيق المصلحة الداخلية للمجتمع بكافة أفراده. ودعونا نمارس عملية تغيير الواقع الداخلي نحو هذا البديل شريطة أن نمنحه الدعم الكافي على كل المستويات ونحرص بكل ثقلنا على نجاحه. ولو حدث هذا في المجال الداخلي فإننا نهيئ الجو بطريقة فعالة لاستخدامه في المجال الخارجي بالإضافة إلى الجهود التي تبذل بجد وإخلا٠ص نحو تطوير أساليب فعالة لاستخدامه في الخارج. وهنا نقطة أحب أن أشير إليها وهي أن غيرنا من الأم والمجتمعات قد حرصوا كل الحرص على تطبيق وإنجاز واستخدام ما اعتنقوه من أنظمة وأساليب رغم شدة المفارقة وصعوبة العقبات وكثرة التحذيرات والتخويفات ومع ذلك ما تراجعوا. والأمثلة جد صارخة منها أسلوب التخطيط ونظام الملكية الجماعية ونظام التعاونيات بل ونظام السوق ونظام الملكية الخاصة. . الخ فما بالنا نحن نضعف أمام كل عقبة وإن

стр. 7925

هانت وكل تخوف وإن كان وهما ونجري نتسول الأنظمة والأساليب من هنا وهناك رغم ما فيها على عقيدتنا وشريعتنا وأخلاقنا واقتصادنا. إن الحقيقة الدامغة التي لا جدال فيها أن درجة إيماننا بالبديل الإسلامي من حيث الصحة والفعالية لم ترق بعد كي تصل إلى الحدود الدنيا المقبولة، وإذا كان ذلك في حد ذاته مؤسفا ومحزنا فإن الأكثر مدعاة للأسف والأسى أن ذلك الموقف السلبي لم يرتكز على أي مستند حقيقي بل إما الانبهار بالنظام القائم والنظر إليه على أنه خير ما يمكن أن يكون أو أنه الجهل أو العداء لكل ما هو مستمد من الإسلام وإن كان فيه ما فيه من المصلحة الحقيقة. أو هو اللمز والغمز والتشكيك المستمر حول تجربة المصارف الإسلامية المعاصرة. إن الموقف الصحيح الذي ينبغي أن تحرص عليه المجتمعات الناهضة هو الدراسة الجادة المستمرة لكل ما يمكن أن تستفيد من قيمها وعقائدها من تنظيمات وأساليب. ولا شك أن الوضع الأمثل في مسألتنا هذه هو قصر التطبيق والاستخدام على البديل الإسلامي على الأقل لكونه لا يتعارض مع العقيدة والشريعة ثم العمل المستمر على تطويره وتحسينه، فإذا لم يكن هذا الوضع الأمثل فالوضع الأقل درجة هو أن يعامل البديل الإسلامي معاملة مفضلة ويمنح الدعم السياسي الكافي كي يأخذ فرصته لإثبات وجوده فإذا لم يكن ذلك فإن الوضع الأقل درجة وهو أقل وضع يمكن قبوله شرعا بصفة مرحلية هو أن يمنح البديل الإسلامي فرصة متكافئة بجوار البديل الوضعي ولنترك لهما العمل بحرية وبلا قيود وعرقلات ثم لنرصد النتائج لكن للأسف الشديد- وتلك حقيقة، وإن كان فيها ما فيها من المرارة والمكاسفة في الوقت نفسه أن غالبية دول العالم الإسلامي لم ترق في موقفها من البديل الإسلامي بعد إلى الوضع الأدنى خاصة على المستوى

стр. 7926

الرسمي، بل نجد إما الحظر الكامل أو الموافقة الشكلية المحضة كل ذلك تذرعا بالخوف على الاقتصاد القومي وعلى انهياره لكن الحقيقة المرة وراء ذلك ببعيد. ولنفرض أن في التجربة المصرفية الإسلامية المعاصرة ما فيها من الملاحظات والثغرات فهل بناء على ذلك ترفض التجربة كلية ويطرد البديل الإسلامي أم تعالج وتقوم وتطور؟ وهل قامت إحدى الدول بمثل تلك الدراسات الجادة وعمل التطوير السليم وأعطت ذلك ما يستحقه من جهد وعناية؟ وهل نجد من أجهزة الإعلام والتوعية توجها صادقا حقيقيا نحو هذا البديل؟ وهل هناك أعمال جادة من قبل الجامعات ومراكز البحث العلمي حيال هذا البديل وتلك التجربة؟ وإذا كان هناك مثل ذلك فهل وجد الأذن الصاغية من قبل المسؤولين؟ وهل من الصواب أن يغلق الباب أمام الموضوع إلى أن يكتمل وينضج؟ وإذا فعلت ذلك كل دولة إسلامية فأين يتم ذلك؟ إن الصدق مع النفس مطلوب في كل شأن من شؤوننا وعلينا أن نتحراه وإن رأينا فيه الهلاك فإن فيه النجاة. هذا تعليق سريع على البديل الإسلامي وإلى أي مدى يمكنه أن يلبي مصلحة الأمة الإسلامية. نعود إلى خلاصة الباحث فقد بقي فيه نقطتان: الأولى: هي القيمة المالية للزمن في النشاط الاقتصادي، وقد ذكرها الكاتب مدعما بها وجهة نظره وبالتأكيد فإن ما قدمه في هذا الصدد يحسب عليه ولا يحسب له، وإضافة هذه الفقرة زادت الكلام وهنا على وهن. ذلك أنه باتفاق العلماء فإن للزمن قيمة مالية معتدا بها شرعا في النشاط الاقتصادي، فالثمن المؤجل يمكن شرعا أن يكون أكبر من

