← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 8996–9035 · переход к 9001.

стр. 8996

١ - حالتهم الدينية: كانت حالتهم الدينية من أسوأ الحالات وأشدها اضطرابا، فكانوا يعبدون الأوثان، وكان أقدم أوثانهم اللات في الطائف، والعزى بوادي نخلة، ومناة بين مكة والمدينة، وكانت لقريش أصنام في جوف الكعبة وحولها، بل كان لأهل كل دار بمكة صنم في دارهم يعبدونه، وإذا أراد أحدهم سفرا أو قدم منه تمسح به، بل كان الرجل إذا سافر فنزل منزلا أخذ أربعة أحجار فنظر إلى أحسنها فاتخذه ربا وجعل الثلاثة الباقية أثافي لقدره، وكانوا إذا لم يجدوا أحجارا يجمعون الرمل ثم يحلبون عليه الشاة ثم يطوفون به تبركا به وتعظيما له، وبلغ بهم الأمر أنهم يقتلون أولادهم تقربا إلى الأصنام ويسيبون كثيرا من أموالهم لها، كما قال الله تعالى عنهم: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾ (١). ٢ - أما حالتهم السياسية: فكانت أسوأ حالة أيضا حيث تسودها الفوضى والاضطراب وتسلط القوي على الضعيف وغارات القبائل بعضها على بعض بالنهب والسلب، وقيام الحروب الطاحنة لأتفه الأسباب، وفريق منهم دخل تحت السلطة

стр. 8997

الفارسية أو الرومية، وأكثرهم تحكمهم السلطات القبلية المختلفة، فكانوا مشتتين لا رابطة تجمعهم. ٣ - وأما حالتهم الاقتصادية: فإنما تقوم على السلب والنهب والمعاملات الربوية وأكل الخبائث فكانوا يستحلون ما حرم الله من الميتة والدم، ويحرمون ما أحل الله، حيث حرموا أنواعا من بهيمة الأنعام وهي البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، فرد الله عليهم بقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ (١). ٤ - وأما حالتهم الأسرية: فكانوا يئدون بناتهم خشية العار، ويقتلون أولادهم تقربا إلى الأصنام أو يقتلونهم خشية الفقر، وكان أحدهم يتزوج ما شاء من النساء دون تقيد بعدد ولا التزام بحقوق الزوجية، وكانوا يحرمون النساء والصغار من الميراث، بل كانوا يرثون زوجة الميت من بعده كما يرثون ماله. . . هذا مجمل حال جاهلية العرب.

стр. 8998

تحقيق الإسلام للأمن ووسائل توفره: ولما بعث الله نبيه محمدا ﷺ انجابت هذه الظلمات، وأخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، كما قال سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (١).

стр. 8999

وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ (٣). وبذلك تحول مجتمع العرب الذين دخلوا في هذا الدين إلى مجتمع يسوده الأمن ويحكمه الوحي الإلهي، وتوجهه العقيدة السليمة وتظلله راية التوحيد. وقد بين الله سبحانه مقومات هذا الأمن وأسبابه التي يتحقق بتوفرها ويزول بزوالها وهي كما يلي: إصلاح العقيدة بإخلاص العبادة لله وترك عبادة ما سواه والبراءة منها ومن أهلها وملازمة العمل الصالح قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٤) فربط سبحانه حصول هذه المطالب العالية، الاستخلاف في الأرض، والتمكين من الدين، وإبدال الخوف بالأمن، ربطها بتحقق شيئين هما: عبادة الله سبحانه، وترك الإشراك به. وقد بعث الله بذلك جميع الرسل كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ﴾ (٥)

стр. 9000

﴿رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١) وهما حق الله على عباده. كما قال النبي ﷺ : «حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا (٢)». ومن مقومات الأمن وأسبابه بعد التوحيد إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٣) ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٤) فربط سبحانه حصول النصر على الأعداء الذي يتوفر به الأمن للمسلمين لأن من انتصر على عدوه فقد أمن شره ربط ذلك بإقام الصلوات الخمس التي هي الركن الثاني من أركان الإسلام وإيتاء الزكاة التي هي الركن الثالث من أركان الإسلام، وخصص هذين الركنين لما لهما من الأهمية؛ لأن الأول إحسان فيما بين العبد وبين ربه بإخلاص العبادة له، وهذا هو الأساس الذي ينبني عليه الدين كله. والثاني: إحسان فيما بين العبد وبين إخوانه، ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اللذين يتحقق بهما نصرة دين الله، وقدم إقام الصلاة وإيتاء الزكاة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا بد أن يكون عاملا بما يأمر به ومتجنبا لما ينهى عنه وصالحا في نفسه قبل أن يكون مصلحا لغيره. هذا وكما أن هذه الأمور هي أهم مقومات الأمن وأسباب النصر في الدنيا فهي كذلك أسباب الأمن في الدار الآخرة قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ (٥) أي لم يخلطوا عبادتهم بشرك

стр. 9001

﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ (٢) ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ (٥) فنالوا الأمن بالجنة بسبب إيمانهم في الدنيا وإخلاصهم العبادة لله وابتعادهم عن الشرك، قال الإمام ابن كثير: هؤلاء الذين أخلصوا العبادة لله وحده ولم يشركوا به شيئا هم الآمنون يوم القيامة المهتدون في الدنيا والآخرة. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: فمن سلم من أجناس الظلم الثلاثة: الشرك، وظلم العباد، وظلمه لنفسه بما دون الشرك. كان له الأمن التام والاهتداء التام، ومن لم يسلم من ظلمه لنفسه كان له الأمن والاهتداء المطلق. بمعنى أنه لا بد أن يدخل الجنة كما وعد بذلك في الآية الأخرى، يعني قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ (٦) ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ (٧)، وقد هداه الله إلى الصراط المستقيم الذي تكون عاقبته فيه إلى الجنة، ويحصل له من نقص الأمن والاهتداء بحسب ما نقص من إيمانه بظلمه لنفسه. . . انتهى. ومن أسباب الأمن اجتماع الكلمة وطاعة ولاة الأمور بالمعروف، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٨) وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (٩) فالاجتماع قوة والفرقة تضعف كيان المجتمع.

