صحيح البخاري. فافهم (١).
فقوله " فافهم " يدل على أنه يريد تنبيه القارئ على أهمية فحوى كلامه.
وكذا الحافظ بدر الدين العيني رجح تصحيح الشيخين على تصحيح النسائي، وابن حبان، وأبي داود بناء على أن الشيخين هما العمدة في تصحيح الأحاديث. وهذا معنى قول ابن حجر: " وتقديمهما في تمييز الصحيح على غيرهما).
فهذه التوضيحات لا تترك مجالا للشك في صحة ما اختاره الحافظ ابن حجر من أن الشيخين كما يقدمان على غيرهما في معرفة هذا الفن عموما كذلك لهما مزية وتفوق في تصحيح الأحاديث وتضعيفها خصوصا.
وكما أن التقدم في معرفة الفن عموما يعتبر قرينة تفيد اطمئنان القلب في حكمهما على الأحاديث صحة وضعفا، كذلك كونهما العمدة في التصحيح خصوصا أيضا قرينة ثانية تؤدي إلى مزيد من التأكيد في اطمئنان القلب، والجزم بصحة الحكم منهما. والله أعلم.
стр. 8052
(٤) أدلة من قال بإفادة أحاديث الصحيحين الظن
:
وممن تكلم في هذا الموضوع بأبسط الأدلة هو الإمام محيي الدين النووي الشافعي، والإمام أبو الفتح بن برهان البغدادي -رحمهما الله- فنورد نص كلامهما كاملا ثم نتكلم فيه بحثا وتحقيقا مع دراسة بعض جزئيات كلامهما دراسة نقدية شاملة.
стр. 8053
فقال النووي ردا على ابن الصلاح:
وهذا الذي ذكره الشيخ خلاف ما قاله المحققون والأكثرون، فإنهم قالوا: أحاديث الصحيحين التي ليست بمتواترة تفيد الظن، فإنها آحاد، والآحاد إنما تفيد الظن لما تقرر.
ولا فرق بين البخاري ومسلم وغيرهما في ذلك، وتلقي الأمة بالقبول إنما أفادنا وجوب العمل بما فيهما. وهذا متفق عليه، فإن أخبار الآحاد التي في غيرهما يجب العمل بها إذا صحت أسانيدها، ولا تفيد إلا الظن، فكذا الصحيحان. وإنما يفترق الصحيحان وغيرهما من الكتب في كون ما فيهما صحيحا لا يحتاج إلى النظر فيه، بل يجب العمل به مطلقا.
وما كان في غيرهما لا يعمل به حتى ينظر، وتوجد فيه شروط الصحيح. ولا يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما إجماعهم على أنه مقطوع بأنه من كلام النبي ﷺ (١).
وقال ابن برهان:
خبر الواحد لا يفيد العلم، خلافا لبعض أصحاب الحديث، فإنهم زعموا أن ما رواه مسلم والبخاري مقطوع بصحته. وعمدتنا: أن العلم لو حصل بذلك لحصل لكافة الناس كالعلم بالأخبار المتواترة.
ولأن البخاري ليس معصوما عن الخطأ فلا نقطع بقوله، لأن أهل الحديث، وأهل العلم غلطوا مسلما والبخاري، وثبتوا أوهامهما، ولو كان قولهما مقطوعا به لاستحال عليهما ذلك.
ولأن الرواية كالشهادة، ولا خلاف أن شهادة البخاري ومسلم
стр. 8054
لا يقطع بصحتها، ولو انفرد الواحد منهم بالشهادة لم يثبت الحق به، فدل على أن قوله ليس مقطوعا به. وإن أبدوا في ذلك منعا كان خلاف إجماع الصحابة، فإن أصحاب رسول الله ﷺ ما كانوا يقضون بإثبات الحقوق إلا بشهادة شاهدين.
ولا عمدة للخصم إلا أن الأمة أجمعت على تلقي هذين الكتابين بالقبول واتفقوا على العمل بهما، وهذا لا يدل على أنه مقطوع بصحتهما، فإن الأمة إنما عملت بهما لاعتقاد الأمانة والثقة في الرواية، وليس كل ما يوجب العمل به كان مقطوعا بصحته (١).
فهذا ما قاله النووي وابن برهان يتضمن عدة أمور حاولا بمجموعها الرد على من قال بإفادة أحاديث الصحيحين القطع، فنذكر واحدا واحدا منها على ما يليق بها من الإجابة عنها.
فأولا: أساس رأي كل من النووي وابن برهان وغيرهما في الرد على من قال بإفادة أحاديث الصحيحين القطع أمر واحد وهو:
أن أحاديث الصحيحين غير المتواترة آحاد، والآحاد لا تفيد إلا الظن، والعلم إنما يحصل من المتواتر.؟ كما مر في كلام النووي وابن برهان. فقولهم هذا لا يستقيم جوابا في رأينا أصلا، ولا يناسب لمقاومة ما ادعاه ابن الصلاح وغيره.
وتفصيل ذلك: إن المتواتر الذي يدعى بحصول العلم به كثيرا، ويكثر دورانه في المناقشات الفقهية والعقائدية وغيرها، ويبالغ في الالتجاء إليه إثباتا، ونفيا، وإلزاما وتسليما، لا يتسم بشيء من التحديد والانضباط في الوصف، بل اضطربت فيه آراء الأصوليين، واختلفوا في تعريفه، وشرائطه، وما يفيد به، اختلافا شديدا.
стр. 8055
مع إنكار كثير منهم بإمكانيات وقوعه واحتمالات تحققه في الحديث النبوي الشريف، وذهاب الآخرين إلى الحكم بالمتواتر على بعض المعاني الشائعة المشتهرة اشتهارا بالغا بمجرد شيوعها وذيوعها وذيوعها بالمتواتر المعنوي، وإن لم تتحقق فيها الشروط المتخذ بها في كتب الأصول. ففي تعريفه نظريتان لأصحاب الأصول:
تقوم إحداهما على إناطة حصول العلم في الأخبار بمجرد عدد معين من الأشخاص المخبرين. فاختار بعضهم الإثنى عشر، وبعضهم العشرين، وبعضهم الأربعين، وبعضهم السبعين، وبعضهم أكثر منه بكثير. وهذه النظرية باطلة عند جمهور الأصوليين (١).
والثانية قائمة على الاعتبار بتأثير صفات المخبرين على تنوعها، واختلاف هيئاتها في حصول العلم. فليست كثرة العدد عندهم إلا من إحدى الصفات والقرائن، لا مجموعها، بخلاف ما قامت عليها النظرية الأولى. والمعتبر عندهم في الحكم بالتواتر حصول العلم لا وجود الصفات المعنية، بل كل ما حصل به العلم فهو متواتر عندهم.
