وذكر وفاته سنة ٢٢٦ على ما تقدم أو ٢٧ عن أبي حيان جازما بذلك، ثم نقل قول النضر، وسابق فيه، وقول ابن معين: إنه لا يساوي فلسين، وهو يخالف ما نسب إليه أيضا من ثنائه عليه، وقول الدارقطني السابق وذكر حادثة ارتشاء وقعت له من أحد التجار وقول الإسماعيلي عنه في المدخل كان ينسب في الخفة والطيش إلى ما أكره ذكره، وقول بعضهم فيه جانبناه للسنة ورواية لابن حزم أنه كان يضع الحديث، وحكاية عن سر تجريح النسائي له يفيد أنه كان يضع الحديث لأهل المدينة إذا اختلفوا في شيء فيما بينهم ثم عقب عليها بقوله:
(ولعل هذا كان من إسماعيل في شبيبته ثم انصلح، وأما الشيخان فلا نظن بهما أنهما أخرجا عنه إلا الصحيح من حديثه الذي شارك فيه الثقات وقد أوضحت ذلك في مقدمة شرحي على البخاري. والله أعلم.
ويعتبر ما كتبه ابن حجر في مقدمته تلخيصا لما ذكر في تهذيب التهذيب مع زيادة بيان وهذا نصه.
(إسماعيل بن أبي أويس بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي ابن أخت مالك بن أنس، احتج به الشيخان إلا أنهما لم يكثرا من تخريج حديثه، ولا أخرج له البخاري مما تفرد به سوى حديثين، وأما مسلم فأخرج له أقل مما أخرج له البخاري، وروى له الباقون سوى النسائي، فإنه أطلق القول بضعفه، وروى عن سلمة بن شبيب ما يوجب طرح روايته واختلف فيه قول ابن معين، فقال مرة لا
стр. 8752
بأس به، وقال مرة: ضعيف، وقال مرة: كان يسرق الحديث هو وأبوه، وقال أبو حاتم: محله الصدق وكان مغفلا، وقال أحمد بن حنبل: لا بأس به، وقال الدارقطني: لا أختاره في الصحيح. (قلت): وروينا في مناقب البخاري بسند صحيح أن إسماعيل أخرج له أصوله، وأذن له أن ينتقي منها وأن يعلم له على ما يحدث به ويعرض عما سواه، وهو مشعر بأن ما أخرجه البخاري عنه من صحيح حديثه؛ لأنه كتب من أصوله وعلى هذا لا يحتج به من حديثه غير ما في الصحيح من أجل ما قدم فيه النسائي وغيره إلا أن شاركه فيه غيره فيعتبر به (١).
وإذن فقد سقط ما رواه عنه البخاري في التاريخ الصغير المتعلق بتسمية ولد النبي ﷺ ؛ لأنه ما أخرجه له في غير الصحيح، ولأنه اعتبر بما لغيره في الموضوع فلم يوافقه عليه أحد، بل خالفه الجميع، عدا ما رواه الهيثم وهو في الاعتبار من قبيل غسل دم بدم، وبالله التوفيق.
ذكر الزرقاني في شرح المواهب عند قول المؤلف في خديجة: " ثم تزوجها عتيق بن عابد المخزومي، يعني بعد زوجها الأول أبي هالة، فولدت له جارية اسمها هند " ما نصه: (وقال بعضهم: ولدت لعتيق عبد الله، وقيل عبد مناف وهندا) (٢) وعلى هذا ينبغي أن يحمل قول القطب الحلبي في المورد العذب عقب ما نقلناه عنه سابقا بواسطة الزرقاني في النقطة الثانية: " ولئن قيل أي على فرض الوجود: إنها أي التسمية وقعت، فتكون من بعض أهل خديجة، وغيرها النبي ﷺ بعد) (٣) أي غير ما كان من تسمية شركية لولد خديجة من غيره عند زواجه
стр. 8753
بها لا لولده هو ﵇، فمن ذا الذي يجترئ على أن يسمى له أولاده وبأسماء شركية وهو ﷺ كان الزوج المرغوب فيه المطلوب الذي لا يغيب في مناسبة مثل هذه وما ذكر الرواة الثقات وأجمعوا عليه وتواتر عند الخاص والعام من أسماء أولاده أي القاسم وعبد الله الملقب بالطيب والطاهر وبناته الأربع وكلهم من خديجة، وإبراهيم من مارية القبطية.
فيكون من روى أن لها ولدا باسم من هذه الأسماء المنبوذة، قد اختلط عليه الأمر فظنه للنبي ﷺ وحاشاه وطهره الله منه وأعاذه كما قال الحافظ مغلطاي فيما سبق عنه، وهذا إن ثبت قول من قال بذلك، وهو لا يثبت فإن ما عرف لها من أولاد على اختلاف الروايات من زوجيها السابقين هما هند وهالة وهما ذكران من أبي هالة وهند وهي جارية من عتيق.
