أماراتها وكان الصحابة ﵃ يستدلون عليها بعلامات ولكن عدم رؤيتها لا يمنع حصول فضلها لمن قامها إيمانا واحتسابا؛ فالمسلم ينبغي له أن يجتهد في تحريها في العشر الأواخر من رمضان كما أمر النبي ﷺ طلبا للأجر والثواب فإذا صادف قيامه إيمانا واحتسابا هذه الليلة نال أجرها، وإن لم يعلمها قال ﷺ : «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه (١)» وفي رواية أخرى «من قامها ابتغاءها، ثم وقعت له غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر (٢)» (صحيح البخاري - ٤/ ٢٢١) (وصحيح مسلم ٧٦٠).
وقد ثبت عن النبي ﷺ ما يدل على أن من علاماتها طلوع الشمس صبيحتها لا شعاع لها وكان أبي بن كعب يقسم على أنها ليلة سبع وعشرين ويستدل بهذه العلامة، والراجح أنها متنقلة في ليالي العشر كلها وأوتارها أحرى وليلة سبع وعشرين آكد الأوتار في ذلك، ومن اجتهد في العشر كلها في الصلاة والقرآن والدعاء وغير ذلك من وجوه الخير أدرك ليلة القدر بلا شك وفاز بما وعد الله من قامها إذا فعل ذلك إيمانا واحتسابا والله ولي التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
стр. 8717
السؤال الرابع: ما تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (١)؟
الجواب:
تفسير قوله تعالى في سور النجم: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ (٢) ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (٣). الآية.
стр. 8718
ومحل السؤال هنا هو قوله تعالى: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (١) ونفيد بأن علماء التفسير ﵏ اختلفوا في تفسير ذلك، وذكروا أقوالا في معناه أحسنها قولان:
أحدهما: أن المراد به ما يلم به الإنسان من صغائر الذنوب؛ كالنظرة والاستماع لبعض ما لا يجوز من محقرات الذنوب وصغائرها ونحو ذلك.
وهذا مروي عن ابن عباس ﵄ وجماعة من السلف. واحتجوا على ذلك بقوله سبحانه في سورة النساء: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (٢).
قالوا: فالمراد بالسيئات المذكورة في هذه الآية هي صغائر الذنوب وهي اللمم؛ لأن كل إنسان يصعب عليه التحرز من ذلك.
فمن رحمة الله سبحانه أن وعد المؤمنين بغفران ذلك لهم إذا اجتنبوا الكبائر، ولم يصروا على الصغائر. وأحسن ما قيل في تعريف الكبائر: إنها المعاصي التي فيها حد في الدنيا؛ كالسرقة والزنا والقذف وشرب المسكر، أو فيها وعيد في الآخرة بغضب من الله، أو لعنة أو نار؛ كالربا والغيبة والنميمة والسب والشتم، ومما يدل على غفران الصغائر، واجتناب الكبائر وعدم الإصرار على الصغائر قول النبي ﷺ : «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا فهو مدرك ذلك لا محالة: فزنا العين النظر، وزنا اللسان الكلام، وزنا الأذن الاستماع، وزنا اليد البطش. وزنا الرجل الخطى، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك، أو يكذبه (٣)».
стр. 8719
ومن الأدلة على وجوب الحذر من الصغائر والكبائر جميعا، وعدم الإصرار عليها قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١) ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (٢) القول الثاني: أن المراد باللمم هو ما يلم به الإنسان من المعاصي، ثم يتوب إلى الله من ذلك كما في، الآية السابقة، وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ (٣) وقوله سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٤). وما جاء في معنى ذلك من الآيات الكريمات وقول النبي ﷺ : «كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون (٥)».
ولأن كل إنسان معرض للخطأ، والتوبة النصوح يمحو الله بها الذنوب وهي المشتملة على الندم على ما وقع من المعصية والإقلاع منها والعزيمة الصادقة على ألا يعود إليها خوفا من الله سبحانه وتعظيما له ورجاء مغفرته.
ومن تمام التوبة إذا كانت المعصية تتعلق بحق الآدميين؛ كالسرقة والغصب والقذف والضرب والسب والغيبة ونحو ذلك، أن يعطيهم حقوقهم أو يستحلهم منها إلا إذا كانت المعصية غيبة وهي الكلام في العرض ولم يتيسر استحلال صاحبها حذرا من وقوع شر أكثر فإنه يكفي في ذلك أن يدعو بظهر الغيب وأن يذكره بما يعلم من صفاته
стр. 8720
الطيبة، وأعماله الحسنة في الأماكن التي اغتابه فيها ولا حاجة إلى إخباره بغيبته إذا كان يخشى الوقوع في شر أكثر.
وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما فيه رضاه، وأن يحفظنا وإياكم من كل سوء، وأن يمن علينا جميعا بالاستقامة على دينه والسلامة من أسباب غضبه والتوبة إليه سبحانه من جميع ما يخالف شرعه، إنه جواد كريم.
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
стр. 8721
بيان التوحيد والتحذير من الشرك
للدكتور صالح بن فوزان الفوزان
الحمد لله رب العالمين، خلق الخلق ليعبدوه، ونهاهم عن الشرك وبين لهم خطره ليجتنبوه، والصلاة والسلام على نبينا محمد، المبعوث رحمة للعالمين ولجهاد الكفار والمشركين، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. . . وبعد:
فإن الإيمان بالله معناه:
الاعتقاد الجازم بأن الله رب كل شيء، وأنه المستحق للعبادة وحده، وأنه المتصف بصفات الكمال - المنزه عن كل عيب ونقص، وهذا الاعتقاد يقتضي العمل بما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، وفي طليعة ما أمر به التوحيد، وفي طليعة ما نهى عنه الشرك.
وإذا كان الأمر كذلك فهذا يقتضي منا بيان التوحيد وبيان الشرك ليكون المسلم على بصيرة من دينه فيتجنب الشرك ويتمسك بالتوحيد، فنقول وبالله التوفيق.
стр. 8722
ا- بيان التوحيد:
التوحيد هو إفراد الله بالعبادة، وهو ثلاثة أنواع:
(١) توحيد الربوبية (٢) توحيد الألوهية (٣) وتوحيد الأسماء والصفات.
