← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 8506–8545 · переход к 8511.

стр. 8506

صفحة فارغة

стр. 8507

التأمين القسم الثاني ب- قياس عقد التأمين على الوعد الملزم عند المالكية: فيما يلي كلام العلماء السابقين في الوعد هل يجب الوفاء به أو لا. ثم ما تيسر من كلام علماء العصر في هذا الدليل مع المناقشة. قال أحمد بن علي الرازي في كلامه على قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (١) ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٢) قال أبو بكر يحتج به في أن كل من ألزم نفسه عبادة أو قربة أو أوجب على نفسه عقدا لزمه الوفاء به إذ ترك الوفاء به يوجب أن يكون قائلا ما لا يفعل وقد ذم الله فاعل ذلك، وهذا فيما لم يكن معصية. وكذلك الوعد بفعل يفعله في المستقبل وهو مباح، فإن الأولى الوفاء مع الإمكان، فأما قول القائل: إني سأفعل كذا فإن ذلك مباح له على شريطة استثناء مشيئة الله، وأن يكون في عقد ضميره الوفاء به ولا جائز له أن يعدو في ضميره أن لا يفي به؛ لأن ذلك هو المحظور الذي نهى الله عنه، ومقت فاعله عليه وإن كان في عقد ضميره الوفاء به، ولم يقرنه بالاستثناء فإن ذلك مكروه؛ لأنه لا يدري هل يقع منه الوفاء به أم لا فغير جائز له إطلاق القول في مثله مع خوف إخلاف فيه (٣).

стр. 8508

وقال القرطبي في تفسير هذه الآية: قال ابن العربي: فإن كان المقول منه وعدا فلا يخلو أن يكون منوطا بسبب كقوله: إن تزوجت أعنتك بدينار أو ابتعت حاجة كذا أعطيتك كذا، فهذا لازم إجماعا من الفقهاء، وإن كان وعدا مجردا، فقيل: يلزم وتعلقوا بسبب الآية فإنه روي- أنهم كانوا يقولون- لو نعلم أي الأعمال أفضل أو أحب إلى الله لعملناه فأنزل الله تعالى هذه الآية وهو حديث لا بأس به، وقد روي عن مجاهد أن عبد الله بن رواحة لما سمعها قال: لا أزال حبيسا في سبيل الله حتى أقتل، والصحيح عندي أن الوعد يجب الوفاء به على كل حال إلا لعذر. قلت: قال مالك: فأما العدة مثل أن يسأل الرجل الرجل أن يهب له الهبة، فيقول له: نعم، ثم يبدو له أن لا يفعل فما أرى ذلك يلزمه، وقال ابن القاسم: إذا وعد الغرماء، فقال: أشهدكم أني وهبت له من أن يؤدي إليكم فإن هذا يلزمه، وإما أن يقول: أنا أفعل، ثم يبدو له فلا أرى عليه ذلك. قلت: أي لا يقضي عليه بذلك، فأما مكارم الأخلاق وحسن المروءة فنعم، وقد أثنى الله على من صدق وعده ووفى بنذره، فقال: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ (٢) وقد تقدم بيانه. وقال القرطبي أيضا: الرابعة قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٣) استفهام على جهة الإنكار والتوبيخ على أن يقول الإنسان عن نفسه من الخير ما لا يفعله، أما في الماضي فيكون كذبا، وأما في المستقبل

стр. 8509

فيكون خلفا وكلاهما مذموم وتأول سفيان بن عيينة قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (١) أي: لم تقولون ما ليس الأمر فيه إليكم فلا تدرون هل تفعلون أو لا تفعلون؛ فعلى هذا يكون الكلام محمولا على ظاهره في إنكار القول. وقال القرطبي أيضا: وقال أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والشافعي وسائر الفقهاء: إن العدة لا يلزمه منها شيء؛ لأنها منافع لم يقبضها في العارية؛ لأنها طارئة وفي غير العارية هي أشخاص وأعيان موهوبة لم تقبض فلصاحبها الرجوع. انتهى المقصود. وقال القرافي: الفرق الرابع عشر والمائتان بين قاعدة الكذب وقاعدة الوعد وما يجب الوفاء به منه وما لا يجب. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٢) ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٣) والوعد إذا أخلف قول لم يفعل فيلزمه أن يكون كذبا محرما وأن يحرم إخلاف الوعد مطلقا. وقال ﵇: «من علامة المنافق ثلاث: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف (٤)» فذكره في سياق الذم دليل على التحريم، ويروى عن رسول الله ﷺ أنه قال «وأي المؤمن واجب» أي وعده واجب الوفاء به. وفي الموطأ «قال رجل لرسول الله ﷺ : أكذب لامرأتي؟ فقال ﵇: لا خير في الكذب، فقال: يا رسول الله أفأعدها وأقوله لها؟ فقال ﵇: لا جناح عليك (٥)»، فمنعه من الكذب المتعلق بالمستقبل، فإن رضا النساء إنما يحصل به، ونفى الجناح على الوعد وهو يدل على أمرين:

стр. 8510

أحدهما: أن إخلاف الوعد لا يسمى كذبا لجعله قسيم الكذب. وثانيهما: أن إخلاف الوعد لا حرج فيه، ولو كان المقصود الوعد الذي يفي به لما احتاج للسؤال عنه، ولما ذكره مقرونا بالكذب، ولكن قصده إصلاح حال امرأته بما لا يفعله فتخيل الحرج في ذلك فاستأذن عليه. وفي أبي داود قال ﵇: «إذا وعد أحدكم أخاه ومن نيته أن يفي فلم يف فلا شيء عليه (١)». فهذه الأدلة تقتضي عدم الوفاء بالوعد وأن ذلك مباح، والكذب ليس بمباح فلا يكون الوعد يدخله الكذب عكس الأدلة الأولى. واعلم أنا إذا فسرنا الكذب بالخبر الذي لا يطابق لزم دخول الكذب في الوعد بالضرورة مع أن ظاهر الحديث يأباه، وكذلك عدم التأثيم فمن الفقهاء من قال: الكذب يختص بالماضي والحاضر، والوعد إنما يتعلق بالمستقبل فلا يدخله الكذب، وسيأتي الجواب عن الآية ونحوها إن شاء الله تعالى. ومنهم من يقول: لم يتعين عدم المطابقة في المستقبل بسبب أن المستقبل زمان يقبل الوجود والعدم ولم يقع فيه بعد وجود ولا عدم؛ فلا يوصف الخبر عند الإطلاق بعدم المطابقة ولا بالمطابقة؛ لأنه لم يقع بعد ما يقتضي أحدهما. وحيث قلنا: الصدق القول المطابق، والكذب القول الذي ليس بمطابق ظاهر في وقوع وصف المطابقة أو عدمها بالفعل، وذلك مختص بالحال والماضي، وأما المستقبل فليس فيه إلا قبول المطابقة وعدمها، ونحن متى حددنا بوصف نحو قولنا في الإنسان: الحيوان الناطق أو نحوه، إنما نريد الحياة والنطق بالفعل لا بالقول، وإلا لكان الجماد والنبات كله إنسانا؛ لأنه قابل للحياة والنطق، وهذا التعليل يؤيد القول الأول. ومنهم من يقول: الكل يدخله الكذب وإنما سومح في الوعد تكثيرا للعدة بالمعروف؛ فعلى هذا لا فرق بين الكذب والوعد، والأول هو الذي

