← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 7981–8020 · переход к 7986.

стр. 7981

ذلك منع منه. وإن زعم أن هذا الحديث يدل على ذلك ويقتضيه لقد أخطأ أيضا في ذلك) (١). وقال أيضا: (من قال إنه ينزل فيتحرك وينتقل كما ينزل الإنسان من السطح إلى أسفل الدار كقول من يقول إنه يخلو منه العرش فيكون نزوله تفريغا لمكان وشغلا لآخر فهذا باطل يجب تنزيه الرب عنه) (٢). ٣ - قالوا إنه يحرم زيارة قبر النبي ﷺ ، ونقول هذا أيضا من الكذب الواضح فإن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لم يحرم زيارة قبر النبي ﷺ ولا زيارة غيره من القبور إذا وقعت هذه الزيارة وفق الأدلة الشرعية بأن يكون الزائر رجلا والقصد من هذه الزيارة التذكر والاعتبار والدعاء للموتى من المسلمين بالرحمة والمغفرة وكانت هذه الزيارة بدون سفر، فإن كانت زيارة القبور بقصد التبرك بها وطلب المدد وقضاء الحوائج وتفريج الكربات من الموتى أو كانت هذه الزيارة تحتاج إلى سفر، أو الزائر من النساء، فشيخ الإسلام ليس وحده الذي يمنع من هذه الزيارة، بل يمنع منها كل المحققين من علماء السلف والخلف، لأنها زيارة شركية أو بدعية، قد جاءت الأدلة من الكتاب والسنة بمنعها وإليك ما قاله في هذه المسألةر- قال ﵀: (فإن زيارة القبور على وجهين): وجه شرعي ووجه بدعي، فالزيارة الشرعية مقصودها السلام على الميت والدعاء له سواء كان نبيا أو غير نبي، ولهذا كان الصحابة إذا زاروا النبي ﷺ يسلمون عليه ويدعون له ثم ينصرفون ولم يكن أحد منهم يقف عند قبره ليدعو لنفسه، ولهذا كره مالك

стр. 7982

وغيره ذلك وقالوا إنه من البدع المحدثة، ولهذا قال الفقهاء: إذا سلم المسلم عليه وأراد الدعاء لنفسه لا يستقبل القبر بل يستقبل القبلة وتنازعوا وقت السلام عليه هل يستقبل القبلة أو يستقبل القبر. فقال أبو حنيفة يستقبل القبلة، وقال مالك والشافعي يستقبل القبر - وهذا لقوله ﷺ : «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد (١)» وقوله ﷺ : «لا تجعلوا قبري عيدا (٢)» وقوله ﷺ : «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر مثل ما صنعوا (٣)» وقوله ﷺ : «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك (٤)» ولهذا اتفق السلف على أنه لا يستلم قبرا من قبور الأنبياء وغيرهم ولا يتمسح به ولا يستحب الصلاة عنده ولا قصده للدعاء عنده أو به، لأن هذه الأمور كانت من أسباب الشرك وعبادة الأوثان، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ (٥) قال طائفة من السلف هؤلاء كانوا قوما صالحين من قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم فعبدوهم. وهذه الأمور ونحوها هي من الزيارة البدعية. وهي من جنس دين النصارى والمشركين. وهو أن يكون قصد الزائر أن يستجاب دعاؤه عند القبر أو أن يدعو الميت ويستغيث

стр. 7983

به ويطلب منه أو يقسم به على الله في طلب حاجاته وتفريج كرباته، فهذه كلها من البدع) انتهى من مجموع الفتاوى (١). وبه يتضح رأي الشيخ في زيارة القبور وأنه يتمشى مع الأدلة الشرعية فيجيز ما أجازته ويمنع ما منعته من الزيارة الشركية والبدعية. ٤ - قالوا إنه يقول إن التوسل في الدعاء كفر أو شرك، وهذا أيضا من الكذب الصريح على شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فإنه لم يحكم على التوسل بأنه كفر أو شرك وإنما كان يفصل في ذلك بين التوسل المشروع والتوسل الممنوع وإليك عبارته في ذلك - يقول ﵀: (فلفظ التوسل يراد به ثلاثة معان: أحدها: التوسل بطاعته (يعني النبي ﷺ فهذا فرض لا يتم الإيمان إلا به. والثاني: التوسل بدعائه وشفاعته - وهذا كان في حياته ويكون يوم القيامة يتوسلون بشفاعته. والثالث: التوسل به بمعنى الإقسام به على الله بذاته والسؤال بذاته فهذا هو الذي لم تكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء ونحوه لا في حياته ولا بعد مماته، لا عند قبره ولا غير قبره، ولا يعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم، وإنما ينقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة أو عن من ليس قوله حجة، وهذا هو الذي قال أبو حنيفة وأصحابه إنه لا يجوز ونهوا عنه حيث قالوا: (لا يسأل بمخلوق ولا يقول أحد: أسألك بحق أنبيائك) انتهى من مجموع الفتاوى (٢) فبين الشيخ أن هذا النوع من التوسل