стр. 9002

ومن مقومات الأمن شكر النعمة ومن أسباب زواله كفر النعمة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (٣) وقال عن سبأ: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ (٤) ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ (٥) ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ (٦) ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ (٧) ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ (٨). وهكذا نجد في هذه الآيات أن استقرار الأمن مربوط بشكر النعمة وأن زواله مقرون بكفرها، كما نجد أن توفر الأمن لا بد أن يسبق توفر الغذاء، مما يدل على أن الضرورة إليه أشد من الضرورة إلى الغذاء لأنه لا يمكن التلذذ بالغذاء لو توفر مع عدم الأمن والاستقرار، ولهذا كان في دعاء الخليل ﵇ تقديم طلب الأمن على طلب الرزق كما ذكر

стр. 9003

الله عنه في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ (١) وقد امتن الله على قريش بتوفير هاتين النعمتين وأمرهم أن يفردوه بالعبادة شكرا له على ذلك فقال: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ (٢) ﴿إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ (٣) ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ (٤) ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (٥).

стр. 9004

وسائل حفظ الأمن في الإسلام: ولما كان توفر الأمن ضرورة من ضروريات المجتمع التي تفوق ضرورة الغذاء اهتم الإسلام بتوفير الأسباب الجالبة للأمن وذلك ببناء الإنسان عقيدة وأخلاقا وسلوكا، لأن الأمن لا يتوفر بمجرد البطش والإرهاب وقوة الحديد والنار، وإنما يتوفر بتهذيب النفوس وتطهير الأخلاق وتصحيح المفاهيم حتى تترك النفوس الشر رغبة عنه وكراهية له. كما يقول الشاعر: ولا تنته الأنفس عن غيها ... ما لم يكن لها من نفسها زاجر فإذا فقد المجتمع هذه المقومات التي جاء الإسلام بها فإنه يفقد أمنه واستقراره قال الشاعر: وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا ولهذا نجد الأمم التي تفقد هذه المقومات من أفلس الناس من الناحية الأمنية، وإن كانت تملك الأسلحة الفتاكة والأجهزة الدقيقة؛ لأن الإنسان لا يحكم بالآلة فقط، وإنما يحكم بالشرع العادل والسلطان القوي، كما قال تعالى

стр. 9005

﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (١) ويفهم الأمن من مفهوم الإسلام؛ لأن الإسلام هو الاستسلام لله بالخضوع له وامتثال أوامره واجتناب منهياته، وقد نهى الله عن التعدي على الناس في أعراضهم وأموالهم وأبدانهم. كما قال النبي ﷺ : «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده (٢)». ومن دخل في الإسلام دخل في نطاق الأمن لقوله ﷺ : «من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم دمه وماله وحسابه على الله (٣)». وقال ﵊: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه (٤)». فإذا تحقق الإسلام والإيمان توفرت أسباب الأمن، لكن قد يكون هناك شذوذ لم يتمكن الإسلام والإيمان من قلوبهم فتحصل منهم نزوات تخل بالأمن، وهنا وضع الله سبحانه زواجر وروادع لهؤلاء تكف عدوانهم وتصون الأمن من عبثهم، فشرع سبحانه الحدود الكفيلة لردعهم وتحذير غيرهم من أن يفعلوا مثل فعلهم، فشرع حد المرتد لحفظ الدين، وشرع القصاص لحفظ الدين، وشرع القصاص لحفظ النفوس، وشرع حد الزنا وحد القذف لحفظ العرض والنسب، وشرع حد المسكر لحفظ العقل، وشرع حد السرقة لحفظ الأموال، وشرع حد قطاع الطريق لحفظ السبل وتأمين المواصلات، وشرع قتال البغاة لحفظ السلطة الإسلامية ومنعا لتفريق الكلمة واختلاف الأئمة. ١ - فالمرتد يقتل لحفظ الدين والعقيدة من عبث العابثين؛ لأن المرتد ترك الحق بعد معرفته واعتدى على العقيدة التي هي أقوى أسباب الأمن، قال النبي ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه (٥)» وقال عليه الصلاة

