← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 8856–8895 · переход к 8861.

стр. 8856

مقابلة مع سماحة الرئيس العام أجرتها صحيفة الراية السودانية أسئلة مقدمة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز من مندوبي صحيفة الراية السودانية. وقد تفضل سماحته فأجاب عليها بما يلي: السؤال الأول: يود القراء أن يتعرفوا على لمحة من سيرتكم الذاتية، وحياتكم العلمية. الجواب: أنا عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله آل باز، ولدت ببلدة الرياض في ذي الحجة عام ١٣٣٠ هـ، وقد بدأت الدراسة منذ الصغر وحفظت القرآن الكريم قبل البلوغ، ثم بدأت في تلقي العلوم الشرعية والعربية على أيدي كثير من علماء الرياض من أعلامهم: الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ، والشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ قاضي الرياض، والشيخ سعد بن حمد بن عتيق قاضي الرياض، والشيخ حمد بن فارس وكيل بيت المال بالرياض، والشيخ سعد وقاص البخاري من علماء مكة، أخذت عنه التجويد سنة ١٣٥٥ هـ، وسماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ حيث لازمته عشر سنوات حتى توليت القضاء.

стр. 8857

أما الأعمال فهي القضاء لمدة ١٤ عاما في منطقة الخرج، من عام ١٣٥٧ هـ حتى نهاية ١٣٧١ هـ، ثم بعد ذلك التدريس في المعهد العلمي وكلية الشريعة بالرياض في الفقه والتوحيد والحديث لمدة تسع سنوات حتى عام ١٣٨٠ هـ. ثم عينت نائبا لرئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة سماحة شيخنا العلامة مفتي البلاد السعودية محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ ﵀ رحمة واسعة - عشر سنوات، ابتداء من ١٣٨١ هـ. وفي عام ١٣٩٠هـ توليت رئاسة الجامعة الإسلامية بالمدينة بعد وفاته ﵀، وبقيت فيها حتى عام ١٣٩٥ هـ. وفي ١٤/ ١٠ / ١٣٩٥ هـ صدر الأمر الملكي بتعييني في منصب الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، ولا أزال إلى هذا الوقت في هذا العمل وأسأل الله العون والسداد. ولي إلى جانب هذا العمل في الوقت الحاضر عضوية في كثير من المجالس العلمية والإسلامية من ذلك: عضوية هيئة كبار العلماء بالمملكة - ورئاسة اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في الهيئة المذكورة، وعضوية رئاسة المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي، ورئاسة المجلس الأعلى العالمي للمساجد، ورئاسة المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة، وعضوية المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية في المدينة، وعضوية الهيئة العليا للدعوة الإسلامية في المملكة. وزيادة على الفتاوى والمقالات والمحاضرات فقد طبع لي ثلاثة عشر مؤلفا منها: الفوائد الجلية في المباحث الفرضية، ونقد القومية العربية، وتوضيح المناسك المسمى التحقيق والإيضاح لكثير من مناسك الحج والعمرة والزيارة، وحاشية مفيدة على فتح الباري وصلت فيها إلى كتاب الحج.

стр. 8858

وثلاث رسائل في الصلاة، والتحذير من البدع، وإقامة البراهين على حكم من استغاث بغير الله أو صدق الكهنة والعرافين، والأدلة النقلية والحسية على سكون الأرض، وجريان الشمس وإنكار الصعود إلى الكواكب، وقد ترجم أغلب هذه الكتب إلى لغات عديدة، نفع الله بها ووفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه من خيري الدنيا والآخرة، إنه سميع مجيب.

стр. 8859

السؤال الثاني: هل لسماحتكم مذهب فقهي خاص وما هو منهجكم في الفتوى والأدلة؟ الجواب: مذهبي في الفقه هو مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ وليس على سبيل التقليد ولكن على سبيل الاتباع في الأصول التي سار عليها. أما في مسائل الخلاف فمنهجي فيها هو ترجيح ما يقتضي الدليل ترجيحه والفتوى بذلك سواء وافق ذلك مذهب الحنابلة أم خالفه؛ لأن الحق أحق بالاتباع. وقد قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١).

стр. 8860

السؤال الثالث: لقد قامت في السودان جبهة إسلامية بين مختلف الاتجاهات الحركية والصوفية وغيرها، وقامت بعمل سياسي ومجابهة واسعة مع الشيوعية والتغريبيين عموما.