стр. 7984

لا يجوز وليس هو من فعل الصحابة ولم يقل إنه كفر أو شرك كما قال هذا الكاذب عليه. ٥ - قالوا إنه يكفر الناس الذين لا يتبعون آراءه مثل تكفيره الذين يزورون قبر الرسول، وهذا من جنس ما قبله من الأكاذيب، فالشيخ تقي الدين لا يكفر إلا من كفره الله ورسوله بارتكابه ناقضا من نواقض الإسلام كدعاء غير الله من الموتى وغيرهم. ولم يكفر الذين يزورون قبر الرسول ﷺ الزيارة الشرعية كما سبق بيانه. ٦ - قالوا إنه يحرم الطرق الصوفية وجوابا عن هذا الموضوع ننقل لك عبارة الشيخ ﵀ في هذا: قال ﵀: (الحمد لله أما لفظ الصوفية فإنه لم يكن مشهورا في القرون الثلاثة وإنما اشتهر التكلم به بعد ذلك - إلى أن قال: ولأجل ما وقع من كثير منهم من الاجتهاد والتنازع تنازع الناس في طريقهم، فطائفة ذمت الصوفية والتصوف، وقالوا إنهم مبتدعون خارجون عن السنة، ونقل عن طائفة من الأئمة في ذلك من الكلام ما هو معروف وتبعهم على ذلك طوائف من أهل الفقه والكلام، وطائفة غلت فيهما وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء، وكلا طرفي هذه الأمور ذميم، والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده، وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين، وفي كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطئ، وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب، ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه عاص لربه، وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة - ولكن عند المحققين من أهل

стр. 7985

التصوف ليسوا منهم كالحلاج مثلا، انتهى من مجموع الفتاوى (١). هذا كلامه ﵀ في التصوف المعتدل المعروف في وقته وقبله أما التصوف المنحرف في وقته: وبعده فلا أحد يجيزه. فالطرق الصوفية تغيرت ودخلها من البدع والخرافات والشركيات الشيء الكثير، فيجب تركها والابتعاد عنها وملازمة السنة.

стр. 7986

٧ - قالوا إنه أفتى بفتاوى تخالف الإجماع وهي كما يلي: ١ - لا يعتبر الحلف بالطلاق طلاقا وإنما يعتبره يمينا مكفرة، والجواب عن هذا أن نقول: إن دعوى الإجماع في هذه المسألة دعوى كاذبة فإن الشيخ ﵀ ذكر في هذه المسألة ثلاثة أقوال، وهذا نص كلامه حيث يقول: (إذا حلف بالطلاق أو العتاق يمينا تقتضي حصنا أو منعا - كقوله: الطلاق أو العتق يلزمه ليفعلن كذا أو لا يفعل كذا أو قوله: إن فعلت كذا فامرأتي طالق أو فعبدي حر ونحو ذلك فللعلماء فيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه إذا حنث وقع به الطلاق والعتاق، وهذا قول بعض التابعين وهو المشهور عند أكثر الفقهاء. الثاني: لا يقع به شيء ولا كفارة عليه - وهذا مأثور عن بعض السلف وهو مذهب داود وابن حزم وغيرهما من المتأخرين، ولهذا كان سفيان بن عيينة شيخ الشافعي وأحمد لا يفتى بالوقوع. والقول الثالث: أنه يجزئه كفارة يمين - اهـ من مجموع الفتاوى (١). فتبين بهذا أنه لم ينفرد بهذا القول وأن المسألة خلافية.

стр. 7987

٢ - قالوا إنه يعتبر الطلاق الثلاث واحدة إذا قاله الزوج دفعة واحدة والجواب: أن هذا لم يخالف فيه الشيخ ﵀ إجماعا ولم ينفرد به فقد سبقه إليه كثير من الأئمة. وهو مبني على أدلة استدلوا بها. قال ﵀: " وهذا القول منقول عن طائفة من السلف والخلف من أصحاب رسول الله ﷺ مثل الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف، ويروى عن علي وابن مسعود وابن عباس القولان وهو قول كثير من التابعين ومن بعدهم مثل طاووس وخلاس بن عمرو ومحمد بن إسحاق وهو قول داود وأكثر أصحابه) انظر مجموع الفتاوى (١). قال القرطبي: وشذ طاووس وبعض أهل الظاهر إلى أن طلاق الثلاث في كلمة واحدة يقع واحدة ويروى هذا عن محمد بن إسحاق والحجاج بن أرطاة، وقيل عنهما لا يلزم منه شيء وهو قول مقاتل ويحكى عن داود أنه قال: لا يقع، والمشهور عن الحجاج بن أرطاة وجمهور السلف والأئمة أنه لازم واقع ثلاثا - انتهى من تفسير القرطبي (٢). ٣ - وقالوا إنه لا يصح طلاق الحائض والطلاق في الطهر الذي جامعها فيه، والجواب أن هذا الطلاق طلاق بدعة وقد اختلف العلماء هل يقع أولا، فإذا قال الشيخ بعدم وقوعه فإنه لم يخالف بذلك إجماعا كما يدعي هذا المفتري، فالمسألة خلافية، وكل له دليله، ومن تبين له رجحان قول وجب عليه الأخذ به.

стр. 7988

قال القرطبي: وقال سعيد بن المسيب في آخرين لا يقع الطلاق في الحيض لأنه خلاف السنة انتهى من تفسير القرطبي (١). ٤ - قالوا إنه لا يرى قضاء الصلاة المتروكة عمدا، والجواب أن الموجود من كلام الشيخ في مجموع الفتاوى (٢). في هذه المسألة ما نصه: (وأما من كان عالما بوجوبها وتركها بلا تأويل حتى خرج وقتها المؤقت فهذا يجب عليه القضاء عند الأئمة الأربعة، وذهب طائفة منهم ابن حزم وغيره إلى أن فعلها بعد الوقت لا يصح من هؤلاء، وكذلك قالوا فيمن ترك الصوم متعمدا - والله أعلم انتهى. وقال الحافظ في فتح الباري (٣) على حديث «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك (٤)» قال: وقد تمسك بدليل الخطاب منه القائل إن العامد لا يقضي الصلاة، لأن انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط فيلزم منه أن من لم ينس لا يصلي اهـ. . فالشيخ إنما حكى الخلاف فقط فالمسألة خلافية ليست: محل إجماع والله أعلم. فإذا اختار القول بعدم القضاء لرجحانه عنده بالدليل فلا حرج عليه. وقال الشيخ أيضا في مجموع الفتاوى (٥) واختلف الناس فيمن ترك الصلاة والصوم عامدا هل يقضيه؟. فقال الأكثرون يقضيه، وقال بعضهم لا يقضيه ولا يصح فعله

стр. 7989

بعد وقته كالحج. . . انتهى، ولم يزد على حكاية الخلاف.

