← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 8891–8930 · переход к 8896.

стр. 8891

في سورة آل عمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون﴾ (١) ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٢) أمر الله سبحانه في هاتين الآيتين أهل الإيمان بأن يتقوا الله في جميع حياتهم حتى يموتوا على ذلك وأمرهم بالاعتصام بحبله وهو دينه الذي بعث به نبيه ﷺ وهو الإسلام وهو التمسك بالقرآن والسنة ونهى عن التفرق في ذلك لما يفضي إليه التفرق من ضياع الحق وسوء العاقبة واختلاف القلوب وقال سبحانه في سورة الحجر يخاطب نبيه ﷺ : ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِين﴾ (٣). إلى أن قال سبحانه: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ (٤) ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (٥). فأمره سبحانه أن يبلغ رسالاته ويصدع بذلك ويعرض عمن خالفه ثم أمره أن يسبح بحمده وأن يكون من الساجدين له وأن يعبد ربه حتى يأتيه اليقين وهو الموت فعلم بذلك أن الواجب على جميع العباد أن يسقيموا على شرع الله وأن يعتصموا بكتابه وسنة نبيه ﷺ ، وأن يستمروا في ذلك ويلزموه ولا يبالوا بمن خالفه حتى تنزل بهم آجالهم، وقد أمر الله سبحانه في مواضع كثيرة من كتابه العزيز وفي أحاديث كثيرة مما صح عن رسول الله ﷺ باتباع كتابه الكريم والاعتصام به وباتباع السنة وتعظيمها والحذر مما خالفهما، فمن ذلك قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٦).

стр. 8892

وقال سبحانه في سورة الأنعام: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١). وقال في سورة الإسراء: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (٢). وقال في سورة ص: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٣). والآيات في هذا المعنى كثيرة، وقال سبحانه في سورة النساء لما ذكر تفصيل الميراث: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٤) ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٥). وقال فيها أيضا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ (٦). فأمر سبحانه في هذه الآية العظيمة بطاعته وطاعة رسوله ﷺ ، وقد بين أهل العلم أن الرد إليه سبحانه هو الرد إلى كتابه الكريم، وأن الرد إلى الرسول ﷺ هو الرد إليه في حياته وإلى سنته ﷺ بعد وفاته. وأخبر أن هذا الرد خير للعباد في دنياهم وأخراهم وأحسن تأويلا أي عاقبة وبهذا يعلم أن الواجب على جميع أهل الإسلام أن يعتصموا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ في كل أمورهم وأن يردوا ما تنازعوا فيه إليهما وأن ذلك

стр. 8893

خير لهم وأحسن عاقبة في العاجل والآجل أما طاعة أولي الأمر فهي واجبة في المعروف كما صحت بذلك السنة عن رسول الله ﷺ وهذا الموضع من المواضع التي قيد فيها مطلق الكتاب بما صح في السنة عن الرسول ﷺ لأنه هو المبلغ عنه والدال على شريعته بأمره سبحانه، كما قال في سورة النحل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١). وقال فيها سبحانه: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢) وقال سبحانه في سورة النساء أيضا: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ (٣). وبين سبحانه في سورة الأعراف أن أنصاره وأتباعه هم المفلحون، وبين أن الهداية معلقة بأتباعه ﷺ فقال سبحانه: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٤) ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٥). وقال في سورة الأنفال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ (٦).

стр. 8894

إلى أن قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (١) الآية. وسبق أن هذه الآية العظيمة تدل على أن الحياة بالاستجابة لله وللرسول ﷺ ، وأن من لم يستجب لله ورسوله فهو من الأموات وإن كان حيا بين الناس حياة البهائم، وقال في سورة النور: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِين﴾ (٢). فأبان سبحانه في هذه الآية الكريمة أن الهداية في طاعته واتباع ما جاء به، ولا شك أن طاعته ﷺ طاعة لله واتباع لكتابه العظيم كما قال سبحانه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٣) الآية. وقال في آخر هذه السورة: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤). وهذا وعيد شديد لمن حاد عن أمره ﷺ واتبع هواه، وقال في سورة الفتح: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٥) وقال سبحانه في سورة الحشر: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٦).

стр. 8895

والآيات في الأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ واتباع كتاب الله والاهتداء به كثيرة جدا وقد ذكرنا منها بحمد الله ما فيه الكفاية والمقنع لمن وفق لقبول الحق، وأما الأحاديث في ذلك فهي كثيرة أيضا، فنذكر منها ما تيسر، ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن أطاع الأمير فقد أطاعني ومن عصى الأمير فقد عصاني (١)» والمراد بطاعة الأمير طاعته في المعروف كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ ، ومعلوم أن السنة يقيد مطلقها بمقيدها كما أن الكتاب العزيز يفسر المطلق فيه بالمقيد ويفسر مطلقه أيضا بمقيد السنة، كما سبق التنبيه على ذلك عند ذكر قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٢) الآية، وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى (٣)». وخرج الإمام أحمد وأبو داود والحاكم بإسناد صحيح عن المقدام بن معد يكرب عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه (٤)». وخرج أبو داود وابن ماجه بسند صحيح عن ابن أبي رافع عن أبيه عن النبي ﷺ قال: «لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه (٥)». وعن الحسن بن جابر قال: سمعت المقدام بن معد يكرب ﵁ يقول: حرم رسول الله ﷺ يوم خيبر أشياء ثم قال: «يوشك أحدكم أن يكذبني

стр. 8896

وهو متكئ يحدث بحديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ألا إن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله (١)». أخرجه الحاكم والترمذي وابن ماجه بإسناد صحيح وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بأنه كان يوصي أصحابه في خطبته أن يبلغ شاهدهم غائبهم ويقول لهم: «رب مبلغ أوعى من سامع (٢)». ومن ذلك ما في الصحيحين أن النبي ﷺ لما خطب الناس في حجة الوداع في يوم عرفة وفي يوم النحر قال لهم: «فليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى له ممن سمعه (٣)». فلولا أن سنته حجة على من سمعها وعلى من بلغته، ولولا أنها باقية إلى يوم القيامة لم يأمرهم بتبليغها، فعلم بذلك أن الحجة بالسنة قائمة على من سمعها من فيه ﵊ وعلى من نقلت إليه بالأسانيد الصحيحة. وأسأل الله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يوفقنا وسائر المسلمين للتمسك بكتابه وسنة رسوله ﷺ والعمل بهما والتحاكم إليهما ورد ما تنازع فيه المسلمون إليهما وأن يوفق حكام المسلمين وقادتهم لاتباع كتابه وسنة نبيه ﷺ والحكم بهما في جميع الشئون وأن يجمع كلمة المسلمين على الحق وينصرهم على أعدائهم كما أسأله سبحانه أن ينصر دينه ويعلي كلمته ويخذل أعداءه ويوفق المجاهدين في سبيله لما فيه رضاه ويجمع كلمتهم على الحق ويؤلف بين قلوبهم وينصرهم على أعدائهم أعداء الإسلام إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان. عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيس المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة ورئيس المجلس الأعلى العالمي للمساجد. والرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

