← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 8541–8580 · переход к 8546.

стр. 8541

إن في كليهما يدفع الشخص قسطا ضئيلا دوريا لا يدري كم يستمر به دفعه وكم يبلغ مجموعه عند التقاعد وفي حكمها يأخذ الشخص أو أسرته في مقابل هذا القسط الدوري الضئيل مبلغا كبيرا دوريا أيضا في التقاعد وفوريا في التأمين على الحياة يتجاوز كثيرا مجموع الأقساط، ولا يدري كم يبلغ مجموعه من التقاعد إلى أن ينطفئ الاستحقاق وانتقالاته، بينما هو محدد معلوم المقدار في التأمين على الحياة، فالضرر والجهالة في نظام التقاعد أعظم منها في التأمين على الحياة. إن هذا النظام التقاعدي يقره علماء الشريعة الإسلامية كافة بلا نكير ولا يرون فيه أية شبهة شائبة من الناحية الشرعية، بل إنهم يرونه أساسا ضروريا في نظام وظائف الدولة ومصلحة عامة لا بد منها شرعا وعقلا وقانونا لصيانة حياة الموظفين العاملين في مصالح الدولة بعد عجزهم وحياة أسرهم إلى مراحل معينة من بعدهم، فلماذا يحسن وجود هذا النظام التقاعدي ترتبا يقوم بين الدولة وموظفيها ولا يجوز نظيره تعاقدا ملزما بين الناس؟ والخلاصة أن نظام التأمين التقاعدي بوجه عام تشهد لجوازه جميع الدلائل الشرعية في الشريعة الإسلامية وفقهها، ولا ينهض في وجهه دليل شرعي على التحريم ولا تثبت أمامه شبهة من الشبهات التي يتوهمها القائلون بتحريمه (١). ونوقش ذلك بما يأتي: أولا: إن قول المستدل: قد شهدت جميع الدلائل الشرعية في الشريعة الإسلامية وفقهها بجواز نظام التقاعد مجرد دعوى مبالغ فيها ليس معه

стр. 8542

من الأدلة الصحيحة ما يعتمد عليه فيها فضلا عن أن يكون لها أدلة لا تقوم أمامها شبهة توهم المنع. ثانيا: ادعى المستدل أن علماء الشريعة كافة في عصرنا أقروا نظام التقاعد دون أية شبهة وفي هذا من المبالغة ما في سابقه، وإنما هي دعوى يردها الواقع، فإن المسألة نظرية ويوجد من العلماء المعاصرين من يخالف فيها. ثالثا: إنه على تقدير اتفاقهم هل يعتبر ذلك إجماعا شرعيا صحيحا تثبت به الأحكام وهم يعترفون على أنفسهم بالتقليد. رابعا: قد يقال: إن كان ما اقتطع من مرتب الموظف لا يزال باقيا على ملكه مع ما قد ضم إليه إلا أنه قيد صرفه بزمن محدود وكيفية محدودة، فالكلام في حكمه كالكلام في حكم التأمين وقد تقدم، وربما كان التقاعد أشد؛ لأن ما فيه من الغرر والمخاطرة والمغامرة أشد، ولأن توزيعه يجري على غير سنن المواريث عطاء مستمرا أو مؤقتا أو حرمانا. خامسا: إنه يمكن أن يقال: إن ما جعل للموظف أو أتباعه من راتب تقاعدي يعتبر مكافأة التزم بها ولي الأمر باعتباره مسئولا عنه وعن أسرته، ووضع لصرفها نظاما راعى فيه مصلحته ومصلحة ألصق الناس به وأقربهم إليه من أسرته، كما راعى فيه ما بذله الموظف من جهد في خدمة الأمة. وعلى هذا لا يكون المعاش التقاعدي من باب المعاوضات المالية التجارية حيث كان مبناه مسئولية ولي الأمر عن رعيته ومقابلة أرباب المعروف فيهم بالمعروف، وإذن فلا شبهة بينه وبين عقود التأمين؛ فإنها معاوضات مالية تجارية استغلالية يقصد بها الربح، فالفرق واضح بين

стр. 8543

مكافآت من أولياء أمور الأمة المسئولين عن رعيتهم لمن قام بخدمة الأمة أو من يعنيه أمره، جزاء معروفه وبين عقود معاوضات تجارية تقصد بها شركات التأمين استغلال- المستأمنين والكسب من ورائهم بطرق غير مشروعة.

стр. 8544

ز- قياس التأمين على نظام العواقل في الإسلام: نذكر فيما يلي كلام بعض الفقهاء السابقين في بيان العاقلة، ثم نذكر بعده كلام الفقهاء المعاصرين في هذا الدليل مع المناقشة. أما كلام الفقهاء السابقين: فقال السمرقندي: ثم العاقلة من هم؟ فعندنا العاقلة هم أهل الديوان في حق من له الديوان وهم المقاتلة، ومن لا ديوان له فعاقلته من كان من عصبته في النسب. وعند الشافعي: لا يلزم أهل الديوان إلا أن يكونوا من النسب. والصحيح قولنا؛ لما روي عن إبراهيم النخعي أنه قال كانت الدية على القبائل، فلما وضع عمر ﵁ الدواوين جعلها على أهل الديوان وذلك بحضرة الصحابة ﵃ من غير خلاف، وتبين أنه إنما كان على أهل القبائل للتناصر، فلما صار التناصر بالديوان اعتبر الديوان لوجود المعنى، ولهذا لا تكون المرأة والصبي والعبد والمدبر والمكاتب من جملة العاقلة؛ لأنهم ليسوا من أهل التناصر ولا من أهل الإعانة بالشرع (١). وقال ابن جزي: وإنما تؤدي العاقلة الدية بأربعة شروط وهي أن تكون الثلث فأكثر، وقال ابن حنبل: تؤدي القليل والكثير، وأن تكون

стр. 8545

عن دم احترازا من قيمة العبد وأن تكون عن خطأ، وأن تثبت بغير اعتراف وإنما يؤديها منهم من كان ذكرا بالغا عاقلا موسرا في الدين والدار، وتوزع عليهم حسب حالهم في المال فيؤدي كل واحد منهم مالا يضربه، ويبدأ بالأقرب فالأقرب (١). وقال الشافعي: لم أعلم مخالفا أن رسول الله ﷺ قضى بالدية على العاقلة، وهذا أكثر من حديث الخاصة، ولم أعلم مخالفا في أن العاقلة العصبة وهم القرابة من قبل الأب، وقضى عمر بن الخطاب على علي بن أبي طالب ﵄ بأن يعقل عن موالي صفية بنت عبد المطلب وقضى للزبير بميراثهم؛ لأنه ابنها. قال: وعلم العاقلة أن ينظر إلى القاتل والجاني ما دون القتل مما تحمله العاقلة من الخطأ فإن كان له إخوة لأبيه حمل عليهم جنايته على ما تحمل العاقلة، فإن احتملوها لم ترفع إلى بني جده وهم عمومته، فإن لم يحتملوها رفعت إلى بني جده، فإن لم يحتملوها رفعت إلى بني جد أبيه، ثم هكذا ترفع إذا عجز عنها أقاربه إلى أقرب الناس به، ولا ترفع إلى بني أب ودونهم أقرب منهم حتى يعجز عنها من هو أقرب منهم، كأن رجلا من بني عبد مناف جنى فحملت جنايته بنو عبد مناف، فلم تحملها بنو عبد مناف فترفع إلى بني قصي، فإن لم تحملها رفعت إلى بني كلاب، فإن لم تحملها رفعت إلى بني مرة، فإن لم تحملها رفعت إلى بني كعب، فإن لم تحملها رفعت إلى بني لؤي، فإن لم تحملها رفعت إلى بني غالب، فإن لم تحملها رفعت إلى بني فهر، فإن لم تحملها رفعت إلى بني مالك، فإن لم تحملها رفعت إلى بني النضر، فإن لم تحملها رفعت إلى بني كنانة