стр. 7927

الحال والثمن في السلم يمكن أن يكون أقل من الثمن في غيره، الإسلام لم يعتد بأي قيمة مالية للزمن في مجالات أخرى من أهمها الدين والقرض ففيه خمسة حالة تساوي تماما خمسة مؤجلة، وكيلوجرام حال يعادل كيلو قمح مؤجلا تماما بتمام. ومعنى ذلك أننا نحتكم للإسلام في الاعتداد بالقيمة المالية للزمن من عدمه. وكم كان حريا بالأخ الكاتب أن يدرك أن القرض بزيادة هو إعمال للقيمة المالية للزمن، فهل الشرع بذلك؟ ولو تأمل الكاتب الأقوال العديدة التي نقلها في الصدد عن الفقهاء لاتضح له أنهم قالوها في معرض تحريم الربا في معرض تجويزه وإباحته. وإلا لجاز شرعا بيع خمسة بستة مؤجلا التساوي في القيمة المالية بين خمسة حالة وستة مؤجلة لكن ذلك بنص الحديث الشريف، وهناك دراسات حديثة توضح تلك المسألة على حقيقتها (١). الثانية: وهي النقطة الأخيرة في بحث الأخ الكاتب وتتعلق بتقلب وتدهور قيمة النقود بفعل التضخم المستمر. ويخلص من ذلك إلى أنه من العدل إباحة الفائدة قائلا: "ولذلك لا يستطيع أحد الآن أن القيمة العددية للنقود معبرة عن قدرة اقتصادية أو قوة شرائية يتعين المدين أن يردها كاملة، ولذلك فإن المهلة الممنوحة للمدين في القرض لم تفوت على الدائن مكسبه فحسب بل إن هذه المهلة بل إن هذه المهلة تسبب له خسارة مالية بسب نقص القوة الشرائية لديه، ومن ثم فهناك توازن ضار بالدائن الأمر الذي نستخلص منه ضرورة الترخيص بالقرض بفائدة لأنه من العدل والإنصاف أن يشترك الدائن والمدين معا في احتمالات التقلبات النقدية وذلك بأن يتحمل الدائن نقص قيمة النقود،

стр. 7928

والمدين بأن يدفع الفوائد وبذلك تتحقق أهداف الفائدة العامة خارج نطاق أي تحريم ". أما أن قيمة النقود تتعرض للتقلب الدائم فهذا ما لا شك فيه لأنه حقيقة قائمة، لكن علاج ذلك من خلال الفائدة غير صحيح شرعا واقتصادا. وهناك أبحاث متخصصة في ذلك يمكن للكاتب الرجوع إليها وهل يجادل الأخ الكاتب بأن الفائدة ذاتها هي أحد العوامل الأساسية وراء هذا التقلب المستمر في قيمة النقود؟ وكنا نود من الكاتب أن يعمل فكره ليجد لنا علاجا ناجعا لهذه المشكلة صحيحا شرعا بدلا من القول باستخدام أداة مجمع على حرمتها وضررها الاقتصادي أبلغ من نفعها إن كان لها نفع. ثم إن الترخيص هو تشريع، ومن الذي يملكه هل أنا أو هو أو أحد غير رسول الله ﷺ إلا بالاعتماد القوي الواضح على نص شرعي وإذا كان من يملكه لم يفعله فهل الشريعة جاءت لعصر دون عصر؟ ويختم الكاتب كلامه بالتوجه بالدعوة الملحة لأهل الخبرة والرأي والإفتاء للتعاون من أجل الوصول إلى إجماع في الرأي حول الأعمال المصرفية. ونحن نضم صوتنا لصوته لكنا نذكر الكاتب بالقرار الذي اتخذه مجمع البحوث الإسلامية بتحريم الفائدة على الدين بالإجماع، وكذلك بالعديد من الفتاوى التي صدرت عن الرئاسة العامة للإفتاء بهذا الشأن. وبعد فهذا تعقيب أو رد على ما قدمه الكاتب ويمكن إجمال هذا كله في كلمة؛ لقد تصور الباحث أن الربا المحرم قطعيا فقط هو ربا الجاهلية المذكور في القرآن الكريم وليت الأمر وقف عند هذا الحد بل

