يتصف بها القضاء فيكون اللفظ من قبيل المشترك المعنوي، فكلها ترجع إلى إتمام الشيء أو الفراغ منه قولا أو فعلا أي: إمضاؤه وإحكامه، وبيان ذلك:
- أن القضاء بمعنى الحكم في الواقعة بتقدير شيء أو تقريره وإثباته أو منعه ونفيه بما يفصل المنازعات وينهي الخصومات
- ولا بد في حقيقة القضاء من الإلزام بالحكم.
- يأمر به القاضي إذ القضاء أمر بالمعروف ونهي عن المنكر.
- وينهيه إلى المحكوم عليه، ويبلغه إياه مشافهة.
- بلفظ صريح ينطق به في مجلس الحكم ويبين بيانه أي: يقرأه.
- بأسلوب محكم إحكاما، ومتقن اتقانا يوضح فيه الأسباب والحيثيات والمستند في الحكم.
- وبهذا يكون الحكم قد انتهى وفرغ منه، لأن القاضي ينهي الأمر ويفرغ منه.
- وهذا كله عمل من القاضي، يبذل جهده، واستفراغ وسعه في بحث المسألة.
- واستقصاء المشكلة للوصول إلى الحق، ووضعه في نصابه لتنفيذه.
- وذلك برد الحقوق إلى أصحابها، ورد المظالم إلى أهلها؛ ذلك لأن الإلزام هو تنفيذ القول على المحكوم عليه رضي أو أبى، إذ لا خير في حق لا نفاذ له.
وبهذا يكون صاحب الحق قد بلغ مقصوده ونال غايته وحقق مطلبه.
- فيكون الحكم ماضيا لا يتعرض له القاضي اللاحق حسب القاعدة الفقهية (لا يحق لقاض لاحق النظر في حكم سابق). وهذه خاصية من خصوصيات الحكم القضائي. وهي حيلولته دون إثارة النزاع المحكوم فيه مرة أخرى أمام القضاء بين نفس الخصوم، وهذه الخاصية تسمى حجية الأحكام.
стр. 8332
لفظ الحكم في القرآن: -
ورد لفظ [حكم] ومشتقاته في القرآن الكريم في نحو مائة موضوع ترجع في جلتها إلى القضاء والفصل بالحق والعدل؛ لمنع العدوان والظلم. منها، قوله تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١) الآية. هذه وصية من الله لداود، ولولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق المنزل من عنده ﵎ وتحذيرهم من اتباع الهوى والضلالة عن القصد والعدل وقد توعد ﵎ في آخر الآية من ضل عن سبيله بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (٢) قال السدي: (لهم عذاب شديد بما تركوا أن يعملوا ليوم الحساب). قال ابن كثير في تفسيره: وهذا القول أمشى على ظاهر الآية.
- ومما وجه للولاة والحكام قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ (٣) الآية قال العلماء: نزلت هذه الآية في ولاة الأمور، عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٦٦١ - ٧٢٨ هـ): وإذا كانت الآية قد أوجبت أداء الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل، فهذان جماع السياسة العادلة والسياسة الصالحة (٤).
- ومنها ما وجه إلى الرسول ﷺ كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ (٥).
стр. 8333
يقول الله تعالى مخاطبا رسوله محمدا ﷺ : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ (١) أي: هو حق من الله تعالى، وهو يتضمن الحق في خبره وطلبه، وقوله: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (٢) احتج من ذهب من علماء الأصول إلي أنه كان له ﷺ أن يحكم بالاجتهاد بهذه الآية، وبما ثبت في الصحيحين عن أم سلمة عن رسول الله ﷺ أنه سمع خصومه بباب حجرته فخرج إليهم فقال: «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي وإنه يأتي الخصم ولعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صدق فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو فليتركها (٣)».
- ومما وجه للرسول ﷺ قول الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (٤) الآية: أي فاحكم يا محمد بين الناس عربهم وعجمهم، أميهم وكتابيهم بما أنزل إليك من هذا الكتاب العظيم، وبما قدره لك من حكم من كان قبلك من الأنبياء ولم ينسخه في شرعك.
روي عن ابن عباس قال: «كان النبي ﷺ مخيرا، إن شاء حكم بين أهل الكتاب، وإن شاء أعرض عنهم، وردهم إلى أحكامهم، فنزلت: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (٥)» أي: لا تنصرف
стр. 8334
عن الحق الذي أمرك الله به إلى أهواء هؤلاء من الجهلة الأشقياء التي اصطلحوا عليها وتركوا - بسببها - ما أنزل الله على رسله (١).
- ومن الآيات ما وجه للناس كافة على أن ولاية القاضي ملزمة لهم، بمعنى أنهم مجبرون على قبولها لقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢)، يقسم تعالى بذاته الكريمة أنه لا يؤمن أحد ولا يتصف بصفة الإيمان إلا عند حصول شرائط: -
- أولها: تحكيم الرسول ﷺ في جميع الأمور، فيما حكم به فهو الحق والصدق الذي يجب الانقياد له باطنا وظاهرا.
ثانيها: الرضا بحكم الرسول ﷺ أي: الطاعة والارتياح النفسي وعدم الحرج مما حكم به والانقياد له في الظاهر والباطن.
ثالثها: التسليم الكلي من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٣) الآية
ولما كان العلماء ورثة الأنبياء، فإن لأحكامهم ما لأحكام الرسول ﷺ من الرضى والتسليم بها ما دامت هذه الأحكام تتمشى مع قواعد العدل والإنصاف الواردة في الكتاب والسنة.