стр. 8723
وتوحيد الربوبية:
هو الإقرار بأن الله هو الخالق للعالم، المدبر لشئونه، وأنه الرزاق المحيي المميت الذي له ملك السماوات والأرض والإقرار بهذا النوع مركوز في الفطر لا يكاد ينازع فيه أحد حتى إن المشركين الذين بعث فيهم نبينا محمد ﷺ كانوا يقرون به ولا ينكرونه - كما ذكر الله عنهم في مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (١).
ولم يعرف عن أحد من طوائف العالم إنكار هذا النوع إلا شواذ من المجموعة البشرية أنكرته في الظاهر مع الاعتراف به في قرارة نفوسها، وإنما أنكرته مكابرة وعنادا كما قال الله عن فرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ (٤).
стр. 8724
والنوع الثاني: توحيد الألوهية:
وهو إفراد الله سبحانه بجميع أنواع العبادة، ويسمى توحيد العبادة؛ لأن الألوهية والعبادة بمعنى واحد، فالإله: معناه المعبود، وهذا النوع هو الذي خلق الله الخلق من أجله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١).
стр. 8725
وهو الذي أرسل الله به الرسل وأنزل به الكتب كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٢) وهذا النوع هو الذي يعلنه كل مسلم في قوله: " لا إله إلا الله ".
وفي قراءته: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٣) وفي كل ركعة من صلاته، وهو الذي يعلنه في تشهده في الصلاة والأذان والإقامة ويعلنه الخطيب في أول الخطبة، وهو الذي يدخل به الكافر في الإسلام، كما قال النبي ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله (٤)».
وهذا النوع الذي شرع من أجله الجهاد كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (٥).
وهذا النوع هو الذي أنكره المشركون حين دعتهم الرسل إليه ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ (٦). ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (٧).
стр. 8726
وهذا النوع هو الذي يسأل عنه الأولون والآخرون، كما في الحديث «كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون - ماذا كنتم تعبدون، وماذا أجبتم المرسلين (١)» وهذا التوحيد هو الذي يهل به المحرم بحج أو عمرة حين يلبي: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك.
стр. 8727
والنوع الثالث من أنواع التوحيد: توحيد الأسماء والصفات:
وهو الإيمان بما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ وإثبات ذلك على وجه يليق بجلاله من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل هذا الذي عليه أهل السنة والجماعة قاطبة. وما تدين به الفرقة الناجية، وأنكره الجهمية وتلاميذهم مخالفين بذلك كتاب الله وسنة رسوله، وما عليه سلف الأمة وأئمتها فنفوا عن الله ما وصف به نفسه من صفات الكمال، وما وصفه به رسوله زاعمين أن إثبات ذلك يقتضي التشبيه؛ لأنهم لا يفهمون من صفات الله إلا ما يفهمون من صفات البشر، فشبهوا أولا ثم عطلوا ثانيا، ولم يدركوا الفارق بين صفات الخالق وصفات المخلوقين، وأن لله صفات تختص به وتليق بجلاله، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١) وكما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢) فأثبت لنفسه الصفات ونفى عنه مشابهة المخلوقات فدل على أن إثبات الصفات لا يقتضي التشبيه، كما زعمه الجهمية وأفراخهم من المعطلة ممن لم يقدر الله حق
стр. 8728
قدره، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا وسبحان الله عما يصفون.
هذه أنواع التوحيد الثلاثة وعلاقة بعضها ببعض. . . .
إن توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية بمعنى أن من أقر بتوحيد الربوبية لزمه أن يقر بتوحيد الإلهية ويقوم به، فمن عرف أن الله ربه وخالقه لزمه أن يعبده وحده لا شريك له. كما قال تعالى: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (١).
وتوحيد الإلهية متضمن لتوحيد الربوبية، فتوحيد الربوبية يدخل ضمن توحيد الإلهية، فمن عبد الله وحده ولم يشرك به شيئا فقد اعتقد أنه ربه وخالقه.
وتوحيد الأسماء والصفات داخل في توحيد الربوبية وهو جزء منه - وتوحيد الربوبية والألوهية تارة يذكران معا فيفترقان في المعنى، ويكون أحدهما قسيما للآخر كما في قوله تعالى ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ (٢) ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ (٣) ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ (٤) وتارة يذكر أحدهما مفردا عن الآخر فيجتمعان في المعنى كما في قول الملكين للميت في القبر: (من ربك؟) ومعناه: من إلهك، وكما في قوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ (٥)، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ (٦)، وقوله: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ (٧).
стр. 8729
فالربوبية المذكورة في هذه الآيات وأمثالها هي الإلهية وليست قسيمة لها وما دمنا قد عرفنا التوحيد فلا بد أن نعرف ضده - لأن الأشياء تعرف بأضدادها وبضدها تتميز الأشياء.
стр. 8730
٢ - بيان الشرك:
الشرك ضد التوحيد، فإذا كان معنى التوحيد: إفراد الله تعالى بالعبادة. فالشرك هو صرف شيء من العبادة لغير الله، والشرك أعظم الذنوب؛ لأن الله سبحانه أخبر أنه لا يغفر لمن لم يتب منه مع أنه كتب على نفسه الرحمة، أما غيره من الذنوب فهو تحت المشيئة، إن شاء الله عذب صاحبه وإن شاء غفر له، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١).
والشرك يحبط جميع الأعمال، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣).
والشرك هبوط وسقوط من أوج العز والكرامة إلى حضيض السفول والقلق وعدم الاستقرار والرذيلة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ (٤).
стр. 8731
والشرك مهدر للدم مبيح للمال كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ (١)، وقال النبي ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله (٢)»، وقال ﷺ : «بعثت بالسيف حتى يعبد الله وحده (٣)».
وقد حرم الله الجنة على المشرك وحكم عليه بالخلود في النار كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (٤).
والشرك أعظم الظلم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٥)؛ لأنه تنقص لرب العالمين، وتسوية لغيره به سبحانه.
والشرك ضلال مبين ولذلك يعترف المشركون بضلالهم فيقولون: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٦) ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٧).