стр. 8897

موضوع العدد حكم دخول الكافر المساجد والاستعانة به في عمارتها إعداد: اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. . فبناء على البرقية الخطية العاجلة رقم ٥٣٣٤/ ٤ / ٢ وتأريخ ٢٩/ ٦ / ١٤٠٠هـ الواردة من وكيل وزارة الأشغال العامة بالنيابة والتي يطلب فيها موافاته إن كان هناك ما يمنع من الناحية الشرعية أن يقوم غير المسلمين بالاشتراك في تنفيذ مشاريع المساجد والإشراف عليها وبناء على موافقة اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على عرض الموضوع على هيئة كبار العلماء في الدورة السادسة عشرة لما له من صفة العموم وذلك من اختصاص الهيئة. ونظرا إلى الرغبة في اطلاع مجلس الهيئة على ما ذكره أهل العلم من حكم دخول الكافر المساجد والاستعانة به في عمارتها إلخ. . جمعت اللجنة ما تيسر من النقول عن الجصاص ومحمد بن الحسن الشيباني والقرطبي وابن كثير وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والبرسوي ومحمد رشيد رضا وابن حزم والشوكاني وفي هذه النقول مذاهب الفقهاء وخاصة الأئمة الأربعة وأدلتهم وفيما يلي ذكر النقول مرتبة على حسب ترتيب الناقلين لها. . . وبالله التوفيق. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (١).

стр. 8898

قال الجصاص: إطلاق اسم النجس على المشرك من جهة أن الشرك الذي يعتقده يجب اجتنابه كما يجب اجتناب النجاسات والأقذار فلذلك سماهم نجسا والنجاسة في الشرع تنصرف على وجهين: أحدهما: نجاسة الأعيان والآخر نجاسة الذنوب وكذلك الرجس والرجز ينصرف على هذين الوجهين في الشرع قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (١)، وقال في وصف المنافقين: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ (٢)، فسماهم رجسا كما سمى المشركين نجسا، وقد أفاد قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٤) قد تنازع معناه أهل العلم، فقال مالك والشافعي: لا يدخل المشرك المسجد الحرام. قال مالك: ولا غيره من المساجد إلا لحاجة، من نحو الذي يدخل إلى الحاكم في المسجد للخصومة، وقال الشافعي: يدخل كل مسجد إلا المسجد الحرام خاصة، وقال أصحابنا: يجوز للذمي دخول سائر المساجد، وإنما معنى الآية على أحد وجهين؛ إما أن يكون النهي خاصا في المشركين الذين كانوا ممنوعين من دخول مكة وسائر المساجد لأنهم لم تكن لهم ذمة، وكان لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف وهم مشركو العرب، وأن يكون المراد منعهم من دخول مكة للحج ولذلك أمر النبي ﷺ بالنداء يوم النحر في السنة التي حج فيها أبو بكر فيما روى الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن أبا بكر بعثه فيمن يؤذن يوم النحر بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك فنبذ أبو بكر إلى الناس فلم يحج في العام الذي حج فيه النبي ﷺ مشرك فأنزل الله تعالى في العام الذي نبذ فيه أبو بكر إلى المشركين

стр. 8899

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (١) الآية، وفي «حديث علي حين أمره النبي ﷺ بأن يبلغ عنه سورة براءة نادى: ولا يحج بعد العام مشرك (٢)»، وفي ذلك دليل على المراد بقوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (٣) ويدل عليه قوله تعالى في نسق التلاوة: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ (٤) وإنما كانت خشية العيلة لانقطاع تلك المواسم بمنعهم من الحج لأنهم كانوا ينفقون بالتجارات التي كانت تكون في مواسم الحج فدل ذلك على أن مراد الآية الحج، ويدل عليه اتفاق المسلمين على منع المشركين من الحج والوقوف بعرفة والمزدلفة وسائر أنفال الحج وإن لم يكن في المسجد، ولم يكن أهل الذمة ممنوعين من هذه المواضع، تثبت أن مراد الآية هو الحج دون قرب المسجد لغير الحج لأنه إذا حمل على ذلك كان عموما في سائر المشركين وإذا حمل على دخول المسجد كان خالصا في ذلك دون قرب المسجد، والذي في الآية: النهي عن قرب المسجد، فغير جائز تخصيص المسجد به دون ما يقرب منه وقد روى حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص «أن وفد ثقيف لما قدموا على رسول الله ﷺ ضرب لهم قبة في المسجد، فقالوا: يا رسول الله، قوم أنجاس. فقال رسول الله ﷺ : إنه ليس على الأرض من أنجاس الناس شيء، إنما أنجاس الناس على أنفسهم». وروى يونس عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن أبا سفيان كان يدخل مسجد النبي ﷺ وهو كافر غير أن ذلك لا يحل في المسجد الحرام لقول الله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (٥) قال أبو بكر: فأما وفد ثقيف فإنهم جاءوا بعد فتح مكة إلى النبي ﷺ ، والآية نزلت في السنة التي حج فيها أبو بكر وهي سنة تسع، فأنزلهم النبي ﷺ في المسجد وأخبر أن كونهم أنجاسا لا يمنع دخولهم المسجد وفي ذلك دلالة على أن نجاسة الكفر لا تمنع الكافر من دخول المسجد، وأما أبو سفيان فإنه جاء إلى النبي ﷺ لتجديد الهدنة وذلك قبل الفتح، وكان أبو سفيان مشركا حينئذ والآية وإن

стр. 8900

كان نزولها بعد ذلك فإنما اقتضت النهي عن قرب المسجد الحرام ولم تقتض المنع من دخول الكفار سائر المسجد، فإن قيل: لا يجوز للكافر دخول الحرم إلا أن يكون عبدا أو صبيا أو نحو ذلك لقوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (١) ولما روى زيد بن يثيع عن علي ﵁ أنه نادى بأمر النبي ﷺ : «لا يدخل الحرم مشرك». قيل له: إن صح هذا اللفظ فالمراد أن لا يدخله للحج، وقد روي في أخبار عن علي أنه نادى أن لا يحج بعد العام مشرك وكذلك في حديث أبي هريرة، فثبت أن المراد دخول الحرم للحج وقد روى شريك عن أشعث عن الحسن عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «لا يقرب المشركون المسجد الحرام بعد عامهم هذا إلا أن يكون عبدا أو أمة لحاجة به» إذ لم يفرق أحد بين العبد والحر، وإنما خص العبد والأمة - والله أعلم - بالذكر لأنهما لا يدخلانه في ألاغلب الأعم للحج. وقد حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق المروزي قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني، قال: أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (٢) قال عطاء: المسجد الحرام الحرم كله، قال ابن جريج: وقال لي عمرو بن دينار مثل ذلك، قال أبو بكر: والحرم كله يعبر عنه بالمسجد إذا كانت حرمته متعلقة بالمسجد، وقال الله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ (٣) والحرم كله مراد به، وكذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٤) قد أريد به الحرم كله لأنه في أي الحرم نحر البدن أجزأه، فجائز على هذا أن يكون المراد بقوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (٥) الحرم كله للحج، إذ كان أكثر أفعال المناسك متعلقا بالحرم كله