стр. 8335
القضاء والحكم في السنة
سبق أن ذكرنا قول الزهري - عند الكلام في معنى القضاء في اللغة، وأنه على وجوه مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه، وكل ما أحكم عمله، أو أتم، أو ختم، أو أدى أداء أو أوجب، أو أعلم، أو أنفذ، أو أمضى، قال وقد جاءت هذه الوجوه كلها في الحديث.
من ذلك قوله ﷺ : «اقض فإن اجتهدت فأصبت فلك عشرة أجور، فإن اجتهدت فأخطأت فلك أجر واحد (١)»، وقوله ﷺ : «إني أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل علي فيه وحي (٢)»، وقوله ﷺ لمعاذ بن جبل حينما أراد أن يبعثه قاضيا: «كيف تقضي إذا عرض لك قضاء (٣)»، وقوله ﷺ للخصمين اللذين ترافعا إليه: «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله (٤)».
أما الأحاديث التي فيها لفظ الحكم، فمن ذلك ما روي عن شريح بن هانئ عن أبيه هانئ أنه لما وفد إلى رسول الله ﷺ سمعه وهم يكنون هانئا (أبا الحكم) فدعاه رسول الله ﷺ فقال له: «إن الله هو الحكم وإليه الحكم، فلم تكنى أبا الحكم؟، فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم (٥)» الحديث (٦)، وما روي من حديث ابن
стр. 8336
مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «ما من حكم يحكم بين الناس إلا حبس يوم القيامة (١)».
وحديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «المقسطون على منابر من نور يوم القيامة عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وما ملوا (٢)». إلى غير ذلك من الأحاديث.
ومن تحليل هذه النصوص، وتفسيرها نتوصل إلى الحقائق الآتية:
أولا - أنه لا يجوز التحاكم في كل المنازعات والقضايا إلا إلى شريعة الإسلام ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٣) الآية، أي فردوه إلى كتاب الله، فإن لم تجدوه في كتاب الله فإلى سنة رسول الله، فإن لم تجدوه فإلى الاجتهاد، كما في حديث معاذ ﵁ حينما بعثه النبي ﷺ واليا وقاضيا لليمن. فالقرآن هو الأصل الذي ينبغي الرجوع إليه في الأحكام، وبعده سنة رسول الله، ثم ما يئول إليهما من إجماع أو قياس.
وهذه هي القاعدة الأولى التي أقرتها الشريعة الإسلامية في التنظيم القضائي في الإسلام، وما سواها فهو باطل وطاغوت ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (٤)، ولقد سار كبار المجتهدين على هذا الأساس في فهم الشريعة الإسلامية، ومقاصدها السامية، واستدلوا بنصوص
стр. 8337
الكتاب، والسنة، وإجماع العلماء في اجتهاداتهم، وتنزيل النوازل والقضايا عليها، ولما كانت النصوص متناهية، والحوادث متجددة، استدلوا بالقياس فيما ليس فيه نص، وقاموا بالتخريج على القواعد العامة المستفادة من مجموع النصوص في جميع الأحوال، وغير ذلك من الأدلة التي لا تخرج في حقيقتها، ولا تتعارض مع جوهر الشريعة الإسلامية ونصوصها، ومقاصدها التي تدل عليها التعليلات المنصوصة.
كل حركة اجتهادية، أو تقنينية من أي مجتهد أو مقنن في أي عصر أو زمان يجب أن لا تخرج عن دائرة الكتاب والسنة، وأن لا تعارض نصا من نصوصها، أو أصلا من أصولها، وإلا كان اجتهادا فاسدا، وعملا مردودا باطلا.
ثانيا: أن التحاكم أمر مرتبط بالإيمان بما أنزل الله، وهو أمر كما يشمل الخصوم يشمل الحكام والقضاة أيضا ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (١) و ﴿هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢)، فليس في الإسلام قضاء ديني يخضع لأحكام الشريعة، وقضاء آخر مدني أو زمني يخضع لأحكام وضعية مخالفة، كما هو عند أصحاب الديانات الأخرى، وقلدهم في ذلك بعض أبناء هذا الزمن ممن ينتسبون للإسلام، بل كل القضاء في كافة الأمور والأحوال يجب أن يستند إلى الحكم الشرعي المبلغ من عند الله على لسان رسوله محمد بن عبد الله وأن الاحتكام إلى خلافه مناف لعقيدة الإيمان، بل قد يكون مخرجا لصاحبه عن دائرة الإسلام، إذ لا يتفق مع صحة الإيمان أن يرى مؤمن أن ما فكر فيه بشر مثله أحكم وأصلح مما قضى به رب العالمين ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٣).
стр. 8338
القضاء بالشريعة بين التوحيد والمتابعة:
ومما سبق يتأكد لنا أن هناك صلة وثيقة، وارتباطا متينا بين العقيدة والشريعة، ذلكم أن الإيمان عقيدة يلتزم المسلم بمقتضاها أن يتبع حكم الله في كل شأن من شئون حياته، وإلا فإن إيمانه خداج، لا يصح ولا يغني عنه شيئا، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (١).
هذه واحدة، والثانية أن المسلم ملزم بمتابعة رسول الإسلام ﵊ فيما أمر به، واجتناب ما عنه نهى وزجر ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢) وهذا عام في الأمر والنهي، والوعظ والإرشاد، والحلال والحرام، وكذلك في الحكم والاحتكام، وقد أقسم الله -جل وعلا- في كتابه العزيز بنفسه المقدسة قسما عظيما على نفي الإيمان عمن لا يحتكم إلى الرسول وإلى شرعه بقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣)، والأمر بتحكيم الرسول في كل شاردة وواردة يقتضي الاحتكام إلى شرعه، كما أن الإيمان بالرسول يقتضي متابعته فيما بلغ به عن الله من شرعه، وما أوضحه وبينه في أمره ونهيه. وهذه الآية من الآيات الأخرى التي تجعل من أساسيات الإيمان التحاكم إلى شريعة الله ، تلكم الشريعة التي تكفل العدل والخير للبشرية جميعا.
