← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 8366–8405 · переход к 8371.

стр. 8366

وقال: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (١). وهو هذا الكتاب العربي الذي هو مائة وأربع عشرة سورة، أولها الفاتحة، وآخرها المعوذتان (٢)، مكتوب في المصاحف، متلو في المحاريب، مسموع بالآذان، متلو بالألسن له أول وآخر، وأجزاء، وأبعاض. والدليل: أن هذا هو القرآن، الكتاب، والسنة، والإجماع. أما الكتاب: فمن وجوه: أحدها: أن الله- سبحانه- تحدى الخلق بالإتيان بمثله، فقال سبحانه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٤) ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ (٥)، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٧).

стр. 8367

وقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ (١)، وقال: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ (٢). والتحدي إنما وقع بالإتيان بمثل هذا الكتاب بغير إشكال، لأن ما في النفس لا يدرى ما هو، ولا يسمى سورا، ولا حديثا، فلا يجوز أن يقول: فأتوا بحديث مثل ما في [نفس] (٣) " الباري ". ولأن المشركين إنما زعموا أن النبي ﷺ افترى هذا القرآن وتقوله، فرد الله عليهم دعواهم بتحديهم بالإتيان بمثل ما زعموا أنه مفترى ومتقول دون غيره، وهذا واضح لا شك فيه. الثاني: أنهم سموه شعرا، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ (٤). ومن المعلوم أنهم عنوا هذا النظم؛ لأن الشعر كلام موزون، فلا يسمى به معنى، ولا ما ليس بكلام، فسماه الله- ﵎ ذكرا، وقرآنا مبينا، فلم [يبق] (٥) [شك] (٦)، لذي لب في أن القرآن هو هذا النظم دون غيره، وكذلك سموه مفترى. فقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٧)،

стр. 8368

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ (١) ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (٢) فرد الله عليهم قولهم، فقال: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٣). وقالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ (٤) فقال الله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ (٥) وهذا لا يتعلق إلا بهذا النظم، وقد رد الله عليهم وأخبر بكونه قرآنا.

стр. 8369

الثالث: أن بعض الكفار زعم أنه يقول مثله، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ (١). ومنهم من طلب تبديله، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ (٢)، ونهى بعضهم [بعضا عن سماعه وأمروا] (٣) باللغو فيه فقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ (٤) [وقال]: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (٥)، وقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (٦).

стр. 8370

ومن المعلوم البين: أن هذا كله لا يتعلق إلا بهذا الكتاب دون ما في النفس، فإن الكفار ما اعتقدوا في نفس الباري شيئا يريدون تبديله، أو يزعمون أنهم يقولون مثله، ولا ينهون عن سماعه، ولا التمسوا تبديله على غير النبي ﷺ مع إشارتهم إلى [حاضر] (١). الرابع: أن الله سمى القرآن عربيا، فقال: ﴿قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ (٢)، أي غير مخلوق، وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (٣)، وقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (٤)، وقال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ (٥)، وسماه حديثا بقوله: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ (٧)، وقال: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ (٨)، وقال: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ (٩)، وإنما يتعلق هذا الوصف باللفظ دون المعنى. الخامس: أن الله تعالى- أشار إليه إشارات [الحاضر] بقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (١٠) ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ﴾ (١١)،

стр. 8371

[وقال]: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ (١)، [وقال]: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ (٢). والحاضر عندنا هو هذا الكتاب العربي. السادس: أن الله- تعالى- أخبر بتنزيله، وشهد بإنزاله على رسوله، فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ (٣)، وقال سبحانه: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ (٤). وقال سبحانه: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (٥)، والمنزل على رسول الله ﷺ هو هذا الكتاب دون ما في النفس. السابع: أن الله- تعالى- أمر بترتيله، ونهى عن العجلة وتحريك اللسان به متعجلا، فقال سبحانه: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (٦)، وقال: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ (٧)، وقال: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ (٨). ولا يتعلق هذا بما في النفس البتة، وإنما يتعلق بهذا الكتاب.