стр. 9006

والسلام: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة (١)» فالمرتد يقتل لتبديله الدين وتركه له ومفارقة جماعة المسلمين حتى لا يكون الدين ألعوبة للملاحدة والزنادقة فيغتر بهم غيرهم من ضعاف الإيمان، ولسد الطريق على العابث الذي يدخل في الدين خداعا ثم يخرج منه للتنفير منه، كما حاول بعض اليهود هذه الخدعة زمن النبي ﷺ فأنزل الله فيهم قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٢). أي لعل المسلمين إذا رأوا ذلك يرجعون عن دينهم. ٢ - والقصاص من القاتل فيه حماية للنفوس البريئة وضمانا للأمن بين الناس، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٣) فإذا عرف من يريد قتل إنسان أنه سيقتل به امتنع عن القتل. فكان في هذا حفظ لحياته وحياة غيره، وإذا أقدم على القتل فاقتص منه كان في هذا ردع للآخرين فلا يقدمون على مثل جريمته لئلا يكون مصيرهم كمصيره. فقتل نفس واحدة بالقصاص حصل به نجاة أنفس كثيرة، كالعضو الفاسد يقطع لحفظ بقية الجسم وبذلك يأمن الناس على حياتهم. ٣ - وحد الزنا بجلد البكر مائة جلدة وبمحضر عام من المؤمنين وتغريبه عن وطنه عاما كاملا، وبرجم الزاني المحصن وهو الذي سبق أن جامع زوجته بنكاح صحيح، فيرجم بالحجارة حتى يموت، كما قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ﴾ (٤)

стр. 9007

﴿عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١)، وقال النبي ﷺ : «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم (٢)». وذلك ليأمن الناس على أعراضهم من الاعتداء عليها وليأمنوا على أنسابهم من الاختلاط. ولردع المضيعين لأعراضهم التي أمرهم الله بحفظها في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (٤)، وبذلك يقضى على جريمة الزنا التي تدمر المجتمعات البشرية والتي قال الله تعالى محذرا منها: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (٥). وبتطبيق هذا الحد يأمن الناس من هذا الخطر المدمر الذي يلوث المجتمع ويهدد الإنسانية، وينشر الأمراض الخطيرة. ٤ - ولشناعة جريمة الزنا وحرمة عرض المسلم، صان الله أعراض الأبرياء أن تدنس بنسبة هذه الجريمة إليها، وكف الألسنة البذيئة أن تتطاول على عرض المسلم فتقذفه بارتكاب فاحشة الزنا زورا وبهتانا، فأمر بجلد القاذف الذي لا يستطيع إقامة البينة على ما يقول بأن يجلد ثمانين جلدة، ولا تقبل له شهادة أبدا وأنه يعتبر فاسقا ساقط العدالة ما لم يتب من هذه الجريمة. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٦) ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ (٧)، وبهذا الحد

стр. 9008

الرادع وسحب الثقة من القاذف تصان الأعراض البريئة، وتسكت الأفواه البذيئة، وتتوارى آثار هذه الجريمة، ويصبح الناس في مأمن منها ومن ذكرها حتى تتوارى من المجتمع نهائيا. ٥ - ولما كان العقل أعظم ما يمتاز به الإنسان عن غيره من الحيوانات لأنه يميز به بين الضار والنافع والحسن والقبيح ويدفع صاحبه إلى فعل الفضائل واجتناب الرذائل، ولذا سمي عقلا، لأنه يعقل صاحبه عن فعل القبائح، وسمي حجرا لأنه يحجره كذلك عما لا يليق، وسمي نهى ولبا، وكلها أسماء تدل على شرف العقل وقيمته، لأن فيه أمانا للإنسان في خاصة نفسه من أن يناله أذى من غيره، وأمانا لغيره أن يناله أذى منه، فمن تعاطى شيئا من الأشربة والمأكولات أو المشمومات المسكرة التي تغطي هذا العقل وتعطله عن أداء مهمته والقيام بوظيفته فإنه في هذه الحالة لا يؤمن أن يفعل ما يضر بنفسه أو بغيره؛ لأنه فقد صمام الأمان، فأصبح خطرا يهدد المجتمع. لذلك شرع الله ردعه بإقامة الحد عليه بالجلد المؤلم حتى يذوق وبال أمره، وليتعظ به غيره، وقد حذر الله عباده عن شرب المسكرات وبين خطرها وضررها، فقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٢) وكذا تعاطي المخدرات؛ لأنها أشد ضررا من الخمر لأنها تضر بالعقل والجسم وتفقد الرجولة وتغري بفعل الفاحشة والدياثة، وتغري متعاطيها بالإدمان بحيث لا يصبر عنها، ويتحول من الإنسانية إلى

стр. 9009

البهيمية، فهي أشد فتكا في المجتمعات من الأمراض الوبائية، لذا يجب على ولاة الأمور التنكيل بمن يتعاطى المخدرات أو يروجها؛ لأنه من أعظم المخربين والساعين في الأرض بالفساد، فيجب أخذهم بالقوة حفاظا على أمن المجتمعات، وقد نهى النبي ﷺ عن كل مسكر ومفتر حفاظا على العقول وصيانة لأمن المجتمع المسلم من أن تعبث به المسكرات والمخدرات. ٦ - ولما كان المال قوام الحياة والحفاظ عليه من الضروريات كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (١) وقد حرم الله أخذ أموال الناس بغير حق والاستيلاء عليها بغير مبرر، فالاعتداء على مال الغير كالاعتداء على دمه وعرضه في الحرمة كما تدل عليه الآيات والأحاديث، ومن أشد أنواع الاعتداء على أموال الناس أخذها بالسرقة، وهي أخذ المال خفية من حرز مثله، وجزاء من فعل ذلك قطع يده، هذه اليد الخائنة التي امتدت إلى ما لا يحل لها وعبثت بالأمن وروعت المجتمع جزاؤها البتر، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢) والسرقة أشد خطورة من اغتصاب المال مجاهرة؛ لأن المجاهرة تمكن مدافعتها وعمل الاحتياطات المانعة من شرها، أما السرقة فإنها مكر خفي، وغدر سيئ، يؤخذ بها الإنسان من مأمنه وتدل على جرأة المجرم حيث لم تمنع منه الحروز والحصون فكان جزاؤه بتر يده وتعطيلها عليه ردعا له وعظة لغيره، وبهذا يتوفر الأمن للمجتمع ويطمئن الناس على أموالهم في بيوتهم ومستودعاتهم، ويقضى على الجريمة.