стр. 8339
وهذه النقطة الثانية تستلزم البحث في نقطة ثالثة، وهي في مجال الأدلة، في مسألة تعارض النقل مع العقل، فإنه يقدم النقل، مع أن النقل الصحيح، أي النصوص الثابتة في مجال التشريع لا تتعارض مع العقل السليم الصريح. ومن الترهات في ذلك قول بعض المارقين عن تحكيم الشريعة الإسلامية: إن القوانين الوضعية من صنع العقل البشري، والعقل من صنع الله سبحانه، وإذن في النتيجة أن هذه القوانين من صنع الله، ما دامت ثمرة العقل الذي خلقه.
وتأسيسا على قاعدة درء التعارض بين النقل الصحيح والعقل الصريح، يكفي في رد هذه الترهة ما تحمله هذه القوانين الوضعية، وما تنطوي عليه من مخالفة صريحة لما هو ثابت بالضرورة من أمر الدين، ولما لا يجوز فيه الخلاف بين المسلمين.
وبعد:
فقد بات واضحا أن التحاكم إلى الشريعة الإسلامية من مقتضيات عقيدة توحيد الله ، الحكيم في تشريعاته، الخبير بمصالح عباده، ومن مستلزمات الإيمان والمتابعة لرسوله ﷺ . ولقد ظل العالم الإسلامي مع اتساع رقعته القرون الطويلة يحكمون الشريعة الإسلامية، وما صار التحول عن التحاكم إليها إلا بعد سيطرة الاستعمار الصليبي على بلاد المسلمين، في المشارق والمغارب، ومن قبله التتار، وهكذا كان مسلك أعداء الإسلام دائما، فقد عمل الغرب مثل ما عمل التتار حينما احتلوا أرض المسلمين قدموا لهم [الياسة]، وهو عبارة عن كتاب مجموع من الأحكام مقتبسة عن شرائع شتى من اليهودية والنصرانية، والملة الإسلامية، وغيرها من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان، ولكن المسلمين وقت التتار المشرقي يختلفون عن المسلمين وقت الغزو الصليبي الغربي، فأولئك طعنوا في تلك القوانين ورفضوها بالإجماع، وأفتوا
стр. 8340
بكفر من قبلها أو تحاكم إليها، وهؤلاء استكانوا لها، وتحاكموا إليها. والآن وبعد أن زال هذا الاستعمار البغيض، واستعادت الأمة الإسلامية حريتها واستقلالها ألا يجدر بهذه الأمة أن تستعيد هويتها الإسلامية فهل إلى مرد من سبيل؟!.
سعود بن سعد الدريب
стр. 8341
صفحة فارغة
стр. 8342
البرهان في بيان القرآن
للعلامة الموفق أبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة الحنبلي
المتوفى سنة ٦٣٠ هـ
تحقيق
الدكتور / سعود بن عبد الله الفنيسان
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين.
وبعد:
فقد اطلعت على مخطوطة (البرهان في بيان القرآن) للموفق أبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي الحنبلي، فوجدتها اسما طابق المسمى، ولفظا وافق المعنى، وجدتها صغيرة الحجم، كثيرة الفائدة، كتبت بأسلوب جزل سهل.
ومما شجعني على القيام بتحقيقها: أنها من تأليف أحد أعلام الحنابلة، وأنها من آخر ما كتبه ابن قدامة؛ فقد كتبها قبل وفاته ﵀ بأربع سنوات فقط.
وأيضا: أنها نسخة فريدة، فقد بحثت في فهارس المخطوطات في الجامعات والمؤسسات العلمية داخل المملكة فلم أجد أي إشارة إليها، بحثت - أيضا - خارج المملكة في قوائم المخطوطات في كل من تركيا وسوريا ومصر وتونس والمغرب، فلم أجد نسخة أخرى.
стр. 8343
ومما دفعني أنه لا يكاد يعرف للحنابلة مؤلفات في التفسير وعلوم القرآن إلا ما ندر وإنما عرفوا بمؤلفات في الفقه والعقيدة؛ وتراثهم في التفسير وعلوم القرآن لا يقل عن ذلك، غير أنه لم يحظ بالعناية والنشر، بقدر ما عنيت به سائر كتبهم.
وإن المطلع على كتب التراجم وقوائم المخطوطات ليذهل جدا من وفرة إنتاج الحنابلة في هذا المجال، وجهل الكثيرين له.
وقد اتخذ الموفق ابن قدامة في كتابه الذي بين أيدينا طريقة واضحة في الرد على دعاوى الخصوم وأوهام المتخرصين ببيان القرآن بالقرآن أو بالسنة النبوية، وهما أصح طرق تفسير القرآن.
ومن ميزة كتابة ابن قدامة؛ وبالأخص في كتابه (البرهان في بيان القرآن) أنه بعد ذكر الخلاف والاستدلال، يذكر ملخصا لما سبق بعبارة موجزة وواضحة.
وبعملي في تحقيق هذا الكتاب، لا أدعي أنني أوفيته حقه، ولكن أحسب عملي فيه وضح غامضه، وأوضح مشكله، وقبل هذا كله: إخراجه إلى النور لتعم به الفائدة.
والنية متجهة - إن شاء الله - في المستقبل إلى تتبع مؤلفات الحنابلة في التفسير وعلوم القرآن، وجمعها في كتاب، ليستفيد منه الدارسون والباحثون.
والله أسأل الهداية والتوفيق.
وصلى الله على نبينا محمد وسلم.
سعود بن عبد الله الفنيسان
стр. 8344
أبو محمد الموفق ابن قدامة
(٥٤١ - ٦٢٠)
مولده ونشأته: .