стр. 8372

الثامن: أن الله- تعالى- أمر بقراءته، والاستماع له، والإنصات إليه، وأخبر أنه يسمع [ويتلى] (١)، فقال: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (٤). وهذا من صفات الوجود عندنا، لا من صفة ما في النفس الذي لا يظهر [للحس] (٥) ولا يدرى ما هو. التاسع: أن الله- تعالى- أخبر أن منه سورا وآيات وكلمات، فقال تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ (٦)، وقال: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ (٧). وقال: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ (٨)، وقال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ (٩)، وقال: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ (١٠)، وقال: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ (١١)، وقال ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ (١٢)،

стр. 8373

وقال: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (١)، وقال: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ (٢)، وقال: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (٣)، وقال: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ (٤). العاشر: أن القرآن كتاب الله العربي الذي أنزله على محمد ﷺ وكتاب الله سور، وآيات، وحروف، وكلمات بغير خلاف. والدليل: على أن كتاب الله هو القرآن، قول الله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ (٥) ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (٦). وقال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ (٧) ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ (٨)، فسموا القرآن الكتاب. وقال في موضع آخر: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ (٩). وأجمع المسلمون على أن كتاب الله المنزل على محمد ﷺ هو القرآن.

стр. 8374

فهذه عشرة أوجه دالة على ما ذكرنا، ولولا كراهة التطويل لزدت عليها، لكن من لا يكتفي بهذه وينتفع بها، لم ينتفع بالزيادة عليها.

стр. 8375

وأما السنة: فمن وجهين: أحدها: قول النبي ﷺ . والثاني: سكوته. أما قوله فكثير، فنقتصر على ما يكفي: منها: ما روى أبو الأحوص عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: «هذا القرآن مأدبة الله تعالى، فتعلموا مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل الله، وهو النور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة [لمن] تبعه، لا يعوج فيقوم، ولا يزيغ [فيستعتب] (٢)، ولا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الرد، فاتلوه، فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات ألا إني لا

стр. 8376

أقول: الم حرف، ولكن ألف عشر، ولام عشر، وميم عشر» رواه أبو عبيد في فضائل القرآن. فأشار إلى [حاضر] وأمر بتلاوته، وأخبر أنه حروف، وقال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه (١)» وقال: «إن الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع

стр. 8377

السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن وهو (٢)» متفق على معناه. وعن سهل بن سعد قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نقتري - يقري بعضنا بعضا- فقال: الحمد لله، كتاب الله واحد فيه الأحمر والأسود، اقرءوا، اقرءوا، قبل أن يجيء أقوام يقيمونه كما يقام القدح لا يجاوز تراقيهم يتعجلون أجره، ولا يتأجلونه (٤)».

стр. 8378

وفي لفظ: «يقيمون حروفه إقامة السهم». فقال النبي ﷺ : «إنه طرأ علي حزب من القرآن، فكرهت أن أخرج من المسجد حتى أقضيه (١)». قال أوس الثقفي: فسألت أصحاب رسول الله ﷺ فكيف يحزبون القرآن؟ قالوا: ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة سورة، وثلاث عشرة سورة، وحزب المفصل ما بين قاف إلى أسفل. «وقال لأبي (٢): يا أبا المنذر، أي آية في القرآن أعظم؟

стр. 8379

فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (١) فضرب صدره، فقال: ليهنك العلم أبا المنذر». وقال: «إن سورة في القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له، وهي: (٣)». وقال: «ثلث القرآن (٥)».

стр. 8380

وقال: «تعدل ربع القرآن، وإذا زلزلت تعدل نصف القرآن (٢)». وقال رسول الله ﷺ : «أعربوا القرآن (٣)». وقال: «لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم (٤)». وقال: «من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات، ومن

стр. 8381

قرأه فلحن فيه فله بكل حرف حسنة (١)» حديث صحيح. وقال: «اقرءوا القرآن فإنكم تؤجرون بكل حرف منه عشر حسنات، ألا إني لا أقول: الم حرف، ولكن ألف عشر، واللام عشر، والميم عشر (٢)». وقال: «من قرأ حرفا من القرآن كتب الله- ﵎ له به عشر حسنات». الياء، والتاء، والواو (٣).