وإذا كان الشرك في هذا المستوى من القبح والخطورة فهذا مما يوجب شدة الحذر من الوقوع فيه، ويوجب على المسلم أن يعرفه ليتجنبه، ويوجب على المسلمين مقاومته والقضاء عليه، وقد كانت مهمة الرسل عليهم الصلاة والسلام في الدرجة الأولى مقاومة الشرك والنهي عنه والتحذير منه وجهاد المشرك باليد واللسان - كما قال تعالى:
стр. 8732
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١).
وكل رسول يقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٢)؛ لأن الشرك هو أعظم الفساد الذي تصاب به الأمم وهو يناقض الخلق والأمر، ولا فائدة في جميع الأعمال مع وجود الشرك، وهذا يؤكد على جميع أتباع الرسل من الدعاة والمصلحين أن تتجه دعواتهم وإصلاحهم إلى مكافحة الشرك وإصلاح العقائد أولا وقبل كل شيء - أما أن تتجه دعواتهم وإصلاحهم إلى أمور جانبية، ويتركون الشرك يعج في عقائد المسلمين بما يمارس حول الأضرحة وبين أرباب الطرق الصوفية المنحرفة فهذا انحراف بالدعوة عن منهجها الصحيح الذي رسمه رسول الله ﷺ ، ورسمه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من قبله ولن تأتي هذه الدعوات بنتيجة ولا فائدة؛ لأنها بدأت من حيث النهاية.
стр. 8733
حدوث الشرك في العالم وسببه:
كان الناس بعد آدم ﵇ على الدين الصحيح إلى أن حدث الشرك في قوم نوح بسبب غلوهم في الصالحين لما ماتوا فصوروا صورهم بإيحاء من الشيطان ونصبوها على مجالسهم ليتذكروا بها أحوالهم فينشطوا على العبادة بزعمهم فلما هلك هذا الجيل الذي نصب تلك الصور زين الشيطان للجيل الذي جاء من بعدهم عبادة تلك الصور فعبدوها. ومن ذلك الحين حدث الشرك في الأرض فبعث الله نبيه نوحا ﵊ يدعو قومه إلى التوحيد وينهاهم عن هذا الشرك الذي وقعوا فيه فأصروا على شركهم: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ (١)
стр. 8734
وتلك أسماء الصالحين الذين غلوا فيهم وصوروا صورهم وأبوا أن يتركوا عبادتهم، وأيس نوح ﵇ في هدايتهم بعد محاولة طويلة معهم كما قال الله ألف سنة إلا خمسين عاما: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (١).
عند ذلك دعا عليهم فأهلكهم الله بالطوفان وأنجى نوحا ومن آمن معه في الفلك. ثم تتابعت الرسل من بعد نوح تدعو إلى التوحيد وتنهى عن الشرك، إلى أن جاء عهد إبراهيم خليل الله وقد بلغ الشرك والطغيان والجبروت من الطواغيت مبلغا عظيما فقاوم الشرك والمشركين بالحجة والبرهان وحطم الأصنام بيده ولقي في سبيل ذلك أشد أنواع الأذى وأقسى أنواع التعذيب الذي سلمه الله منه حين ألقوه في النار فجعلها الله بقدرته ورحمته بردا وسلاما، وجعل العاقبة الحميدة له وجعل في ذريته النبوة والكتاب وبقيت النبوة وكلمة التوحيد في ذريته كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ (٣) خصوصا العرب بني إسماعيل.
فإن التوحيد لم يزل فيهم وهم على ملة إبراهيم وإسماعيل إلى أن ظهر فيهم عمرو بن لحي الخزاعي فغير فيهم دين إبراهيم ودعاهم إلى عبادة الأصنام فأجابوه، والسبب في ذلك أنه ذهب إلى الشام فوجد أهلها يعبدون الأصنام فقلدهم في ذلك وجلب معه الأصنام إلى العرب، وقيل:
стр. 8735
إن الشيطان أتاه وأرشده إلى الأصنام التي كان الطوفان قد دفنها في الأرض بعد قوم نوح وأمره بأخذها ودعوة العرب إلى عبادتها ففعل. ومن ثم انتشر الشرك في العرب، وكانت لهم أصنام مشهورة كاللات والعزى ومناة، وكان لقريش أصنام حول الكعبة وفي جوفها. ومن أعظم أصنامهم هبل الذي يعتزون ويقسمون به - إلى أن بعث الله نبينا محمدا خاتم النبيين فدعا إلى التوحيد ونهى عن الشرك وجاهد المشركين باليد واللسان حتى نصره الله عليهم وهدم أوثانهم وحطم أصنامهم وأعاد الحنيفية ملة إبراهيم صافية نقية وترك أمته على البيضاء ليلها كنهارها وأكمل الله به الدين وأتم به النعمة، وواصل صحابته الكرام، وخلفاؤه العظام مسيرة الدعوة في مشارق الأرض ومغاربها وفتحوا البلاد شرقا وغربا ونشروا فيها التوحيد وقضوا على مظاهر الشرك والوثنية حتى تحقق قول الله : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (١).
стр. 8736
ظهور الشرك في هذه الأمة:
لقد حذر النبي ﷺ أمته من الشرك غاية التحذير وسد كل الطرق الموصلة إليه، وحمى حمى التوحيد ومن ذلك:
(١) أنه نهى عن الغلو في مدحه بما قد يفضي إلى عبادته من دون الله كما حصل للنصارى في حق عيسى ابن مريم، قال ﷺ : «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسو له (١)».
(٢) نهى عن الغلو في تعظيم قبور الصالحين بالبناء عليها وإسراجها
стр. 8737
وتجصيصها والكتابة عليها؛ لأن هذا يفضي إلى عبادتها وطلب قضاء الحوائج من الموتى.
(٣) نهى عن الصلاة عند القبور سواء بني عليها مساجد أم لا؛ لأن ذلك وسيلة لعبادتها ولو على المدى الطويل.
(٤) نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها لما في ذلك من التشبه - بالذين يعبدونها ويسجدون لها في هذين الوقتين.
والمسلم مطلوب منه مخالفة المشركين في عقائدهم وعبادتهم وعاداتهم الخاصة بهم.
