[ألف الأصل] (١).
وأما ألف الأصل في الأسماء فإنها تكون مفتوحة ومكسورة ومضمومة، وتعرف بكونها فاء الفعل وثبوتها في التصغير، كقوله تعالى: انية [الغاشية ٥] و ﴿أَمْرُ اللَّهِ﴾ (٢) و ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ (٣) [يونس ٧٢] و ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (٤) ﴿وَإِخْوَانَكُمْ﴾ (٥) و ﴿إِصْرَهُمْ﴾ (٦) وما أشبه ذلك. فالألف في هذه الأمثلة [١٥٣ أ] الفعل، وهي ثابتة في التصغير في قولك: أمير، وأجير، وأصير، وشبهه.
وأما التي تكون في الأفعال فتمتحن بكونها فاء الفعل في الماضي والمستقبل، وبكونها مفتوحة أبدا. إذا ذكر الفاعل، كقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ (٧) و ﴿مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ﴾ (٨) ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ (٩) ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (١٠) وما أشبه ذلك. ألا ترى أنها فاء من الفعل في الماضي وكذلك في المستقبل، كقولك: يأمر، ويأتي، ويأخذ، إذ وزنه " يفعل. .، فالهمزة فيه فاء.
стр. 8017
[٣ - ألف القطع] (١).
وأما ألف القطع في الأسماء فتعرف بشيئين: بكونها زائدة على فاء الفعل وعينه ولامه، وبثبوتها في التصغير، كقوله تعالى: ﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (٢) و ﴿أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٣) ﴿وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ (٤) و ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٥) وما أشبه ذلك من الأسماء والصفات. ألا ترى أن وزن ذلك " أفعل " فالهمزة زائدة على فاء الفعل وعينه ولامه، وهي ثابتة [١٥٣ ب] في التصغير في قولك: أحيسن، واقيسط، وأعيظم، وما أشبه ذلك. وتختبر هذه الأسماء المجموعة بحسن دخول الألف واللام عليها كقوله تعالى: ﴿أَزْوَاجُكُمْ﴾ (٦) و ﴿أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ (٧) و ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ (٨) وشبهه، فيحسن دخول الألف واللام في ذلك كله فتقول: الأزواج، والأصحاب، والأنفس. واختلف في الأسماء الأعجمية: فذهب البصريون إلى أنها ألف وصل لأجل لزومها، وذهب الكوفيون إلى أنها ألف قطع للجهل باشتقاقها، والأسماء الأعجمية كإدريس، وأيوب، وإبراهيم، وإلياس، وإسحاق، وإسماعيل، وإسرائيل، وإرم، وما أشبه ذلك. وأما ألف إستبرق، وإبليس فإنهما ألفا قطع (٩).
وأما ألف القطع في الأفعال فتختبر بأمور: أحدها: الزيادة على فاء الفعل وعينه ولامه. الثاني: كسرها في المصادر. الثالث: انضمام حرف المضارعة. الرابع: فتحها في الماضي (١٠).
стр. 8018
أمثلة ذلك: ﴿أَنْعَمْتَ﴾ (١) ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا﴾ (٢) ﴿أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ (٣) ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٤) ﴿أَلْهَاكُمُ﴾ (٥) وما أشبه ذلك. ألا ترى أن وزن ذلك " أفعل " فالهمزة زائدة على الفاء والعين واللام، وأن المصادر منها مكسورة، كقوله تعالى: ﴿إِخْرَاجًا﴾ (٦) و ﴿إِجْرَامِي﴾ (٧) و ﴿إِعْرَاضُهُمْ﴾ (٨) و ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (٩) وشبه ذلك. وأن حرف المضارعة من ذلك كله مضموم كقولك: ينعم، ويفرغ، ويلهى ويشبهه. وأن الألف في الماضي مفتوحة، فافهم ذلك.
стр. 8019
[٤١ - ألف الاستفهام] (١).
وأما ألف الاستفهام فإنها تقع في الأسماء والأفعال، تعرف في النوعين بوقوع "أم " بعدها، ويحسن (هل) في موضعها:
فمثال وقوع "أم" بعدها قوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢) ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ (٣) ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٤) وشبه ذلك. ومثال ما يحسن "هل " في موضعها قوله تعالى: نحن صددناكم [سبأ ٣٢] ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾ (٥) ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ﴾ (٦) وما أشبهه ألا ترى أنه يحسن في موضعها "هل" كقولك: هل صددناكم؟، هل سحر هذا؟ هل راغب أنت؟ وشبهه.
стр. 8020
ومثال وقوع أم بعدها في الأفعال قوله تعالى: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ (١) ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ﴾ (٢) ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ﴾ (٣) [البقرة ٨٠] ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ﴾ (٤) وما أشبه ذلك. ومثال ما يحسن في موضعها "هل" قوله تعالى: ﴿أَتُهْلِكُنَا﴾ (٥) ﴿أَعَجِلْتُمْ﴾ (٦) ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ (٧) ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا﴾ (٨) ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ (٩) وما أشبه ذلك، ألا ترى أنه يحسن في موضع ذلك كله "هل" والألف في هذه الأمثلة مفتوحة أبدا.
تنبيه: اعلم أن ألف الاستفهام تدخل على ألف الوصل، وألف القطع، وألف لام التعريف، فإذا دخلت ألف الوصل ثبت ألف الاستفهام وسقطت ألف الوصل، وذلك أن ألف الوصل إنما جيء بها للتوصل إلى النطق بالساكن الذي بعدها، فلما دخلت عليها همزة الاستفهام استغني عنها بها، كقوله تعالى: [١٥٥ أ] ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ (١٠) استكبرت [ص٧٥] أستغفرت [المنافقون ٦]، أصطفى البنات [الصافات ١٥٣]، ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ (١١) ﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ (١٢) إذ أصل ذلك همزتان: الأولى مفتوحة وهي ألف الاستفهام، والثانية مكسورة
стр. 8021
وهي ألف الوصل التي حذفت واستغني عنها بألف الاستفهام (١). قال ذو الرمة:
أستحدث الركب من أشياعهم خبرا ... . . . . . . . . .