стр. 9010

٧ - ولما كان ربط البلدان والأقاليم بعضها ببعض عن طريق المواصلات البرية والبحرية والجوية لنقل البضائع وتنقلات المسافرين للتجارة وغيرها من الأغراض التي تتم بها مصالحهم، لذلك احتاج المجتمع إلى تأمين السبل بردع المجرمين الذين يحاولون قطعها ويروعون المارة، ولأجل ذلك شرع سبحانه حد قطاع الطريق، وهم الذين يعرضون للناس بالسلاح فيغصبونهم المال مجاهرة. وهذا الحد هو ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١) ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢). وبتطبيق هذه العقوبة على قطاع الطريق تأمن السبل وتنتظم المصالح ويتوفر الأمن في البر والبحر والحاضرة والبادية وتنتظم المواصلات بين البلدان والأقاليم، ويسهل نقل البضائع والتبادل التجاري مما فيه صلاح العمران البشري وتوفر الإنتاج، ولهذا وصف الله من يحاول تعطيل هذه المصالح بأنه محارب لله ورسوله وساع في الأرض بالفساد. ٨ - ولما كان لا بد للمسلمين من قيادة تجتمع كلمتهم بها وتحل مشاكلهم وتكف الظالم منهم عن ظلمه وتدفع العدو الخارجي عنهم وترعى شئونهم وتنفذ أحكام الله فيهم - لما كان الأمر كذلك وأكثر - شرع الله تنصيب الإمام وطاعته بالمعروف وإعانته على الخير قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٣) وحرم الله ورسوله معصية ولي الأمر إذا لم يأمر بمعصية؛ لما

стр. 9011

في ذلك من المفاسد، وحرم الله ورسوله الخروج على إمام المسلمين وتفريق الكلمة وأمر بردع من فعل ذلك حتى يكف ويلتزم بالطاعة، فإن كان من يحاول شق عصا الطاعة وتفريق الجماعة شخصا واحدا وجب قتله لقوله ﷺ : «من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر (١)» رواه مسلم. وقال ﷺ : «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يفرق جماعتكم فاقتلوه (٢)» رواه مسلم، وإن كان من يحاول ذلك جماعة لهم شوكة ومنعة تهدد المسلمين وتريد تفريق كلمتهم فهم بغاة ظلمة ويجب أولا: مناصحتهم وإزالة الشبهة التي يتعلقون بها، فإن لم ينكفوا عن بغيهم وجب قتالهم إلى أن يرجعوا للطاعة ولزوم الجماعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٣). وبهذا يتبين وجوب احترام السلطة الإسلامية ووجوب مناصرتها ومناصحتها لما يترتب على وجودها من المصالح وانتفاء المفاسد واستتباب الأمن، وما يترتب على انعدام السلطة من المفاسد العظيمة التي من أعظمها انعدام الأمن. وأخيرا: نتبين من هذا العرض الموجز ما حققه الإسلام من أمن المجتمع حين عجزت كل نظم البشر وأسلحتهم الفتاكة وأجهزتهم الدقيقة أن تحقق أقل القليل من هذا الأمن الذي حققه الإسلام، وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٤) ثم إن هذا الأمن الذي حققه الإسلام لا يعتمد

стр. 9012

على العقوبة وشدة البطش بأصحاب الجرائم، وإنما يعتمد على غرس الإيمان في القلوب وزرع الخشية الإلهية في النفوس حتى تترك الإجرام رغبة عنه وكراهية له، بل تقوم بمقاومته والنهي عنه، ثم يتبع ذلك الوعظ والتذكير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأجل تعليم الجاهل وتذكير الغافل والأخذ على يد السفيه عن الوقوع في الجرائم، ثم يتبع ذلك تطبيق العقوبات الشرعية على من لم تجد فيه الموعظة ولم تؤثر فيه النصيحة ولم يأتمر بالمعروف وينته عن المنكر فالعقوبة آخر مرحلة كما يقال: ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضر كوضع السيف في موضع الندى فالذين يظنون أن الأمن في الإسلام يقوم على مجرد العقوبة بقطع الأيدي والرقاب والجلد قد أساءوا الظن ولم يفهموا واقع الإسلام، وهم إما جهلة أو مغرضون يريدون تشويه الإسلام؛ لأن الإسلام لا يلجأ إلى العقوبة إلا كحل أخير وبشروط دقيقة إذا توفرت تحتم إيقاع العقوبة، وتكون حينئذ واقعة موقعها اللائق ولا يقوم غيرها مقامها، وحينئذ لا تجوز الحيلولة دون إقامتها بشفاعة أو رأفة بالمجرم قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (١). وقال النبي ﷺ : «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله (٢)» رواه أبو داود، كما لا تجوز المعاوضة عن الحد بالغرامة المالية، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ولا يحل تعطيله (أي الحد) لا بشفاعة ولا هدية ولا غيرها ولا تحل الشفاعة فيه، ومن عطله لذلك وهو قادر على إقامته فعليه لعنة الله.