-٦ -
وأخيرا لا آخرا، فإن من المقرر الثابت بالأدلة القاطعة أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون من الذنب قبل النبوة وبعدها ولا سيما الشرك الذي هو رأس الذنوب ولا نتعرض للمسألة بما أفاض فيه العلماء من الحجج والبراهين، ولكن نذكر الحديث الذي جاء فيه عن النبي ﷺ ما يثبت أن الإيمان هو الأصل في كل مولود وهو قوله: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه (١)»، والفطرة هنا المراد بها الإيمان بدليل ما بعده، فإذا كان هذا هو ما يطبع عليه كل مولود فكيف بالأنبياء والرسل الذين أعدهم الله لهداية خلقه ودعوتهم الصراط المستقيم، ولا جرم أنه إذا كان لبعض الآباء سلطان على أبنائهم بتحويلهم من الإيمان إلى الكفر، فالأنبياء لا بد أن يكونوا مستثنين من
стр. 8754
هذا السلطان محفوظين منه، ولا سيما وأفضلهم وخاتمهم وصاحب الدعوة العامة إلى الناس كافة قد توفي والده وهو صبي فلم يكن لهما ولا لغيرهما تأثير عليه وأكبر شاهد على ذلك ما جاء في السيرة عند سفره مع عمه أبي طالب إلى الشام وهو صبي من مناشدة الراهب بحيرا له باللات والعزى مختبرا له، فأجابه: لا تسلني باللات والعزى فوالله ما أبغضت شيئا قط بغضهما وفيها كذلك عند سفره في تجارة خديجة برفقة غلامها ميسرة وأنه ﷺ حضر سوق بصرى بالشام فكان بينه وبين رجل اختلاف في سلعة، فقال له الرجل: احلف باللات والعزى، فقال له ﷺ : ما حلفت بهما قط، فقال له الرجل: القول قولك فها هو ذا ابن عشرة أعوام فدون يعلن عن بغضه لللات والعزى وفي عنفوان شبابه قبل زواجه بخديجة في الخامسة والعشرين من عمره يقول وهو الصادق الأمين: إنه ما حلف باللات والعزى قط ويكفينا هذا من تزييف ما نسب إليه من تلك الفرية السخيفة؛ لأنه في صميم الموضوع والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على نبيه محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
عبد الله كنون.
стр. 8755
معنى الشهادة في اللغة وفي اصطلاح الفقهاء
للدكتور عبد الله بن محمد الزبن (١).
لما كانت الشهادة من أهم وسائل الإثبات التي يعتمد عليها القضاء إذ إنها حجة شرعية تثبت بها جميع الحقوق إلا النادر كاللفظة، ولها أركان لا بد من توافرها، وشروط يجب توافرها في الشاهد لكي تقبل شهادته، وشروط يجب توافرها لصحة الشهادة فإنني أقتصر في هذا العدد من هذه المجلة على ذكر معنى الشهادة في اللغة وفي اصطلاح الفقهاء على أن أورد أركان الشهادة، والشروط الواجب توافرها في الشاهد، وشروط صحة الشهادة تباعا في الأعداد القادمة من هذه المجلة - إن شاء الله - وفيما يلي بيان معنى الشهادة في اللغة، وفي اصطلاح الفقهاء.
الأول: معنى الشهادة لغة:
للشهادة في اللغة عدة معان منها:
العلم والبيان:
كقول المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله. أي أعلم أن لا إله إلا الله وأبين أن لا إله إلا الله. وقوله: أشهد أن محمدا رسول الله. أي أعلم وأبين أن محمدا رسول الله.
стр. 8756
وقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (١) سورة آل عمران آية ١٨. فمعنى شهد الله هنا: قضى أنه لا إله إلا هو وحقيقته: علم وبين لأن الشاهد هو العالم الذي يبين ما علمه.
وشهد فلان عند الحاكم: أي بين ما يعلمه وأظهره، يدل على هذا قوله تعالى: ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ (٢) سورة التوبة آية ١٧، وذلك أنهم يؤمنون بأنبياء أشعروا بمحمد وحثوا على اتباعه، ثم خالفوهم فكذبوه، فبينوا بذلك الكفر على أنفسهم وإن لم يقولوا نحن كفار.
ومنها الحضور:
يقال: شهده شهودا أي حضره فهو شاهد. وقوم شهود أي حضور وهو في الأصل مصدر.
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٣) أي من حضر منكم شهر رمضان وهو مقيم غير مسافر فليصم ما حضر وأقام فيه، وقال تعالى: ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ (٤) أي حضور.
стр. 8757
ومنها الحلف:
تقول: أشهد بكذا أي أحلف، وقولهم شهد بكذا أي حلف. قال تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (١) ومنها الإخبار:
تقول: شهد بكذا، إذا أخبر به، وأدى ما علمه بالمعاينة أو السماع ولذا تعدى بالباء؛ لأنه مضمن معنى أخبر، فصار من معاني الشهادة الإخبار بما قد شوهد (٢).