стр. 8861

هل يمكن أن نعرف رأيكم في مثل هذا العمل الذي يضم تيارات مثل هذه؟ الجواب: لا ريب أن التعاون بين المسلمين في محاربة المذاهب الهدامة والدعوات المضللة والنشاط التنصيري والشيوعي والإباحي من أهم الواجبات ومن أعظم الجهاد في سبيل الله؛ لقول الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١)، وقوله سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢)، وقال : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣). وفي الصحيحين عن سهل بن سعد ﵁ أن «النبي ﷺ بعث علي بن أبي طالب ﵁ إلى اليهود في خيبر، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام وأن يخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، وقال له ﷺ : فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم (٤)». وفي صحيح مسلم عن أبي مسعود الأنصاري عن النبي ﷺ أنه قال: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله (٥)»، وفي صحيحه أيضا عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص من

стр. 8862

آثامهم شيئا (١)». وروى الإمام أحمد والنسائي وصححه الحاكم عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم (٢)». والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. فنسأل الله أن يوفق الجبهة لما فيه نصر الحق وظهوره على ما سواه، وقمع الباطل وخذلان الدعاة إليه. ونصيحتي للجبهة أن تنقي صفوفها من كل ما يخالف شرع الله المطهر وأن تتناصح وتتواصى بالاستقامة على شرع الله والثبات عليه، ورد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول كما قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٣)، وقال سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٤) الآية. وقال : ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٥) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٦) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٧). يبين سبحانه في هذه السورة العظيمة أن أسباب الربح والسعادة والسلامة من الخسران هي هذه الأمور الأربعة المذكورة في هذه السورة وهي الإيمان بالله ورسوله والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر. فنسأل الله أن يمنح أعضاء الجبهة التخلق بهذه الأخلاق والاستقامة عليها حتى يفوزوا بالنصر المبين والربح العظيم والعاقبة الحميدة.

стр. 8863

السؤال الرابع: السابقون رجال ونحن رجال: هذه قولة فقهية شجاعة: أي أن السابقين لهم قضايا عصرهم ونحن لنا قضايانا المتجددة. ألا ترى أن الذين يقفون ضد الدعوة إلى التجديد للفقه يجنون على هذا الأدب الأصولي نفسه؟ الجواب: هذه العبارة فيها إجمال واحتمال فإن أريد بها أن الواجب على المتأخرين أن يجتهدوا في نصر دين الله وتحكيم شريعته، وتأييد ما عليه السلف الصالح من العقيدة والأخلاق فهذا حق. والواجب على جميع المسلمين أن يسيروا على نهج سلفهم الصالح في اتباع الكتاب والسنة وتحكيمها في كل شيء، ورد ما تنازع فيه الناس إليهما؛ عملا بقول الله سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١) الآية وقوله سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) الآية. أما إن أريد بهذه العبارة أن المتأخرين لهم أن يجددوا في دين الله ما يخالف ما عليه سلف الأمة في العقيدة والأخلاق، أو في الأحكام: فهذا أمر لا يجوز فعله؛ لأنه مخالف لقول الله : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٣)، وقوله : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٤) وقوله سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٥).

стр. 8864

ومن خالفهم وسلك غير سبيلهم، لم يتبعهم بإحسان فلا يدخل في اتباعهم المرضي عنهم، ولأنه ليس للمتأخرين أن يخالفوا ما أجمع عليه العلماء قبلهم؛ لأن الإجماع حق وهو أحد الأصول الثلاثة التي يجب الرجوع إليها، ولا تجوز مخالفتها وهي الكتاب والسنة والإجماع، ولأن العلماء أجمعوا على شيء دخلت فيهم الطائفة المنصورة التي أخبر النبي ﷺ أنها لا تزال على الحق. أما التفقه في الدين والتماس حل المشكلات بالطرق الشرعية في المسائل التي جدت بين المسلمين ولم يتكلم فيها الأوائل، فهذا حق وليس فيه مخالفة للسابقين؛ لأن العلماء السابقين واللاحقين كلهم يوصون بتدبر الكتاب والسنة واستنباط الأحكام منهما، والاجتهاد فيما يعرض من المسائل المشكلة على ضوء الكتاب والسنة. وليس هذا تجديدا مخالفا للسابقين، ولكنه تجديد سائر على منهج السابقين وعلى أصولهم، وقد صح في هذا المعنى قول النبي ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (١)». متفق على صحته، وقوله ﷺ : «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة (٢)» رواه الإمام مسلم في صحيحه، والله ولي التوفيق.