قال الآمدي: وبالجملة فضابط التواتر ما حصل العلم عنده من أقوال المخبرين، لا أن العلم مضبوط بعدد مخصوص (٢).
وقال إمام الحرمين: الكثرة من جملة القرائن التي تترتب عليه العلوم المجتناة من العادات (٣).
وقال: وما من عدد تمسك به طائفة إلا ويمكن فرض تواطئهم على الكذب (٤).
стр. 8056
وقال: فالعدد بعينه ليس مغنيا، إذ يتصور معه تقدير حالة ضابطة، وإيالة حاملة على الكذب (١).
وقال ابن الأثير: إنا بحصول العلم الضروري نتبين كمال العدد، لا أنا بكمال العدد نستدل على حصول العلم (٢).
قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: لا يعتبر في التواتر عدد محصور، بل يعتبر فيه ما يفيد العلم على حسب العادة في سكون النفس إليهم، وعدم تأتي التواطؤ على الكذب منهم، إما لفرط كثرتهم، وإما لصلاحهم ودينهم ونحو ذلك (٣).
وقال: ومن الناس من لا يسمى متواترا إلا ما رواه عدد كثير يكون العلم حاصلا بكثرة عددهم فقط، ويقولون: إن كل عدد أفاد العلم في قضية أفاد مثل ذلك العدد العلم في كل قضية وهذا قول ضعيف. والصحيح ما عليه الأكثرون: إن العلم يحصل بكثرة المخبرين تارة، وقد يحصل بصفاتهم ودينهم وضبطهم، وقد يحصل بقرائن تحتف بالخبر.
وقال: إذا عرف أن العلم بأخبار المخبرين له أسباب غير مجرد العدد، علم أن من قيد العلم بعدد معين، وسوى بين جميع الأخبار في ذلك فقد غلط غلطا عظيما (٤).
هذه حقيقة التواتر عند المحققين من أهل الحديث والفقه والأصول.
стр. 8057
فالشيخ النووي، ومن معه إن كان يريد بقوله: "العلم إنما يحصل من المتواتر" القسم الأول من المتواتر، فذاك مردود عند الأصوليين، وإن كان يريد المعنى الثاني للمتواتر الذي هو المعتمد عند المحققين، فلا سبيل له للرد على من قال بإفادة أحاديث الصحيحين القطع، لأنها محتفة بالقرائن المفيدة لليقين، فصح إطلاق المتواتر عليها، وبطل قوله: "إنها آحاد لا تفيد إلا الظن".
ثانيا: قول النووي " ما اختاره ابن الصلاح هو خلاف المحققين والأكثرين ". أجاب عنه الحافظ ابن حجر بقوله: ما ذكره النووي من جهة الأكثرين، أما المحققون فلا. فقد وافق ابن الصلاح أيضا محققون (١).
وقال الزركشي: إن هذا الذي قاله ابن الصلاح هو قول جماهير الأصوليين من أصحابنا وغيرهم (٢).
ونقل أبو إسحاق الإسفراييني وغيره إجماع أهل الصنعة على ذلك. كما مر. فهذا يزيف ما ادعاه الشيخ النووي. والاعتبار بقول هؤلاء -فيما أرى- أحرى من الإصغاء إلى قول النووي وحده.
ثالثا: قوله: "أحاديث الصحيحين غير المتواترة آحاد، والآحاد لا يفيد إلا الظن لما تقرر ".
فهذا الإطلاق منه في إفادة الآحاد الظن لا غيره، فيه تساهل منه وخلاف لما تقرر عند الأصوليين.
стр. 8058
لأن المقرر في الأصول عند جماهير الأصوليين هو القول بحصول العلم بخبر الواحد إذا حفته القرائن.
واستخدم هو نفسه هذه القاعدة في شرح مسلم (١).
وإنما النزاع في إفادة خبر الواحد الظن أو العلم إذا تجرد عن القرائن.
قال الشوكاني: إن الخلاف في إفادة خبر الآحاد الظن أو العلم مقيد بما إذا كان خبر الواحد لم ينضم إليه ما يقويه، وأما إذا انضم إليه ما يقويه، أو كان مشهورا، أو مستفيضا، فلا يجري فيه الخلاف المذكور. (٢).
والمقرر في الأصول هو هذا. فعجبا للشيخ كيف يدعي بهذا الإطلاق المرجوح في الأصول في موضع النقد والرد، ويعزوه إلى الأكثرين والمحققين من الأصوليين.
رابعا: قوله: "تلقي الأمة بالقبول إنما أفادنا وجوب العمل بما فيها". أيضا غير صحيح من وجهين:
الأول: أن التلقي لم يقع أصلا على وجوب العمل بكل ما في هذين الكتابين ولم يصرح به أحد قبله ولا بعده من العلماء، والشيخ النووي إن كان يعتقد بذلك فهو تساهل منه فاحش، لأن فيهما ما هو
стр. 8059
منسوخ، (١). وفيهما ما لا يحتمل الوجوب أصلا فكيف تصح دعوى وجوب العمل بما فيهما.
الثاني: تلقي العلماء لهذين الكتابين بالقبول هو من حيث الصحة، لا من حيث وجوب العمل بما فيهما كما فهمه الشيخ.
خامسا: قولهما: لا يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما إجماعهم على أنه مقطوع بأنه كلام النبي ﷺ .
قلت: الحق أنه يلزم، لأن الأمة لا تجتمع على العمل بمقتضى دليل إلا إذا كان الدليل صحيحا في نفس الأمر. وهذا هو المختار عند غيرهما من العلماء.
سادسا: قول النووي: "يفترق الصحيحان في كون ما فيهما صحيحا لا يحتاج إلى النظر فيه".
قلت: هذا هو الأمر الذي دعا ابن الصلاح وغيره من كثير من الأصوليين للحكم على أحاديث الصحيحين بالقطع بصحتهما؛ لأن الإجماع على عدم احتياج النظر في الإسناد لثبوت صحة ما فيهما يستلزم الإجماع على صدق ما فيهما في نفس الأمر.
سابعا: قول ابن البرهان: لأن البخاري ليس معصوما عن الخطأ فلا نقطع بقوله. قول لم يجعله أحد دليلا لرأيه، ولم يقل من قال بإفادة أحاديث الصحيحين القطع بناء على عصمة البخاري ومسلم في اجتهادهما، وحكمهما على الأحاديث، وإنما قال نظرا إلى أن البخاري ومسلما إمامان في الفن، معترفان بالتقدم على غيرهما، صححا مجموعة
стр. 8060
من الروايات التي أخذتها علماء الأمة بحثا وتنقيبا، ثم اتفقت كلمتهم على موافقة الشيخين تصديقا لها، وعملا بها، وتأويلا لما يحتاج التأويل منها.