стр. 8546

كلها، ثم هكذا حتى تنفد قرابته أو تحتمل الدية " قال " ومن في الديوان ومن ليس من العاقلة سواء قضى رسول الله ﷺ على العاقلة ولا ديوان حتى كان الديوان حين كثر المال في زمن عمر بن الخطاب ﵁، وقال أيضا: ولم أعلم مخالفا في أن المرأة والصبي إذا كانا موسرين لا يحملان من العقل شيئا، وكذلك المعتوه عندي والله أعلم، ولا يحمل العقل إلا حر بالغ، ولا يحملها من البالغين فقير. فإذا قضي بها ورجل فقير فلم يحل نجم منها حتى أيسر أخذ بها وإن قضي بها وهو غني، ثم حلت وهو فقير طرحت عنه؛ إنما ينظر إلى حاله يوم حل. إلخ (١). وقال الفتوحي: وهي من غرم ثلث دية فأكثر بسبب جناية غيره وعاقلة جان ذكور عصبته نسبا وولاء حتى عمودي نسبه ومن بعد (٢). وأما كلام بعض الفقهاء المعاصرين: فقال الأستاذ مصطفى الزرقا: وأما نظام العواقل في الإسلام فهو نظام وردت به السنة النبوية الصحيحة الثبوت. وأخذ به أئمة المذاهب. وخلاصته أنه إذا جنى أحد جناية قتل غير عمد بحيث يكون موجبها الأصلي الدية أو القصاص فإن دية النفس توزع على أفراد عاقلته الذين يحصل بينه وبينهم التناصر عادة، وهم الرجال البالغون من أهله وعشيرته وكل من يتناصر هو بهم، ويعتبر هو واحدا منهم، فتقسط الدية عليهم في ثلاث سنين بحيث لا يصيب أحدا منهم أكثر من أربعة دراهم في السنة فإذا لم يف عدد أفراد العشيرة بمبلغ الدية في ثلاث سنين يضم

стр. 8547

إليهم أقرب القبائل والأقارب نسبا على ترتيب ميراث العصبات، فإذا لم يكن للقاتل عشيرة من الأقارب والأنساب وأهل التناصر كما لو كان لقيطا مثلا كانت الدية في ماله تقسط على ثلاث سنين، فإن لم يكن له مال كاف فعاقلته بيت المال العام أي خزانة الدولة، فهي التي تتحمل دية القتيل. وهناك اختلافات يسيرة بين المذاهب في الموضوع " ينظر ابن عابدين جزء / ٥ كتاب المعاقل وغيره من كتب المذاهب ". إن هذا النظام نظام العواقل خاص بتوزيع الموجب المالي في كارثة القتل الخطأ وتهدف الحكمة فيه إلى غايتين: الأولى تخفيف أثر المصيبة عن الجاني المخطئ. والثانية صيانة دماء ضحايا الخطأ من أن تذهب هدرا؛ لأن الجاني المخطئ قد يكون فقيرا لا يستطيع التأدية فتضيع الدية. قال ابن عابدين ﵀ في أول كتاب المعاقل من حاشيته " رد المحتار " نقلا عن المعراج ما نصه: إن العاقلة يتحملون باعتبار تقصيرهم وتركهم حفظه ومراقبته؛ لأنه إنما قصر لقوته بأنصاره، فكانوا هم المقصرين، وقد كانوا قبل الشرع الإسلامي يتحملون عنه تكرما واصطناعا بالمعروف، فالشرع قرر ذلك - أي أوجبه وجعله إلزاميا - وتوجد هذه العادة بين الناس فإن لحقه خسران من سرقة أو حرق يجمعون له مالا لهذا المعنى. انتهى كلام ابن عابدين. أقول: إن هذا الكلام صريح في أن نظام العواقل في الإسلام أصله عادة حسنة تعاونية كانت قائمة قبل الإسلام في توزيع المصيبة المالية الناشئة من القتل أو من الحرق أو السرقة ونحوها؛ بغية تخفيف ضررها عن كاهل من لحقته جبرا لمصابه، وإحياء لحقوق الضحايا في الجنايات، وقد أقر الشرع الفكرة

стр. 8548

لما فيها من مصلحة مزدوجة، وجعلها إلزامية في جناية القتل؛ لأن فيها مسئولية متعدية بسبب التناصر، وذلك بعد إخراج حالة العمد منها كما يقتضيه التنظيم القانوني، يقول: الرسول ﵊: «لا تعقل العواقل عمدا (١)» لكيلا يكون في معاونة العامة تشجيع على الجريمة، وهذا هو المنطق القانوني نفسه في عدم جواز التأمين من المسئولية قانونا عن فعل الغش وجناية العمد. وتركها اختياره للمروءات وفقا للتوجيه الشرعي العام في التعاون المندوب إليه شرعا في الكوارث المالية الأخرى. فما المانع من أن يفتح باب لتنظيم هذا التعاون على ترميم الكوارث، يجعله ملزما بطريق التعاقد والإرادة الحرة كما جعله الشرع إلزاميا دون تعاقد في نظام العواقل؟ وهل المصلحة التي يراها الشرع الإسلامي بالغة من القوة درجة توجب جعلها إلزامية بحكم الشرع تصبح مفسدة إذا حققها الناس على نطاق واسع بطريق التعاقد والمعاوضة التي يدفع فيها القليل لصيانة الكثير وترميم الضرر الكبير من مختلف الكوارث، وذلك لكي يصبح هذا الباب قابلا لأن يستفيد منه كل راغب، مع ملاحظة أن هذا التوسع في النطاق داخل في دائرة التعاون المندوب إليه شرعا بصورة غير إلزامية. يقول ابن القيم ﵀ في صدد ما يجوز من المشارطات العقدية شرعا: كل ما يجوز بذله وتركه دون اشتراط فهو لازم بالشرط. انظر: إعلام الموقعين طبعة المنيرية ج٣ ص ٣٣٩ - ٣٤٠ (٢) اهـ.

стр. 8549

واعترض عليه بأن العاقلة أسرة يربطها الدم وتربطها الرحم الموصولة، والتي أمر الله تعالى بوصلها، ويربطها التعاون على البر والتقوى، ويربطها التعاون في تحمل الغرم والاشتراك في كسب الغنم؛ فهل يشبهها بأي وجه من وجوه الشبه عقد جعلي ينشأ بالإرادة يكون بين شركة مستغلة، وطرف آخر يقدم إليها مالا كل عام أو كل شهر؟ إننا نستغرب كل الاستغراب هذا القياس بعد بيان الأستاذ الفاضل، بل إننا من بعده أشد استغرابا (١). وأجيب عن ذلك بأن تشبيه عقد التأمين بنظام العواقل في الإسلام من حيث فكرة التعاون لا يستلزم أن تكون شركة التأمين أسرة أو عشيرة للمؤمن له، كما أن العاقلة هي أسرة الجاني في القتل الخطأ. إن من المقرر في علم أصول الفقه أن طريق القياس الذي إليه يرجع الفضل الأعظم في تضخم الفقه الإسلامي هذه الضخامة لا يجب فيه الاتحاد المطلق في الصورة بين المقيس والمقيس عليه وإلا لما كان عندئذ حاجة لإجراء القياس؛ إذ يكون المقيس عندئذ فردا من أفراد المقيس عليه يدخل مباشرة تحت النص الشرعي الذي يقرر الحكم في المقيس عليه، بل يكفي في القياس التشابه بين المقيس والمقيس عليه في نقطة ارتكاز الحكم ومناطه وهي العلة، وهذا ما رأيناه في نظام العواقل الإسلامي، ونظام التأمين الحديث في بعض فروعه؛ ففي نظام العواقل تعاون إلزامي شرعا في تحمل المسئولية المالية عن القتل الخطأ، وفي نظام التأمين تعاون اختياري بطريق التعاقد على توزيع الموجب المالي (المسئولية المدنية) في حال التأمين من المسئولية وهو أحد فروع نظام التأمين فما أوجبه الشرع