стр. 8511

ظهر لي لعدم تعيين المطابقة وعدمها اللذين هما ضابطا الصدق والكذب، وعلى ذلك يقع الفرق بينه وبين الكذب وبين الصدق فلا يوصف بواحد منهما، ويختص بالماضي والحاضر- وبعد إيراده اعتراضا وإجابته عنه قال: واعلم أن الفقهاء اختلفوا في الوعد هل يجب الوفاء به شرعا أم لا؟ قال مالك: إذا - سألك أن تهب له دينارا فقلت: نعم، ثم بدا لك لا، يلزمك ولو كان افتراق الغرماء عن وعد وإشهاد لأجله لزمك لإبطالك مغرما بالتأخير. قال سحنون: الذي يلزم من الوعد قوله: اهدم دارك وأنا أسلفك ما تبني به، واخرج إلى الحج وأنا أسلفك، أو اشتر سلعة، أو تزوج امرأة وأنا أسلفك؛ لأنك أدخلته بوعدك في ذلك، أما مجرد الوعد فلا يلزم الوفاء به، بل الوفاء به من مكارم الأخلاق، وقال أصبغ: يقضي عليك به تزوج الموعود أم لا. وكذا أسلفني لأشتري سلعة كذا، لزمك، تسبب في ذلك أم لا. والذي لا يلزم من ذلك أن تعده، من غير ذكر سبب، فيقول: أسلفني كذا فتقول: نعم. بذلك قضى عمر بن عبد العزيز ﵀ وإن وعدت غريمك بتأخير الدين لزمك؛ لأنه إسقاط لازم للحق سواء قلت: له أؤخرك أو أخرتك، وإذا أسلفته فعليك تأخيره مدة تصلح لذلك، وحينئذ تقول مرجع الجمع بين الأدلة المتقدمة التي يقتضي بعضها الوفاء به وبعضها عدم الوفاء به: إنه إن أدخله في سبب يلزم بوعده لزم كما قال مالك وابن القاسم وسحنون، أو وعده مقرونا بذكر السبب كما قال أصبغ لتأكد العزم على الدفع حينئذ، ويحمل عدم اللزوم على خلاف ذلك مع أنه قد قيل في الآية إنها نزلت في قوم كانوا يقولون: جاهدنا، وما جاهدوا، وفعلنا أنواعا من الخيرات، وما فعلوها ولا شك أن هذا محرم؛ لأنه كذب، ولأنه تسميع بطاعة الله وكلاهما محرم

стр. 8512

ومعصية اتفاقا، وأما ما ذكر من الإخلاف في صفة المنافق فمعناه أنه سجية له ومقتضى حاله الإخلاف ومثل هذه السجية يحسن الذم بها كما يقال: سجيته تقتضي البخل والمنع فمن كانت صفاته تحث على الخير مدح، أو تحث على الشر ذم شرعا وعرفا، واعلم أنه لا بد في هذا الفرق من مخالفة بعض الظواهر إن جعلنا الوعد يدخله الكذب بطل لقوله ﵇ للسائل لما قال: له أأكذب لامرأتي؟ قال: «لا خير في الكذب (١)» وأباح له الوعد وهو ظاهر في أنه ليس بكذب ولا يدخله الكذب، ولأن الكذب حرام إجماعا فيلزم معصيته فيجب الوفاء به نفيا للمعصية وليس كذلك، وإن قلنا: إن الكذب لا يدخله ورد علينا ظواهر وعد الله ووعيده فلا بد من الجمع بينهما وما ذكرته أقرب الطرق في ذلك (٢). وقال ابن حجر قوله: " باب من أمر بإنجاز الوعد " وجه تعلق هذا الباب بأبواب الشهادات أن وعد المرء كالشهادات على نفسه، قاله الكرماني، وقال المهلب: إنجاز الوعد مأمور به مندوب إليه عند الجميع وليس بفرض؛ لاتفاقهم على أن الموعود لا يضارب بما وعد به مع الغرماء. اهـ. ونقل الإجماع في ذلك مردود، فإن الخلاف مشهور، لكن القائل به قليل، وقال ابن عبد البر وابن العربي: أجل من قال به عمر بن عبد العزيز وعن بعض المالكية إن ارتبط الوعد بسبب وجب الوفاء به وإلا فلا، فمن قال لآخر: تزوج ولك كذا فتزوج لذلك وجب الوفاء به. وخرج بعضهم الخلاف على أن الهيئة هل تملك بالقبض أو قبله، وقرأت بخط أبي ﵀ في إشكالات على الأذكار للنووي " ولم يذكر جوابا عن الآية يعني قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٣)

стр. 8513

وحديث آية المنافق - قال: والدلالة للوجوب منها قوية فكيف حملوه على كراهة التنزيه مع الوعيد الشديد، وينظر هل يمكن أن يقال يحرم الإخلاف ولا يجب الوفاء؟ أي يأثم بالإخلاف وإن كان لا يلزم بوفاء ذلك (١). وقال محمد بن مفلح: ولا يلزم الوفاء بالوعد، نص عليه (وهـ ش) لأنه يحرم بلا استثناء لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ (٢) ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٣). ولأنه في معنى الهبة قبل القبض. وذكر شيخنا وجها: يلزم، واختاره، ويتوجه أنه رواية من تأجيل العارية والصلح عن عوض المتلف بمؤجل. ولما قيل للإمام أحمد: بم يعرف الكذابون؟ قال بخلف المواعيد، وهذا متجه، وقاله من الفقهاء ابن شبرمة، وقال ابن العربي المالكي: أجل من قاله عمر بن عبد العزيز لقوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٤) ولخبر «آية المنافق ثلاث. إذا وعد أخلف (٥)» وحملا على وعد واجب. وبإسناد حسن «العدة عطية» وبإسناد ضعيف «العدة دين» أبو مسعود الدمشقي والبرقاني أن مسلما روى «ولا يعد الرجل صبيه ثم يخلفه (٦)». ورواه ابن ماجه من حديث ابن مسعود بإسناد حسن «ثم لا يفي له فإن الكذب يهدي إلى الفجور (٧)». وفيه «والسعيد من وعظ بغيره (٨)». وفيه عبيد بن ميمون المدني روى عنه غير واحد، ووثقه ابن حبان وقال أبو حاتم مجهول، وعن ابن مسعود مرفوعا «لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده، ثم تخلفه (٩)». رواه الترمذي وغيره.

стр. 8514

قال ابن الجوزي: فائدة الاستثناء خروجه من الكذب إذا لم يفعل كقوله: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ (١) وذكر القاضي في مسألة الفرار من الزكاة لما قيل له: إن أصحاب الجنة عوقبوا على ترك الاستثناء في القسم، قال: لا؛ لأنه مباح، وعلى أن الوعيد عليهما. ومذهب "م" يلزم لسبب، كمن قال لغيره: تزوج وأعطيك كذا، واحلف لا تشتمني ولك كذا وإلا لم يلزم، وقد روى أبو داود والترمذي، عن أبي النعمان، عن أبي وقاص - ولا يعرفان- عن زيد بن أرقم مرفوعا: «إذا وعد الرجل أخاه ومن نيته أن يفي فلم يف ولم يجئ للميعاد فلا إثم عليه (٢)» وتقدم آخر كتاب العهد وأنه غير الوعد، ويكون بمعنى اليمين والأمان والذمة والحفظ والرعاية والوصية وغير ذلك، وفي سيد الاستغفار «وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت (٣)» قال ابن الجوزي: قال المفسرون العهد الذي يجب الوفاء به الذي يحسن فعله، والوعد من العهد، وقال في ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ (٤) عام فيما بينه وبين ربه وبين الناس، ثم قال الزجاج: كل ما أمر الله به أو نهى عنه فهو من العهد (٥). وقال ابن حزم: مسألة، ومن وعد آخر بأن يعطيه مالا معينا أو غير معين أو بأنه يعينه في عمل ما حلف له على ذلك أو لم يحلف لم يلزمه الوفاء به ويكره له ذلك، وكان الأفضل لو وفى به، وسواء أدخله بذلك في نفقته أو لم يدخله كمن قال: تزوج فلانة وأنا أعينك في صداقها بكذا

стр. 8515

وكذا أو نحو هذا وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأبي سليمان، وقال مالك لا يلزمه شيء من ذلك إلا أن يدخله بموعد في كلفة فيلزمه ويقضي عليه، وقال ابن شبرمة: الوعد كله لازم ويقضي به على الواعد ويجبر. فأما تقسيم مالك فلا وجه له، ولا برهان يعضده لا من قرآن ولا سنة ولا قول صاحب ولا قياس. فإن قالوا: قد أضر به إذ كلفه من أجل وعده عملا ونفقة. قلنا: فهبكم أنه كما تقولون من أين وجب على من أضر بآخر وظلمه وغره أن يغرم له مالا؟ ما علمنا هذا في دين الله تعالى إلا حيث جاء به النص فقط، ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه. وأما من ذهب إلى قول ابن شبرمة فإنهم احتجوا بقول الله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (١) والخبر الصحيح من طريق عبد الله بن عمرو ﵁ عن رسول الله ﷺ «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر (٢)». والآخر الثابت من طريق أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ «من علامة النفاق ثلاثة وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان (٣)». فهذان أثران في غاية الصحة، وآثار أخر لا تصح، أحدها من طريق