فهذا الاتفاق من الأمة يثمر اعتقاد صدق ما فيهما في نفس الأمر.
ثامنا: قوله: لأن أهل الحديث وأهل العلم غلطوا مسلما والبخاري، وثبتوا أوهامهما. ليس له أي تأثير فيما نحن في إثباته. وجوابنا من وجوه:
أولا: إن بعض الحفاظ وإن انتقدوا ما يقارب بمائتين وعشرة أحاديث من الصحيحين، وبينوا عللها، إلا أن الأمة لم تقبل هذا النقد، واستمر العمل بما في هذين الكتابين من غير اعتداد بهذه الانتقادات، هذا وقد تولى بالتصريح بزيفها، والتوضيح بردها وإبطالها، والتبيين بخطأ من أخطأ عليهما، كثير من المحدثين، نذكر كلام بعض منهم:
قال النووي في "مقدمة شرح البخاري ": قد استدرك الدارقطني على البخاري ومسلم أحاديث فطعن في بعضها، وذلك الطعن مبني على قواعد لبعض المحدثين ضعيفة جدا، مخالفة لما عليه الجمهور من أهل الفقه والأصول وغيرهم فلا تغتر بذلك (١).
(٢) وقال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي: ما احتج البخاري ومسلم به من جماعة علم الطعن فيهم من غيرهم، محمول على أنه لم يثبت الطعن المؤثر مفسر السبب (٢).
(٣) وقال الحافظ صلاح الدين العلائي: إذا جزم بالخبر وصححه واطلع غيره فيه على علة قادحة فيه قدمت على تصحيح ذاك، ما عدا تصحيح الشيخين لاتفاق الأمة على تلقي ذلك منهما بالقبول (٣).
стр. 8061
(٤) وقال الحافظ ابن حجر: فبتقدير توجيه كلام من انتقد عليهما يكون قوله معارضا لتصحيحهما ولا ريب في تقديمهما في ذلك على غيرهما فيندفع الاعتراض من حيث الجملة (١).
(٥) وقال الشوكاني: فقد أجمع أهل هذا الشأن على أن أحاديث الصحيحين، أو أحدهما كلها من المعلوم صدقه بالقبول المجمع على ثبوته، وعند هذه الإجماعات تندفع كل شبهة ويزول كل تشكيك.
وقد دفع أكابر الأمة من تعرض للكلام على شيء مما فيهما، وردوه أبلغ رد، وبينوا صحته أكمل بيان، فالكلام على إسناده بعد هذا لا يأتي بفائدة يعتد بها، فكل رواته قد جاوز القنطرة، وارتفع عنهم القيل والقال، وصاروا أكبر من أن يتكلم فيهم بكلام، أو يتناولهم طعن طاعن، أو توهين موهن (٢).
وبمثله قال ابن دقيق العيد (٣). وجمال الدين الزيلعي (٤). والحافظ بدر الدين العيني (٥). وغيرهم.
ثالثا: وإن سلمنا أن بعض هذه الإيرادات واردة، فغاية أمرها أنها تؤثر في عين السند الذي خرج به المتن من غير أن تؤثر أي تأثير في المتون، لأن المحدث قد يرى المتن بسند يحتمل وجها من وجوه النقد، طلبا للعلو، أو بيانا لشيء من اللطائف الإسنادية، أو إغرابا على البعض،
стр. 8062
وغيرها من المقاصد، مع أن المتن يكون معروفا، مرويا بأسانيد أخرى صحيحة سالمة، من كل وجوه النقد، وجميع احتمالات الخطأ كما صرح به العلماء. ويؤكد قولنا ما نقله سعيد بن عمرو البرزعي من اعتراض أبي زرعة على مسلم لإخراجه عن بعض الضعفاء في كتابه وإجابة مسلم عنه.
قال البرزعي: حضرت أبا زرعة وذكر صحيح مسلم فأنكر عليه روايته فيه عن أسباط بن نصر، وقطن بن نسير، وأحمد بن عيسى المصري.
قال: فلما رجعت إلى نيسابور ذكرت لمسلم إنكار أبي زرعة فقال لي مسلم: إنما قلت صحيح، وإنما أدخلت من حديث أسباط وقطن وأحمد ابن عيسى ما قد رواه الثقات عن شيوخهم، إلا أنه ربما وقع إلي عنهم بارتفاع، ويكون عندي من رواية أوثق منهم بنزول، فاقتصر على ذلك، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات (١).
ولذلك قال الحافظ الزيلعي: صاحبا الصحيح- رحمهما الله- إذا أخرجا لمن تكلم فيه، فإنهم ينتقون من حديثه ما توبع عليه، وظهرت شواهده، وعلم أن له أصلا، ولا يروون ما تفرد به، سيما إذا خالفه الثقات (٢).
هذا وفي كلام ابن برهان المذكور أمور أخرى قابلة للنقد كتسويته بين الرواية والشهادة، مع أن الصحيح عند المحدثين وأصحاب الأصول
стр. 8063
عدم التسوية من كل الوجوه، فتركناه لحال الطول، ولعدم صلتها بالموضوع. والذي يبدو من دراسة هذه الانتقادات هو أن الشيخ النووي يعترف بكل ما يعترف به غيره من إجماع الأمة على صحة العمل بما في هذين الكتابين والإجماع على عدم احتياج النظر في السند عند العمل بما فيهما إلا أنه ينكر ما يستنتجه غيره من هاتين المقدمتين من حصول العلم بصدق ما فيهما.
ومن تأمل فيما سبق حق تأمل لم يخف عليه أرجحية ما اختاره ابن الصلاح وغيره من إفادة أحاديث الصحيحين القطع لما انضم إليها من القرائن المؤثرة في إفادة العلم بها تأثيرا قويا. والله أعلم.
стр. 8064
(٥) مع ابن الصلاح وابن حجر:
وبعد أن انتهينا من إيراد أدلة القائلين بقطعية أحاديث الصحيحين، وظنيتها، ودراستها النقدية الموجزة نتوجه إلى ما استثناه ابن الصلاح وابن حجر من عموم الحكم بقطعية ما في الصحيحين.
وجملة ما استثنياه منها على نوعين:
الأول: ما انتقده الحفاظ كالدارقطني وغيره. بدليل أنه لم يقع عليه الإجماع المفيد للقطع (١).