стр. 8865

السؤال الخامس: تنشب بين الدعاة بعض الاختلافات التي تكاد تطغى على نقاط الالتقاء الكثيرة، وكثيرا ما تؤدي إلى تعطيل العمل الإسلامي

стр. 8866

وإلى أنواع من الفتن والانشقاقات والخصومات. . . ما هو تعليقكم ونصيحتكم للدعاة حول هذا الأمر؟ الجواب: نصيحتي للدعاة أن يخلصوا أعمالهم لله وحده وأن يتعاونوا على البر والتقوى وأن يتفقوا على تحكيم الكتاب والسنة فيما شجر بينهم عملا بقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١)، وبذلك يتحد الهدف وتجتمع الجهود وينصر الحق ويهزم الباطل، ولا يتم هذا كله إلا بالاستعانة بالله والتوجه إليه بطلب التوفيق، والحذر من اتباع الهوى. قال الله : ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ (٢) الآية. وقال يخاطب نبيه ورسوله داود ﵊: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٣) الآية.

стр. 8867

السؤال السادس: وما هي نصيحتكم عموما لتيار الصحوة الإسلامية الشبابية المتعالية الآن في العالم الإسلامي؟ الجواب: هذه الصحوة التي تسر كل مؤمن ويصح أن تسمى حركة إسلامية وتجديدا إسلاميا ونشاطا يجب أن تشجع، وأن توجه إلى الاعتصام بالكتاب والسنة، وأن يحذر قادتها وأفرادها من الغلو والإفراط؛ عملا بقول الله : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ (١)، وقول

стр. 8868

النبي ﷺ : «إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين (١)» وقوله ﷺ : «هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون (٢)». ويجب عليهم أن يتوجهوا إلى الله دائما بطلب التوفيق وصلاح القلوب والأعمال، والثبات على الحق، وأن يعنوا عناية تامة بالقرآن الكريم تلاوة وتدبرا وتعقلا، وعملا بالسنة المطهرة؛ لأنها الأصل الثاني، ولأنها المفسرة لكتاب الله؛ كما قال الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣). وقال : ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٤)، كما يجب على الدعاة إلى الله أن يستغلوا هذا الحركة الإسلامية بالتعاون مع القائمين عليها والمذاكرة معهم والحرص على إزالة الشبه التي قد تعرض لبعضهم؛ عملا بقول الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٥).

стр. 8869

السؤال السابع: ما رأيكم في مجتمع إسلامي طبقت فيه الحدود لفترة عام وأكثر، ثم تراجع عن هذه الحدود ليطبق القوانين الوضعية الغربية؟ الجواب: الواجب على جميع حكام المسلمين هو تطبيق شريعة الله بين عباده، والثبات على ذلك، والدعوة إليه، والالتزام به؛ لقول الله سبحانه يخاطب نبيه ﷺ : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (١) والواجب على أمته تنفيذ ذلك. قال سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢).

стр. 8870

وقال : ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (١)، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢)، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٣)، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٤). فلا يجوز لحكام المسلمين أن يخالفوا هذه الآيات الكريمات، بل عليهم أن يلتزموا بما دلت عليه، ويلزموا شعوبهم به، ولهم في ذلك العزة والكرامة والنصر والتأييد وحسن العاقبة، والفوز بالسعادة في الدنيا والآخرة، كما قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٦) ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٧)، وقال : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (٨) الآية.

стр. 8871

ولا ريب أن تحكيم شريعة الله في شئون عباده من جملة النصر لله، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن الإيمان والعمل الصالح اللذين وعد الله أهلهما الاستخلاف في الأرض، والتمكين في دينهم، ومنحهم الأمن بعد الخوف، فنسأل الله أن يوفق حكام المسلمين للتمسك بشريعته والحكم بها والرضى بها وترك ما خالفها. إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 8872

السؤال الثامن: ما رأيكم في الدعوة إلى القومية التي تعتقد أن الانتساب إلى العنصر أو اللغة مقدم على الانتساب إلى الدين وهذه الجماعات تدعي أنها لا تعادي الدين ولكنها تقدم القومية عليه. . ما رأيكم في هذه الدعوى؟ الجواب: هذه دعوة جاهلية لا يجوز الانتساب إليها ولا تشجيع القائمين بها، بل يجب القضاء عليها؛ لأن الشريعة الإسلامية جاءت بمحاربتها والتنفير منها، وتفنيد شبههم ومزاعمهم والرد عليها بما يوضح الحقيقة لطالبها؛ لأن الإسلام وحده هو الذي يخلد العروبة لغة وأدبا وخلقا، وأن التنكر لهذا الدين معناه القضاء الحقيقي على العروبة في لغتها وأدبها وخلقها، ولذلك يجب على الدعاة أن يستميتوا في إبراز الدعوة إلى الإسلام بقدر ما يستميت الاستعمار في إخفائه. ومن المعلوم من دين الإسلام بالضرورة أن الدعوة إلى القومية العربية أو غيرها من القوميات، دعوة باطلة وخطأ عظيم ومنكر ظاهر وجاهلية نكراء وكيد للإسلام وأهله، وذلك لوجوه قد أوضحناها في كتاب مستقل سميته - نقد القومية العربية على ضوء الإسلام والواقع - وأسأل الله أن يوفق الجميع لما فيه رضاه. وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

