فتوى برقم ٤١٣٧ وتاريخ ١١/ ١١ / ١٤٠١هـ
السؤال: ما هو حكم من يستهزئ بمن ترتدي الحجاب الشرعي وتغطي وجهها وكفيها؟
الجواب: من يستهزئ بالمسلمة أو المسلم من أجل تمسكه بالشريعة الإسلامية فهو كافر سواء كان ذلك في احتجاب المسلمة احتجابا شرعيا أم في غيره. لما رواه عبد الله بن عمر ﵄ «قال رجل في غزوة تبوك في مجلس: ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء. فقال رجل: كذبت ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ ، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ونزل القرآن، فقال عبد الله بن عمر: وأنا رأيته متعلقا بحقب ناقة رسول الله ﷺ تنكبه الحجارة وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله ﷺ يقول: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ (١) ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (٢)» فجعل استهزاءه بالمؤمنين استهزاء بالله وآياته ورسوله.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 8962
فتوى برقم ٤٢٨٥ وتاريخ ١/ ١ / ١٤٠٢هـ
السؤال الأول: شخص يقول: عندي ابنة تبلغ من العمر واحدا وعشرين عاما يوجد عندها أصبع سادس في اليد اليمنى وهذا الأصبع كامل بعظمه وأظافره وهي متضايقة منه جدا وتلح علي في استئصاله وقد حصل لها أن تملكت وطلقها الخاطب قبل الدخول بها وبعد الملاك علمنا أن الزوج عنده خبر بحالها وعلى ما يظهر لي أنها تخشى عزوف الزوج عنها لهذا السبب فهل يجوز لنا استئصاله إذا قرر الطبيب أن ما على صحتها خطر من ذلك؟
الجواب: إذا كان الواقع كما ذكرت جاز استئصال الأصبع الزائد إذا أمن الخطر ولا حرج في ذلك.
السؤال الثاني: عندي قطعة أرض للتجارة وأقوم بدفع الزكاة عليها منذ اشتريتها منذ ثلاث سنوات ولكن اشتريت قطعتين من أراضي مدينة أخرى، واحدة للسكن والثانية سأعمرها للاستثمار من البنك حيث لا يوجد عندي نفقة البناء فأصبحت مطالبا بقيمة الأراضي التي في البلد الآخر علما بأن قيمتها أكثر من قيمة الأرض الأولى فهل أستمر في دفع زكاة قطعة الأرض الأولى أو تسقط عني حيث إنني مطالب بأكثر من قيمتها فما الحكم؟
الجواب: إذا كان الواقع كما ذكرت فعليك أن تدفع زكاة الأرض الأولى ما دامت مقصودا بها التجارة حسب قيمتها وقت وجوب الزكاة كل سنة ولا يمنع الدين الزكاة كل سنة ولا يمنع الدين الزكاة في الأرض المذكورة.
السؤال الثالث: دخل رجل الصلاة فوجد مجموعة من الشباب أكبرهم
стр. 8963
يبلغ من العمر اثنتي عشرة سنة فهل تصح إمامة هذا الشاب الذي يبلغ من عمره اثنتي عشرة سنة؟
الجواب: تصح إمامة الصبي الذي يعقل الصلاة لقول النبي ﷺ : «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله (١)» الحديث، ولما ثبت في صحيح البخاري عن عمرو بن سلمة الجرمي قال: قدم أبي من عند النبي ﷺ فقال: إنه سمع النبي ﷺ يقول: «إذا حضرت الصلاة فليؤمكم أكثركم قرآنا قال: فنظروا فلم يجدوا أحدا أكثر مني قرآنا فقدموني، وأنا ابن ست أو سبع سنين (٢)». وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 8964
فتوى برقم ٤٣٨١ وتاريخ ٢٤/ ٢ / ١٤٠٢هـ
السؤال: هل يجوز حلق اللحية إذا كان الرجل يعتقل ويسجن بسببها ، أم لا؟
الجواب: إعفاء اللحية واجب وحلقها حرام كما هو معروف من الأحاديث النبوية الثابتة عن النبي ﷺ فلا يجوز للمسلم أن يحلقها لمجرد القول بأن من يعفيها متطرف أو متعصب أو الخوف من اعتقاله أو القبض عليه وليس القبض على المسلم لمجرد إعفائه للحيته فإذا حلقها فهو آثم لكن إن قدر أنه قبض عليه وحلقت لحيته دون اختياره فلا إثم عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (١) ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٢)
стр. 8965
ونسأل الله التوفيق والصواب في القول والعمل وفي الدعوة إلى الحق وطريقها السليم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 8966
فتوى برقم ٤٦٧١ وتاريخ ٢٦/ ٦ / ١٤٠٢هـ
السؤال الأول: أنا طالب في كلية الطب وفي السنة القادمة يكون مقررا علينا إن شاء الله مادة أمراض النساء والتوليد وعلى هذا أسأل في الآتي:
هل يجوز أن أحضر الدراسة العملية التي ربما ينكشف فيها جسد المرأة؟
و هل يجوز للطبيب أن يتخصص في طب النساء والتوليد أم يقتصر هذا على الطبيبات؟
وهل يجوز للمرأة المريضة بأي مرض غير أمراض النساء والتوليد أن تذهب لطبيب عيون أو أنف وأذن مثلا - علما بوجود طبيبات متخصصات في هذه الفروع؟
وهل يجوز للمرأة الطبيبة أن تكشف على الرجل المريض؟
الجواب: أ - ب: إذا كان هناك من يكفي من المتخصصات في طب النساء والولادة اقتصر عليهن ولم يجز لك أن تدرس فيه ولا أن تطلع على عورة المرأة بالتدريب في كشف عليها أو إجراء عملية لها وإن كان
стр. 8967
من تخصص في طب النساء والولادة من النساء غير كاف للقيام بالواجب في هذا الجانب ودعت حاجة المسلمين إلى تخصصك فيه جاز لك أن تدرس فيه، ورخص لك في رؤية ما تدعو الضرورة إلى كشفه من جسد المرأة لإجراء كشف أو عملية.