стр. 8550

إيجابا في بعض الأحوال دون تعاقد لما فيه من مصلحة يمكن أن يسوغ نظيره تسويغا بطريق التعاقد في صور أخرى لمصالح أخرى تشبه تلك في المصلحة من حيث النفع التجاري والاقتصادي بوجه عام وتخفيف نتائج الكوارث والأخطار عمن يصاب بها وذلك بطريقة فنية لتوزيعها وتشتيتها (١). ويمكن أن يقال: لا يصح قياس عقد التأمين على نظام العواقل في الإسلام؛ لأنه قياس مع الفارق وتقرير ذلك من وجوه: الوجه الأول: إن الهدف من تحمل العاقلة عن الجاني هو النصرة الشرعية بكل ما تدل عليه هذه الكلمة من معنى، والهدف من إنشاء عقد التأمين ما هو إلا الاستغلال المحض للشركة المتعاقدة مع المستأمن. الوجه الثاني: نظام العواقل الخطر الذي يتحمل تراه مشتركا فكل فرد من أفراد العاقلة عضو يناله حظه من القسط الواجب عليه وقد يقع منه شيء وقد لا يقع. وإذا وقع منه شيء يوجب تحمل العاقلة عنه، فقد يكون أقل مما دفع أو أكثر أو مساويا، وليس بين ما يدفعه في حالة حصول الحادث من غيره وبين ما يدفع عنه في حالة وقوعه في الخطأ أي ارتباط، لكن بينهما ارتباط في موجب العقل فكان واضحا في باب التعاون وتحمل المسئولية. الوجه الثالث: إن القدر الذي يحمله الفرد من أفراد العاقلة يختلف باختلاف أوصاف الأفراد من غني وفقير، ودرجة متوسطة بينهما؛ فالفقير لا يحمل شيئا، وما يقدر عليه الغني والمتوسط يختلف باختلافهما، أما في

стр. 8551

عقد التأمين فالمقدر على الشركة إذا وقع الخطر يؤخذ حتما سواء كانت غنية أو فقيرة، فإن كانت غنية استلم منها، وإن كانت فقيرة بقي في ذمتها، وسواء أجحف بها أو لم يجحف بها فأين هذا من نظام العواقل؟ الوجه الرابع: ما تتحمله العاقلة مقدر شرعا وهو الدية، أما في عقد التأمين فيؤخذ المبلغ الموقع عليه في العقد، سواء كان أقل من الدية أو أكثر - هذا في التأمين على الحياة -

стр. 8552

ح- قياس التأمين على عقد الحراسة: نذكر فيما يلي ما تيسر من كلام الفقهاء السابقين في حكم عقد الحراسة، ثم نذكر بعده كلام الفقهاء المعاصرين في الاستدلال بهذا القياس على الجواز: أما كلام بعض الفقهاء السابقين: فقال أبو محمد بن غانم بن محمد البغدادي في أثناء الكلام على الأجير الخاص قال: النوع الثاني ضمان الحارس: استأجر رجلا لحفظ الخان، فسرق من الخان شيء لا ضمان عليه؛ لأنه يحفظ الأبواب، أما الأموال فإنها في يد أربابها في البيوت، وروي عن أحمد بن محمد القضي في حارس يحرس الحوانيت في السوق، فنقب حانوت فسرق منه شيء أنه ضامن؛ لأنه في معنى الأجير المشترك؛ لأن لكل واحد حانوتا على حدة، فصار بمنزلة من يرعى غنما لكل إنسان شاة ونحو ذلك. وقال الفقيه أبو جعفر والفقيه أبو بكر: الحارس أجير خاص ألا يرى أنه لو أراد أن يشغل نفسه في موضع آخر لم يكن له ذلك، فلا يضمن الحارس إذا نقب حانوت؛ لأن الأموال محفوظة في يد ملاكها وهو الصحيح وعليه الفتوى من المشتمل.

стр. 8553

وفي الخلاصة: حارس يحرس الحوانيت في السوق فنقب حانوت فسرق منه شيء لا يضمن؛ لأن الأموال في يد أربابها وهو حافظ الأبواب، كذا قال الفقيه أبو جعفر وعليه الفتوى. قال: وهذا قولهما أما عند أبي حنيفة لا يضمن مطلقا، وإن كان في يده؛ لأنه أجير. اهـ. الخاني المستأجر لحفظ الأمتعة ليلا ونهارا ذهب إلى الحمام بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس وتركها بلا حافظ مفتوحة فكسر السارق مغلاق الأنبار خانه وسرق ما فيه لا يضمن ليلا كان أو نهارا ولو سرق من الكنار التي في الصحن يضمن من القنية. وفي الوديعة من الخلاصة خان فيه منازل وبيوت وكل بيت مقفل في الليل، فخرج من مقفل وترك باب الخان مفتوحا فجاء سارق ونقب بيتا وسرق منه مالا، فإنه لا يضمن فاتح الباب وهو يظهر من باب فتح القفص. اهـ. وقال البهوتي: واختار الشيخ صحة ضمان حارس ونحوه (١). وأما كلام الفقهاء المعاصرين في الاستدلال بقياس عقد التأمين على عقد الحراسة فقد بينه الأستاذ الزرقا بقوله: الأجير الحارس هنا وإن كان مستأجرا على عمل يؤديه هو القيام بالحراسة نجد أن عمله المستأجر عليه ليس له أي أثر أو نتيجة سوى تحقيق الأمان للمستأجر على الشيء المحروس، واطمئنانه إلى استمرار سلامته من عدوان شخص أو حيوان يخشى أن يسطو عليه فهو ليس

стр. 8554

كعمل الصانع فيما استؤجر على صنعه وعمل الخادم في الخدمة المستأجر عليها وعمل الناقل في نقل الأشياء التي استؤجر لنقلها فنقلها إلى مكان لم تكن فيه، فكل هذه أعمال منتجة نتيجة محسوسة يقوم بها الأجير، أما الحارس فليس لعمله أية نتيجة سوى هذا الأمان الذي بذل المستأجر جزء ماله للحصول عليه فكذا الحال في عقد التأمين يبذل فيه المستأمن جزءا من ماله في سبيل الحصول على الأمان من نتائج الأخطار التي يخشاها (١). وأجاب الأستاذ أبو زهرة ﵀ عن ذلك بمنع أن يكون محل العقد هو الأمان، فقال: إننا نفهم أن يكون الأمان باعثا على العقد ولا نفهم أن يكون محل العقد، فمن يشتري عقارا محل العقد هو العقار والباعث هو السكنى أو الاستغلال، ولا يعد الاستغلال محلا، والأمان أمر معنوي لا يباع ولا يشترى، وهو أمر نفسي يتصل بالنفس قد يأتي بغير ثمن وقد يدفع فيه الثمن الكثير ولا أمان، ولا نعرف عقدا من العقود الإسلامية والمدنية محل العقد فيه الأمان حتى نلحق به ذلك العقد الغريب، ولكن الأستاذ حفظه الله يفكر، ثم يأتي لنا بعقد الحراسة، ويعتبر محل العقد فيها الأمان ويلحق به عقد التأمين غير الاجتماعي كما تلحق الأشياء بأشباهها. ونقول له: إن الأمان في عقد الحراسة غاية وليس محلا للعقد، وطرفا العقد فيه هما الأجير والمستأجر، وأحب أن أقول إن الأجير هنا أجير وحد، أي أجير خاص يأخذ الأجرة في نظير القرار في مكان معين يكون فيه قائما بالحراسة والأجرة فيه على الزمن لا على مجرد العمل،

стр. 8555

ومن المؤكد أنه ليس محل العقد هو الأمان وعدم السرقة، وإلا ما استحق الأجرة إذا قام بالحراسة على وجهها وسرق المكان المحروس. وإن الأستاذ يقول: في رد هذا الكلام بالنص: " العقود جميعا إنما شرعت بحسب غايات ونتائجها، فما هي غاية عقد الحراسة؟ وما هو ذلك الأثر الذي يحصل من عمل الحارس؟ الجواب واضح، وهو أن ذلك الأثر ليس سوى أمان المستأجر واطمئنانه ". وأقول للأستاذ الجليل: إني لا أسيغ هذا الكلام؛ لأن آثار العقود لا تسمى محل العقود، فإذا اشتريت عقارا لأسكنه، أتعد غايتي هذه هي محل العقد، وهل يعد البائع ضامنا إلى هذه السكنى بحيث إذا اشتريته وتبين لي أنه لا يصلح لسكناي أو لا يصلح للسكنى يكون البيع باطلا مع أني عاينت ونظرت، ثم اشتريت (١).