استثناه ابن الصلاح ووافقه على ذلك ابن حجر.
الثاني: الأحاديث التي وقع التعارض بينها حيث لا ترجيح، لاستحالة أن يفيد المتناقضان العلم بصدقهما من غير ترجيح لأحدهما على الآخر (٢).
стр. 8065
وتفرد بإخراج هذا النوع من أحاديث الصحيحين ابن حجر، ولم يؤثر عن أحد غيره من المحدثين. حسب معرفتي.
وهذا الاستثناء بنوعيه لا نراه صحيحا.
أما النوع الأول: فلأن انتقادات الدارقطني وغيره من الحفاظ تتوجه إلى الأسانيد والمتون سالمة من النقد، كما سبق تقرير ذلك، ومحل الإجماع هو المتون لا الأسانيد.
وعلى تقدير توجه هذه الانتقادات إلى المتون لا يلزم أيضا إخراجها من جملة ما وقع عليه الإجماع.
وذلك لأن الدارقطني وغيره طائفة قليلة جدا نسبة للمجمعين على صحة أحاديث الصحيحين، والمخالفة الضئيلة لا تقدح في انعقاد الإجماع عند الجمهور من الأصوليين كما صرح به الحافظ بدر الدين العيني (١). وأما ما استثناه ابن حجر مما ظاهره التعارض من أحاديث الصحيحين فليس بصحيح أيضا في رأينا لوجوه:
أولا: إن التعارض قد حصل بين بعض الآيات أيضا في رأي بعض الفقهاء ولم يحكم أحد عليها بظنية ثبوتها بمجرد هذا التعارض، بل استمر الحكم بقطعية القرآن كله على حسب اتفاق الأمة وإجماعها على ذلك. فهذا يدل على أن انتزاع حكم القطعية عما وقع الإجماع على صحته استنادا على وقوع التعارض في ظاهر النظر مرفوض عند العلماء في حق القرآن.
فوجب أن يكون في حق السنة مرفوضا أيضا لعدم وجود الفارق المؤثر بينهما في الوصف المذكور.
стр. 8066
ثانيا: ذهب الإمام الشافعي وغيره من المحدثين إلى أن الحديث إذا كان صحيحا على شرط المحدثين لا يكون مخالفا للكتاب أبدا (١). أما التعارض بين الأحاديث فأجاب عنه الإمام الشافعي ﵀ بقوله: ولم نجد عنه حديثين مختلفين إلا ولهما مخرج، أو على أحدهما دلالة بأحد ما وصفت، إما بموافقة الكتاب، أو غيره من السنة، أو بعض الدلائل (٢).
وقال ابن خزيمة: لا أعرف أنه روى عن النبي ﷺ حديثان بإسنادين صحيحين متضادين فمن كان عنده فليأتني به لأؤلف بينهما (٣).
فدعوى ابن حجر بالتعارض حيث لا ترجيح مرفوض بتصريحات هؤلاء الأئمة.
ثالثا: إن الحافظ ابن حجر عندما اختار استثناء ما ظاهره التعارض كان عليه أن يعين ذلك، ويشير إلى الأحاديث التي هي متعارضة تعارضا لا يمكن دفعه أصلا، من أي وجه من الوجوه؟ لتكون بين عيني الحفاظ المتأخرين عنه، ولتجرى عليها أسس البحوث والمناقشات كما جرت على انتقادات من انتقدها قبل، فتأتي بالنتيجة النهائية، إما الحكم عليها بالتعارض حقيقة، وإما الحكم بالذهول، والقصور، والعجز على مدى ذلك التعارض.
لأن العقول تتضارب والمدارك تتباين، والمراتب العلمية تتفاوت، فرب دليل يتعارض عند أحد، مع أن غيره يجد له محملا صحيحا.
стр. 8067
(٦) بين أحاديث الصحيحين والخبر المشهور:
بعد تقرير أدلة القائلين بإفادة أحاديث الصحيحين القطع، والمنكرين لذلك، نأتي إلى أمر آخر وهو تحديد مرتبتي أحاديث الصحيحين والخبر المشهور من حيث الثبوت.
والذي نراه حقا هو أن أحاديث الصحيحين أعلى مرتبة من الخبر المشهور. ودليلنا على ذلك من وجوه:
أولا: إن المحدثين قد أطبقت كلمتهم على أن أعلى درجات الصحيح ما اتفق عليه الشيخان، بل كاد أن يكون مجمعا عليه عند المتبحرين. كما صرح به الشيخ اللكنوي (١).
ولا فرق في ذلك بين أن يكون الصحيح مشهورا أو غير مشهور.
ثانيا: أحاديث الصحيحين متلقاة بالقبول، وقال ابن حجر:
هذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر (٢).
ولذلك أخر المشهور عن أحاديث الصحيحين عندما ذكر أنواع الخبر المحتف بالقرائن.
ثانيا: أحاديث الصحيحين وقع على صحتها الإجماع كما سبق، ودلالة الإجماع أقوى من الخبر المشهور كما صرح به الحافظ بدر الدين العيني (٣).
فمقتضى هذه الأمور أن يكون الخبر المشهور الذي لا يوجد في الصحيحين أنزل مرتبة من أحاديث الصحيحين.
стр. 8068
أهم نتائج البحث
وأهم ما وصلنا إليه من النتائج بعد البحث هي:
(١) إن القائلين بإفادة أحاديث الصحيحين القطع جمع لا يستهان بهم، ومن بينهم الحفاظ المحدثون، والفقهاء المحققون.
(٢) أدلة القائلين بإفادتها القطع في غاية من الاعتبار من حيث الأصول واطراد العادة.
(٣) أدلة من قال بظنيتها بعضها في غاية من السقوط والوهن، وبعضها قضايا جامدة، ضيقة النطاق، تلائم بمناهج أهل الكلام أكثر من أن توافق بطبيعة مقتضيات الشرع والعرف عند علماء الإسلام.
(٤) إن الأحاديث المفيدة للقطع كثيرة، من غير أن يتكلف في إطلاق التواتر عليها، وتحقيقه فيها.
(٥) كل ما أفاد العلم فهو متواتر، سواء حصل العلم بكثرة عدد المخبرين، أو لصفة ديانتهم وأمانتهم، أو لضبطهم وإتقانهم.
(٦) ما انتقده بعض الحفاظ من أحاديث الصحيحين لا يلزم إخراجه من القطعية لمجرد هذا النقد لكونه متوجها إلى الأسانيد دون المتون، ولكونه مخالفة ضئيلة غير قادحة في انعقاد الإجماع عند طائفة من الأصوليين.