стр. 8516

الليث، عن ابن عجلان أن رجلا من موالي عبد الله بن عامر بن ربيعة العدوي حدثه، عن عبد الله بن عامر قالت لي أمي: هاه تعال أعطك، فقال لها رسول الله ﷺ : «ما أردت أن تعطيه؟ فقالت أعطيه تمرا، فقال لها ﵇ أما إنك لو لم تعطيه شيئا كتبت عليك كذبة (١)» هذا لا شيء؛ لأنه عمن لم يسم. وآخر من طريق ابن وهب أيضا، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم أن رسول الله ﷺ قال: «وأي المؤمن حق واجب (٢)» هشام بن سعد ضعيف وهو مرسل. ومن طريق ابن وهب، عن إسماعيل بن عياش عن أبي إسحاق أن رسول الله ﷺ قال: «ولا تعد أخاك وعدا فتخلفه فإن ذلك يورث بينك وبينه عداوة (٣)». وهذا مرسل، وإسماعيل بن عياش ضعيف. ومن طريق ابن وهب، أخبرني الليث بن سعد، عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «من قال لصبي تعال هاه لك، ثم لم يعطه شيئا فهي كذبة (٤)» ابن شهاب كان إذ مات أبو هريرة ابن أقل من تسع سنين لم يسمع منه كلمة، وأبو حنيفة ومالك يرون المرسل كالمسند، ويحتجون بما ذكرنا فيلزمهما أن يقضوا بإنجاز الوعد على الواعد ولا بد وإلا فهم متناقضون فلو صحت هذه الآثار لقلنا بها. وأما الحديثان اللذان صدرنا بهما فصحيحان إلا أنه لا حجة فيهما علينا؛ لأنهما ليسا على ظاهرهما؛ لأن من وعد بما لا يحل أو عاهد على

стр. 8517

معصية فلا يحل له الوفاء بشيء من ذلك، كمن وعد بزنا أو بخمر أو بما يشبه ذلك، فصح أن ليس كل من وعد فأخلف أو عاهد فغدر مذموما ولا ملوما ولا عاصيا بل قد يكون مطيعا مؤدي فرض، فإن ذلك كذلك فلا يكون فرضا من إنجاز الوعد والعهد إلا على من وعد، كإنصاف من دين أو أداء حق فقط، وأيضا فإن من وعد وحلف واستثنى فقد سقط عنه الحنث بالنص والإجماع المتيقن فإذا سقط عنه الحنث لم يلزمه فعل ما حلف عليه، ولا فرق بين وعد أقسم عليه وبين وعد لم يقسم عليه، وأيضا فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ (١) ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٢) فصح تحريم الوعد بغير استثناء فوجب أن من وعد ولم يستثن فقد عصى الله تعالى في وعده ذلك، ولا يجوز أن يجبر أحد أحدا على معصية، فإن استثنى، فقال: إن شاء الله تعالى، أو إلا أن يشاء الله تعالى، أو نحوه مما يعلقه بإرادة الله فلا يكون مخلفا لوعده إن لم يفعل؛ لأنه إنما وعده أن يفعل إن شاء الله تعالى، وقد علمنا أن الله تعالى لو شاء لأنفذه، فإن لم ينفذه فلم يشأ الله تعالى كونه. وقول الله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٣) على هذا أيضا مما يلزمهم كالذي وصف الله تعالى عنه إذ يقول: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٤) ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٥) ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ (٦) فصح ما قلنا؛ لأن الصدقة واجبة والكون من الصالحين واجب فالوعد والعهد

стр. 8518

بذلك فرضان فرض إنجازهما، وبالله التوفيق، وأيضا هذا نذر من هذا الذي عاهد الله تعالى على ذلك والنذر فرض (١). وأما كلام علماء العصر في هذا الدليل، فقال الأستاذ مصطفى الزرقا: وأما قاعدة الالتزامات والوعد الملزم عند المالكية فخلاصتها أن الشخص إذا ما وعد غيره عدة بقرض أو يتحمل وضيعة عنه " أي خسارة " أو إعارة أو نحو ذلك مما ليس بواجب عليه في الأصل فهل يصبح بالوعد ملزما ويقضي عليه بموجبه إن لم يف له، أو لا يكون ملزما؟ اختلف فقهاء المالكية في ذلك على أربعة آراء قد فصلها الحطاب في رسالته في الالتزامات، ونقلها عنه الشيخ محمد عليش في فتاواه المسماة فتح العلي المالك- ج ٢ ص ٢٥٥ - في بحث مسائل الالتزام فمنهم من يقول: يقضي بالعدة مطلقا أي أنها ملزمة له، ومنهم من يقول: لا يقضي بها مطلقا أي أنها غير ملزمة، ومنهم من يقول: إن العدة تلزم الواعد فيقضي بها إذا ذكر لها سبب وإن لم يباشر الموعود ذلك السبب، كما لو قال لآخر: إني أعيرك بقري ومحراثي لحراثة أرضك، أو أريد أن أقرضك كذا لتتزوج، أو قال الطالب لغيره: أريد أن أسافر أو أن أقضي ديني فأسلفني مبلغ كذا، فوعده بذلك، ثم بدا له فرجع عن وعده قبل أن يباشر الموعود السبب الذي ذكر من سفر أو وفاء دين- أو حراثة أرض إلخ. . . فإن الواعد ملزم ويقضى عليه بالتنفيذ جبرا إن امتنع. ومنهم من يقول: لا يلزم بوعده إلا إذا دخل الموعود في سبب ذكر في الوعد أي إذا باشر السبب، كما إذا وعده بأن يسلفه ثمن شيء يريد شراءه فاشتراه فعلا، ومبلغ المهر في الزواج فتزوج ونحو ذلك وهذا هو الراجح في المذهب من بين هذه الآراء الأربعة.

стр. 8519

أما عند الحنفية فإن المواعيد ملزمة إلا في حالات ضيقة إذا صدرت بطريق التعاون فإذا نظرنا إلى مذهب المالكية الأوسع في هذه القضية فإننا نجد في قاعدة الالتزامات هذه متسعا لتخرج عقد التأمين على أساس أنه التزام من المؤمن للمستأمنين ولو بلا مقابل على سبيل الوعد أن يتحمل عنه أضرار الحادث الخطر الذي هو معرض له، أي أن يعوض عليه الخسائر، فقد نص المالكية أصحاب الرأي الرابع وهو الرأي الأضيق على أن لو قال شخص لآخر: بع كرمك الآن وإن- لحقتك من هذا البيع وضيعة " أي خسارة " فأنا أرضيك فباعه بالوضيعة، كان على القائل أن يرضيه بما يشبه ثمن ذلك الشيء المبيع والوضيعة فيه " أي أن يتحمل عنه مقدار الخسارة "، وهو قول ابن وهب. قال أصبغ: وقول ابن وهب هذا هو أحب إلي. قال ابن رشد: لأنها عدة على سبب وهو البيع، والعدة إذا كانت على سبب لزمت بحصول السبب في المشهور من الأقوال " فتاوى عليش من المحل الآنف الذكر". ولا يخفى أن أقل ما يمكن أن يقال في عقد التأمين أنه التزام تحمل الخسائر عن الموعود في حادث معين محتمل الوقوع بطريق الوعد الملزم نظير الالتزام بتحمل خسارة المبيع عن البائع مما نص عليه المالكية على سبيل المثال لا على سبيل الحصر (١). ويمكن أن يجاب عن ذلك بأمور: الأول: أن عقد التأمين من عقود المعاوضات، والوعد الملزم من عقود التبرعات فلا يصح أن يقاس معاوضة على عقد تبرع لاختلافهما في التقعيد.

стр. 8520

الثاني: أن العوض في الوعد الملزم معلوم عند الطرفين ابتداء، وأما ما تدفعه الشركة فهو مجهول لا يعلم لكل واحد من الطرفين إلا بعد وقوع الخطر؛ فلا يصح قياس مجهول على معلوم. الثالث: الوعد الملزم لا يجب الوفاء به إلا إذا تسبب الموعود بالدخول في الأمر الموعود من أجله، وأما في التأمين فإن المستأمن لا يستحق شيئا إذا دخل بنفسه فأتلف المؤمن عليه قصدا، ويستحق ما سوى هذه الصورة من صور التأمين، فالصورتان مختلفتان في تحقيق المناط؛ فلا يصح القياس وبيان ذلك أنه في الوعد الملزم إذا تحقق الحكم الوضعي تحقق بعده الحكم التكليفي، وفي التأمين إذا انتفى الحكم الوضعي وهو تسبب المستأمن استحق المبلغ، وإذا ثبت الحكم الوضعي وهو التسبب من المستأمن انتفى الاستحقاق.

