غيرها أكبر ضربة توجه إلى اقتصاد الدول والشعوب كما صرح بذلك أساطين الاقتصاد كما أشرنا إلى ذلك آنفا.
د) إن القول بحضر هذه المعاملة ليس مبنيا على ارتياح النفس أو عدم ارتياحها، وإنما هو مبني على النص والإجماع المحرمين لهذه المعاملة التي لا تكييف لها إلا أنها قرض بفائدة محدودة مقابل الأجل، ومع ذلك فإننا نقول بالبديل عنها وهو نظام المضاربة (القراض) المجمع على جوازه شرعا، وهو ما تعامل به المسلمون في سائر العصور إذ لا يتحقق في هذه المعاملة الربا، ويتحمل فيها كل من صاحب المال والعامل نصيبه من الربح والخسارة ومن ثم ينتفي فيها الظلم عن كل منهما.
والخلاصة أن الكاتب لم يوفق في إضفاء الشرعية على معاملة المصارف التي تقرض المستغلين من أصحاب المصانع والمتاجر والعقارات ونحوهم بفائدة محدودة، وأن كل ما ذكره لإثبات هذه الشرعية إنما هي شبهات واهية لا يثبت بها ما يدعيه. ولم يزد على أن جاء بملخص لما سبقه إليه الدكتور معروف الدواليبي في مقاله الذي نشره باللغة الفرنسية عام ١٣٧١ هـ الموافق ١٩٥١م (١)، وقد اطلعت عليه في العام الماضي مكتوبا باللغة العربية. والذي نراه بديلا لهذه المعاملات الربوية هي المضاربة إذا التزم فيها أحكام الشرع التي قررها الفقهاء استنباطا من كتاب الله العزيز وسنة رسوله ﷺ وإجماع فقهاء الأمة.
والله تعالى ولي التوفيق وهو الهادي إلى سواء السبيل.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
محمد بن أحمد الصالح
стр. 7877
بل الفائدة المصرفية من ربا النسيئة
رد على بحث الدكتور إبراهيم بن عبد الله الناصر حول "موقف الشريعة الإسلامية من المصارف.
" للدكتور / شوقي أحمد دنيا
الاسم شوقي أحمد دنيا.
الميلاد من مواليد جمهورية مصر العربية.
المؤهل ١) بكالوريوس تجارة قسم الاقتصاد كلية التجارة جامعة الأزهر.
٢) ماجستير في الاقتصاد بعنوان " الإسلام والتنمية الاقتصادية " من تجارة الأزهر.
٣) دكتواره في الاقتصاد بعنوان " تمويل التنمية في الاقتصاد الإسلامي - دراسة مقارنة من تجارة الأزهر.
العمل عضو هيئة التدريس بقسم الاقتصاد الإسلامي - كلية الشريعة - الرياض.
الإنتاج العلمي: من مؤلفاته: (١) دراسات في الاقتصاد الإسلامي " كتاب ".
(٢) أعلام الاقتصاد الإسلامي " كتاب ".
(٣) نقد لكتاب في الفكر الاقتصادي الإسلامي للدكتور فاضل عباس الحسب " بحث منشور ".
(٤) النقود بين الاقتصاد الإسلامي والاقتصاد الوضعي " بحث منشور ".
(٥) تقلبات القوة الشرائية للنقود وأثر ذلك على الائتمان الاقتصادي والاجتماعي " بحث منشور ".
بالإضافة إلى أبحاث أخرى في مؤتمرات وندوات خاصة بالاقتصاد الإسلامي.
стр. 7878
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله محمد بن عبد الله وعلى اله وصحبه ومن عمل بشريعته وتمسك بسنته إلى يوم الدين.
وبعد: فهذه ورقة حول الدراسة التي قدمها الدكتور إبراهيم الناصر المستشار القانوني بمؤسسة النقد السعودي بشأن " موقف الشريعة الإسلامية من المصارف ".
وبداية نحب أن نؤكد على أن مهمة وحدود هذه الورقة هي مجرد مناقشة الورقة التي قدمها الدكتور إبراهيم، وبيان ما فيها وما عليها، مع العلم بأن الموضوع في ذاته هو أكبر بكثير من هذه الورقة، وهو برغم كثرة ما كتب فيه بحاجة إلى بحث معمق يحتاج إلى مزيد من الجهد ومن الوقت، نرجو الله تعالى أن ييسر لنا ولغيرنا ذلك.
ومجمل مناقشتنا يخلص إلى مخالفة الدكتور إبراهيم فيما قدمه من مقدمات وفيما توصل إليه من نتائج. منهجنا في هذه الورقة هو مناقشة التحليلات والمقدمات التي طرحها الأخ الكاتب، وكذلك مناقشة ما توصل إليه من نتائج، مع إعطاء لمحة سريعة عن البديل الإسلامي.
ويمكن إجمال ما قدمه الكاتب في ورقته في صيغتها الثانية الأكثر شمولا وتفصيلا بأنه تناول مفهوم الربا في كل من القرآن والسنة كما فهمه. ثم عرض لموقف بعض العلماء من المصارف مضيفا إلى ذلك. مناقشة لطبيعة الأعمال المصرفية وبوجه خاص ومراكز، بل وأساسي عملية " الإيداع " وبعجالة عملية " الإقراض المصرفي " وخلص من بحثه هذا إلى نتائج تتلخص في أن الأعمال المصرفية الحالية لا تدخل في الربا القرآني المجمع على تحريمه، وإنما هي معاملة مستجدة تخضع للقواعد العامة للشريعة ومقاصدها المتمثلة في تحقيق مصالح الناس.
стр. 7879
ولم يقف عند هذا الحد بل واصل القول مصرحا بأنها حلال استنادا إلى أنها ليست من الربا الذي حرمه القرآن الكريم وعملا بالمصلحة التي نوه بها بعض العلماء واستئناسا بموقف العلماء المعاصرين، كما دعم هذا الموقف بما أشار إليه من أن بعض أنواع الربا حرمت تحريم وسائل لا تحريم مقاصد فتباح عند الحاجة، كما أن فكرة الترخيص معتد بها شرعا وهناك سوابق في إباحة بعض المحظورات كالسلم، كذلك فقد استند إلى التقلبات الكبيرة في قيمة النقود والهبوط المستمر لها، ومن ثم فمن العدل القول بإباحة الفائدة على القروض خاصة إذا ما أخذنا في الحسبان الأهمية الكبيرة التي تحتلها المصارف في حياتنا المعاصرة.
هذه هي الفكرة الأساسية التي تدور حولها ورقة الأخ الكاتب.
وقبل المناقشة التفصيلية لما في هذه الورقة من مقدمات ونتائج نرى من الضروري أولا الإشارة في عجالة وإجمال إلى بعض النقاط الأساسية التي تعتبر بمثابة قواعد أو مسلمات أساسية لا يقوم أي نقاش علمي جاد لهذا الموضوع في غيبتها.
نقاط جوهرية يجب التنويه بها:
١ - القرآن الكريم والسنة الشريفة كلاهما مصدران أساسيان للتشريع الإسلامي، وما تحرمه السنة فهو محرم قطعيا، وتحريمه ليس في الحقيقة قاصرا على السنة بل هو محرم في القرآن وبالقرآن أيضا، قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (١)،
стр. 7880
﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (١)، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٢)، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (٣) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٤). إذن كافة ما حرم في القرآن أو في السنة سواء كان بنص صريح جزئي من القرآن أو بنص صريح من السنة هو في الحقيقة محرم فيها معا وبها معا، ولا فرق بين هذا وذاك، وليس لهذا درجة تحريم وللثاني درجة أعلى أو أقل.
٢ - مهمة الرسول ﷺ هي تبليغ دين الله وشرعه لمن أرسل إليهم من العباد وتبيينه لهم بيانا واضحا كوضوح الشمس في كبد السماء بل أكثر وضوحا. قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (٥)، ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٦)، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (٧)، ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (٨)، ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ (٩). ومعنى هذا أنه يجب الإذعان والاعتقاد الكامل بأن الرسول ﷺ قد بين للناس كل ما في القرآن من أحكام ومبادئ وكل ما يريده الله تعالى من عباده، ولم يلتحق بالرفيق الأعلى وهناك شيء من الإسلام غامض أو غير مبين، بل تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها. ومن الواضح أن أهمية
стр. 7881
هذه القاعدة تجعلها أكبر بكثير من أن تعارض ببعض أقوال منسوبة لهذا الصحابي أو لذاك، وعلينا أن نتحرى جيدا في توثيق ما قد يكون هناك من أقوال منسوبة، ثم تحديد مضمونها بما لا يتعارض مع تلك القاعدة التي لو اهتزت قيد أنملة لانهار الإسلام من أساسه.