стр. 9013

وقال أيضا: ولا يجوز أن يؤخذ من السارق والزاني والشارب وقاطع الطريق ونحوه مال يعطل به الحد لا لبيت المال ولا لغيره، وهذا المال المأخوذ لتعطيل الحد سحت خبيث، وإذا فعل ولي الأمر ذلك جمع بين فسادين عظيمين: تعطيل الحد وأكل السحت، وترك الواجب وفعل المحرم. اهـ كلامه. وذلك أن الغرامة المالية مهما بلغت لا تنكأ المجرم ولا تقطع دابر الجريمة كما يحصل ذلك بإقامة الحد الشرعي، ومثل الغرامة المالية الاعتياض عن إقامة الحد بسجن المجرم، كل هذا لا يروي غليلا ولا يشفي عليلا، فإقامة الحدود الشرعية فيها من المصالح العظيمة لمن تقام عليه وللمجتمع الذي تقام فيه ما هو مشاهد ومحسوس، وبها صلاح العباد والبلاد وتوفر الأمن واستقراره، قال ﷺ : «لحد يقام في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا ثلاثين صباحا (١)» رواه النسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه. وفي رواية ابن ماجه وابن حبان: «خير من أن يمطروا أربعين صباحا (٢)» فكما أن المطر فيه صلاح الأرض ومصالح العباد، فإقامة الحد أكثر نفعا من المطر؛ لأن به تطهيرهم من الرذيلة وتوفير أمنهم واستقرارهم. ولهذا نرى أن المجتمع الذي يحكم بشريعة الله وتقام فيه الحدود يكون مضرب المثل في الأمن والاستقرار وانخفاض معدل الجرائم، ونجد أن المجتمع الذي يحكم بغير شريعة الله وتعطل فيه الحدود يصبح مضرب المثل في الفوضى والخوف والقلق، ولو كان من أرقى دول العالم صناعيا وماديا، وصدق رسول الله ﷺ في قوله: «وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه إلا جعل الله بأسهم بينهم (٣)» رواه ابن ماجه. ذلك هو الإسلام الذي شهد الله له بالكمال وأتم علينا به النعمة كما

стр. 9014

قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١)، وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢) والحمد لله رب العالمين. . . والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 9015

حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأثرها في العالم الإسلامي للدكتور / محمد بن عبد الله السلمان الدكتور محمد بن عبد الله السلمان. ولد عام ١٣٧٤ هـ / ١٩٥٣م في مدينة عنيزة بالقصيم. نال شهادة الماجستير عام ١٣٩٩هـ / ١٩٧٩ م في التاريخ الإسلامي الحديث بتقدير ممتاز. نال الدكتوراة مع مرتبة الشرف الأولى في التاريخ الحديث من كلية العلوم الاجتماعية بالرياض جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام ١٤٠٦/ ١٩٨٦م. يعمل حاليا أستاذا مساعدا في التاريخ الحديث بكلية العلوم العربية والاجتماعية بالقصيم ورئيسا لقسم التاريخ فيها. من مؤلفاته: رشيد رضا ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب. الأحوال السياسية في القصيم في عهد الدولة السعودية الثانية. دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأثرها في العالم الإسلامي.

стр. 9016

تمهيد: الحديث عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب حديث طويل لا يفي حقه هذه الصفحات ولكن نلم بالموضوع باختصار يقتضينا ذلك أن نركز على ثلاثة جوانب هامة في الموضوع، حتى نخرج بصورة كاملة عن هذه الدعوة الإصلاحية. الجانب الأول: أحوال ما قبل الدعوة السياسية والدينية في العالم الإسلامي عامة، وفي بلاد نجد خاصة، والتي دفعت الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى القيام بدعوته مع التعريف بصاحب هذه الدعوة وترجمته باختصار. الجانب الثاني: حقيقة هذه الدعوة ومبادئها الرئيسية. والجانب الثالث: أثر هذه الدعوة وانتشارها في العالم الإسلامي. وسنتكلم عن كل جانب بحدة.

стр. 9017

أولا: ما قبل الدعوة (سياسيا ودينيا) أ- في العالم الإسلامي: كانت تتزعم العالم الإسلامي سياسيا في شرقه أثناء القرن الثاني عشر الهجري (الثامن عشر الميلادي) ثلاث دول هامة هي: الدولة العثمانية، والدولة الصفوية في فارس، والدولة المغولية في الهند (١).

стр. 9018

أما الدولة العثمانية: فقد كان سلاطينها في ذلك الوقت من الضعف بمكان بحيث لم يكن لهم من أمر الدولة شيء بل كان الأمر بيد وزرائهم ورؤساء الجيش الإنكشاري الذين لا يعرفون من أمور السياسة شيئا وأما الولاة على أقاليم الدولة فقد ساءت إدارتهم، فهمهم الأكبر جمع الأموال من شعوب ولاياتهم، ومما زاد حال الدولة سوءا التدهور العسكري الذي منيت به في ذلك العصر (١)، فقد أخذت دول أوروبا تتألب عليها من كل جانب، وظهر ما يسمى عند المؤرخين بـ (المسألة الشرقية) أي تقسيم ممتلكات الدولة العثمانية بين الدول الأوربية الطامعة (٢). أما الدولة الصفوية في فارس: (من ٩٠٦هـ = ١٥٠٠م - ١١٣٥هـ =١٧٢٢م) فبعد نهايتها عام ١١٣٥هـ خلفها أمراء من الأفغان حتى قضى عليهم (نادر شاه) عام ١١٤٢هـ (١٧٢٩م) فنادى بنفسه ملكا ثم أخذ يوسع أملاكه حتى امتدت دولته من الخليج العربي إلى بلاد الهند (٣) ولم يلبث أن قتل سنة ١١٦٠هـ (١٧٤٧م) وبمقتله اضطرب أمر بلاد فارس واستمر هذا الاضطراب حتى قيام الدولة القاجارية سنة ١٢٠٣هـ (١٧٨٨م) (٤)