стр. 8521

جـ - قياس عقد التأمين على عقد المضاربة: نذكر فيما يلي ما تيسر من كلام العلماء السابقين فيها، ثم نتبع ذلك بكلام العلماء المعاصرين. أما كلام العلماء السابقين فقد قالوا في تعريف المضاربة: أن يدفع مالا إلى غيره ليتجر فيه ويكون الربح بينهما على ما شرطا، فيكون الربح لرب المال بسبب ماله؛ لأنه نماء ماله وللمضارب باعتبار عمله الذي هو سبب وجود الربح. وأما بيان أنواعها وشروطها وأحكامها، فقال: السمرقندي: ثم هي نوعان مطلقة وخاصة، أما المطلقة: فأن يدفع المال إلى رجل ويقول: دفعت هذا المال إليك مضاربة على أن الربح بيننا نصفان (١).

стр. 8522

وقال أيضا: ومن شروط صحتها أن يكون الربح جزءا مشاعا في الجملة. ومنها إعلام قدر الربح؛ لأن الربح هو المقصود فجهالته توجب فساد العقد فكل شرط يؤدي إلى جهالة الربح يفسد المضاربة (١). وقال أيضا: المضاربة تشتمل على أحكام مختلفة- إذا دفع المال إلى المضارب فهو أمانة في يده في حكم الوديعة؛ لأنه قبضه بأمر المالك لا على طريق البدل والوثيقة. فإذا اشترى به فهو وكالة؛ لأنه تصرف في مال الغير بإذنه، فإذا ربح صار شركة؛ لأنه ملك جزءا من المال بشرط العمل والباقي نماء مال المالك فهو له فكان مشتركا بينهما، فإذا فسدت المضاربة بوجه من الوجوه صارت إجارة؛ لأن الواجب فيها أجر المثل، وذلك يجب في الإجارات، فإن خالف المضارب صار غاصبا والمال مضمون عليه؛ لأنه تعدى في ملك غيره (٢). وجاء في مدونة الإمام مالك ﵀: قلت: أرأيت المقارضة على النصف أو الخمس أو السدس، أو أقل من ذلك أو أكثر؟ قال: فلا بأس بذلك عند مالك. . . قلت: أرأيت إن دفعت إلى أجل مالا قراضا ولم أسم له ثلثا ولا ربعا ولا نصفا، ولا أكثر من أن قلت له: خذ هذا المال قراضا، فعمل فربح، وتصادق رب المال والعامل على ذلك قال يرد إلى قراض مثله (٣). وقال ابن جزي: وإنما يجوز بستة شروط. . . الثاني: أن يكون

стр. 8523

الجزء مسمى كالنصف ولا يجوز أن يكون مجهولا. . . السادس: أن لا يشترط أحدهما لنفسه شيئا ينفرد به من الربح، ويجوز أن يشترط العامل الربح كله خلافا للشافعي (١). وقال أيضا: فروع سبعة- الفرع الأول: إذا وقع القراض فاسدا فسخ، فإن فات- بالعمل أعطي العمل قراض المثل عند أشهب، وقيل: أجرة المثل مطلقا وفاقا لهما، وقال ابن القاسم: أجرة المثل إلا في أربعة مواضع وهي قرض بعرض أو لأجل أو لضمان أو بحظ مجهول. . . الفرع الثالث: لا يفسخ القراض بموت أحد المتقارضين ولورثة العامل القيام به إن كانوا أمناء أو يأتون بأمين. . . إلخ (٢). وقال النووي: الركن الثالث: الربح، وله أربعة شروط. . . الشرط الثالث أن يكون معلوما، فلو قال: قارضتك على أن لك في الربح شركا أو شركة أو نصيبا فسد. الشرط الرابع: أن يكون العلم به من حيث الجزئية لا من حيث التقدير، فلو قال: لك من الربح أو لي منه درهم أو مائة، والباقي بيننا نصفين فسد القراض (٣). . . وقال أيضا: إذا فسد القراض بتخلف بعض الشروط فله ثلاثة أحكام. أحدها تنفذ تصرفاته كنفوذها في القراض الصحيح لوجود الإذن كالوكالة الفاسدة. الثاني: سلامة الربح بكماله للمالك. الثالث: استحقاق العامل أجرة مثل عمله سواء كان في المال ربح أم لا، وهذه الأحكام مطردة في صور الفساد (٤).

стр. 8524

وقال ابن قدامة: والشرط في المضاربة على ضربين؛ صحيح: مثل أن يشترط ألا يتجر إلا في نوع معين أو بلد معين، أو لا يعامل إلا شخصا معينا، وفاسد وهو على ضربين - أحدهما: أن يضاربه ولا يذكر الربح أو يشترط جزءا من الربح لأحدهما ولأجنبي، والباقي بينهما، أو يقول: خذه مضاربة والربح كله لك، أو كله لي وما أشبه هذا مما يعود بجهالة الربح، فإن المضاربة تفسد والربح كله لرب المال، وللمضارب الأجر، والثاني: أن يشترط عليه ضمان المال من الوديعة. فهل يبطل العقد بهذا على روايتين (١). وقال الشيخ مرعي بن يوسف: والمضارب أمين بالقبض وكيل بالتصرف، شريك بالربح، أجير بالفساد، غاصب بالتعدي، مقترض باشتراط كل الربح له، مستبضع باشتراط كل الربح لرب المال (٢).

стр. 8525

وأما كلام العلماء المعاصرين: فقال الشيخ الصديق محمد الأمين الضرير بعد ذكره لفتوى الشيخ محمد عبده: ثم جاء بعد الشيخ محمد عبده الأستاذ عبد الوهاب خلاف، وقال بجواز عقد التأمين على الحياة وأنه عقد مضاربة؛ لأن عقد المضاربة في الشريعة هو عقد شركة في الربح بمال من طرف وعمل من طرف آخر، وفي التأمين المال من جانب المشتركين الذين يدفعون الأقساط والعمل من جانب الشركة التي تستغل هذه الأموال، والربح للمشتركين وللشركة حسب التعاقد وقد أورد الأستاذ خلاف نفسه على هذا القياس اعتراضا هو أن شرط صحة المضاربة أن يكون الربح بين صاحب المال والقائم بالعمل شائعا بالنسبة، وفي التأمين يشترط للمشترك قدر معين في الربح = ٣ % أو ٤ % فالمضاربة غير صحيحة. وأجاب عنه: أولا بما جاء في تفسير آيات الربا في سورة البقرة للشيخ محمد عبده وهو: لا يدخل في الربا المحرم بالنص الذي لا شك في تحريمه من يعطي آخر مالا يستغله ويجعل له من كسبه حظا معينا؛ لأن مخالفة أقوال الفقهاء في اشتراط أن يكون نسبيا لاقتضاء المصلحة ذلك لا شيء فيه وهذه المعاملة نافعة لرب المال والعامل معا. . . ثانيا: بأن اشتراط أن يكون الربح نصيبا لا قدرا معينا خالف فيه بعض المجتهدين من الفقهاء وليس حكما مجمعا عليه (١).

стр. 8526

مناقشة هذا الدليل: قال الشيخ محمد بخيت المطيعي: ولا يجوز أن يكون العقد المذكور - أي عقد التأمين- عقد مضاربة كما فهمه بعض العصريين؛ لأن عقد المضاربة يلزم أن يكون المال من جانب المالك والعمل من المضارب والربح على ما اشترطاه والعقد المذكور ليس كذلك؛ لأن أهل القومبانية " الشركة " يأخذون المال على أن يكون لهم يعملون فيه لأنفسهم فيكون عقدا فاسدا شرعا؛ لأنه معلق على خطر؛ تارة يقع وتارة لا يقع فهو قمار معنى (١). وقال الأستاذ محمد كامل البناء: إن هناك فرقا واضحا يتعذر معه قياس عقد التأمين على المضاربة وهو أن رب المال يتحمل الخسارة وحده وليس الأمر كذلك في التأمين، كما أنه لو مات رب المال في المضاربة فليس لورثته إلا ما دفعه مورثهم لا يزيد شيئا، أما في التأمين فإنه لو مات المؤمن استحق صاحب منفعة التأمين مبلغا ضخما وهذه مخاطرة ينهى عنها الشارع؛ لأن ذلك لا ضابط له إلا الحظوظ والمصادفات (٢). وقال الأستاذ الدكتور مصطفى زيد: الواقع أن عقد التأمين كان يمكن أن يكون من عقود المضاربة لولا أمران: أولهما أن طبيعة المضاربة تقتضي الاشتراك في الربح أو الخسارة، وليس في طبيعة عقد التأمين أي تعرض للخسارة، والثاني أنه من شروط المضاربة أن يكون الربح نسبيا غير محدد (٣).