٣ - من الحقائق الثابتة ثبوتا لا يقبل الشك أن العرب في الجاهلية كانوا يتعاملون بالربا، بل لقد كان إحدى حقائق عصرهم ومعيشتهم واقتصادهم، وأن صور هذا التعامل الربوي لم تكن واحدة بل كانت متعددة سواء من حيث الشكل والصورة أو من حيث الدوافع والأهداف، فمن حيث الصورة والشكل وجدت الزيادة على الدين التي تشترط ويتفق عليها عند عقد الدين، كما وجدت الزيادة التي تحدث عند انتهاء الأجل وعدم المقدرة على السداد، هذه ثابتة وهذه ثابتة، ومن يطلع على كتب التفسير والتاريخ وغيرها يعلم ذلك يقينا. وسوف نعرض لذلك في حينه.
ومن حيث الدوافع والأهداف كان هناك الدين بربا لأغراض الاستهلاك، وكان هناك بكثرة وغالبية الدين بربا لأغراض البيع والتجارة والإنتاج (١)، ويكفي أن نشير إلى أنه كان مصدرا أساسا من مصادر تمويل رحلتي الشتاء والصيف " تمويل التجارة الخارجية " كما أنه لم يكن قاصرا على ضعف المركز المالي للمدين في مواجهة المركز المالي للدائن بل كثيرا ما كان العكس، تاجر كبير أو قبيلة كبيرة تتاجر فتحصل على التمويل " الدين بربا " من أفراد عديدة فتذهب لتشتري وتبيع وتسدد الدين برباه.
هذا كله ثابت ثبوتا راسخا بمصادر علمية موثقة.
стр. 7882
٤ - القرآن الكريم حرم الربا دون أن يخصص ذلك بنوع دون نوع وصورة دون أخرى، وليس هناك نص قراني أو حتى نبوي أن الربا الذي حرمه القرآن هو فقط ربا الجاهلية.
ومعنى ذلك أنه إذا كانت هناك صورة قائمة عند نزول التحريم أو قبله فإنها تحرم، فإذا أحدثت صور أخرى للربا فإنها تحرم هي الأخرى بنص القرآن الكريم، ومعنى ذلك أن كل صور الربا تحرم بالنص حتى ولو لم تظهر إلا بعد آلاف السنين من نزول القرآن؛ لأن القرآن لم ينزل لعصر دون عصر بل نزل لأمة ممتدة عبر الزمن موغلة في الاستقبال، ويخاطب به آخر فرد زمنا في أمة الدعوة تماما كما خوطب به أول فرد فيها. وإذن فلا وجه لمن يقول ولو كان القائل فقيها إن الربا المحرم في القرآن هو ربا الجاهلية فقط، وإلا فسوف يطرد ذلك على كل المحرمات، زنا الجاهلية، كذب الجاهلية، سرقة الجاهلية. . إلخ. يضاف إلى ذلك أنه كما هو معروف فإن آيات الربا في سورة البقرة هي من أواخر آيات النزول. هذه المسلمة لها دلالتها الخطيرة في موضوعنا هذا، فمن المعروف أن الرسول ﷺ قد قال وفعل وأقر الكثير والكثير خلال فترة الدعوة الممتدة، ومن ذلك ما يتعلق بالربا، سواء ما كان معروفا لدى الجاهلية أو ما كان يمارس دون أن يعرف بأنه ربا، وعندما باع صحابي تمرا بتمر بزيادة قال الرسول ﷺ : «أوه عين الربا (١)» وكررها. من الواضح أن تلك صورة جديدة لم تكن تدخل في صور الربا المعروفة وإلا ما عملها الصحابي أو أن هذه كانت بداية التشريع في موضوع الربا. وسواء كان هذا أو ذاك فإن قول الرسول ﵊: «عين الربا (٢)» يفهم منه
стр. 7883
أن جوهر الربا وحقيقته ومعناه واحد والذي يتميز ويختلف هو الصور والأشكال. وهناك احتمالان، إما أن هذا الحديث وغيره مما يدخل في موضوعنا قد قاله الرسول ﵇ قبل نزول آيات الربا أو بعده. فإن كانت الآيات قد نزلت سلفا، فتكون تلك الأحاديث مبينة وشارحة لمضمون الربا الذي ورد في القرآن الكريم، بالإضافة إلى ما هو معهود أصلا لديهم من صوره التي كانت تمارس في الجاهلية. وإن كانت الآيات قد نزلت لاحقا فمعنى ذلك أن الربا في القرآن الذي ورد ودون تخصيص أو تغيير يشمل كل صور الربا، سواء منها ما كان معروفا في الجاهلية أو ما بينته السنة الشريفة، وكذلك كل صورة تجد له إلى قيام الساعة حيث بقاء الأمة والدعوة.
٥ - من القواعد الهامة أن العبرة بالمعاني والمقاصد يقول الإمام مالك: " إنما تعبدنا بالمعاني والمقاصد " أي أن الاسم أو الصورة أو الشكل أو الأسلوب كل ذلك لا أثر له طالما أن المعنى والمقصود والمضمون واحد. وبالطبع فذلك واضح تماما من القرآن الكريم " قصة أصحاب السبت " وكذلك من السنة المطهرة، فإذا كان الشائع هو كون المدين شخصا فأصبح مؤسسة أو شركة أو حتى دولة فإن الدين هو الدين، وسواء سميت رشوة أو عمولة أو هدية أو إكرامية أو أتعاب. . إلخ. فإن الحكم واحد طالما أن المضمون والمقصود والمعنى متحد، والأمثلة في كل باب أكثر من أن تحصى.
٦ - لا أحد ينكر أن المصلحة مقصود التشريع الإسلامي. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١)، ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ﴾ (٢)
стр. 7884
لكن من الذي يدرك جوهر المصلحة وحقيقتها على مر الأيام إنه الخالق ، وإذن ففي كل ما في الإسلام من أحكام بالحرمة أو الإباحة أو الوجوب إلخ نجد المصلحة ولا مصلحة دون ذلك، بمعنى أن ما ينص عليه الإسلام بالقرآن أو بالسنة فهو المصلحة، وإن بدا للبعض غير ذلك. ويترتب على ذلك أنه مع النص الصريح الثابت لا كلام عن مصلحة تغايره على الإطلاق، وإنما يرد الكلام عنها عند عدم وجود نص، عند ذلك نتلمس المصلحة ملتزمين في ذلك بقول الثقاة من العلماء الذين يخشون الله ولا يخشون أحدا إلا الله. في ضوء تلك الحقيقة الكلية ينبغي أن ندرس ونفهم ما قاله العلماء في باب المصلحة.
هذه بعض الأساسيات التي كان لا بد لنا من التمهيد بها قبل الدخول في المناقشة التفصيلية للورقة التي قدمها أخونا الدكتور إبراهيم. وآن لنا هنا أن نجري تلك المناقشة، فنقول وبالله التوفيق: في بداية كلامه يقول الكاتب " يمكن القول إنه لن تكون هناك قوة إسلامية بدون قوة اقتصادية، ولن تكون هناك قوة اقتصادية بدون بنوك، ولن تكون هناك بنوك بلا فوائد " واضح تماما أنه يريد أن يقول إنه لن تكون هناك قوة إسلامية بلا فوائد. وهذا خطأ بالاعتبار الشرعي والاعتبار التاريخي، أما الاعتبار الشرعي فسنفصل القول فيه من خلال هذه الورقة، أما الاعتبار التاريخي فمن الثابت والمعلوم بالضرورة أن القوة الإسلامية وجدت كأحسن ما تكون دون قوة اقتصادية، ثم وجدت القوة الإسلامية ومعها القوة الاقتصادية دون بنوك وفوائد. كما أن القوة الإسلامية والقوة الاقتصادية للمسلمين قد ضعفتا كأقوى ما يكون
стр. 7885
الضعف بوجود تلك المصارف بفوائدها، وهذه قضية لا تحتاج إلى نظر بعيد. كما أنه في بداية حديثه قد صرح بأن مجال الدراسة هو القرض بفائدة، وقد تساءل بتعجب وإنكار: لماذا يعتبر ذلك محرما في نظر الفقهاء؟ وهذه نقطة لها أهميتها حيث إنه يحاول جاهدا طوال بحثه أن يخرج الأعمال المصرفية " الإيداع " من حيز القروض ويدخلها في حيز التجارة. في عرضه لمفهوم الربا في القرآن الكريم يشير إلى ما هنالك من ربط بين التحذير من الربا والصدقة على المدين، مع أن الربط بالمعنى الذي يحاول الكاتب أن يبرزه ليستخدمه مقدمة يصل منها إلى ما يريد من نتائج هذا الربط غير وارد، وعلى سبيل المثال لقد ذكر الآية الكريمة: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (١)، والآية الكريمة ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (٢) لا نرى مثل هذا التصور الذي يتصوره الكاتب ليصل إلى أن المصرف ليس محلا للصدقة، ومن ثم فمعاملته بعيدة تماما عن هذا النطاق الربوي. كل ما هنالك أن الآيتين الكريمتين تبرزان سلوكين، سلوك الربا والاستغلال والظلم والتقاطع، وسلوك التراحم والتعاون والتكامل، كما تبين عاقبة كل من هذين السلوكين.