стр. 7990

٥ - وقالوا عنه إنه قال إن الذي ينكر الإجماع لا يعتبر كافرا أو فاسقا، وهذا كذب على الشيخ ﵀ لأنه يحترم الإجماع ويحث على التمسك به وينهى عن مخالفته، قال في مجموع الفتاوى (١) الحمد لله: معنى الإجماع أن تجتمع علماء المسلمين على حكم من الأحكام، وإذا ثبت إجماع الأمة على حكم من الأحكام لم يكن لأحد أن يخرج عن إجماعهم، فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة. . انتهى. ٦ - قالوا إنه يرى أن ذات الله مركبة بعضها يحتاج إلى بعض، وأن الله له جسم وله جهات وينتقل من مكان إلى مكان آخر، وهذا من الكذب الشنيع على شيخ الإسلام ابن تيمية، فإنه ﵀ في كل كتاباته ومؤلفاته يقرر مذهب السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان في أسماء الله وصفاته وهو إثباتها كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢). قال في مطلع الرسالة الحموية الكبرى لما سئل: (ما قول السادة العلماء أئمة الدين في آيات الصفات وأحاديث الصفات، فأجاب: الحمد لله رب العالمين قولنا فيها ما قاله الله ورسوله ﷺ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وما قاله أئمة الهدى بعد هؤلاء الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، وهذا هو الواجب على جميع الخلق في هذا الباب وغيره - انتهى من مجموع الفتاوى (٣).

стр. 7991

وقال أيضا في موضوع الحركة والانتقال في المجموع (١) والذي يجب القطع به أن الله ليس كمثله شيء في جميع ما يصف به نفسه، فمن وصفه بمثل صفات المخلوقين في شيء من الأشياء فهو مخطئ قطعا كمن قال ينزل فيتحرك وينتقل كما ينزل الإنسان من السطح إلى أسفل الدار كقول من يقول إنه يخلو منه العرش فيكون نزوله تفريغا لمكان وشغلا لآخر فهذا باطل يجب تنزيه الرب عنه كما تقدم وهذا هو الذي تقوم على نفيه وتنزيه الرب عنه الأدلة الشرعية والعقلية. . . انتهى. وقال في موضوع الجسم والتركيب في مجموع الفتاوى (٢). فمن قال إنه جسم وأراد أنه مركب من الأجزاء فهذا قول باطل، وكذلك إن أراد أنه يماثل غيره من المخلوقات فقد علم بالشرع والعقل أن الله ليس كمثله شيء في شيء من صفاته، فمن أثبت لله مثلا في شيء من صفاته فهو مبطل، ومن قال إنه جسم بهذا المعنى فهو مبطل، ومن قال إنه ليس بجسم بمعنى أنه لا يرى في الآخرة ولا يتكلم بالقرآن وغيره من الكلام ولا يقوم به العلم والقدرة وغيرهما من الصفات ولا ترفع الأيدي إليه في الدعاء ولا عرج بالرسول ﷺ إليه ولا يصعد إليه الكلم الطيب ولا تعرج الملائكة والروح إليه فهذا باطل، وكذلك كل من نفى ما أثبته الله ورسوله وقال إن هذا تجسيم فنفيه باطل وتسمية ذلك تجسيما تلبيس منه. إلى أن قال: بل لم ينطق كتاب الله ولا سنة ولا أثر من السلف بلفظ الجسم في حق الله تعالى لا نفيا ولا إثباتا فليس لأحد أن يبتدع اسما مجملا يحتمل معاني مختلفة لم ينطق به الشرع ويعلق

стр. 7992

به دين المسلمين. . . انتهى. وقال أيضا: وهذه الألفاظ المجملة المحدثة مثل لفظ: (المركب) و (المؤلف) و (المنقسم) ونحو ذلك قد صار كل من أراد نفي شيء مما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات عبر بها عن مقصوده فيتوهم من لا يعرف مراده أن المراد تنزيه الرب الذي ورد به القرآن وهو إثبات أحديته وصمديته ويكون قد أدخل في تلك الألفاظ ما رآه هو منفيا وعبر عنه بتلك العبارة وضعا له واصطلاحا اصطلح عليه هو ومن وافقه على ذلك المذهب وليس ذلك من لغة العرب التي نزل بها القرآن ولا من لغة أحد من الأمم ثم يجعل ذلك المعنى هو مسمى الأحد والصمد والواحد ونحو ذلك من الأسماء الموجودة في الكتاب والسنة. انتهى من مجموع الفتاوى (١). وبهذه النقولات من كلام الشيخ ﵀ ظهر بطلان ما نسبه إليه أعداؤه الكذابون من هذه الأباطيل. . . والحمد لله. ٧ - قالوا إنه يرى أن القرآن حديث ليس بقديم، والجواب أن نسوق عبارة الشيخ ﵀ في هذا الموضوع قال في مجموع الفتاوى (٢) إن السلف قالوا: القرآن كلام الله منزل غير مخلوق وقالوا: لم يزل متكلما إذا شاء، فبينوا أن كلام الله قديم أي جنسه قديم يزل، ولم يقل أحد منهم إن نفس الكلام المعين قديم، ولا قال أحد منهم القرآن قديم، بل قالوا إنه كلام الله منزل غير مخلوق، وإذا كان الله قد تكلم بالقرآن بمشيئته كان القرآن كلامه وكان منزلا غير مخلوق ولم يكن مع ذلك أزليا قديما بقدم الله وإن