стр. 8873

بيان هيئة كبار العلماء حول أعمال الشغب التي قام بها بعض الحجاج الإيرانيين في موسم حج عام ١٤٠٧هـ الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين. وبعد: فقد اطلع مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية على الأحداث المؤسفة التي قام بها بعض الحجاج الإيرانيين بعد صلاة العصر من يوم الجمعة السادس من شهر ذي الحجة لعام ١٤٠٧ هـ من تجمعات ومسيرة صاخبة تعطل بسببها خروج المصلين إلى منازلهم ومصالحهم وتعرقلت حركة المرور، وتوقف السير فجأة في الشوارع والطرقات؛ مما أدى إلى تدخل الحجاج والمواطنين المحتجزين عن الحركة مع الحجاج الإيرانيين في محاولة لإقناعهم بإخلاء الشوارع، وفض المسيرة إلا أن الحجاج الإيرانيين أصروا على استكمال مسيرتهم الغوغائية رغم جميع المحاولات السلمية الهادئة التي بذلها الحجاج الآخرون على مختلف جنسياتهم وكذا المواطنون، مما نتج عنه وقوع اشتباكات عنيفة بين الإيرانيين ومختلف الحجيج والمواطنين سقط خلالها المئات من القتلى والجرحى من النساء والرجال حجاجا ومواطنين. وإن المجلس ليستنكر هذا العمل ويشجبه، لما فيه من إيذاء المسلمين من الحجاج وغيرهم في هذا البلد الحرام في الشهر الحرام، ولكونه وسيلة إلى ما لا تحمد عقباه

стр. 8874

من قتل النفوس، ومضايقة الناس وغير ذلك من أنواع الأذى والظلم، كما يحمل الإيرانيين مسئولية ما نشأ عن عملهم هذا من مفاسد وفتن ولا شك أن هذا العمل مخالف لأمر الله سبحانه لمن أراد الحج بقوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (١) والواجب على المسلم أن يلتزم بما أمر الله به ورسوله ﷺ من الأخلاق الكريمة، والمعاملة الطيبة لإخوانه المسلمين. ولقد عظم الله بيته الكريم، وجعل له من الخصائص ما ليس لغيره من الأمكنة والبقاع، فقال سبحانه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ (٢) وتوعد من أراد الإلحاد فيه بالعذاب الأليم بقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣) قال ابن عباس ﵁: الظلم هو أن تستحل من الحرم ما حرم الله عليك من إساءة أو قتل، فتظلم من لا يظلمك، وتقتل من لا يقتلك اهـ. وقد حرم الله سبحانه إيذاء المؤمنين والمؤمنات في كتابه الكريم في كل مكان وفي كل زمان، فكيف بإيذائهم في البلد الأمين، وفي وقت أداء المناسك، لا شك أن هذا يكون أشد إثما، وأعظم جرما؛ قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (٤) وقد بين الله مشروعية الحج ومنافعه بقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (٥) ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٦) ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٧) ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ (٨) - إلى قوله سبحانه - ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (٩) - إلى أن قال سبحانه - ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (١٠)

стр. 8875

فهذه هي أوامر الله وتوجيهاته لحجاج بيت الله الحرام: لا رفث، ولا فسوق، ولا جدال في الحج، ولا استهانة بحرمات الله، ولا تلفظا بقول الزور، بل ذكر الله وتعظيم لحرماته وشعائره. وبذلك يعلم أن ما فعله بعض الحجاج الإيرانيين بأعمالهم الاستفزازية مخالف لأوامر الله وتوجيهاته التي وردت في كتابه الكريم، وعلى لسان رسوله الأمين. فالواجب على جميع علماء المسلمين وحكامهم وقادتهم إنكار ذلك وشجبه؛ ليعلم كل أحد تحريم هذا العمل وبشاعته ومخالفاته لشرع الله، وسوء ما يترتب عليه من العواقب الضارة بالمسلمين من الحجاج وغيرهم وعلى المتظاهرين أنفسهم. وبذلك يعلم حكام إيران أن الواجب عليهم منع حجاجهم من هذا العمل السيئ، وعدم تشجيعهم عليه؛ لما تقدم من الأدلة الشرعية، والمعاني المرعية، والعواقب السيئة المترتبة على ذلك. كما يعلم أن الواجب على حكومة هذه البلاد وفقها الله منع مثل هذا العمل، وعدم التمكين منه بالطرق التي تراها كفيلة بذلك حماية لحجاج المسلمين وغيرهم من المواطنين من الأذى والظلم وغير ذلك كما يترتب على هذه الأعمال المخالفة للشرع من العواقب الوخيمة.