فقطع الألف لأنها ألف الاستفهام وأسقط ألف الوصل. . . والله أعلم.
وإذا دخلت ألف الاستفهام على ألف القطع نظرت: فإذا كانت ألف القطع مفتوحة ففيها للعرب لغات:
منهم من يهمزهما معا، فيأتي بهمزتين مقصورتين.
ومنهم من يدخل ألفا استثقالا للجمع بينهما كما قال ذو الرمة:
فيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقا آأنت أم أم سالم
فأدخل بين الهمزتين ألفا لئلا يجمع بين همزتين، والمعنى: أأنت أحسن أم أم سالم؟.
ومنهم [١٥٥ ب] من يبدل الثانية ألفا، فيأتي بهمزة ومدة.
أما من أثبتهما معا، فمنهم من حقق الثانية، ومنهم من أزال نبرتها بالتسهيل، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ (٢) ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ (٣) ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ (٤) ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ (٥) وشبهه، وكل ذلك قرئ به.
стр. 8022
وإن كانت ألف القطع مضمومة فيجوز فيها الوجوه المتقدمة إلا البدل، وذلك كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ﴾ (١) ﴿أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ﴾ (٢) ﴿أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ (٣) وليس في القرآن سوى ذلك (٤).
وإن كانت ألف القطع مكسورة فيجوز فيها الوجوه المذكورة في الهمزة المفتوحة، غير أن البدل هنا ياء مكسورة، فيكون فيها خمس لغات، وقد قرئ بهن، نحو قوله تعالى: ﴿أَئِذَا مِتْنَا﴾ (٥) ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ (٦) ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً﴾ (٧) وما أشبه ذلك (٨).
وإما إذا دخلت ألف الاستفهام على ألف لام التعريف فللعرب في ألف لام التعريف مذهبان:
أحدهما: إبدالها ألفا، فيأتون بهمزة [١٥٦ أ] ومدة بعدها.
الثاني: تسهيلها، فيأتون بهمزتين: محققة وملينة [قال معن] بن أوس:
فوالله ما أدري أالحب شفه ... فسل عليه جسمه أم تعبدا (٩)
فأتى بهمزتين: محققة وملينة.
وأمثلة ذلك في كتابه العزيز قوله تعالى: ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ﴾ (١٠) ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١١) ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ (١٢) وشبهه، لا تثبت همزة الوصل المصاحبة للام التعريف مع حرف قبلها في شيء من كلام العرب إلا مع ألف الاستفهام كما هنا، والله أعلم (١٣).
стр. 8023
[٥ - ألف ما لم يسم فاعله] (١).
وأما ألف ما لم يسم فاعله فلا تقع في الأسماء البتة، وإنما تجيء في الأفعال، وهي مضمومة أبدا في أي وزن وقعت فيه من الأفعال، وتكون موصولة ومقطوعة، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ (٢) ﴿بِمَا أُنْزِلَ﴾ (٣) ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ (٤) ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ﴾ (٥) ﴿كَمَا أُرْسِلَ﴾ (٦) ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ﴾ (٧) ﴿وَمَا أُمِرُوا﴾ (٨) [التوبة ٣١] وما أشبه ذلك.
стр. 8024
[٦ - ألف المتكلم] (١).
وأما ألف المتكلم، وهي ألف المخبر عن نفسه، فلا تقع أيضا في الأسماء، وإنما تقع في الأفعال المضارعة خاصة، لأنها [١٥٦ ب] أحد علاماته، وتقع في الأفعال المبنية للفاعل، والمبنية للمفعول.
وأما وقوعها في المضارع المذكور فاعله فإنها تكون مضمومة كقوله تعالى: ﴿أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ (٢) و ﴿أُصِيبُ بِهِ﴾ (٣) و ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ﴾ (٤) ﴿سَأُنْزِلُ﴾ (٥) ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ (٦) ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾ (٧) وما أشبه ذلك. وتكون أيضا مفتوحة
стр. 8025
كقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ آسَى﴾ (١) و ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ﴾ (٢) ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ﴾ (٣) ﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ﴾ (٤) ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾ (٥) و ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٦) وما أشبه ذلك.
وأما وقوعها فيما لم يسم فاعله فإنها تقع مضمومة أبدا كقوله تعالى: ﴿لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ (٧) ﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ (٨) و ﴿أَنْ أُخْرَجَ﴾ (٩) ﴿وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ (١٠) وما أشبه ذلك.
* * *
اعلم أن جميع الألفات التي في أوائل الضمائر وأسماء الإشارة، والأدوات ألفات قطع، مثال الضمائر: أنا، أنت، أنت، أنتما، أنتم، أنتن، إياك، إياك، إياكما، إياكم، إياكن، إياي، إيانا. ومثال أسماء الإشارة: أولاء، وأولئك، وأولئكم وشبهه. ومثال الأدوات: إن وأن، وإلى، وأم، [١٥٧ أ] وأما، وإنما وشبهه.
وكذلك الألفات في إذا، وإذ، وأين، وأينما، و (الم)، و ﴿المص﴾ (١١) و (الر)، و ﴿المر﴾ (١٢) فالألف في ذلك أصلية لامتناع سقوطها.
* * *
стр. 8026
والله أعلم بكتابه، ونسأله العفو من أليم عذابه، وأن يجعلنا من خواصه وأحبابه، ويسقينا من رحيق شرابه، إنه غفور رحيم، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الكريم.
* تمت *
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم علقها لنفسه ولمن شاء من بعده، العبد الفقير إلى الله تعالى، أحمد بن موسى بن الشيخ محمد بن إبراهيم القرشي، غفر الله له ولمن دعا له بالمغفرة. آمين. بلغ قراءة وتصحيحا على مصنفه أبقاه الله تعالى، ونفعنا بعلمه.