(٧) استثناء الحافظ ابن حجر ما ظاهره التعارض من القطع نظريه شخصية ضعيفة تحتاج إلى التمثيل الواقعي من أحاديث الصحيحين.
(٨) أحاديث الصحيحين أقوى صحة، وأعلى رتبة من الخبر المشهور وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
وبالله التوفيق. حافظ ثناء الله الزاهدي
стр. 8069
مصادر البحث
(١) الإبهاج في شرح المنهاج لعلي بن عبد الكافي السبكي وابنه عبد الوهاب السبكي طبعة مكتبة الكليات الأزهرية عام ١٤٠١ هـ.
(٢) الأجوبة الفاضلة للعلامة عبد الحي اللكنوي تحقيق الشيخ عبد الفتاح أبي غدة طبعة مكتب المطبوعات الإسلامية.
(٣) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي. طبعة دار الفكر.
(٤) إرشاد الفحول للشوكاني. دار الباز للنشر والتوزيع بمكة المكرمة.
(٥) أصول التخرج ودراسة الأسانيد: للدكتور محمود الطحان طبعة دار القرآن الكريم بيروت.
(٦) الاقتراح في بيان الاصطلاح لابن دقيق العيد طبعة وزارة الأوقاف العراقية.
(٧) ألفية الحديث للسيوطي. طبعة دار المعرفة.
(٨) الباعث الحثيث لأحمد محمد شاكر دار الكتب العلمية بيروت.
(٩) البرهان في أصول الفقه لإمام الحرمين الجويني. دار الأنصار القاهرة.
(١٠) بغية الفحول لشرح مختصر الأصول للحافظ محمد الجوندلوي إدارة إشاعة السنة بباكستان.
(١١) بهجة النظر على شرح نخبة الفكر لأبي الحسن محمد صادق السندي. مخطوط.
(١٢) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي.
(١٣) التبصرة في أصول الفقه لأبي إسحاق الشيرازي دار الفكر.
(١٤) تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد للحافظ العلائي مجمع اللغة العربية دمشق
стр. 8070
(١٥) تدريب الراوي للسيوطي دار الكتب العلمية.
(١٦) تذكرة الحفاظ للذهبي. إحياء التراث العربي.
(١٧) تصحيح النظر للهزاري مطبعة محمدي لاهور ١٨٩١ م.
(١٨) تهذيب الأسماء واللغات للنووي.
(١٩) جامع الأصول للجزري تحقيق عبد القادر الأرناؤوط.
(٢٠) جامع التحصيل في أحكام المراسيل للحافظ العلائي وزارة الأوقاف العراقية.
(٢١) جواهر الأصول لأبي الفيض الفارسي الهروي المكتبة العلمية للغنكافي بالمدينة المنورة.
(٢٢) حجة الله البالغة لولي الله الدهلوي. المكتبة السلفية لاهور باكستان.
(٢٣) الحديث حجة للغة في العقائد والأحكام للألباني.
(٢٤) حسن البيان فيما في سيرة النعمان لعبد العزيز الرحيم آبادي.
(٢٥) حصول المأمول لصديق حسن خان.
(٢٦) الحطة في ذكر الصحاح الستة. لصديق حسن خان.
(٢٧) دراسات اللبيب لملا محمد المعين السندي. لجنة الأحياء الأدب السندي كراتشي.
(٢٨) الرسالة للشافعي. تحقيق أحمد محمد شاكر.
(٢٩) السراج الوهاج لصديق حسن خان. المكتبة الأثرية سانكله هل باكستان.
(٣٠) سير أعلام النبلاء للذهبي. مؤسسة الرسالة.
(٣١) الشذى الفياح من علوم ابن الصلاح برهان الدين الأنباسي مخطوط (٣٢) شرح التبصرة والتذكرة للعراقي. ١٣٥٥ هـ القاهرة.
стр. 8071
(٣٣) شرح تنقيح الفصول للقرافي. دار الفكر.
(٣٤) شرح مسلم للنووي. إحياء التراث العربي.
(٣٥) شرح النخبة لابن حجر بتحقيق محمد فيات الصباغ مكتبة الغزالي.
(٣٦) شروط الأئمة الخمسة محمد بن طاهر المقدسي المعروف بابن القيسراني.
(٣٧) صفوة التصوف لابن طاهر، مخطوط.
(٣٨) طبقات الشافعية الكبرى للسبكي دار المعرفة.
(٣٩) طرح التثريب لولي الدين زرعة أحمد العراقي.
(٤٠) العدة في أصول الفقه لأبى يعلى الفراء، مؤسسة الرسالة.
(٤١) علوم الحديث ومصطلحه للدكتور صبحي الصالح. دار العلم للملايين.
(٤٢) علوم الحديث لابن الصلاح بتحقيق نور الدين عتر، المكتبة العلمية بالمدينة المنورة.
(٤٣) عمدة القارئ للحافظ الغيسي. دار الفكر.
(٤٤) فتح الباري لابن حجر الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد الرياض.
(٤٥) فتح الغيث للسخاوي، المكتبة السلفية بالمدينة المنورة.
(٤٦) فيض الباري للكشيمري، دار الباز للنشر والتوزيع.
(٤٧) قطر الولي على حديث الولي للشوكاني دار الكتب الحديثة.
(٤٨) كوثر النبي لعبد العزيز الزهاروي.
(٤٩) اللمع للشيرازي. مصطفى البابي الحلبي القاهرة، المكتبة القاسمية متنان.
(٥٠) مجموع الفتاوى لابن تيمية، المملكة العربية السعودية.
стр. 8072
(٥١) المحصول للرازي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الرياض.
(٥٢) محاسن الاصطلاح للبلقيني. الهيئة المصرية العامة للكتاب.
(٥٣) مذكرة في أصول الفقه للشنقيطي، المكتبة السلفية بالمدينة المنورة.
(٥٤) المستصفى للغزالي، دار المعرفة.
(٥٥) المسودة في أصول الفقه لابن تيمية مطبعة المدني القاهرة.
(٥٦) مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية، دار القرآن الكريم.
(٥٧) مقدمة تحفة الأحوذي للمباركفوري دار التأليف فيصل آباد.
(٥٨) المنخول للغزالي، دار الفكر.
(٥٩) المواهب اللدنية للقسطلاني. المطبعة الشرقية.
(٦٠) نشر البنود على مراقي السعود للشنقيطي، المملكة المغربية.
(٦١) نصب الراية للزيلعي. المجلس العلمي دابهيل.
(٦٢) نكت الزركشي على علوم ابن الصلاح، مخطوط.