стр. 8901

في حكم المسجد لما وضعنا نعبر عن الحرم بالمسجد وعن الحج بالحرم، ويدل على أن المراد بالمسجد منها الحرم قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ (١) ومعلوم أن ذلك بالحديبية وهي على شفير الحرم، وذكر المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أن بعضها من الحل وبعضها من الحرم، فأطلق الله تعالى عليها أنها عند المسجد الحرام، وإنما هي عند الحرم، وإطلاقه تعالى اسم الجنس على المشركين يقتضي اجتنابهم وترك مخالطتهم إذا كانوا مأمورين باجتناب الأنجاس، وقوله تعالى: ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٢) قال قتادة: ذكر أن المراد العام الذي حج فيه أبو بكر الصديق فتلا علي سورة براءة وهو لتسع مضين من الهجرة وكان بعده حجة الوداع سنة عشر (٣). قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّه﴾ (٤) عمارة المسجد تكون بمعنيين أحدهما زيارته والسكون فيه، والآخر ببنائه وتجديد ما استرم منه وذلك لأنه يقال: اعتمر إذا زار، ومنه العمرة لأنها زيارة البيت وفلان من عمار المساجد إذا كان كثير المضي إليها والسكون فيها، وفلان يعمر مجلس فلان إذا أكثر غشيانه له، فاقتضت الآية منع الكفار من دخول المساجد ومن بنائها وتولي مصالحها والقيام بها لانتظام اللفظ للأمرين (٥). ٣ - ذكر عن الزهري أن أبا سفيان بن حرب كان يدخل المسجد في الهدنة وهو كافر غير أن ذلك لا يحل في المسجد الحرام قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (٦) الآية.

стр. 8902

والمراد بالهدنة الصلح الذي كان بين رسول الله ﷺ وبين أهل مكة يوم الحديبية، وقد جاء أبو سفيان إلى المدينة لتجديد العهد بعدما نقضوا هم العهود وخشوا أن يغزوهم رسول الله ﷺ ودخل المسجد لذلك، فهذا دليل لنا على مالك ﵁ فإنه يقول: لا يمكن المشرك من أن يدخل شيئا في المساجد، والدليل على ذلك «أن وفد ثقيف لما جاءوا إلى رسول الله ﷺ أمر بأن يضرب لهم قبة في المسجد فقيل: هم أنجاس. قال: ليس على الأرض من نجاستهم شيء». ثم أخذ الشافعي ﵁ بحديث الزهري فقال: يمنعون من دخول المسجد الحرام خاصة للآية. فأما عندنا فلا يمنعون من ذلك كما لا يمنعون من سائر المساجد ويستوي في ذلك الحربي والذمي، وتأويل الآية: الدخول على الوجه الذي كانوا اعتادوا في الجاهلية ما روي أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة. والمراد القرب من حيث التدبير والقيام بعمارة المسجد الحرام وبه نقول: إن ذلك ليس إليهم ولا يمكنون منه بحال (١). ٤ - قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٢) قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٣) ابتداء وخبر، واختلف العلماء في وصف المشرك بالنجس، فقال قتادة ومعمر بن راشد وغيرهما: لأنه جنب إذ غسله من الجنابة ليس بغسل. وقال ابن عباس وغيره: بل معنى الشرك هو الذي نجسه. قال الحسن البصري من صافح مشركا فليتوضأ. والمذهب كله على إيجاب الغسل على الكافر إذا أسلم إلا ابن عبد الحكم فإنه قال: ليس بواجب لأن الإسلام يهدم

стр. 8903

ما كان قبله بوجوب الغسل عليه، قال أبو ثور وأحمد: وأسقطه الشافعي، وقال: أحب إلي أن يغتسل ونحوه لابن القاسم ولمالك قول: إنه لا يعرف الغسل، رواه عنه ابن وهب وابن أبي أوسي وحديث ثمامة وقيس بن عاصم يرد هذه الأقوال رواها أبو حاتم البستي في صحيح مسنده. وأن النبي ﷺ «مر بثمامة يوما فأسلم، فبعث به إلى حائط أبي طلحة، فأمره أن يغتسل فاغتسل وصلى ركعتين فقال رسول الله ﷺ : لقد حسن إسلام صاحبكم (١)» وأخرجه مسلم بمعناه، وفيه «أن ثمامة لما من عليه النبي ﷺ انطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل (٢)»، وأمر قيس بن عاصم أن يغتسل بماء وسدر فإن كان إسلامه قبيل احتلامه فغسله مستحب، ومتى أسلم بعد بلوغه لزمه أن ينوي بغسل الجنابة، هذا قول علمائنا وهو تحصيل المذهب، وقد أجاز ابن القاسم للكافر أن يغتسل قبل إظهاره للشهادة بلسانه إذا اعتقد الإسلام بقلبه، وهو قول ضعيف في النظر مخالف للأثر، وذلك أن أحدا لا يكون بالنية مسلما دون القول، هذا قول جماعة أهل السنن في الإيمان: إنه قول باللسان وتصديق بالقلب ويذكر بالعمل قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٣). قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (٤) ﴿فَلَا يَقْرَبُوا﴾ (٥) نهي، ولذلك حذفت منه النون المسجد الحرام هذا اللفظ يطلق على جميع الحرم وهو مذهب عطاء، فإذن يحرم تمكين المشرك من دخول الحرم أجمع، فإذا جاءنا رسول منهم خرج الإمام إلى الحل ليسمع ما يقول ولو دخل مشرك الحرم مستورا لنبش قبره وأخرجت عظامه فليس لهم الاستيطان ولا الاجتياز، وأما جزيرة العرب وهي مكة والمدينة واليمامة واليمن ومخاليفها، فقال مالك: يخرج من هذه المواضع كل من كان

стр. 8904

على غير الإسلام ولا يمنعون من التردد بها مسافرين، وكذلك قال الشافعي ﵀، غير أنه استثنى من ذلك اليمن، ويضرب لهم أجل ثلاثة أيام كما ضربه لهم عمر ﵁ حين أجلاهم، ولا يدفنون فيها ويلجئون إلى الحل. انتهى.

стр. 8905

اختلف العلماء في دخول الكفار المساجد والمسجد الحرام على خمسة أقوال: ١ - فقال أهل المدينة: الآية عامة في سائر المشركين وسائر المساجد، وبذلك كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله، ونزع في كتابه بهذه الآية، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (١) ودخول الكفار فيها مناقض لترفيعها، وفي صحيح مسلم وغيره: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من البول والقذر (٢)» الحديث. والكافر لا يخلو عن ذلك. وقال ﷺ : «لا أحل المسجد لحائض ولا لجنب (٣)» والكافر جنب. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٤) فسماه الله تعالى نجسا، فلا يخلو أن يكون نجس العين أو مبعدا عن طريق الحكم. وأي ذلك كان فمنعه من المسجد واجب لأن العلة وهي النجاسة موجودة فيهم، والحرمة موجودة في المسجد يقال: رجل نجس، وامرأة نجس ورجلان نجس، وامرأتان نجس، ورجال نجس، ونساء نجس لا يثنى ولا يجمع لأنه مصدر، فأما النجس بكسر النون وجزم الجيم، فلا يقال إلا إذا قيل معه: رجس، فإذا أفرد قيل: نجس بفتح النون وكسر الجيم، ونجس بضم الجيم. وقال الشافعي ﵀: الآية عامة في سائر المشركين خاصة في المسجد الحرام ولا يمنعون من دخول غيره. فأباح دخول اليهودي والنصراني في سائر المساجد. قال ابن العربي: وهذا جمود منه على الظاهر