стр. 7993

كان الله لم يزل متكلما إذا شاء فجنس كلامه قديم، فمن فهم قول السلف وفرق بين هذه الأقوال زالت عنه الشبهات في هذه المسائل المعضلة التي اضطرب فيها أهل الأرض. . . انتهى. فتبين بهذا أن نفي القدم عن القرآن ليس رأيه وحده كما يزعم المفترون، وإنما هو رأي سلف هذه الأمة قاطبة وأن هناك فرقا بين جنس الكلام وأفراد الكلام والله أعلم. ٨ - قالوا إنه يقول بقدم العالم، وهذا من الكذب الصريح على شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فإنه لا يقول بقدم العالم، وإليك عبارته ﵀ في إبطال هذا القول ورده قال في مجموع الفتاوى (١) (/ ٩/ ٢٨١) فإن الرسل مطبقون هذا القول على أن كل ما سوى الله محدث مخلوق كائن بعد أن لم يكن ليس مع الله شيء قديم بقدمه، وأنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام والعقول تعلم أن الحوادث لا بد لها من محدث، وفي الجزء الثاني من هذا المجموع المبارك (٢) صرح بتكفير من قال بقدم العالم. ٩ - قالوا إنه يقول إن الأنبياء غير معصومين، والجواب: أن هذا كذب صريح وبهتان واضح، فإن شيخ الإسلام ﵀ يقرر عصمة الأنبياء ويثبتها، وهذا نص عبارته في هذا الموضوع حيث يقول: إن الأنبياء صلوات الله عليهم معصومون فيما يخبرون به عن الله سبحانه وفي تبليغ رسالاته باتفاق الأمة ولهذا وجب الإيمان بكل ما أوتوه - إلى أن قال: وأما العصمة في غير ما يتعلق بتبليغ

стр. 7994

الرسالة فللناس فيها نزاع هل هو ثابت بالعقل أو بالسمع ومتنازعون في العصمة من الكبائر والصغائر أو من بعضها، أم هل العصمة إنما هي في الإقرار عليها لا في فعلها، أم لا يجب القول بالعصمة إلا في التبليغ فقط، وهل تجب العصمة من الكفر والذنوب قبل المبعث أولا. والكلام في هذا مبسوط في غير هذا الموضع، والقول الذي عليه جمهور الناس وهو الموافق للآثار المنقولة عن السلف إثبات العصمة من الإقرار على الذنوب مطلقا - انتهى من مجموع الفتاوى (١).

стр. 7995

الخاتمة: وهكذا والحمد لله - وجدنا في كلام الشيخ ردا على كل ما افتراه عليه خصومه ونفيا لما نسبوه إليه، وهذا يدل على غزارة علمه وإمامته، ونحن لا ندعي له العصمة فهو كغيره من الأئمة يخطئ ويصيب. قال الإمام ابن كثير في ترجمته له في البداية والنهاية (١) وأثنى عليه وعلى علومه جماعة من علماء عصره مثل القاضي الخوبي، وابن دقيق العيد، وابن النحاس والقاضي الحنفي وقاضى قضاة مصر ابن الحريري وابن الزملكاني وغيرهم ووجدت بخط ابن الزملكاني أنه قال: اجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهتها وإن له اليد الطولي في حسن التصنيف وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتدين. إلى أن قال ابن كثير: وبالجملة كان ﵀ من كبار العلماء وممن يخطئ ويصيب ولكن خطأه بالنسبة إلى صوابه كنقطة في بحر لجي - وخطؤه أيضا مغفور له كما في صحيح البخاري: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا

стр. 7996

اجتهد فأخطأ فله أجر (١)» فهو مأجور وقال الإمام مالك بن أنس: كل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر - انتهى. وكما قلنا قريبا: إن مؤلفات هذا العالم موجودة ومبذولة لكل من أرادها فمن أراد أن يعرف الحقيقة بلا مكابرة فليطالعها ولا يستمع لما يقوله عنه خصومه وحساده والمغرضون المضللون فإن العدل والإنصاف أن تحكم على الشخص من واقع كلامه المذكور في كتبه لا من كلام خصومه. فأعداء الدين دائما في صراع مع دعاة الحق الذين يردون كيدهم. ويبينون زيفهم ويظهرون للناس حقيقتهم. فقد ظهر شيخ الإسلام في عصر قد اشتدت فيه غربة الإسلام وتفرقت كلمة المسلمين وظهرت الفرق المخالفة لما كان عليه السلف الصالح في العقائد والفروع وخيم الجمود الفكري والتقلب الأعمى فأثر في الجو العلمي، ظهرت فرق الشيعة والصوفية المنحرفة والقبورية ونفاة الصفات والقدرية وطغى علم الكلام والفلسفة حتى حلا محل الكتاب والسنة لدى الأكثر من المتعلمين في الاستدلال، هذا كله في داخل المجتمع الإسلامي في ذلك العصر. ومن خارج المجتمع تكالب أعداء الإسلام فغزوا المسلمين في عقر دارهم فجاءت جيوش التتار من الشرق تداهم ديار المسلمين وتفتك بهم وجيوش الصليبين من الغرب، في هذا الجو المعتم عاش شيخ الإسلام ابن تيمية ضياء لامعا بعلمه الأصيل الغزير يدرس الطلاب ويؤلف الكتب والرسائل ويفتي في النوازل والمسائل. ويناظر المنحرفين. ويرد على المخرفين وينازل الفرق والطوائف. فيرد علما