стр. 8758
الثاني: معنى الشهادة في اصطلاح الفقهاء:
اختلف الفقهاء في تعريف الشهادة بناء على اختلافهم في الأحكام المتعلقة بها عندهم. وفيما يلي بيان هذه التعريفات:
أولا - تعريف الحنفية:
عرف الحنفية الشهادة بعدة تعريفات أشهرها اثنان، هما:
الأول: أنها: " إخبار صدق لإثبات حق بلفظ الشهادة في مجلس القضاء، ولو بلا دعوى ".
стр. 8759
قوله: إخبار: جنس يشمل كافة طرق الإخبار الصادقة والكاذبة من شهادة وغيرها، في مجلس القضاء أو غيره.
وقوله: صدق: قيد أول يخرج أنماط الإخبار الأخرى الكاذبة كشهادة الزور فإنها لا تدخل في التعريف، وإنما إطلاق الشهادة على قول الزور في مجلس القضاء إطلاق مجازي من حيث المشابهة الصورية.
وقوله: لإثبات حق: قيد ثان لبيان الغرض من هذا الإخبار، فخرجت به الأخبار التي تساق لأغراض أخرى كقول القائل في مجلس القضاء أشهد برؤية كذا لبعض العرفيات. والحق هنا يشمل الوجودي وهو المتعلق بالإثبات. والعدمي وهو المتعلق بالنفي.
وقوله: بلفظ الشهادة: قيد ثالث لإخراج أنماط الإخبار بأي لفظ غير لفظ الشهادة كأعلم، وأتيقن، فلا يصح أداء الشهادة به على الخلاف في ذلك.
وقوله: في مجلس القضاء: قيد رابع لإخراج الأخبار في غير مجلس القاضي، فإنه لا يعتبر شهادة شرعا.
وقوله: ولو بلا دعوى: قيد خاص لإدخال دعوى الحسبة، فإنه لا يشترط فيها تقدم الدعوى، ولا موافقة الشهادة للدعوى، وذلك كالشهادة على الطلاق والشهادة على أصل الوقف.
стр. 8760
ومع أن هذا التعريف أشهر التعريفات في الكتب الفقهية وعند الفقهاء إلا أنه لا يخلو من نظر، لاشتماله على شروط الشهادة كقوله: " في مجلس القضاء " وكون الإخبار في مجلس ليس من تمام الحد، وإنما هو من الشروط، والتعريف يذكر لبيان الماهية التي تميز المعرف من غيره فلا يدخل فيه الشرط؛ لأن الشرط هو الذي يتوقف عليه الشيء ولم يدخل في ماهيته ويمكن أن يجاب عن هذا النظر بأن قيد مجلس القضاء في التعريف لزيادة الإيضاح فقط، وليس من أجزاء المعرف، وكثيرا ما يتساهل العلماء في ذكر الشروط في التعريفات للغرض نفسه.
الثاني: أنها " إخبار بحق للغير على الغير ".
ويخرج بهذا التعريف الإقرار، والدعوى؛ لأن الإقرار إخبار الإنسان بحق عليه لغيره، والدعوى إخبار أحد عن حقه قبل شخص آخر في حضور القاضي، إلا أنه لا زال شاملا للأخبار الكاذبة وغير الكاذبة مما لم تتوفر فيه القيود التي وردت في التعريف الأول، إلا أنه يقال: إنه لم يذكر القيود المذكورة في التعريف اكتفاء بذكرها في الشرط.
وعلى كل حال فالتعريف الأول أولى وأحسن، لوضوحه، وما ذكر فيه من بعض الشروط فمقصود به البيان والإيضاح.
стр. 8761
ثانيا: تعريف المالكية:
عرف المالكية الشهادة بتعريفات نذكر ثلاثة منها:
أ - عرف ابن عرفة من المالكية الشهادة بأنها: " قول هو بحيث يوجب على الحاكم سماعه الحكم بمقتضاه إن عدل قائله مع تعدده أو حلف طالبه " (١).
جاء في هذا التعريف لفظ: قول بدل لفظ: خبر. والقول جنس يشمل ما يوجب الحكم من الأقوال، وما لا يوجبه كالأقوال العامة، والروايات وغيرهما. إذ القول أعم من الخبر.
واستعمل القول بهذا التعريف دون الخبر عملا تأسيا بما جاء في الحديث الشريف في قوله ﷺ : «ألا وقول الزور، وشهادة الزور (٢)» فإن القول هنا أريد به الشهادة. وإن كانت الشهادة والرواية خبرين إلا أنه إذا كان المخبر عنه عاما لا يختص بمعين كقول الرسول ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات (٣)» فهو الرواية بخلاف قول المعدل عند
стр. 8762
الحاكم: (لهذا عند هذا دينار)، فإن هذا القول هو الشهادة؛ لأنه إلزام لمعين لا يتعداه إلى غيره.