هو أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الحنبلي المقدسي الجماعيلي - بتشديد الميم - إلى " جماعيل " قرية من أعمال نابلس في فلسطين. ولد ﵀ في شعبان سنة (٥٤١) للهجرة. وتلقى العلم وهو صغير فحفظ القرآن بقراءة (نافع) على شيخه علي بن أبي الحسن البطائحي، وبقراءة (أبي عمرو) على شيخه أبي الفتح ابن المنى - بضم الميم وتشديد النون -.
نشأ الموفق ﵀ في بيت علم وتقى وفقه وصلاح. وظهر من بيت آل قدامة ما يزيد على (٣٠) عالما مجتهدا؛ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ورحل الموفق لطلب العلم إلى بغداد ودمشق ومكة والموصل.
ولقد عاش الموفق في حقبة من الزمن كانت الأوضاع السياسية مضطربة، وكان الإفرنج مستولين على بيت المقدس، فكان أبو محمد من أول من شارك في جهاد الصليبيين، يجاهدهم بلسانه ويده تحت قيادة البطل المسلم (صلاح الدين الأيوبي) وقد خصص له ولأخيه خيمة خاصة في العسكر.
стр. 8345
شيوخه وتلاميذه: .
أخذ الموفق العلم على عدد من العلماء في شتى الفنون " سواء كانوا رجالا أم نساء فممن أخذ عنهم.
شيوخه:
الشيخ عبد القادر الجيلاني، وهبة الله بن الحسن الدقاق، وأبو الفتح ابن البطي، وأبو زرعة بن طاهر، وأحمد بن محمد الرحبي، والمنذري، وآخرون. ومن أخذ عنهن من النساء العالمات الفاضلات: خديجة النهروانية، ونفيسة البزازة، وشهدة الكاتبة.
تلاميذه:
وتتلمذ عليه عدد كبير من العلماء لا يحصون، مثل: الجمال بن موسى الحافظ، وابن نقطة، وابن خليل، وأبي شامة، والجمال بن الصيرفي، ويوسف الغسولي، وزينب بنت الواسطي، وغيرهم.
وقد انتشر علمهم ونفع الله بهم الناس. وسنترجم ترجمة موجزة لبعض شيوخه وتلاميذه. فمن شيوخه: -
أبو الحسن البطائحي (٤٩٠ - ٥٧٢) هـ.
هو: علي بن عساكر بن الرحب بن العوام البطائحي المقرئ، إمام في القرآن والسنة والنحو. قرأ عليه: الموفق ابن قدامة، بقراءة (نافع). وأخذ عنه: الوزير ابن هبيرة. وحدث عنه: الحافظ ابن الأخضر، وعبد الغني المقدسي، وعبد القادر الرهاوي.
انظر: الذيل لابن رجب (١/ ٣٣٦)، وابن العماد - شذرات الذهب (٤/ ٢٤٢).
стр. 8346
عبد القادر الجيلاني: (٤٩٠ - ٥٦١) هـ
هو: أبو محمد عبد القادر بن عبد الله الجيلاني البغدادي الحنبلي. شيخ زاهد، سمع الحديث من أبي غالب الباقلاني، وجعفر السراج، وأخذ الفقه عن أبي الخطاب الكلوذاني، وابن عقيل، والقاضي أبي الحسين، حتى برع في المذهب والخلاف والأصول.
انظر: الذهبي - سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٤٣٩)، والذيل لابن رجب (١/ ٢٩٣).
أبو الفتح بن البطي: (٤٧٧ - ٥٦٤) هـ.
هو: محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سليمان البغدادي. قال عنه الموفق ابن قدامة: هو شيخنا وشيخ أهل بغداد. ودرس عليه الفقه.
انظر: الذهبي - سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٤٨١)، والدمياطي - المستفاد من ذيل تاريخ بغداد (ص ١٩).
ابن الخشاب: (٤١٢ - ٥٦٧) هـ.
هو أبو محمد ابن الخشاب عبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر البغدادي. محدث حافظ فقيه حنبلي، عالم بالتفسير والحديث، حجة في النحو. حدث أن دخل عليه أحد أصحابه وهو مريض وعلى صدره كتاب ينظر فيه، فقال له: ما هذا يا شيخ؟ قال: ذكر ابن جني مسألة في النحو واجتهد أن يستشهد عليها ببيت من الشعر فلم يحضره، وإني لأعرف على هذه المسألة سبعين بيتا من الشعر كل بيت من قصيدة.
مات ﵀ أعزب ولم يتزوج. انظر: الذهبي - سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٥٢٣)، وابن العماد - شذرات الذهب (٤/ ٢٥٥).
стр. 8347
ابن الجوزي: (٥١٠ - ٥٩٧) هـ.
هو العالم الحافظ الواعظ الفقيه الحنبلي جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي. ينتهي نسبه إلى أبي بكر الصديق. له تصانيف كثيرة تزيد على (٢٥٠) مصنفا. سمع من أبي القاسم بن الحصين، وابن الزاغوني، وابن البطي، ومحمد بن الحسن الماوردي، وآخرين. وأخذ عنه: الحافظ ابن عبد الغني المقدسي، وأبو محمد الموفق ابن قدامة، والضياء المقدسي، وابن النجار، وآخرون.
انظر: الذهبي - سير أعلام النبلاء (٢١/ ٣٦٥)، والذيل لابن رجب (١/ ٣٩٩).
المنذري: (٥٨١ - ٦٥٦) هـ.
هو الحافظ أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله بن سلامة المنذري. محدث فقيه شافعي. قال فيه الذهبي: لم يكن في زمانه أحفظ منه، درس على ابن دقيق العيد في أول أمره، فلما برز في العلم درس عليه ابن دقيق العيد في آخر حياته.