حسين علي البواب
تعليق المجلة:.
стр. 8027
مصادر التقديم والتحقيق
* القرآن الكريم.
* ابن الأنباري = مختصر في ذكر الألفات.
* ابن خالويه = الألفات.
* الألفات- لابن خالويه - تحقيق د. علي حسين البواب -مكتبة المعارف- الرياض ١٤٠٢ هـ.
* الإنصاف في مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين - تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد - مكتبة صبيح - القاهرة ١٩٥٣ م.
* التيسير في القراءات السبع - لأبي عمر الداني - تصحيح أوتوبرتزل - إستامبول - مطبعة الدولة ١٩٣٠م.
* ديوان ذي الرمة - تحقيق د. نوري القيسي، د. حاتم الضامن - دار الجاحظ- بغداد ١٩٧٧ م.
* السبعة - لابن مجاهد - تحقيق د. شوقي ضيف - دار المعارف - القاهرة ١٩٨٠ م.
* الضوء اللامع لأهل القرن التاسع - لشمس الدين السخاوي - المطبعة السلفية - القاهرة ١٣٥٣ هـ.
* فهرس مخطوطات المكتبة الأزهرية - مطبعة الأزهرية - الطبعة الثامنة ١٣٧١ هـ القاهرة.
* فهرس مخطوطات مكتبة رضا - رامبور - علوم القرآن - إعداد امتياز علي عرشي - رامبور - الهند ١٩٦٣ م.
стр. 8028
* فهرس مخطوطات المكتبة الظاهرية - علوم القرآن - إعداد د. عزة حسن - مجمع اللغة العربية- دمشق ١٣٨١ هـ.
* الكتاب- لسيبويه - بولاق ١٣١٦ هـ.
* كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون - لحاجي خليفة - وكالة المعارف إستامبول ١٩٤٥ م.
* مختصر في ذكر الألفات لأبي بكر بن الأنباري - تحقيق د. حسن شاذلي فرهود - مجلة جامعة الملك سعود - المجلد السادس- سنة ١٣٩٩ هـ- الرياض.
* مغني اللبيب عن كتب الأعاريب - لابن هشام الأنصاري - تحقيق د. مازن المبارك ود. محمد علي حمد الله. دار الفكر- دمشق ١٩٦٩ م.
стр. 8029
أحاديث الصحيحين
بين الظن واليقين
للشيخ حافظ ثناء الله الزاهدي
* الاسم الكامل: حافظ ثناء الله الزاهدي.
* الميلاد: عام ١٩٥٦ م.
* المؤهلات العلمية: حصل على الشهادة " الليسانس " في كلية الشريعة. في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
* العمل الحالي: رئيس مجلس التحقيق الأثري، والأستاذ في جامعة العلوم الأثرية. جهلم باكستان.
* إنتاجه العلمي: صدر له كتاب " توجيه القارئ إلى الفوائد والقواعد الأصولية والإسنادية في فتح الباري ".
* وله كتاب " تحقيق الغاية بترتيب الرواة المترجم لهم في نصب الراية (تحت الطبع).
* وكتاب " التصريح بمنهج الإمام مسلم وعاداته في الصحيح ".
* وحقق كتاب " فتح الباقي بشرح ألفية العراقي ".
* وبحوث أخرى علمية لم تطبع بعد.
стр. 8030
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه الطاهرين.
أما بعد: فقد كثر كلام النقاد المحققين من الفقهاء والمحدثين في إفادة أحاديث " الصحيحين " القطع والظن مع اتفاقهم على أنه ليس بعد كتاب الله -تعالى- أصح من صحيحي البخاري ومسلم.
فجمعنا في هذه الورقات صفوة كلام كل من الفريقين في هذا الموضوع، مع تثبيت ما نراه حقا وراجحا بالدلائل، ورد ما نراه مرجوحا بأحسن الأدلة والوسائل.
وسيكون البحث فيها -إن شاء الله- في سبع نقاط رئيسية وهي:
стр. 8031
(١) تعريف الظن واليقين لغة واصطلاحا وحكمهما .
(٢) بيان أقوال من قال بإفادة أحاديث " الصحيحين " القطع.
(٣) أدلة القائلين بإفادتها القطع.
(٤) أدلة القائلين بإفادتها الظن.
(٥) مع ابن الصلاح وابن حجر فيما استثنياه من الأحاديث التي لا تفيد القطع من هذين الكتابين.
(٦) بين أحاديث " الصحيحين " والخبر المشهور.
(٧) أهم نتائج البحث.
وليس القصد وراء ذلك كله إلا الاقتداء بالحق والصواب، رجاء من الله -تعالى- جزيل الأجر والثواب.
стр. 8032
(١) تعريف الظن واليقين لغة واصطلاحا وحكمهما:
وقبل أن نخوض في البحث يجدر بنا أن نعرف الظن واليقين لغة واصطلاحا.
فالظن لغة: يستعمل في معنى الشك: وهو التردد بين النقيضين بلا ترجيح لأحدهما على الآخر عند الشاك (١).
ويستعمل بمعنى اليقين. قال ابن منظور: الظن شك ويقين، إلا أنه ليس بيقين عيان، إنما هو يقين تدبر (٢).
وقال الزبيدي: الظن هو التردد الراجح بين طرفي الاعتقاد الغير الجازم. ونقل عن المناوي أنه قال: الظن الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض ويستعمل في اليقين والشك (٣).
وهذا المعنى الأخير الذي قاله الزبيدي والمناوي هو لذي استقر عليه اصطلاح الأصوليين.
قال الآمدي: الظن ترجيح أحد الاحتمالين الممكنين على الآخر في النفس من غير قطع (٤).