стр. 8556

ط- قياس التأمين على الإيداع: وبيانه أن المودع إذا أخذ أجرة عن الوديعة يضمنها إذا هلكت فكذلك المؤمن يضمن؛ لأنه يأخذ من المستأمن مبلغا من المال على أن يؤمنه من خطر معين، ويجاب عن هذا بقول ابن عابدين: والفرق بينه وبين الأجير المشترك أن المعقود عليه في الإجارة هو العمل والحفظ واجب عليه تبعا، أما المودع بأجرة فإن الحفظ واجب عليه مقصودا ببدل؛ فلذا ضمن كما صرح بذلك فخر الدين الزيلعي في باب ضمان الأجير. وهنا لما أخذ المبدل بمقابلة الحفظ الذي كان واجبا عليه تبعا صار الحفظ واجبا عليه قصدا بالبدل، فيضمن لكن يبقى النظر في أنه هل

стр. 8557

يضمن مطلقا أو فيما يمكن الاحتراز عنه، والذي يظهر الثاني لاتفاقهما في الأجير المشترك على عدم ضمانه فيما لا يمكن الاحتراز عنه، فالظاهر أن المودع بأجر كذلك؛ لأن الموت والحريق ونحوهما مما لا يمكن ضمانه والتعهد بدفعه (١) انتهى. ويمكن أن يقال أيضا بأن عقد التأمين عقد معاوضة تجارية بخلاف الإيداع؛ فإن القصد به المساعدة بحفظ الوديعة لا الاتجار بها.

стр. 8558

ي- قياس التأمين على ما عرف بقضية تجار البز مع الحاكة وصورتها أنه في أواسط القرن الثامن وقعت مسألة بـ " سلا " على عهد قاضيها أبي عثمان سعيد العقباني تسمى قضية تجار البز مع الحاكة. هي أن تجار البز رأوا توظيف مغارم مخزنية ثقيلة فاتفقوا على أن كل من اشترى منهم سلعة دفع درهما عند رجل يثقون به، وما اجتمع من ذلك استعانوا به على الغرم، وأراد الحاكة منعهم بدعوى أنه يضر بهم وينقص من ربحهم. قال العقباني: فحكمت بإباحة ذلك بشرط ألا يجبر واحد من التجار على دفع الدراهم (١). ويمكن أن يجاب عن ذلك بأنه قياس مع الفارق؛ فإن قضية تجار البز مع الحاكة من باب التأمين التبادلي وهو تعاون محض وعقود التأمين التي هي محل البحث عقود معاوضة تجارية يراد من ورائها الربح؛ فلا يصح قياسها على قضية تجار البز مع الحاكة.

стр. 8559

ك- التأمين فيه مصلحة ، وقد دل الكتاب والسنة والإجماع على اعتبار المصالح. نذكر فيما يلي الكلام في المراد بالمصلحة وفي الاحتجاج بها عند العلماء السابقين، ثم نذكر ما تيسر من كلام الفقهاء المعاصرين في بيان الاستدلال بهذا الدليل. أما كلام العلماء السابقين، فقال الآمدي في بيان المصلحة المرسلة: هي ما لم يشهد الشرع باعتبارها ولا إلغائها. وقد اتفقت الشافعية والحنفية وأكثر الفقهاء على امتناع التمسك بها إلا ما نقل عن مالك مع إنكار أصحابه لذلك عنه والحق في ذلك مذهب الجمهور؛ لأن ما لا يكون معتبرا في الشرع لا يكون دليلا شرعيا، وما يقال: إنه ما من وصف مصلحي إلا وقد اعتبر ما هو من جنسه غير صحيح؛ لأنه إن أريد المشاركة بينه وبين الوصف المعتبر في الجنس القريب منه فهو الملائم ولا نزاع فيه، وإن أريد به الجنس الغائي فكما قد شارك الوصف المعتبر فيه فقد شارك الأوصاف الملغاة فيه وليس إلحاقه بالمعتبر أولى من الملغى (١). وقال: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الطريق السابع: " المصالح المرسلة " وهو أن يرى المجتهد أن هذا الفعل يجلب منفعة راجحة وليس في الشرع ما ينفيه، فهذه الطريق فيها خلاف مشهور، فالفقهاء يسمونها " المصالح المرسلة " ومنهم من يسميها الرأي. وبعضهم يقرب إليها الاستحسان، وقريب منها ذوق الصوفية ووجدهم وإلهاماتهم، فإن حاصلها أنهم يجدون في القول والعمل مصلحة في قلوبهم وأديانهم ويذوقون طعم ثمرته وهذه مصلحة لكن بعض الناس يخص المصالح المرسلة بحفظ

стр. 8560

النفوس والأموال والأعراض والعقول والأديان وليس كذلك، بل المصالح المرسلة في جلب المنافع وفي دفع المضار، وما ذكروه من دفع المضار عن هذه الأمور الخمسة فهو أحد القسمين. وجلب المنفعة يكون في الدنيا وفي الدين، ففي الدنيا كالمعاملات والأعمال التي يقال فيها مصلحة من غير خطر شرعي، وفي الدين ككثير من المعارف والأحوال والعبادات والزهادات التي يقال فيها مصلحة للإنسان من غير منع شرعي، فمن قصر المصالح على العقوبات التي فيها دفع الفساد عن تلك الأحوال ليحفظ الخمسة فقط، فقد قصر. وهذا فصل عظيم ينبغي الاهتمام به، فإن من جهته حصل في الدين اضطراب عظيم وكثير من الأمراء والعلماء والعباد رأوا مصالح فاستعملوها بناء على هذا الأصل، وقد يكون منها ما هو محظور في الشرع ولم يعلموه، وربما قدم على المصالح المرسلة كلاما بخلاف النصوص، وكثير منهم من أهمل مصالح يجب اعتبارها شرعا بناء على أن الشرع لم يرد بها ففوت واجبات ومستحبات، أو وقع في محظورات ومكروهات وقد يكون الشرع ورد بذلك ولم يعلمه. وحجة الأول: أن هذه مصلحة والشرع لا يهمل المصالح، بل قد دل الكتاب والسنة والإجماع على اعتبارها. وحجة الثاني: أن هذا أمر لم يرد به الشرع نصا ولا قياسا. والقول بالمصالح المرسلة يشرع من الدين ما لم يأذن به الله "غالبا" وهي تشبه من بعض الوجوه مسألة الاستحسان والتحسين العقلي والرأي ونحو ذلك، فإن الاستحسان طلب الحسن والأحسن كالاستخراج، وهو رؤية الشيء حسنا كما أن الاستقباح رؤيته قبيحا والحسن هو المصلحة

стр. 8561

فالاستحسان، والاستصلاح متقاربان، والتحسين العقلي قول بأن العقل يدرك الحسن، لكن بين هذه فروق والقول الجامع أن الشريعة لا تهمل مصلحة قط، بل الله تعالى قد أكمل لنا الدين وأتم النعمة، فما من شيء يقرب إلى الجنة إلا وقد حدثنا به النبي ﷺ وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعده إلا هالك، لكن ما اعتقده العقل مصلحة وإن كان الشرع لم يرد به فأحد الأمرين لازم له؛ إما أن الشرع دل عليه من حيث لم يعلم هذا الناظر، أو أنه ليس بمصلحة وإن اعتقده مصلحة؛ لأن المصلحة هي المنفعة الحاصلة أو الغالبة، وكثيرا ما يتوهم الناس أن الشرع ينفع في الدين والدنيا ويكون فيه منفعة مرجوحة بالمضرة. كما قال تعالى في الخمر والميسر ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (١). وقال الشاطبي ﵀ المعنى المناسب الذي يربط به الحكم لا يخلو من ثلاثة أقسام. إحداها: أن يشهد الشرع بقبوله، فلا إشكال في صحته، ولا خلاف في إعماله، وإلا كان مناقضة للشريعة كشريعة القصاص حفظا للنفوس والأطراف وغيرها. والثاني: ما شهد الشرع برده، فلا سبيل إلى قبوله، إذ المناسبة لا تقتضي الحكم لنفسها وإنما ذلك مذهب أهل التحسين العقلي، بل إذا ظهر المعنى وفهمنا من الشرع اعتباره في اقتضاء الأحكام فحينئذ نقبله، فإن المراد بالمصلحة عندنا ما فهم رعايته في حق الخلق من جلب المصالح ودرء المفاسد على وجه لا يستقل العقل بدركه على حال، فإذا