стр. 7929

قد استند إلى مقدمات واهية في تحديده لربا الجاهلية؛ لقد حدده بزيادة طارئة لمدين محتاج للصدقة. ومعنى ذلك أن الزيادة الأصلية ليست محرمة لأنها ليست من ربا الجاهلية وهو بذلك يخرج قسما كبيرا من ربا الجاهلية أو ربا النسيئة من نطاق الحرمة، كذاك فإنه يقيده بما إذا كان المدين أقل غنى من الدائن وأنه تجوز عليه الصدقة وأي صورة لا تحقق ذلك لا تدخل في نطاق ربا الجاهلية وهكذا فهو لم يقصر الربا المحرم على ربا النسيئة حسب بل قصر الحرمة على بعض صور ربا النسيئة. وقد ثبت لنا كل ذلك غير صحيح، كما ثبت أيضا أن الإيداع المصرفي الذي هو باعتراف خبرائه من باب القرض هو صورة طبق الأصل من صور ربا الجاهلية وقد أجمع العلماء بكافتهم على حرمة الزيادة المشترطة على الدين أو القرض بغض النظر عن كون القرض لغرض إنتاجي أو استهلاكي وعن كون المدين أكثر غنى أو أقل غنى من الدائن. وفي النهاية يهمني أن أؤكد أنني ما قصدت بذلك تعريضا أو سوء ظن بالكاتب أو بغيره بل كل القصد أن أسهم بما لدى من معرفة ضئيلة في هذا الموضوع عسى أن يكون فيها ولو بعض الصواب فينتفع بها الناس في دنياهم وأخراهم. وإنني أهيب بالأخ الكريم أن يتقي الله تعالى فينا وفي عمله ووظيفته وبدلا من هذا الجهد الذي أقل ما يمكن أن يوصف بأنه جهد ضائع. ومضيع لمجهود الغير بدلا من ذلك نهيب به أن يبذل جهدا فعالا ومؤثرا في إبراز مساوئ الفائدة بأسلوب تحليلي ثم في تطوير الأسلوب البديل الذي يحقق أعلى فعالية اقتصادية في إطار من الشريعة الإسلامية. والله تعالى نسأل أن يهدينا جميعا سواء السبيل. شوقي أحمد دنيا

стр. 7930

من أفذاذنا العلماء الشيخ محمد بن إبراهيم

стр. 7931

صفحة فارغة

стр. 7932

للشيخ / عبد الله بن سليمان المنيع لا شك أن لمعرفة التاريخ ورجال التاريخ فوائد وثمار لا يدركها تمام الإدراك إلا من عرف كيف يبتدئ مما انتهى إليه الناس ليأخذ من التجارب ومن العبر والعظات أنفع درس وأعلى تربية وحينما نروم في هذا البحث الحديث عن فذ من أفذاذنا ورجل من رجال العلم والتقى والصلاح ورحابة الأفق ذلكم هو شيخ الجيل الحاضر من العلماء وباعث النهضة العلمية في علوم الشريعة وعلوم اللغة وعلوم الاجتماع مجدد القرن الرابع عشر الهجري سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ رحمة واسعة وغفر له مغفرة تنتهي به إلى جنات عدن أعلى عليين، حينما نروم الحديث عن حياة سماحته وجوانب كفاحه في سبيل المساهمة في إرساء قواعد الشريعة الإسلامية ونشر علومها وتكثيف أهلها من عالمين ومتعلمين فإنما نحاول إعطاء هذا البحر من العلوم وهذا الجبل في الثبات وهذا المجاهد الصابر في سبيل مصلحة هذه البلاد ما يعتبر جزء من الاعتراف بفضله ومساعيه المشكورة في كل أعماله العلمية والقضائية والتعليمية والإصلاحات الاجتماعية وأن نذكر سيرته لنشئ جديد يتفيأ الآن ظلال أعماله ومساعيه ولنذكر أبناءه وأحفاده وتلاميذه بسيرته العطرة لعل في هذا التذكير ما يحفز الهمم إلى اقتفاء أثره في العلم والعمل.

стр. 7933

فمن هو الشيخ محمد بن إبراهيم: هو سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن المصلح المجدد والمجاهد في الله حق جهاده الشيخ الجليل محمد بن عبد الوهاب ينتهي نسبه إلى مضر بن نزار بن معد بن عدنان. فهو عالم من عالم من عالم وفقيه من فقيه من فقيه وزعيم من زعيم من زعيم توارث آباؤه وأجداده الصدارة في العلم والوجاهة والقيادة والاعتبار فأبوه الشيخ إبراهيم قاضي منطقة الرياض له مكانته الاجتماعية في أهلها وعند حكامها وجده الشيخ عبد اللطيف يقصر البيان عن وصفه علما وجهادا ومرجعا وجده الشيخ عبد الرحمن لا يستطيع قلم من لم يعاصره أن يعطيه حقه في سعة العلم ورجاحة العقل ورفعة المكانة أما أخواله وأجداده من جهة الأم فهم أسرة الهلالات من أرقى بيوت عرقة وجاهة ومكانة واعتبارا. وأستميح سماحة أخي وصديقي الزميل الكريم الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام لأقتبس من ترجمته لشيخنا محمد ما يتعلق بنشأته العلمية وتعلمه وتعليمه ومشائخه وطلابه مع إضافة ما أراه تكميلا أو تصحيحا بصفتي عملت مع سماحته ﵀ قرابة اثنتي عشرة سنة في دار الإفتاء بالرياض. ولد في مدينة الرياض في اليوم السابع عشر من شهر محرم سنة إحدى عشرة وثلاثمائة وألف من الهجرة. وكان مولده في بيت علم وفضل وزعامة دينية فنشأ على عادة أهله وآبائه محبا للعلم طموحا إلى الفضل وكان والده العلامة الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف يومئذ هو قاضي مدينة الرياض.