وقال عبد العزيز البخاري: الظن ما كان جانب الثبوت فيه راجحا، ويسمى غالب الرأي (٥). وقال القرطبي: الظن الشرعي هو تغليب أحد الجانبين، أو هو بمعنى اليقين (٦).
وقال أبو يعلى الفراء: الظن تجويز أمرين أحدهما أقوى من الآخر (٧).
стр. 8033
أما اليقين فلغة: العلم، وإزاحة الشك، وتحقيق الأمر. واصطلاحا: اعتقاد الشيء بأنه كذا مع اعتقاده أنه لا يمكن إلا كذا، مطابقا للواقع غير ممكن الزوال (١).
فالثابت باليقين لا شك في حجيته، ولا خلاف. وأما ما كان ثبوته مظنونا فأيضا مقبول وحجة بإجماع علماء أهل السنة في الأحكام والعقائد.
قال ابن عبد البر:
أجمع أهل العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار فيما علمت على قبول خبر الواحد العدل وإيجاب العمل به إلا الخوارج وطوائف من أهل البدع.
وقال: وكلهم يدين بخبر الواحد العدل في الاعتقادات، ويجعلها شرعا، ودينا في معتقده. على ذلك جماعة أهل السنة. (٢).
وقال أبو يعلى الفراء: الظن طريق للحكم إذا كان عن أمارة مقتضية للظن، ولهذا يجب العمل بخبر الواحد إذا كان ثقة، ويجب العمل بشهادة الشاهدين (٣).
وقال الحافظ بدر الدين العيني: وإجراء الحكم بناء على غالب الظن واجب، وذلك نحو ما تعبدنا به من قبول لشهادة العدول، وتحري القبلة، وتقويم المستهلكات، وأرش الجنايات التي لم ترد مقاديرها بتوقيف من قبل الشرع. فهذا ونظائره قد تعبدنا فيه بغالب الظن (٤).
стр. 8034
وقال فخر الدين الرازي: العمل بخبر الواحد الذي لا يقطع بصحته مجمع عليه بين الصحابة (١).
وهو المختار عند من بعد الصحابة من التابعين وأتباعهم، وكافة علماء أهل السنة رضوان الله عليهم أجمعين.
стр. 8035
(٢) أقوال القائلين بإفادة أحاديث الصحيحين القطع
(١) قول أبي إسحاق الإسفراييني (ت ٤١٨ هـ)
قال في كتابه " أصول الفقه ": أهل الصنعة مجمعون على أن الأخبار التي اشتمل عليها " الصحيحان " مقطوع بصحة أصولها ومتونها، ولا يحصل الخلاف فيها بحال، وإن حصل فذاك اختلاف في طرقها ورواتها. قال: فمن خالف حكمه خبرا منها وليس له تأويل سائغ للخبر نقضنا حكمه؛ لأن هذه الأخبار تلقتها الأمة بالقبول (١).
(٢) قول إمام الحرمين الجويني (ت ٤٧٨ هـ)
قال: لو حلف إنسان بطلاق امرأته: أن ما في " الصحيحين " مما حكما بصحته من قول النبي ﷺ لما ألزمته الطلاق، لإجماع علماء المسلمين على صحته (٢).
стр. 8036
(٣) قول ابن القيسراني (ت ٥٠٧)
قال: أجمع المسلمون على قبول ما أخرج في " الصحيحين " لأبي عبد الله البخاري، ولأبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري، أو ما كان على شرطهما ولم يخرجاه (١).
وقال: أما كتاب الترمذي وحده على أربعة أقسام: قسم صحيح مقطوع به وهو ما وافق فيه البخاري ومسلما (٢).
(٤) قول ابن الصلاح (ت ٦٤٣).
قال: أهل الحديث كثيرا ما يطلقون على ما أخرجه البخاري ومسلم جميعا " صحيح متفق عليه " ويعنون به اتفاق البخاري ومسلم، لا اتفاق الأمة عليه. لكن اتفاق الأمة عليه لازم من ذلك وحاصل معه، لاتفاقهما على تلقي ما اتفقا عليه بالقبول، وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته، والعلم اليقيني النظري واقع به، خلافا لمن نفى ذلك محتجا بأنه لا يفيد في أصله إلا الظن (٣).
(٥) قول الإمام ابن تيمية الحراني (ت ٧٢٨).
قال: إن جمهور ما في البخاري ومسلم مما يقطع بأن النبي ﷺ قاله؛ لأن غالبه من هذا، ولأنه قد تلقاه أهل العلم بالقبول والتصديق، والأمة لا تجتمع على خطأ.
فلو كان الحديث كذبا في نفس الأمر والأمة مصدقة له، قابلة له، لكانوا
стр. 8037
قد أجمعوا على تصديق ما هو في نفس الأمر كذب! وهذا إجماع على الخطأ، وذلك ممتنع.
وإن كنا نحن بدون الإجماع نجوز الخطأ أو الكذب على الخبر، فهو كتجويزنا قبل أن نعلم الإجماع على العلم الذي ثبت بظاهر أو قياس ظني أن يكون الحق في الباطل بخلاف ما اعتقدناه، فإذا أجمعوا على الحكم جزمنا بأن الحكم ثابت باطنا وظاهرا.
ولهذا كان جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقا له، أو عملا به أنه يوجب العلم.
وهذا هو الذي ذكره المصنفون في أصول الفقه من أصحاب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد. إلا فرقة قليلة من المتأخرين اتبعوا في ذلك طائفة من أهل الكلام أنكروا ذلك.
ولكن كثيرا من أهل الكلام، أو أكثرهم يوافق الفقهاء، وأهل الحديث والسلف على ذلك.
وهو قول أكثر الأشعرية كأبي إسحاق، وابن فورك. وهو الذي ذكره الشيخ أبو حامد، وأبو الطيب، وأبو إسحاق،. وأمثالهم من أئمة الشافعية، وشمس الدين السرخسي وأمثاله من الحنفية، وأبو
стр. 8038
يعلى، وأبو الخطاب، وأبو الحسن الزاغوني وأمثالهم من الحنبلية، والقاضي عبد الوهاب وأمثاله من المالكية.