стр. 8382

وروى أنس بن مالك عن النبي ﷺ فقال: «من قرأ حرفا من كتاب الله- زوجه الله- ﵎ زوجتين من الحور العين (١)». فهذه الأخبار وما شابهها تدل على أن النبي ﷺ ما أراد بالقرآن سوى هذا الكتاب المنزل عليه، الذي يعرفه المسلمون قرآنا، ولم يرد به ما تقول هذه الطائفة إنه معنى في نفس الباري. لا يظهر للحس، ولا ينزل، ولا له آخر، ولا أول، ولا يدري ما هو ولا هو سور، ولا آيات، ولا حروف، ولا كلمات، ولولا التطويل لذكرت هذه الأحاديث بأسانيدها، وبينت في كل خبر وجه الاحتجاج منه: لكن تركت ذلك لظهوره تخفيفا.

стр. 8383

وأما الحجة في سكوت (١) النبي ﷺ فمن وجهين: أحدها: أنه لو كان القرآن ما قالوا؛ لوجب على النبي ﷺ

стр. 8384

بيانه وتعريفه، فإنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه - بالاتفاق- وما أشد حاجة [الأمة] (١) إلى معرفة القرآن الذي فيه ذكرهم وشرفهم، قال "أهل التفسير" في قول الله- : ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ (٢) أي: شرفكم. وقال بعضهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ (٣). هو: القرآن فإن كل الأمة لم تسمع من النبي ﷺ ، فكيف لا [يحتاج] (٤) المسلمون إلى معرفة القرآن الذي شرفهم الله به، وجعله بشيرا، ونذيرا، ومناديا لهم، وداعيا إلى الهدى، وحجة، ونورا، وبرهانا وشفاء، ورحمة، ومعجزا لنبيهم- ﵇، (ومعرفا) (٥) للأحكام: من الحلال والحرام، والصلاة، والزكاة، والحج، والصيام، وسائر الأحكام، والذي جعل الله الأجر في تلاوته واستماعه، وكتابته، وحفظه، وأمرنا بتعظيمه، وتوقيره، ورفعه، ونهانا عن مسه محدثين، وعن السفر به إلى بلاد أرض العدو، وعن قراءته في حال الجنابة، وجعله شرطا للصلاة، وأمر النبي ﷺ بتبليغه، والإنذار به، فهذا مما لا يجوز للنبي ﷺ أن يهمل بيانه، ولا يكتمه عن أمته، سيما وقد أمره الله بالتبليغ، وفرضه عليه، وتوعده على تركه

стр. 8385

أمته؛ سيما وقد أمره الله بالتبليغ، وفرضه عليه، وتوعده على تركه، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (١)، وقال: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ (٢)، وقال مخبرا عن النبي ﷺ : ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (٣)، أي: ومن بلغه القرآن. ومع شفقة النبي ﷺ على أمته، وحرصه عليهم، وعزة عنتهم عليه، فهل يجوز أن يتوهم المتوهم: أن النبي ﷺ كتم عن أمته بيان القرآن، وعصى أمر ربه، ولم يبلغ رسالته، وغش أمته، وتركهم يعتقدون الباطل، ويضلون عن الحق، ويضيعون عن الصواب، مع علمه بضلالهم، وإمكانه من هدايتهم بكلمة واحدة، فلا يقول في ذلك حرفا، ولا شيئا مما لا يسوغ لمسلم أن يعتقده، والنبي ﷺ يقول لهم في خطبته في حجة الوداع: «ألا هل بلغت؟ ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. فرفع أصبعه إلى السماء وقال: اللهم فاشهد (٤)». ويقتضي قول هذه الطائفة: أن النبي ﷺ ما بلغ، وأنه [كاذب] (٥) في دعواه التبليغ، وأصحابه كاذبون في شهادتهم له، وأن كل مسلم شهد للنبي ﷺ بتبليغ الرسالة، والنصح لأمته، فهو كاذب في شهادته.