стр. 8906

لأن قوله : ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (١) تنبيه على العلة بالشرك والنجاسة، فإن قيل: فقد ربط النبي ﷺ ثمامة في المسجد وهو مشرك قيل له: أجاب علماؤنا عن هذا الحديث وإن كان صحيحا بأجوبة: أحدها: أنه كان متقدما على نزول الآية. الثاني: أن النبي ﷺ كان قد علم بإسلامه فلذلك ربطه. الثالث: أن ذلك قضية عين فلا ينبغي أن تدفع بها الأدلة التي ذكرناها لكونها مقيدة حكم القاعدة الكلية وقد يمكن أن يقال: إنما ربطه في المسجد لينظر حسن صلاة المسلمين وإجماعهم عليها وحسن آدابهم في جلوسهم في المسجد فيستأنس بذلك ويسلم وكذلك كان. ويمكن أن يقال: إنهم لم يكن لهم موضع يربطونه فيه إلا في المسجد، والله أعلم. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يمنع اليهود والنصارى من دخول المسجد الحرام ولا غيره، ولا يمنع دخول المسجد الحرام إلا المشركون وأهل الأوثان وهذا قول يرده كل ما ذكرناه من الآية وغيرها. قال الكيا الطبري: ويجوز للذمي دخول سائر المساجد عند أبي حنيفة من غير حاجة، وقال الشافعي: تعتبر لحاجة. ومع الحاجة لا يجوز دخول المسجد الحرام. وقال عطاء بن أبي رباح: الحرم كله قبلة ومسجد، فينبغي أن يمنعوا من دخول الحرم لقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ (٢) وإنما رفع من البيت أم هانئ وقال قتادة: لا يقرب المسجد الحرام مشرك إلا أن يكون صاحب جزية أو عبدا كافرا لمسلم، وروى إسماعيل بن إسحاق حدثنا يحيى بن عبد الحميد قال: حدثنا شريك، عن أشعث

стр. 8907

عن الحسن، عن جابر عن النبي ﷺ قال: «لا يقرب المسجد مشرك إلا أن يكون عبدا أو أمة فيدخله لحاجة» وبهذا قال جابر بن عبد الله فإنه قال: العموم يمنع المشرك عن قربان المسجد الحرام وهو مخصوص في العبد والأمة (١). ٥ - قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٢) أمر الله تعالى عباده المؤمنين الطاهرين دينا وذاتا بنفي المشركين الذين هم نجس دينا عن المسجد الحرام وأن لا يقربوه بعد نزول هذه الآية وكان نزولها في سنة تسع، ولقد «بعث رسول الله ﷺ عليا بصحبة أبي بكر ﵄ عامئذ وأمره أن ينادي في المشركين أن لا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان (٣)»، فأتم الله ذلك وحكم به شرعا وقدرا وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٤) إلا أن يكون عبدا أو أحدا من أهل الذمة، وقد روي مرفوعا من وجه آخر فقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا شريك، عن الأشعث - يعني ابن سوار - عن الحسن عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل مساجدنا بعد عامنا هذا مشرك إلا أهل العهد وخدمهم (٥)» تفرد به الإمام أحمد مرفوعا والموقوف أصح إسنادا، وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي: كتب عمر بن عبد العزيز ﵁ أن امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين وأتبع نهيه قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٦) وقال عطاء: الحرم كله مسجد لقوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٧) ودلت هذه الأية الكريمة على نجاسة المشرك

стр. 8908

كما ورد في الصحيح «المؤمن لا ينجس (١)» وأما نجاسة بدنه فالجمهور على أنه ليس بنجس البدن والذات لأن الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب وذهب بعض الظاهرية إلى نجاسة أبدانهم، وقال أشعث عن الحسن: من صافحهم فليتوضأ. رواه ابن جرير (٢). ٦ - قال شيخ الإسلام ﵀ في الفتاوى ج٢٢. وأما إذا كان دخله ذمي لمصلحة فهذا فيه قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد ﵀، أحدهما: لا يجوز، وهو مذهب مالك لأن ذلك هو الذي استقر عليه عمل الصحابة. والثاني: يجوز وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، وفي اشتراط إذن المسلم وجهان في مذهب أحمد وغيره (٣). ٧ - قدوم وفد نجران على الرسول ﷺ . قال ابن إسحاق: وفد على رسول الله ﷺ وفد نصارى نجران بالمدينة، فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال: " لما قدم وفد نجران على رسول الله ﷺ دخلوا عليه مسجده بعد العصر، فحانت صلاتهم فقاموا يصلون في مسجده فأراد الناس منعهم، فقال رسول الله ﷺ : دعوهم فاستقبلوا الشرق فصلوا صلاتهم " (٤). قال ابن القيم في زاد المعاد: إنه يؤخذ من هذه القصة أمور منها: (١) جواز دخول أهل الكتاب مساجد المسلمين (٥). ٨ - قال البرسوي في تفسيره المسمى بـ ((تفسير روح البيان)). قال الواحدي: دلت الآية على أن الكفار ممنوعون من عمارة مسجد

стр. 8909

المسلمين. ويمنع من دخول المساجد فإن دخل بغير إذن مسلم استحق التعزير وإن دخل بإذنه لم يعزر، والأولى تعظيم المساجد ومنعها منهم (١). والآية هي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ (٢). وقال البرسوي واعلم أن عمارة المساجد تعم أنواعا منها البناء وتجديد ما تهدم منها (٣). . ٩ - قال رضا في تفسير المنار: وقد اختلف الفقهاء في دخول غير المشركين من الكفار المسجد الحرام وغيره من المساجد وبلاد الإسلام وقد لخص أقوالهم البغوي في تفسير الآية ونقله عنه الخازن ببعض تصرف وبغير عزو، فقال: وجملة بلاد الإسلام في حق الكفار ثلاثة أقسام: أحدها: الحرم فلا يجوز لكافر أن يدخله بحال ذميا كان أو مستأمنا لظاهر هذه الآية، وبه قال الشافعي وأحمد ومالك، فلو جاء رسول من دار الكفر والإمام في الحرم فلا يأذن له في دخول الحرم، بل يخرج إليه بنفسه أو يبعث إليه من يسمع رسالته خارج الحرم، وجوز أبو حنيفة وأهل الكوفة للمعاهد دخول الحرم. الثاني: من بلاد الإسلام الحجاز وحده ما بين اليمامة واليمن ونجد والمدينة الشريفة قيل: نصفها تهامي ونصفها حجازي، وقيل: كلها حجازي، وقال الكلبي: حد الحجاز ما بين جبلي طيئ وطريق العراق، سمي الحجاز لأنه حجز بين تهامة ونجد، وقيل: لأنه حجز بين نجد والسراة وقيل: لأنه