стр. 8562

لم يشهد الشرع باعتبار هذا المعنى بل يرده كان مردودا باتفاق المسلمين، ومثاله ما حكى الغزالي عن بعض أكابر العلماء أنه دخل على بعض السلاطين، فسأله عن الوقاع في نهار رمضان، فقال: عليك صيام شهرين متتابعين، فلما خرج راجعه بعض الفقهاء، وقالوا له: القادر على إعتاق الرقبة كيف يعدل في الصوم والصوم وظيفة المعسرين، وهذا الملك يملك عبيدا غير محصورين؟ فقال لهم: لو قلت له عليك إعتاق رقبة لاستحقر ذلك وأعتق عبيدا مرارا، فلا يزجره إعتاق الرقبة ويزجره صوم شهرين متتابعين إلى أن قال. الثالث: ما سكتت عنه الشواهد الخاصة فلم تشهد باعتباره ولا بإلغائه فهذا على وجهين: أحدهما: " أن يرد نص على وفق ذلك المعنى كتعليل منع القتل للميراث بالمعاملة بنقيض المقصود بتقدير أن لم يرد نص على وفقه، فإن هذه العلة لا عهد بها في تصرفات الشرع بالفرائض ولا بملائمها بحيث يوجد لها جنس معتبر، فلا يصح التعليل بها ولا بناء الحكم عليها باتفاق، ومثل هذا تشريع من القائل به فلا يمكن قبوله. والثاني: أن يلائم تصرفات الشرع، وهو أن يوجد لذلك المعنى جنس اعتبره الشارع في الجملة بغير دليل معين وهو الاستدلال المرسل المسمى بالمصالح المرسلة، ولا بد من بسطه بالأمثلة حتى يتبين وجهه بحول الله. وذكر عشرة أمثلة لذلك، ثم قال: فهذه أمثلة عشرة توضح لك الوجه العملي في المصالح المرسلة وتبين لك اعتبار أمور: أحدها: الملاءمة لمقاصد الشرع بحيث لا تنافي أصلا من أصوله ولا دليلا من دلائله.

стр. 8563

والثاني: أن عامة النظر فيها إنما هو فيما عقل منها وجرى على دون (١) المناسبات المعقولة التي إذا عرضت على العقول تلقتها بالقبول، فلا مدخل لها في التعبدات ولا ما جرى مجراها من الأمور الشرعية؛ لأن عامة التعبدات لا يعقل لها معنى على التفصيل؛ كالوضوء والصلاة والصيام في زمان مخصوص دون غيره والحج ونحو ذلك: ثم ذكر مجموعة أمثلة توضح ذلك ثم قال: والثالث: " أن حاصل المصالح المرسلة يرجع إلى حفظ أمر ضروري ورفع حرج لازم في الدين، وأيضا مرجعها إلى حفظ الضروري من باب ما لا يتم الواجب إلا به. . . " فهي إذا من الوسائل لا من المقاصد، ورجوعها إلى رفع الحرج راجع إلى باب التخفيف لا إلى التشديد. اهـ (٢). وأما كلام الفقهاء المعاصرين في بيان وجه الاستدلال بهذا الدليل: فقال عبد الرحمن عيسى: ومن الإنصاف أن نقرر أن التأمين نشأ وليد الحاجة، ولم تزل عملياته تتعدد وتتنوع تبعا لما يحققه من مصالح اقتصادية كبيرة فقلما نجد باخرة تعبر البحار إلا مؤمنا عليها، وقلما نجد البضائع تشحن من الخارج بحرا أو جوا إلا مؤمنا عليها، وكذلك قلما نجد العمارات الشاهقة والمتاجر الكبيرة إلا مؤمنا عليها ضد الحريق، وكذلك مخازن البنوك ومخازن الشركات للقطن والحبوب وغيرها مؤمن عليها ضد الحريق، وكذلك مخازن البترول والزيوت ومخازن الأخشاب وكذلك المصانع الكبيرة وعمالها مؤمن عليها، وكذلك السيارات والطائرات، فقد دفعت قواعد الاقتصاد الناس دفعا إلى التأمين لدى شركات التأمين ليأمنوا الكوارث المالية الفادحة التي يتعرضون لها نظير

стр. 8564

ما يدفعون لشركات التأمين من مال لا يذكر بجانب الكوارث والخسارة إذا نزلت بفرد منهم. وكم سمعنا من قبل التأمين عن بيوت عظيمة للتجار خربت بغرق بضائعهم وسفنهم، وكم سمعنا عن محال تجارية نشيطة أكلتها النيران وأمسى ذووها يتكففون الناس، وكم وكم من كوارث حلت بذوي الحظ العاثر فبددت الثروات وجلبت الذل والخسران، ولكن التأمين وقد انتشر وظهرت آثاره حقق معناه فأمن الناس من هذه الكوارث المخربة للديار العامرة وخففت من فداحتها. فعن رضا تام من طالب التأمين يتعاقد مع شركة التأمين ويدفع أقساط التأمين، وعن رضا تام من الشركة تتعاقد معه وتدفع قيمة الخسارة إذا نزلت به، فإنها تجمع منه ومن غيره مبالغ كثيرة، وفي الغالب تكون السلامة بحيث يبقى لها بعد سداد الخسائر أرباح كثيرة (١). وقال الأستاذ عبد الرحمن عيسى أيضا: وقد قرر العلماء أن المصالح العامة إذا كانت تناسب حكما شرعيا فإن ذلك الحكم الذي تناسبه يثبت للعمل الذي يحقق المصلحة العامة اعتبارا بهذا الوصف المناسب للحكم، ولهم في ذلك سلف عظيم أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم، فقد جمع أبو بكر ﵁ القرآن في صحف بعد موقعة اليمامة؛ خوفا من ضياعه بقتل القراء ولم يكن ذلك من قبل أبي بكر. وقد نسخ عثمان بن عفان من هذه الصحف أربعة مصاحف، ووزعها

стр. 8565

على الأقطار وأمر بحرق كل صحيفة تخالف الصحف؛ منعا لاختلاف الناس في القرآن. ولعمر بن الخطاب من ذلك الكثير لإثبات الحكم الشرعي للعمل الذي يحقق المصلحة العامة؛ فهو الذي أنشأ الدواوين وأنشأ البريد، بل قد أسقط عمر سهم المؤلفة قلوبهم من الزكاة مع أنها صنف من الأصناف الثمانية الذين تصرف لهم الزكاة؛ وذلك لأن عمر ﵁ رأى أن هذا الصنف كان يأخذ من الزكاة مراعاة لمصلحة المسلمين إذا كان فيهم ضعف، وكانوا في حاجة إلى تألف هذا الصنف، ولكن لما قويت شوكة المسلمين ولم يصيروا في حاجة إلى تأليف هؤلاء رأى عمر ﵁ وهو البصير بأمر المسلمين ألا مصلحة في إعطاء هذا الصنف من الزكاة، بل المصلحة في منعهم؛ لئلا يظن بالمسلمين الضعف. كذلك أسقط عمر حد السرقة عن السارق عام المجاعة لما اشتدت، ربما تكون هي التي دفعت تحت تأثير العوامل الطبيعية إلى السرقة ليحصل السارق على الطعام الذي لا يكاد يجده، فتكون حالة الضرورة هي الدافع على السرقة فاقتضى عدم إقامة الحد مراعاة لهذه العوامل الطبيعية. فهذه المواقف وأمثالها من الخلفاء الراشدين على مشهد من أصحاب رسول الله ﷺ مع عدم إنكارهم؛ دليل على أنهم يرون أن المصالح العامة من الأمور المناسبة للحكم الشرعي، والتي ينبني عليها ثبوت ذلك الحكم. . . وقد بينا بوضوح تام أن التأمين يحقق مصالح عامة وهامة؛ فيكون حكمه الجواز شرعا اعتبارا لما يحققه من المصالح العامة (١).