стр. 8386

فليت شعري أيزعمون أن النبي ﷺ ترك بيان هذا الأمر قصدا لإضلال أمته وإغوائهم، أو غفلة منه، وأن [أستاذهم قصد] (١) لما غفل عنه النبي ﷺ وخلفاؤه، والسادة من صحابته وتابعيهم، والأئمة من بعدهم، فبين الصواب، وأتم تبليغ الرسالة، [وقصد] (٢) لما لا يعلمه الله- تعالى- وخفي عن رسوله، وأمته. أن من رضي لنفسه [] (٣) هذا، لأهمل أن لا يكلم أصلا (٤). الوجه الثاني، من الثاني: لو قدرنا أنه ساغ للنبي ﷺ السكوت عن بيان القرآن، فكيف ساغ له إيهام أمته؟ أن القرآن غير ما هو قرآن، بما تلاه من الآيات [التي] (٥) ذكرناها، والأخبار التي رويناها ليضل أمته بذلك عن الصواب، ويعتقدوا غير الحق، ويصيروا حشوية مجسمين- كما يعتقد فينا خصومنا- ولو كان ذاك، لكان النبي ﷺ هو المضل لأمته، والمغوي لهم، والداعي لهم إلى صراط الجحيم، والمانع لهم من الصراط المستقيم.

стр. 8387

واعتقاد هذا كفر بالله العظيم، وخروج عن دائرة المسلمين. فهذه دلالة قاطعة في أن القرآن هو ما يعتقده المسلمون قرآنا لا غير.

стр. 8388

وأما الإجماع: فإن أصحاب النبي ﷺ ما كانوا يعتقدون أن القرآن سوى هذا الذي نعتقده قرآنا. دلت على ذلك: أقوالهم، وأحوالهم، فإنهم: سموا حروفه وآياته وكلماته وأحزابه، وذكروا قرآنه، واستماعه على نحو ما ذكرنا عن النبي ﷺ . فقال أبو بكر وعمر ﵄: "إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه ".

стр. 8389

وسئل علي عن الجنب، هل يقرأ القرآن؟ قال: "ولا حرفا" (١)، وروي عنه أنه قال: "من كفر بحرف من القرآن، فقد كفر به كله ". وقال علي ﵁: "تعلموا البقرة، فإن بكل حرف منه حسنة، والحسنة بعشر أمثالها. ولا أقول: الم حسنة، ولكن ألف حسنة، ولام حسنة، وميم حسنة". وقال ابن مسعود ﵁: "ما من مؤمن يقرأ حرفا من القرآن، ولو شئت لقلت اسما تاما، ولكن حرفا، إلا كتب الله- تعالى- له بكل حرف عشر حسنات، أما إن الحرف ليس بالآية، والكلمة، ولكن ألم ثلاثون حسنة". وفي رواية قال: "أما إني لست ممن يزعم أن بكل آية عشر حسنات، ولكن أزعم أن بكل حرف من حروف

стр. 8390

المعجم عشر حسنات". وروي عنه أنه قال: "إن هذا القرآن مأدبة الله، فتعلموا من مأدبته ما استطعتم، اتلوه فإن الله يأجركم بكل حرف منه عشر حسنات، لم أقل لك: ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف ". وقال ابن مسعود: "أنتم اليوم في زمن كثير فقهاؤه، وقليل قراؤه، وتحفظون حدود القرآن، وتضيعون حروفه، وسيأتي زمان قليل فقهاؤه كثير قراؤه، يحفظون حروفه ويضيعون حدوده" ذكره مالك بن أنس في الموطأ. وقال ابن مسعود: "من حلف بالقرآن فعليه بكل آية كفارة" وروي عنه: بكل حرف.

стр. 8391

وقال عبد الله بن عمر: "إذا خرج أحدكم لحاجته، ثم رجع إلى أهله، فليأت المصحف، فيفتحه ويقرأ سورة، أو قال: سورا، فإن الله يكتب له بكل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول: ألم حرف، ولكن ألف عشر، ولام عشر، وميم عشر ". وروى عوف بن مالك، وأنس عن رسول الله ﷺ : «من قرأ حرفا من كتاب الله كتب الله له به حسنة (١)». وقال فضالة بن عبيد: "خذ على هذا المصحف، ولا ترد على ألف، ولا واو إلا آية كاملة ". وقال عمر بن الخطاب ﵁: "تعلموا إعراب القرآن،

стр. 8392

كما تتعلمون حفظه" وقال: "جردوا القرآن". وقال زيد بن ثابت: "أرسل إلي أبو بكر بعد مقتل أهل اليمامة، وإذا عنده عمر، فقال لي: إنك رجل شاب عاقل، ولا نتهمك، قد كنت تكتب الوحي لرسول الله- ﷺ فتتبع القرآن فاجمعه ". قال: " فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال، ما كان أثقل علي من ذلك، فقلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله- ﷺ ؟ فقال أبو بكر: هو والله خير. قال: فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع، والعسب (١)، واللخاف (٢)، وصدور الرجال " (٣).