(٥) نهى عن السفر إلى أي مكان من الأمكنة بقصد التقرب إلى الله فيه بالعبادة غير المساجد الثلاثة (المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى).
(٦) نهى عن الوفاء بالنذر بالذبح لله في مكان يذبح فيه لغير الله أو يقام فيه عيد من أعياد الجاهلية إبعادا عن التشبه بهم في تعظيم المكان والوثن.
(٧) نهى عن الألفاظ التي فيها التسوية بين الله وبين المخلوق، كقول: (ما شاء الله وما شئت) و (لولا الله وأنت) كل هذا صيانة للتوحيد وسدا لمنافذ الشرك وإبعادا للأمة عن أن تقع فيما وقعت فيه الأمم قبلها من فساد العقائد وقد سار صدر هذه الأمة على موجب تلك الوصايا النبوية وحافظوا على عقائدهم، وصانوها عن كل مناقض ومنقص.
ولما انتهى وقت القرون المفضلة وامتد الزمن بالناس وجهل أغلبهم آثار الرسالة تسرب إليهم كثير من البدع والخرافات والعوائد الجاهلية في عقائدهم ووقع الكثير فيما حذر منه الرسول ﷺ من
стр. 8738
الشرك بالله وفتح المنافذ والطرق الموصلة إليه، فبنيت المساجد على القبور، واتجه إليها الكثير بأنواع العبادة كالطواف بها والذبح لها والتوجه إليها بالرغبة والرهبة والدعاء والاستغاثة وأنواع من الشرك الأكبر الذي يسمونه توسلا وطلبا لشفاعتهم كما قال إخوانهم من قبل: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ (١). ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا﴾ (٢).
قال الإمام العلامة ابن القيم ﵀:
ومن جمع بين سنة رسول الله ﷺ في القبور وما أمر به ونهى عنه وما كان عليه أصحابه وبين ما عليه أكثر الناس اليوم رأى أحدهما مضادا للآخر مناقضا له بحيث لا يجتمعان أبدا.
فنهى رسول الله ﷺ عن الصلاة إلى القبور، وهؤلاء يصلون عندها وإليها، ونهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها المساجد ويسمونها مشاهد مضاهاة لبيوت الله.
ونهى عن إيقاد السرج عليها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل عليها. ونهى عن أن تتخذ عيدا، وهؤلاء يتخذونها أعيادا ومناسك ويجتمعون لها كاجتماعهم للعيد أو أكثر،. . .
وأمر بتسويتها كما روى مسلم في صحيحه «عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : ألا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرا مشرفا إلا سويته (٣)»، وهؤلاء يبالغون في مخالفة الحديث ويرفعونها عن الأرض كالبيت
стр. 8739
ويعقدون عليها القباب، ونهى عن تجصيص القبر والبناء عليه، كما روى مسلم عن جابر ﵁: «أن رسول الله ﷺ نهى عن تجصيص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه (١)»، «ونهى رسول الله ﷺ عن الكتابة عليها (٢)»، كما روى أبو داود عن جابر أيضا «أن رسول الله ﷺ نهى أن يجصص القبر أو يكتب عليه أو يزاد عليه (٣)» وهؤلاء يزيدون عليه الآجر والجص والأحجار.
قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون الآجر على قبورهم، والمقصود أن هؤلاء المعظمين للقبور المتخذيها أعيادا الموقدين عليها السرج، الذين يبنون عليها المساجد والقباب منافون لما أمر به رسول الله ﷺ محادون لما جاء به، وأعظم ذلك اتخاذها مساجد وإيقاد السرج عليها، وهو من الكبائر. . . انتهى كلام ابن القيم ﵀. . . . وهو يصف ما حدث في وقته وقد زاد الأمر على ما وصفه بأضعاف وغلوا في الموتى فعبدوهم من دون الله وكذلك ارتكبوا ما نهى عنه ﷺ من الغلو في مدحه وإطرائه مضاهاة للنصارى في مدح عيسى ابن مريم حتى رفعوه فوق منزلته حتى وقعوا في الشرك الأكبر، وأظهر لهم الشيطان هذا الغلو في قالب تعظيمه ومحبته وأن عدم الغلو فيه تنقيص له وحط من قدره.
وكذلك غلوا في الصالحين كما غلا فيهم قوم نوح من قبل حتى اعتقدوا فيهم شيئا من خصائص الإلهية من جلب النفع ودفع الضر مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، فهتفوا بأسمائهم عند الشدائد والكربات، واستغاثوا بهم في كشف الملمات وطافوا بقبورهم كما يطاف بالكعبة وذبحوا القرابين عند قبورهم وصرفوا لهم النذور. قال الإمام العلامة ابن القيم: وقد أدخل الشيطان الشرك على قوم نوح من باب الغلو في الصالحين، وقد وقع في هذه الأمة مثل ما وقع لقوم نوح لما أظهر
стр. 8740
الشيطان لكثير من المفتونين الغلو والبدع في قالب تعظيم الصالحين ومحبتهم ليوقعهم فيما هو أعظم من ذلك من عبادتهم لهم من دون الله - فما زال يوحي إلى عباد القبور ويلقي إليهم أن البناء والعكوف عليها من محبة أهل القبور من الأنبياء والصالحين وأن الدعاء عندها مستجاب ثم ينقلهم من هذه المرتبة إلى الدعاء بها والإقسام على الله بها، فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى دعاء المقبور وعبادته وسؤاله الشفاعة من دون الله واتخاذ قبره وثنا تعلق عليه القناديل والستور ويطاف به ويستلم ويقبل ويحج إليه ويذبح عنده، فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى دعاء الناس إلى عبادته واتخاذه عيدا ومنسكا ورأوا أن ذلك أنفع لهم في دنياهم وأخراهم. . . .
فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى أن من نهى عن ذلك فقد تنقص أهل هذه الرتب العالية وحطهم عن منزلتهم وزعم أنه لا حرمة لهم ولا قدر، وقد سرى ذلك في نفوس كثير من الجهال والطغام وكثير ممن ينتسب إلى العلم والدين حتى عادوا أهل التوحيد ورموهم بالعظائم ونفروا الناس عنهم. . . انتهى كلامه ﵀ وهو يصور الداء وأسبابه. ولا علاج لهذا الداء القاتل والوباء الفتاك إلا ببذل الأسباب الشافية والواقية والتي تتلخص في نظري فيما يأتي:
(١) الرجوع إلى الكتاب والسنة وكتب السلف الصالح لفهم العقيدة الصحيحة ومعرفة ما يضادها أو ينقصها من الشرك والبدع والخرافات ونبذ الكتب المخالفة للكتاب والسنة من كتب الصوفية والقبورية والمخرفين.
(٢) تدريس كتب العقائد الصحيحة في المراحل الدراسية وتكثيف منهاجها والتركيز عليها في النجاح والرسوب واختيار المدرسين
стр. 8741
المتخصصين في فهم عقيدة السلف وتفهيمها للطلاب، وأن تكون هناك دروس في المساجد لتفهيم العقيدة لعامة الناس، ومن لا تسمح له ظروفه بمتابعة الدراسة المنهجية.
(٣) اهتمام الدعاة بتصحيح العقائد والدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك وإنكار ما يقع من الشرك حول الأضرحة في محاضراتهم ومؤلفاتهم وبيان العقيدة الصحيحة، واجتماع كلمتهم على ذلك بدلا من اختلافهم في مناهج الدعوة اختلافا شتتهم وحير الجهال فيمن يتبعون منهم.
وأفرح أعداء الإسلام بعدم نجاح دعوتهم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (١).
(٤) إزالة مظاهر الشرك من بلاد الإسلام بهدم الأضرحة ومنع بناء المساجد على القبور ومقاومة المخرفين، والمبتدعة، ورد شبهاتهم وكشف تزييفهم حتى يرتدعوا عن غيهم ويسلم الناس من شرهم.
(٥) نشر كتب السلف الصالح وإيصالها إلى أيدي القراء بسهولة وتوفيرها في المكتبات العامة للمراجعة.
(٦) توعية الشباب والدارسين بتعريفهم بالكتاب والمؤلفين المستقيمين والمؤلفات المفيدة في العقيدة وتعريفهم بالكتاب والمؤلفين المنحرفين والمؤلفات الفاسدة والمخلة في العقيدة.
صالح بن فوزان الفوزان
стр. 8742
صفحة فارغة
стр. 8743
نفي تقول سخيف على الجناب المحمدي الشريف.
للشيخ عبد الله كنون.
مما تميزت به السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام عن سير إخوانه النبيين المبعوثين قبله، سلام الله عليهم جميعا، أنها استوعبت جميع أحواله وصفاته وأخباره قبل النبوءة وبعدها، وأخبار قومه وأسرته من قبل الأب والأم على السواء وولادته ورضاعه وتربيته ونشأته بعد وفاة أبيه وأمه في بيت جده عبد المطلب ثم في بيت عمه أبي طالب بعد وفاة جده وحركاته وتصرفاته في طور شبابه وهو مقيم ببلده مكة وأثناء رحلته إلى الشام أولا بمعية عمه وثانيا في تجارة خديجة ومعه غلامها ميسرة إلى تزوجه بها وولادة أولاده، وما شارك فيه من أعمال عمومية كحلف الفضول وتجديد بناء الكعبة إلى أن أوحي إليه وهو يتحنث في جبل حراء فاشتهر أمره وصارت أخباره على كل لسان، وهذه الفصول في سيرته كلها مما روي عنه أو عن معاصريه من قومه بطريق التواتر أو ما يقرب منه، ولم يرو لنا عن نبي غيره إلا القليل من هذه الأخبار، وبطريق تحتمل وتحتمل إلا ما ثبت منها في القرآن.
وعرف عن الرواية العربية أنها لا تهمل شيئا، وأنها تنقل الصحيح والباطل والمشتبه فيه، والسلبي والإيجابي وما هو في صالح القضية وصاحبها
стр. 8744
وما هو بخلاف ذلك ضد عليها حتى ما كان متعلقا بالرسول ﷺ وحياته إيثارا لأمانة الرواية وقداسة الخبر، واعتمادا على ما وضحه العلماء من قواعد للنقد وتمييز الصدق من الكذب وهو ما يسمى بالجرح والتعديل وعلم الرواية، ومن ثم نقل إلينا حديث الغرانيق والإلقاء في الأمنية وحديث طلاق زينب وزواج النبي ﷺ بها وما دس فيه من سخافات وغيرهما مما اتخذه بعض المستشرقين سيئ النية وسيلة للطعن في سيرته ﷺ والأمر لا يعدو أن يكون خبرا من الأخبار التي روجها المشركون، واليهود والمنافقون، ويرويها علماؤنا للتنبيه على ما كان النبي ﷺ يلقاه من أعداء الدعوة وأعدائه هو شخصيا من الأذى والتقول والبهتان.
ويغفل بعض الباحثين عن هذه الحقيقة فيما يتعلق بالتاريخ الإسلامي بعامة، ويتعجبون من ابن خلدون، واضع فلسفة التاريخ كيف لم يطبق منهاجه النقدي على تاريخه هو، وسلك فيه سبيل المؤرخين قبله، من رواية الغث والسمين، وقد أغناه عن ذلك ما ضربه من الأمثلة في المقدمة إذ لو تتبع سقطات المؤرخين لما كفته المجلدات لتقصيها، فكان كمن يقوم بدراسة نص معين، فينبه على ما فيه من خطأ وصواب، ثم يقدمه كما هو من غير زيادة ولا نقصان.
ونخلص للموضوع الذي نحن بصدده، وهو الفرية التي جاءت في بعض الروايات من أنه ﷺ سمى بعض أولاده من خديجة ﵂ بأسماء شركية مما كان القرشيون في الجاهلية يتسمون به، وقد أخرج هذه الرواية الإمام البخاري في تاريخه الصغير بسنده إلى هشام بن عروة وهذا نصه:
стр. 8745
(حدثنا إسماعيل، حدثني أخي، عن سليمان، عن هشام بن عروة، قال: ولد لرسول الله ﷺ من خديجة بمكة عبد العزى والقاسم وماتا قبل الإسلام.