стр. 8566

وقال أيضا: قد يبدو ما قررناه ظاهرا وجليا من أن التأمين يحقق الصالح العام بالنسبة للتأمين ضد أخطار الملكية؛ كالتأمين ضد الحريق وضد الغرق وضد السرقة. وقد يبدو محتاجا إلى ظهور وجلاء بالنسبة للتأمين على الحياة وضد سائر الأخطار الشخصية فنجلي عمليات التأمين بالنسبة للأخطار الشخصية بما يأتي: إن التأمين على الحياة وضد سائر الأخطار كالتأمين على بعض الحواس كالسمع والبصر وغيرهما، أو على بعض أجزاء الجسم؛ كاليدين والساقين وغيرهما، هذا التأمين يحقق الصالح العام في الصناعات والمهن الخطيرة فيه تخفيف آلام الكوارث التي تنزل برجال الصناعات، وتهون الشدائد التي تقع على المخاطرين من رجال الأعمال لهذا يكون التأمين ضد الأخطار الشخصية في الصناعات والمهن الخطيرة جائزا شرعا (١). وقد علق الأستاذ أبو زهرة على كلام الأستاذ عبد الرحمن عيسى في الاستدلال بالمصلحة على جواز التأمين فقال: لا بد أن أتعرض لبعض أمور جزئية ثارت في أثناء المناقشات أو جاءت في بعض البحوث ومن ذلك الكلام على أمر يتعلق بالمصلحة فقد جاء في بحث فضيلة الشيخ عبد الرحمن عيسى أن عمر بن الخطاب ترك بعض النصوص لأجل المصلحة، وذكر مسألتين أبلاهما التكرار، وهما مسألة المؤلفة قلوبهم، ومسألة قطع اليد وإهماله عام المجاعة. ونقول بالنسبة للأولى: إن عمر بن الخطاب ما أسقط سهم المؤلفة

стр. 8567

قلوبهم وما كان في استطاعته أن يسقط نصا قرآنيا، ولكن عمر منع إعطاء أناس كانوا يأخذون في عهد الرسول ﷺ وعهد الصديق ﵁ كالزبرقان بن بدر وغيره، فهو ما اعتبر إعطاءهم حقهما مكتسبا، بل اعتبر مثل هذا العطاء موقوفا بحال الشخص وحال المسلمين. وقد يقول: ولكنه لم يعط غيره، ونقول: إنه رأى أنه لا موضع لتطبيق النص؛ لعدم حاجة المسلمين إليه، ومثل ذلك سهم المدينين، فهل يعد إسقاطا للسهم إذا لم يجد مدينا يسد عنه، وكذلك سهم الرقاب فهل يعد إسقاطا للسهم إذا لم يوجد عبد مسلم يعتق. ولذلك قرر الفقهاء بالإجماع أنه إذا وجدت حال يكون فيها إعطاء ناس تأليفا لقلوبهم فيه تقوية للإسلام فإن النص القرآني يجب الأخذ به؛ ولذلك لا يصح لأحد أن يقول: إن عمر ﵁ أسقط سهم المؤلفة قلوبهم، إن ذلك قول الإفرنجة الذين لا يرجون للإسلام وقارا ويريدون توهين نصوصه، وتبعهم بعض كبار العلماء عن غير بينة وكل امرئ يخطئ ويصيب مهما كانت منزلته العلمية. وأما مسألة عدم قيام الحد عام الرمادة، وهو السنة التي اشتدت فيها المجاعة على المسلمين، فذلك لأن عمر ﵁ وجد شبهة في إقامته، ومن المقررات الفقهية أن الحدود تدرأ بالشبهات، وقد قال النبي ﷺ : «ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم (١)» والشبهة أنه رأى السارقين في حال جوع شديد واضطرار، ويعلم كل فقير أن الضرورات تبيح المحظورات، وأن من كان في حال جوع يتعرض فيه

стр. 8568

للتلف إذا لم يأكل يباح له مال غيره بقدر ما يسد رمقه، وإذا منعه فقاتله فقتل صاحب الطعام لا دية فيه، والقصة تنبئ عن ذلك فإن غلمان حاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة ونحروها وأكلوها، فهم عمر بأن يقيم الحد عليهم، ولكنه تبين له أن حاطبا يجيع غلمانه، فلم يقم الحد وغرمه، أليس في الخبر ما يدل على أنه درأ الحد بشبهة الاضطرار، وقد اشتكوا إليه، وثبتت صحة شكواهم والعام عام مجاعة، ولذلك يقرر فقهاء الحنابلة وكثيرون غيرهم أن من شرط إقامة الحد في السرقة ألا يكون السارق قد سرق طعامه في مجاعة لمكان شبهة الاضطرار في إقامة الحد (١).

стр. 8569

ل- التأمين لم يقم دليل على منعه فيكون مباحا بناء على أن الأصل في الأشياء الإباحة. لقد ذكرت اللجنة في بحث الشرط الجزائي كلاما مفصلا عن العلماء السابقين على أن الأصل في الأشياء الإباحة فرأت الاكتفاء بذكره هناك عن إعادته هنا. وأما وجه استدلال العلماء المعاصرين بهذا الدليل فقد أوضحه الشيخ عبد الرحمن عيسى بقوله: قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (١). قال المفسرون: أي هو الذي خلق لأجلكم جميع ما في الأرض لتنتفعوا به في دنياكم بالذات أو بالواسطة وفي دينكم بالاعتبار والاستدلال. وقالوا أيضا: استدل كثير من أهل السنة بالآية على أن الأصل في

стр. 8570

الأشياء الإباحة وقال صاحب تفسير المنار: إن هذه الجملة هي نص الدليل القطعي على القاعدة المعروفة عند الفقهاء " إن الأصل في الأشياء الإباحة ". هذا الأصل يتبعه أن تكون معاملات الناس فيما خلقه الله لمنفعتهم مباحة إلا ما ورد فيه دليل بخصوصه يقتضي غير ذلك فبمقتضى هذه القاعدة تكون عمليات التأمين التي بيناها مباحة؛ لأنها من معاملات الناس فيما خلقه الله لمنفعتهم، ولم يرد بخصوصها نص يحظرها (١). وقال أيضا بالنسبة للتأمين على الحياة: ويمكن أن نثبت للتأمين ضد الأخطار الشخصية في الصناعات والمهن الخطيرة الجواز أيضا من ناحية الإباحة التامة الثابتة لكل عمل يتصل بما خلقه الله لمنفعتنا، ولم يرد فيه بخصوصه دليل يقتضي الحظر؛ لأن كل ذلك ينطبق على هذا التأمين (٢). وقال الأستاذ مصطفى الزرقا: رأينا الشخصي في الموضوع في نظري أن نقطة الانطلاق في بحث حكم الشريعة الإسلامية في عقد التأمين يجب أن تبدأ من ناحية هي عندي حجر الأساس، وهي هل أنواع العقود في الشريعة الإسلامية محصورة لا تقبل الزيادة؟ أي هل نظام التعاقد في الإسلام يحصر الناس في أنواع معينة من العقود المسماة، وهي العقود المعروفة في صدر الإسلام من بيع وإجارة وهبة ورهن وشركة وصلح وقسمة وإعارة وإيداع وسائر العقود الأخرى المسماة، التي ورد لها ذكر وأحكام في مصادر فقه الشريعة من كتاب وسنة وإجماع، ولا يبيح للناس إيجاد أنواع من العقود غير داخلة في أحد الأنواع السابقة

стр. 8571

المذكورة لهم، أم أن الشريعة تركت الباب مفتوحا للناس في أنواع العقود وموضوعاتها فيمكنهم أن يتعارفوا على أنواع جديدة إذا دعتهم حاجاتهم الزمنية إلى نوع جديد ليس فرعا من أحد الأنواع المعروفة قبلا، ويصح منهم كل عقد جديد متى توافرت فيه الأركان والشرائط العامة التي تعتبر من النظام التعاقدي العام في الإسلام؛ كالشرائط المطلوبة شرعا في التراضي والتعبير عن الإرادة وفي محل العقد بحيث لا يتضمن العقد ما يخالف قواعد الشريعة التي عبر عليها النبي ﵊ بقوله: «كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل وإن كان مائة شرط (١)». فكتاب الله في هذا المقام معناه القواعد العامة في الشريعة وليس معناه القرآن فهو مصدر بمعنى المفعول أي ما كتبه الله على المؤمنين وأوجبه عليهم كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٢). والجواب على هذا السؤال أن الشرع الإسلامي لم يحصر الناس في الأنواع المعروفة قبلا من العقود، بل للناس أن يبتكروا أنواعا جديدة تدعوهم حاجتهم الزمنية إليها بعد أن تستوفى الشرائط العامة المشار إليها. وهذا ما نراه هو الحق وهو من مبدأ سلطان الإرادة العقدية في الفقه الإسلامي، وقد استوفيت بحثه في كتابي " المدخل الفقهي العام " وهو الجزء الأول من سلسلة الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد. وقد خالف في ذلك الظاهرية فاعتبروا أن الأصل في العقود هو التحريم ما لم يرد في الشرع دليل الإباحة (٣).