وإذا كان الإجماع على تصديق الخبر موجبا للقطع به فالاعتبار في ذلك بإجماع أهل العلم بالحديث، كما أن الاعتبار في الإجماع على الأحكام بإجماع أهل العلم بالأمر والنهي والإباحة.
(٦) قول ابن القيم الجوزية (ت ٧٥١ هـ).
قال: اعلم أن جمهور أحاديث البخاري ومسلم من هذا الباب كما ذكره الشيخ أبو عمرو، ومن قبله من العلماء، كالحافظ أبي طاهر السلفي وغيره. فإن ما تلقاه أهل الحديث وعلماؤه بالقبول والتصديق فهو محصل للعلم، مفيد لليقين، ولا عبرة بمن عداهم من المتكلمين والأصوليين، فإن الاعتبار في الإجماع على كل أمر من الأمور الدينية بأهل العلم به دون غيرهم. كما لم يعتبر في الإجماع على الأحكام الشرعية إلا العلماء بها، دون المتكلمين والنحاة والأطباء، وكذلك لا يعتبر في الإجماع على صدق الحديث وعدم صدقه إلا أهل العلم بالحديث وطرقه وعلله، وهم علماء الحديث، العالمون بأحوال نبيهم، الضابطون لأقواله وأفعاله، المعتنون بها أشد من عناية المقلدين لأقوال متبوعيهم.
стр. 8039
فكما أن العلم ينقسم إلى عام وخاص، فيتواتر عند الخاصة ما لا يكون معلوما لغيرهم فضلا أن يتواتر عندهم. فأهل الحديث لشدة عنايتهم بسنة نبيهم وضبطهم لأقواله، وأفعاله، وأحواله يعلمون من ذلك علما لا يشكون فيه مما لا شعور لغيرهم به ألبتة.
(٧) قول الحافظ صلاح الدين ابن كيكلدي العلائي (ت ٧٦١ هـ)
قال: أحاديث الصحيحين -لإجماع الأمة على صحتها، وتلقيها بالقبول- تفيد العلم النظري، كما يفيده الخبر المحتف بالقرائن.
وهذا هو اختيار الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، وإمام الحرمين، وقرره ابن الصلاح. وقد ذكرته بدلائله في مقدمة "نهاية الأحكام " (١).
(٨) قول الحافظ ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ)
قال: ثم حكى ابن الصلاح: إن الأمة تلقت هذين الكتابين بالقبول، سوى أحرف يسيرة انتقدها بعض الحفاظ كالدارقطني وغيره، ثم استنبط من ذلك القطع بصحة ما فيهما من الأحاديث، لأن الأمة معصومة عن الخطأ، فما ظنت صحته ووجب عليها العمل به، لا بد وأن يكون صحيحا في نفس الأمر. وهذا جيد.
وقد خالف في هذه المسألة الشيخ محيي الدين النووي وقال: لا يستفاد القطع بالصحة من ذلك. قلت: وأنا مع ابن الصلاح فيما عول عليه وأرشد إليه. والله أعلم (٢).
стр. 8040
(٩) قول سراج الدين البلقيني (ت ٨٠٥ هـ).
قال: وما قاله النووي وابن عبد السلام ومن تبعهما ممنوع، فقد نقل بعض الحفاظ المتأخرين عن جماعة من الشافعية كالإسفراييني أبي إسحاق، وأبي حامد، والقاضي أبي الطيب، وتلميذه أبي إسحاق الشيرازي، والسرخسي من الحنفية والقاضي عبد الوهاب من المالكية، وجماعة من الحنابلة كأبي يعلى، وأبي الخطاب، وابن حامد، وابن الزاغوني، وأكثر أهل الكلام من الأشعرية وغيرهم، منهم ابن فورك، وأهل الحديث قاطبة، ومذهب السلف عامة، أنهم يقطعون بالحديث الذي تلقته الأمة بالقبول (١).
(١٠) قول العلامة أبي الفيض الفارسي الحنفي (ت ٨٣٧).
قال: ما روياه أو واحد فهو مقطوع بصحته، أي يفيد العلم القطعي نظرا لا ضرورة.
وقيل: لا يفيد إلا الظن. وعليه الأكثرون (٢).
(١١) قول الحافظ أبي نصر الوائلي السجزي:
قال: أجمع أهل العلم الفقهاء وغيرهم على أن رجلا لو حلف بالطلاق أن جميع ما في كتاب البخاري مما روي عن رسول الله ﷺ قد صح عنه، ورسول الله ﷺ قاله. لا شك في أنه لا يحنث، والمرأة بحالها في حبالته.
стр. 8041
(١٢) قول الحافظ جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ).
قال بعد أن ذكر موافقة ابن كثير لابن الصلاح في هذه المسألة: قلت: وهو الذي أختاره ولا أعتقد سواه (١).
وقال في " ألفيته في علم الحديث ":
والنووي رجح في التقريب ... -ظنا به- والقطع ذو تصويب (٢).
(١٣) قول الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢).
قال: قد يقع في أخبار الآحاد ما يفيد العلم النظري بالقرائن على المختار. والخبر المحتف بالقرائن أنواع:
منها: ما أخرجه الشيخان في صحيحهما مما لم يبلغ حد التواتر فإنه احتف به قرائن منها:
(١) جلالتهما في هذا الشأن.
(٢) وتقدمهما في تمييز الصحيح على غيرهما.
(٣) وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول. وهذا التلقي وحده أقوى في العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر.
إلا أن هذا يختص بما لم ينتقده أحد من الحفاظ مما في الكتابين، وبما لم يقع التجاذب بين مدلوليه مما وقع في الكتابين حيث لا ترجيح لاستحالة أن يفيد المتناقضات العلم بصدقهما من غير ترجيح لأحدهما
стр. 8042
على الآخر، وما عدا ذلك فالإجماع حاصل على تسليم صحته (١).