стр. 8876

وبهذه المناسبة، فإن المجلس حين يستنكر هذا الحادث ويشجبه، فإنه يوصي جميع حجاج بيت الله الحرام بتقوى الله وتعظيم حرماته، والتعاون على البر والتقوى، وعطف بعضهم على بعض، وإحسان بعضهم إلى البعض الآخر، والحذر من كل ما يضرهم في دينهم ودنياهم، أو يشغلهم عن أداء مناسكهم على الوجه الذي شرعه الله، والله المسئول أن ينصر دينه ويعلي كلمته، ويصلح أحوال المسلمين في كل مكان، ويصلح قادتهم، ويمنح الجميع الفقه في دينه والثبات عليه، وأن يوفق ولاة أمر هذه البلاد لكل ما فيه صلاح الأمة وسعادتها، وتسهيل أمور الحج للمسلمين، وأن يضاعف مثوبتهم على ما قدموه من إحسان وتسهيل وأن يزيدهم من فضله، وينصر بهم الحق، إنه جواد كريم وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه. هيئة كبار العلماء. عبد الله خياط ... عبد العزيز بن صالح عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز سليمان بن عبيد ... عبد المجيد حسن إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... صالح بن غصون محمد بن جبير ... صالح بن محمد اللحيدان عبد الله بن غديان ... راشد بن خنين عبد الله بن منيع ... حسن بن جعفر العتمي عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ ... محمد الصالح العثيمين عبد الله البسام ... صالح الفوزان

стр. 8877

حديث شريف عن ابن عباس وأنس بن مالك ﵃ أن رسول الله ﷺ قال: «لو أن لابن آدم واديا من ذهب أحب أن يكون له واديان ولن يملأ فاه إلا التراب ويتوب الله على من تاب (١)» متفق عليه

стр. 8878

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى الله وَعَمِلَ صَالِحًا وَقاَلَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١) (سورة فصلت، الآية ٣٣)

стр. 8879

المشرف العام سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد لجنة الإشراف الدكتور عبد العزيز محمد العبد المنعم الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين الشيخ أحمد بن عبد الرازق الدويش الدكتور محمد بن سعد الشويعر

стр. 8880

مجلة البحوث الإسلامية مجلة دورية تصدر عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد - الرياض الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء رئيس التحرير محمد بن سعد الشويعر مجلة فصلية تعنى بالبحوث الإسلامية تصدر كل أربعة أشهر مؤقتا

стр. 8881

المحتويات الافتتاحية: وجوب الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله محمد ﷺ والتحذير مما يخالفهما سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٧ موضوع العدد حكم دخول الكافر المساجد والاستعانة به في عمارتها اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ٢٠ الفتاوى: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ٣٩ من فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٨١

стр. 8882

البحوث: تحقيق الإسلام لأمن المجتمع د / صالح بن فوزان الفوزان ٩٦ حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأثرها في العالم الإسلامي د / محمد بن عبد الله السلمان ١١٥ الظاهرة الحضارية في القرآن والسنة د / عبد الحليم عويس ١٥٩ تحقيق مخطوطة ما وقع في القرآن الكريم من الظاء لسليمان بن أبي القاسم السرقوسي تحقيق الدكتور / علي حسين البواب ١٩٥ فتح المعين بتصحيح حديث عقد التسبيح باليمين الشيخ فريح بن صالح البهلال ٢١٢ الوحدة الإسلامية، أسسها ووسائل تحقيقها د. أحمد بن سعد البغدادي ٢٣٧ العز بن عبد السلام مفسرا د. عبد الله الوهيبي ٢٧٦ الإسلام وعلاقته بالديانات الأخرى عثمان جمعة ضميرية ٣١١ كلمة: نصيحة إلى حجاج بيت الله الحرام سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٣٥٣ قرار هيئة كبار العلماء رقم ١٣٨ في حكم مهرب ومروج المخدرات ٣٥٥