стр. 7886
وبعد ذكر الكاتب لبعض آيات الربا بين فهمه لها وما رآه من أسباب لتحريم الربا المذكور منها وقد ذكر لذلك خمسة أسباب، نناقشها واحدا تلو الآخر.
стр. 7887
السبب الأول: هو أن المدين محتاج للصدقة عملا بظروف الدين، ولذلك فهو مظلوم بأخذ الربا منه. أما أن المدين محتاج للصدقة فهذا لا يسلم به على إطلاقه، وليس كل مدين يحتاج للصدقة، وعند الإعسار فإنه يحتاج للصدقة باعتبار الغرم كما هو مفصل في بند الغارمين، لكن ليس هناك علاقة على الإطلاق بين حرمة الربا وبين كون مصير المدين الإعسار واحتياجه للصدقة فيما بعد. أما أن المدين مظلوم بأخذ الربا منه فهذا حق، ومن الحق الذي لا يقل عنه أيضا أنه ظالم بتعامله الربوي وإعطائه الربا لغيره، فالظلم قد وقع من الطرفين بل من كل أطراف العملية كما سنوضح ذلك فيما بعد.
السبب الثاني: هو أن الدائن ينفرد وحده بالمنفعة من الربا ويستغل أبشع استغلال ظروف ذلك المحتاج للصدقة، ولذلك فهو ظالم استحق الوعد الكبير إن لم يذر الربا مع مدينه. أما قوله بانفراد الدائن بالمنفعة فهذا غير مسلم به فالمدين يستفيد من الدين وينتفع به انتفاعا مؤكدا حتى ولو كان الدين لأغراض الاستهلاك ناهيك عن أغراض الإنتاج، يضاف إلى ذلك أن هذا غير مؤثر في الحكم، والتمويل الربوي للتجارة في الجاهلية لم يكن هذا الاستغلال ظاهرا فيه كما يتصور الكاتب ومع ذلك حرم، ولو كان أحد الطرفين مستغلا ومظلوما ما كان آثما وما استحق العذاب الشديد شأنه شأن الطرف الثاني بنص الحديث الشريف «لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال هم في الإثم سواء (١)» إذن العملية كلها ملوثة وذميمة وكل من يشارك فيها ولو لم يكن أحد ركني العقد فهو آثم.
السبب الثالث: أن الربا تنمية من جانب واحد، بمعنى أن العائد فيها لطرف والغرم أو التكلفة على الطرف المقابل، فهو غنم من جانب وغرم
стр. 7888
من جانب آخر. ولنفرض أن هذا صحيح في بعض الصور إلا أن ذلك لا يخدم الكاتب فيما استهدفه.
السبب الرابع: قدم تفسيرا لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ (١)، والكاتب ليس من رجال التفسير من جهة حيث للتفسير رجاله المستكملون لشروطه، وما قدمه من تفسير هو مجرد رأي محتمل. وما رأيه فيمن ذهب من المفسرين إلى أن الأكل في الآية معناه التعامل، ويكون المعني الذين يتعاملون بالربا وهو فوق هذا وذاك لا يعتبر سببا من أسباب التحريم، فهل يعقل أن يكون سبب تحريم الربا أن آكله يتخبط كما يتخبط المجنون!!!
السبب الخامس: هو أن الربا زيادة طارئة في الدين تفرض على المدين المحتاج للصدقة وتشترط عليه بعد حلول أجل الدين وعجز المدين عن الوفاء، وتلك هي زيادة بعقد جديد مستقل عن العقد الأول، ولا يقابلها في هذا العقد الجديد غير تأجيل الاستيفاء من المدين أي " الإنساء " وهو ربا النسيئة القطعي من غير أي نفع مادي للمدين وهو أكل أموال الناس بالباطل، ولذا كان هذا ظلما صريحا. . إلخ. جوهر هذا السبب يدور حول فكرة أن ربا الجاهلية المحرم قطعيا كان عبارة عن زيادة طارئة مشترطة على المدين نظير تأجيل استيفاء الدين، وبالطبع فإن المعاملة المصرفية الحالية ليست هكذا، فهي زيادة في صلب العقد الأول، ومن ثم فإنها لا تدخل في الحرمة لهذا الاختلاف. هذه هي أهم فكرة يدور حولها بحث الكاتب كله، وهي عند التحقيق أوهن من بيت العنكبوت. أما دعواه بأن ربا الجاهلية كان فحسب زيادة طارئة، فهذا خطأ باعتراف
стр. 7889
المفسرين والمؤرخين وغيرهم من علماء الإسلام، والكاتب بنفسه قد سجل ذلك مما نقله عن ابن حجر وعن الرازي، فالصورة الثانية وهي الزيادة الأصلية كانت قائمة وسائدة حتى أن الجصاص في " أحكام القرآن " ذهب إلى أنه لم يكن موجودا سواها.
هذه هي الأسباب الخمسة التي ذهب الكاتب إلى أنها كانت وراء تحريم الربا في القرآن، وقد رأينا أنها كلها تنهار واحدا تلو الآخر، ثم إنه ما كان أحرى بالكاتب وهو يتصدى لهذا الموضوع أن يرجع إلى مراجع التفسير والفقه وأصول الفقه والحديث؛ ليتأكد على الأقل من معنى السبب وعلاقته بالحكم الشرعي.
خلاصة القول هنا أن الكاتب قد انطلق من منطلق خاطئ هو اعتباره الربا هو فقط الزيادة الطارئة بعد حلول أجل الدين، وأن المدين هو دائما محتاج للصدقة مظلوم مستغل، وكل ذلك غير صحيح وبفرض صحة بعضه فلا أثر له في الحكم، وهب أن المدين غني جدا هل يجوز إقراضه بفائدة؟
انتقل الكاتب بعد ذلك إلى بيان مفهوم الربا في السنة الشريفة، وجاء كلامه عنها وفيها قاصرا إلى غاية الغاية. ولا أدري تفسيرا لذلك على وجه التحديد، وهل هو عدم الدراية الكافية بالسنة؟ أم هو موقف متعمد حيث إن المزيد من الدراسة والبدل يجلب على الكاتب مالا يود الوصول إليه؟ يبدأ الكاتب بقوله لم يرد تعيين الأموال الربوية في القرآن الكريم، وإنما ورد تعيينها في السنة. ومبدئيا فإذا كان قد ورد تعيينها في الحديث فما الذي يبقى للكاتب أو لغيره؟ هل نحذف بعض هذه الأموال؟ وهل ما لدينا من أموال مغاير لتلك الأموال المعينة في الحديث؟
стр. 7890
يضاف إلى ذلك أن كلامه غير مسلم به على علاته، فإن الحديث الشريف الذي حدد أموالا معينة قد حددها على ورود ربا البيع فيها كما صرحت بعض روايات الحديث، ولذا فقد اشتهر على ألسنة الفقهاء أن هناك ربا بيوع وهناك ربا ديون، وإذا كان ربا البيوع بنوعيه إنما يرد في أموال معينة، فإن ربا الديون ومنه ربا القروض يرد في كل مال سواء كان من تلك الأموال التي وردت في الحديث أو من غيرها. وفي ذلك يقول ابن رشد: " واتفق العلماء على أن الربا يوجد في شيئين؛ في البيع وفيما تقرر في الذمة من بيع أو سلف أو غير ذلك " (١)، وقال ابن حزم: " والربا لا يجوز - أي لا يقع - في البيع والسلم إلا في ستة أشياء فقط. . . وهو في القرض في كل شيء " (٢). وقال الجصاص: " والربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به " (٣) وقال الرازي: " أما ربا النسيئة فهو الأمر الذي كان مشهورا متعارفا في الجاهلية، وذلك أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدرا معينا، ويكون رأس المال باقيا ثم إذا حل الدين طالبوا المديون برأس المال فإن تعذر عليه الأداء زادوا في الحق وفي الأجل " (٤) وقال القرطبي: " وأجمع المسلمون نقلا عن نبيهم ﷺ على أن اشتراط الزيادة في السلف ربا ولو كان قبضة من علف كما قال ابن مسعود أو حبة واحدة " (٥).