وقوله: " هو بحيث " يدخل الشهادة قبل الأداء والشهادة غير التامة، إذ إنها قول عرفا وليست خبرا؛ لأنها من كلام النفس الذي يطلق عليه القول عرفا، ولأن الحيثية لا توجب حصول مدلول ما أضيفت إليه بالفعل وإنما تفيد حصوله بالقوة حسبما ذكروه في تعريف الدلالة.
وقوله: " يوجب على الحاكم سماعه " قيد تخرج به الرواية وغيرها مما لا يوجب على الحاكم سماعه من الأقوال، ويخرج الخبر القسيم للشهادة.
وقوله: " الحاكم " دون أن يقول القاضي؛ لأن الحاكم أعم من القاضي؛ لوجوده في المحكم والأمير.
والأقوال التي يجب على القاضي سماعها تشمل ما يجب عليه الحكم بمقتضاه؛ كشهادة العدول، وما لا يجب عليه الحكم بمقتضاه كشهادة غير العدول.
وقوله: " الحكم بمقتضاه " قيد تخرج به شهادة غير العدول التي لا يحكمها بها.
стр. 8763
وقوله: " إن عدل قائله " أي: إن ثبتت عدالته عند القاضي إما بالبينة أو بكونه يعلمها، والعدالة شرط في إيجاب الحكم، وخرج بهذا مجهول الحال هذا وعقب الحطاب في مواهب الجليل بقوله: ولكنه لو قال: عدل قائله. . . إلخ وأسقط قوله: إن عدل قائله لكان أبين؛ لأن عدل إنما يستعمل غالبا (١) فيما ثبت، أو لو قال: يوجبه على الحاكم سماعه الحكم، لشمل ما إذا ثبتت عدالته عنده أو كان عالما بها؛ لأن الحكم بمقتضى السماع الواجب لا يكون إلا عند العلم بعدالة قائله.
وقوله: " مع تعدده أو حلف طالبه " شرط آخر في الشهادة الموجبة للحكم بأن يتعدد فيها الشهود أو يحلف المدعي مع بينته إذا اقتصرت على شاهد واحد.
وشرط التعدد يخرج إخبار القاضي بما ثبت عنده قاضيا آخر، فإنه يجب عليه الحكم بمقتضى ما كتب إليه به، لعدم شرطية التعدد والحلف.
стр. 8764
هذا ويلاحظ على هذا التعريف ما يلي:
١ - أنه يشترط في التعريف كونه جامعا مانعا، فتعريف الشهادة بأنها "قول بحيث يوجب على الحاكم سماعه الحكم بمقتضاه " تعريف غير مانع لدخول الإقرار فيه؛ لأن الإقرار قول يجب على الحاكم سماعه والحكم بمقتضاه.
٢ - أنه ذكر في التعريف شروط الشهادة، وشرط الشيء خارج عن ذاته، والتعريف يذكر لبيان الماهية التي تميز المعرف عن غيره، فلا يدخل فيه الشرط.
٣ - أنه عرف الشهادة بلفظ " قول" مما يدل على عدم اشتراط لفظ " أشهد " وهذا مذهب المالكية في عدم اشتراط صيغة معلومة في أداء الشهادة، وإنما المدار عندهم على حصول العلم كسمعت، ورأيت وغيرهما.
د - أن في هذا التعريف دورا؛ لأن الحكم بافتقاره للتعدد فرع عن كونه شهادة (١).
٥ - أن التقرير بأن الرواية هي: الخبر المتعلق بكلي لا يختص بمعين كخبر: إنما الأعمال بالنيات، وأن الشهادة: الخبر المتعلق بجزئي كقول العدل عند الحاكم لهذا كذا مردود بأن الرواية قد تتعلق بجزئي كخبر «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة (٢)»
стр. 8765
وكآية: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (١). ونحوهما.
٢ - وعرف الدسوقي الشهادة بأنها: " إخبار حاكم عن علم ليقضي بمقتضاه" (٢).
فقوله: " إخبار حاكم " من إضافة المصدر لمفعوله، أي إخبار الشاهد الحاكم.
وقوله: " عن علم " أي: إخبارا ناشئا عن علم لا عن ظن أو شك.
وهذا التعريف هو معنى قول بعضهم: الشهادة: إخبار بما حصل فيه الترافع وقصد به القضاء وبت الحكم، وأما الرواية فهي إخبار بما لم يحصل فيه الترافع، ولم يقصد به فصل القضاء وبت الحكم، بل قصد به مجرد عزوه لقائله (٣).
ويؤيد هذا القول بأن الخبر إما أن يقصد أن يترتب عليه فصل قضاء وإبرام حكم أو لا، فإن قصد به ذلك فهو الشهادة وإن لم يقصد به ذلك فإما أن يقصد به تعريف دليل حكم شرعي أو لا، فإن قصد به ذلك فهو الرواية وإلا فهو سائر أنواع الخبر (٤).
стр. 8766
٣ - وعرفها ابن فرحون، فقال: أما حد الشهادة: فهو إخبار يتعلق بمعين وقيد التعيين في هذا التعريف فإنها تفارق الرواية (١). ولكن يلاحظ على هذا أن الرواية قد تتعلق بمعين كما مر.