стр. 8910

حجز بين نجد وتهامة والشام. قال الحربي: وتبوك من الحجاز، فيجوز للكافر دخول أرض الحجاز بالإذن ولكن لا يقيمون فيها أكثر من مقام المسافر وهو ثلاثة أيام. روى مسلم عن ابن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب فلا أترك فيها إلا مسلما (١)» زاد فيه رواية لغير مسلم وأوصى فقال: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب (٢)» فلم يتفرغ لذلك أبو بكر وأجلاهم عمر في خلافته وأجل لمن يقدم على تجارة ثلاثا. عن ابن شهاب أن رسول الله ﷺ قال: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب (٣)» أخرجه مالك في الموطأ مرسلا. وروى مسلم، عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم (٤)». قال سعيد بن عبد العزيز: جزيرة العرب ما بين الوادي إلى أقصى اليمن إلى تخوم العراق إلى البحر. وقال غيره: حد جزيرة العرب من أقصى عدن إلى ريف العراق في الطول، ومن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام عرضا. الثالث: سائر بلاد الإسلام فيجوز للكفار أن يقيم فيها بعهد أمان وذمة ولكن لا يدخلون المساجد إلا بإذن المسلم. وقد ذكرنا الأحاديث الصحيحة في أمر النبي ﷺ بإخراج المشركين وأهل الكتاب من جزيرة العرب، وأن لا يبقى فيها دينان مع بيان حكمة ذلك في خاتمة الكلام على معاملة النبي ﷺ لليهود في السلم والحرب وإجلائهم من جواره في المدينة وإجلاء عمر ليهود خيبر وغيرهم ونصارى نجران عملا بوصيته في مرض موته ﷺ (٥).

стр. 8911

١٠ - قال ابن حزم في المحلى: ودخول المشركين في جميع المساجد جائز. حاشا حرم مكة كله، المسجد وغيره فلا يحل البتة أن يدخله كافر. وهو قول الشافعي وأبي سليمان. وقال أبو حنيفة: لا بأس أن يدخله اليهودي والنصراني ومنع منه سائر الأديان. وكره مالك دخول أحد من الكفار في شيء من المساجد. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (١) الآية. قال علي: فخص الله المسجد الحرام فلا يجوز تعديه إلى غيره بغير نص، وقد كان المحرم قبل بنيان المسجد وقد زيد فيه. وقال رسول الله ﷺ : «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا (٢)». فصح أن حرم مكة هو المسجد الحرام. حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله، ثنا إبراهيم بن أحمد، ثنا الجريري، ثنا البخاري، ثنا عبد الله بن يوسف، ثنا الليث، ثنا سعيد بن أبي سعيد أنه سمع أبا هريرة قال: «بعث رسول الله ﷺ خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه الرسول ﷺ فقال: ما عندك يا ثمامة؟ قال: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت؟ ذكر الحديث. وأنه ﵇ أمر بإطلاقه في اليوم الثالث فانطلق إلى نخل قريب

стр. 8912

من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، يا محمد والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك أحب الدين إلي (١)». . . وذكر الحديث. فنص قول مالك. وأما قول أبي حنيفة فإنه قال: إن الله تعالى قد فرق بين المشركين وسائر الكفار، فقال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ (٣). قال: والمشرك هو من جعل لله شريكا، لا من لم يجعل له شريكا. قال علي: لا صحة له غير ما ذكرنا. فأما ما تعلق في الآيتين فلا صحة له فيهما لأن الله تعالى قال: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ (٤) والرمان من الفاكهة. وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ (٥) وهما من الملائكة. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ (٦) وهؤلاء من النبيين (٧).

стр. 8913

١١ - قوله: «إن المسلم لا ينجس (١)» تمسك بمفهومه بعض أهل الظاهر، وحكاه في البحر عن الهادي والقاسم والناصر ومالك، فقالوا: إن الكافر نجس عين، وقووا ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٢) وأجاب عن ذلك الجمهور بأن المراد فيه أن المسلم طاهر الأعضاء لاعتياده مجانبة النجاسة بخلاف المشرك لعدم تحفظه عن النجاسة وعن الآية بأن المراد أنهم نجس في الاعتقاد والاستقذار وحجتهم على صحة هذا التأويل أن الله أباح نساء أهل الكتاب، ومعلوم أن عرقهن لا يسلم منه من يضاجعهن ومع ذلك فلا يجب من غسل الكتابية إلا مثل ما يجب عليهم من غسل المسلمة، ومن جملة ما استدل به القائلون بنجاسة الكافر حديث إنزاله ﷺ وفد ثقيف المسجد وتقريره لقول الصحابة: قوم أنجاس، لما رأوه أنزلهم المسجد، وقوله لأبي ثعلبة لما قال له: «يا رسول الله إنا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم؟ قال: إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها (٣)» وسيأتي في باب آنية الكفار. وأجاب الجمهور عن حديث إنزال وفد ثقيف بأنه حجة عليهم لا لهم لأن قوله: «ليس على الأرض من أنجاس القوم شيء، إنما أنجاس القوم على أنفسهم» بعد قول الصحابة: قوم أنجاس صريح في نفي النجاسة الحسية التي هي محل نزاع، ودليل على أن المراد نجاسة الاعتقاد والاستقذار. وعن حديث أبي ثعلبة بأن الأمر بغسل الآنية ليس لكونها برطوباتهم بل لطبخهم الخنزير وشربهم الخمر فيما يدل على ذلك ما عند أحمد وأبي داود من حديث أبي ثعلبة أيضا بلفظ: «إن أرضنا أرض أهل كتاب، وإنهم يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر، فكيف نصنع بآنيتهم وقدورهم (٤)»؟ وسيأتي. ومن أجوبة الجمهور عن الآية ومفهوم حديث الباب بأن ذلك تنفير عن الكفار وإهانة لهم، وهذا وإن كان مجازا فقرينته ما ثبت في الصحيحين

стр. 8914

من أنه ﷺ توضأ من مزادة مشركة، وربط ثمامة بن أثال وهو مشرك بسارية من سواري المسجد وأكل من الشاة التي أهدتها له يهودية من خيبر وأكل من الجبن المجلوب من بلاد النصارى كما أخرجه أحمد وأبو داود من حديث ابن عمر وأكل من خبز الشعير والإهالة لما دعاه إلى ذلك يهودي، وما سلف من مباشرة الكتابيات والإجماع على جواز مباشرة المسبية قبل إسلامها وتحليل طعام أهل الكتاب ونسائهم بآية المائدة، وهي آخر ما نزل وإطعامه ﷺ وأصحابه للوفد من الكفار من دون غسل للآنية ولا أمر به ولم ينقل توقي رطوبات الكفار عن السلف الصالح، ولو توقوها لشاع، قال ابن عبد السلام: ليس من التقشف أن أشتري من سمن المسلم لا من سمن الكفار، لأن الصحابة لم يلتفتوا إلى ذلك وقد زعم المقبلي في المنار أن الاستدلال في الآية المذكورة على نجاسة الكافر وهم، لأنه حمل لكلام الله ورسوله على اصطلاح حادث، وبين النجس في اللغة وبين النجس في عرف المتشرعة عموم وخصوص من وجه، فالأعمال السيئة نجسة لغة لا عرفا، والخمر نجس عرفا، وهو أحد الأطيبين عند أهل اللغة، والعذرة نجس في العرفين، فلا دليل في الآنية انتهى. ولا يخفاك أن مجرد تخالف اللغة والاصطلاح في هذه الأفراد لا يستلزم عدم صحة الاستدلال بالآية على المطلوب والذي في كتب اللغة أن النجس ضد الطاهر. قال في القاموس: النجس بالفتح وبالكسر وبالتحريك وككتف وعضد ضد الطاهر انتهى (١). هذا ما تيسر إيراده من النقول. . . وبالله التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 8915