стр. 7934

فهو من أكابر علماء نجد ومشاهيرهم فاحتذى الابن سنة أبيه فمن حين بلغ السابعة من عمره شرع يتعلم القرآن الكريم في كتاب للمقرئ عبد الرحمن بن مفيريج فأتم قراءته وإجادته ثم شرع في حفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب فما بلغ الحادية عشرة حتى أتمه حفظا. ثم شرع في طلب العلم فأخذ في القراءة على أبيه وعلى عمه علامة نجد في زمنه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف وقراءته الأولى في التوحيد وأصول العقيدة قراءة حفظ وتفهم ثم قرأ مختصرات كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وبمختصرات كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم كالواسطية والحموية وكذلك عني بمختصرات النحو والفرائض كالأجرومية والرحبية. وكف بصره وهو في الرابعة عشرة من عمره (١) فصبر واحتسب ولم يثن عزمه وتصميمه في طلب العلم فقد زاد هيامه في تحصيله وقضى أيام حياته في إدراكه فشرع في القراءة على علماء الرياض زيادة على القراءة على عمه وأبيه فشرع في قراءة التفسير والحديث وأصولهما على الشيخ سعد بن عتيق وفي النحو وعلوم العربية على الشيخ حمد بن فارس وفي المطولات من كتب الفرائض على الشيخ عبد الله بن راشد بن جلعود فأدرك في كل هذه العلوم إدراكا جيدا -وذكر لنا ﵀ أن من مشايخه الشيخ عبد الله بن عمار -. وتوفى والده عام ١٣٢٩ هـ فصار لإخوته الصغار كالأب في الحنو والشفقة وجعل من أخيه الشيخ عبد اللطيف مرافقا له في الذهاب والإياب ومعينا له في تحضير المسائل وإعداد الدروس فاستفاد كل منهما من أخيه، ولم يزل على حاله في الاشتغال بالعلم وصرف جميع أوقاته

стр. 7935

في تحصيله حتى أدرك في زمن قصير ما لم يدركه الكبار في الزمن الطويل وصار عين تلاميذ عمه العلامة الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف. ولما مرض عمه وثقل عليه المرض دل جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود على ابن أخيه المترجم له وأشار له إلى علمه وعقله وبعد نظره وحسن إدراكه فلما توفى الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف كان المترجم له قد بلغ أشده وارتقت مداركه واتسعت معلوماته وعلا ذكره وذاع صيته فخلف عمه في الزعامة الدينية والرياسة العلمية وتولى ما كان يقوم به عمه من التدريس والإفتاء وإمامة الجامع والخطابة والتصدر في مجالس العلم فالتف حوله الطلاب وشرعوا في القراءة عليه والاستفادة منه، كما أن جلالة الملك عبد العزيز ﵀ رأى فيه الكفاية والسداد ليكون مستشارا شرعيا له في تولية المضاء وإبداء الرأي في الأمور الشرعية، ولقد كان من أكبر المساهمين في دحض شبه غلاة البادية فرد شبههم وأبطل حججهم وبين طريق الحق والرشاد. ولقد قام بهذه الوظائف الدينية والعلمية أحسن قيام وأتمه لا سيما الدروس، فإنه شغل جل وقته في تعليمه وتلقينه لطلابه على اختلاف مراتبهم وتباعد درجاتهم. فكان يجلس في مسجد الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف الذي هو في حي دخنة بعد صلاة الصبح لصغار الطلاب فيدرسون عليه مبادئ النحو في الأجرومية ثم يأتي بعده المتوسطون في العمر ثم يأتي بعدهم الكبار بالألفية وكل واحد من هذه الطوائف الثلاث يعطيه ما يناسبه من المسائل والبحث والدرس. فإذا انتهت دروس النحو شرع في دروس الفقه فأخذ الطلاب يقرءون عليه -مختصر المقنع- عن ظهر قلب ثم يشرع في شرحه وبيان معانيه ثم يعيدون الدرس بعد شرحه بقراءة أحدهم واستماع الباقين وهو

стр. 7936

يقاطع القارئ بشرح جمله وتعليل أحكامه وإلحاق فائدة لما هو عليه من سعة في الفقه وجودة استحضار وغزارة مادة فلا ينتهون من هذه القراءة لا وقد أشبع رغبات الطلاب بما أزاح من الإشكالات وأوضح من المعاني وصور من المسائل وزاد من الفوائد. وبعد انتهائهم من درس الفقه يشرعون في درس الحديث والكتاب المفضل لديه لتدريس أصحابه هو كتاب -بلوغ المرام- لمطابقته لكتب الأحكام وسيره معها فهو دليلها ومستند أحكامها ومستند تفريعها فيوضح ألفاظه ويبين أحكامه ويبرز فوائده. وكل ما تقدم من دروس النحو ودروس الفقه ودروس الحديث في جلسة واحدة من جلساته والتلاميذ على حلقته الكبيرة ما بين وارد وصادر وهو في مجلسه كالنبع الصافي والمورد العذب الذي لا ينضب على كثرة الواردين وازدحام الناهلين. ثم يذهب إلى بيته فيلبث فيه بقدر ما يفرغ من حاجاته الضرورية ثم يعود إلى مجلسه في المسجد فيأتيه كبار الطلاب ويشرعون بالقراءة عليه بالكتب الكبار والمراجع الضخام ثم يعود إلى بيته ويستريح فيه حتى تحين صلاة الظهر، وبعد الفراغ من الصلاة يقام الدرس بحضور كبار التلاميذ وصغارهم بأحد الأمهات الست. وبعد الفراغ منها يقرأ عليه الطلاب في كتب العقيدة ككتب شيخ الإسلام ابن تيمية وكتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وكتب غيرهما في عقائد السلف ويستمر الدرس حتى صلاة العصر وبعد الصلاة إلى قرب المغرب وهو في جلسة واحدة لاستقبال الطلاب فوجا بعد الآخر وهم ما بين كتب التوحيد أو الحديث أو الفقه أو النحو وبعد صلاة المغرب يخصص وقته لعلم الفرائض، فإذا قرب العشاء شرع في درس عام فقرأ عليه قارئ تفسير ابن كثير وهو يعلق على التفسير والآيات