стр. 7891
أعتقد أنه من الواضح البين أن هناك ربا ديون أو قروض وهناك ربا بيوع، وأن الأول لا يختص بمال دون مال، ونحب أن نذكر أخانا الكاتب هنا بتساؤله الذي صدر به بحثه بتعجب وإنكار لم حرمت الفائدة على القرض في نظر الفقهاء؟ كما أحب أن أذكره بنص عبارة الرازي وعبارة الجصاص حتى يراجع نفسه في ادعائه بأن ربا الجاهلية كان فقط زيادة طارئة ولم يكن هناك تراض بين الطرفين، وكل ذلك مغاير للمعاملة المصرفية فهي زيادة أصلية ونتجت عن تراض بين الطرفين.
هذا هو كل ما ذكره عن الربا في السنة الشريفة ثم سرعان ما ركز على وجود تيارين متعارضين في أمر الربا حتى في الصدر الإسلامي الأول، مبينا أنه كان هناك المتشددون فيه وهناك المتلطفون معه، ثم ينقل كلمة منسوبة إلى سيدنا عمر ﵁ دون أن يجري حولها أية دراسة من حيث التوثيق والمضمون، وما إذا كانت قد وردت فعلا عن سيدنا عمر وأقوال الثقاة من العلماء فيها، بل إنه لم يشر مجرد إشارة إلى مصادره في ذلك، وقد سبق أن علقنا على تلك المسألة وغيرها في صدر الورقة. ثم يقول الكاتب: " إن هناك تيارا يتلطف في الربا ويحصره في ربا الجاهلية الذي نزل فيه القرآن، لكن ما لبث هذا التيار أن جرفه التيار المعارض " ونحب أن نقول للأخ الكاتب إن المسألة لا تدخل في باب العواطف والمشاعر حتى يكون فيها تلطف وقسوة وتشدد بل هي
стр. 7892
أحكام شرعية وأمانة الالتزام الكامل بها، كما أنها ليست معركة ولا حربا حتى يجرف تيار تيارا، إنما هو الإقناع والاقتناع.
стр. 7893
ثم انتقل الكاتب بعد ذلك سريعا إلى القول بوجود ثلاثة اتجاهات متدرجة في التضييق من منطقة الربا هي:
١ - أقلها تضييقا لنطاق الربا هو ما ذهب إليه ابن رشد وابن القيم من التفرقة بين الربا الجلي ربا النسيئة والربا الخفي ربا الفضل. وقبل أن نناقش الكاتب في مقولته هذه نناقشه أولا في نسبة هذه المقولة إلى ابن رشد، وحتى يكون النقاش أكثر فعالية نضع نص عبارة ابن رشد والتي نقلها الكاتب في ورقته. يقول ابن رشد: " واتفق العلماء على أن الربا يوجد في شيئين: في البيع وفيما تقرر في الذمة من بيع أو سلف أو غير ذلك، فأما الذي تقرر في الذمة فهو صنفان، صنف متفق عليه وهو ربا الجاهلية، والثاني ضع وتعجل وهو مختلف فيه " (١).
وسؤالنا للأخ الكاتب هو: في أي فقرة من تلك العبارة فرق فيها ابن رشد بين ربا الفضل وربا النسيئة؟ وأين هو الجلي والخفي في كلام ابن رشد؟ ربما يكون الأخ الكاتب قد ظن أن قولة ابن رشد " والثاني هو ضع وتعجل " يقصد بها ربا الفضل، وهذا بالطبع لا يحتاج إلى مناقشة هنا وبيان، بل يحتاج من الكاتب الرجوع إلى كتب الفقه للتعرف على مضمون تلك الجملة " ضع وتعجل " وموقف العلماء منها، ولعل القارئ يلاحظ أن ابن رشد ينقل اتفاق العلماء على ربا البيوع دون تفصيل، أما الذي فصل فيه فهو ربا الديون.
стр. 7894
ثم أخذ الكاتب بعد ذلك يتحدث عن ابن القيم ورأيه، ومبدئيا فإن ابن القيم واحد من آلاف العلماء يؤخذ منه ويرد، ولا يعتبر رأيه حجة إلا باستناده إلى القواعد والمبادئ الإسلامية، وكيف يؤخذ كلامه هنا على علاته في ضوء الحديث الشريف الذي قاله لمن اشترى تمرا بتمر حالا متفاضلا: «أوه عين الربا (١)» ومن الواضح أن الحلول هنا بين جلي وليس فيه شبهة ولا ذريعة للتأجيل، ومع ذلك بين المصطفى ﷺ «أنه عين الربا (٢)»، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن ابن القيم ﵀ قد حاول أن يجد تفسيرا لحرمة ربا الفضل بالمقارنة بربا النسيئة، فقال إنه حرم لأنه قد يفضي إلى ربا النسيئة (٣)، وهب أن هذا تفسير مقبول، هل يؤدي ذلك إلى اختلاف في الحرمة؟ لا، وهذا ما نص عليه ابن القيم، يضاف إلى ذلك وربما تكون أهم نقطة من حيث موضوعنا وهي: ما علاقة هذا بموضوع الورقة التي قدمها الكاتب؟ وهب أن في ربا الفضل من حيث نطاقه كلاما وكلاما - مع أن الجميع متفق على أن هناك ربا فضل وأنه محرم في الأصناف الستة بنص الحديث، ولا اجتهاد في ذلك، لكن ما علاقة هذا بالمعاملة المصرفية الحالية!!! فهل هي من باب ربا الفضل أم من باب ربا الدين؟ العجيب أن الكاتب في بعض عبارته يشير إلى أنها من ربا الفضل بينما الزيادة الطارئة هو فقط من ربا الدين استنادا إلى كلام عزاه للشيخ رشيد رضا، لكن ذلك مرفوض منه ومن المرحوم الشيخ رشيد إن كان قد قال ذلك. فأين البيع هنا حتى يكون ربا فضل، وما هو الفرق بين حقيقة وطبيعة
стр. 7895
الزيادتين؛ الأصلية والطارئة؟ لا فرق ولا خلاف اللهم إلا في زعم الكاتب فقط، فقد زعم أن الزيادة الطارئة هي في نظير التأجيل ليس إلا فهي نسيئة، أما الزيادة الأصلية فليست كذلك والسؤال هو إذا لم تكن نظير التأجيل أو على الأقل لم يكن التأجيل عنصرا بارزا فيها ففي نظير أي شيء تكون؟ وهل نسي الكاتب أنه في الكثير الغالب من عباراته يسلم بأننا في مجال القرض بفائدة؟ وبعد ذلك يخلص الكاتب ما ترتبه التفرقة بين ربا النسيئة وربا الفضل من نتائج أهمها أن الحرمة في ربا النسيئة أشد من الحرمة في ربا الفضل، ومن ثم لا يجوز ربا النسيئة إلا عند الضرورة بينما يجوز ربا الفضل عند الحاجة، وذلك عندما لا يمكن اتخاذه ذريعة لربا النسيئة فينتفي سبب التحريم. سبحان الله، من الذي له سلطة المفاضلة بين المحرمات وعمل سلم لها؟
ومن الذي له سلطة إباحة المحرم وتحديد الضرورة وتحديد الحاجة؟ وبفرض التسليم بذلك فإن الكاتب يناقض نفسه ويناقض كلام ابن القيم الذي اعتمد عليه، فهو يقول عند الحاجة يباح ربا الفضل عند ما لا يمكن أن يتخذ ذريعة لربا النسيئة، فإذا ما جئنا لنطبق ذلك على المعاملة المصرفية " الإيداع " وبفرض أنها من باب ربا الفضل، ألم تؤد هذه المعاملة إلى ربا النسيئة؟ وأليس هناك تأجيل صريح واضح؟ يا أخي الكريم ما قاله ابن القيم هو أن ٥ مقابل ٦ حالا حرم حتى لا يكون الحلول فيه ظاهريا فقط، والحقيقة هو التأجيل أي تأجيل الستة، وما يحدث في المعاملة المصرفية أن المودع لا يأخذ مثل ماله مع إضافة الفائدة حالا بل مؤجلا، وهذا أمر بدهي: أليس هذا هو النسيئة بعينه؟ وهو الذي خشي ابن القيم من الوصول إليه خفية فإذا بنا نصل إليه
стр. 7896
مباشرة وعلانية وهذا عن الاتجاه الأول كما عرضه الكاتب، فهل فيه ما يؤيد وجهة نظره من قريب أو بعيد؟
стр. 7897
٢ - الاتجاه الثاني: هو الذي يميز بين ربا القرآن وربا السنة. وقد وصف ربا القرآن بالربا الجلي وربا السنة بالربا الخفي، وقد بين أن هذا الاتجاه يقسم الربا ثلاثة أنواع هي: أ- ربا الجاهلية: وهو الربا الذي نزل فيه القرآن الكريم، وحقيقته كما ذكر الكاتب أن يقول الدائن للمدين عند حلول الأجل إما أن تقضي وإما أن تربي.