قرار رقم ٢٨ وتاريخ ٢١/ ١٠ / ١٤٠٠هـ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. . . وبعد: ففي الدورة السادسة عشرة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة بمدينة الطائف ابتداء من الثاني عشر من شهر شوال حسب تقويم أم القرى عام ١٤٠٠ هـ. حتى الحادي والعشرين منه، نظر المجلس في حكم دخول الكفار مساجد المسلمين والاستعانة بهم في عمارتها. . . بناء على البرقية الخطية الواردة لسماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد من سعادة وكيل وزارة الأشغال العامة والإسكان لشئون الأشغال العامة بالنيابة برقم ٥٣٣٤/ ٢ وتاريخ ٢٩/ ٦ / ١٤٠٠هـ ونصها ما يلي: " نفيدكم أن أحد المقاولين قد تقدم إلينا لاعتماد المهندس المنفذ من قبله لأحد المساجد ونظرا لأن المهندس المذكور مسيحي الديانة، فإننا نأمل موافاتنا إن كان هناك ما يمنع من الناحية الشرعية أن يقوم غير المسلمين بالاشتراك في تنفيذ مشاريع المساجد والإشراف عليها " اهـ. ولما اطلع المجلس على البحث الذي أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في الموضوع واستمع إلى كلام أهل العلم فيه رأى بالإجماع أنه لا ينبغي أن يتولى الكفار تعمير المساجد حيث يوجد من يقوم بذلك من المسلمين، وأن لا يستقدموا لهذا الغرض أو غيره تنفيذا لوصية الرسول ﷺ في أن لا يجتمع في الجزيرة دينان، وعملا بما يحفظ لهذه البلاد دينها وأمنها واستقرارها وإبعادا لها عن الخطر الذي أصاب البلدان المجاورة بسبب إقامة الكفار فيها وتوليهم لكثير من أمورها، ولأن الكفار لا يؤمنون من الغش عند تصميم مخططات المساجد أو تنفيذها فقد يصمموها على هيئة قريبة أو مشابهة لهيئة الكنائس كما حدث من

стр. 8916

بعضهم وقد يغشون كذلك في التنفيذ والبناء لأنهم أعداء لهذا الدين، ولمن يدين به من المسلمين. ويوصي المجلس بأن ينبه على الجهات الحكومية في وزارة الأشغال ووزارة الحج والأوقاف وغيرها ممن يتولى عمارة المساجد والإشراف عليها أن تلاحظ ذلك بدقة وعناية وأن تشترط في كل العقود التي تبرمها لإقامة المساجد مع المقاولين أن لا يستعيوا في التصميم أو التنفيذ بأحد من غير المسلمين. والله ولي التوفيق. . . وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. هيئة كبار العلماء رئيس الدورة عبد الرزاق عفيفي عبد الله خياط ... عبد الله بن محمد بن حميد ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز سليمان بن عبيد ... عبد العزيز بن صالح ... محمد بن علي الحركان راشد بن خنين ... محمد بن جبير ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ عبد الله بن غديان ... صالح بن غصون ... عبد الحميد حسن عبد الله بن قعود ... عبد الله بن منيع ... صالح بن لحيدان

стр. 8917

الفتاوى إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في هذه الزاوية تجيب اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما يرد إليها من أسئلة واستفتاءات تهم المسلمين في شئونهم الدينية والاجتماعية

стр. 8918

فتوى برقم ٣٢٧ وتاريخ ٢١/ ١١ / ١٣٩٢هـ السؤال الأول: ما حكم من صبغ لحيته بأشد صبغ أسود وهل يأثم من فعل ذلك أو لا وما الفرق بين حلقها وتسويدها؟ الجواب: تغيير الشيب بصبغ شعر الرأس واللحية بالحناء والكتم ونحوها جائز، وتغييره بالصبغ الأسود لا يجوز، وقد وردت بهذا الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ ، فعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «جيء بأبي قحافة يوم الفتح إلى رسول الله ﷺ ، وكأن رأسه ثغامة، فقال رسول الله ﷺ : اذهبوا به إلى بعض نسائه لتغيير هذا الشيب وجنبوه السواد (١)» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وفي رواية لأحمد قال ﷺ : «لو أقررت الشيخ في بيته لأتيناه تكرمة لأبي بكر (٢)». فأسلم ولحيته ورأسه كالثغامة بياضا، فقال رسول الله ﷺ : «غيروهما وجنبوه السواد (٣)» وقال ﷺ : «إن أحسن ما غيرتم به هذا الشيب الحناء والكتم (٤)» رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه وصححه الترمذي، وأما الفرق بين حلق اللحية وصبغ شيبها فكلاهما وإن كان ممنوعا إلا أن حلق اللحية أشد منعا من صبغها بالسواد. . السؤال الثاني: قرأت وسمعت حديث رسول الله ﷺ : «من استمع إلى قينة صب في أذنيه الآنك - أي الرصاص المذاب - يوم القيامة». فهل هذا الحديث صحيح كما قرأت وسمعت حديث: «الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء العشب (٥)»

стр. 8919

فهل هذا الحديث صحيح؟ وما حكم من استمع لهذه الأغاني المشتملة على جميع أنواع الطرب إذا كان استماعها في غير منزله كالسيارات والمجالس التي لا يستطيع التحكم فيها؟ الجواب: الاستماع للصوت يتضمن معنى الميل له والإصغاء إليه فاستماع الأغاني فيه معنى الميل لها والإصغاء إليها أما السماع فقد يكون عن قصد وإصغاء فيسمى استماعا أيضا ويأخذ حكمه وقد يكون عن غير قصد ولا إصغاء للصوت فلا يسمى استماعا ولا يحكم له بحكمه وعلى ذلك فالاستماع إلى ما ذكر السائل من الأغاني المشتملة على جميع أنواع الطرب محرم على كل من أصغى إليها رجلا كان أم امرأة في بيته أو في غير بيته كالسيارات والمجالس العامة والخاصة لما له في ذلك من الاختيار والميل إلى المشاركة فيما حرمته الشريعة، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (١). وما ذكر السائل من الغناء هو من لهو الحديث فإنه فتنة للقلب يستهويه إلى الشر ويصرفه عن الخير ويضيع على الإنسان وقته دون جدوى، فيدخل في عموم لهو الحديث، ويدخل من غنى ومن استمع إلى تلك الأغاني في عموم من اشترى لهو الحديث ليصرف نفسه أو غيره عن سبيل الله، وقد نهى عن ذلك وتوعد من فعله بالعذاب المهين وكما دل القرآن بعمومه على تحريم الغناء والاستماع إليه دلت السنة عليه، من ذلك قوله ﷺ : «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم

стр. 8920

بسارحة يأتيهم - يعني الفقير - لحاجة فيقولون: ارجع إلينا غدا فيسلبهم الله ويضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة (١)» رواه البخاري وغيره من أئمة الحديث، المعازف اللهو وآلاته ومن ذلك الغناء والاستماع إليه، فذم رسول الله ﷺ من يستحلون الزنا ولبس الحرير وشرب الخمر وآلات اللهو والاستماع لها،، وقرن المعازف بما قبلها من الكبائر، وتوعد في نهاية الحديث من فعل ذلك بالعذاب، فدل على تحريم العزف بآلات اللهو والاستماع إليها، أما السماع دون قصد ولا إصغاء كسماع من يمشي في الطريق غناء آلات اللهو في الدكاكين أو ما يمر به من السيارات ومن يأتيه وهو في بيته صوت الغناء من بيوت جيرانه دون أن يستهويه ذلك - فهذا مغلوب على أمره لا إثم عليه وعليه أن ينصح وينهى عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، ويسعى في التخلص مما يمكنه التخلص منه وسعه وفي حدود طاقته، فإن الله لا يكلف نفسا إلى وسعها وقد جرى جماعة من العلماء على أن يستدلوا على مطلوبهم بالأدلة الصحيحة ثم يتبعوا ذلك بأحاديث فيها شيء من الضعف في سندها أو في وجه دلالتها على دعواهم وهذا لا يضرهم في ثبوت أصل مطلوبهم فإنهم ذكروا ذلك على سبيل الاستئناس والاستشهاد لا على سبيل الاحتجاج والاعتماد من ذلك ما يذكره بعض العلماء من الأحاديث في مقام تحريم الغناء والاستماع إليه بعد إثباته بالأدلة الصحيحة، فلا يضر الطعن فيما ذكر تبعا في ثبوت التحريم بما استدلوا به أولا وأصالة من الأدلة الصحيحة فمن ذلك ما رواه الحكيم الترمذي عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: «من استمع إلى صوت غناء لم يؤذن له أن يستمع الروحانيين في الجنة» والثاني ما رواه ابن عساكر عن أنس أن النبي ﷺ قال: «من استمع إلى قينة صب في أذنيه الآنك يوم القيامة» وما رواه ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي عن ابن مسعود من

стр. 8921

قول النبي ﷺ : «الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل (١)» وما رواه البيهقي عن جابر من قول رسول الله ﷺ : «الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع (٢)». فهذه الأحاديث ضعيفة لكن لا يؤثر ضعفها في تحريم الغناء والاستماع إليه لثبوت التحريم بأدلة أخرى صحيحة من الكتاب والسنة، والله الموفق. السؤال الثالث: لي أخ يملك أموالا كثيرة وقد جعل أمواله في عمائر ومحلات تجارية وأراضي وكلها تثمر، ونصحته بأن يخرج زكاة كل ما يملك أصل ماله وثمرته، فأخبرني أنه لا يجب عليه إلا زكاة الأجرة إذا حال عليها الحول دون أصل ماله، ولو وضع الأجرة كلما قبضها في عمارة لم تجب عليه الزكاة فيها ولا في أصلها إلا إذا دار الحول على الأجرة قبل أن يضعها في عمارة، ولأخي هذا نظراء يفعلون مثله، فهل يجيز الإسلام مثل هذا الفعل ولا يأثم الفاعل وما العقار الذي لا تجب الزكاة في أصله ولا ثمرته حتى يحول عليه الحول وهل له حد يقف عنده أو يستوي في ذلك القليل والكثير؟ الجواب: المال الذي يملكه الإنسان أنواع، فما كان منه نقودا وجبت فيه الزكاة إذا بلغ نصابا وحال عليه الحول، وما كان أرضا زراعية وجبت الزكاة في الحبوب والثمار يوم الحصاد، لا في نفس الأرض، وما كان منه أرضا تؤجر أو عمارة تؤجر وجبت الزكاة في أجرتها إذا حال عليها الحول لا في نفس الأرض أو العمارة، وما كان منه أرضا تؤجر أو عمائر تؤجر أو عروضا أخرى للتجارة وجبت الزكاة فيه إذا حال عليه الحول، وحول الربح فيها حول الأصل إذا كان الأصل نصابا، وما كان منه من بهيمة الأنعام - وجبت فيه الزكاة إذا بلغت نصابا وحال عليها الحول إذا كانت

стр. 8922

سائبة غالب الحول. وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي

стр. 8923

فتوى برقم ٥١٥ وتاريخ ١٦/ ٧ / ١٣٩٣هـ السؤال الأول: هل يجوز للرجل أن يجمع بين أكثر من أربع زوجات أو لا وما الدليل؟ الجواب: لا يجوز للرجل أن يجمع بين أكثر من أربع زوجات لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١) وهذا في لغة العرب نظير قولهم: سيروا مثنى وثلاث ورباع، بمعنى يسيروا صفوفا، في كل صف اثنان أو ثلاثة أو أربعة، وليس معناه في لغة العرب ولا في عرف الاستعمال أن يجتمع في الصف الواحد حين المسير تسعة منهم، فمعنى الآية: فإن خفتم ألا تعدلوا إذا تزوجتم باليتامى فاعدلوا عنهن إلى التزوج بغيرهن، ولمن أراد التعدد منكم أن يتزوج اثنتين أو ثلاثا أو أربعا، وحيث جعل الحد الأعلى في مقام الامتنان بالتعدد والترغيب في الصرف عن اليتامى إلى الزواج بغيرهن أربع

стр. 8924

زوجات دل ذلك على أنه لا يجوز الجمع بين ما زاد عليهن، وفي الحديث «أن قيس بن الحارث أسلم وتحته ثمان زوجات، فأمره النبي ﷺ أن يختار منهن أربعا، ويفارق باقيهن (١)»، رواه أبو داود وابن ماجه. السؤال الثاني: هل يجوز الاسترقاق اليوم وليس فيه حروب شرعية، أو هذا خاص بزمن النبي ﷺ لوجود الحروب الشرعية، وما الدليل؟ الجواب: لا شك أن الحروب التي كانت بين النبي ﷺ وبين الكفار كانت حروبا شرعية، وقد استرق بعض من أسر فيها من الكفار، وجرت حروب شرعية بين المسلمين والكفار زمن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم زمن القرون الثلاثة المشهود لها بالخير، وكان العمل عندهم في أسرى الكفار على ما كان عليه في زمن النبي ﷺ من المن على من أسر أو قبول الفداء أو الاسترقاق أو القتل حسب ما يراه الإمام مصلحة للمسلمين عملا بالقرآن، واتباعا لسنة رسول الله ﷺ ، بل جرى العمل في الأسرى بعده على ما كان عليه في زمنه بإجماع الأئمة، فإن وجدت اليوم حروب شرعية بين المسلمين والكفار وكتب النصر فيها للمسلمين وأسروا بعض الكفار فلإمام المسلمين الحكم فيمن أسر بالمن أو بالفداء أو القتل أو الاسترقاق حسب ما يراه مصلحة للمسلمين عملا بالكتاب والسنة، وإن لم توجد حروب شرعية فلا يجوز إنشاء استرقاق وابتداؤه، أما من ثبت رقه من قبل في حرب شرعية واستمر رقه بالتوالد والتوارث فهو على رقه حتى تتاح له فرصة التحرير والله الموفق. السؤال الثالث: هل شرب الدخان حرام أو لا، وما الدليل؟ الجواب: شرب الدخان حرام لأنه من الخبائث، وقد حرم الله ورسوله الخبائث، وقال تعالى في صفة النبي ﷺ : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٢)