ج- إذا تيسر للمرأة أن يشخص مرضها ويعالجها طبيبة خبيرة في نوع مرضها لم يجز لها أن تكشف أو تعالج عند طبيب وإلا جاز لها ذلك.
د- يجوز لها أن تكشف وتعالج المريض من الرجال إذا دعت الحاجة إلى ذلك ولم يتيسر من يقوم بذلك من الرجال وإلا امتنع وتعين أن يتولى علاجه طبيب.
السؤال الثاني: هل يجوز للرجل أن ينظر إلى الأجنبية أكثر من نظر الفجأة وإذا كان لا يجوز فهل يجوز للطلاب الرجال أن يحضروا محاضرة تلقيها امرأة متبرجة أو تلبس ملابس لصيقة على جسمها بحجة التعليم؟
الجواب: لا يجوز له النظر إليها أكثر من نظر الفجأة إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك كما في حالة الإنقاذ من غرق أو حريق أو هدم أو نحو ذلك أو في حالة كشف طبي أو علاج مرض إذا لم يتيسر من يقوم بذلك من النساء. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 8968
فتوى برقم ٥١٦٧ وتاريخ ٢/ ١ / ١٤٠٣هـ
السؤال: يقال: إن صوت المرأة عورة فهل هذا صحيح؟
الجواب: المرأة موضع قضاء وطر الرجال فهم يميلون إليها بدافع غريزة الشهوة فإذا تغنجت في كلامها زادت الفتنة ولذلك أمر الله المؤمنين إذا سألوا النساء حاجة أو متاعا أن يسألوهن من وراء حجاب فقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (١) ونهى النساء إذا خاطبن الرجال أن يخضعن بالقول لئلا يطمع الذي في قلبه مرض كما في قوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ (٢).
فإذا كان هذا هو الشأن والمؤمنون في قوة إيمانهم وعزته فكيف بهذا الزمان الذي ضعف فيه الإيمان وقل التمسك بالدين فعليك الإقلال من مخالطة الرجال الأجانب وقلة التحدث معهم إلا في حاجة ضرورية مع عدم الخضوع واللين في القول للآية المذكورة.
وبهذا تعلمين أن الصوت المجرد والذي ليس معه خضوع ليس بعورة لأن النساء كن يكلمن النبي ﷺ ويسألنه عن أمور دينهن وهكذا كن
стр. 8969
يكلمن الصحابة في حاجتهن، ولم ينكر ذلك عليهن. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 8970
فتوى برقم ٥١٧٥ وتاريخ ٧/ ١ / ١٤٠٢هـ
السؤال: هل يجوز للرجل إذا فكر في الزواج من فتاة أن يطلع عليها أو على صورتها قبل العقد ؟
الجواب: يشرع لمن أراد الزواج بامرأة أن ينظر إليها لما روى أحمد وأبو داود عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل (١)». وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 8971
فتوى برقم ٦١٤٢ وتاريخ ١٠/ ١٠ / ١٤٠٣هـ
السؤال: هل يجوز التصفيق من الرجل لمداعبة طفله أو أن يطلب من التلاميذ في الفصل التصفيق لتلميذ آخر وذلك لتشجيعه؟
стр. 8972
الجواب: لا ينبغي هذا التصفيق وأقل أحواله الكراهة الشديدة لكونه من خصال الجاهلية ولأنه أيضا من خصائص النساء للتنبيه في الصلاة عند السهو. وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 8973
فتوى برقم ٦٢٤٥ وتاريخ ٢٧/ ١٠ / ١٤٠٣هـ
السؤال: شخص يقول: لم أجد في أسماء الله وصفاته اسم الموجود، وإنما وجدت اسم الواجد وعلمت في اللغة أن الموجود على وزن مفعول ولا بد أن يكون لكل موجود موجدا كما أن لكل مفعول فاعلا، ومحال أن يوجد لله موجد. ورأيت أن الواجد يشبه اسم الخالق، والموجود يشبه اسم المخلوق، وكما أن لكل موجود موجدا فلكل مخلوق خالقا - فهل لي بعد ذلك أن أصف الله بأنه موجود؟
الجواب: وجود الله معلوم من الدين بالضرورة وهو صفة لله بإجماع المسلمين، بل صفة لله عند جميع العقلاء حتى المشركين لا ينازع في ذلك إلا ملحد دهري ولا يلزم من إثبات الوجود صفة لله أن يكون له موجد لأن الوجود نوعان: الأول: وجود ذاتي وهو ما كان وجوده ثابتا له في نفسه لا مكسوبا له من غيره وهذا هو وجود الله سبحانه وصفاته.