стр. 7997

الشيعة والقدرية ويرد على علماء الكلام والفلاسفة ويرد على المعطلة والمؤولة في الصفات من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، ويرد على الصوفية المنحرفة وعلى القبوريين والمبتدعة ويحرك أهل الجمود الفقهي والخمول الفكري برد الفقه إلى أصوله الصحيحة ومنابعه الصافية وتصحيح الصحيح وتزييف الزائف حتى أعاد للشريعة نقاءها وإلى العلوم الشرعية صفاءها. يظهر ذلك في مؤلفاته التي خلفها ثروة علمية هائلة، وإلى جانب مجهوده العلمي العظيم شارك في الجهاد في سبيل الله فحمل السلاح وخاض المعارك ضد التتار عدة مرات مما كان له أطيب الأثر في تقوية معنوية المجاهدين حتى انتصروا على عدوهم وقد تخرج على يد هذا العالم الجليل أئمة من طلابه حملوا الراية من بعده. منهم الإمام ابن القيم والإمام ابن كثير والحافظ الذهبي والحافظ ابن عبد الهادي وغيرهم ممن أخذوا عنه العلم ونشروه في الآفاق بما ألفوه من المؤلفات القيمة التي تزخر بها المكتبات الإسلامية اليوم، فجزى الله شيخ الإسلام ابن تيمية عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء ونفعنا بعلومه، ولما قام بهذا الواجب العظيم غاظ خصومه فرمته كل طائفة من الطوائف المنحرفة بلقب سيئ تريد بذلك صد الناس عن دعوته وتشويه عمله،. . فنفاة الصفات قالوا إنه مجسم. لأن إثبات الصفات عندهم تجسيم. ومتعصبة الفقهاء والمبتدعة قالوا إنه خرق الإجماع، لأن أخذ القول الراجح بالدليل المخالف لما هم عليه، ورد البدع خرق للإجماع عندهم، وغلاة الصوفية والقبوريون قالوا إنه يبغض الأولياء ويكفر المسلمين ويحرم زيارة القبور. لأن الدين عندهم هو التقرب إلى الأولياء والصالحين وتعظيم مشايخ الطرق الصوفية واتخاذهم أربابا من دون الله والغلو في تعظيمهم بصرف العبادة إليهم، هذا موقف هذه الطوائف من دعوة شيخ

стр. 7998

الإسلام وهو موقف يتكرر مع كل مصلح ومجدد يدعو إلى دين الله الذي جاء به رسوله ﷺ ونبذ ما خالفه من دين الآباء والأجداد وعادات الجاهلية، وليس هذا بغريب فقد قوبلت دعوة النبي ﷺ من قبل بأعظم من هذا وقيل عنه إنه ساحر كذاب وإنه شاعر مجنون. إلى غير ذلك من الألقاب السيئة التي يراد بها الصد عن دين الله والبقاء على دين الشرك الذي ورثوه عن آبائهم وأجدادهم، فلشيخ الإسلام وإخوانه من الدعاة إلى الله أسوة بنبيهم ولهؤلاء المنحرفين سلف من المشركين والمكذبين، ولكن العاقبة للمتقين. فهذه كتب شيخ الإسلام تأخذ طريقها إلى أيدي كل من يريدون الحق يتنافسون في الحصول عليها والتنقيب عن المفقود منها لإخراجه للناس، فعليك أيها المسلم الناصح لنفسه أن لا تلتفت إلى أقوال المرجفين في حق هذا العالم المجدد المجاهد وأن تنظر إلى أقواله هو لا إلى ما يقال عنه لتصل إلى الحقيقة قال تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (١). صالح بن فوزان الفوزان

стр. 7999

صفحة فارغة

стр. 8000

مخطوطة التمييز في معرفة أقسام الألفات في كتاب العزيز لمحمد بن أحمد بن داود تحقيق الدكتور / علي حسين البواب - الدكتور / علي حسين البواب: - فلسطيني. ولد بمدينة يافا في فلسطين المحتلة سنة ١٣٦٧ هـ ١٩٤٧ م. - حصل على الثانوية العامة في مدينة غزة سنة ١٩٦٤ م، وواصل تعليمه في القاهرة إلى أن نال درجة الدكتواره في علم اللغة العربية من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة سنة ١٣٩٨ هـ / ١٩٧٨ م. - عمل مدرسا بوزارة المعارف في الكويت من عام ٦٨ - ٧٨ م. ثم في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية حيث يعمل أستاذا مشاركا في كلية اللغة العربية بالرياض. - حقق مجموعة من كتب التراث في علوم القرآن واللغة، منها: شرح كفاية المتحفظ لابن الطيب الفاسى. والتمهيد في علم التجويد لابن الجزري، وتذكرة الأريب في تفسير الغريب لابن الجزري، وقنعة الأريب لابن قدامة، ونور المسرى لأبي شامة. - كما أعد فهارس لمخطوطات ومصورات اللغة والنحو والصرف والعروض بجامعة الإمام.

стр. 8001

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير الأنبياء والمرسلين، وبعد. . فقد عني علماء المسلمين بكتاب الله العزيز عناية فائقة، وتناولوا كل ما يحتاج إلى بحث في القرآن الكريم بتوسع وتمحيص، ولم يغادروا منه شيئا يحتاج إلى درس أو تحليل، وهم في ذلك يرمون إلى تيسير فهم كتاب الله تعالى واستنباط ما فيه، ويحرصون على تعليمه، وتسهيل تلاوته، وتصحيح قراءته. ومن هذه المباحث ما نقدم له من درس لأنواع الألفات أو الهمزات في أوائل كلمات القرآن الكريم: فمنها ما يظهر في أول الكلام ويسقط في وسطه، ومنها ما ينطق به على كل حال، ومنها ما يكون مفتوحا أو مضموما أو مكسورا، ومنا ما يسهل أو يلين، وقد سعى المؤلف إلى بيان هذه الأنواع والتعريف بها. أما مؤلف الكتاب فمن أهل القرن التاسع الهجري، ترجم له السخاوي مؤرخ ذلك القرن فقال: " محمد بن أحمد بن داود، الشمس، أبو عبد الله الدمشقي، الشافعي، المقرئ، ويعرف بابن النجار. ولد سنة ثمان وثمانين وسبعمائة تقريبا، وأخذ القراءات عن صدقة الضرير تلميذ ابن اللبان، وبرع فيها، وتصدر لها بجامع بني أمية وغيره، فأخذها عنه الفضلاء كالسيد حمزة الحسيني، وانتفعوا به فيها، وكان مع ذلك ماهرا في الحساب، وله مجلس بجامع "يلبغا" يعظ فيه الناس، وكتب شرحا على باب وقف حمزة وهشام من "القصيد"، وكذا كتب في الأوجه الواقعة في آخر البقرة وأول آل عمران، وعارضه فيها بعض تلامذته وغلطه في