стр. 9019

أما الدولة المغولية في الهند: والتي قامت عام ٩٠٩هـ (١٥٠٥) فما إن حل القرن الثالث عشر الهجري (التاسع عشر الميلادي) حتى اضطرب أمرها وأصبحت مرتعا للحروب الداخلية بين أمراء الولايات المختلفة مما سهل على شركة الهند الشرقية الإنكليزية الاستيلاء عليها ولاية بعد ولاية عام (١٢٧٤هـ =١٨٥٦ م). أما المغرب الإسلامي: فلم تكن حالته السياسية بأحسن حظا من مشرقه فتونس والجزائر تابعة للعثمانيين ودولتهم الضعيفة، وفي مراكش توجد دولة السعديين، والتي لم تكن من القوة بحيث تقف أمام حملات الأسبان والبرتغال عليها، إضافة إلى وجود فتن داخلية بين العرب والبربر، وبين قبائل (الهوسا) مع بعضها وبينها وبين قبائل (الغولان). هذه لمحة موجزة عن حالة العالم الإسلامي السياسية في مشرقه ومغربه وبالجملة فهي حالة سيئة تدل على ما يعانيه العالم الإسلامي في تلك الحقبة من فساد سياسي عام. أما حال المسلمين على الحدود والثغور الإسلامية فهي بلا شك أشد سوءا وألما بكثير. أما عن الحالة الدينية في العالم الإسلامي: فالواقع أن انحطاط الحياة الدينية لدى المسلمين لم يكن وليد هذا العصر فحسب وإنما يسبقه بعدة قرون، حينما دخل بالإسلام - في الظاهر - عناصر من أصحاب الملل والحضارات السابقة التي قضى عليها المسلمون في عصورهم الزاهرة، وقد استهدفت هذه العناصر من دخولها الإسلام الكيد له والدس عليه

стр. 9020

فنشأت بذلك الفرق والمذاهب الدينية المختلفة (١) وعندما دخلت الدولة العثمانية دور الانحطاط في القرن الثاني عشر الهجري - كما سبق - ازدادت الحالة الدينية سوءا بين المسلمين، ومما زاد في ذلك جمود علماء المسلمين في تلك الفترة وتمسكهم بالقديم أيا كان خاصة علماء الأستانة وعلماء الأزهر، وقد شجعهم على هذا كره أصحاب السلطة في تلك الفترة للإصلاح أيا كان نوعه، وكثيرا ما يعدون صاحبه كافرا. كما فعلت الدولة العثمانية مع دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب حينما عدت دعوته وحركته الإصلاحية خارجة عن الدين (٢)، وبعكس ذلك أطلق أصحاب السلطة العنان لأهل البدع والمتصوفين والبلهاء حتى علا شأنهم عند العامة اعتقدوا فيهم الولاية، (٣) وكان لأصحاب الطرق الصوفية منزلة عظيمة عند العامة وأصحاب السلطة، فنشروا بذلك بدعهم بين الناس، ووصل قوة نفوذ أصحاب الطرق الصوفية أن تولى عدد منهم مشيخة الأزهر فترة من الوقت (٤) هذا إلى جانب ما كان منتشرا بين عامة الناس في كافة أرجاء الدولة العثمانية، وفي غيرها من بقاع المسلمين من بدع أصابت عقيدة التوحيد في الصميم، فقد انتشرت في البلاد المختلفة قبور الأولياء والصالحين التي بنيت عليها القباب والتي يتجه إليها الناس بأشياء لا يجوز صرفها إلا لله تعالى كالدعاء والاستغاثة والذبح والنذر والشفاعة ونحوها، وكثيرا ما كانت تقام عند هذه القبور المنكرات والمفاسد، وقد انتشرت هذه القبور في مختلف البلاد الإسلامية سواء في الحجاز أو اليمن

стр. 9021

أو الشام أو العراق أو مصر (١) وكذا الحال في المغرب الإسلامي أو غرب أفريقية، وأصبح عناية المسلمين تنصب على الاهتمام بتلك الأمور البدعية والشركية، وفي هذا الصدد يقول (لوثروب ستودارد) في كتابه حاضر العالم الإسلامي: (وأما الدين فقد غشيته غاشية سوداء فألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة الناس سجفا من الخرافات وقشور الصوفية، وخلت المساجد من أرباب الصلوات، كثر عدد الأدعياء الجهلاء يوهمون الناس بالباطل والشبهات ويرغبونهم في الحج إلى قبور الأولياء ويزينون للناس التماس الشفاعة من دفناء القبور) (٢) اهـ.