ب- ربا النسيئة الوارد في الحديث الشريف. وقد قال فيه الكاتب إنه أوسع كثيرا في مداه من ربا الجاهلية، بل ويختلف عنه اختلافا بينا في كثير من الصور.
جـ- ربا الفضل الوارد في الحديث وهو بيع المكيل أو الموزون بجنسه متفاضلا أو بيع الطعام أو الثمن بجنسه متفاضلا.
هذا كل ما قاله الأخ الكريم عن الاتجاه الثاني. والحقيقة أن الكاتب هنا قد وضع نفسه في موضع لا يحسد عليه. فهل ما ذكره هنا يعتبر اتجاها ذهب إليه بعض العلماء؟ أم أنه تفصيل من العلماء كلهم لصور وأنواع الربا؟ وهل هناك فقيه واحد لا يقول بتلك الأنواع للربا؟ إنها عملية تفصيل وتميز بين الأنواع المختلفة للربا، وليس لهذا التفصيل أي مدخل من قريب أو بعيد في الحل والحرمة فكلها محرمة. فكيف يقال عن ذلك إن هذا هو اتجاه من الاتجاهات التي تضيق من نطاق الربا، فأين هو التضييق والتوسيع فيما ذكره من هذا الاتجاه؟ وبالطبع فإن كلامه عن النوع الأول هو غير صحيح، وسبق أن فندناه أما النوع الثاني فتارة
стр. 7898
يقول عنه هو أوسع كثيرا من ربا الجاهلية، وتارة يقول إنه يختلف عنه اختلافا بينا. ولا يخفى ما في ذلك من التضارب فالتباين غير العموم والشمول. ثم إن قوله عن الثاني هو أوسع بكثير عن الأول غير مسلم به، فهذا في بيع وهذا في دين أو قرض، وهذا أصل بذاته وذاك أصل بذاته. ومع ذلك فالكل حرم بنصوص إسلامية لا فرق بين هذا وذاك.
ونحب أن نعلق بكلمة أخيرة بمناسبة تركيز الكاتب على وصف بعض الأنواع بالجلي وبعضها بالخفي، والذي نحب أن يكون واضحا وجليا في ذهن القارئ أن مقصود من قال بذلك من العلماء لا يحمل على الإطلاق تفرقة في الحرمة أو في درجتها، فالربا الخفي لا يقل حرمة عن الربا الجلي، وليس كل خفي أقل ضررا وخطورة من الجلي.
стр. 7899
٣ - الاتجاه الثالث: يقول عنه الكاتب هو الذي لا يحرم إلا ربا الجاهلية الوارد في القرآن الكريم وحده، ويقول إنه على رأس هذا الاتجاه ابن عباس ويستدل بحديث «لا ربا إلا في النسيئة (١)» فأصحاب هذا الاتجاه لا يحرمون ربا الفضل بل فقط ربا النسيئة. ونقاشنا للكاتب يدور حول تلك النقاط. فمن جهة، هذا - إن صدق - فهم لبعض العلماء يعارضه فهم الغالبية. مع ملاحظة أن الكاتب في صدر حديثه يقول عن هذا التيار إن التيار المتشدد قد جرفه، بمعنى أنه لم يبق هناك إلا تيار واحد، ثم يعود فيقول إن ابن عباس ظل على موقفه هذا حتى الوفاة. وهنا مفارقة، والعجيب أن الكاتب يرجع في قوله هذا عن ابن عباس إلى غير مرجع فهو يرجع إلى مجلة " المسلمون " وهل تلك المجلة - مع
стр. 7900
احترامنا لها - تعد مصدرا لمثل تلك المعلومة الخطيرة؟ كنا نتوقع من الكاتب أن يتحقق لنا من ذلك وينقل لنا بأمانة ودقة ما قاله العلماء الثقاة في الحديث المذكور وفي موقف ابن عباس، لكن الكاتب لم يفعل ذلك ولا شيئا منه، وفي الغالب خشية أن يوصله ذلك إلى غير ما يريد الوصول إليه. هذا من جهة، ومن جهة ثانية فهب جدلا أن ما قاله هنا صحيح فما وجه تدعيم ذلك لوجهة نظر الكاتب؟ ليس له وجه ولو خافتا، فهذا في مجال آخر ونحن في مجال آخر هناك التفاضل يدا بيد، وهو ما عبر عنه السبكي بـ " النقد " وهنا التأخير والتأجيل، فأين هذا من ذاك؟ ومن جهة أخرى فإن مما يدلنا على أن نسبة هذا الكلام لابن عباس وبقاءه عليه فيها الكثير من النظر، إنه من غير المتصور أن يبيع شخص ذهبا بذهب من نفس النوع والجودة حالا متفاضلا، هذا غير متصور، والمتصور إحدى اثنتين، إما أن أحدهما ردئ أو أن أحدهما مؤجلا حتى يكون للتفاضل وجه يتصور من خلاله، أما التأجيل فلا خلاف بين ابن عباس أو غيره في حرمته، وأما الرداءة والجودة فهي الصورة الوحيدة التي يمكن تصورها فيما لو ثبت ذلك عن ابن عباس. وعندئذ فهي خارجة عن مجالنا لأنها حالة من جهة ومغايرة صفة من جهة أخرى.
стр. 7901
ثم خلص الكاتب من ذكر تلك الاتجاهات إلى ما أسماه حقيقة لا تحتاج إلى دليل وهي: ما ملخصه أن الربا المحرم هو الذي نزل فيه القرآن الكريم وهو ربا الجاهلية وخاصيته - كما يقول - هو الزيادة عند حلول الأجل نظير تمديد الأجل، وهو الربا الذي ذكره رسول الله ﷺ في حجة الوداع قال: «ألا وإن ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا عمي العباس بن عبد المطلب (١)»، أما ربا الفضل فهو محرم أيضا، لكن تحريم وسائل وما حرم سدا للذريعة يباح للمصلحة الراجحة. ثم أضاف إلى ذلك معلومة أخرى وهي أن الربا المحرم قطعيا هو الذي يتخذ صورة التضعيف. ثم ينقل سببا من أسباب نزول الآية الكريمة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ (٢) مشيرا إلى أن الجاهلية كانوا يضاعفون الدين بمضاعفة الأجل. هذا ملخص للحقيقة التي لا تحتاج إلى دليل. والغريب أن الكاتب ينقل بعض الفقرات ويترك بعضها، وكنا نود منه طالما أنه تعرض لهذه المسألة أن يعرض لنا أقوال العلماء والمفسرين في معنى هذه الآية وما وراء هذا القيد أضعافا مضاعفة ومدى تدخله في الحل والحرمة، وهل لو كان الربا غير مضاعف كان حلالا. وهل التضعيف يرجع للدين أم يرجع للربا كما هو واضح من الآية. وهل يخفى على القارئ نوعية الفائدة المصرفية وهل هي بسيطة أم مركبة؟ وهل يخفى عليه ما هنالك من ديون تضاعفت أضعاف أضعاف بفعل الفائدة المصرفية؟
إن هذا الوصف ما ذكر لتقييد الحرمة به بل هو لشناعة وبشاعة ما يؤول إليه التعامل الربوي من نتائج، لا لأن ما عدا تلك الصورة.
стр. 7902
- بفرض حدوثها - غير محرم أو أقل حرمة، إن القطرة من الخمر لا تقل في حرمتها عن الدن منها. والأمثلة في ذلك كثيرة لا تحتاج إلى بيان.
ولا أدري ماذا وراء قول الكاتب في حقيقته هذه " وهو الربا الذي ذكره الرسول ﷺ في حجة الوداع "، وهل يفهم من ذلك أن هذا هو الحرام وما عداه من صور الربا فهي غير ذلك؟ وهل يعني وضع ربا الجاهلية أن ربا غير الجاهلية غير موضوع!!!