стр. 8393

فهذا وأشباهه مما لا سبيل إلى إحصائه دليل على أن القوم ما اعتقدوا قرآنا، سوى هذا الذي هو حروف منظومة، وآيات معلومة، وكذلك من بعدهم من أهل الإسلام، وكلامهم في هذا كثير، وما علمت أحدا من أهل الإسلام جحد كون هذا قرآنا: سوى هذه الطائفة، ثم أجمعوا مع المسلمين على أنهم متى تلوا آية، قالوا: قد قال الله كذا، وقول الله هو كلامه. وأجمع (١) المسلمون على أن القرآن يقرأ، ويسمع، ويكتب، ويحفظ، وهذه الصفات [لا نؤلها] (٢) بما لم ينزل إلينا ما لا يدري ما هو، وأجمعوا على أن القرآن: أنزل على محمد ﷺ وأنه معجز للنبي- ﷺ الذي يتحدى الله الخالق بالإتيان بمثله، وعجزوا عنه. وأجمعوا: على أن في القرآن ناسخا، ومنسوخا، ولا يتعلق ذلك إلا بهذا النظم. وأجمعوا: على أن القرآن الذي يشترط قراءته في الصلاة، ويمنع الجنب من قراءته، والمحدث من مسه، ويمنع من السفر به إلى أرض العدو، [هو هذا] (٣) دون غيره. وأجمعوا: على أن الوقوف الموقوفة على قراء القرآن أو على كتبته، أو على حافظيه يصرف إلى من قرأ هذا، وكتبه وحفظه. وأجمعوا: على أن تفسير هذا الكتاب يسمى: تفسير القرآن، وأن قارئه يسمى: قارئ القرآن، وأن من يقريه يسمى: مقرئ القرآن، وأن

стр. 8394

سوره تسمى: سور القرآن، وآياته تسمى: آيات القرآن، وحروفه تسمى: حروف القرآن، ولو قال إنسان: سورة البقرة ما هي من القرآن، لكان عند المسلمين جاحدا لبعض القرآن. وما اختلف الصحابة في شيء من سور القرآن- فيما علمت- إلا في المعوذتين، فإن بعضهم لم يكتبها في مصحف (١) وأجمعوا على ما عداهما. وأجمعوا: على أن من جحد سورة من القرآن، أو آية، أو كلمة، أو حرفا متفقا عليه أنه كافر. قال أبو نصر [السجزي]: هذا حجة قاطعة أنه حروف. وأجمعوا: - فيما علمت- على أن حالفا لو حلف ليقرأن القرآن، أو ليكتبن القرآن، أو ليحفظنه أو ليسمعنه [لحنث بترك] (٢)

стр. 8395

كل قراءة هذا، وكتابته، وحفظه، وسماعه، ولو حلف أنه: لا يقرأ القرآن، أو لا يكتبه، أو لا يحفظه، أو لا يسمعه، لحنث بقراءة هذا، وكتابته، وحفظه، وسماعه، ولو حلف أن لا يتكلم فقرأ القرآن في الصلاة لم يحنث، ولما اختلف أهل الحق والمعتزلة في القرآن، هل هو مخلوق أو لا؟، ما اختلفوا إلا في هذا الكتاب.

стр. 8396

[فصل] واتفق الجميع على أنه قرآن، واختلفوا في قدمه وخلقه، ومن صورة الاختلاف (١) الاتفاق على محله، فحصل الإجماع من أمة محمد- ﷺ على أن هذا الكتاب: هو القرآن المنزل، وثبت بالأدلة القاطعة [. . . .] (٢) أن هذا قرآن، فلا يلتفت إلى من خالف ذلك، وإذا ثبت أنه قرآن، فهو سور وآيات، وكلمات، وحروف بغير إشكال، وإنكار ذلك جحد للعيان، ونوع من السفسطة والهذيان، ومن العجب أن الله- تعالى- سمى هذا الكتاب: قرآنا، وسماه النبي- ﷺ قرآنا، وسمته أمته: قرآنا، وسمته الجن: قرآنا ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ (٣) وسمته المعتزلة: قرآنا، فجاءت هذه الطائفة بمخالفة رب العالمين، وخلقه أجمعين.