стр. 8767
الثالث: تعريف الشافعية:
عرف الشافعية الشهادة تعريفات أشهرها اثنان:
التعريف الأول: أنها " إخبار بحق للغير على الغير بلفظ أشهد ".
قوله " إخبار " مطلق فهو جنس يتناول أشكال الإخبار بالحقوق، وأشكال الإخبار في الروايات.
والأفضل إضافة " الإخبار " إلى المخبر بحيث يقول: إخبار شخص، ولكن لعله ترك الإضافة ظنا منه أن القارئ سيدركها.
وقوله: " بحق " قيد أول على محل الإثبات وهو الحق الذي يثبت، والحق هنا شامل لحق الله وحق العبد، وشامل للمال وغيره مما يثبت ويسقط. ويشمل الوجودي والعدمي كالإبراء، ويخرج بهذا القيد الخبر والرواية، والإخبار عن الحقائق الكونية والأمور العادية.
وقوله: " للغير " قيد ثان تخرج به الدعوى وهي ما يخبر به من حق على غيره لنفسه.
وقول: " على الغير " قيد ثالث لإخراج الإقرار وهو الإخبار بحق عليه للغير.
وقوله: بلفظ " أشهد " قيد رابع لإخراج ما عدا هذا اللفظ في
стр. 8768
الشهادة من الألفاظ الأخرى التي تفيد معنى الإخبار كلفظ: أعلم وأتيقن، ولو كان الإخبار به بحق لغيره على غيره.
التعريف الثاني: أنها " إخبار عن شيء بلفظ خاص ".
فقوله: " عن شيء " يشمل الشهادة بحق وبغير حق كالشهادة بهلال رمضان.
وقوله: " بلفظ خاص " هو: " لفظ " (أشهد) فلا تقبل الشهادة بغيره كلفظ: أعلم، وأتيقن.
وهذا التعريف غير مانع، فيدخل فيه الإقرار، والدعوى، فكان الأولى أن يزيد: " لغيره على غيره ".
стр. 8769
الرابع: تعريف الحنابلة:
الأول: عرف الحنابلة الشهادة بتعريفات منها:
أنها: " الإخبار بما علمه بلفظ خاص ".
فقوله: " الإخبار " جنس يشمل ما علم به المخبر وما لم يعلم من أنماط الإخبار كالإخبار بالكذب، أو الظن.
стр. 8770
(٢) وقوله: " بما علمه " قيد يخرج به ما لا يعلم به المخبر.
وقوله: " بلفظ خاص " هو لفظ: " أشهد بكذا " دون غيره من الألفاظ.
ويؤخذ على هذا التعريف أنه غير مانع، فتدخل فيه الدعوى، وهي: " إخبار بحق يعلمه لنفسه على غيره " ويدخل فيه الإقرار، وهو: " إخبار بحق يعلمه لغيره على نفسه ".
الثاني: أنها " الإخبار بما علمه بلفظ أشهد، أو شهدت " (١) وهذا التعريف يتفق مع التعريف الأول في بعضه - إذ المقصود باللفظ الخاص في التعريف الأول لفظ " أشهد " - ولكنه يختلف عنه بزيادته لفظ " أو شهدت " وهذا اللفظ غير دقيق حيث يفيد الماضي.
الثالث: عرفها صاحب المبدع بأنها " الإخبار عما شوهد، أو علم " (٢).
فقوله: " الإخبار " سبق شرحه عند شرح هذا اللفظ في التعريف الأول.
وقوله: " عما شوهد " قيد تخرج به الأشياء التي علمت من غير مشاهدة.
وقوله: " أو علم " يدخل ما علمه في بأي طريق من طرق العلم.
стр. 8771
وهذا التعريف أعم من التعريفين السابقين.
وبالنظر فيما قدمناه من تعريفات للشهادة نجد أن بعضها قد ورد عليه بعض المؤاخذات التي لا يسلم معها التعريف، ويمكن استخلاص تعريف سليم للشهادة بأن يقال: الشهادة: إخبار بحق لغيره على غيره في مجلس القضاء بحيث يوجب على الحاكم الحكم بمقتضاه ولو بلا دعوى.
وقد ورد شرح هذا التعريف في ثنايا شرح التعريفات السابقة.
عبد الله بن محمد الزبن.
стр. 8772
مباحث السنة عند الأصوليين .
الدكتور حسين مطاوع الترتوري.
ولد في فلسطين بمدينة الخليل سنة ١٩٥٤ م.
١ - حصل على الثانوية العامة من فلسطين.
٢ - حصل على بكالوريوس شريعة من الجامعة الأردنية سنة ١٩٧٧ م بتقدير ممتاز.
٣ - حصل على ماجستير في أصول الفقه بتقدير جيد جدا سنة ١٩٧٩ م من جامعة أم القرى بمكة المكرمة.