له: كتاب " الترغيب والترهيب " و " مختصر سنن أبي داود ".
توفي بمصر وله (٧٥) سنة.
انظر: السبكي - طبقات الشافعية (٥/ ١٠٨)، وابن العماد - شذرات الذهب (٥/ ٢٧٧).
ومن تراجم بعض تلاميذه: -
الضياء المقدسي: (٥٦٩ - ٦٤٣) هـ.
هو: ضياء الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد بن أحمد المقدسي الجماعيلي الحنبلي. صاحب التصانيف الكثيرة. أخذ العلم
стр. 8348
عن الحافظ السلفي، وشهدة الكاتبة، وأحمد بن الموازيني، والحافظ ابن عبد الغني، والموفق ابن قدامة، وآخرين. وأخذ عنه: ابن نقطة، وابن النجار، والعز بن الفراء. ألف في سيرة كل من: الموفق ابن قدامة، والحافظ عبد الغني أربعة أجزاء.
انظر: الذهبي سير أعلام النبلاء (٢٣/ ١٢٦)، وابن العماد - شذرات الذهب (٥/ ٢٢٤).
ابن نقطة: (٥٧١ - ٦٢٩) هـ.
هو: الإمام الحافظ المتقن أبو بكر بن عبد الغني بن أبي بكر بن شجاع البغدادي الحنبلي. كان ثقة، حسن القراءة، جيد الكتابة، له سمت ووقار، وفيه ورع وصلاح. أخذ عنه العلم: عبد العظيم المنذري، وأبو الشيخ عمر بن الحاجب. ألف مستدركا على (الإكمال) لابن ماكولا.
انظر: الذهبي - سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٣٤٧)، والذيل لابن رجب (١/ ١٨٢).
ابن النجار: (٥٧٨ - ٦٤٣) هـ.
هو: أبو عبد الله العالم الحافظ المحدث المؤرخ محمد بن محمود بن حسن بن هبة الله بن محاسن البغدادي. أخذ العلم عن ابن الجوزي، وشهدة الكاتبة. وأخذ عنه: ابن الصابوني، والفتح محمد القزاز.
له تصانيف كثيرة، منها: "ذيل تاريخ بغداد "، "والمتفق والمفترق"، وكتاب "جنة الناظرين في معرفة التابعين"، "ومناقب الشافعي ".
стр. 8349
انظر: الذهبي - سير أعلام النبلاء (٢٣/ ١٣١)، والسبكي - طبقات الشافعية (٥/ ٤١).
أبو شامة: (٥٩٩ - ٦٦٥) هـ.
هو: عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الشافعي النحوي المفسر المقرئ الفقيه المؤرخ. ختم القرآن وهو صغير لم يبلغ عشر سنين، وأخذ القراءات عن السخاوي وله ست عشرة سنة. ولحق به الشيب وهو ابن خمس وعشرين سنة فقط. سمع من الموفق ابن قدامة، والعز بن عبد السلام.
له: كتاب "الروضتين في أخبار الدولتين" النورية والصلاحية، و "ضوء الساري إلى معرفة رؤية الباري"، و "شرح المفصل للزمخشري "، و "شرح سنن البيهقي ".
انظر: ابن الجزري - غاية النهاية في طبقات القراء (١/ ٣٦٥)، وابن العماد - شذرات الذهب (٥/ ٣١٨).
стр. 8350
آثاره العلمية: (١).
لقد خلف أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة آثارا علمية كثيرة، منها المطبوع، ومنها المخطوط، وهي: -
في الفقه:
- المغني شرح الخرقي يقع في عشرة مجلدات ضخمة، تعب فيه المصنف وأجاد وجمل به المذهب.
- الكافي (ثلاثة مجلدات). ألفه الموفق للمتوسطين من طلاب العلم، حرر به رواية المذهب بعبارة موجزة مع الاستدلال.
стр. 8351
- المقنع (ثلاثة مجلدات) مع حاشية عليه منسوبة للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب. وقد ألف الموفق كتابه "المقنع" للمتقدمين من طلاب العلم؛ حيث ضمن كل مسألة عدة روايات في المذهب، ليتعودوا على تخريجها. وقد شرح المقنع ابن أخي الموفق الشيخ عبد الرحمن بن أبي عمر (ت ٦٨٢ هـ) وسماه "الشرح الكبير" ويقع في ستة مجلدات كبيرة.
- العمدة (مجلد واحد). ألفه للمبتدئين في الطلب، فهو مختصر سهل العبارة، يقرن المسألة بالدليل أحيانا.
- مقدمة في الفرائض- جزء لم يطبع.
- مناسك الحج- مجلد لم يطبع.
- مختصر الهداية- مجلد لم يطبع.
- الشافعي - مجلدان لم يطبعا.
في أصول الفقه:
- روضة الناظر وجنة المناظر- مجلد.
في التفسير وعلوم القرآن:
- البرهان في مسألة القرآن، وهو هذا الكتاب، وسيأتي وصفه.
- ذم التأويل- مطبوع.
- جواب مسألة في القرآن- وردت من "صرخد" (١) - لم تطبع.
- الصراط المستقيم في بيان الحرف القديم- جزء لم يطبع، وهو موجود عندي، أرجو أن أوفق في إخراجه، إن بقي في العمر بقية.
стр. 8352
المناظرة لأهل البدع في القرآن - لم يطبع (١).
- مسألة في تحريم النظر في كتب أهل الكلام - لم تطبع.
- رسالة إلى الشيخ فخر الدين ابن تيمية في تخليد أهل البدع في النار - لم تطبع.
في الحديث:
- كتاب التوابين - مجلد - مطبوع.
- مختصر في الغريب - مجلد - لم يطبع.
- مختصر العلل للخلال - مجلد - لم يطبع.