стр. 8527

وقال الصديق محمد الأمين الضرير: والذي أراه أنه ليست هناك صورة من صور عقد التأمين يمكن قياسها على عقد المضاربة، حتى لو تجاوزنا عن كون الربح في المضاربة يشترط فيه أن يكون قدرا شائعا بالنسبة، وذلك للأسباب الآتية: ١ - المبلغ الذي يدفعه رب المال للعامل في المضاربة يظل ملكا لصاحبه ولا يدخل في ملك العامل، وذلك بخلاف التأمين فإن القسط يدخل في ملك الشركة تتصرف فيه تصرف المالك في ملكه. ٢ - في حالة موت رب المال في عقد المضاربة يستحق ورثته المال الذي دفعه مع ربحه إن كان، أما في عقد التأمين على الحياة فإن الورثة يستحقون عند موت المؤمن له المبلغ الذي اتفق عليه من الشركة بالغا ما بلغ، فلو أن شخصا أمن على حياته بمبلغ ألف جنيه، ثم مات بعد أن دفع مبلغ مائة جنيه فقط للشركة فإن ورثته يستحقون الألف كاملة، فكيف يقاس هذا العقد على عقد المضاربة ولا يصح أن يقال: إن الشركة تتبرع بالزائد على ما دفعه المؤمن له؛ لأن من خصائص عقد التأمين أنه عقد معاوضة وهو عقد ملزم للطرفين، فالشركة ملزمة بدفع المبلغ المتفق عليه إذا وفى المؤمن له بالتزامه في دفع الأقساط. ٣ - في حال موت صاحب المال في عقد المضاربة يكون المبلغ الذي في يد المضارب " العامل " في ضمن تركة المتوفى يجري فيه ما يجري في سائر أموال التركة، أما في عقد التأمين فإن المال المستحق لا يذهب للورثة مطلقا، وذلك في حالة ما إذا عين المؤمن له مستفيدا- وهذا من حقه- فإن جميع المال يذهب لهذا المستفيد ولو لم يكن للمتوفى مال غيره ولا حق لورثته في الاعتراض (١).

стр. 8528

د- قياس عقد التأمين على ضمان المجهول وضمان ما لم يجب: نذكر فيما يلي كلام بعض الفقهاء السابقين في ذلك ونتبعه ببيان فقهاء العصر ووجه الاستدلال لهذا القياس على الجواز مع المناقشة: أما كلام الفقهاء السابقين، فقال السرخسي: باب ضمان ما يبايع به الرجل: قال ﵀ وإذا قال الرجل لرجل بايع فلانا فما بايعته به من شيء فهو علي فهو جائز على ما قال؛ لأنه أضاف الكفالة إلى سبب وجوب المال على الأصيل وقد بينا أن ذلك صحيح، والجهالة في المكفول به لا تمنع صحة الكفالة لكونها مبنية على التوسع، ولأن جهالة عينها لا تبطل شيئا من العقود وإنما الجهالة المفضية إلى المنازعة هي التي تؤثر في العقود وهذه الجهالة لا تفضي إلى المنازعة؛ لأن توجه المطالبة على الكفيل بعد المبايعة وعند ذلك ما بايعه به معلوم ويستوي إن وقت لذلك وقتا أو لم يوقت إلا أن في الموقت يراعى وجود المبايعة في ذلك الوقت حتى إذا قال ما بايعته به اليوم فباعه غدا لا يجب على الكفيل شيء من ذلك لأن هذا التقييد مفيد في حق الكفيل، ولكن إذا كرر مبايعته في اليوم فذلك كله على الكفيل؛ لأن حرف ما يوجب العموم وإذا لم يوقت فذلك على جميع العمر وإذا بايعته مرة بعد مرة فذلك كله على الكفيل ولا يخرج نفسه من الكفالة لوجود الحرف الموجب للتعميم في كلامه، ويستوي إن بايعه بالنقود أو بغير النقود؛ لأنه قال ما بايعته به من شيء وهو يجمع كل ذلك. انتهى المقصود (١). وقال ابن جزي: ويجوز ضمان المال المعلوم اتفاقا والمجهول خلافا

стр. 8529

للشافعي ويجوز - الضمان بعد وجوب الحق اتفاقا وقبل وجوبه خلافا لشريح القاضي وسحنون والشافعي. (١). وقال النووي: ويشترط في المضمون كونه ثابتا وصحح القديم ضمان ما سيجب، والمذهب صحة ضمان الدرك بعد قبض الثمن، وهو أن يضمن للمشتري الثمن إن خرج المبيع مستحقا أو معيبا أو ناقصا لنقص الصنجة، وكونه لازما، لا كنجوم كتابة، ويصح ضمانه الثمن في مدة الخيار في الأصح وضمان الجعل كالرهن به، وكونه معلوما في الجديد، والإبراء من المجهول باطل في الجديد إلا من إبل الدية ويصح ضمانها في الأصح، ولو قال ضمنت مالك على زيد من درهم إلى عشرة فالأصح صحته، وأنه يكون ضامنا لعشرة. قلت: الأصح لتسعة، والله أعلم. وقال ابن قدامة: ولا كون الحق معلوما ولا واجبا إذا كان مآله إلى الوجوب فلو قال ضمنت لك ما على فلان أو ما تداينه به صح (٢). قال في الحاشية: قوله: " ولا كون الحق معلوما " يعني إذا كان مآله إلى العلم "ولا واجبا إذا كان مآله الوجوب " فلو قال: ضمنت لك ما على فلان أو ما تداينه به صح هذا المذهب، وبه قال أبو حنيفة ومالك؛ وقال الثوري والليث وابن أبي ليلى والشافعي وابن المنذر: لا يصح؛ لأنه التزام مال فلم يصح مجهولا كالثمن، ولنا قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (٣) وحمل البعير غير معلوم؛ لأن حمل البعير

стр. 8530

يختلف باختلافه، وعموم قوله ﵊: «الزعيم غارم (١)»، ومن ضمان ما لم يجب ضمان السوق وهو أن يضمن ما يلزم التاجر من دين وما يقتضيه من عين مضمونة قاله الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى، وقال: تجوز كتابته والشهادة به لمن لم ير جوازه؛ لأنه محل اجتهاد قال: وأما الشهادة على العقود المحرمة على وجه الإعانة عليها فحرام، واختار صحة ضمان حارس ونحوه وتجار حرب ما يذهب من البلد أو البحر وأن غايته ضمان ما لم يجب وضمان المجهول كضمان السوق وهو أن يضمن الضامن ما يجب على التجار للناس من الديون وهو جائز عند أكثر العلماء كمالك وأبي حنيفة وأحمد وقال: الطائفة الواحدة الممتنعة من أهل الحرب التي ينصر بعضها بعضا تجري مجرى الشخص الواحد في معاهدتهم إذا شورطوا على أن تجارهم يدخلون دار الإسلام بشرط أن لا يأخذوا للمسلمين شيئا وما أخذوه كانوا ضامنين في أموالهم جاز (٢). وأما كلام الفقهاء المعاصرين في توجيه الاستدلال والمناقشة - فقالوا: الضامن يجب عليه أداء ما ضمنه مع أنه مجهول من حيث المبدأ فكذلك التأمين يجب على المؤمن أن يدفع للمستأمن قيمة ما ضمنه بعد وقوع الخطر، وإن كان مجهولا من حيث المبدأ. والجواب عن هذا يمكن أن يقال: لا يصح قياس عقد التأمين على ضمان المجهول وما لم يجب، ومنه ضمان السوق؛ لأنه قياس مع الفارق وبيان ذلك من وجوه:

стр. 8531

الوجه الأول: أن الضمان من عقود التبرعات فاغتفرت فيه الجهالة من باب دفع المشقة واليسر على الناس، وأما عقد التأمين فهو من عقود المعاوضات فلا تغتفر فيه الجهالة. الوجه الثاني: أن الضمان يتكون من أربعة أركان ضامن ومضمون له ومضمون عنه ومضمون، وفي التأمين ثلاثة أركان ضامن وهو الشركة، ومضمون له وهو المستأمن، ومضمون وهو ما تدفعه الشركة عند وقوع الخطر، وأما المضمون عنه فمفقود هنا فلا يصح أن يقاس عليه لفقد ركن من أركانه فالصورتان مختلفتان. الوجه الثالث: صورة الضمان تختلف عن صورة التأمين من وجه آخر وهو أن الضامن في الشريعة فرع والمضمون عنه أصل، والتأمين اعتبر فيه الضامن أصلا، ومن شرط القياس الاتفاق في الصورة. الوجه الرابع: أن الضامن إذا دفع إلى المضمون له فإنه يرجع إلى المضمون عنه ويأخذ منه ما دفعه فلا ضرر عليه، أما الشركة فإذا وقع الضرر فإنها تدفع ما وجب عليها ولا ترجع إلى أحد، فتقرر الضرر عليها فلا يصح أن يقاس ما فيه ضرر على ما لا ضرر فيه.

стр. 8532

هـ- قياس عقد التأمين على ضمان خطر الطريق . نذكر فيما يلي كلام بعض الفقهاء السابقين في ضمان خطر الطريق وأسباب الضمان، ثم ما تيسر من كلام فقهاء هذا العصر. أما كلام الفقهاء السابقين: فقال ابن عابدين في أثناء كلامه على السوكرة فإن قلت: سيأتي قبيل باب كفالة الرجلين قال لآخر: اسلك هذا الطريق فإنه آمن، فسلكه وأخذ ماله لم يضمن، ولو قال: إن كان مخوفا وأخذ مالك فأنا ضامن ضمن، وعلله الشارح هناك بأنه ضمن الغار صفة السلامة للمغرور نصا. اهـ. بخلاف الأولى فإنه لم ينص

стр. 8533

على الضمان بقوله: فأنا ضامن، وفي جامع الفصولين الأصل أن المغرور إنما يرجع على الغار لو حصل الغرر في ضمن المعاوضة أو ضمن الغار صفة السلامة للمغرور فصار كقول الطحان لرب البر: اجعله في الدلو فجعله فيه فذهب من النقب إلى الماء وكان الطحان عالما به يضمن إذ غره في ضمن العقد وهو يقتضي السلامة. اهـ. قلت: لا بد في مسألة التغرير من أن يكون الغار عالما بالخطر كما يدل عليه مسألة الطحان المذكورة وأن يكون المغرور غير عالم؛ إذ لا شك أن رب البر لو كان عالما بنقب الدلو يكون هو المضيع لماله باختياره، ولفظ المغرور ينبئ عن ذلك لغة لما في القاموس غره غرا وغرورا فهو مغرور وغرير خدعه وأطمعه بالباطل فاغتر هو. اهـ. ولا يخفى أن صاحب السوكرة لا يقصد تغرير التجار ولا يعلم بحصول الغرق هل يكون أم لا، وأما الخطر من اللصوص والقطاع فهو معلوم له وللتجار؛ لأنهم لا يعطون مال السوكرة إلا عند شدة الخوف طمعا في أخذ بدل الهالك؛ فلم تكن مسألتنا من هذا القبيل. اهـ (١). وقال أبو محمد البغدادي: إذا غرقت السفينة فلو من ريح أصابها أو موج أو جبل صدمها من غير مد الملاح وفعله لا يضمن بالاتفاق، وإن كان بفعله يضمن سواء خالف بأن جاوز العادة أو لم يخالف؛ لأنه أجير مشترك ولو دخلها الماء فأفسد المتاع فلو بفعله ومده يضمن بالاتفاق ولو بلا فعله إن لم يمكن التحرز عنه لا يضمن إجماعا، وإن كان بسبب يمكن التحرز عنه لا يضمن عند أبي حنيفة وعندهما يضمن وهذا كله لو لم يكن رب المتاع أو وكيله في السفينة فلو كان لا يضمن في

стр. 8534

جميع ما مر إذا لم يخالف بأن لم يجاوز المعتاد؛ لأن محل العدل غير مسلم إليه كذا في الفتاوى الصغرى ومشى عليه صاحب الفصولين، وكذا إذا كان بأمر لا يمكن التحرز عنه فإنه لا يضمن ذكره في البزازية وفيما نقلا عن المنتقى لو كانت السفن كثيرة وصاحب المتاع أو الوكيل في إحداها فلا ضمان على الملاح فيما ذهب من السفينة التي فيها صاحب المتاع أو وكيله وضمن فيما سوى ذلك. وعن أبي يوسف إذا كانت السفن تنزل معا وتسير فلا ضمان على الملاح فيما هلك فإنهن كسفينة واحدة وإن تقدم بعضها بعضا فكون أحدهما في إحداهن ككون أحدهما في كلهن. وعن أبي يوسف أيضا في سفينتين مقرونتين إحداهما في إحداهن لا ضمان على الملاح، وكذا لو غير مقرونتين ويسيران معا. ويحبسان معا (١). انتهى المقصود. وقال القرافي: الفرق السابع عشر والمائتان بين قاعدة ما يوجب الضمان وبين قاعدة ما لا يوجبه: أسباب الضمان ثلاثة فمتى وجد واحد منها وجب الضمان ومتى لم يوجد واحد منها لم يجب الضمان - أحدها التفويت مباشرة؛ كإحراق الثوب وقتل الحيوان وأكل الطعام ونحو ذلك، وثانيهما التسبب للإتلاف؛ كحفر بئر في موضع لم يؤذن فيه ووضع السموم في الأطعمة ووقود النار بقرب الزرع أو الأندر ونحو ذلك مما شأنه في العادة أن يفضي غالبا للإتلاف. وثالثها وضع اليد غير المؤتمنة فيندرج في غير المؤتمنة يد الغاصب والبائع يضمن المبيع الذي يتعلق به حق توفية قبل القبض فإن ضمان المبيع الذي هذا شأنه منه؛ لأن يده غير مؤتمنة ويد المتعدي بالدابة في الإجارة ونحوها، ويخرج بهذا القيد يد المودع وعامل القراض ويد المساقي ونحوهم فإنهم أمناء فلا يضمنون (٢).

стр. 8535

أيضا: الفرق الخامس والمائتان بين قاعدة ما يضمن بالطرح من السفن وبين قاعدة ما لا يضمن. قال مالك: إذا طرح بعض الحمل للهول شارك أهل المطروح من لم يطرح لهم شيء في متاعهم، وكان ما طرح وسلم لجميعهم في نمائه ونقصه بثمنه يوم الشراء أن اشتروا من موضع واحد بغير محاباة؛ لأنهم صانوا بالمطروح ما لهم والعدل عدم اختصاص أحدهم بالمطروح؛ إذ ليس أحدهم بأولى من الآخر وهو سبب سلامة جميعهم فإن اشتروا من مواضع أو اشترى بعض أوطال زمان الشراء حتى تغيرت الأسواق اشتركوا بالقيم يوم الركوب دون يوم الشراء؛ لأنه وقت الاختلاط، وسواء طرح الرجل متاعه أو متاع غيره بإذنه أم لا. قال ابن أبي زيد ولا يشارك من لم يرم بعضهم بعضا؛ لأنه لم يطرأ سبب يوجب ذلك بخلاف المطروح له مع غيره. قال ابن حبيب، وليس على صاحب المركب ولا النوانية ضمان، كانوا أحرارا أو عبيدا إلا أن يكونوا للتجارة فتحسب قيمتهم ولا على من لا متاع له؛ لأن هذه كلها وسائل، والمقصود من ركوب البحر إنما هو مال التجارة ويرجع بالمقاصد في المقاصد ومن معه دنانير كثيرة يريد بها التجارة فكالتجارة بخلاف النفقة وما يراد للقنية، وقال ابن بشير: لا يلزم في العين شيء من المطروح؛ لأنه لا يحصل الفرق بسببها لخفتها، وقال سحنون: يدخل المركب في قيمة المطروح؛ لأنه مما سلم بسبب الطرح (١). وقال أبو محمد: إن خيف عليه بصدم قاع البحر فطرح لذلك دخل في القيمة، وقال أهل العراق يدخل المركب وما فيه للقنية أو التجارة