٤ - حصل على دكتوراه في أصول الفقه بتقدير ممتاز سنة ٩٨٢ أم من جامعة أم القرى بمكة المكرمة.
عنوان رسالة الماجستير: المشترك ودلالته على الأحكام الشرعية.
عنوان رسالة الدكتوراه: حروف المعاني وأثرها في اختلاف الفقهاء.
٥ - عمل في جامعة القدس - كلية الدعوة وأصول الدين.
٦ - الآن يعمل أستاذا مساعدا بقسم الدراسات الإسلامية بجامعة الملك سعود - كلية التربية.
стр. 8773
مباحث السنة عند الأصوليين.
الدكتور: حسين مطاوع الترتوري.
تعريف السنة في اللغة والاصطلاح:
السنة في اللغة: الطريقة والسيرة حميدة كانت أو ذميمة، والجمع سنن، ومن ذلك حديث الرسول ﷺ «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء (١)».
وتطلق السنة في الاصطلاح على عدة معان:.
أ - تطلق على ما يقابل القرآن، ومن ذلك قول الرسول ﷺ : «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة (٢)».
٢ - وتطلق على ما يقابل البدعة، فيقال: أهل السنة وأهل البدعة.
٣ - وتطلق عند المحدثين على ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل
стр. 8774
أو تقرير أو صفة خلقية أو خلقية وما يتصل بالرسالة، من أحواله الشريفة قبل البعثة ونحو ذلك.
٤ - وتطلق عند الفقهاء على ما يقابل الفرض وغيره من الأحكام الخمسة " الفرض، السنة، الحرام، المكروه، المباح ".
وربما لا يراد بها إلا ما يقابل الفرض، كقوانا: فروض الوضوء وسننه، فإنه لا يقابل بها الحرام والمكروه " في هذا الموطن.
٥ - وتطلق عند الأصوليين على ما صدر عن رسول الله ﷺ غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير (١).
٦ - ووسع الحنفية دائرة السنة في الاصطلاح الشرعي فأدخلوا فيها سنة الصحابة بعد رسول الله ﷺ واستدلوا على ذلك بقول النبي: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ (٢)».
стр. 8775
أنواع السنة من حيث هي.
١ - السنة القولية: مثالها قول النبي ﷺ «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه (١)».
ومثالها أيضا، قوله ﵇: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين (٢)».
стр. 8776
٢ - ، وأما السنة الفعلية فهي ما صدر عنه ﷺ من أفعال، مثال ذلك صلاته وحجه المبينة لمجمل القرآن، ومثاله قضاؤه ﷺ بشاهد ويمين في الأموال.
٣ - وأما السنة التقريرية فهي: ما صدر عن صحابي أو أكثر من أقوال أو أفعال علم بها ﵇ فسكت عنها ولم ينكرها، أو وافقها وأظهر استحسانه لها.
وفيما يلي بعض الأمثلة على ذلك:
١ - أكل الصحابة الضب على مائدة النبي ﷺ ولم ينكر عليهم ذلك (١).
٢ - إقراره ﷺ لعمرو بن العاص الذي صلى بالقوم في غزوة ذات السلاسل جنبا بعد أن تيمم من شدة البرد.
«فعن عمرو بن العاص قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي الصبح. فذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟، فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت الله يقول: فضحك رسول الله ﷺ ولم
يقل شيئا (٣)».
٣ - إقراره ﷺ لبيع السلم.
«عن عبد الله بن أبي المجالد قال: سألت ابن أبي أوفى عن السلف
стр. 8777
قال: كنا نسلف على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر في البر والشعير والتمر إلى قوم لا ندري أعندهم أم لا (١)».
د - أقر ﷺ عائشة في نظرها للأحباش وهم يلعبون في المسجد. عن عروة بن الزبير «أن عائشة قالت: لقد رأيت رسول الله ﷺ يوما على باب حجرتي والحبشة يلعبون في المسجد ورسول الله ﷺ يسترني بردائه أنظر إلى لعبهم (٢)».
ومما يدخل في السنة التقريرية قول الصحابي: كنا نفعل كذا على عهد رسول الله ﷺ : «عن مرثد بن عبد الله قال: أتيت عقبة بن عامر الجهني فقلت: ألا أعجبك من أبي تميم يركع ركعتين قبل صلاة المغرب، فقال عقبة: إنا كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ . قلت: فما يمنعك الآن. قال: الشغل (٣)».
فصلاة ركعتين قبل المغرب ثبت بالسنة التقريرية كما ترى.
٤ - وأما مثال الوصف الخلقي: فما رواه البخاري «عن أنس بن مالك قال: لم يكن النبي ﷺ سبابا ولا فحاشا ولا لعانا، وكان يقول لأحدنا عند المعتبة: ما له ترب جبينه (٤)».
стр. 8778
٥ - ومثال الوصف الخلقي: ما رواه البخاري «عن أنس قال: كان النبي ﷺ شثن القدمين والكفين (١)»، وقوله: «كان رسول الله ﷺ ليس بالطويل البائن ولا بالقصير (٢)». . . .