стр. 8925

ولما فيه من الضرر بالصحة وتلف المال، وقد جاءت الشريعة بوجوب حفظ الأبدان وحفظ الأموال وجعل العلماء قديما وحديثا حفظهما من الضروريات الخمس التي لا بد منها في حفظ كيان الأمة وقيام أمرها على وجه ينتظم به شأنها، وثبت في الحديث النهي عن إضاعة المال، ولا شك أن إنفاقه في شراء الدخان إنفاق فيما لا جدوى فيه، بل إنفاق له فيما فيه مضرة لشاربه وللمجتمع، فكان من إضاعة المال. والله الموفق. السؤال الرابع: ما حكم كتابة آية من القرآن وتعليقها على العضد مثلا، أو محو هذه الكتابة بالماء ونحوه ورش البدن أو غسله بهذا الماء هل هو شرك أو لا، وهل يجوز أو لا؟ الجواب: كتابة آية من القرآن وتعليقها أو تعليق القرآن كله على العضد ونحوه، تحصينا من ضر يخشى منه أو رغبة في كشف ضر نزل، من المسائل التي اختلف السلف في حكمها، فمنهم من منع ذلك، وجعله من التمائم المنهي عن تعليقها، لدخوله في عموم قوله ﷺ : «إن الرقى والتمائم والتولة شرك (١)» رواه أحمد وأبو داود، وقالوا: لا مخصص يخرج تعليق التميمة إذا كانت من القرآن، وقالوا أيضا: إن تعليق تميمة من القرآن يفضي إلى تعليق ما ليس من القرآن، فمنع تعليقه سدا لذريعة تعليق ما ليس منه، وقالوا ثالثا: إنه يغلب امتهان ما يعلق على الإنسان، بأنه يحمله حين قضاء حاجته واستنجائه وجماعه ونحو ذلك، ومن قال هذا القول عبد الله بن مسعود وتلاميذه وأحمد بن حنبل في رواية عنه اختارها كثير من أصحابه وجزم بها المتأخرون، ومن العلماء من أجاز تعليق التمائم

стр. 8926

التي من القرآن وأسماء الله وصفاته ورخص في ذلك، كعبد الله بن عمرو بن العاص، وبه قال أبو جعفر الباقر وأحمد في رواية أخرى عنه وحملوا حديث المنع على التمائم التي فيها شرك، والقول الأول أقوى حجة وأحفظ للعقيدة، لما فيه من حماية حمى التوحيد والاحيتاط له، وما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ إنما هو في تحفيظ أولاده القرآن وكتابته في الألواح، وتعليق هذه الألواح في رقاب الأولاد لا يقصد أن تكون تميمة يستدفع بها الضرر أو يجلب بها النفع وإنما علقها ليحفظوها، وأما إزالة هذه الكتابة بالماء ونحوه ورش البدن أو غسله بهذا الماء فلم يصح في ذلك حديث عن النبي ﷺ وروي عن ابن عباس ﵄ أنه كان يكتب كلمات من القرآن والذكر، ويأمر بأن تسقى من به داء، ولكنه لم يصح ذلك عنه، وروى الإمام مالك في الموطأ «أن عامر بن ربيعة رأى سهل بن حنيف يغتسل، فقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة، فلبط سهل، فأتى رسول الله ﷺ فقيل له: يا رسول الله، هل لك في سهل بن حنيف، والله ما يرفع رأسه، فقال: هل تتهمون له أحدا، قالوا: نتهم عامر بن ربيعة. فتغيظ عليه، وقال: علام يقتل أحدكم أخاه، ألا بركت، اغتسل له. فغسل عامر وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح ثم صب عليه، فراح سهل مع الناس ليس به بأس (١)». وفي رواية: «إن العين حق فتوضأ له (٢)» فراح سهل مع رسول الله ﷺ ليس به بأس. وقد روى هذه القصة أيضا الإمام أحمد والطبراني، فمن أجل هذا توسع بعض العلماء فأجازوا كتابة القرآن والذكر، ومحوه ورش المريض أو غسله به إما قياسا على ما ورد في قصة سهل بن حنيف وإما عملا بما نقل عن ابن عباس من الأثر في ذلك، وإن كان الأثر ضعيفا، وقد ذكر جواز ذلك ابن تيمية في الجزء الثاني من مجموع الفتاوى وقال: نص أحمد وغيره على جوازه

стр. 8927

وذكر ابن القيم في الطب النبوي من كتابه زاد المعاد أن جماعة من السلف أجازوا ذلك منهم ابن عباس ومجاهد وأبو قلابة، وعلى كل حال لا يعتبر مثل هذا العمل شركا، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي

стр. 8928

فتوى برقم ١٢١٦ في عام ١٣٩٦ هـ السؤال: ما حكم اللحم الذي يوجد في الأسواق وقد ذبح في الخارج هل يجوز الأكل منه أو لا؟ الجواب: إن كان مذكي الأنعام أو الطيور غير كتابي ككفار روسيا وبلغاريا وما شابهها في الإلحاد ونبذ الديانات فلا تؤكل ذبيحته سواء ذكر اسم الله عليها أم لا؛ لأن الأصل حل ذبائح المسلمين فقط واستثنى ذبائح أهل الكتاب بالنص وإن كان من ذكاها من أهل الكتاب اليهود أو النصارى، فإن كانت تذكيته إياها بذبح رقبتها أو نحر في لبتها وهي حية وذكر اسم الله عليها أكلت اتفاقا، لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (١) وإن لم يذكر اسم الله عليها عمدا ولا اسم غيره ففي جواز أكلها خلاف، وإن ذكر اسم غير الله عليها لم تؤكل وهي ميتة لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (٢) وإن ضربها في رأسها بمسدس أو سلط عليها تيارا كهربائيا

стр. 8929

مثلا فماتت من ذلك فهي موقوذة، ولو قطع رقبتها بعد ذلك لأن التذكية لا تأثير لها في الميتة وقد حرمها الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ (١) إلا إذا أدركت حية بعد ضرب رأسها مثلا وذكيت فتؤكل لقوله تعالى في آخر هذه الآية: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٢) فاستثنى سبحانه من المحرمات ما ذكي منها إذا أدرك حيا، أما ما خنق منها حتى مات أو سلط عليه تيار كهربائي حتى مات فلا يؤكل بالاتفاق، وإن ذكر اسم الله عليه حين خنقه أو تسليط الكهرباء عليه أو عند أكله، أما قول رسول الله ﷺ : «سموا الله وكلوا (٣)» فإنه كان في ذبائح ذبحها قوم أسلموا، لكنهم حديثوا عهد بجاهلية ولم يعلم أذكروا اسم الله عليها أم لا، فأمر المسلمين الذين شكوا في تسمية هؤلاء على ذبائحهم أن يفعلوا ما عليهم وهي التسمية عند الأكل وأن يحملوا أمر هؤلاء الذابحين على ما عهد في المسلمين من التسمية عند الذبح. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. . . اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 8930

فتوى برقم ١٤٠٥ وتاريخ ٧/ ١١ / ١٣٩٦هـ السؤال: كلنا حريص على أن يقتدي بسيدنا محمد ﷺ وقد أمرنا
следующие страницы →