стр. 8397

وقالت: ما هذا بقرآن قصدا للرد على المعتزلة قولهم: القرآن مخلوق، فجاءت بطامة، إذ من لوازمها: كون القرآن مخلوقا، فإن المعتزلة لم يعنوا بالقرآن المخلوق سوى هذا الكتاب، وهذه الطائفة تقول: هو، وليس بقرآن، فليتها صرحت بقول المعتزلة، ووقفت عليه، ولم تفرد هذه الزيادة التي لم يقلها قبلها أحد، ثم إنهم مع جحدهم كون هذا [قرآنا] (١) لا يتجاسرون على إظهار مقالتهم بسلاطين المسلمين، ولا لعامتهم، وإنما يظهرون لهم إنكار الحروف، لكون لفظها لم يرد في نص الكتاب، وهذا إنما يلبس [على]، (٢) عامي غمر ما له من فطنة، فيعلم يقينا أن السورة آيات، والآيات كلمات، والكلمات حروف، ولا شك في ذلك، ثم قد صرح النبي- ﷺ ، وأصحابه والتابعون، ومن بعدهم بالحروف، وعد الناس حروف القرآن في الأمصار، ولم ينكر هذا منكر قبل هذه الطائفة، وما أنكرت هذه الطائفة الحروف على الخصوص، إنما أنكرت هذه الطائفة (٣) القرآن كله وجحدته، ثم إن الله- تعالى- قد أزاح العلة [بتلك] (٤) الحروف المقطعة في أوائل السور، فافتتح تسعا وعشرين سورة بالحروف المقطعة قطعا للعذر، ونفيا للإشكال، حتى أني سمعت بعض أهل العلم يقول: إن من جحد سورة البقرة من القرآن فهو كافر بالإجماع، ومن أقر أنها من القرآن فقد أقر بالحروف، يعني:

стр. 8398

أن في أولها: ألم، وهي حروف، وزعم بعض متحذلقي هذه الطائفة أن: ألم، ليست حروفا، وإنما هي أسماء للحروف، فخالفوا النبي- ﷺ وأصحابه، والأمة، فإنهم يسمون هذه حروفا، ثم لا ينفعه هذا، فإن أسماء الحروف: حروف، فالألف ثلاثة أحرف، واللام ثلاثة أحرف والميم ثلاثة أحرف، إنما هي تسعة، (١) فتحذلق (٢) فزلق كما قيل. هكذا كل أخي حذلقة ... ما مشى في مس إلا زلق ثم أي شيء يفيده ستر (٣) واحد إلى كون: ألم حروفا مع تسليمه، ما بعدها إلى آخر السورة حروف، فإن ذلك ثلاثة أحرف، والكتاب خمسة أحرف، وكذلك ما بعدها، فلو صح ما قالوا لم يفده قليلا ولا كثيرا على أن القوم ما نزاعهم في أن هذا القرآن حروف، وهذا شيء لا يمكن جحده، إنما جحدوه بالكلية، فقالوا ما هذا قرآنا أصلا. فإن سلم المتحذلق أن هذا قرآن، ولكن قال: لا أسميه حروفا كان [موافقا] (٤) في المعنى، مخالفا في التسمية، فلا فائدة في النزاع فيه. وقال (٥) بعضهم: هذا الكتاب قرآن لكنه مخلوق، والقرآن القديم في نفس الباري، فوافق المعتزلة في أن القرآن مخلوق. وادعى دعوى فرق