стр. 8883

صفحة فارغة

стр. 8884

الافتتاحية وجوب الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله محمد ﷺ والتحذير مما يخالفهما سماحة الشيخ / عبد العزيز بن عبد الله بن باز الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على عبده ورسوله وأمينه على وحيه وصفوته من خلقه نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين. أما بعد: فإن الله بعث نبيه ﷺ بالهدى ودين الحق كما قال سبحانه في سورتي التوبة والصف: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (١). وقال في سورة الفتح: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (٢). قال علماء التفسير ﵏: الهدى هو ما بعث الله به نبيه ﷺ من العلوم النافعة والأخبار الصادقة، ودين الحق هو ما بعثه الله به من الأعمال الصالحة والأحكام العادلة، وقد بين الله سبحانه أن الإيمان بما بعث به نبيه ﷺ من الهدى ودين الحق والعمل بذلك هو الصراط المستقيم الذي من سار عليه واستقام عليه وصل إلى شاطئ السلامة وفاز بالجنة والكرامة، ومن حاد عنه واتبع هواه باء بالصفقة الخاسرة وسوء المصير، وقد أمر الله عز

стр. 8885

وجل جميع العباد باتباع الصراط المستقيم، ونهاهم عن اتباع السبل التي تفضي بهم إلى صراط الجحيم، فقال في سورة الأنعام: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ (١). وأشار بقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا﴾ (٢) إلى ما سبق أن أمر نبيه ﷺ أن يتلوه على الناس ويبينه لهم ليعقلوا ويتذكروا، وذلك في قوله سبحانه: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٣) ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٤). ثم قال سبحانه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ (٥) الآية. فبين بهذا أن امتثال هذه الأوامر والنواهي هو الصراط المستقيم الذي أمر باتباعه وبدأها سبحانه بالتحذير من الشرك وبيان تحريمه على الأمة، وذلك لأنه أعظم الذنوب وأشهر الجرائم، ولأن ضده وهو التوحيد هو أعظم الفرائض وأهم الواجبات، وذلك هو أساس الملة وقاعدة الصراط المستقيم وهو الذي بعث الله به جميع الرسل وأنزل به جميع الكتب وخلق من أجله الثقلين كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٦).

стр. 8886

وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٢). وقد أمر الله عباده بذلك في مواضع كث يرة من كتابه، وعلى لسان رسوله محمد ﷺ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٣). وقال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٤). وقال : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٥). وأرشد عباده في سورة الفاتحة أن يقروا بذلك لله سبحانه فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٦) ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٧) ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٨) ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٩). والآيات في هذا المعنى كثيرة، وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄: «أن النبي ﷺ قال لمعاذ: أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ قال معاذ: قلت: الله ورسوله أعلم. فقال ﷺ : حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا (١٠)» الحديث، وقال ﷺ : «من مات وهو يدعو لله ندا دخل النار (١١)» خرجه البخاري في صحيحه والأحاديث في

стр. 8887

هذا المعنى كثيرة وهذا هو معنى لا إله إلا الله فإن معناها لا معبود حق إلا الله فهي تنفي جميع أنواع العبادة عن غير الله وتثبتها بحق لله وحده كما قال الله سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (١). ثم ذكر سبحانه حق الوالدين وهو الإحسان إليهما وعدم عقوقهما، ثم نهى عن قتل الأولاد من أجل الإملاق وهو الفقر، وأخبر أنه سبحانه هو الذي يرزق الوالدين والأولاد وكان من عادة بعض أهل الجاهلية قتل أولادهم خشية الفقر، فنهى الله عباده عن فعل ذلك لما فيه من الظلم والعدوان وسوء الظن بالله ، ثم نهى عن قربان الفواحش ظاهرها وباطنها وهي المعاصي كلها، ثم خص من ذلك قتل النفس بغير الحق لعظم هذه الجريمة وسوء عاقبتها أكثر من غيرها من المعاصي التي دون الشرك، ثم نهى عن قربان مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده، وذلك حين يبلغ ويرشد، ثم أمر بالوفاء بالكيل والميزان بالقسط وهو العدل، وذلك لما في بخس المكيال والميزان من الظلم والعدوان وأكل المال بالباطل، ثم أمر بالعدل في القول بعدما أمر بالعدل في الفعل، فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (٢). والمعنى أن العدل في جميع الأقوال والأفعال مع القريب والبعيد والحبيب والبغيض طاعة لله سبحانه وتنفيذا لحكمه، وضده هو الظلم في القول والعمل، ثم أمر عباده سبحانه بالوفاء بعهده الذي عهد إليهم في