وجاء في سيرة الحافظ مغلطاي عند ذكر ولده ﷺ عبد الله الملقب بالطيب والطاهر ما يلي:
(وروى الهيثم بن عدي وهو متهم بالكذب أنه كان له - يعني للنبي ﷺ ابن يقال له عبد العزى. وطهره الله منه وأعاذه).
وفي المواهب اللدنية للقسطلاني بعد ذكر أولاده ﷺ المتفق عليهم والمختلف فيهم، إشارة بصيغة التمريض إلى هذه الأسطورة، وهي هذه (وقيل ولد له ﷺ ولد قبل المبعث يقال له عبد مناف وعقب عليها الزرقاني في شرحه بقوله: " رواه الهيثم بن عدي، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: ولدت خديجة للنبي ﷺ عبد العزى وعبد مناف والقاسم. قال في الميزان واللسان هذا من افتراء الهيثم على هشام
стр. 8746
والهيثم كذبه البخاري وأبو داود، وآخرون، وقد قال الطحاوي والبيهقي وابن الجوزي وغيرهم: لم ينقل أحد من الثقات ما نقله الهيثم عن هشام، قال ابن الجوزي: قال شيخنا ابن ناصر: لم يسم ﷺ عبد مناف ولا عبد العزى قط.
وقال الحافظ قطب الدين الحلبي في المورد العذب: لا يجوز لأحد أن يقول هذه التسمية أي بالاسمين الذين زعمهما الهيثم، وقعت من النبي ﷺ (١) " لذلك يقول الزرقاني بعد سطور من هذا الكلام وعلى المؤلف - يعني القسطلاني - مؤاخذة، فإن مثل هذا لا يذكر مع السكوت عليه " (٢) وذلك تطبيقا لما تقرر في علم الاصطلاح، قال العراقي في الألفية:
وكيف كان لم يجيزوا ذكره ... لعالم ما لم يبين أمره
- ٣ -
وننقل كلام كل من الحافظ الذهبي في الميزان، والحافظ ابن حجر في اللسان المشار إليه في تعقيب الزرقاني والمتعلق بالهيثم بن عدي الذي هو علة هذا الحديث، ونص الأول:
(الهيثم بن عدي الطائي أبو عبد الرحمن المنبجي ثم الكوفي، قال البخاري: ليس بثقة كان يكذب، قال يعقوب بن محمد: حدثنا عبد الرحمن من أهل منبج، وأمه من سبي منبج (٣) سكتوا عنه، وروى عباس، عن يحيى
стр. 8747
ليس بثقة، كان يكذب، وقال أبو داود: كذاب، وقال النسائي وغيره: متروك الحديث.
قلت: كان إخباريا علامة، روى عن هشام بن عروة، وعبد الله بن عياش المنتوف، ومجالد، وقال ابن عدي: ما أقل ما له من المسند إنما هو صاحب أخبار، وقال ابن المديني: هو أوثق من الواقدي، ولا أرضاه في شيء ومن مناكيره، حدثنا مجالد عن الشعبي عن عدي بن حاتم مرفوعا: «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه (١)». داود بن رشيد حدثنا الهيثم بن عدي، عن أبي يعقوب، عن عبد الملك بن عمير قال: قال الحارث بن كلدة: من بلغ الخمسين فلا يقربن الحجامة، ولا يأخذ من الدواء إلا ما لا بد منه، إنه لا يصلح شيئا إلا أفسد غيره. أحمد بن عبيد بن ناصح حدثنا الهيثم، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة «نهى رسول الله ﷺ عن القران وأن تفتش التمرة عما فيها». قال عباس الدوري: حدثنا بعض أصحابنا قال: قالت جارية الهيثم بن عدي: كان مولاي يقوم كامل الليل يصلي، فإذا أصبح جلس يكذب. مات الهيثم سنة سبع ومائتين عن ثلاث وسبعين، وحديثه يقع في جزء ابن الجهم) (٢).
ونص الثاني، ويتميز بالإشارة إلى حديث الموضوع:
(الهيثم بن عدي الطائي أبو عبد الرحمن المنبجي ثم الكوفي، قال البخاري: ليس بثقة كان يكذب).
ونقل الحافظ ابن حجر كل ما تقدم عند الذهبي إلى تاريخ موت الهيثم ثم زاد عليه ما يلي:
стр. 8748
وقال النسائي: الهيثم منكر الحديث والذي روى في تسمية أولاد رسول الله ﷺ محال أن يصدر ذلك من رسول الله ﷺ والمراد ما قرأت على إبراهيم بن أحمد: أخبركم أحمد بن أبي مسعود أن عبد الله بن عمر أخبرهم، قال أبو الوقت: أنا أحمد بن مسعود، أنا ابن أبي سريع، أنا المنصور، ثنا العلاء بن موسى، حدثنا الهيثم بن عدي قال وحدثنا هشام بن عروة عن أبيه قال: فولدت له عبد العزى وعبد مناف والقاسم قلت لهشام: وأبا الطيب والطاهر؟ قال هذا ما وضعتم يا أهل العراق فأما أشياخنا فقالوا: عبد العزى وعبد مناف، والقاسم وذكر الحديث بطوله؛ فهذا من افتراء الهيثم على هشام والله أعلم.
وقال أبو حاتم: متروك الحديث محله محل الواقدي، وقال أبو زرعة ليس بشيء، وقال العجلي: كذاب وقد رأيته، وقال يعقوب بن شيبة: كانت له معرفة بأمور الناس وأخبارهم ولم يكن في الحديث بالقوي، ولا كانت له معرفة، وبعض الناس يحمل عليه في صدقه، وقال الساجي: سكن مكة وكان يكذب، وقال الإمام أحمد: صاحب أخبار وتدليس، وقال الحاكم والنقاش: حدث عن الثقات بأحاديث منكرة، زاد الحاكم: وذلك مع علمه ومحله وذكره ابن السكن وابن شاهين وابن الجارود والدارقطني في الضعفاء. . . وقال ابن يونس في تاريخ مصر: الهيثم غير موثوق، وقال محمود بن غيلان: أسقطه أحمد ويحيى بن معين وأبو خيثمة، وقال أبو نعيم: يوجد في حديثه المناكير، وذكر المسعودي في مروج الذهب أنه مات سنة ست ومائتين (١).