стр. 8399

بها الإجماع، وخالف بها المسلمين، فإننا لم نسمع أن [أحدا] (١) من الأمة قال هذه المقالة قبل هذا [القائل] (٢) وليس له عليها دليل من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قول صحابي، ولا إمام مرضي، والعقل لا يقتضي وجود قرآن، ولا تسمية، إنما يعلم ذلك بالنقل الصحيح القاطع. وليس مع هذا المدعي سوى مجرد الدعوى لا يثبت بها شيء، ثم إنه لو قدر أنه ذكر دليلا [لكان] (٣) مخالفا للإجماع، فإن الأمة مجمعة على أنه ليس لنا إلا قرآن واحد. فمنهم من قال: هو كلام الله القديم، ومنهم من قال: هو مخلوق. فما خالف الإجماع فهو باطل. ثم كيف يتصور لهذا الأحمق أن النبي ﷺ [غفل] (٤) عن ذكر هذا لأمته مع حاجتهم إلى بيانه، وعصى ربه في ترك تبليغ رسالته وغش أمته بكتمان ذلك عنهم، وغفل عنه خلفاؤه ومن بعدهم حتى جاء فتنة لهذا واستدرك على النبي- ﷺ غفلته وكشف عز الأمة فيهم وهداهم عن الضلالة التي [أضلهم] (٥) رسولهم أن هذا المصحف عظيم. وعلى كل حال فقد سلم أن القرآن الذي بينته أنه قرآن بالكتاب والسنة والإجماع [و] (٦) هو سور وآيات وكلمات وحروف: وهذا هو الذي ادعيناه، وقد ثبت لنا ذلك، فلا يضرنا دعواه غير ذلك، فليدع ما شاء.

стр. 8400

[فصل] فإن قال القائل: لا يصح قولكم: إن القرآن حروف لوجوه: أحدها: أن الحروف لا تخرج إلا من مخارج وأدوات، ولا يجوز إضافة ذلك إلى الله- تعالى- لأنه تجسيم، والله سبحانه يتعالى عن ذلك. والثاني: أن الحروف تتعدد، والقديم لا يتعدد. والثالث: أنها تتعاقب [فتسبق] الباء السين، والسين الميم، وكل مسبوق مخلوق. الرابع: أن كلام الله شيء واحد، ليس له أول ولا آخر، ولا بعض، والحروف مختلفة متغايرة، لها أجزاء وأبعاض. فالجواب من وجوه: (١).

стр. 8401

أحدها: أنه ثبت أن القرآن هو هذا الكتاب الذي هو حروف. أدلة (١) قاطعة يقينية، فكل [ما خالف] (٢) يعلم كونه باطلا، فإن ما خالف اليقين فبطلانه يقين، وما بعد الحق إلا الضلال.

стр. 8402

الثاني: أن هذا الذي ذكروه من فن الكلام، وهو مجمع على ذمه وإنكاره، وأنه ليس بحجة ولا دليل. والدليل على الإجماع قول العلماء: قال ابن عبد البر: أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ، ولا يعدون عند الجميع في طبقات العلماء. وقال أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إسحاق بن [خويز منداد] البصري المالكي: أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام فكل متكلم فهو من أهل البدع والأهواء: أشعريا كان أو غير [أشعري] (١)، ولا تقبل لهم شهادة في الإسلام، ويهجرون ويؤدبون على [بدعتهم] (٢).

стр. 8403

وقال الشافعي - رحمة الله عليه-: لأن يبتلى المرء بكل ما نهى الله عنه، ما عدا (١) الشرك، خير من أن ينظر في الكلام. وقال: لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء لفروا منه كما يفر من الأسد. وقال: من أبدر (٢) في الكلام لم يفلح. وقال: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد، ويطاف بهم في العشائر والقبائل [وينادى عليهم] (٣) هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام. وقال [أحد علماء شاش]: كل العلوم سوى القرآن مشغلة ... إلا الحديث وإلا الفقه في الدين العلم ما كان فيه قال: حدثنا ... وما سوى ذاك وسواس الشياطين

стр. 8404

وقال الإمام أحمد بن حنبل - رحمة الله عليه-: لا يفلح صاحب كلام أبدا، ولا تكاد ترى أحدا نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل. وقال أبو يوسف - رحمة الله عليه-: من طلب العلم بالكلام تزندق.

стр. 8405

وقال محمد بن شجاع الثلجي: سمعت الحسن بن زياد اللؤلؤي وقال له رجل في زفر بن الهذيل: كان ينظر في الكلام، فقال: سبحان الله، ما أحمقك، ما أدركت مشيختنا: زفر وأبا يوسف وأبا حنيفة ومن جالسنا، فأخذنا عنهم غير الفقه والاقتداء بمن [يقدمهم] (١). وقال جعفر الخواص: سمعت الجنيد بن محمد يقول: من كان سبيله [ومذهبه] (٢) الكلام لا يفلح.
следующие страницы →