(١٤) قول الشيخ ولي الله الدهلوي (ت ١١٧٦ هـ).
قال: أما الصحيحان فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيهما من المتصل المرفوع صحيح بالقطع، وأنهما متواتران إلى مصنفيهما، وأنه كل من يهون أمرهما مبتدع، متبع غير سبيل المؤمنين.
فإن الشيخين لا يذكران إلا حديثا قد تناظرا فيه مشائخهما وأجمعوا على القول به والتصحيح له، كما أشار مسلم حيث قال: لم أذكر ها هنا إلا ما أجمعوا عليه (٢).
(١٥) قول الإمام الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ).
قال: لا نزاع في أن خبر الواحد إذا وقع الإجماع على العمل بمقتضاه فإنه يفيد العلم، لأن الإجماع عليه قد صيره من المعلوم صدقه. وهكذا خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول فكانوا بين عامل به ومتأول له. ومن هذا القسم أحاديث صحيحي البخاري ومسلم، فإن الأمة تلقت ما فيهما بالقبول، ومن لم يعمل بالبعض من ذلك فقد أوله، والتأويل فرع القبول (٣).
وقال: فقد أجمع أهل هذا الشأن على أن أحاديث الصحيحين أو أحدهما كلها من المعلوم صدقه بالقبول المجمع على ثبوته (٤).
стр. 8043
(١٦) قول الشيخ محمد أنور الكشميري الحنفي (ت ١٣٥٢ هـ).
قال: اختلفوا في أن أحاديث الصحيحين هل تفيد القطع أم لا؟ فالجمهور إلى أنها لا تفيد القطع، وذهب الحافظ ﵁ إلى أنها تفيد القطع، وإليه جنح شمس الأئمة السرخسي من الحنفية، والحافظ ابن تيمية من الحنابلة، والشيخ ابن الصلاح. وهؤلاء وإن كانوا أقل عددا إلا أن رأيهم هو الرأي (١).
وهذا الذي قاله هؤلاء العلماء هو الذي اختاره الحافظ أبو طاهر السلفي، (٢). وأبو عبد الله الحميدي (٣). والعلامة محمد المعين بن محمد الأمين السندي في " دراسات اللبيب ". و " غاية الإيضاح في المحاكمة بين النووي وابن الصلاح " (٤). والشيخ إبراهيم بن الحسن الكوراني. في كتابه " إعمال الفكر والرويات في شرح حديث «إنما الأعمال بالنيات (٥)». والسيد أبو الطيب صديق حسن خان. والشيخ أبو الحسن محمد صادق السندي (٦). والشيخ محمد حسين
стр. 8044
الهزاروي. ومحدث الهند الحافظ محمد الجوندلوى. وأبو نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق اليوسفي.
والشيخ أحمد محمد شاكر القاضي المصري (١). والشيخ عبد الله بن إبراهيم العلوي الشنقيطي (٢). والشيخ محمد الأمين بن المختار الشنقيطي (٣). والشيخ محمد عبد العزيز الرحيم آبادي (٤).
ومن المعاصرين الشيخ محمد عطاء الله حنيف صاحب " التعليقات السلفية "، والمؤلفات الشهيرة الأخرى. والدكتور صبحي
стр. 8045
الصالح. (١). والأستاذ ناصر الدين الألباني. والدكتور محمود الطحان. والدكتور محمد عجاج الخطيب وغيرهم.
стр. 8046
(٣) أدلة من قال بإفادة أحاديث الصحيحين القطع .
والذي يبدو مما قدمناه من نصوص العلماء على إفادة أحاديث الصحيحين القطع هو أن مستند رأيهم كان أمرين:
الأول: الادعاء بإجماع الأمة على صحة ما فيهما، وتلقيها بالقبول كما مر من كلام أبي إسحاق الإسفراييني، وإمام الحرمين الجويني، وغيرهما.
الثاني: أن خبر الواحد إذا حفت به القرائن يفيد العلم، وأحاديث " الصحيحين " ليست مجردة من القرائن، بل انضم إليها ما فيه كفاية لمزاحمة تطرق الاحتمالات الموهنة للأخبار.
ومن هذه القرائن:
الأولى: جلالة الشيخين في هذا الشأن.
стр. 8047
الثانية: وتقدمهما في تمييز الصحيح من الأحاديث عن الضعيف منهما على غيرهما.
وهذا ما صرح به الحافظ ابن حجر العسقلاني، إلا أنه اعتبر التلقي بالقبول، والإجماع على صحة ما فيهما كقرينة من إحدى القرائن. فجملة القول أن أحاديث " الصحيحين " احتفت بثلاث قرائن عند القائلين بقطعها.
فنحن نأخذ كل واحدة من هذه القرائن الثلاث ونتكلم عليها واحدة واحدة لكي تتجلى صحة اعتبارها، وقوة صلاحها لإفادة القطع. فنقول:
أما الإجماع والتلقي فلا يستراب في وقوعه، فقد صرح به كبار فقهاء الأمة الإسلامية، وحصول القطع بمثل هذا الإجماع أمر مجمع عليه عند أهل الحق والتحقيق من علماء الفقه والأصول.
قال أبو إسحاق الشيرازي من أئمة الشافعية:
خبر الواحد الذي تلقته الأمة بالقبول يقطع بصدقه سواء عمل الكل به، أو عمل البعض، وتأوله البعض (١).
وقال القاضي أبو يعلى الفراء من الحنابلة: الاستدلال يوجب العلم من أربعة أوجه:
أحدها: أن تتلقاه الأمة بالقبول، فدل ذلك على أنه حق، لأن الأمة لا تجتمع على الخطأ، ولأن قبول الأمة يدل على أن الحجة قد قامت عندهم بصحته (٢).