مع أنني لست من المختصين في الحديث ولا في أصول الفقه إلا أنه في حدود فهمي للحديث الشريف - وأرجو أن يصحح لي هذا الفهم أهل الاختصاص - أن آيات الربا نزلت متأخرة وإلى نزولها كان هناك آثار باقية من عمليات ربوية تمت في الجاهلية، فعندما نزلت آيات الربا ثم جاءت حجة الوداع في هذا الحشد الهائل من كل صوب وحدب بين الرسول الكريم أن كل الآثار المترتبة والمتبقية من ربا الجاهلية موضوعة بمعنى أنه لا حق لدائن قبل مدين إلا برأس المال فقط، ومن باب القدوة والأسوة بدأ بالديون التي لعمه العباس على الغير. ماذا في ذلك؟ وما علاقته بحرمة بقية أنواع الربا التي بينتها السنة، وبالطبع فإنها تلاشت في المجتمع الإسلامي ولم يعد لها بقاء أو أثر حتى يوضع، بل عولجت معالجة كاملة قاطعة في حينها. أما ربا الجاهلية فربما كان يظن أنه طالما تم ذلك في الجاهلية، فيكون من حق الدائنين الحصول عليها كاملة فبين الرسول ﷺ أن ربا الجاهلية موضوع.
стр. 7903
وفي فقرته الثالثة تناول الكاتب ما أسماه بموقف أهل العلم وكبار رجال الفتوى في الإسلام من المصارف. ومن استعراضه غير المدون في ورقته لمجمل كلامهم تبين له:
стр. 7904
١ - أن الربا محرم تحريما قطعيا لا شك فيه.
٢ - أن الربا المجمع على تحريمه بلا شك هو ربا النسيئة الذي كان في الجاهلية، أم ربا الفضل فقد حرم سدا للذريعة، وما كان كذلك فيجوز للمصلحة.
٣ - أن الحكمة في تحريم الربا هي إزالة الظلم بنص القرآن الكريم وعدم استغلال الغني حاجة الفقير، وبعد أن يستعرض بعض كلام للشيخ رشيد رضا يضيف قائلا: " إن المصارف هي مؤسسات تجارية حديثة لم تكن معروفة في عهد نزول أحكام الربا في الشريعة الإسلامية، ولذلك تخضع المصارف لأحكام الشريعة على طريق القياس، فإذا كان الشبه كاملا من غير أي فرق بينهما وبين ما قد حرمته الشريعة من الربا القطعي فهي محرمة أيضا قطعا أما إذا اختلفت المصارف عن الربا القطعي ولو في بعض الوجوه فليست محرمة تحريما قطعيا. وإنما يجب النظر فيها على أساس مصالح الناس في معاشهم فإن كان معاشهم لا يتم إلا بها فهي جائزة من غير ريب. . إلخ ".
ولا ندري ما هو سر تركيز الكاتب وترديده لعبارة محرم تحريما قطعيا لا شك فيه. وهل هناك محرم غير قطعي؟ وهل هناك شك في أي تحريم ثبت كونه حراما؟ ونحن نتفق معه في أن من جوانب حكمة تحريم الربا إزالة الظلم، لكن ما هو هذا الظلم؟ وهل هو ظلم طرف أطرف في العملية؟ وما هو الطرف الظالم والطرف المظلوم؟ أم أن كلا منهما ظالم ومظلوم؟ أم أنهما معا ظالمان لغيرهما من شتى أفراد المجتمع الحاضرين والمستقبلين؟ وماذا عن ترديده وإصراره على قوله أهل العلم وكبار رجال الفتوى؟ وهل من تحدث عنهم هم كبار رجال الفتوى؟ أم أنهم نفر من رجال الفتوى؟ يعارض رأيهم جمهور إن لم يكن سائر من عداهم.
стр. 7905
وفي فقرته الرابعة يتناول الكاتب طبيعة أعمال المصارف. ويقول: إنه بعد دراسة مفهوم الربا في القرآن والسنة وموقف أهل العلم من المصارف ندرس طبيعة أعمال المصارف لنرى هل تقع ضمن الأعمال الربوية التي ورد تحريمها في القرآن تحريما قطعيا لا شك فيه أم أنها تختلف عنها تمام الاختلاف، وبالتالي ينظر إليها ضمن حدود القواعد العامة للشريعة، وبالتالي عدم الحجر على العباد فيما لا بد منه ويخلص إلى هذه النتيجة: إن طبيعة أعمال المصارف تختلف عن الربا المحرم في القرآن على النحو التالي: أولا: لأن الدائن في المعاملات المصرفية هو دائما من المالكين لرأس المال غير أنه يملك سيولة صغيرة لا يستطيع استثماره، أما المدين فهو دائما من كبار المالكين لرأس المال غير أنه لا يملك أية سيولة لتسيير أعماله الكبرى، أي أن الذي يحتاج للآخر في تلك المعاملة هم دائما الأغنياء الكبار الذين يمدون أيديهم لوفر المالكين الصغار دون العكس، ويترتب على ذلك أن هؤلاء المدينين لا تحل لهم الصدقة فيما لو طلبنا إلى هؤلاء أن يتوبوا ويتصدقوا برؤوس أموالهم على المدينين الأغنياء، عملا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (١)، وهذا هو أول ما يميز أعمال المصارف عن الربا المحرم في القرآن الكريم؛ حيث إن المدين يحتاج للصدقة عكس المدين في المعاملات المصرفية. هذا ما قاله الأخ الكاتب تعمدت نقله نقلا شبه حرفي حتى تكون مناقشته حضوريا.
وأعتقد أن ما يريد أن يقوله الكاتب في هذه الفقرة من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى توضيح، لكن ترد عليه الأمور التالية دائما ما يركز على أنه في تلك المعاملة الدائن دائما أقل غنى من المدين، لكن
стр. 7906
كون ذلك دائما فهذا غير صحيح خاصة إذا ما علمنا حقيقة المصارف وأنها في غالبيتها شركات مساهمة قد لا تكون ملكية الفرد فيها ذات شأن، بالإضافة إلى أن هناك من أصحاب الإيداعات من هم من أصحاب الملايين بل والبلايين. (٢) حسنا أن صرح الكاتب بأن العلاقة المصرفية هي علاقة دائنية ومديونية أي أننا في مجال " الدين " وحيث إن الدين إما من بيع أو إجارة أو قرض إلخ، وحيث إن المصرف لم يشتر ولم يستأجر شيئا من الدائن فيبقى أن يكون مصدر الدين هو القرض، وعلى أية حال فنحن في مجال الدين، وقد أجمع العلماء على أن الزيادة المشترطة في عقد الدين هي من الربا القطعي التحريم " بتعبير الكاتب " لأنها صورة من صور ربا الجاهلية. (٣) علينا أن نلاحظ أن المدين إذا أعسر فقد صار مركزه المالي سيئا جدا، بحيث لم يعد يستطيع سداد ما عليه بغض النظر عما كان عليه في الماضي، وفي تلك الحالة تجوز عليه الصدقة من الدائن أو غيره، وهب أن مصرفا قد أفلس وهب أن أعماله مشروعة فما المانع في تلك الحالة من التصدق على مالكيه. (٤) يضاف إلى ذلك أنه كما هو معروف في العقود، فإن لكل عقد أركانه وطالما استوفى العقد تلك الأركان دخل في نطاق العنوان المتعارف عليه، فهناك دائن وهناك مدين وهناك دين إذن عقد الدين استكمل مقدماته، ولا أثر بعد ذلك فيما لو كان الدائن أغنى أو أقل غنى من المدين، وهكذا نصل إلى أنه ليس كل مدين محتاجا للصدقة، وكل مدين معسر يحتاج إلى ذلك، مصرفا كان أو غيره.
ثانيا: لأن الدائن في المعاملة المصرفية لا يختص وحده بالمنفعة دون المدين عكس ما حذر منه القرآن الكريم، كما أنه لا يستغل محتاجا للصدقة، بل يشترك مع الأغنياء في المنفعة بموجب عقد رضائي تجاري لا استغلال فيه.
стр. 7907
ومبدئيا نقول إن هذا الكلام كله بفرض التسليم بصحته لا أثر له في الحكم على الإطلاق، بل المعول عليه هو وقوع زيادة مشترطة منصوص عليها في دين. وهذا قائم وموجود هنا ثم إن عملية التراضي هي الأخرى لا أثر لها في حل أو حرمة، فكم من عقد تم بتراضي طرفيه ولكنه حرام ومحظور وفاسد وباطل مثل الكثير من البيوع وغيرها. وكون المنفعة مشتركة هي الأخرى لا أثر لها، فكم من عقود نجد منفعتها مشتركة لكنها محرمة مثل الزنا والكثير من البيوع والإجارات إلخ، كما أن قوله لا استغلال فيه غير مسلم به فالاستغلال قائم وموجود حتى ولو كان من قبل المدين. إن عملية الظلم مرفوضة من دائن أو مدين، من غني لفقير أو من فقير لغني. ولقد اعترف الخبراء باستغلالية المصرف لكل من الطرفين، المودع " الدائن " والمقترض " المدين ". ووصف الكاتب العقد بكونه تجاريا قاصدا بذلك أننا في عمليات بيع وتجارة وليس في عمليات إقراض اقتراض كما هو الحال في الربا في القرآن الكريم. لكن يرد عليه بأنه بنفسه اعترف أكثر من مرة بأننا هنا أمام دين ودائن ومدين، بل لقد صرح أكثر من مرة بالقرض، يضاف إلى ذلك أن كون المصرف أو حتى الطرفين قد حولا القرض إلى صورة تجارة، وهذا هو الواقع فنحن نعلم أن المصرف يعرف بأنه تاجر ائتمان أي أن يتاجر في عمليات الإقراض والاقتراض، وبالطبع فإن عملية التجارة هذه لا تخرج الأمر عن طابعه وطبيعته وهو " القرض " وعلينا أن ندرك أن ربا الجاهلية في الكثير من صوره كان لأغراض تجارية.