стр. 8888

كتابه المبين وعلى لسان رسوله الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم، وذلك يشمل جميع ما شرعه لعباده من الفرائض والأحكام والأقوال والأعمال وما نهاهم عنه سبحانه، كما نص على ذلك أئمة التفسير، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١). فعلم بهذا أن صراطه سبحانه هو العمل بأوامره والانتهاء عن نواهيه والإيمان بكل ما جاء به رسوله ﷺ من العلوم النافعة والأخبار الصادقة والشرائع والأحكام ظاهرا وباطنا خلافا لأهل النفاق، وقد أرشد سبحانه عباده في سورة الفاتحة إلى أن يسألوه الهداية إلى هذا الصراط لشدة ضرورتهم إلى ذلك، وبين سبحانه أنه هو طريق المنعم عليهم المذكورين في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٢). وقد دلت الأحاديث المرفوعة والآثار عن الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان على أن السبل التي نهى الله عن اتباعها هي البدع والشبهات والشهوات المحرمة والمذاهب والنحل المنحرفة عن الحق وسائر الأديان الباطلة، ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد والنسائي بإسناد صحيح عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «خط رسول الله ﷺ خطا بيده ثم قال: هذا سبيل الله مستقيما. وخط خطوطا عن يمينه وشماله، ثم قال: هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: (٤)»

стр. 8889

ومما يحسن التنبيه عليه أنه ذكر في ختام الآية الأولى من الآيات الثلاث المذكورة آنفا: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١) وفي ختام الآية الثانية: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٢) وفي ختام الآية الثالثة ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٣) قال بعض علماء التفسير: الحكمة في ذلك - والله أعلم - أن من تدبر كتاب الله وأكثر من تلاوته حصل له التعقل للأوامر والنواهي والتذكر لما تشتمل عليه من المصالح العظيمة والعواقب الحميدة في الدنيا والآخرة، وبذلك ينتقل إلى التقوى وهي فعل الأوامر وترك النواهي اتقاء لغضب الله وعقابه، ورغبة في مغفرته ورحمته والفوز بكرامته، وهذا معنى عظيم، وذلك من أسرار كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ لكونه تنزيلا من حكيم حميد لا تخفى عليه ولا يعجزه شيء، وهو العالم بأحوال عباده ومصالحهم، لا إله غيره ولا رب سواه، وقد أخبر سبحانه أن ما أوحى الله به إلى نبيه ﷺ هو روح تحصل به الحياة الطيبة، ونور تحصل به البصيرة والهداية كما أخبر أن رسوله الكريم يهدي إلى صراطه المستقيم الذي أوضحه في الآيات الثلاث التي ذكرنا آنفا، وذلك في قوله في سورة الشورى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٤) ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ (٥). فأوضح سبحانه أن الوحي الذي أوحاه إلى نبيه ﷺ من الكتاب والسنة روح تحصل به الحياة الطيبة السعيدة والعاقبة الحميدة ونور تحصل به الهداية والبصيرة كما قال في سورة الأنعام:

стр. 8890

﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ (١). فأخبر سبحانه أن الكافر ميت منغمس في الظلمات لا خروج له منها إلا إذا أحياه الله بالإسلام والعلم النافع، وقال في سورة الأنفال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (٢) الآية. فأخبر سبحانه أن الاستجابة لله وللرسول هي الحياة، وأن من لم يستجب لله وللرسول فهو ميت مع الأموات، وقال في سورة النحل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ (٣). فأبان سبحانه في هذه الآية الكريمة أن من عمل صالحا من الذكور والإناث وهو مؤمن بالله ورسوله أحياه الله حياة طيبة وهي الحياة التي فيها راحة القلب والضمير مع السعادة العاجلة والآجلة لاستقامة صاحبها على شرع مولاه سبحانه وسيره على ذلك إلى أن يلقاه ، ثم أخبر سبحانه أنه يجزيهم في الآخرة أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون فجمع لهم سبحانه بين الحياة الطيبة في الدنيا والسعادة الكاملة في الآخرة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، ومعلوم أنه لا يحصل هذا الخير العظيم إلا لمن اعتصم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ قولا وعملا وعقيدة واستمر على ذلك حتى يلقى ربه كما قال سبحانه

стр. 8891

في سورة آل عمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون﴾ (١) ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٢) أمر الله سبحانه في هاتين الآيتين أهل الإيمان بأن يتقوا الله في جميع حياتهم حتى يموتوا على ذلك وأمرهم بالاعتصام بحبله وهو دينه الذي بعث به نبيه ﷺ وهو الإسلام وهو التمسك بالقرآن والسنة ونهى عن التفرق في ذلك لما يفضي إليه التفرق من ضياع الحق وسوء العاقبة واختلاف القلوب وقال سبحانه في سورة الحجر يخاطب نبيه ﷺ : ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِين﴾ (٣). إلى أن قال سبحانه: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ (٤) ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (٥). فأمره سبحانه أن يبلغ رسالاته ويصدع بذلك ويعرض عمن خالفه ثم أمره أن يسبح بحمده وأن يكون من الساجدين له وأن يعبد ربه حتى يأتيه اليقين وهو الموت فعلم بذلك أن الواجب على جميع العباد أن يسقيموا على شرع الله وأن يعتصموا بكتابه وسنة نبيه ﷺ ، وأن يستمروا في ذلك ويلزموه ولا يبالوا بمن خالفه حتى تنزل بهم آجالهم، وقد أمر الله سبحانه في مواضع كثيرة من كتابه العزيز وفي أحاديث كثيرة مما صح عن رسول الله ﷺ باتباع كتابه الكريم والاعتصام به وباتباع السنة وتعظيمها والحذر مما خالفهما، فمن ذلك قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٦).