(٦٣) نيل الأوطار للشوكاني. مكتبة الدعوة الإسلامية القاهرة.
(٦٤) هدى الساري لابن حجر. المكتبة السلفية. المدينة المنورة.
(٦٥) الوصول إلى الأصول. لابن برهان البغدادي، مكتبة المعارف الرياض.
стр. 8073
صفحة فارغة
стр. 8074
لقاء مجلة التكبير الباكستاني
مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
هذا جواب الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد على الأسئلة المقدمة من الأستاذ صلاح الدين رئيس تحرير مجلة (تكبير) الباكستانية.
السؤال الأول: ما هي المقترحات لديكم لإنقاذ الأمة الإسلامية من الخلافات والعنصرية والتمذهب. وكيف يمكن أن توحد الأمة من جديد؟ الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله محمد وآله وأصحابه وبعد. فاقتراحي في هذا الموضوع المهم هو دعوة الأمة جميعا إلى توحيد الله والإخلاص له والتمسك بشريعته والحذر مما خالفها. وهذا هو الذي يجمع الأمة على الحق ويزيل الخلاف والتعصب للمذاهب. والمقصود دعوة المسلمين أن يستقيموا على في دين الله وأن يحافظوا على شريعته وأن يتعاونوا على البر والتقوى وبهذا تتحد صفوفهم وتتوحد كلمتهم ويكونون جسدا واحدا وبناء واحدا ومعسكرا واحدا ضد أعدائهم. أما إذا تعصب كل إلى مذهبه أو إلى شيخه أو إلى ما يرى مما يخالف ما عليه سلف الأمة فإن هذا هو طريق الخلاف وسيؤدي إلى الفرقة.
стр. 8075
فالواجب على علماء الإسلام وعلى دعاة المسلمين وعلى ولاة المسلمين أن يتكاتفوا جميعا لدعوة الناس جميعا إلى الحق والتمسك به والاستقامة عليه وأن يكون هدف الجميع طاعة الله ورسوله والالتفاف حول كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والحذر مما يخالف ذلك. فهذا هو الطريق الأوحد لجمع كلمة المسلمين وتوحيد صفهم ونصرهم على عدوهم والله ولي التوفيق.
стр. 8076
السؤال الثاني: ما هي الإجراءات التي يجب أن تتخذ بخصوص غير المسلمين الموجودين في المجتمعات الإسلامية للمحافظة على الكيان الإسلامي والحضارة الإسلامية والأخلاق الإسلامية؟
الجواب: الطريق لهذا والسبيل إليه هو دعوة غير المسلمين إلى الخير والهدى وأن يفسر لهم ما جاء به الرسول ﷺ من الهدى ودين الحق بالأسلوب الذي يفهمونه وبيان محاسن الإسلام لهم لعلهم يدخلون في دين الله ولعلهم يخرجون من ظلمات الشرك والجهل والظلم إلى نور التوحيد والإيمان وعدالة الإسلام. فمن قبل الحق واستقام على دين الله فالحمد لله وإلا أمكن إبعاده إلى بلاد الكفرة إذا كان ليس من أهل الوطن.
وإن كان منهم أمكن أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل إن كان ليس من أهل الكتاب ولا من المجوس، وإن كان من المجوس أو من أهل الكتاب تؤخذ منهم الجزية ويبقى في صغار وذل حتى يدخل في دين الله ويسلم الناس من شره ويعرفونه.
هذا أسلم طريق للخلاص من شر الكفار المخالطين مع العناية بدعوتهم إلى الله وتبصيرهم بدينه بالأساليب الحسنة وإيضاح محاسن الإسلام لهم وإنصافهم وإعطائهم حقوقهم التي لهم على المسلمين لعلهم يقبلون الحق ويخرجون مما هم فيه من الباطل إلى دين الحق والهدى والسعادة.
стр. 8077
هذا مع قدرة المسلمين فإن عجز المسلمون عن هذا فعليهم أن يتقوا الله وأن يستقيموا ويتحرزوا من شر أعدائهم وأن يجتهدوا في دعوتهم إلى الله وفي البعد عن الاختلاط بهم ومصادقتهم والأنس بهم والتشبه بأحوالهم حتى يسلموا من مكائدهم وحتى لا يخدعوهم بما هم عليه من الباطل والله ولي التوفيق.
وهذا كله في غير الجزيرة العربية أمما في الجزيرة العربية فالواجب أن يمنعوا من دخولها وأن لا يبقوا فيها لأن الرسول ﷺ نهى عن بقائهم فيها وأمر أن لا يبقى فيها إلا الإسلام وأن لا يجتمع فيها دينان وأمر بإخراج اليهود والنصارى وغيرهم من الجزيرة فلا يدخلوها إلا لحاجة عارضة ثم يخرجون كما أذن عمر للتجار أن يدخلوا في مدد محددة ثم يرجعوا إلى بلادهم وكما أقر النبي ﷺ اليهود على العمل في خيبر لما احتيج إليهم ثم أجلاهم عمر.
فالحاصل أن الجزيرة العربية لا يجوز أن يقر فيها دينان لأنها معقل الإسلام ومنبع الإسلام فلا يجوز أن يقر فيها المشركون إلا بصفة مؤقتة لحاجة يراها ولي الأمر كما فعل عمر في التجار وكما فعل النبي ﷺ مع أهل خيبر حتى استغنى عنهم المسلمون فأجلاهم عمر ﵁.
ويجب على الرعية في الجزيرة العربية أن يساعدوا ولي الأمر وأن يجتهدوا مع ولي الأمر في عدم جلب المشركين وعدم التعاقد معهم وعدم استعمالهم في أي عمل وأن يستغنى عنهم بالعمال المسلمين فإن في ذلك كفاية وأن يختار من المسلمين من هم أولى في أخلاقهم ودينهم لأن بعض المسلمين قد يكون مسلما بالاسم لا بالحقيقة فينبغي للذي يستورد العمال أن ينظر وأن يتأمل وأن يختار العمال الطيبين من المسلمين دون غيرهم والله المستعان.
стр. 8078
السؤال الثالث: إن المسلمين القادمين إلى الحرمين الشريفين يشعرون
стр. 8079
بقلق واضطراب عندما يرون أن تدفق غير المسلمين إلى هذه البلاد في ازدياد مستمر وأنهم يلقون حظهم الأوفر من أموال المسلمين وثرواتهم فهل أنتم نبهتم الحكومة على هذه الأخطار؟
الجواب: نعم قد شعر المسلمون بخطر من هؤلاء المشركين وقد نبه ولي الأمر على أنه يجب تطهير الجزيرة من الكفرة والعناية بعدم دخولهم فيها وعدم إقامتهم فيها وقد وافق ولي الأمر على التقليل منهم ووعد وفقه الله بالعناية التامة بهذا الشأن وأن لا يستقدم إلا من تدعو الضرورة إليهم أو الحاجة الشديدة إليهم. فأسأل الله له التوفيق والإعانة على كل خير.