- مشيخة شيوخه - جزء - لم يطبع.
في التوحيد:
- لمعة الاعتقاد - جزء - مطبوع.
- كتاب القدر - جزءان - لم يطبع.
- مسألة العلو - جزءان - لم يطبع.
- فضائل الصحابة - جزءان - لم يطبع. لعلهما كتاب واحد.
- منهاج القاصدين في فضل الخلفاء الراشدين - لم يطبع.
في اللغة والأنساب:
- قنعة الأريب في الغريب - مجلد - لم يطبع.
- التبيين في نسب القرشيين - مجلد - مطبوع (٢).
- الاستبصار في نسب الأنصار - مجلد - لم يطبع.
стр. 8353
في الفضائل والزهد:
- كتاب المتحابين في الله - جزءان - لم يطبع.
- كتاب الرقة والبكاء - جزءان - لم يطبع.
- فضائل عاشوراء - جزءان - لم يطبع.
- فضائل العشر - جزء - لم يطبع.
- ذم ما عليه مدعو التصوف. ذكره الزركلي في الأعلام وقال: إنه مطبوع.
- ذم الموسوسين - مجلد - مطبوع.
- وصيته - جزء - لم يطبع.
هذا كله وعلاوة على التخريجات والفتاوى والرسائل الكثيرة.
وقد ضمن أحد الشعراء بعض كتب ابن قدامة في قصيدة مدحه بها، منها قوله:
وفي عصرنا كان الموفق حجة ... على فقهه ثبت الأصول محول
كفى الخلق ب "الكافي" وأقنع طالبا ... ب "مقنع " فقه عن كتاب مطول
وأغنى ب "مغني" الفقه من كان باحثا ... و "عمدته " من يعتمدهما يحصل
و"روضته " ذات الأصول كروضة ... أماست بها الأزهار أنفاس شمأل
ولعل هذه الكتب، هي أشهر مؤلفات الموفق ابن قدامة أكثرها انتشارا.
стр. 8354
فضله وعلمه:
كان ﵀ عالما فاضلا ورعا تقيا، إماما في التفسير وعلوم القرآن، وفي الحديث ومشكلاته، وفي اللغة والأنساب. أما في الفقه والأصول: فلا يشق له غبار. كان مناظرا قوي الحجة. قال فيه شيخ الإسلام ابن تيمية: "ما دخل الشام بعد الأوزاعي أفقه من الموفق "، وكفى بهذه الشهادة من قبل ابن تيمية، وكان ﵀ يراعي حال المستمعين والقارئين. فإذا كتب بيده أو أملى علما راعى حال المستفيدين منه، فنجده لما ألف في الفقه، ألف بمستويات ثلاثة: (المغني) للعلماء المجتهدين من المذهب أو خارجه. و (الكافي) للمتوسطين من طلاب العلم في المذهب. و (العمدة) لطلاب العلم المبتدئين.
ولذا لا يكاد يقرأ له قارئ إلا أخذ بجودته وبيانه؛ وخاصة في كتابه (المغني). يقول الشيخ العز بن عبد السلام: "ما طابت نفسي بالفتيا حتى صار عندي نسخة من المغني ".
كان ﵀ يقرض الشعر ويتلذذ به، فمما قاله يرثي به نفسه ويتذكر به الموت:
أتغفل يا ابن أحمد والمنايا ... شوارع تخترمنك عن قريب
أغرك أن تخطئك الرزايا ... فكم للموت من سهم مصيب
كئوس الموت دائرة علينا ... وما للمرء بد من نصيب
كأنك قد لحقت بهم قريبا ... ولا يغنيك إفراط النحيب
ويقول:
أبعد بياض الشعر أعمر مسكنا ... سوى القبر إني إن فعلت لأحمق
يخبرني شيبي بأني ميت ... وشيكا وينعاني إلي فيصدق
стр. 8355
كأني بجسمي فوق نعش ممددا ... فمن ساكت أو معول يتحرق
إذا سئلوا عني أجابوا وأعولوا ... وأدمعهم تنهل: هذا الموفق
وقال في عزة النفس وعدم ابتذالها:
لا تجلسن بباب من ... يأبى عليك دخول داره
وتقول حاجاتي إلي ... هـ يعوقها إن لم أداره
اتركه واقصد ربها ... تقضى ورب الدار كاره
стр. 8356
وفاته:
توفي أبو محمد الموفق ابن قدامة يوم عيد الفطر سنة (٦٢٠) للهجرة، وله تسع وسبعون سنة، وخلف بنتين وثلاثة ذكور، وهم: محمد ويحيى وعيسى، ماتوا كلهم في حياته ولم يبق له عقب. ﵀ رحمة واسعة وجمعنا به في مستقر رحمته.
стр. 8357
التعريف بالكتاب المحقق
اسمه وتوثيق نسبته للمؤلف:
لقد دون على غلاف المخطوطة ما نصه: كتاب "البرهان في بيان القرآن " تأليف: الشيخ الإمام العالم العلامة إمام المسلمين موفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي - رحمه الله تعالى وعفا عنه.
ذكره الإمام الذهبي (ت ٧٤٨) هـ في سير أعلام النبلاء ضمن مؤلفات الموفق باسم "البرهان"، وذكر أنه جزء. وذكره ابن شاكر (ت ٧٦٤) هـ في فوات الوفيات كما ذكره الذهبي، غير أنه قال إنه جزءان.
وذكره كل من ابن رجب (ت ٧٩٥) هـ، وابن العماد (ت ١٠٨٩) هـ، والبغدادي (ت ١٣٣٩) هـ باسم "البرهان في مسألة القرآن". وذكر
стр. 8358
ابن رجب أنه جزء. كل هذه الأسماء الثلاثة- كما ترى. متفقة على أن اسمه "البرهان "، وأنه لأبي محمد الموفق ابن قدامة، غير أن التسمية الأولى تزيد في بيان القرآن، والتسمية الثالثة تصفه بأنه في مسألة القرآن.