стр. 8002

بعض مقالاته. ومات ظنا قريبا من سنة سبعين " (١). وقد وقفت على عدد من الرسائل التي ألفها ابن النجار، وهي كلها مخطوطة، في التجويد والقراءات، تحتفظ بأكثرها مكتبات: جامعة برنستون في أمريكا، ورضا بالهند، والظاهرية بدمشق. ومن هذه الرسائل: * الإفهام في شرح باب وقف حمزة وهشام، وله نسخ مخطوطة في برنستون، والأزهرية ٤٤٨٦، والظاهرية (٢). * الرد المستقيم على بعض الأعاجم في تحريك الميم. * الرد الوافي للقول المنافي، تتعلق بالأوجه الجائزة بين آخر سورة البقرة وأول سورة آل عمران. * رسالة في جواز وصل الاستعاذة بالبسملة. * رسالة في التعبير في ختم القرآن. . * رسالة في جواز قراءة (أئمة) بالياء. * رسالة في الفرق بين الضاد والظاء. * غاية المراد في معرفة إخراج الضاد. * مسألة السكت والغنة. * مسألة في قراءة (تأمنا). * نثر الدرر في معرفة مذاهب الأئمة السبعة بين السور، وهي قريبة في موضوعها من "الرد الوافي" وليست هي.

стр. 8003

والكتاب الذي نحققه لابن النجار هو "التمييز في معرفة أقسام الألفات في كتاب الله العزيز "، وربما كان الكتاب الوحيد الذي ألف خاصا بالهمزات في أوائل الكلمات في القرآن الكريم. وقد ألف علماء العربية كتبا في الألفات أو الهمزات في أوائل الكلمات في العربية، وقد وصلنا من ذلك كتابان: الأول: لمحمد بن القاسم، أبي بكر، ابن الأنباري، المتوفى سنة ٣٣٨ هـ، وعنوانه " مختصر في ذكر الألفات "، وقد تحدث فيه عن الألفات في أوائل الأفعال، وقسمها إلى أصل، وقطع، ووصل، واستفهام، وألف الخبر عن نفسه، وألف ما لم يسم فاعله، وتكلم عن كل نوع من الأنواع الستة. ثم تحدث عن الألفات في أوائل الأسماء وهي الأصل، والقطع، والوصل، والاستفهام، وتكلم أيضا عن كل واحد من هذه الأقسام، ثم ختم الكتاب بالهمزات في أوائل حروف المعاني والأدوات. والثاني: "الألفات" لأبي عبد الله، الحسين بن أحمد، ابن خالويه، المتوفى سنة ٣٧٠ هـ، تحدث فيه بتوسع عن ألفات الوصل، والأصل، والفصل، والقطع.

стр. 8004

أما كتاب ابن النجار -وقد أفاد فيه من سابقيه- فجعله في ستة أقسام: الوصل، والأصل، والقطع، وما لم يسم فاعله، والخبر عن نفسه، والاستفهام، وفي كل قسم يتحدث عما يجيء منه في الأفعال والأسماء، أو في الأفعال وحدها، ويمثل له بآيات من القرآن الكريم، وفتح الكتاب بمبحث للهمزات في أوائل الضمائر وحروف المعاني والأدوات. وقد حققت الكتاب عن نسخة فريدة -فيما أعلم، وهي ضمن مجموع تحتفظ به مكتبة برنستون - مجموعة جاريت تحت رقم ٢٤٤/ ٤٣٤٦، في ثماني ورقات ( ilov- flo) في كل صفحة ثلاثة عشر سطرا وعلى الصفحة الأولى اسم المؤلف وعنوان الكتاب، وقد كتبت المخطوطة بخط نسخي مقروء، كتبها أحمد بن موسى بن محمد القرشي، وقد نص في أكثر من رسالة على كتابتها سنة ٨٦٠ هـ وإن لم يذكر ذلك في آخر مخطوطتنا، وقد قرئ الكتاب وصحح على مؤلفه. وكتبت بعض الكلمات بالحمرة الخفيفة، فكان قراءتها في المصورة صعبا، ولكن يبدو أن بعض الكلمات ترك لها فراغات لتكتب بالحمرة ونسي ذلك، إذ لا يظهر لها أثر في المصورة. وحاولت تقديم نص جيد، صححت بعض أخطاء المخطوطة، واستدركت بين معقوفين الألفاظ غير المكتوبة، أو ما يحتاج إلى تكملة، ووضحت بداية كل صفحة من وجهي ورقة المخطوطة، كما جعلت أسماء السور وأرقام الآيات بين معقوفين تقليلا للحواشي، وخرجت كل ما يحتاج إلى ذلك، وعلقت على بعض العبارات، وربطت الكتاب بكتابي ابن الأنباري، وابن خالويه وأحلت عليهما.

стр. 8005

وبعد، فهذا جهد من جهود علماء العربية في خدمة كتاب الله تعالى، ورسالة جديدة تضاف إلى المكتبة التراثية، نرجو الله تعالى أن ينفع بها، وأن يثيبنا عليها، وأن يعفو عن سيئاتنا وهفواتنا. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين د. علي حسين البواب

стр. 8006

صورة من المخطوطة.