стр. 8080
السؤال الرابع: ما هي المسؤوليات التي تجب علينا نحو الجهاد الإسلامي في أفغانستان وما هي الجهود التي قمتم بها في هذا الصدد حتى الآن؟
الجواب: لا ريب أن الجهاد في أفغانستان جهاد إسلامي يجب أن يشجع ويدعم من المسلمين جميعا لأنهم مسلمون يقاتلون عدوا شرسا خبيثا من أكفر الكفرة وأرذلهم ومن أقواهم فيما يتعلق بالقدرة الحسية فليس هناك تكافؤ بين القوتين ولكن نصر الله وتأييده لإخواننا المجاهدين. فالواجب على أهل الإسلام جميعا أن يساعدوهم وأن يعينوهم بالمال والنفس والرأي والشفاعة وكل ما يعد دعما لهم وإعانة. هذا هو الواجب على المسلمين جميعا وقد قامت الدولة وفقها الله بتشجيع الشعب السعودي على مساعدتهم وقد حصل من ذلك مساعدات كثيرة للمجاهدين عن طريق الشعب وغيره ولا نزال مستمرين في هذا الأمر مع إخواننا في هذه المملكة. والدولة وفقها الله تشجع الشعب على ذلك وتعين على إيصال هذه المساعدات إلى المجاهدين والمهاجرين لأنهم بحاجة شديدة إلى ذلك. وهذا حق على الجميع ونسأل الله أن يعيننا على الاستمرار وأن ينصر إخواننا وأن يعينهم على ما فيه نجاتهم وسعادتهم ونصرهم على عدوهم،
стр. 8081
وأن يذل أعداء الإسلام أينما كانوا وأن يكبتهم وأن يعين عليهم إنه خير مسؤول.
стр. 8082
السؤال الخامس: ما هي الطرق الناجحة لديكم للقيام بالدعوة إلى الله في هذا العصر؟
الجواب: أنجح الطرق في هذا العصر وأنفعها استعمال وسائل الإعلام لأنها ناجحة وهي سلاح ذو حدين. فإذا استعملت هذه الوسائل في الدعوة إلى الله وإرشاد الناس إلى ما جاء به الرسول ﷺ من طريق الإذاعة والصحافة والتلفاز فهذا شيء كبير ينفع الله به الأمة أينما كانت وينفع الله به غير المسلمين أيضا حتى يفهموا الإسلام وحتى يعقلوه ويعرفوا محاسنه ويعرفوا أنه طريق النجاح في الدنيا والآخرة. والواجب على الدعاة وعلى حكام المسلمين أن يساهموا في هذا بكل ما يستطيعون من طريق الإذاعة ومن طريق الصحافة ومن طريق التلفاز ومن طريق الخطابة في المحافل ومن طريق الخطابة في الجمعة وغير الجمعة وغير ذلك من الطرق التي يمكن إيصال الحق بها إلى الناس وبجميع اللغات المستعملة حتى تصل الدعوة والنصيحة إلى جميع العالم بلغاتهم.
هذا هو الواجب على جميع القادرين من العلماء وحكام المسلمين والدعاة إلى الله حتى يصل البلاغ إلى كافة العالم في جميع أنحاء المعمورة باللغات التي يستعملها الناس. وهذا هو البلاغ الذي أمر الله به قال الله لنبيه: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (١). فالرسول ﷺ عليه البلاغ وهكذا الرسل جميعا عليهم البلاغ صلوات الله وسلامه عليهم وعلى أتباع الرسل أن يبلغوا. قال النبي ﷺ : «بلغوا عني ولو آية (٢)». وكان إذا خطب الناس يقول: «فليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ
стр. 8083
أوعى من سامع (١)». فعلى جميع الأمة حكاما وعلماء وتجارا وغيرهم أن يبلغوا عن الله وعن رسوله ﷺ هذا الدين وأن يشرحوه للناس بشتى اللغات الحية المستعملة في أساليب واضحة وأن يشرحوا محاسن الإسلام وحكمه وفوائده وحقيقته حتى يعرفه أعداؤه وحتى يعرفه الجاهلون به وحتى يعرفه الراغبون فيه. والله ولي التوفيق.
وختاما لهذا اللقاء فإني أنصح إخواني المسلمين في باكستان وفي بنجلاديش وفي كل مكان أن يتقوا الله وأن يعملوا بشرعه وأن يعملوا بما أوجب الله عليهم وأن يدعوا ما حرم الله عليهم أينما كانوا وأن يحذروا الشرك بالله قليله وكثيره دقيقه وجليله وأن يخلصوا لله العبادة في جميع الأحوال وأن يحذروا ما وقع فيه كثير من الناس من التعلق بالأموات والاستغاثة بهم سواء كانوا من الأنبياء أو الأولياء أو غيرهم كما أحذرهم من التعلق على الأشجار أو الأحجار أو الأصنام أو غيرها من الجمادات لأن العبادة حق الله وحده ليس له فيها شريك كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٢). الآية. وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٣). ويقول سبحانه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٤).
فالواجب على جميع المسلمين أن يخصوا الله بالعبادة دون كل ما سواه وأن يؤدوا حقه الذي فرض عليهم من الصلاة وغيرها وأن يحذروا ما حرم الله عليهم وأن يتواصوا بالحق والصبر عليه وأن يتعاونوا على البر والتقوى أينما كانوا وأن يتفقهوا في دين الله وأن يجتهدوا في تلاوة القرآن الكريم والتدبر لمعانيه والتعقل والعمل بما فيه لأنه كتاب الله فيه الهدى
стр. 8084
والنور. قال النبي ﷺ في حجة الوداع: «إني تارك فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به كتاب الله (١)». والله يقول: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٢). ويقول سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (٣). فالواجب على المسلمين جميعا أن يتعقلوه ويتدبروه ويعملوا به. وهكذا سنة النبي ﷺ يجب العناية بها وحفظ ما تيسر منها والعمل بها وتفسير ما أشكل من القرآن بالسنة الصحيحة عن رسول الله ﷺ فإنها الوحي الثاني والأصل الثاني من أصول الشريعة التي يجب أن يرجع إليها في كل ما أشكل في كتاب الله وفي كل ما أشكل من الأحكام.