стр. 8749
-٤ -
تبينا مما تقدم بطلان رواية الهيثم في أسماء ولد النبي ﷺ وقد ارتبطت هذه الرواية بأدلة بطلانها أساسا عند مغلطاي وفي شرح المواهب بما صاحبها من أقوال أهل العلم بالحديث وطعونهم في مرتكب كبرها وهو الهيثم، ومنهم البخاري الذي اضطررنا لتأخير الكلام على حديثه لهذا السبب، مع تقديمنا له، فلنرجع إليه ولنقل كلمتنا فيه استنادا إلى ما حرر رجال الصناعة العارفون بعلل الروايات مبادرين إلى القول بأن علته من إسماعيل بن أبي أويس شيخ الإمام البخاري وهذا كلام الحافظ الذهبي عنه في الميزان:
(إسماعيل بن أبي أويس بن عبد الله بن أبي أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي أبو عبد الله المدني، محدث مكثر فيه لين، روى عن خاله مالك وأخيه عبد الحميد وأبيه وأقدم من لقي عبد العزيز بن الماجشون وسلمة بن وردان وعنه صاحبا الصحيح وإسماعيل القاضي والكبار، قال أحمد: لا بأس به، وقال ابن أبي خيثمة عن يحيى: صدوق ضعيف العقل ليس بذاك، وقال أبو حاتم: محله الصدق مغفل، وقال النسائي: ضعيف، وقال الدارقطني: لا أختاره في الصحيح، توفي سنة ست وعشرين ومائتين.
وقال ابن عدي: قال أحمد بن أبي يحيى: سمعت ابن معين يقول: هو وأبوه يسرقان الحديث، وقال الدولابي في الضعفاء: سمعت النضر بن سلمة المروزي يقول: كذاب، كان يحدث عن مالك بمسائل ابن وهب، وقال العقيلي: حدثني أسامة الدقاق بعري، سمعت يحيى بن معين يقول: إسماعيل بن أبي أويس لا يساوي فلسين.
стр. 8750
قلت: وساق له ابن عدي ثلاثة أحاديث، ثم قال: وروى عن خاله مالك غرائب لا يتابعه عليها أحد، وعن سليمان بن بلال، وروى عنه البخاري الكبير).
وقال عنه الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب:
(إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن أويس (١) بن مالك بن أبي عامر الأصبحي أبو عبد الله بن أبي أويس ابن أخت مالك ونسيبه روى عن أبيه وأخيه أبي بكر (٢) وخاله فأكثر)، ثم ذكر عنده أسماء ممن روى عنهم أو رووا عنه، وقول أحمد فيه وقول ابن أبي خيثمة السابق عن يحيى من أنه ليس بذلك وفسره بقوله يعني أنه لا يحسن الحديث ولا يعرف أن يؤديه أو يقرأ من غير كتابه، وقول معاوية بن صالح عنه هو وأبوه ضعيفان، وقول ابن معين فيه وفي أبيه وقول إبراهيم بن الجنيد عن يحيى فيه: مخلط يكذب ليس بشيء وقول ابن أبي حاتم: إنه مغفل، وقول النسائي عنه: ضعيف وغير ثقة، وقول اللالكائي: بالغ النسائي في الكلام عليه بما يؤدي إلى تركه، ولعله بان له ما لم يبن لغيره؛ لأن كلام هؤلاء كلهم يئول إلى أنه ضعيف ثم ذكر قول ابن عدي السابق، وقال:
أو قد حدث عنه الناس وأثنى عليه ابن معين وأحمد والبخاري يحدث عنه الكثير، وهو خير من أبي أويس) يعني أباه.
стр. 8751
وذكر وفاته سنة ٢٢٦ على ما تقدم أو ٢٧ عن أبي حيان جازما بذلك، ثم نقل قول النضر، وسابق فيه، وقول ابن معين: إنه لا يساوي فلسين، وهو يخالف ما نسب إليه أيضا من ثنائه عليه، وقول الدارقطني السابق وذكر حادثة ارتشاء وقعت له من أحد التجار وقول الإسماعيلي عنه في المدخل كان ينسب في الخفة والطيش إلى ما أكره ذكره، وقول بعضهم فيه جانبناه للسنة ورواية لابن حزم أنه كان يضع الحديث، وحكاية عن سر تجريح النسائي له يفيد أنه كان يضع الحديث لأهل المدينة إذا اختلفوا في شيء فيما بينهم ثم عقب عليها بقوله:
(ولعل هذا كان من إسماعيل في شبيبته ثم انصلح، وأما الشيخان فلا نظن بهما أنهما أخرجا عنه إلا الصحيح من حديثه الذي شارك فيه الثقات وقد أوضحت ذلك في مقدمة شرحي على البخاري. والله أعلم.
ويعتبر ما كتبه ابن حجر في مقدمته تلخيصا لما ذكر في تهذيب التهذيب مع زيادة بيان وهذا نصه.
(إسماعيل بن أبي أويس بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي ابن أخت مالك بن أنس، احتج به الشيخان إلا أنهما لم يكثرا من تخريج حديثه، ولا أخرج له البخاري مما تفرد به سوى حديثين، وأما مسلم فأخرج له أقل مما أخرج له البخاري، وروى له الباقون سوى النسائي، فإنه أطلق القول بضعفه، وروى عن سلمة بن شبيب ما يوجب طرح روايته واختلف فيه قول ابن معين، فقال مرة لا
стр. 8752
بأس به، وقال مرة: ضعيف، وقال مرة: كان يسرق الحديث هو وأبوه، وقال أبو حاتم: محله الصدق وكان مغفلا، وقال أحمد بن حنبل: لا بأس به، وقال الدارقطني: لا أختاره في الصحيح. (قلت): وروينا في مناقب البخاري بسند صحيح أن إسماعيل أخرج له أصوله، وأذن له أن ينتقي منها وأن يعلم له على ما يحدث به ويعرض عما سواه، وهو مشعر بأن ما أخرجه البخاري عنه من صحيح حديثه؛ لأنه كتب من أصوله وعلى هذا لا يحتج به من حديثه غير ما في الصحيح من أجل ما قدم فيه النسائي وغيره إلا أن شاركه فيه غيره فيعتبر به (١).