стр. 7937

الكريمات بما يرى الحاجة تدعو إلى ذكره وإلحاقه حتى الساعة الثانية والنصف ليلا بالتوقيت الغروبي. وهكذا قد فرغ كل أوقاته وصرف جميع حالاته في خدمة العلم وتحصيله ونشره. ومن هذا الإقبال العظيم على العلم والانصراف إلى مراجعته وتدريس وسماع هذه الكتب النافعة والأسفار المفيدة تدرك السر في سعة علمه وكثرة تحصيله ومدى اطلاعه فإنه لبث على هذه الحال منذ توفى عمه عام ١٣٣٩ حتى عام ١٣٨٢ هـ حينما أسندت إليه كبار الأعمال وتعددت مسؤولياته وكثرت مشاغله. كما أن هذه الهمة الكبيرة في العلم والرغبة الملحة في نشره وتعليمه صار لها أثر كبير في حياته فقد نبغ على يديه كبار العلماء وتخرجت عليه أفواج لا تحصى من طلاب العلم. والذين نعرفهم من تلاميذه الكبار النابهين هم: أ- الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة (١). ٢ - الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد رئيس الإشراف الديني بالمسجد الحرام (٢). ٣ - الشيخ عبد الرحمن بن قاسم صاحب المؤلفات وجامع فتاوى"شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. ٤ - الشيخ عبد الله بن محمد القرعاوي الداعية الإسلامية في جنوب المملكة العربية السعودية. ﵀. ٥ - الشيخ عبد العزيز بن ناصر بن رشيد رئيس هيئة التميز (٣).

стр. 7938

٦ - الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ رئيس المعاهد والكليات. ﵀. ٧ - الشيخ عبد الملك بن إبراهيم آل الشيخ رئيس هيئات الأمر بالمعروف بالحجاز وهما أخوان. رحمهما الله. ٨ - الشيخ عبد العزيز بن محمد آل الشيخ رئيس المعاهد والكليات بعد عمه (١). ٩ - الشيخ إبراهيم بن محمد آل الشيخ رئيس الدعوة والإرشاد والإفتاء والبحوث (٢) وهما ابناه. ١٠ - الشيخ سليمان بن عبيد رئيس المحكمة الكبرى بمكة المكرمة (٣). ١١ - الشيخ عبد الله بن دهيش رئيس المحكمة الكبرى بمكة سابقا. ﵀. ١٢ - الشيخ عبد الله بن سليمان المسعري رئيس ديوان المظالم (٤). ١٣ - الشيخ محمد بن هليل عضو ديوان المظالم (٥). ١٤ - الشيخ حمد الجاسر صاحب المؤلفات ومؤسس دار اليمامة للطباعة والنشر. ١٥ - الشيخ عبد الله بن يوسف بن وابل قاضي محكمة أبها سابقا ﵀. ١٦ - الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن حسن آل الشيخ وزير المعارف سابقا.

стр. 7939

١٧ - الشيخ حمد بن محمد بن فريان وكيل وزارة العدل. ١٨ - الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن فريان الواعظ المشهور (١). ١٩ - الشيخ راشد بن صالح بن خنين. المستشار بالديوان الملكي. ٢٠ - الشيخ زيد بن فياض. المدرس بكلية أصول الدين. ٢١ - الشيخ سعود بن رشود رئيس محكمة الرياض سابقا ﵀. ٢٢ - الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ ﵀. ٢٣ - الشيخ عبد الرحمن بن فارس. القاضي بمحكمة التمييز بالرياض وممن درس على سماحته في حلقات الدرس: وأضيف إلى من ذكرهم الشيخ عبد الله من يلي: أ- الأمير مساعد بن عبد الرحمن. ﵀. ٢ - الشيخ محمد البواردي. ﵀. ٣ - عبد الله بن محمد أبو بطين. ﵀. ٤ - عبد العزيز أبو عباة. ﵀. وممن تتلمذ على سماحته في ميدان العمل: ١ - الشيخ عبد الله بن عقيل. ٢ - الشيخ محمد بن عوده (٢). ٣ - الشيخ عمر المترك. ﵀. ٤ - الشيخ عبد الملك بن عمر (٣). ٥ - الشيخ عبد الله بن غديان (٤). ٦ - الشيخ صالح بن لحيدان (٥).