فإن وجوده لم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١)
стр. 8974
الثاني: وجود حادث وهو ما كان حادثا بعد عدم فهذا الذي لا بد له من موجد يوجده وخالق يحدثه وهو الله سبحانه قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (١) ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ (٣) ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (٤) وعلى هذا يوصف الله تعالى بأنه موجود ويخبر عنه بذلك في الكلام فيقال: الله موجود وليس الوجود اسما بل صفة. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 8975
من فتاوى سماحة الشيخ
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
أولا: مسائل في أهل الكتاب، ومن هم الخلفاء الراشدون ؟
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد: فقد سألني بعض الإخوان عن أربع مسائل وهذا نص السؤال الأول والجواب:
الأولى: ما حكم ذبائح أهل الكتاب؟
الثانية: نكاح نسائهم؟
الثالثة: من هم أهل الكتاب؟
الرابعة: من هم الخلفاء الراشدون بعد رسول الله ﷺ ؟
وهذا نص الجواب. . والله الموفق سبحانه لا إله غيره ولا رب سواه وهو حسبنا ونعم الوكيل.
المسألة الأولى: ما حكم ذبائح أهل الكتاب ؟
الجواب: حكمها الحل والإباحة بالإجماع ما لم تعلم أنها ذبحت على غير الوجه الشرعي كالخنق ونحوه لقول الله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ (١) الآية من سورة المائدة قال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية ما نصه: (لما ذكر تعالى ما حرمه على عباده المؤمنين من الخبائث
стр. 8976
وما أحله لهم من الطيبات قال بعده: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (١) ثم ذكر حكم ذبائح أهل الكتابين من اليهود والنصارى فقال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٢) قال ابن عباس وأبو أمامة ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وعطاء والحسن ومكحول وإبراهيم النخعي والسدي ومقاتل بن حيان: يعني ذبائحهم وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء أن ذبائحهم حلال للمسلمين لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله وإن اعتقدوا فيه تعالى ما هو منزه عنه تعالى وتقدس، وقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن مغفل ﵁ قال: أدلي بجراب من شحم يوم خيبر فحضنته وقلت: لا أعطي اليوم من هذا أحدا، والتفت فإذا النبي ﷺ يبتسم، فاستدل به الفقهاء على أنه يجوز تناول ما يحتاج إليه من الأطعمة ونحوها من الغنيمة قبل القسمة وهذا ظاهر واستدل به الفقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة على أصحاب مالك في منعهم أكل ما يعتقد اليهود تحريمه من ذبائحهم كالشحوم ونحوها مما حرم عليهم، فالمالكية لا يجوزون للمسلمين أكله لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٣) قالوا: وهذا ليس من طعامهم، واستدل عليهم الجمهور بهذا الحديث وفي ذلك نظر لأنه قضية عين، ويحتمل أن يكون شحما يعتقدون حله كشحم الظهر والحوايا ونحوهما والله أعلم، وأجود منه في الدلالة ما ثبت في الصحيح أن «أهل خيبر أهدوا لرسول الله ﷺ شاة مصلية وقد سموا ذراعها، وكان يعجبه الذراع، فتناوله فنهش منه نهشة فأخبره الذراع أنه مسموم، فلفظه وأثر ذلك في ثنايا رسول الله ﷺ وفي أبهره، وأكل معه منها بشر بن البراء بن معرور فمات، فقتل اليهودية التي سمتها وكان اسمها زينب، فقتلت ببشر بن البراء (٤)»، ووجه الدلالة منه أنه عزم على أكلها ومن معه ولم يسألهم هل نزعوا منها ما يعتقدون تحريمه من شحمها أم لا، وفي الحديث الآخر أن رسول الله ﷺ أضافه يهودي على خبز شعير وإهالة سنخة يعني ودكا زنخا انتهى
стр. 8977
المقصود من كلام الحافظ ابن كثير ﵀ وفيه الدلالة على أن ذبائح أهل الكتاب حلال للمسلمين بالإجماع وهكذا شحم ذبائحهم وإن كان محرما عليهم فهو حل لنا للأحاديث المذكورة آنفا وهو قول جمهور أهل العلم خلافا لأصحاب مالك ﵏ جميعا.
стр. 8978
المسألة الثانية: ما حكم نكاح نسائهم ؟
والجواب: حكم ذلك الحل والإباحة عند جمهور أهل العلم لقول الله سبحانه في الآية السابقة من سورة المائدة: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١) والمحصنة هي الحرة العفيفة في أصح أقوال علماء التفسير، قال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية ما نصه.
وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٢) أي وأحل لكم نكاح الحرائر العفائف من النساء المؤمنات وذكر هذا توطئة لما بعده وهو قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٣) فقيل: أراد المحصنات الحرائر دون الإماء حكاه ابن جرير عن مجاهد وإنما قال مجاهد: المحصنات الحرائر، فيحتمل أن يكون أراد ما حكاه عنه، ويحتمل أن يكون أراد بالحرة العفيفة كما في الرواية الأخرى عنه وهو قول الجمهور هاهنا، وهو الأشبه لئلا يجتمع فيها أن تكون ذمية وهي مع ذلك غير عفيفة، فيفسد حالها بالكلية ويتحصل زوجها على ما قيل في المثل: حشف وسوء كيل، والظاهر من الآية أن المراد بالمحصنات العفيفات عن الزنا كما قال تعالى في الآية الآخرى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ (٤)
стр. 8979
ثم اختلف المفسرون والعلماء في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (١) هل يعم كل كتابية عفيفة سواء كانت حرة أو أمة حكاه ابن جرير عن طائفة من السلف ممن فسر المحصنة بالعفيفة، وقيل: المراد بأهل الكتاب هاهنا الإسرائيليات وهو مذهب الشافعي، وقيل: المراد بذلك الذميات دون الحربيات لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٢) الآية، وقد كان عبد الله بن عمر لا يرى التزويج بالنصرانية ويقول: لا أعلم شركا أعظم من أن تقول: إن ربها عيسى، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (٣) الآية، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا محمد بن حاتم بن سليمان المؤدب، حدثنا القاسم بن مالك - يعني المزني - حدثنا إسماعيل بن سميع عن أبي مالك الغفاري قال: نزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (٤) قال: فحجز الناس عنهن حتى نزلت الآية التي بعدها: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٥) فنكح الناس نساء أهل الكتاب، وقد تزوج جماعة من الصحابة من نساء النصارى، ولم يروا بذلك بأسا أخذا بهذه الآية الكريمة: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٦) فجعلوا هذه مخصصة للتي في سورة البقرة: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (٧) إن قيل بدخول الكتابيات في عمومها، وإلا فلا معارضة بينها وبينها لأن أهل الكتاب قد انفصلوا في ذكرهم عن المشركين في غير موضع كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ (٨) وكقوله: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ (٩) الآية، انتهى المقصود من كلام الحافظ ابن كثير ﵀.
стр. 8980
وقال أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة الحنبلي ﵀ في كتابه المغني ما نصه: ليس بين أهل العلم بحمد الله اختلاف في حل حرائر نساء أهل الكتاب، وممن روي عنه ذلك عمر وعثمان وطلحة وحذيفة وسلمان وجابر وغيرهم، قال ابن المنذر: ولا يصح عن أحد من الأوائل أنه حرم ذلك، وروى الخلال بإسناده أن حذيفة وطلحة والجارود بن المعلى وأذينة العبدي تزوجوا نساء من أهل الكتاب، وبه قال سائر أهل العلم، وحرمته الإمامية تمسكا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (١)، ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (٢)، ولنا قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (٣) إلى قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٤) وإجماع الصحابة فأما قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ (٥) فروي عن ابن عباس ﵄ أنها نسخت بالآية التي في سورة المائدة، وكذلك ينبغي أن يكون ذلك في الآية الأخرى لأنهما متقدمتان، والآية التي في المائدة متأخرة عنهما.
وقال آخرون: ليس هذا نسخا فإن لفظ المشركين بإطلاقه لا يتناول أهل الكتاب بدليل قوله سبحانه: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ (٦) وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ (٧) وقال: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (٨) وقال: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٩) وسائر القرآن يفصل بينهما فدل على أن لفظة
стр. 8981
المشركين بإطلاقها غير متناولة لأهل الكتاب، وهذا معنى قول سعيد بن جبير وقتادة، ولأن ما احتجوا به عام في كل كافرة وأيقنا خاصة في حل أهل الكتاب، والخاص يجب تقديمه، إذا ثبت هذا فالأولى أن لا يتزوج كتابية لأن عمر ﵁ قال للذين تزوجوا من نساء أهل الكتاب: طلقوهن. فطلقوهن إلا حذيفة، فقال له عمر: طلقها قال: تشهد أنها حرام؟ قال: هي خمرة طلقها. قال: تشهد أنها حرام؟ قال: هي خمرة. قال: قد علمت أنها خمرة ولكنها إلي حلال. فلما كان بعد طلقها، فقيل له: ألا طلقتها حين أمرك عمر. قال: كرهت أن يرى الناس أني ركبت أمرا لا ينبغي لي. ولأنه ربما مال إليها قلبه فتفتنه وربما كان بينهما ولد فيميل إليها انتهى كلام صاحب المغني ﵀.