стр. 8536

من عبيد وغيرهم؛ لأن أثر المطروح سلامة الجميع وجوابهم أن شأن المركب أن يصل برجاله سالما إلى البر وإنما يغرق ما فيه عادة وإزالة السبب المهلك لا يوجب شركة بل فعل السبب المنجي، وهو فرق حسن فتأمله فإن فاعل الضرر شأنه أن يضمن فإذا زال ضرره ناسب أن يستحقه أو بعضه؛ لأن موجد الشيء شأنه أن يكون له فإن صالحوا صاحب المطروح بدنانير ولا يشاركهم جاز إذا عرفوا ما يلزم في القضاء فإن خرج بعد الطرح من البحر سالما فهو له وتزول الشركة أو خرج وقد نقص نصف قيمته انتقض نصف الصلح ويرد نصف ما أخذه. اهـ. وأما كلام الفقهاء المعاصرين: فقال الأستاذ مصطفى الزرقا: وأما صحة ضمان خطر الطريق فيما إذا قال شخص لآخر: اسلك هذا الطريق فإنه آمن وإن أصابك فيه شيء فأنا ضامن. فسلكه فأخذ ماله، حيث يضمن القائل هو ما نص عليه الحنفية في الكفالة، وانتبه إليه ابن عابدين وناقشه في كلامه عن "السوكرة" كما سبق بيانه فإني أجد فيه فكرة فقهية يصلح بها أن يكون نصا استثنائيا قويا في تجويز التأمين على الأموال من الأخطار وإن لم يسلم ابن عابدين ﵀ بكفاية هذه الدلالة فيه، ورأى فرقا بينه وبين السوكرة يمنع القياس عليه، والذي أراه أن فقهاءنا الذين قرروا هذا الحكم في الكفالة في ذلك الزمن البعيد لو أنهم عاشوا في عصرنا اليوم وشاهدوا الأخطار التي نشأت من الوسائل الحديثة كالسيارات التي فرضت على الإنسان من الخطر بقدر ما منحته السرعة وثبتت أمامهم فكرة التأمين ولمسوا الضرورة التي نلمسها نحن اليوم في سائر المرافق الاقتصادية الحيوية لتخفيف آثار الكوارث الماحقة لما ترددوا لحظة في إقرار التأمين نظاما شرعيا (١).

стр. 8537

وأجيب عن ذلك بما قاله الصديق محمد الأمين الضرير قال: فهل يمكن أن يكون ما يلزم المؤمن بدفعه عند وقوع الكارثة من قبيل الضمان؟ للإجابة على هذا السؤال لا بد لنا أولا من معرفة أسباب الضمان. الضمان يكون بواحد من الأسباب التالية: ١ - العدوان كالقتل والإحراق وهدم الدور ونحو ذلك، فمن تعدى في شيء وعليه الضمان إما المثل إن كان مثليا أو القيمة إن كان قيميا، وواضح أن المؤمن لم يتعد على المؤمن له في شيء حتى يضمنه له، وإذا كان هناك متعد فإن الضمان يكون عليه لا على الشركة. ٢ - التسبب للإتلاف كحفر البئر في طرق الحيوان في غير الأرض المملوكة للحافر أو في أرضه لكن حفرها لهذا الغرض، وكرمي ما يزلق الناس في الطرقات فيسقط بسبب ذلك حيوان أو غيره ونحو ذلك. وليس المؤمن متسببا في إتلاف مال المؤمن له فلا وجه لتضمينه. ٣ - وضع اليد التي ليست بمؤتمنة، سواء أكانت عادية كيد السراق والنصاب، أو ليست بعادية كما في المبيع بيعا صحيحا يبقى بيد البائع فيضمنه. والمؤمن عليه الذي يلتزم المؤمن بتعويضه يكون في يد صاحبه ولا يضع المؤمن يده عليه مطلقا. ٤ - الكفالة: والكفالة لا بد فيها من كفيل يلتزم بتأدية ما على الأصل من الحق، ومكفول وهو المطالب في الأصل، ومكفول له هو صاحب الحق ومكفول به وهو الحق المطالب به. وعقد التأمين في كثير من صوره لا يوجد فيه ما يمكن أن يعتبر مكفولا ففي تأمين الأشخاص يلتزم المؤمن بدفع المبلغ عند الوفاة أو حصول حادث جسماني سواء كان ذلك قضاء وقدرا أو كان بفعل فاعل.

стр. 8538

وفي التأمين على الأشياء، كالتأمين من السرقة والحريق وموت الحيوان يلتزم المؤمن بتعويض المؤمن له ما أصابه من ضرر، ولو كان وقوع الحادثة بما لا دخل للإنسان فيه، ففي مثل هذه الصور من التأمين لا يمكن أن يقاس التأمين على الكفالة لفقدان المكفول. ولكن هناك حالات يعتدي فيها معتد بإتلاف ماله المؤمن له، كما لو أحرق شخص مال المؤمن له؛ فهل يمكن أن يعتبر ذلك الشخص مكفولا؟ جاء في مجمع الضمانات " لو قال ": إن غصب فلان مالك أو أحد من هؤلاء القوم فأنا ضامن صح، ولو عمم، فقال: لو غصبك إنسان شيئا فأنا له ضامن لك لا تصح= ص ٢٦٨ - ١٥٦= ولو قال: ما ذاب لك على الناس أو لأحد من الناس عليك فعلي لا يصح لجهالة المضمون عنه = ص ٣٧٠ = ومن صور التأمين ما يكون فيه المؤمن له هو المكفول، ويكون المكفول له مجهولا وهذه حالة التأمين من المسئولية كالتأمين من حوادث السيارات فإن الشركة تلتزم فيه بدفع ما يثبت على المؤمن من تعويض لمن أصابه ضرر منه يستحق التعويض بسببه. وهذه أيضا مكفولة غير صحيحة لجهالة المكفول به. ففي مجمع الضمانات: لو قال: ما ذاب للناس أو لأحد من الناس عليك فعلي لا يصبح لجهل المضمون له. = ص ٢٧٠ ففي جميع الصور المتقدمة لا يصح قياس عقد التأمين على عقد الكفالة وهناك فارق عام يمنع من صحة القياس هو أن الكفالة من عقود التبرعات والتأمين من عقود المعاوضات، ولذا لو شرط في العقد للكفالة أن يكون بعوض فإن الكفالة تكون باطلة.

стр. 8539

جاء في مجمع الضمانات " ولو كفل بمال على أن يجعل الطالب له جعلا، فإن لم يكن مشروطا في الكفالة فالشرط باطل: وإن كان مشروطا في الكفالة فالكفالة باطلة = ص ٢٨٢ = وفارق آخر: هو أن عقد التأمين ملزم للطرفين المؤمن والمؤمن له فهو يلزم المؤمن له بدفع القسط، ويلزم المؤمن بدفع العوض المالي أو المبلغ المؤمن عليه، أما عقد الكفالة فإنه لا يلزم المكفول له بشيء؛ فالالتزام فيه من جانب الكفيل فقط، ولذا كان عقدا لازما بالنسبة للكفيل وغير لازم بالنسبة للمكفول له (١).