стр. 7940

٧ - كاتب هذه الترجمة عبد الله بن سليمان بن منيع - ولي إجازة وشهادة من سماحته أورد نصها فيما يلي: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. وبعد فبناءا على رغبة الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع في مواصلة دراسته في أحد المعاهد العالية للتخصص في الفقه الإسلامي وحيث إن شهادته الجامعية من كلية اللغة العربية ويخشى ألا تكون كافية لتبرير التحاقه بما يرغبه في أحد المعاهد العالية، وحيث إن اختيارنا قد وقع عليه ضمن من اخترنا لعضوية دار الإفتاء وقد كان التحاقه حتى بها عضوا في مستهل عام ١٣٧٨ هـ وقد كان منذ تعيينه عضوا في الإفتاء حتى الآن وهو يقوم بتحضير البحوث الشرعية في العقائد والعبادات والمعاملات والجنايات والأقارير وغيرها "ويعد بها الفتاوى اللازمة تحت إشرافنا وتوجيهنا وقد اكتسب بحكم عمله هذا تحصيلا علميا في القضايا الشرعية يفوق ما يتحصل عليه حاملو الشهادات العالية من كلية الشريعة وفضلا عن هذا فإن في منهاجي كليتي الشريعة واللغة العربية تقاربا يعطي حملة شهادة كلية اللغة العربية التحصيل الشرعي المقارب لما يتحصل عليه حملة شهادة كلية الشريعة " لهذا كان منا تعيين بعض المبرزين من كلية اللغة العربية في مناصب قضائية " وبناءا على ما ذكر واستجابة لرغبة الشيخ المذكور إعطاءه شهادة منا بأن تحصيله الشرعي الآن في الفقه الإسلامي وأصوله يفوق ما يتحصل عليه حملة شهادة كلية الشريعة ولتكون هذه الشهادة مسوغا له في دخول ما يختاره من المعاهد العالية " فقد جرى منا تحرير هذه الشهادة قال ذلك وأملاه الفقير إلى ربه محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف مفتى الديار السعودية ورئيس قضاتها. وصلى الله على محمد واله وصحبه وسلم. ١/ ٦ / ١٣٨٤ الختم محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف

стр. 7941

وغير هؤلاء كثير ممن لا أستطيع الحصول على أسمائهم لأن المذكور هو شيخ الوقت ومرجع العلماء ومقصد الطلاب فقد تجشموا الأسفار الطويلة للأخذ عنه والاستفادة- اهـ منه.

стр. 7942

أعماله: بعد وفاة الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف ﵀ عام ١٣٣٩ هـ انتقلت الزعامة الدينية إلى سماحة شيخنا الشيخ محمد ﵀ إلا أن عمله الرسمي حتى اكتمال توحيد المملكة العربية السعودية لم يتجاوز الاستشارة فيمن يصلح قاضيا أو إماما في جامع لحاضرة أو بادية مع تقديم الفتوى فيما يرغب الملك عبد العزيز ﵀ في الاستفتاء فيه أو الاستشارة فيه مما له علاقة بالشؤون الدينية فانصرف ﵀ إلى التعليم والتدريس شاغلا كل أوقاته بذلك ثم توسعت دائرة استشارته ﵀ من الملك عبد العزيز حتى وكل إليه أمر اختبار القضاة وتكليفهم بالقضاء وتولى أمور تنقلاتهم وشؤون أعمالهم وذلك فيما يتعلق بالقضاء في المنطقتين المنطقة الوسطى والمنطقة الشرقية وقد كان ﵀ يتبادل مع الملك عبد العزيز ﵀ الشعور بضرورة العمل على إيجاد معهد علمي يتخرج فيه من يختار للقضاء نظرا لتطور الوسائل التعليمية بعد انتشار المدارس الابتدائية والثانوية ونشأة أول كلية علمية للشريعة في مكة المكرمة. ثم انتهى تبادل الرأي وتداوله بين الملك عبد العزيز وسماحة شيخنا إلى الأمر بافتتاح معهد علمي في الرياض يختار للدراسة فيه مجموعة من طلاب العلم ومنهم طلاب شيخنا في جامعه في دخنة ويختار للتدريس فيه مجموعة من كبار العلماء داخل المملكة وخارجها ووكل أمر رئاسة هذا المعهد إلى سماحته ثم توسعت الدائرة العلمية فافتتحت مجموعة من المعاهد الفرعية لهذا العهد في مجموعة من مدن المملكة ثم افتتحت كلية الشريعة ثم تلتها كلية اللغة العربية وصار

стр. 7943

رحمه الله يولي هذا النوع من التعليم من جهده ونشاطه الشيء الكثير، مما جعل هذه المؤسسة العلمية من أنفع المؤسسات العلمية للدولة فلقد أمنت لها القضاة والمدرسين والإداريين والمستشارين والعلماء المبرزين في ميادين العلوم الشرعية حيث انتشرت التحقيقات والمؤلفات العلمية ورأى ﵀ بثاقب بصره أن القضاء في حاجة إلى المزيد من التركيز والتأهيل فاستصدر أمر ولي الأمر بافتتاح معهد عال للقضاء لتخريج القضاة فافتتح وآتى أكله. ثم رأى ﵀ أن التوعية الإسلامية وتبصير الناس أمور دينهم ودنياهم ليس محصورا في المؤسسات التعليمية ولا في الدراسات التقليدية وإنما للصحافة سهم وافر في الإسهام في ذلك فاستصدر ﵀ أمرا من ولي الأمر بإيجاد مؤسسة صحفية إسلامية تصدر عنها مجلة أسبوعية تأخذ دورها في التوجيه والبيان والإيضاح والرد على ما فيه مخالفة لمقتضيات شرعية في الاعتقاد والعمل على تأسيس هذه المؤسسة وأسند مجلس إدارتها إلى مجموعة من أهل العلم والصلاح والوجاهة فصدر عن هذه المؤسسة مجلة باسم الدعوة ولا تزال هذه المؤسسة تزاول عملها بإصدار مجلة الدعوة كل أسبوع وقد تلاشى أمل الكثير ممن كانوا يعقدون عليها أهمية كبرى في تضلعها برسالتها التي كان يريدها لها سماحة منشئها حيث مضى عليها أكثر من عشرين عاما ونتائجها محدودة وأعمالها تقصر دون الأمل منها. وغني عن البيان القول أن المعهد العلمي الذي قام بتأسيسه سماحة شيخنا وتطور في عهده تطورا تفرع عنه العديد من المعاهد العلمية وصار تمهيدا لتأسيس كليات علمية تستمد قوتها من هذه المعاهد غني عن البيان أن هذه المؤسسة العلمية قد تحولت الآن إلى جامعة قوية ذات كيان ذائع الصيت في المحافل العلمية العالمية هي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