والخلاصة مما ذكره الحافظ ابن كثير وصاحب المغني رحمة الله عليهما أنه لا تعارض بين قوله سبحانه في سورة البقرة: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (١) الآية وبين قوله في سورة المائدة: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٢) الآية لوجهين أحدهما: أن أهل الكتاب غير داخلين في المشركين عند الإطلاق لأن الله سبحانه فصل بينهم في آيات كثيرات مثل قوله : ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ (٣) الآية، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ (٤) الآية، وقوله : ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٥) الآية، إلى غير ذلك من الآيات المفرقة بين أهل الكتاب والمشركين وعلى هذا الوجه لا تكون المحصنات من أهل الكتاب داخلات في المشركات المنهي عن نكاحهن في سورة البقرة فلا يبقى بين
стр. 8982
الآيتين تعارض، وهذا القول فيه نظر، والأقرب أن أهل الكتاب داخلون في المشركين والمشركات عند الإطلاق رجالهم ونساؤهم، لأنهم كفار مشركون بلا شك، ولهذا يمنعون من دخول المسجد الحرام لقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (١) الآية، ولو كان أهل الكتاب لا يدخلون في اسم المشركين عند الإطلاق لم تشملهم هذه الآية ولما ذكر سبحانه عقيدة اليهود والنصارى في سورة براءة قال بعد ذلك: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢) فوصفهم جميعا بالشرك لأن اليهود قالوا: عزير ابن الله والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، ولأنهم جميعا اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، وهذا كله من أقبح الشرك والآيات في هذا المعنى كثيرة والوجه الثاني أن آية المائدة مخصصة لآية البقرة والخاص يقضي على العام ويقدم عليه كما هو معروف في الأصول وهو مجمع عليه في الجملة، وهذا هو الصواب، وبذلك يتضح أن المحصنات من أهل الكتاب حل للمسلمين غير داخلات في المشركات المنهي عن نكاحهن عند جمهور أهل العلم بل هو كالإجماع منهم لما تقدم في كلام صاحب المغني، ولكن ترك نكاحهن والاستغناء عنهن بالمحصنات من المؤمنات أولى وأفضل لما جاء في ذلك عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وابنه عبد الله وجماعة من السلف الصالح ﵃. ولأن نكاح نساء أهل الكتاب فيه خطر ولا سيما في هذا العصر الذي استحكمت فيه غربة الإسلام وقل فيه الرجال الصالحون الفقهاء في الدين وكثر فيه الميل إلى النساء والسمع والطاعة لهن في كل شيء إلا ما شاء الله فيخشى على الزوج أن تجره زوجته الكتابية إلى دينها وأخلاقها
стр. 8983
كما يخشى على أولادهما من ذلك والله المستعان فإن قيل: فما وجه الحكمة في إباحة المحصنات من أهل الكتاب للمسلمين وعدم إباحة المسلمات للرجال من أهل الكتاب، فالجواب عن ذلك والله أعلم أن يقال: إن المسلمين لما آمنوا بالله وبرسله وما أنزل عليهم ومن جملتهم موسى بن عمران وعيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام ومن جملة ما أنزل على الرسل التوراة المنزلة على موسى والإنجيل المنزل على عيسى لما آمن المسلمون بهذا كله أباح الله لهم نساء أهل الكتاب المحصنات فضلا منه عليهم وإكمالا لإحسانه إليهم، ولما كفر أهل الكتاب بمحمد ﷺ وما أنزل عليه من الكتاب العظيم وهو القرآن حرم الله عليهم نساء المسلمين حتى يؤمنوا بنبيه ورسوله محمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين، فإذا آمنوا به حل لهم نساؤنا وصار لهم ما لنا وعليهم ما علينا، والله سبحانه هو الحكم العادل البصير بأحوال عباده العليم بما يصلحهم الحكيم في كل شيء تعالى وتقدس وتنزه عن قول الضالين والكافرين وسائر المشركين. وهناك حكمة أخرى وهي أن المرأة ضعيفة سريعة الانقياد للزوج فلو أبيحت المسلمة لرجال أهل الكتاب لأفضى بها ذلك غالبا إلى دين زوجها فاقتضت حكمة الله سبحانه تحريم ذلك.
стр. 8984
المسألة الثالثة: من هم أهل الكتاب ؟
والجواب: هم اليهود والنصارى كما نص على ذلك علماء التفسير وغيرهم، أما المجوس فليسوا من أهل الكتاب عند الإطلاق ولكنهم يعاملون معاملتهم في أخذ الجزية منهم، لأن الرسول ﷺ أخذها منهم، أما نساؤهم وذبائحهم فحرام على المسلمين عند الأئمة الأربعة وغيرهم وهو كالإجماع من أهل العلم، وفي حلهما قول شاذ لا يعول عليه عند أهل العلم وممن نص على ما ذكرنا من العلماء أبو محمد بن قدامة ﵀ في كتابه المغني
стр. 8985
قال ما نصه:
فصل: وأهل الكتاب الذين هذا حكمهم هم أهل التوراة والإنجيل قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ (١) فأهل التوراة اليهود والسامرة وأهل الإنجيل والنصارى ومن وافقهم في أصل دينهم من الإفرنج والأرمن وغيرهم إلى أن قال ﵀: فصل وليس للمجوس كتاب ولا تحل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم نص عليه أحمد وهو قول عامة العلماء إلا أبا ثور، فإنه أباح ذلك لقول النبي ﷺ : «سنوا بهم سنة أهل الكتاب (٢)» ولأنه روي أن حذيفة تزوج مجوسية ولأنهم يقرون بالجزية فأشبهوا اليهود والنصارى، ولنا قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ (٣) وقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (٤) فرخص من ذلك في أهل الكتاب فمن عداهم يبقى على العموم ولم يثبت أن للمجوس كتابا وسئل أحمد أيصح عن علي أن للمجوس كتابا؟ فقال: هذا باطل، واستعظمه جدا ولو ثبت أن لهم كتابا فقد بينا أن حكم أهل الكتاب لا يثبت لغير أهل الكتابين، وقوله ﵇: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب (٥)» دليل على أنه لا كتاب لهم وإنما أراد به النبي ﷺ في حقن دمائهم وإقرارهم بالجزية لا غير وذلك أنهم لما كانت لهم شبهة كتاب غلب ذلك في تحريم دمائهم فيجب أن يغلب حكم التحريم لنسائهم وذبائحهم، فإننا إذا غلبنا الشبهة في التحريم فتغليب الدليل الذي عارضته الشبهة في التحريم أولى، ولم يثبت أن حذيفة تزوج مجوسية وضعف أحمد رواية من روى عن حذيفة أنه تزوج مجوسية، وقال أبو وائل: يقول: يهودية وهو أوثق ممن روى عنه أنه تزوج مجوسية، وقال ابن سيرين: كانت امرأة حذيفة نصرانية ومع تعارض الروايات لا يثبت حكم إحداهن إلا بترجيح على أنه لو ثبت ذلك عن حذيفة فلا يجوز الاحتجاج به مع مخالفة الكتاب وقول سائر العلماء وأما إقرارهم
стр. 8986
بالجزية فلأننا غلبنا حكم التحريم لدمائهم، فيجب أن يغلب حكم التحريم في ذبائحهم ونسائهم انتهى المقصود من كلام صاحب المغني ﵀ والله أعلم.