ثالثا: كرر الكاتب هنا ما قاله في " ثانيا " ومن ثم فلن نعيد الرد عليه اللهم إلا تركيزه على قصد الاتجار هنا وليس القرض لحاجة وأن ذلك من قسم البيع. ونقول للأخ الكريم طالما أنه يصر على ترديد ذلك وكأنه
стр. 7908
عنصر جديد ومؤثر في العملية. من تعنى بمن يقصد الاتجار من طرفي العقد إن كان المدين فهذا لا أثر له. ومن الذي قال إن القرض كان في الجاهلية أو في صدر الإسلام أو في أي عصر أو في عصرنا هذا إنما يكون بقصد الاستهلاك فحسب من قبل المدين أو المقترض؟ وإن كان الكامن لذلك هو الدائن " المقرض " بأن يستخدم إقراضه أو دائنيته لغيره لإدرار العوائد والفوائد متخذا من ذلك نشاطا تجاريا، فيقول الإسلام له إن ذلك منك حرام مهما كانت نوعية المقترض أو المدين، وإذا أردت توظيف مالك توظيفا اقتصاديا فالباب أمامك مفتوح على مصراعيه للولوج منه، أما أن تترك الباب المشروع لتوظيف الأموال؛ شركة، مضاربة، إلخ بقوانينها وضوابطها ثم تلج من باب القرض ذي الطبيعة الخاصة والقانون المميز مستخدما له استخدام مجال التوظيف الاقتصادي فهذا هو الحرام بعينه. وهذا فإن قصد الاتجار لا يحيل الحرام حلالا طالما نستخدم نفس الأدوات التي لا يجوز أن تستخدم في الاتجار، وإلا فما أيسر أن تقتصر التجارة في أعمال كثيرة محظورة، فهل يحيلها هذا القصد المجرد إلى حلال مباح؟؟ إننا نرى اليوم عشرات الأعمال المحظورة والمحرمة أصبحت محلا للتجارة بل وللصناعة - وكلاهما نشاط اقتصادي مشروع - مثل التجارة في الفوائد الدائنة والمدينة " الأعماق المصرفية "، الزنا وأعمال العهر، المخدرات، الملاهي والقمار. . إلخ وادعاء الكاتب بعدم وجود ضرر في تلك المعاملة غير صحيح، فماذا عن المجتمع، وماذا عن المديونية التي تجثم على صدر العديد من الدول الإسلامية ومعظمها مصدره الافتراض بفائدة؟ وماذا عن الآثار الضارة للفائدة على الإنتاج وهيكله ومستواه، والتوزيع والعمالة، والاستقرار الاقتصادي مما هو مدون في أمهات كتب الاقتصاد الوضعي؟؟ أليست هذه كلها أضرارا!!!
стр. 7909
رابعا: في هذه الفقرة أضاف بعدا جديدا هو الشعور بالأمان والاطمئنان في المعاملة المصرفية لكل من الدائن والمدين، لكن ذلك مفتقر في الربا الذي حذر منه القرآن الكريم؛ حيث لا ضمان لأموال المرابين لدى العاجزين عن الوفاء.
سبحان الله!! وهل يتباكى الكاتب على أحوال المرابين وسوء أوضاعهم، وكأنه يطالب لهم بأمان أكبر. وهل نسي الضمانات المأخوذة هنا وهناك؟ وهل أمان المصرف على أمواله ميزة تميزه عن المرابي القديم ومن ثم تجعل عمله حلالا؟ ثم ما هذا الخلط؟ الكاتب تكاد تقوم ورقته كلها على موضوع " الإيداع " وحديثه هنا لا يتصور انصرافه إلا إلى إقراض البنك للعملاء، فأين الأمان الذي تتحدث عنه للبنك؟ أم أنه يتحدث عن ضمان وحماية مال صغار المالكين " الدائنين للبنك " بينما لم يكن ذلك موجودا في الدائن المرابي في الماضي؟ ما هذا؟
خامسا: في هذه الفقرة يكرر ما سبق قوله في أن الزيادة في الأعمال المصرفية إنما تشترط في أصل عقد الدين لأغراض تجارية من مدينين أغنياء من رجال الأعمال، وليست طارئة عند حلول الأجل مع المدين المحتاج للصدقة، وذلك ما يجعلها في الأصل ذات صفة تجارية في المعاملات المصرفية أي في مقابل منافع متبادلة، وهذه الزيادة تختلف تماما عن الزيادة التي أشار إليها القرآن الكريم، والتي اعتبرها محرمة لأنها لا تشترط إلا على رجل محتاج للصدقة. ومبدأ حلول أجل الدين وعجز المدين عن الوفاء، هذه عبارة كررت كثيرا ورددنا عليها في أكثر من مكان، ومضمونها في النهاية خاطئ ولا يعتبر تمييزا بين الربا المحرم وبين تلك الأعمال من قريب أو بعيد.
سادسا: ذكر الكاتب في هذه الفقرة عبارة غريبة عجيبة ننقلها بنصها
стр. 7910
لتكون شاهدا حاضرا أمام عين القارئ. يقول الأخ الكاتب: " الفائدة جزء من ربح المضاربة، فنحن نعرف أن البنك يقدم قرضين، قرض استهلاكي وقرض إنتاجي. وقرض الإنتاج ما هو إلا أخذ مبلغ من المال من البنك للاستثمار والنماء عن طريق النشاط التجاري أو الصناعي أو كليهما معا، ويلتقي هذا التصرف مع نظير له في المعاملات الإسلامية أقره الرسول ﷺ ويعرف باسم المضاربة أو القرض، وقوامه المال من شخص والعمل لاستثمار هذا المال من شخص آخر بجزء مسمى على جهة الشيوع من الربح، وبناء عليه فالفائدة التي تؤخذ على القرض الإنتاجي يمكن احتسابها جزءا من ربح المضاربة المشروعة " ثم أخذ في تعريف المضاربة وبيان حكمها ورأي بعض العلماء المناصرين فيها.
نلاحظ أن حديث الكاتب ينصرف أساسا بل كلية إلى مديونية البنك وليس إلى دائنيه، لكنه هنا يتحدث عن دائنية البنك وهذا خلط واضح، ويدعى أن الفائدة جزء من ربح المضاربة. أية مضاربة؟ وأية فائدة؟ لا نجد إجابة. ثم يقول الأخ الكاتب بجرأة غريبة إن ما يقدمه البنك من قروض إنتاجية نظير ما هو معروف بالمضاربة، ويخلص من ذلك إلى إمكانية احتساب الفائدة على القرض الإنتاجي جزءا من ربح المضاربة المشروعة. إذن من المؤكد أنه الآن بصدد الحديث عن الفائدة الدائنة التي هي للبنك على ما يقدمه من قروض.