стр. 8048
وقال ابن تيمية في " المسودة " والقطع بصحة الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول، أو عملت بموجبه لأجله قول عامة الفقهاء المالكية -ذكره عبد الوهاب - والحنفية -فيما أظن- والشافعية، والحنبلية (١). وقال عبد العزيز البخاري من الحنفية: المشهور لما كان من الآحاد في الأصل كان في الاتصال ضرب شبهة صورة، ولما تلقته الأمة بالقبول مع عدالتهم وتصلبهم في دينهم كان بمنزلة المتواتر (٢).
فهذه التصريحات من علماء الأصول تدل على أن ما تمسك به القائلون بإفادة أحاديث الصحيحين القطع من الدلائل في غاية من القوة والاعتبار. .
وأما ما يتعلق بجلالة الشيخين في هذا الشأن فهو أيضا أمر لا نزاع فيه بين المحدثين قديما وحديثا، وتواتر النقل عنهم بتقديمهما على غيرهما من المحدثين.
قال الترمذي: لم أر بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم من محمد بن إسماعيل البخاري (٣).
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل البخاري (٤).
وقال ابن خزيمة: ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله ﷺ وأحفظ له من محمد بن إسماعيل البخاري (٥). ومثل هذا كثير جدا في البخاري رحمه الله تعالى.
стр. 8049
وأما مسلم فقد قال أبو الفضل محمد بن إبراهيم: سمعت أحمد بن سلمة يقول: رأيت أبا زرعة، وأبا حاتم يقدمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على مشائخ عصرهما (١).
وقال النووي: أجمعوا على جلالته، وإمامته، وعلو مرتبته، وحذقه في هذه الصنعة، وتقدمه فيها، وتضلعه منها. وقال: هو أحد أعلام أئمة هذا الشأن المعترف له بالتقدم فيه بلا خلاف عند أهل الحذق والعرفان (٢).
ومثله كثير في كتب التراجم تركناه مخافة الطول.
فكل هذه التصريحات دالة على جلالة الشيخين في هذا الشأن وتقدمهما على أهل عصرهما في معرفة الحديث وعلله.
وهذا التقدم هو الذي وقع عليه اختيار الحافظ ابن حجر كقرينة تنشئ وحدها الاطمئنان للقلب على صدق ما حكما عليه بالصحة، ويصلح أن يتحول إلى اليقين بانضمام أمر آخر معه.
أما القرينة الثالثة وهي:
تقدم الشيخين في معرفة صحيح الحديث من سقيمه، فهي وإن كانت من لوازم ما سبق من التصريحات من العلماء بتفضيلهما وتقديمهما على غيرهما مطلقا في الفن، إلا أن الحافظ ابن حجر ﵀ حاول تثبيت رأيه بقرينة أبعد تأثيرا، وأدق تعبيرا، وأخص دلالة على المقصود نسبة إلى ما سبق من القرينة الثانية.
стр. 8050
فنحن نورد عدة أمثلة لتكون مساعدة على فهم ما يريد الحافظ ابن حجر إثباته، وتبين وضوحا معنى " تقدمهما في تمييز الصحيح على غيرهما " وتؤكد وجود ما يدعيه ابن حجر من إفادة هذه القرينة القطع عند وجودها في الأخبار المروية في الصحيحين.
المثال الأول: روى الحافظ الزيلعي حديثا عن زيد بن أبي أنيسة ثم نقل فيه جرحا عن أحمد بن حنبل ﵀ بقوله: في بعض حديثه نكارة. ثم أجاب الحافظ الزيلعي عن هذا الجرح قائلا: هو ممن احتج به البخاري ومسلم، وهما العمدة في ذلك " (١).
المثال الثاني: نقل الحافظ بدر الدين العيني جرح ابن المنذر لعبد الرحمن بن جابر بن عبد الله وحكم الأصيلي على حديثه بالاضطراب ثم قال: قد اتفق الشيخان على تصحيح حديثه وهما العمدة في الصحيح (٢).
المثال الثالث: نقل الحافظ بدر الدين العيني دعوى بعض المحدثين بمعارضة حديث عقبة أخرجه النسائي وصححه ابن حبان بحديث مروي في صحيح البخاري فقال: حديث أنس لا يعارضه حديث عقبة؛ لأن تصحيح البخاري أقوى من تصحيح غيره، والمعارضة تقتضي المساواة (٣).
المثال الرابع: روى رواية أخرجها أبو داود عن طريقين: صحيح وضعيف. ثم قال: ومع هذا فالصحيح منه (أي من أبي داود) لا يقاوم
стр. 8051
صحيح البخاري. فافهم (١).
فقوله " فافهم " يدل على أنه يريد تنبيه القارئ على أهمية فحوى كلامه.
وكذا الحافظ بدر الدين العيني رجح تصحيح الشيخين على تصحيح النسائي، وابن حبان، وأبي داود بناء على أن الشيخين هما العمدة في تصحيح الأحاديث. وهذا معنى قول ابن حجر: " وتقديمهما في تمييز الصحيح على غيرهما).
فهذه التوضيحات لا تترك مجالا للشك في صحة ما اختاره الحافظ ابن حجر من أن الشيخين كما يقدمان على غيرهما في معرفة هذا الفن عموما كذلك لهما مزية وتفوق في تصحيح الأحاديث وتضعيفها خصوصا.
وكما أن التقدم في معرفة الفن عموما يعتبر قرينة تفيد اطمئنان القلب في حكمهما على الأحاديث صحة وضعفا، كذلك كونهما العمدة في التصحيح خصوصا أيضا قرينة ثانية تؤدي إلى مزيد من التأكيد في اطمئنان القلب، والجزم بصحة الحكم منهما. والله أعلم.