стр. 8987
المسألة الرابعة: من هو الخليفة الأول بعد رسول الله ﷺ ومن يتلوه بالتسلسل إلخ.
والجواب: قد أجمع أهل السنة والجماعة على أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ هو أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ثم علي بن أبي طالب ﵃ جميعا وهذه مراتبهم في الفضل والخلافة، وقد فضل بعض أهل السنة عليا على عثمان ﵄، ولكن جمهور أهل السنة قدموا عثمان على علي، لأن الصحابة ﵃ قدموه عليه في الخلافة، وجاءت آثار كثيرة عن رسول الله ﷺ تدل على ذلك، وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي ﵀ في عقيدته المشهورة التي نقل فيها عقيدة أهل السنة والجماعة ما نصه: ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان، ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولا لأبي بكر الصديق ﵁ تفضيلا له وتقديما على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب ﵁، ثم لعثمان ﵁، ثم لعلي بن أبي طالب ﵁، وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون انتهى.
قال الإمام أبو الحسن الأشعري ﵀ في كتابه المسمى بالمقالات في حكاية مذهب أهل السنة والجماعة ما نصه: وجملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ ، لا يردون من ذلك شيئا
стр. 8988
وأن الله إله واحد فرد صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولدا وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الجنة حق، وأن النار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور وأن الله تعالى على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١) وأن له عينين بلا كيف كما قال سبحانه: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ (٢) وأن له يدين بلا كيف كما قال سبحانه: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (٣) وأن له وجها جل ذكره كما قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (٤) إلى أن قال ﵀: ويعرفون حق السلف الذين اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ويأخذون بفضائلهم ويمسكون عما شجر بينهم صغيرهم وكبيرهم ويقدمون أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ثم عليا رضي الله تعالى عنهم ويقرون أنهم الخلفاء الراشدون المهديون وأنهم أفضل الناس كلهم بعد النبي ﷺ انتهى المقصود من كلامه ﵀ وبه يعلم أن أصحاب الحديث وأهل السنة جميعهم يقدمون أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ثم عليا، ﵃ جميعا في الفضل والخلافة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في العقيدة الواسطية التي ذكر فيها عقيدة أهل السنة والجماعة ما نصه: ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ كما وصفهم الله بذلك في قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٥) ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة من فضائلهم ومراتبهم إلى أن قال ﵀: ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وعن غيره من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ويثلثون بعثمان ويربعون بعلي ﵃ كما دلت عليه الآثار
стр. 8989
وكما أجمع الصحابة على تقديم عثمان في البيعة مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي ﵄ بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر أيهما أفضل فقدم قوم عثمان وسكتوا وربعوا بعلي، وقدم قوم عليا، وقوم توقفوا، لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان ثم علي وإن كانت هذه المسألة - مسألة عثمان وعلي - ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة لكن التي يضلل فيها هي مسألة الخلافة وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله والنقول عن أهل السنة في هذا الباب كثيرة ونرجو أن يكون فيما ذكرناه كفاية لطالب الحق.
وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم وسائر المسلمين للفقه في دينه والثبات عليه وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا جميعا وأن يهدينا صراطه المستقيم إنه جواد كريم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 8990
ثانيا: (معنى لا إله إلا الله)
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد:
فقد اطلعت على الكلمة التي كتبها أخونا في الله العلامة الشيخ عمر بن أحمد المليباري في معنى لا إله إلا الله، وقد تأملت ما أوضحه فضيلته من أقوال الفرق الثلاث في معناها، وهذا بيانها:
الأول: أنه لا معبود بحق إلا الله.
الثاني: لا مطاع بحق إلا الله.
الثالث: لا رب إلا الله.
والصواب هو الأول كما أوضحه فضيلته، وهو الذي دل عليه كتاب الله سبحانه في مواضع من القرآن الكريم مثل قوله سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١) [سورة الفاتحة الآية ٥].
وقوله : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٢)، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٣)، وقوله : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (٤).
والآيات في هذا المعنى كثيرة، وهو الذي فهمه المشركون من هذه الكلمة حين دعاهم النبي ﷺ إليها، وقال: «يا قومي قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا (٥)». فأنكروا ذلك، واستكبروا عن قبوله، لأنهم فهموا أن ذلك
стр. 8991
يخالف ما عليه آباؤهم من عبادة الأصنام والأشجار والأحجار، وتأليههم لها، كما ذكر الله ذلك عنهم في قوله سبحانه في سورة ص: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ (١) ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (٢).