стр. 9022

ب - في بلاد نجد: في القرن الثالث الهجري قامت في منطقة نجد دولة مستقلة عن دولة الخلافة العباسية يطلق عليها (الدولة الأخيضرية) والتي أسسها (محمد الأخيضر) سنة ٢٥٣هـ (٨٦٧م) واستمرت حتى منتصف القرن الخامس الهجري حيث سقطت تلك الدولة وبسقوطها أصحبت بلاد نجد مجزأة إلى إمارات صغيرة يرتبط بعضها بالدويلات التي قامت في منطقة الأحساء، أما الدولة العثمانية فلم تكن سياستها في ذلك الوقت تهتم بإخضاع نجد لحكمها وكل ما يهمها هو (الحجاز) حيث الأماكن المقدسة الإسلامية، بالإضافة إلى السواحل الغربية والشرقية في الجزيرة العربية خصوصا بعد أن تعرضت هذه السواحل لحملات البرتغاليين في أثناء القرن الخامس عشر الميلادي.

стр. 9023

والواقع أنه منذ القرن الخامس الهجري أصبحت بلاد نجد مقسمة إلى إمارات صغيرة ضعيفة متفرقة متنازعة، ومن يطلع على تاريخ نجد في تلك الفترة - على اختصاره - تواجهه حقيقة مرعبة وهي أن القوم كانوا في عراك مستمر ومرابطة دائمة وثأر لا ينقطع، يتربص بعضهم ببعض الدوائر ويتحين أهل كل قرية الفرصة للإيقاع بأهل القرية الأخرى، (١)، لقد كانت هذه الإمارات والقرى لا تعرف السكينة والأمن والحرية إلا قليلا، ففي الحرب يقتل أبناؤها، ويدمر بناؤها، ويحرق نخيلها، ويتلف زرعها وفي فترات السلم يحبس الناس في بلدانهم فلا يستطيعون الابتعاد عنها إلا بمغامرة، فكانت إمارات نجد في تلك الفترة تجسيدا لقصة ملوك الطوائف في الأندلس (٢) بل لقد وصل الحال بإحدى هذه الإمارات أن قسمت أرباعا بين أربعة رؤساء. كل رئيس ترأس في ربعها (٣). أما الحالة الدينية في بلاد نجد: فلم تكن أسعد حظا من باقي أقطار العالم الإسلام، فقد جرفها تيار الانحراف عن الدين الإسلامي الصحيح من شرك وبدع وخرافات كالدعاء والنذر والذبح، وصرف أنواع العبادات الأخرى لغير الله، لكنها لم تصل في انحرافها أن تناسى أهلها شعائر الإسلام من صلاة وزكاة وصيام وحج، كما يزعم بلجريف - وخاصة أهل الحاضرة وعندما قام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بدعوته في بلاد نجد كان الخلاف بين الشيخ وبين مخالفيه على أساس التوحيد أما

стр. 9024

بقية أعمال الإسلام فإنه لم يعارضه أحد بشأنها وقد فصل المؤرخ (حسين بن غنام) مظاهر الانحراف عن الإسلام الصحيح في نجد ومثل لها بتعظيم الناس. . . للقبور مثل قبر (ضرار بن الأزور) وللأشجار (مثل شجرة الذيب والفحال) وللأحجار (مثل غار بنت الأمير) وللأولياء (مثل تاج الأعمى) هذا في الحاضرة. أما البادية فهي أسوأ حالا ذلك أن طبيعة الحياة الصحراوية بجفائها ورهبتها وتفرق سكانها بالإضافة إلى انتشار الأمية بينهم وعدم قيام دولة ذات سلطان تحمل الناس على الحق كل هذه العوامل جعلت من البادية مرتعا خصبا لأنواع الشرك والبدع والخرافات كما ذكر ذلك المؤرخ ابن بشر. ومهما يكن من شيء فإنه كلما مرت الأعوام والأيام ازدادت الحالة سوءا في الحاضرة والبادية حتى أذن الله بانبلاج فجر جديد حين قام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ بدعوته الإصلاحية المباركة على حين فترة دعوات المصلحين فأشرقت الجزيرة العربية بنور هذه الدعوة وتبدلت فيها مظاهر الحياة كلها.

стр. 9025

الشيخ محمد بن عبد الوهاب: نشأته ورحلاته: هو الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي من المشارقة

стр. 9026

أحد فروع الوهبة من قبيلة تميم ولد في بلدة (العيينة) - شمال غرب مدينة الرياض - سنة ١١١٥هـ (١٧٠٣م) ونشأ بها، ويصفه ابن غنام بأنه حاد الذهن ذكي نبيه فطن فصيح اللفظ سريع الحفظ، حفظ القرآن ولم يبلغ العاشرة من عمره (١)، وكانت بيئته التي نشأ فيها بيئة علمية دينية صالحة فجده (سليمان بن علي) عالم من علماء نجد في عصره انتهت إليه الفتيا في نجد، وألف منسكا مشهورا، وأبوه (عبد الوهاب) بن سليمان بن علي، تولى قضاء بلدتي (العيينة) ثم (حريملاء) وعمه (إبراهيم بن سليمان) كان عالما قديرا (٢)، وقد تلقى الشيخ العلم في البداية على يد والده حيث درس عليه كتب الفقه الحنبلي ثم أخذ يزيد في معلوماته بالقراءة الخاصة حيث أخذ يقرأ في كتب التفسير والحديث والأصول، وقد ساعده حبه للقراءة أن يطلع على كل ما يقع في يده من كتب الدين وخاصة كتب الحنابلة نظرا لانتشار المذهب الحنبلي في نجد منذ القرن العاشر الهجري. واهتم الشيخ بصورة خاصة بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم حتى إنه أخذ ينسخ كثيرا منها. وتوجد في المتحف البريطاني بلندن حتى الآن كتب لشيخ الإسلام ابن تيمية بخط الشيخ محمد بن عبد الوهاب. ولما أكمل الشيخ تعليمه في بلدة (العيينة) على أساتذته وقراءاته