стр. 8572

وقد ذكر الأستاذ الزرقا بيع الوفاء عند الحنفية شاهدا على أن العقود لا تنحصر فيما كان موجودا في عصر التنزيل أو الصحابة. فقال: ومن الشواهد الواقعية في المذهب الحنفي على أن الأصل في العقود الجديدة هو الإباحة شرعا عقد " بيع الوفاء " الذي نشأ في القرن الخامس الهجري. ولا أجد في تاريخ الفقه الإسلامي واقعة أشبه بواقعة التأمين من بيع الوفاء في أول ظهوره لا من حيث موضوع العقدين، بل من حيث الملابسات الخارجية والاختلافات التي أحاطت بكل منهما، فبيع الوفاء أيضا عقد جديد ذو خصائص وموضوع وغاية يختلف فيها عن كل عقد آخر من العقود المسماة المعروفة قبله لدى فقهاء الشريعة، وهو ينطوي على غاية يراها الفقهاء محرمة؛ لأنه يخفي وراءه ألوانا من الربا المستور وهو الحصول على منفعة من وراء القرض حيث يدفع فيه الشخص مبلغا من النقود ويسميه ثمنا لعقار يسلمه صاحبه إلى دافع المبلغ الذي يسمى مشتريا للعقار لينتفع به بالسكنى أو الإيجار بمقتضى الشراء بشرط أن صاحب العقار الذي يسمى في الظاهر بائعا متى وفى المبلغ المأخوذ على سبيل الثمنية استرد العقار، ونتيجة ذلك أن ما يسمى مشتريا بالوفاء لا يستطيع أن يتصرف بالعقار الذي اشتراه، بل عليه الاحتفاظ بعينه كالمرهون؛ لأنه سوف يكلف رده لصاحبه متى أعاد إليه الثمن، ولكل منهما الرجوع عن هذا العقد أي فسخه وطلب التراد ولو حددت له المدة. هذه خلاصة بيع الوفاء الذي تعارفه الناس في بخارى وبلخ في القرن الخامس الهجري، وثارت حوله اختلافات عظيمة بين فقهاء العصر إذ ذاك حول جوازه ومنعه وتخريجه، أي تكييفه، أعظم مما هو واقع اليوم عقد التأمين.

стр. 8573

أ- فمن الفقهاء من نظر إلى صورته فاعتبره بيعا، وطبق عليه شرائط البيع فاعتبروه بيعا فاسدا؛ لأن الشرط المقترن به مفسد وأفتى فيه بذلك. ب- ومنهم من اعتبره بيعا صحيحا وألغى فيه شرط الإعارة معتبرا أن هذا الشرط من قبيل الشرط المفسد وأفتى بذلك، وهذا مشكل جدا وفيه ضرر للبائع؛ لأن الثمن فيه عادة أقل من القيمة الحقيقية للعقار كالدين المرهون له فيه. ج- ومنهم من نظر إلى غايته لا إلى صورته، فرآه في معنى الرهن الذي اشترط فيه انتفاع المرتهن بالمرهون، فاعتبره رهنا وألغى فيه شرط الانتفاع، وأفتى بذلك. قال العلامة الشيخ بدر الدين محمود بن قاضي سماوه في الفصل - ١٨ - من كتابه " جامع الفصولين " نقلا عن فتاوى الإمام نجم الدين عمر بن محمد النسفي ما نصه: البيع الذي تعارفه أهل زماننا احتيالا للربا وأسموه بيع الوفاء هو رهن في الحقيقة لا يملكه المشتري ولا ينتفع به إلا بإذن مالكه، وهو ضامن لما أكل من ثمر وأتلفه من شجره ويسقط الدين بهلاكه، لا فرق عندنا بينه وبين الرهن في حكم من الأحكام؛ لأن المتعاقدين، وإن سمياه بيعا لكن عرفهما الرهن والاستيثاق بالدين؛ إذ العاقد " أي البائع " يقول لكل أحد بعد هذا العقد: رهنت ملكي فلانا، والمشتري يقول: ارتهنت ملك فلان، والعبرة في التصرفات المقاصد والمعاني؛ فهبة المرأة نفسها مع تسمية المهر وحضرة الشهود نكاح، وهكذا. ثم قال: قال السيد الإمام: قلت لإمام الحسب الماتريدي قد فشا هذا البيع بين الناس وفتواك أنه رهن وأنا على ذلك، فالصواب أن نجمع الأئمة ونتفق على هذا ونظهره بين الناس. فقال: المعتبر اليوم فتوانا،

стр. 8574

وقد ظهر ذلك بين الناس فمن خالفنا فليبرز نفسه وليقم دليله. انتهى كلام النسفي. أقول أبرز المخالفون بعد ذلك أنفسهم، واستقرت الفتوى في المذهب الحنفي على ما سمي: " القول الجامع " وهو أن بيع الوفاء ليس بيعا صحيحا، ولا بيعا فاسدا ولا رهنا، وإنما هو عقد جديد ذو موضوع وخصائص مختلفة عما لكل واحد من هذه العقود الثلاثة، ولكن فيه مشابه من كل عقد من هذه الثلاثة؛ لذلك قرر فقهاء المذهب بعد ذلك أحكاما مستمدة من هذه العقود الثلاثة جميعا، ولم يلحقوه بأحدها ويطبقون عليه أحكامه، والكلام في ذلك مبسوط في مواطنه من مؤلفات المذهب الحنفي وبهذا القول الجامع أخذت مجلة الأحكام العدلية حتى جاء قانوننا المدني سنة ١٩٤٩ م فمنع بيع الوفاء استغناء بأحكام الرهن الحيازي، والتاريخ اليوم يعيد نفسه فتتجدد لدينا مشكلة نظير مشكلة بيع الوفاء هي مشكلة عقد التأمين، فبعض العلماء يراه عقد مقامرة، وبعض آخر يراه عقد رهان يتحدى فيه قضاء الله وقدره، وبعض آخر يراه التزام ما لا يلزم وآخرون يرونه عقد تعاون مشروع على ترميم المضار وتحمل مصائب الأقدار فهو نظام معاوضة تعاونية، وإن انحرف به ممارسوه وأحاطوه بشوائب ليست من ضرورة نظامه، وواضح أني لا أعني تشبيه عقد بيع الوفاء بعقد التأمين من حيث الموضوع، وإنما أعني أن بيع الوفاء شاهد واقعي في تاريخ الفقه الإسلامي على جواز إنشاء عقود جديدة، وأنه اعتراه في أول نشأته ما اعترى اليوم عقد التأمين من اختلاف في تخريجه وتكييفه وإلحاقه ببعض العقود المعروفة قبلا وتطبيق شرائطه عليه، أو اعتباره عقدا جديدا مستقلا يقرر له من الأحكام الفقهية ما يتناسب مع خصائصه وموضوعه (١).

стр. 8575

وقد أجاب الأستاذ أبو زهرة عن ذلك فقال: قد قرر أن الأصل في العقود عند الحنابلة وخصوصا ابن تيمية الإباحة حتى يقوم دليل على المنع، ونقول: إن موضوع الكلام كان في الشرط لا في أصل العقود، ولقد أجاب عن ذلك الأستاذ بأن المشارطات قد تؤدي إلى تغيير معنى العقد، وأن الاختلاف في العقود هو ذات الاختلاف في الشروط، ونقول: إن المذكور في كتاب العقود لابن تيمية هو في الشرط، ومجيئه للعقود إنما هو من أن الشروط بطبيعها تغير مقتضى العقد فهي تتضمن تغييرا في ماهيته من بعض النواحي، وإذا كان الأمر كذلك فإن عقد التأمين عقد جديد فهل يباح بمقتضى هذه القاعدة؟ وقد نساير الأستاذ الجليل ولا نمنع الإباحة ما دام العقد متفقا مع ما قرره الشارع من أحكام للعقود وليس مجافيا لها فالعبرة في هذا العقد من ناحية لا من حيث إنه عقد جديد يجوز، بل من ناحية ما اشتمل عليه، أيتفق مع أحكام الشريعة أم يخالفها. وبالنسبة لبيع الوفاء قلنا: إن هذا العقد معناه أن يبيع شخص عينا على أن له استردادها إذا رد الثمن في مدة معلومة، وفي غالب أحوال هذا العقد تكون العين ذات غلة، فتكون غلتها للمشتري ويكون مؤدى العقد أن يكون قد اقترض البائع مبلغا فائدته هي غلة العين، وإذا لم تكن لها غلة فإن الربا ينتفي عنه وإن كان يندر ذلك. وإن هذا العقد قد شاع في بلاد ما وراء النهر، وصارت القروض لا تكون إلا على أساسه، وللناس حاجة فيها فصارت الحاجة تطلبه، والحاجات إذا عمت نزلت منزلة الضرورات؛ ولذلك نقل ابن نجيم صحته والذين قالوا بصحته اختلفوا: أيخرج على أنه رهن أم يخرج على أنه بيع فيه شرط الخيار للبائع أو المشتري، وعلى الأول لا تباح الغلة وعلى الثاني