وقال في سورة الصافات عن المشركين: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٣) ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ (٤) فعلم من ذلك أنهم فهموا معناها بأنها تبطل آلهتهم وتوجب تخصيص العبادة لله وحده، ولهذا لما أسلم من أسلم منهم، ترك ما هو عليه من الشرك، وأخلص العبادة لله وحده، ولو كان معناها: لا رب إلا الله، أو لا مطاع إلا الله، لما أنكروا هذه الكلمة، فإنهم يعلمون أن الله ربهم وخالقهم، وأن طاعته واجبة عليهم فيما علموا أنه من عنده سبحانه، ولكنهم كانوا يعتقدون أن عبادة الأصنام والأنبياء والملائكة والصالحين والأشجار ونحو ذلك على وجه الاستشفاع بها إلى الله، ورجاء أن تقربهم إليه زلفى كما ذكر الله ذلك عنهم سبحانه في قوله الكريم: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٥).
فأبطل الله ذلك ورده عليهم بقوله سبحانه: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٦)، وفي قوله : ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (٧)
стр. 8992
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (١) ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٢).
والمعنى أنهم يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فرد الله عليهم ذلك بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (٣).
فبين سبحانه بذلك أنهم كاذبون في زعمهم أن آلهتهم تقربهم إلى الله زلفى، كافرون بهذا العمل.
والآيات في هذا المعنى كثيرة، والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 8993
تحقيق الإسلام لأمن المجتمع
الدكتور: صالح بن فوزان
الحمد لله رب العالمين، جعل تحقيق الأمن مقرونا بالإيمان الخالص من الشرك فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (١) والصلاة والسلام على نبينا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. . . وبعد:
فإن الأمن مطلب نبيل تهدف إليه المجتمعات البشرية، وتتسابق لتحقيقه السلطات الدولية بكل إمكانياتها الفكرية والمادية، وموضوع حديثنا الآن هو تحقيق الإسلام لأمن المجتمع، وقبل الدخول فيه نريد أن نعرف ما هو الإسلام وما هو الأمن حتى يتبين لنا وجه الارتباط بينهما:
فالإسلام: هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخلوص من الشرك والبراءة من الشرك وأهله، وإذا تحقق الإسلام في المجتمع بهذا المعنى تحقق له الأمن.
والأمن في اللغة: ضد الخوف، وهو سكون القلب.
والأمانة: ضد الخيانة، وآمن به إيمانا: صدقه.
والإيمان: هو الثقة وإظهار الخضوع وقبول الشريعة، وأمن البلد
стр. 8994
اطمأن به أهله فهو آمن وأمين.
ولما كنا أيضا بصدد بيان تحقيق الإسلام لأمن المجتمع فلا بد أن نعرف ما كان عليه الناس عموما والعرب خصوصا قبل بعثة نبي الإسلام محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، وما كان عليه الأمر بعد البعثة وظهور الإسلام، لأن الأشياء تعرف بأضدادها، وبضدها تتميز الأشياء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: اعلم أن الله بعث محمدا ﷺ إلى الخلق على فترة من الرسل وقد مقت أهل الأرض عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب ماتوا أو أكثرهم قبيل مبعثه، والناس إذ ذاك أحد رجلين؛ إما كتابي معتصم بكتاب، وإما مبدل وإما منسوخ، أو بدين دارس بعضه مجهول وبعضه متروك.
وإما أمي من عربي وعجمي مقبل على عبادة ما استحسنه وظن أنه ينفعه من نجم أو وثن أو قبر أو تمثال أو غير ذلك.
والناس في جاهلية جهلاء من مقالات يظنونها علما وهي جهل وأعمال يحسبونها صلاحا وهي فساد، وغاية البارع منهم علما وعملا أن يحصل قليلا من العلم الموروث عن الأنبياء المتقدمين، قد اشتبه عليهم حقه بباطله، أو يشتغل بعمل القليل منه مشروع وأكثره مبتدع لا يكاد يؤثر في صلاحه إلا قليلا أو أن يكدح بنظره كدح المتفلسفة فتذوب مهجته في الأمور الطبيعية والرياضية وإصلاح الأخلاق حتى يصل - إن وصل - بعد الجهد الذي لا يوصف إلى نزر قليل مضطرب لا يروي ولا يشفي من العلم الإلهي، باطله أضعاف حقه إن حصل، وأنى له ذلك مع كثرة الاختلاف بين أهله والاضطراب وتعذر الأدلة عليه، فهدى الله الناس ببركة نبوة محمد ﷺ ، وبما جاء به من البينات والهدى هداية جلت عن وصف الواصفين وفاقت معرفة العارفين حتى حصل لأمته المؤمنين عموما ولأولي العلم منهم خصوصا من العلم النافع والعمل الصالح
стр. 8995
والأخلاق العظيمة، والسنن المستقيمة ما لو جمعت حكمة سائر الأمم علما وعملا الخالصة من كل شوب إلى الحكمة التي بعث بها لتفاوتا تفاوتا يمنع قدر النسبة بينهما. فلله الحمد كما يحب ربنا ويرضى. . . انتهى كلام الشيخ ﵀ في وصف حال الجاهلية وهو وصف عام لكل الشعوب، وإذا أردنا تفصيله تطلب منا وقتا أوسع ولكن نخص حالة العرب في هذه الحقبة التاريخية لجزيرة العرب لأنها الموطن الذي ظهرت فيه الرسالة فنقول:
стр. 8996
١ - حالتهم الدينية:
كانت حالتهم الدينية من أسوأ الحالات وأشدها اضطرابا، فكانوا يعبدون الأوثان، وكان أقدم أوثانهم اللات في الطائف، والعزى بوادي نخلة، ومناة بين مكة والمدينة، وكانت لقريش أصنام في جوف الكعبة وحولها، بل كان لأهل كل دار بمكة صنم في دارهم يعبدونه، وإذا أراد أحدهم سفرا أو قدم منه تمسح به، بل كان الرجل إذا سافر فنزل منزلا أخذ أربعة أحجار فنظر إلى أحسنها فاتخذه ربا وجعل الثلاثة الباقية أثافي لقدره، وكانوا إذا لم يجدوا أحجارا يجمعون الرمل ثم يحلبون عليه الشاة ثم يطوفون به تبركا به وتعظيما له، وبلغ بهم الأمر أنهم يقتلون أولادهم تقربا إلى الأصنام ويسيبون كثيرا من أموالهم لها، كما قال الله تعالى عنهم: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾ (١).