حجية السنة:
اتفق علماء الأمة على أن السنة حجة ومصدر من مصادر الأحكام واستدلوا على ذلك بثلاثة أدلة: الكتاب، وإجماع الصحابة، والمعقول.
أما الكتاب فقد وردت آيات في القرآن الكريم تدل على حجية السنة ومن ذلك (٣):
١ - قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (٤) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٥).
٢ - قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٦).
٣ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٧).
٤ - قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٨).
جاءت تسأله عن نصيبها في الميراث: [ما لك في كتاب الله من شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله ﷺ من شيء، ولكن أسأل الناس، فسألهم، فقام المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة فشهدا أن النبي ﷺ أعطاها السدس].
وأما المعقول: فهو أن الله فرض على الناس عدة فرائض مجملة لا يمكنهم امتثال أمره فيها إلا بعد أن بينها رسول الله ﷺ بقوله أو بفعله، وقد أعطى الله لرسوله ﵇ سلطة التبيين، فقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١).
стр. 8781
منزلة السنة من القرآن من حيث الرتبة (أي من حيث الاحتجاج بها والرجوع إليها)
اختلف العلماء في هذه المسألة على رأيين:
الأول: إن السنة والقرآن في المرتبة سواء، وإذا تعارض خبر من الأخبار في الظاهر (١) مع آية من القرآن كان المتأخر ناسخا للمتقدم.
وهذا مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، وابن حزم الظاهري (٤)، إلا أن الحنفية والمالكية يشترطون أن يكون الحديث متواترا حتى ينسخ
стр. 8782
القرآن بخلاف ابن حزم، فإن خبر الآحاد والمتواتر عنده سواء في جواز نسخ الكتاب.
الثاني: إن السنة في المرتبة التالية للقرآن، أي أن السنة لا تنسخ القرآن، وإذا حصل تعارض ظاهري بين القرآن والسنة، ولم نستطع الجمع بينهما فلا يتعدى الأمر أحد الاحتمالات الأربعة التالية:
١ - أن تكون الآية منسوخة بآية أخرى.
٢ - أن تكون السنة منسوخة.
٣ - أن يكون الحديث ضعيفا لا يحتج به.
٤ - أن يكون وجه الاستدلال في الآية أو الحديث ضعيفا (١).
وإلى هذا الرأي ذهب الشافعي (٢) وأحمد بن حنبل.
والقائلون بأن السنة تنسخ القرآن ذكروا خمسة أحاديث ادعوا أنها ناسخة لآيات من القرآن، وبعد التأمل فيها يجد الباحث أنه لم ينسخ أي حديث منها آية من القرآن، بل غاية ما في الأمر أن هذه الأحاديث إما بيان لمجمل الآية أو تخصيص لعمومها.
وفيما يلي بيان ذلك:
الحديث الأول: «لا وصية لوارث (٣)».
стр. 8783
قالوا: إن هذا الحديث ناسخ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (١).
والصحيح أن الحديث لم ينسخ الآية، بل الذي نسخها آيات المواريث، لكن لما احتمل أن آيات المواريث جاءت لتعطي للوالدين ومن يرث من الأقربين حظا آخر فيكون لكل منهم حق أثبتته آيات المواريث ووصية واجبة أيضا أثبتتها آية سورة البقرة، واحتمل أن آيات المواريث ناسخة لآية سورة البقرة التي توجب الوصية، جاء الحديث ليبين أن الاحتمال الثاني هو المراد وأن الوالدين والأقربين من الورثة لا حظ لهم إلا ما قررته آيات المواريث، ولولا الحديث - كما ترى - لاحتمل إمكانية الجمع للوارث بين الميراث والوصية الواجبة، فكان الحديث مبينا لا ناسخا.
الحديث الثاني: قوله ﵊: «خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا، الثيب بالثيب جلد مائة والرجم، والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام (٢)».
قال الحنفية ومن وافقهم إن هذا الحديث نسخ قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (٣).
стр. 8784
والصحيح أن الحديث لم ينسخ الآية، بل هو مبين للسبيل الذي ذكر في الآية.
الحديث الثالث:
قال الحنفية ومن وافقهم: إن «نهي الرسول ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير (١)» نسخ قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٢) والصحيح أن الحديث لم ينسخ الآية، بل قصرها على بعض أفرادها أي خصصها.
الحديث الرابع:.
«قول الرسول ﷺ في حق عبد الله بن خطل: اقتلوه، ولو كان متعلقا بأستار الكعبة (٣)»، وقد قتله أبو برزة.
قال الحنفية ومن وافقهم: إن هذا الحديث نسخ قوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ (٤).
стр. 8785
والصحيح أن هذا الحديث خصص الآية ولم ينسخها فقصر عمومها على بعض أفرادها وأخرج منهم عبد الله بن خطل.