وإذن فقد سقط ما رواه عنه البخاري في التاريخ الصغير المتعلق بتسمية ولد النبي ﷺ ؛ لأنه ما أخرجه له في غير الصحيح، ولأنه اعتبر بما لغيره في الموضوع فلم يوافقه عليه أحد، بل خالفه الجميع، عدا ما رواه الهيثم وهو في الاعتبار من قبيل غسل دم بدم، وبالله التوفيق.
ذكر الزرقاني في شرح المواهب عند قول المؤلف في خديجة: " ثم تزوجها عتيق بن عابد المخزومي، يعني بعد زوجها الأول أبي هالة، فولدت له جارية اسمها هند " ما نصه: (وقال بعضهم: ولدت لعتيق عبد الله، وقيل عبد مناف وهندا) (٢) وعلى هذا ينبغي أن يحمل قول القطب الحلبي في المورد العذب عقب ما نقلناه عنه سابقا بواسطة الزرقاني في النقطة الثانية: " ولئن قيل أي على فرض الوجود: إنها أي التسمية وقعت، فتكون من بعض أهل خديجة، وغيرها النبي ﷺ بعد) (٣) أي غير ما كان من تسمية شركية لولد خديجة من غيره عند زواجه
стр. 8753
بها لا لولده هو ﵇، فمن ذا الذي يجترئ على أن يسمى له أولاده وبأسماء شركية وهو ﷺ كان الزوج المرغوب فيه المطلوب الذي لا يغيب في مناسبة مثل هذه وما ذكر الرواة الثقات وأجمعوا عليه وتواتر عند الخاص والعام من أسماء أولاده أي القاسم وعبد الله الملقب بالطيب والطاهر وبناته الأربع وكلهم من خديجة، وإبراهيم من مارية القبطية.
فيكون من روى أن لها ولدا باسم من هذه الأسماء المنبوذة، قد اختلط عليه الأمر فظنه للنبي ﷺ وحاشاه وطهره الله منه وأعاذه كما قال الحافظ مغلطاي فيما سبق عنه، وهذا إن ثبت قول من قال بذلك، وهو لا يثبت فإن ما عرف لها من أولاد على اختلاف الروايات من زوجيها السابقين هما هند وهالة وهما ذكران من أبي هالة وهند وهي جارية من عتيق.
-٦ -
وأخيرا لا آخرا، فإن من المقرر الثابت بالأدلة القاطعة أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون من الذنب قبل النبوة وبعدها ولا سيما الشرك الذي هو رأس الذنوب ولا نتعرض للمسألة بما أفاض فيه العلماء من الحجج والبراهين، ولكن نذكر الحديث الذي جاء فيه عن النبي ﷺ ما يثبت أن الإيمان هو الأصل في كل مولود وهو قوله: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه (١)»، والفطرة هنا المراد بها الإيمان بدليل ما بعده، فإذا كان هذا هو ما يطبع عليه كل مولود فكيف بالأنبياء والرسل الذين أعدهم الله لهداية خلقه ودعوتهم الصراط المستقيم، ولا جرم أنه إذا كان لبعض الآباء سلطان على أبنائهم بتحويلهم من الإيمان إلى الكفر، فالأنبياء لا بد أن يكونوا مستثنين من
стр. 8754
هذا السلطان محفوظين منه، ولا سيما وأفضلهم وخاتمهم وصاحب الدعوة العامة إلى الناس كافة قد توفي والده وهو صبي فلم يكن لهما ولا لغيرهما تأثير عليه وأكبر شاهد على ذلك ما جاء في السيرة عند سفره مع عمه أبي طالب إلى الشام وهو صبي من مناشدة الراهب بحيرا له باللات والعزى مختبرا له، فأجابه: لا تسلني باللات والعزى فوالله ما أبغضت شيئا قط بغضهما وفيها كذلك عند سفره في تجارة خديجة برفقة غلامها ميسرة وأنه ﷺ حضر سوق بصرى بالشام فكان بينه وبين رجل اختلاف في سلعة، فقال له الرجل: احلف باللات والعزى، فقال له ﷺ : ما حلفت بهما قط، فقال له الرجل: القول قولك فها هو ذا ابن عشرة أعوام فدون يعلن عن بغضه لللات والعزى وفي عنفوان شبابه قبل زواجه بخديجة في الخامسة والعشرين من عمره يقول وهو الصادق الأمين: إنه ما حلف باللات والعزى قط ويكفينا هذا من تزييف ما نسب إليه من تلك الفرية السخيفة؛ لأنه في صميم الموضوع والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على نبيه محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
عبد الله كنون.
стр. 8755
معنى الشهادة في اللغة وفي اصطلاح الفقهاء
للدكتور عبد الله بن محمد الزبن (١).
لما كانت الشهادة من أهم وسائل الإثبات التي يعتمد عليها القضاء إذ إنها حجة شرعية تثبت بها جميع الحقوق إلا النادر كاللفظة، ولها أركان لا بد من توافرها، وشروط يجب توافرها في الشاهد لكي تقبل شهادته، وشروط يجب توافرها لصحة الشهادة فإنني أقتصر في هذا العدد من هذه المجلة على ذكر معنى الشهادة في اللغة وفي اصطلاح الفقهاء على أن أورد أركان الشهادة، والشروط الواجب توافرها في الشاهد، وشروط صحة الشهادة تباعا في الأعداد القادمة من هذه المجلة - إن شاء الله - وفيما يلي بيان معنى الشهادة في اللغة، وفي اصطلاح الفقهاء.
الأول: معنى الشهادة لغة:
للشهادة في اللغة عدة معان منها:
العلم والبيان:
كقول المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله. أي أعلم أن لا إله إلا الله وأبين أن لا إله إلا الله. وقوله: أشهد أن محمدا رسول الله. أي أعلم وأبين أن محمدا رسول الله.