стр. 8052
(٤) أدلة من قال بإفادة أحاديث الصحيحين الظن
:
وممن تكلم في هذا الموضوع بأبسط الأدلة هو الإمام محيي الدين النووي الشافعي، والإمام أبو الفتح بن برهان البغدادي -رحمهما الله- فنورد نص كلامهما كاملا ثم نتكلم فيه بحثا وتحقيقا مع دراسة بعض جزئيات كلامهما دراسة نقدية شاملة.
стр. 8053
فقال النووي ردا على ابن الصلاح:
وهذا الذي ذكره الشيخ خلاف ما قاله المحققون والأكثرون، فإنهم قالوا: أحاديث الصحيحين التي ليست بمتواترة تفيد الظن، فإنها آحاد، والآحاد إنما تفيد الظن لما تقرر.
ولا فرق بين البخاري ومسلم وغيرهما في ذلك، وتلقي الأمة بالقبول إنما أفادنا وجوب العمل بما فيهما. وهذا متفق عليه، فإن أخبار الآحاد التي في غيرهما يجب العمل بها إذا صحت أسانيدها، ولا تفيد إلا الظن، فكذا الصحيحان. وإنما يفترق الصحيحان وغيرهما من الكتب في كون ما فيهما صحيحا لا يحتاج إلى النظر فيه، بل يجب العمل به مطلقا.
وما كان في غيرهما لا يعمل به حتى ينظر، وتوجد فيه شروط الصحيح. ولا يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما إجماعهم على أنه مقطوع بأنه من كلام النبي ﷺ (١).
وقال ابن برهان:
خبر الواحد لا يفيد العلم، خلافا لبعض أصحاب الحديث، فإنهم زعموا أن ما رواه مسلم والبخاري مقطوع بصحته. وعمدتنا: أن العلم لو حصل بذلك لحصل لكافة الناس كالعلم بالأخبار المتواترة.
ولأن البخاري ليس معصوما عن الخطأ فلا نقطع بقوله، لأن أهل الحديث، وأهل العلم غلطوا مسلما والبخاري، وثبتوا أوهامهما، ولو كان قولهما مقطوعا به لاستحال عليهما ذلك.
ولأن الرواية كالشهادة، ولا خلاف أن شهادة البخاري ومسلم
стр. 8054
لا يقطع بصحتها، ولو انفرد الواحد منهم بالشهادة لم يثبت الحق به، فدل على أن قوله ليس مقطوعا به. وإن أبدوا في ذلك منعا كان خلاف إجماع الصحابة، فإن أصحاب رسول الله ﷺ ما كانوا يقضون بإثبات الحقوق إلا بشهادة شاهدين.
ولا عمدة للخصم إلا أن الأمة أجمعت على تلقي هذين الكتابين بالقبول واتفقوا على العمل بهما، وهذا لا يدل على أنه مقطوع بصحتهما، فإن الأمة إنما عملت بهما لاعتقاد الأمانة والثقة في الرواية، وليس كل ما يوجب العمل به كان مقطوعا بصحته (١).
فهذا ما قاله النووي وابن برهان يتضمن عدة أمور حاولا بمجموعها الرد على من قال بإفادة أحاديث الصحيحين القطع، فنذكر واحدا واحدا منها على ما يليق بها من الإجابة عنها.
فأولا: أساس رأي كل من النووي وابن برهان وغيرهما في الرد على من قال بإفادة أحاديث الصحيحين القطع أمر واحد وهو:
أن أحاديث الصحيحين غير المتواترة آحاد، والآحاد لا تفيد إلا الظن، والعلم إنما يحصل من المتواتر.؟ كما مر في كلام النووي وابن برهان. فقولهم هذا لا يستقيم جوابا في رأينا أصلا، ولا يناسب لمقاومة ما ادعاه ابن الصلاح وغيره.
وتفصيل ذلك: إن المتواتر الذي يدعى بحصول العلم به كثيرا، ويكثر دورانه في المناقشات الفقهية والعقائدية وغيرها، ويبالغ في الالتجاء إليه إثباتا، ونفيا، وإلزاما وتسليما، لا يتسم بشيء من التحديد والانضباط في الوصف، بل اضطربت فيه آراء الأصوليين، واختلفوا في تعريفه، وشرائطه، وما يفيد به، اختلافا شديدا.
стр. 8055
مع إنكار كثير منهم بإمكانيات وقوعه واحتمالات تحققه في الحديث النبوي الشريف، وذهاب الآخرين إلى الحكم بالمتواتر على بعض المعاني الشائعة المشتهرة اشتهارا بالغا بمجرد شيوعها وذيوعها وذيوعها بالمتواتر المعنوي، وإن لم تتحقق فيها الشروط المتخذ بها في كتب الأصول. ففي تعريفه نظريتان لأصحاب الأصول:
تقوم إحداهما على إناطة حصول العلم في الأخبار بمجرد عدد معين من الأشخاص المخبرين. فاختار بعضهم الإثنى عشر، وبعضهم العشرين، وبعضهم الأربعين، وبعضهم السبعين، وبعضهم أكثر منه بكثير. وهذه النظرية باطلة عند جمهور الأصوليين (١).
والثانية قائمة على الاعتبار بتأثير صفات المخبرين على تنوعها، واختلاف هيئاتها في حصول العلم. فليست كثرة العدد عندهم إلا من إحدى الصفات والقرائن، لا مجموعها، بخلاف ما قامت عليها النظرية الأولى. والمعتبر عندهم في الحكم بالتواتر حصول العلم لا وجود الصفات المعنية، بل كل ما حصل به العلم فهو متواتر عندهم.
قال الآمدي: وبالجملة فضابط التواتر ما حصل العلم عنده من أقوال المخبرين، لا أن العلم مضبوط بعدد مخصوص (٢).
وقال إمام الحرمين: الكثرة من جملة القرائن التي تترتب عليه العلوم المجتناة من العادات (٣).
وقال: وما من عدد تمسك به طائفة إلا ويمكن فرض تواطئهم على الكذب (٤).