الحديث الخامس:
قتال الرسول ﷺ لأهل الطائف في شهر ذي القعدة وهو من الأشهر الحرم (١). قال الحنفية ومن وافقهم إن فعل الرسول ﷺ هذا ناسخ لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (٢).
والصحيح أن فعل الرسول ﷺ لم ينسخ الآية، بل هو من باب رد العدوان فإن هوازن وثقيف هي المعتدية، وكانت بداية المعركة في شوال (٣) قبل دخول الأشهر الحرم، والله سبحانه يقول: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٤).
стр. 8786
وكل ما فعله الرسول ﷺ هو ملاحقة من فر منهم حتى لا يعيدوا الكرة على المسلمين، وفي الحديث «عن جابر: لم يكن رسول الله ﷺ يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى (١)». . .
ولا يصح أن يقال جوابا عن هذا الحديث: إن قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ (٢) منسوخ بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٣). وبقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ (٤)؛ لأن هاتين الآيتين وإن كانتا قد نسختا قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ (٥) وعند الجمهور، إلا أن النسخ حصل بعد غزوة هوازن، وثقيف، فالغزوة وقعت في السنة الثامنة، والآيتان اللتان قال الجمهور إنهما نسختا قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ (٦) نزلتا في السنة التاسعة للهجرة فهما من سورة التوبة.
стр. 8787
منزلة السنة من القرآن من جهة ما ورد فيها من أحكام
جميع الأحكام التي ثبتت بالسنة لا تعدو صورة من الصور التالية:
стр. 8788
الأولى: أن تكون السنة مؤكدة ومقررة لحكم ثبت في القرآن، ومن ذلك:
١ - وجوب الصلاة والزكاة والحج والصوم. قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٣)، وقال ﵊: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان (٤)».
٢ - حرمة قتل النفس إلا بحق، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (٥)، وقال ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة (٦)». إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة.
الثانية: أن تكون السنة مبينة للقرآن، وهذا البيان على ستة أوجه:
١ - تفصيل السنة لمجمل القرآن؛ كبيان النبي ﷺ بفعله لعدد ركعات الصلاة وكيفيتها وبيانه بقوله لمقدار نصاب الزكاة وبفعله لأفعال الحج.
٢ - تخصيص السنة لعام القرآن، ولا يتصور تخصيص السنة لعام القرآن عند الحنفية إلا في حالة واحدة وهي أن يثبت عن رسول الله ﷺ ، حديثا مقارنا لنزول الآية ومستقلا.
стр. 8789
أما لو كان الحديث متراخيا عن الآية، فإنه يكون ناسخا لها عند الحنفية لا مخصصا لها.
ومن أمثلة تخصيص السنة للقرآن عند الجمهور:
أ - قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ (١) فالميتة والدم من ألفاظ العموم؛ لأن كلا منهما مفرد معرف بـ (أل)، فالميتة: تشمل ميتة البر وميتة البحر، فيدخل في ذلك: السمك الميت والجراد الميت، والبقر الميت، والغنم الميت. . . إلخ.
وكذا الدم: يشمل كل دم، سواء دم إنسان أو حيوان، وقد خصصت الآية بالحديث الموقوف على ابن مسعود:.
«أحلت لنا ميتتان ودمان: أما الميتتان فهما السمك والجراد، وأما الدمان فهما الكبد والطحال (٢)».
فالحديث قصر تحريم الميتة على بعض أفرادها وأخرج من المحرم السمك والجراد الميت، وكذا قصر تحريم الدم على بعض أفراده وأخرج منه الكبد والطحال فجعله حلالا. ولا يعترض فيقال: إن الحديث موقوف فلا يخصص الآية؛ لأننا نقول: إن هذا الحديث يأخذ حكم المرفوع فلا يعقل أن يقول الصحابي: (أحل لنا) أو ما شابهها من الألفاظ التي لا يعرف الحكم فيها إلا عن طريق الوحي إلا أن يكون سمع الحديث من رسول الله ﷺ ، لذا كان الحديث في حكم المرفوع؛ لأنه مما لا مجال للاجتهاد فيه.
стр. 8790
ب - قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (١) فهذه الآية خصصها حديث الرسول ﷺ : «لا يرث القاتل (٢)».
جـ - قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٣).
خصص هذه الآية حديث الرسول ﷺ : «لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها (٤)».
إلى غير ذلك من الأمثلة.
٣ - تقييد السنة لمطلق القرآن: ومن أمثلة ذلك:
أ - قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٥) فاليد في الآية مطلقة يجوز قطعها من مفصل الكف أو من المرفق أو من الكتف، فجاءت سنة الرسول ﷺ الفعلية، وبينت أن اليد تقطع من مفصل الكف (الرسغ)، فقيدت بذلك مطلق اليد.
ب - قال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (٦).
فالآية مطلقة في عدد الرضعات، جاءت السنة وقيدتها بخمس رضعات فصاعدا. روى الإمام مسلم «عن عائشة أنها قالت: كان فيما نزل