والتسمية الأولى "البرهان في بيان القرآن" لم أجد من ذكرها غير ما سطر عنوانا للمخطوطة. ويظهر لي أن ابن قدامة لم يسمه إلا بـ "البرهان " فقط، وهذه الزيادة إنما هي من بعض النساخ.
واخترت التسمية الأولى دون غيرها لاعتبارات، منها: -
١ - أن هذه التسمية هي المثبتة في المخطوطة، وهي نسخة فريدة، كما سنبين هذا قريبا.
٢ - أن دلالة جملة "في بيان القرآن" على مضمون ما في المخطوطة أدق، حيث رد المصنف على القول: إن حروف القرآن مخلوقة بأدلة مسهبة من القرآن والإجماع وأقوال العرب، ثم قرر مذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسألة بنصوص من القرآن والسنة فقط، ولم يعول على أدلة أهل الكلام.
٣ - لو وصف بـ "بيان مسألة القرآن" لدلت على الرد على المعتزلة بقولهم بخلق القرآن بأدلة عقلية فقط على طريقة المتكلمين، وابن قدامة لم يسلك مسلكهم في هذا؛ بل بين أن الأشاعرة ومن سايرهم قد أخطئوا في ردهم على المعتزلة بأسلوبهم وطريقتهم الكلامية، حيث وقعوا فيما فروا منه فوافقوهم حيث أرادوا مخالفتهم.
стр. 8359
وصف النسخة الخطية:
هي نسخة فريدة بقسم المخطوطات بالمكتبة المركزية- بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية برقم [٢٢١٩ - علوم وقرآن]، وهي (١٧)
стр. 8360
لوحة تتراوح أسطرها من ٢٣ - ٢٤، وتتراوح عدد كلمات كل سطر من ١٢ - ١٤ كلمة، ومقاس اللوحة من ٢٥: ١٧ سم. وهي ضمن مجموع. وهذه النسخة مصورة من مكتبة الشيخ سليمان بن عبد الرحمن الحمدان بمكة المكرمة رقم (٤٢).
وهي بخط مقروء، كثيرة الأخطاء النحوية والإملائية.
والنسخ بقلم عبد العزيز بن سليمان بن عبد الوهاب في شهر محرم سنة ١٢٥٦ هـ. وقد نسخت هذه عن النسخة الأولى التي كتبت سنة ١٢٢٩ هـ. وكان في النسخة الأم ما صورته: فرغ منه يوم الأحد في الغر الأول من ذي الحجة سنة (٦١٦) هـ. ولا يوجد على المخطوطة أي سماعات أو تهميش غير هذه الأبيات الشعرية مكسرة الوزن: -
يقولون لي هلا سعيت مشمرا ... لجمع اللهي من عند باد وحاضر
وإياك والتشمير في العلم إنه ... صفة لفقر مدقع متكاثر
فقلت رضيت العلم حسبا ومطلبا ... ومالا وذخرا وهو خير الذخائر
ونعم من قد قال من قبل ناظما ... نظما ما حلا حسنا نفيس الجواهر
إذا أبقت الدنيا على المرء دينه ... فما فاته منها فليس بضائر
стр. 8361
من هو الناسخ: (١).
هو: الشيخ عبد العزيز بن سليمان بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن أحمد بن راشد الوهبي التميمي، ينتمي نسبه إلى عدنان، وهو ابن أخي الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب، ولد في بلدة حريملاء، وقرأ على والده، وكان قاضيا فاضلا وانتقل مع والده إلى الدرعية سنة ١١٩٠ هـ وأجرى لهم عمه الشيخ محمد بن عبد الوهاب من النفقة ما يكفيه
стр. 8362
وأهله، وتفرغ لطلب العلم على عمه المجدد وعلماء الدرعية، وبقي فيها حتى دمرها إبراهيم باشا، ثم عاد إلى حريملاء حتى جاءت الحملة التركية الثانية بقيادة حسين بك سنة ١٢٢٦ هجرية، وقبض على الشيخ عبد العزيز ونهب ماله وحبسه ونكل به، وأشعل النار في مكتبته، ثم أفرج عنه وذهب إلى الأحساء وأقام بها، حتى توفي سنة ١٢٦٤ هـ- ﵀ وغفر له-.
стр. 8363
موضوع الكتاب وأهميته:
يبحث الكتاب في حقيقة الحرف في القرآن الكريم، وهل هو قديم أو حادث؟ وهو بيان بخطأ الأشاعرة أثناء ردهم على المعتزلة بالقول بخلق القرآن، وأسلوب الكتاب في معالجة هذه القضية أسلوب متفرد؛ حيث لم يستخدم الكلام الجدلي والإلزامات العقلية كعادة أهل الكلام ومن شابههم، ولكنه عالجها عن طريق الآيات الصريحة في الدلالة والأحاديث الصحيحة في المعنى، مع استخدام دلالة اللغة العربية على المعنى المراد؛ وهذا منهج أهل السنة والجماعة الذي جاهد فيه ووقف عنده الإمام أحمد بن حنبل ﵀، ويعتبر الإمام الموفق رائدا في هذا المنهج التأليفي، ولما جاء ابن تيمية وتلميذه ابن القيم سلكا مسلكه- عليهم ﵀ ورضوانه-.