стр. 8892

وقال سبحانه في سورة الأنعام: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١). وقال في سورة الإسراء: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (٢). وقال في سورة ص: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٣). والآيات في هذا المعنى كثيرة، وقال سبحانه في سورة النساء لما ذكر تفصيل الميراث: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٤) ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٥). وقال فيها أيضا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ (٦). فأمر سبحانه في هذه الآية العظيمة بطاعته وطاعة رسوله ﷺ ، وقد بين أهل العلم أن الرد إليه سبحانه هو الرد إلى كتابه الكريم، وأن الرد إلى الرسول ﷺ هو الرد إليه في حياته وإلى سنته ﷺ بعد وفاته. وأخبر أن هذا الرد خير للعباد في دنياهم وأخراهم وأحسن تأويلا أي عاقبة وبهذا يعلم أن الواجب على جميع أهل الإسلام أن يعتصموا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ في كل أمورهم وأن يردوا ما تنازعوا فيه إليهما وأن ذلك

стр. 8893

خير لهم وأحسن عاقبة في العاجل والآجل أما طاعة أولي الأمر فهي واجبة في المعروف كما صحت بذلك السنة عن رسول الله ﷺ وهذا الموضع من المواضع التي قيد فيها مطلق الكتاب بما صح في السنة عن الرسول ﷺ لأنه هو المبلغ عنه والدال على شريعته بأمره سبحانه، كما قال في سورة النحل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١). وقال فيها سبحانه: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢) وقال سبحانه في سورة النساء أيضا: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ (٣). وبين سبحانه في سورة الأعراف أن أنصاره وأتباعه هم المفلحون، وبين أن الهداية معلقة بأتباعه ﷺ فقال سبحانه: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٤) ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٥). وقال في سورة الأنفال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ (٦).

стр. 8894

إلى أن قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (١) الآية. وسبق أن هذه الآية العظيمة تدل على أن الحياة بالاستجابة لله وللرسول ﷺ ، وأن من لم يستجب لله ورسوله فهو من الأموات وإن كان حيا بين الناس حياة البهائم، وقال في سورة النور: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِين﴾ (٢). فأبان سبحانه في هذه الآية الكريمة أن الهداية في طاعته واتباع ما جاء به، ولا شك أن طاعته ﷺ طاعة لله واتباع لكتابه العظيم كما قال سبحانه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٣) الآية. وقال في آخر هذه السورة: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤). وهذا وعيد شديد لمن حاد عن أمره ﷺ واتبع هواه، وقال في سورة الفتح: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٥) وقال سبحانه في سورة الحشر: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٦).

стр. 8895

والآيات في الأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ واتباع كتاب الله والاهتداء به كثيرة جدا وقد ذكرنا منها بحمد الله ما فيه الكفاية والمقنع لمن وفق لقبول الحق، وأما الأحاديث في ذلك فهي كثيرة أيضا، فنذكر منها ما تيسر، ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن أطاع الأمير فقد أطاعني ومن عصى الأمير فقد عصاني (١)» والمراد بطاعة الأمير طاعته في المعروف كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ ، ومعلوم أن السنة يقيد مطلقها بمقيدها كما أن الكتاب العزيز يفسر المطلق فيه بالمقيد ويفسر مطلقه أيضا بمقيد السنة، كما سبق التنبيه على ذلك عند ذكر قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٢) الآية، وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى (٣)». وخرج الإمام أحمد وأبو داود والحاكم بإسناد صحيح عن المقدام بن معد يكرب عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه (٤)». وخرج أبو داود وابن ماجه بسند صحيح عن ابن أبي رافع عن أبيه عن النبي ﷺ قال: «لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه (٥)». وعن الحسن بن جابر قال: سمعت المقدام بن معد يكرب ﵁ يقول: حرم رسول الله ﷺ يوم خيبر أشياء ثم قال: «يوشك أحدكم أن يكذبني
следующие страницы →