هذه وصيتي لجميع المسلمين وأن لا تشغلهم الدنيا وشهواتها عن آخرتهم بل يجب عليهم أن يستعينوا بالدنيا على الآخرة وأن يجعلوا الدنيا مطية للآخرة حتى ينجحوا ويربحوا ويفلحوا والله ولي التوفيق.
وصلى الله وسلم على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.
стр. 8085
صفحة فارغة
стр. 8086
وجوب أداء الصلاة في الجماعة
لسماحة الشيخ / عبد العزيز بن عبد الله بن باز
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يراه من المسلمين وفقهم الله لما فيه رضاه ونظمني وإياهم في سلك من خافه واتقاه أمين: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
فقد بلغني أن كثيرا من الناس قد يتهاونون بأداء الصلاة في الجماعة ويحتجون بتسهيل بعض العلماء في ذلك، فوجب علي أن أبين عظم الأمر وخطورته، وأنه لا ينبغي للمسلم أن يتهاون بأمر عظم الله شأنه في كتابه العظيم، وعظم شأنه رسوله الكريم، عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم. ولقد أكثر الله سبحانه من ذكر الصلاة في كتابه الكريم، وعظم شأنها، وأمر بالمحافظة عيها وأدائها في الجماعة، وأخبر أن التهاون بها والتكاسل عنها من صفات المنافقين، فقال تعالى في كتابه المبين: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (١). وكيف يعرف الناس محافظة العبد عليها، وتعظيمه لها، وقد تخلف عن أدائها مع إخوانه وتهاون بشأنها وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٢).
стр. 8087
وهذه الآية الكريمة نص في وجوب الصلاة في الجماعة، والمشاركة للمصلين في صلاتهم، ولو كان المقصود إقامتها فقط لم تظهر مناسبة واضحة في ختم الآية بقوله سبحانه: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (١) لكونه قد أمر بإقامتها في أول الآية، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ (٢). الآية.
فأوجب الله سبحانه أداء الصلاة في الجماعة في حال الحرب فكيف بحال السلم؟ ولو كان أحد يسامح في ترك الصلاة في جماعة لكان المصافون للعدو، المهددون بهجومه عليهم أولى بأن يسمح لهم في ترك الجماعة. فلما لم يقع ذلك، علم أن أداء الصلاة في جماعة من أهم الواجبات، وأنه لا يجوز لأحد التخلف عن ذلك. وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁: عن النبي ﷺ أنه قال: «لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا أن يصلي بالناس، ثم أنطلق برجال معهم حزم من حطب، إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم) (٣)» الحديث. وفي صحيح مسلم: عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: لقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق علم نفاقه، أو مريض، وإن كان المريض ليمشي بين الرجلين حتى يأتي الصلاة). وقال: (إن رسول الله ﷺ -علمنا سنن الهدى، وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه). وفيه أيضا عنه قال: (من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هذه الصلوات حيث ينادى بهن فإن الله
стр. 8088
شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد مسجد من هذه المساجد، إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف).
وفي صحيح مسلم أيضا عن أبي هريرة ﵁ أن رجلا قال: «يا رسول الله إنه ليس لي قائد يلائمني إلى المسجد فهل لي أن أصلي في بيتي؟ فقال له النبي ﷺ : (هل تسمع النداء بالصلاة؟) قال نعم، قال: (فأجب) (١)».
والأحاديث الدالة على وجوب الصلاة في الجماعة، وعلى وجوب إقامتها في بيوت الله التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه كثيرة جدا، فالواجب على كل مسلم العناية بهذا الأمر، والمبادرة إليه، والتواصي به. مع أبنائه وأهل بيته وجيرانه وسائر إخوانه المسلمين، امتثالا لأمر الله ورسوله، وحذرا مما نهى الله عنه ورسوله، وابتعادا عن مشابهة أهل النفاق الذين وصفهم الله بصفات ذميمة من أخبثها تكاسلهم عن الصلاة، تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٢) ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ (٣) ولأن التخلف عن أدائها في الجماعة من أعظم أسباب تركها بالكلية. ومعلوم أن ترك الصلاة كفر وضلال وخروج عن دائرة
стр. 8089
الإسلام، لقول النبي ﷺ «بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة (١)» خرجه مسلم في صحيحه عن جابر ﵁. وقال ﷺ «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) (٢)» رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن الأربع بإسناد صحيح والآيات والأحاديث في تعظيم شأن الصلاة، ووجوب المحافظة عليها وإقامتها كما شرع الله، والتحذير من تركها كثيرة ومعلومة. فالواجب على كل مسلم أن يحافظ عليها في أوقاتها، وأن يقيمها كما شرع الله وأن يؤديها مع إخوانه في الجماعة في بيوت الله، طاعة لله سبحانه ولرسوله ﷺ وحذرا من غضب الله وأليم عقابه.
ومتى ظهر الحق واتضحت أدلته، لم يجز لأحد أن يحيد عنه، لقول فلان أو فلان، لأن الله سبحانه يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٣). ويقول سبحانه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤). ولا يخفى ما في الصلاة في الجماعة من الفوائد الكثيرة، والمصالح الجمة، ومن أوضح ذلك التعارف والتعاون على البر والتقوى والتواصي بالحق والصبر عليه.
وتشجيع المتخلف، وتعليم الجاهل، وإغاظة أهل النفاق، والبعد عن سبيلهم، وإظهار شعائر الله بين عباده، والدعوة إليه سبحانه بالقول والعمل، إلى غير ذلك من الفوائد الكثيرة.
وكثير من الناس قد يسهر بالليل ويتأخر عن صلاة الفجر وبعضهم يتخلف عن صلاة العشاء ولا شك أن ذلك منكر عظيم وتشبه بأعداء الدين المنافقين الذين قال الله فيهم سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (٥).
стр. 8090
وقال فيهم : ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١) ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ (٢). وقال سبحانه في حقه: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ (٣) ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ (٤).
فيجب على كل مسلم ومسلمة الحذر من مشابهة هؤلاء المنافقين في أعمالهم وأقوالهم وفي تثاقلهم عن الصلاة وتخلفهم عن صلاة الفجر والعشاء حتى لا يحشر معهم وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «(أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا) (٥)» متفق على صحته. وقال ﷺ : «(من تشبه بقوم فهو منهم) (٦)» رواه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمر ﵄ بإسناد حسن.
وفقني الله وإياكم لما فيه رضاه وصلاح أمر الدنيا والآخرة، وأعاذنا جميعا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ومن مشابهة الكفار والمنافقين، إنه جواد كريم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية
والإفتاء والدعوة والإرشاد