ومما يزيد الكتاب أهمية: أنه لم يطبع من قبل، بل إن ابن قدامة والحنابلة كلهم لا يكاد يعرف لهم مؤلفات برزوا فيها غير الفقه، وهذا ظن مجانب للصواب؛ فإن مؤلفاتهم في الحديث وعلومه والقرآن وعلومه ليست بأقل من الفقه، بل تزيد، غير أن المطبوع منها لا يكاد يذكر، في حين أن فقههم حظي بخدمة لم يحظ بها التفسير وعلوم القرآن.
ومن أهمية هذا الكتاب: أنه لابن قدامة خاصة، أبرز علماء الحنابلة في عصره، صاحب التصنيف البارع والصيت الذائع.
стр. 8364
منهج التحقيق:
لقد اتبعت الخطوات التالية في تحقيق (البرهان في بيان القرآن) لابن قدامة.
على النحو التالي: -
أ- وضعت بين هذه المعقوفتين []، كل ما زدته على النص، مما توقف عليه المعنى واقتضاه السياق، وأشرت إلى ما جاء في أصل المخطوطة في الهامش.
٢ - ترجمت ترجمة صغيرة للأعلام الوارد ذكرهم في المخطوطة.
٣ - عزوت الآيات إلى سورها من القرآن الكريم، وضعتها بين هذين القوسين ().
٤ - خرجت الأحاديث والآثار وبينت درجتها من الصحة، أو الضعف، ووضعتها بين قوسين صغيرين هكذا " ".
٥ - وضحت بالهامش ما رأيته غامضا من الألفاظ أو المعاني.
٦ - وضعت فهارس للآيات، والأحاديث، والآثار، والأشعار، والأعلام، والمصادر، والمراجع، والموضوعات.
стр. 8365
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الشيخ الإمام العالم إمام المسلمين موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي - رحمه الله تعالى ورضي عنه -: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد المصطفى وآله أجمعين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وحسبنا الله ونعم الوكيل.
مذهب أهل السنة والجماعة، والذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعون لهم بإحسان، ومن بعدهم من أئمة الإسلام: أن القرآن كلام الله القديم، وحبله المتين، وكتابه المبين، نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين بلسان عربي مبين؛ وهو سور، وآيات، وحروف، وكلمات. منه آيات محكمات هن أم الكتاب، وأخر متشابهات لمن قرأه فأعربه، فله بكل حرف عشر حسنات، نزله الله تنزيلا، ورتله ترتيلا، وسماه قولا ثقيلا، وعد على تلاوته أجرا عظيما، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ (١)، وشهد الله وملائكته بإنزاله على رسوله، وحض على [تدبره] (٢) وترتيله، وأخبرنا بأحكامه وتفصيله، ونص على تشريفه وتفضيله، وعجز الخلق عن الإتيان بمثله، أو تبديله. وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٣)، وقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٤).
стр. 8366
وقال: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (١).
وهو هذا الكتاب العربي الذي هو مائة وأربع عشرة سورة، أولها الفاتحة، وآخرها المعوذتان (٢)، مكتوب في المصاحف، متلو في المحاريب، مسموع بالآذان، متلو بالألسن له أول وآخر، وأجزاء، وأبعاض.
والدليل:
أن هذا هو القرآن، الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب: فمن وجوه:
أحدها: أن الله- سبحانه- تحدى الخلق بالإتيان بمثله، فقال سبحانه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٤) ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ (٥)، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٧).
стр. 8367
وقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ (١)، وقال: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ (٢).
والتحدي إنما وقع بالإتيان بمثل هذا الكتاب بغير إشكال، لأن ما في النفس لا يدرى ما هو، ولا يسمى سورا، ولا حديثا، فلا يجوز أن يقول: فأتوا بحديث مثل ما في [نفس] (٣) " الباري ". ولأن المشركين إنما زعموا أن النبي ﷺ افترى هذا القرآن وتقوله، فرد الله عليهم دعواهم بتحديهم بالإتيان بمثل ما زعموا أنه مفترى ومتقول دون غيره، وهذا واضح لا شك فيه.
الثاني: أنهم سموه شعرا، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ (٤).
ومن المعلوم أنهم عنوا هذا النظم؛ لأن الشعر كلام موزون، فلا يسمى به معنى، ولا ما ليس بكلام، فسماه الله- ﵎ ذكرا، وقرآنا مبينا، فلم [يبق] (٥) [شك] (٦)، لذي لب في أن القرآن هو هذا النظم دون غيره، وكذلك سموه مفترى. فقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٧)،
стр. 8368
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ (١) ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (٢) فرد الله عليهم قولهم، فقال: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٣). وقالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ (٤) فقال الله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ (٥) وهذا لا يتعلق إلا بهذا النظم، وقد رد الله عليهم وأخبر بكونه قرآنا.
стр. 8369
الثالث: أن بعض الكفار زعم أنه يقول مثله، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ (١). ومنهم من طلب تبديله، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ (٢)، ونهى بعضهم [بعضا عن سماعه وأمروا] (٣) باللغو فيه فقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ (٤) [وقال]: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (٥)، وقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (٦).
стр. 8370
ومن المعلوم البين: أن هذا كله لا يتعلق إلا بهذا الكتاب دون ما في النفس، فإن الكفار ما اعتقدوا في نفس الباري شيئا يريدون تبديله، أو يزعمون أنهم يقولون مثله، ولا ينهون عن سماعه، ولا التمسوا تبديله على غير النبي ﷺ مع إشارتهم إلى [حاضر] (١).
الرابع: أن الله سمى القرآن عربيا، فقال: ﴿قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ (٢)، أي غير مخلوق، وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (٣)، وقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (٤)، وقال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ (٥)، وسماه حديثا بقوله: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ (٧)، وقال: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ (٨)، وقال: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ (٩)، وإنما يتعلق هذا الوصف باللفظ دون المعنى.
الخامس: أن الله تعالى- أشار إليه إشارات [الحاضر] بقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (١٠) ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ﴾ (١١)،