٢ - أما حالتهم السياسية:
فكانت أسوأ حالة أيضا حيث تسودها الفوضى والاضطراب وتسلط القوي على الضعيف وغارات القبائل بعضها على بعض بالنهب والسلب، وقيام الحروب الطاحنة لأتفه الأسباب، وفريق منهم دخل تحت السلطة
стр. 8997
الفارسية أو الرومية، وأكثرهم تحكمهم السلطات القبلية المختلفة، فكانوا مشتتين لا رابطة تجمعهم.
٣ - وأما حالتهم الاقتصادية:
فإنما تقوم على السلب والنهب والمعاملات الربوية وأكل الخبائث فكانوا يستحلون ما حرم الله من الميتة والدم، ويحرمون ما أحل الله، حيث حرموا أنواعا من بهيمة الأنعام وهي البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، فرد الله عليهم بقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ (١).
٤ - وأما حالتهم الأسرية:
فكانوا يئدون بناتهم خشية العار، ويقتلون أولادهم تقربا إلى الأصنام أو يقتلونهم خشية الفقر، وكان أحدهم يتزوج ما شاء من النساء دون تقيد بعدد ولا التزام بحقوق الزوجية، وكانوا يحرمون النساء والصغار من الميراث، بل كانوا يرثون زوجة الميت من بعده كما يرثون ماله. . . هذا مجمل حال جاهلية العرب.
стр. 8998
تحقيق الإسلام للأمن ووسائل توفره:
ولما بعث الله نبيه محمدا ﷺ انجابت هذه الظلمات، وأخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، كما قال سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (١).
стр. 8999
وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ (٣).
وبذلك تحول مجتمع العرب الذين دخلوا في هذا الدين إلى مجتمع يسوده الأمن ويحكمه الوحي الإلهي، وتوجهه العقيدة السليمة وتظلله راية التوحيد. وقد بين الله سبحانه مقومات هذا الأمن وأسبابه التي يتحقق بتوفرها ويزول بزوالها وهي كما يلي:
إصلاح العقيدة بإخلاص العبادة لله وترك عبادة ما سواه والبراءة منها ومن أهلها وملازمة العمل الصالح قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٤) فربط سبحانه حصول هذه المطالب العالية، الاستخلاف في الأرض، والتمكين من الدين، وإبدال الخوف بالأمن، ربطها بتحقق شيئين هما: عبادة الله سبحانه، وترك الإشراك به. وقد بعث الله بذلك جميع الرسل كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ﴾ (٥)
стр. 9000
﴿رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١) وهما حق الله على عباده. كما قال النبي ﷺ : «حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا (٢)».
ومن مقومات الأمن وأسبابه بعد التوحيد إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٣) ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٤) فربط سبحانه حصول النصر على الأعداء الذي يتوفر به الأمن للمسلمين لأن من انتصر على عدوه فقد أمن شره ربط ذلك بإقام الصلوات الخمس التي هي الركن الثاني من أركان الإسلام وإيتاء الزكاة التي هي الركن الثالث من أركان الإسلام، وخصص هذين الركنين لما لهما من الأهمية؛ لأن الأول إحسان فيما بين العبد وبين ربه بإخلاص العبادة له، وهذا هو الأساس الذي ينبني عليه الدين كله.
والثاني: إحسان فيما بين العبد وبين إخوانه، ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اللذين يتحقق بهما نصرة دين الله، وقدم إقام الصلاة وإيتاء الزكاة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا بد أن يكون عاملا بما يأمر به ومتجنبا لما ينهى عنه وصالحا في نفسه قبل أن يكون مصلحا لغيره.
هذا وكما أن هذه الأمور هي أهم مقومات الأمن وأسباب النصر في الدنيا فهي كذلك أسباب الأمن في الدار الآخرة قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ (٥) أي لم يخلطوا عبادتهم بشرك