стр. 7944

على أن هذا لا يعني اقتصار سماحته ﵀ على هذا الصنف من الرئاسة العلمية فقد أسند لسماحته ﵀ الإشراف العام على الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة والإشراف العام على تعليم البنات في عموم المملكة فكان لتوجيهاته وترتيباته الأثر الجلي في تمكن هذا النوع من التعليم لا سيما ما يتعلق بتعليم البنات فقد استطاع ﵀ أن يتوصل إلى طريقة فريدة رائدة في مجال تعليم النساء تعليما لا يترتب عليه اختلاط لا في الهيئة التعليمية نفسها ولا بين الهيئة التعليمية والقيادة العامة للتعليم. وفي المجال القضائي فقد أسند أمر القضاء إداريا في المنطقتين الوسطى والشرقية إلى سماحته وفي آخر العقد السابع للقرن الرابع عشر الهجري وبعد وفاة الشيخ عبد الله بن حسن ﵀ توحدت الإدارة القضائية في المملكة تحت رئاسة سماحته. وفي العام الخامس والسبعين بعد الثلاثمائة والألف تأسست دار الإفتاء في الرياض وأسندت رئاستها لسماحته فصار ﵀ بذلك رئيس القضاة ومفتى الديار السعودية فرتب رئاسة القضاة ترتيبا إداريا استطاعت به الهيمنة على شؤون القضاة تعيينا ونقلا وإعفاء وغير ذلك من المستلزمات المالية لاستمرارية العطاء القضائي. وعين مجلسا للقضاء برئاسة سماحته شغله مجموعة من العلماء هم أصحاب المعالي محمد بن عودة وراشد بن خنين وعمر بن مترك ﵀ ورتب الإفتاء ترتيبا إداريا استطاعت به أن تقوم بالشؤون الموكولة إليها من حيث الإفتاء ومراقبة المطبوعات وتعيين الأئمة والمؤذنين. وعين مجلسا. للإفتاء شغله مجموعة من المشائخ هم عبد الله بن عقيل وعبد الله بن منيع، وعبد الملك بن عمر، وعبد الله بن غديان. واستصدر أمرا بتأسيس مكتبة عامة تم تأسيسها تحت اسم المكتبة السعودية وربطت إداريا وماليا بدار الإفتاء

стр. 7945

استمرت على فتح أبوابها لطلبة العلم صباحا ومساء. وأسند إلى سماحته أمر إعادة النظر في القضايا المنتهية بأحكام من القضاة جرى تمييز محكمة التمييز في مكة المكرمة أو محكمة التمييز في الرياض أو جرى خلاف بين القضاة أنفسهم والتمييز. فأمر بتخصيص رئاسة القضاة بالقضايا المختصة بمنطقتي الوسطى والشرقية وبتخصيص الإفتاء بالقضايا المختصة بالمنطقة الغربية فكان عمله ﵀ في هذه القضايا في عموم عمل محكمة تمييز عليا تشبه الآن عمل المجلس الأعلى للقضاء بهيئته واستمر الوضع على هذا المنوال حتى انتقل إلى رحمة الله فتشكلت هيئة علمية قضائية تقوم بالنظر فيما كان سماحته يقوم به، وكاتب هذه أحد أعضائها. ثم بعد تأسيس وزارة العدل تحولت الهيئة العلمية هيئة قضائية عليا تزاول الأعمال القضائية العليا التي كان سماحة مختصا بنظرها.

стр. 7946

عمله اليومي: تقدم أنه كان ﵀ شاغلا كل وقته بالتدريس في جامعه وفي بيته وبعد أن تراكمت على سماحته الأعمال الإدارية من علمية وفتوى وإشراف عام على الشؤون الدينية حالت تلك الأعمال عما كان يقوم به من التعليم فتفرغ لها تفرغا كاملا وبصفتي أحد المقربين لدى سماحته في العمل معه في الإفتاء فلدي خبرة تامة بعمله اليومي: يقوم من نومه قبل الفجر بما شاء الله ثم يصلي تهجدا ما شاء الله له ذلك يتلو في تهجده ما يتيسر له من كتاب الله تعالى حتى يؤتى ثم يصلي الفجر إماما في مسجده القريب من بيته في دخنة ثم "صلاة الفجر في بيته لمن يأخذ منه موعدا من أعضاء الإفتاء وأعضاء الرئاسة لعرض ما لديه من قضايا وأخذ توجهه نحوها ويستمر ذلك معه