стр. 8007

[صورة من المخطوطة].

стр. 8008

[صورة من المخطوطة].

стр. 8009

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه ثقتي. وهو حسبي [١٥٠ ب] قال سيدنا وشيخنا وإمامنا العالم العلامة المحقق الزكي البهي، أبو عبد الله محمد بن أحمد الشافعي، الشهير بابن النجار. الحمد لله المنعم بالإيمان، المتفضل بالقرآن، الباعث إلينا خير الأنام محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، وعلى آله الطاهرين، وجميع النبيين، والملائكة المقربين، وسلم وشرف وكرم إلى يوم الدين. وبعد. فقد سألني بعض الإخوان من أهل الصفا، المشهورين بالدين والصدق والوفاء أن أجمع له ما وقفت عليه من الألفات الواقعة في كتاب الله الكريم، إذ لا بد للقارئ من معرفة ولا يسعه الجهل بها، فأجبته إلى ذلك، وإن لم أكن أهلا لذلك، رجاء دعوة خل صادق تثمر الغفران، وتستمطر سحائب رضى الرحمن، وبالله سبحانه أتوسل، وعليه أتوكل، وإليه أتضرع [١٥١ أ] وبنبيه أتشفع (١) (٢) أن يجعل علمي وعملي خالصا لوجهه الكريم، ويتغمدني ووالدي وإخواني بمغفرته ورحمته، إنه غفور رحيم. وسميته بـ:

стр. 8010

التمييز في معرفة أقسام الألفات في كتاب الله العزيز

стр. 8011

فأقول وبالله التوفيق: [اعلم] أن الألفات الواقعة في كتاب الله تعالى تنقسم باعتبار مواقعها إلى ستة أقسام: ألف وصل، وألف أصل، وألف قطع، وألف ما لم يسم فاعله، وألف المتكلم وهي ألف الخبر عن نفسه، وألف الاستفهام. وسأبين ذلك ألفا ألفا إن شاء الله تعالى، ليكون أنموذجا يقاس عليه ما جاء من حديث رسول الله ﷺ وغيره.

стр. 8012

[١ - ألف الوصل]: فأما ألف الوصل فإنها تكون في الأسماء والأفعال: أما التي في الأسماء فكلها ألفات قطع إلا عشرة أسماء، وهي: ابن، وابنة، وامرؤ، وامرأة، واثنان، واثنتان، واسم، واست، و [الألف] المصاحبة [١٥١ ب] للام التعريف، وألف المصدر سوى مصدر الثلاثي، المهموز الأول، وسوى مصدر الفعل الرباعي. واختلف في "أيمن الله " في القسم: فقال سيبويه: هي ألف وصل، وقال الكوفيون والفراء: هي ألف قطع، [ويقال] في ايمن الله: ايم الله

стр. 8013

بحذف اللام، فهذه عشرة أسماء خلافا لسيبويه. فالموجود منها في كتاب الله ثمانية أسماء وهي: ابن، وابنة، وامرؤ، وامرأة، واثنان، واثنتان، واسم، وألف لام التعريف: أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (١) و ﴿إِنَّ ابْنِي﴾ (٢) و ﴿ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ (٣) و ﴿ابْنَتَ عِمْرَانَ﴾ (٤) و ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ (٥) و ﴿امْرَأَ سَوْءٍ﴾ (٦) ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ﴾ (٧) ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ (٨) و ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٩) و ﴿اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ (١٠) و ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ (١١) و ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا﴾ (١٢) و ﴿بِغُلَامٍ اسْمُهُ﴾ (١٣) [مريم ٧] ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ (١٤) وما أشبه ذلك. ويستدل على ألف الوصل في ذلك بسقوطها [١٥٢ أ] في التصغير، [تقول]: بني، وبنية، ومريء، ومريئة، وثنيان تصغير اثنين، وثنيتان تصغير اثنتين، وسمي تصغير اسم. وتبتدئ بالألف في كل ذلك بالكسر (١٥).

стр. 8014

وأما ألف لام التعريف فكقوله تعالى: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ (١) وما أشبه ذلك. وهي مفتوحة في الابتداء في جميع الأحوال. وإنما سميت هذه الألفات ألفات وصل للتوصل بها إلى النطق بالساكن، أو لاتصال ما قبلها بما بعدها، والله أعلم (٢). وأما التي في الفعل فتعرف بشيئين: بسقوطها في درج الكلام إذا وصلت ما قبلها بما بعدها، وبانفتاح أول مستقبلها (٣)، كقوله تعالى: ﴿قَالَ اذْهَبْ﴾ (٤) و ﴿أَنِ اقْتُلُوا﴾ (٥) و ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ﴾ (٦) [البقرة ٦٠] وما أشبه ذلك. ألا ترى أن مستقبل ذلك مفتوح في قولك: يذهب، ويقتل، ويضرب. أما الابتداء بها فتكون [١٥٢ ب] مضمومة ومكسورة: والطريقة في ذلك أن ننظر إلى ثالث المضارع: فإن كان مضموما ضمة لازمة ضمت الهمزة في الابتداء (٧)، كقوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ﴾ (٨) و ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ (٩) ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ﴾ (١٠) وما أشبه ذلك. واحترزت بقولي ضمة لازمة عن الضمة العارضة كما في قوله تعالى: ﴿أَنِ امْشُوا﴾ (١١) فإن الهمزة في امشوا في الابتداء مكسورة.

стр. 8015

وإن كان مكسورا، أو مفتوحا كسرت الهمزة في الابتداء، كقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا﴾ (١) ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ﴾ (٢) ﴿ارْكَبْ مَعَنَا﴾ (٣) وشبه ذلك، فهذا حكم همزة الوصل في الأسماء والأفعال.