стр. 8540

و قياس عقد التأمين على نظام التقاعد: قال الأستاذ الزرقا: وأما نظام التقاعد والمعاش لموظفي الدولة وهو نظام مالي عام في عصرنا، فإني لا أقصد الاستدلال به من حيث كونه نظاما قانونيا؛ لأن النظم القانونية لا تصلح حجة في الاستدلال لأحكام الشريعة الإسلامية، ولكني أستدل بموقف فقهاء الشريعة أجمعين منه مع أنه نظام تأميني بكل ما في كلمة التأمين من معنى، فنظام التقاعد يقوم على أساس أن يقتطع من المرتب الشهري للموظف في أعمال الدولة جزء نسبي ضئيل محدود حتى إذا بلغ سن الشيخوخة القانونية وأحيل على التقاعد أخذ وهو غير موظف عامل راتبا شهريا يبلغ أضعافا مضاعفة من المبلغ الضئيل الذي كان يقتطع من راتبه شهريا، وذلك بحسب مدة عمله في الوظيفة ويستمر المرتب التقاعدي الجديد ما دام حيا مهما طالت حياته، وينقل إلى أسرته التي يعولها من زوجة وأولاد وغيرهم بشرائط معينة بعد وفاته؛ فما الفرق بين هذا النظام وبين التأمين على الحياة؟

стр. 8541

إن في كليهما يدفع الشخص قسطا ضئيلا دوريا لا يدري كم يستمر به دفعه وكم يبلغ مجموعه عند التقاعد وفي حكمها يأخذ الشخص أو أسرته في مقابل هذا القسط الدوري الضئيل مبلغا كبيرا دوريا أيضا في التقاعد وفوريا في التأمين على الحياة يتجاوز كثيرا مجموع الأقساط، ولا يدري كم يبلغ مجموعه من التقاعد إلى أن ينطفئ الاستحقاق وانتقالاته، بينما هو محدد معلوم المقدار في التأمين على الحياة، فالضرر والجهالة في نظام التقاعد أعظم منها في التأمين على الحياة. إن هذا النظام التقاعدي يقره علماء الشريعة الإسلامية كافة بلا نكير ولا يرون فيه أية شبهة شائبة من الناحية الشرعية، بل إنهم يرونه أساسا ضروريا في نظام وظائف الدولة ومصلحة عامة لا بد منها شرعا وعقلا وقانونا لصيانة حياة الموظفين العاملين في مصالح الدولة بعد عجزهم وحياة أسرهم إلى مراحل معينة من بعدهم، فلماذا يحسن وجود هذا النظام التقاعدي ترتبا يقوم بين الدولة وموظفيها ولا يجوز نظيره تعاقدا ملزما بين الناس؟ والخلاصة أن نظام التأمين التقاعدي بوجه عام تشهد لجوازه جميع الدلائل الشرعية في الشريعة الإسلامية وفقهها، ولا ينهض في وجهه دليل شرعي على التحريم ولا تثبت أمامه شبهة من الشبهات التي يتوهمها القائلون بتحريمه (١). ونوقش ذلك بما يأتي: أولا: إن قول المستدل: قد شهدت جميع الدلائل الشرعية في الشريعة الإسلامية وفقهها بجواز نظام التقاعد مجرد دعوى مبالغ فيها ليس معه

стр. 8542

من الأدلة الصحيحة ما يعتمد عليه فيها فضلا عن أن يكون لها أدلة لا تقوم أمامها شبهة توهم المنع. ثانيا: ادعى المستدل أن علماء الشريعة كافة في عصرنا أقروا نظام التقاعد دون أية شبهة وفي هذا من المبالغة ما في سابقه، وإنما هي دعوى يردها الواقع، فإن المسألة نظرية ويوجد من العلماء المعاصرين من يخالف فيها. ثالثا: إنه على تقدير اتفاقهم هل يعتبر ذلك إجماعا شرعيا صحيحا تثبت به الأحكام وهم يعترفون على أنفسهم بالتقليد. رابعا: قد يقال: إن كان ما اقتطع من مرتب الموظف لا يزال باقيا على ملكه مع ما قد ضم إليه إلا أنه قيد صرفه بزمن محدود وكيفية محدودة، فالكلام في حكمه كالكلام في حكم التأمين وقد تقدم، وربما كان التقاعد أشد؛ لأن ما فيه من الغرر والمخاطرة والمغامرة أشد، ولأن توزيعه يجري على غير سنن المواريث عطاء مستمرا أو مؤقتا أو حرمانا. خامسا: إنه يمكن أن يقال: إن ما جعل للموظف أو أتباعه من راتب تقاعدي يعتبر مكافأة التزم بها ولي الأمر باعتباره مسئولا عنه وعن أسرته، ووضع لصرفها نظاما راعى فيه مصلحته ومصلحة ألصق الناس به وأقربهم إليه من أسرته، كما راعى فيه ما بذله الموظف من جهد في خدمة الأمة. وعلى هذا لا يكون المعاش التقاعدي من باب المعاوضات المالية التجارية حيث كان مبناه مسئولية ولي الأمر عن رعيته ومقابلة أرباب المعروف فيهم بالمعروف، وإذن فلا شبهة بينه وبين عقود التأمين؛ فإنها معاوضات مالية تجارية استغلالية يقصد بها الربح، فالفرق واضح بين

стр. 8543

مكافآت من أولياء أمور الأمة المسئولين عن رعيتهم لمن قام بخدمة الأمة أو من يعنيه أمره، جزاء معروفه وبين عقود معاوضات تجارية تقصد بها شركات التأمين استغلال- المستأمنين والكسب من ورائهم بطرق غير مشروعة.

стр. 8544

ز- قياس التأمين على نظام العواقل في الإسلام: نذكر فيما يلي كلام بعض الفقهاء السابقين في بيان العاقلة، ثم نذكر بعده كلام الفقهاء المعاصرين في هذا الدليل مع المناقشة. أما كلام الفقهاء السابقين: فقال السمرقندي: ثم العاقلة من هم؟ فعندنا العاقلة هم أهل الديوان في حق من له الديوان وهم المقاتلة، ومن لا ديوان له فعاقلته من كان من عصبته في النسب. وعند الشافعي: لا يلزم أهل الديوان إلا أن يكونوا من النسب. والصحيح قولنا؛ لما روي عن إبراهيم النخعي أنه قال كانت الدية على القبائل، فلما وضع عمر ﵁ الدواوين جعلها على أهل الديوان وذلك بحضرة الصحابة ﵃ من غير خلاف، وتبين أنه إنما كان على أهل القبائل للتناصر، فلما صار التناصر بالديوان اعتبر الديوان لوجود المعنى، ولهذا لا تكون المرأة والصبي والعبد والمدبر والمكاتب من جملة العاقلة؛ لأنهم ليسوا من أهل التناصر ولا من أهل الإعانة بالشرع (١). وقال ابن جزي: وإنما تؤدي العاقلة الدية بأربعة شروط وهي أن تكون الثلث فأكثر، وقال ابن حنبل: تؤدي القليل والكثير، وأن تكون

стр. 8545

عن دم احترازا من قيمة العبد وأن تكون عن خطأ، وأن تثبت بغير اعتراف وإنما يؤديها منهم من كان ذكرا بالغا عاقلا موسرا في الدين والدار، وتوزع عليهم حسب حالهم في المال فيؤدي كل واحد منهم مالا يضربه، ويبدأ بالأقرب فالأقرب (١). وقال الشافعي: لم أعلم مخالفا أن رسول الله ﷺ قضى بالدية على العاقلة، وهذا أكثر من حديث الخاصة، ولم أعلم مخالفا في أن العاقلة العصبة وهم القرابة من قبل الأب، وقضى عمر بن الخطاب على علي بن أبي طالب ﵄ بأن يعقل عن موالي صفية بنت عبد المطلب وقضى للزبير بميراثهم؛ لأنه ابنها. قال: وعلم العاقلة أن ينظر إلى القاتل والجاني ما دون القتل مما تحمله العاقلة من الخطأ فإن كان له إخوة لأبيه حمل عليهم جنايته على ما تحمل العاقلة، فإن احتملوها لم ترفع إلى بني جده وهم عمومته، فإن لم يحتملوها رفعت إلى بني جده، فإن لم يحتملوها رفعت إلى بني جد أبيه، ثم هكذا ترفع إذا عجز عنها أقاربه إلى أقرب الناس به، ولا ترفع إلى بني أب ودونهم أقرب منهم حتى يعجز عنها من هو أقرب منهم، كأن رجلا من بني عبد مناف جنى فحملت جنايته بنو عبد مناف، فلم تحملها بنو عبد مناف فترفع إلى بني قصي، فإن لم تحملها رفعت إلى بني كلاب، فإن لم تحملها رفعت إلى بني مرة، فإن لم تحملها رفعت إلى بني كعب، فإن لم تحملها رفعت إلى بني لؤي، فإن لم تحملها رفعت إلى بني غالب، فإن لم تحملها رفعت إلى بني فهر، فإن لم تحملها رفعت إلى بني مالك، فإن لم تحملها رفعت إلى بني النضر، فإن لم تحملها رفعت إلى بني كنانة
следующие страницы →