стр. 7947

حتى الساعة الواحدة صباحا بالتوقيت الغروبى ثم يأتي دور مدير مكتبه الخاص ليعرض عليه من الأمور السرية ما يتيسر له عرضه. وبمناسبة الحديث عن مكتب سماحته الخاص فهو شبيه بمركز القيادة العامة التي تصدر عيها كل التوجيهات لقطاعات أعمال سماحته في المجالات العلمية والقضائية والشؤون الدينية والإفتاء وغير ذلك من الأمور السرية المختصة بأجناس المجتمع. بعد انتهاء دور مدير مكتبه الخاص يغادر مكتبه إلى داخل بيته ليستريح قليلا ويتناول فطوره ثم يذهب إلى الإفتاء إن كان هذا اليوم من أيامها أو يذهب إلى رئاسة القضاة إن كان من أيامها حيث قسم سماحته أيام الأسبوع بين الإفتاء ورئاسة القضاة لكل واحدة منهما ثلاثة أيام في الأسبوع متغايرة يوم في الإفتاء ويوم في الرئاسة وبعد صلاة الظهر يجلس مجلسا خاصا لمن أخذ منه موعدا من القضاة لعرض ما لديه من إشكال في عمله من حيث مكانه في العمل أو ما يعترضه من إشكال قضائي فيما ينظره في قضائه أو من حيث رغبته في الانتقال أو التقاعد أو غير ذلك مما يلجأ إليه بعد الله في حل إشكاله. وقد يشترك في هذا المجلس عندي سماحته غير القضاة أشخاص من أسر ذات مكانة خاصة لا تريد الإسهام في حل مشاكلها والإشراف عليها من غير سماحته. يمكث في مجلسه هذا ما بين الساعة والساعتين تبعا لعدد من يتفق معهم على هذا الموعد ثم يتغدى ويستريح قليلا وبعد أدائه صلاة العصر يكون قد أعطى موعدا لواحد من أعضاء الإفتاء أو الرئاسة لعرض ما لديه من معاملات قضائية للنظر فيما صدر فيها من أحكام قضائية من المحاكم ثم من التمييز مما يرغب المقام السامي من سماحته التأكد من صحة الإجراءات القضائية التي صدرت بخصوصها فيستمر معه ذلك العضو حتى قبيل آذان المغرب.

стр. 7948

يكون ذلك في بيت سماحته وقد يكون في مزرعة سماحته في عرقة. ولسماحته بعد صلاة المغرب مجلس عام يحضره كل من يريد السلام على سماحته أو الاتفاق معه على موعد خاص لعرض مشكلته لديه. لهذا المجلس من العموم ما له من حيث أجناس الناس وأصناف الأحاديث حديث في الأخبار العامة، حديث في الأحوال الجوية، حديث عن مسألة فقهية يجري طرحها للاسترشاد من سماحته عن حكمها حديث عن أحوال المجتمع من حيث التعليم أو الصحة أو المرافق العامة أو القبائل العربية وتسلسل أنسابها يستمر هذا المجلس العام حتى آذان العشاء ثم يذهب إلى المسجد ليستمع إلى قراءة تفسير ابن جرير تنتهي في الغالب بتعليق من سماحته على الدرس ثم تقام الصلاة. وبعد صلاة العشاء يختصر سماحته مع مدير مكتبه الخاص لعرض ما لديه من أعمال سرية وعامة يجري بعدها التوجيه من سماحته ببعثها لجهات اختصاصها من المؤسسات التابعة لسماحته ثم بعد ذلك يأتي موعد أحد أعضاء الرئاسة أو الإفتاء مع سماحته لعرض ما لديه من معاملات قضائية يجري التوجيه عليها بما يراه سماحته بواسطة ذلك العضو وذلك لختمها تمهيدا لبعثها للجهة التي جاءت منها ثم ينهض سماحته إلى داخل البيت لتناول ما يتيسر له من عشاء ثم ينام وهكذا يسير برنامجه مغايرا وبهذا يتضح أن سماحته ﵀ كان يقضي ما لا يقل عن سبع عشرة ساعة كلها في خدمة المسلمين وبصفة دائمة ومستمرة لا تقطعها إجازة ولا يحول دون القيام بها أي تعلل من تعللات الآخرين فرحمه الله رحمة واسعة وأجزل له من الثواب والجزاء ما يؤهله لأعلى عليين.

стр. 7949

ومادام الحديث عن عمله وأعماله فقد يكون من لم شعث الحديث عن أعمال سماحته اختصار اختصاصاته فيما قبل عشر سنين من وفاته ﵀ فيما يلي: ١ - رئيس القضاة في المملكة العربية السعودية. ٢ - مفتي الديار السعودية. ٣ - المشرف العام على الشئون الدينية فيما يتعلق بمراقبة المطبوعات وتعيين الأئمة والمؤذنين والإذن بإقامة الجمع في عموم البلاد. ٤ - الرئيس العام للمعاهد العلمية والكليات. ٥ - المشرف العام لتعليم البنات. ٦ - المشرف العام على التعليم في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. ٧ - الرئيس العام لرابطة العالم الإسلامي. ٨ - المستشار الخاص لجلالة الملك فيما يتعلق بالشئون الداخلية وشئون الأسرة. ٩ - الإمام الأول للجامع الكبير في الرياض والإمام الراتب لجامعه في دخنة. ١٠ - المرجع النهائي للقضاء أي أن سماحته في مقام المجلس الأعلى للقضاء بهيئته الدائمة والعامة. هذه أهم أعمال سماحته الرسمية.

стр. 7950

أخلاقه: كان ﵀ راجح العقل واسع الأفق بعيد النظر كثير التأني في إعطاء قراره فيما يتطلبه الأمر منه. شجاعا في إبداء رأيه يقلب الأمر قبل قراره على أكثر من وجه، فإذا قرر مضى في قراره دون تردد أو تراجع يصدق عليه قول الشاعر:
следующие страницы →