стр. 8576

لا تنتقل الملكية إلى المشتري؛ لأنه إذا كان الخيار للبائع تستمر ملكيته للمبيع بمقتضى أحكام المذهب الحنفي وتنتقل الملكية للمشتري مع حق الفسخ إذا كان الخيار له. والكثيرون من الفقهاء لا يبيحونه، ولسنا ندري لماذا يستشهد الأستاذ بعقد تحيط به الشبهات على هذا النحو، وعلى فرض إباحته فقد أدخل في عقد قائم إما الرهن وإما البيع، فلا يكون جديدا، وقد كتب الأستاذ ردا، ولم يجئ بالنسبة لبيع الوفاء بجديد غير أنه نقل نصوص الفقهاء فيه ونحن مسلمون بها ابتداء (١). وعقب على ذلك الأستاذ مصطفى الزرقا، فقال: قال الأستاذ الجليل الشيخ محمد أبو زهرة: " إن الخلاف بين الظاهرية وغيرهم في مشروعية التعاقد إنما هو في الشروط التي يشرطها العاقد في العقد لا في إنشاء عقود جديدة، فالظاهرية يتطلبون في إباحة الشرط نصا شرعيا وسواهم يطلب دليلا مطلقا من نص أو سواه، وإن الحنابلة جعلوها مباحا في الزواج، وابن تيمية أباحه مطلقا. . . " إلخ. وجوابي على هذه الملاحظة: إن الخلاف في جواز المشارطات العقدية التي لم يرد فيها نص شرعي إذا توافر فيها المعيار الشرعي في الشروط هو نفسه الخلاف في جواز إنشاء عقود جديدة لم يرد فيها نص شرعي وهو مشمول بقاعدة " الأصل في الأشياء الإباحة " والخلاف الذي فيها، وذلك لأن الشرط جزء من العقد الواقع فيه. فما يقال في الشروط الجديدة التي لم يرد فيها نص شرعي من حيث الجواز وعدمه يقال في العقود الجديدة التي ليس فيها نص وأستاذنا المفضال أبو زهرة نفسه يقرر هذا في كتبه وهو أمر مفروغ منه. اهـ.

стр. 8577

وقال الأستاذ الجليل أبو زهرة بمناسبة ذكرى بيع الوفاء شاهدا من الواقع التاريخي في الفقه الإسلامي على جواز عقود جديدة غير العقود المعروفة قبلا قال- ﵀: إن بيع الوفاء قد أباحه الحنفية على أساس أنه عقد من العقود المعروفة، وهو يرى أنه ليس عقدا جديدا، بل هو بيع ربوي اخترعه أكلة الربا، ولا يجوز أن يباح للضرورة، وجوابي على هذه الملاحظة أن ما بينه الأستاذ أبو زهرة هو صحيح بالنسبة إلى بداية ظهور بيع الوفا في القرن الخامس الهجري حيث إن فقهاء العصر إذ ذاك اختلفوا في تخريجه والحكم فيه على أساس إلحاقه بأحد العقود المعروفة؛ فمنهم من ألحقه بالبيع الصحيح واعتبر شرط الوفاء والإعادة فيه لغوا، ومنهم من ألحقه بالبيع الفاسد، ومنهم من ألحقه بالرهن وهم الأكثر، ولكن المتأخرين من الفقهاء بعد ذلك ضربوا بكل هذه التخريجات عرض الحائط؛ لعدم انطباقها على حقيقة بيع الوفاء وطبيعته العرفية وقصد المتعاقدين فيه، وخرجوا فيه برأي جديد سمي " القول الجامع "، ورجح بعلامة الفتوى وخلاصته: أنه عقد جديد لا يشبه أي عقد آخر من العقود المعروفة، وأثبتوا له حكما مركبا من بعض أحكام البيع الصحيح وبعض أحكام البيع الفاسد وبعض أحكام الرهن، وصححوه على هذا الأساس إذا استوفى شرائط الانعقاد العامة، كما أوضحته في المحاضرة، وهذا مقرر في الدر المختار ورد المحتار وتنقيح الفتاوى الحامدية للعلامة ابن عابدين وغيرها من كتب المتأخرين وأخذت به المجلة في المادة - ١١٨ - وبنت عليه أحكام بيع الوفاء في الفصل الذي عقدته له وأوضحه شراحها. وأما كونه حيلة اخترعها أكلة الربا كما يقول الأستاذ أبو زهرة فهذا أمر آخر، وإنني لم أبحث فيما ينبغي أن يحكم به على بيع الوفاء في نظري

стр. 8578

من الجواز وعدمه فقد أكون متفقا مع الأستاذ أبي زهرة في رأيه فيه، ولكني أستشهد به شاهدا واقعيا على إقرار فقهائنا السابقين له بصفة أنه عقد جديد وليس صورة من عقد سابق معروف؛ فتكون قضية جواز إنشاء عقود جديدة غير الأنواع المعروفة في العصر الفقهي الأول قد وقعت فعلا، ولم تبق في الحيز النظري فقط. وتكون النتيجة بالنسبة إلى موضوعنا هي: إن كون التأمين عقدا جديدا خارجا عن نطاق العقود القديمة ليس بمانع من جوازه شرعا إذا لم يكن فيه ما يخالف الشرائط الشرعية العامة في نظام التعاقد (١).

стр. 8579

م- الاستدلال على جوازه بالعرف. نذكر فيما يلي ما تيسر من كلام بعض العلماء السابقين في معنى العرف وأقسامه، ومستند اعتباره، ورجوع كثير من المسائل إلى العادة والعرف وشروط اعتباره وحكمه عند معارضته للشرع وكيفية أعماله، وهل هو دليل مستقل أو لا. ثم نذكر وجه استدلال بعض الفقهاء المعاصرين به على جواز التأمين ومناقشته هذا التوجيه. ١ - قال أحمد بن فارس بن زكريا: " عرف " العين والراء والفاء أصلان صحيحان، يدل أحدهما على تتابع الشيء متصلا بحضه ببعض، والآخر على السكون والطمأنينة. فالأول العرف: عرف الفرس، وسمي بذلك لتتابع الشعر عليه. ويقال: جاءت القطا عرفا عرفا، أي بعضها خلف بعض. . . والأصل الآخر المعرفة والعرفان. تقول: عرف فلان فلانا عرفانا ومعرفة، وهذا أمر معروف، وهذا يدل على ما قلناه من سكونه إليه؛ لأنه من أنكر

стр. 8580

شيئا توحش منه ونبا عنه. . . والعرف والمعروف، وسمي بذلك؛ لأن النفوس تسكن إليه. . . (١) وقال ابن عابدين: قال في الأشباه وذكر الهندي في شرح المغني: العادة عبارة عما يستقر في النفوس من الأمور المتكررة المعقولة عند الطباع السليمة وهي أنواع ثلاثة: العرفية العامة؛ كوضع القدم. والعرفية الخاصة؛ كاصطلاح كل طائفة مخصوصة؛ كالرفع للنحاة والفرق والجمع والنقض للنظار، والعرفية الشرعية؛ كالصلاة والزكاة والحج تركت معانيها اللغوية بمعانيها الشرعية. انتهى. وفي شرح الأشباه للبيري عن المستصفى: العادة والعرف ما استقر في النفوس من جهة العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول. اهـ. وفي شرخ التحرير: العادة هي الأمر المتكرر من غير علاقة عقلية. اهـ. قلت بيانه: إن العادة مأخوذة من المعاودة فهي بتكررها ومعاودتها مرة بعد أخرى صارت معروفة مستقرة في النفوس والعقول بالقبول من غير علاقة ولا قرينة حتى صارت حقيقة عرفية فالعادة والعرف بمعنى واحد من حيث المقاصد وإن اختلفا من حيث المفهوم (٢). ٢ - وقال ابن عابدين - مبينا أقسام العرف - ثم العرف عملي وقولي؛ فالأول كتعارف قوم أكل البر ولحم الضأن، والثاني كتعارفهم إطلاق
следующие страницы →