стр. 8016

[ألف الأصل] (١). وأما ألف الأصل في الأسماء فإنها تكون مفتوحة ومكسورة ومضمومة، وتعرف بكونها فاء الفعل وثبوتها في التصغير، كقوله تعالى: انية [الغاشية ٥] و ﴿أَمْرُ اللَّهِ﴾ (٢) و ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ (٣) [يونس ٧٢] و ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (٤) ﴿وَإِخْوَانَكُمْ﴾ (٥) و ﴿إِصْرَهُمْ﴾ (٦) وما أشبه ذلك. فالألف في هذه الأمثلة [١٥٣ أ] الفعل، وهي ثابتة في التصغير في قولك: أمير، وأجير، وأصير، وشبهه. وأما التي تكون في الأفعال فتمتحن بكونها فاء الفعل في الماضي والمستقبل، وبكونها مفتوحة أبدا. إذا ذكر الفاعل، كقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ (٧) و ﴿مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ﴾ (٨) ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ (٩) ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (١٠) وما أشبه ذلك. ألا ترى أنها فاء من الفعل في الماضي وكذلك في المستقبل، كقولك: يأمر، ويأتي، ويأخذ، إذ وزنه " يفعل. .، فالهمزة فيه فاء.

стр. 8017

[٣ - ألف القطع] (١). وأما ألف القطع في الأسماء فتعرف بشيئين: بكونها زائدة على فاء الفعل وعينه ولامه، وبثبوتها في التصغير، كقوله تعالى: ﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (٢) و ﴿أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٣) ﴿وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ (٤) و ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٥) وما أشبه ذلك من الأسماء والصفات. ألا ترى أن وزن ذلك " أفعل " فالهمزة زائدة على فاء الفعل وعينه ولامه، وهي ثابتة [١٥٣ ب] في التصغير في قولك: أحيسن، واقيسط، وأعيظم، وما أشبه ذلك. وتختبر هذه الأسماء المجموعة بحسن دخول الألف واللام عليها كقوله تعالى: ﴿أَزْوَاجُكُمْ﴾ (٦) و ﴿أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ (٧) و ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ (٨) وشبهه، فيحسن دخول الألف واللام في ذلك كله فتقول: الأزواج، والأصحاب، والأنفس. واختلف في الأسماء الأعجمية: فذهب البصريون إلى أنها ألف وصل لأجل لزومها، وذهب الكوفيون إلى أنها ألف قطع للجهل باشتقاقها، والأسماء الأعجمية كإدريس، وأيوب، وإبراهيم، وإلياس، وإسحاق، وإسماعيل، وإسرائيل، وإرم، وما أشبه ذلك. وأما ألف إستبرق، وإبليس فإنهما ألفا قطع (٩). وأما ألف القطع في الأفعال فتختبر بأمور: أحدها: الزيادة على فاء الفعل وعينه ولامه. الثاني: كسرها في المصادر. الثالث: انضمام حرف المضارعة. الرابع: فتحها في الماضي (١٠).

стр. 8018

أمثلة ذلك: ﴿أَنْعَمْتَ﴾ (١) ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا﴾ (٢) ﴿أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ (٣) ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٤) ﴿أَلْهَاكُمُ﴾ (٥) وما أشبه ذلك. ألا ترى أن وزن ذلك " أفعل " فالهمزة زائدة على الفاء والعين واللام، وأن المصادر منها مكسورة، كقوله تعالى: ﴿إِخْرَاجًا﴾ (٦) و ﴿إِجْرَامِي﴾ (٧) و ﴿إِعْرَاضُهُمْ﴾ (٨) و ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (٩) وشبه ذلك. وأن حرف المضارعة من ذلك كله مضموم كقولك: ينعم، ويفرغ، ويلهى ويشبهه. وأن الألف في الماضي مفتوحة، فافهم ذلك.

стр. 8019

[٤١ - ألف الاستفهام] (١). وأما ألف الاستفهام فإنها تقع في الأسماء والأفعال، تعرف في النوعين بوقوع "أم " بعدها، ويحسن (هل) في موضعها: فمثال وقوع "أم" بعدها قوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢) ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ (٣) ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٤) وشبه ذلك. ومثال ما يحسن "هل " في موضعها قوله تعالى: نحن صددناكم [سبأ ٣٢] ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾ (٥) ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ﴾ (٦) وما أشبهه ألا ترى أنه يحسن في موضعها "هل" كقولك: هل صددناكم؟، هل سحر هذا؟ هل راغب أنت؟ وشبهه.

стр. 8020

ومثال وقوع أم بعدها في الأفعال قوله تعالى: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ (١) ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ﴾ (٢) ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ﴾ (٣) [البقرة ٨٠] ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ﴾ (٤) وما أشبه ذلك. ومثال ما يحسن في موضعها "هل" قوله تعالى: ﴿أَتُهْلِكُنَا﴾ (٥) ﴿أَعَجِلْتُمْ﴾ (٦) ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ (٧) ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا﴾ (٨) ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ (٩) وما أشبه ذلك، ألا ترى أنه يحسن في موضع ذلك كله "هل" والألف في هذه الأمثلة مفتوحة أبدا. تنبيه: اعلم أن ألف الاستفهام تدخل على ألف الوصل، وألف القطع، وألف لام التعريف، فإذا دخلت ألف الوصل ثبت ألف الاستفهام وسقطت ألف الوصل، وذلك أن ألف الوصل إنما جيء بها للتوصل إلى النطق بالساكن الذي بعدها، فلما دخلت عليها همزة الاستفهام استغني عنها بها، كقوله تعالى: [١٥٥ أ] ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ (١٠) استكبرت [ص٧٥] أستغفرت [المنافقون ٦]، أصطفى البنات [الصافات ١٥٣]، ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ (١١) ﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ (١٢) إذ أصل ذلك همزتان: الأولى مفتوحة وهي ألف الاستفهام، والثانية مكسورة
следующие страницы →