يضاف إلى ذلك أن الكاتب يصرح بإباحتها على أساس أنها نظير شيء جائز ومعروف في الإسلام. ومن يمعن النظر في كلام الكاتب يجده يناقض بعضه بعضا، فطوال ما مضى من حديث له كان يبنيه على أساس أن المعاملة المصرفية مغايرة للربا؛ حيث المدين فيها وهو البنك أغنى بكثير من الدائنين عكس ما هو كائن في الربا. لكن ما نراه الآن يقلب الكلام
стр. 7911
رأسا على عقب فها هو المصرف أصبح دائنا والمقترضون أقل غنى منه بكثير طبقا لكلام الكاتب، أي أنه في تلك الحالة ينطبق عليه تماما ما يتصوره الكاتب في ربا الجاهلية فكيف جوز تلك المعاملة؟ ونلاحظ أيضا أنه يعترف صراحة هنا بكونها عملية قرض، والمتفق عليه أن أي زيادة مشترطة في القرض ربا. ثم إنه يمتلك من الجرأة ما تجعله يقول إن القرض نظير المضاربة وما دامت جائزة فيجوز نظيرها. من الذي قال إن القرض نظير المضاربة؟ وفي تناوله للمضاربة بحيث يؤكد على هذا التشابه والتناظر، كما يقول ذكر آراء بعض المعاصرين الذين يرى الكاتب رأيهم. ونلاحظ أن من تكلم في المضاربة من المعاصرين من أمثال الشيخ خلاف ﵀ إنما ناقش مسألة اشتراط كون الربح نسبة وليس مبلغا محددا، وذهب إلى أن هذا الشرط لا يجب التقيد به لأنه من كلام الفقهاء وليس من القرآن ولا من السنة. ونحن هنا لا نناقش الشيخ خلاف فيما ذهب إليه لسبب بسيط هو أن مجال حديثه غير مجالنا، فنحن نتكلم عن معاملة مصرفية اعترف الكاتب بأنها قرض وهو يتكلم عن المضاربة وشتان بين هذا وذاك. وهب أن كلام الشيخ خلاف له وجه - مع عدم التسليم به - فإن ذلك لا يخدم وجهة نظر الكاتب لا من قريب ولا من بعيد، وذلك لأن القرض عقد ينقل الملكية نقلا كاملا للمقترض بتسلمه للقرض فيصبح القرض ملكا ومالا للمقترض يتصرف فيه كيف يشاء وهو ملتزم برد مثله للمقرض مهما كانت الظروف (١).
بينما المضاربة عقد شركة لا ينقل ملكية المال بل يظل مملوكا لصاحبه وكل ما للمضارب فيه هو العمل عليه؛ ولذلك لو تلف أو فقد أو خسر بلا إهمال أو تعد من المضارب، فإن ذلك كله يحسب على صاحبه عكس
стр. 7912
القرض، إذن الطبيعة مختلفة والأركان مختلفة والمقاصد مختلفة. يضاف إلى ذلك أن من تكلم من المعاصرين في المضاربة إنما تكلم فحسب في مسألة الربح وليس في مسألة الضمان ونقل الملكية، فالكل متفق على بقاء المال على ملك صاحبه.
تبقى لنا كلمة هنا، لقد نقل الكاتب عن الشيخ خلاف قوله: " واشتراط الفقهاء لصحة العقد ألا يكون لأحدهما من الربح نصيب معين اشتراط لا دليل عليه، وكما يصح أن يكون بالنسبة يصح أن يكون حظا معينا ولا يدخل في ربا الفضل ولا في ربا النسيئة؛ لأنه نوع من المضاربة وهذا الاشتراط مخالف لأقوال الفقهاء ولكنه غير مخالف نصا في القرآن الكريم أو السنة "، والتعليق هنا يقتصر فقط على الجزء الأخير من تلك العبارة. إن كل من له اطلاع على كتب الفقه على اختلاف مذاهبها يجد الإجماع على هذا الشرط " نسبية الربح "؛ إذن هناك إجماع فقهي ليس على مستوى مذهب أو مذهبين بل على مستوى المذاهب الأربعة، بل على مستوى الفقه الإسلامي بما فيه من المذهب الظاهري والزيدي والشيعي. . إلخ وإذا كان ذلك كذلك فكيف يقال إن تحديد مقدار معين من الربح يخالف أقوال الفقهاء ولكنه لا يخالف نصا من قرآن أو سنة؟ لو صح هذا لوقعنا في مأزق حرج، فلو كان القائل بهذا الشرط فقيه أو مذهب أو مذهبان مع مخالفة غيرهما لأمكن مخالفته، لكن أن يكون القائل هم كل علماء الإسلام على اختلاف مذاهبهم فيخالف هذا القول الإجماعي، ثم يقال إنه كلام فقهاء وليس كلام الله ولا كلام الرسول! وكيف أجمع هؤلاء العلماء على ذلك؟ وما مستندهم إن لم يكن كتاب الله وسنة رسوله؟ إن مثل هذا القول فيه تشكيك رهيب في الفقه الإسلامي بل وفي الشريعة نفسها! هذه كلمة خطيرة - سامح
стр. 7913
الله شيخنا الفاضل فيها - ونحن نجزم بأنها لو صحت عنه فإنه لم يكن على دراية كاملة بمدلولها ومفهومها وما يترتب عليها.
ثم ينقل الكاتب عما أسماه بالأستاذ وفيق القصار كلاما في فائدة القرض لا يخرج قيد أنملة عما سبق، وردده رجال الكنيسة في العصور الوسطى تبريرا للفائدة وما يستمر في ترديده الآن رجال الفكر الغربيون. هذا عن الفقرة الرابعة التي تحدث فيها الكاتب عن طبيعة الأعمال المصرفية ومدى مخالفتها للأعمال الربوية كما ذهب الكاتب، وبعد تلك المناقشة هل هناك خلاف حقيقي بينهما فعلا أم أنه خلاف متخيل متوهم؟
стр. 7914
الفقرة الخامسة: بعد ذلك يذكر الكاتب خلاصة لبحثه لا يزيد فيها عما سبق أن كرره كثيرا وما سبق أن رددنا عليه. ولكنا نحب أن نلفت نظر الأخ الكاتب هنا إلى نقطة صغيرة هي أن الأعمال المصرفية " الإيداع " باتفاق رجال الاقتصاد والقانون في الغرب هي من باب القرض وإن تسميت بوديعة أو بغيرها من التسميات. حتى إن تعريفهم للفائدة ينص صراحة على أنها ثمن استعمال النقود المقترضة. إذن كيف يتضح الخلاف والاختلاف؟!! والعجيب أنه يقول ما نصه: " لأنها معاملات جديدة لا تخضع في حكمها للنصوص القطعية التي وردت في القرآن الكريم بشأن حرمة الربا) سبحان الله! وهل مجرد كونها جديدة يجعلها تختلف عن القديم، وهل كل جديد يخالف القديم؟ والأكثر فزعا قوله طالما هي جديدة فلا تخضع في حكمها للنصوص القطعية القرآنية. وكأن القرآن الكريم إنما جاء للمعاملات القديمة التي كانت في الجاهلية وإبان نزوله فحسب، ثم ما يجد من معاملات يبحث له عن مصدر آخر للتعرف على حكمه. مع أنه من المعلوم من الدين بالضرورة أن كل ما في القرآن والسنة هي نصوص خالدة وليست
стр. 7915
تاريخية وتطبق على كل ما حدث وما يحدث وما سوف يحدث إلى قيام الساعة، ثم يواصل في خلاصته قائلا: " إن علينا في ضوء ذلك أن ننظر لها من خلال مصالح العباد وحاجاتهم اقتداء برسول الله ﷺ في إباحته للسلم رغم ما فيه من بيع غير موجود وبيع ما ليس عند البائع، وقد أجمع العلماء على أن إباحة السلم كانت لحاجة الناس إليه) لقد نسي الكاتب أن النصوص الإسلامية كفتنا مؤنة النظر هنا الذي يطالب به الأخ فنصت على حرمة الربا والذي من صوره الأساسية الدين بزيادة مشترطة.
والعمل المصرفي من صميمه. والعجيب أن يقول اقتداء برسول الله في إباحته السلم. وكأن رسول الله ﷺ لم يجد نصا أو وجد نصا محرما للسلم ولكن مصالح العباد اقتضت أن ينظر في الأمر فيبيحه. وهل يجهل الكاتب أن الرسول الكريم مشرع في الأول والأخير؟ وكل ما يقوله هو نصوص شرعية واجبة النفاذ؟ وهل هناك نص صريح يفيد حرمة السلم؟ وبفرض وجود ذلك فهل إذا جاء الرسول الكريم وقال نصا مغايرا هل يعتبر الحكم الثاني مصدره العمل بالمصلحة أم بالنص الإسلامي؟ ومن قال من العلماء إن السلم يدخل في باب بيع ما يسمى عندك هم فئة من العلماء وليس كل العلماء، وهناك منهم من أكد على غير ذلك (ابن تيمية وغيره) حيث ذهبوا إلى أن السلم أصل بذاته وليس هو رخصة أو مستثنى من محرم للحاجة، ثم يواصل الكاتب قائلا: " والمصارف والأعمال المصرفية حاجة من حاجات العباد لا تتم مصالح معاشهم إلا بها " أما أن المصارف من حيث المبدأ حاجة اقتصادية عصرية فنعم، لكن ذلك لا يؤدي إلى اعتبار كل عمل تقوم به في حد ذاته حاجة من حاجات الناس. وإلا فيمكن القول أيضا وبنفس القوة إن الربا كان حاجة من حاجات المجتمع الجاهلي، وكان يمثل مصدرا أساسيا