стр. 9027

الشخصية عزم على الارتحال إلى البلدان المجاورة طلبا للعلم والزيادة فيه - كعادة السلف الصالح- فبدأ بحج بيت الله الحرام للمرة الثانية ثم اتجه من (مكة) إلى (المدينة) وأقام فيها حينا أخذ العلم فيها على الشيخ (عبد الله بن سيف النجدي) والشيخ (محمد حياة السندي) ثم خرج الشيخ من المدينة - مارا ببلاد نجد - إلى (البصرة) فتلقى العلم فيها على عدد من العلماء منهم الشيخ (محمد الجموعي). وقد درس على هؤلاء العلماء علوم الشريعة وعلوم اللغة العربية، وقد اضطر الشيخ إلى الخروج من (البصرة) بسبب مضايقات تلقاها من أناس كان قد دعاهم إلى إخلاص التوحيد لله تعالى ونبذ أنواع الشركيات، فقصد بلاد الشام لولا أن نفقته ضاعت في الطريق فقفل راجعا إلى نجد، ومر في طريقه بالأحساء ونزل على الشيخ (عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف الشافعي الأحسائي) وأخذ عنه في التفسير والحديث ثم اتجه من الأحساء إلى (حريملاء) وكان أبوه قد انتقل إليها من (العيينة) لخلاف مع حاكمها. هذه مجمل رحلات الشيخ عند عمدتي مؤرخي نجد (ابن غنام وابن بشر). أما ما ذكره صاحب كتاب (لمع الشهاب) من أن الشيخ زار بلدانا أخرى (مثل فارس، وبلاد الشام ومصر) وأنه درس فيها علوما أخرى (مثل علم الهيئة، والمنطق، والفلسفة، والهندسة والتصوف والرياضيات واللغة التركية وغيرها) (١) فيكفي في تخطئة هذا الرأي أننا لا نجد لما ذكره أي أثر في مؤلفات الشيخ ورسائله ولا في مؤلفات علماء الدعوة ومؤرخيها وهم أدرى بحياة الشيخ من غيرهم، إضافة إلى أننا لا نجد لما ذكره من العلوم

стр. 9028

أي أثر في كتابات الشيخ خاصة المنطق الذي لو درسه لظهر أثره في جدله ومناظراته وردوده. وكذا الحال فيما ذكره (نيبور) في رحلاته من أن الشيخ زار بلاد فارس. ومهما يكن من أمر فقد فتحت هذه الرحلات أمام الشيخ تفكيره ووسعت مداركه وعلومه فاطلع على الفساد الديني والسياسي اللذين يعيشهما العالم الإسلامي حينذاك (١) فعاد إلى بلده وكله عزيمة وأمل بأن يقوم بإصلاح هذا الفساد بقدر ما يسعه جهده وعلمه.

стр. 9029

ثانيا: الدعوة: حقيقتها مبادئها: مراحل الدعوة: عندما وصل الشيخ إلى (حريملاء) أخذ يجهر بدعوته وينكر ما يفعله الجهال من البدع والشركيات في الأقوال والأفعال لكنه لم يلبث أن قرر الخروج من (حريملاء) لعدم صلاحيتها لنشر الدعوة فيها بسبب فقدان الأمن نتيجة لانقسام أهلها وانقسام الحكم فيها حتى كادت أن تتم حادثة اغتيال للشيخ فيها (١) فعاد الشيخ إلى (العيينة) مسقط رأسه فأهلها يعرفهم وحكمها مستقر أكثر من (حريملاء) فرحب به حاكمها حينذاك (عثمان بن معمر) وفتح صدره للدعوة ولتطبيق مبادئها فانتقلت الدعوة بذلك إلى المرحلة العلمية في تطبيق مبادئ الدعوة فهدمت القباب المقامة على القبور في العيينة وما جاورها وقطعت أشجار كان يتبرك بها العامة، ورجمت زانية محصنة أقرت بالزنا عند الشيخ أربع مرات (٢). ولم يعكر صفو هذا النجاح للدعوة سوى تهديد حاكم

стр. 9030

الأحساء حينذاك من بني خالد (سليمان بن محمد بن عريعر) لحاكم العيينة (ابن معمر) - وكان للأول ما يشبه النفوذ السياسي على الثاني - وأذعن ابن معمر لتهديده وأمر الشيخ بالخروج من البلد، فاختار الشيخ الدرعية واتجه إليها لما يعرفه من سيرة لحاكمها (محمد بن سعود) إضافة إلى استقلاله وعدم خضوعه لسيطرة أجنبية، لهذا رحب (محمد بن سعود) بالشيخ وتعاهد معه على نصرة الدعوة وحمايتها وتم بينهما ما يعرف تاريخيا بـ (اتفاق الدرعية) - عام ١١٥٧هـ (١٧٤٤) والذي كان بحق نقطة تحول هامة في تاريخ تلك الدعوة وفي حياة الجزيرة العربية الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية بل وفي تاريخ اليقظة العربية والإسلامية الحديثة (١). وبقي الشيخ سنتين يدعو الناس بالحكمة والموعظة الحسنة وذلك برسائله ومناظراته مع أهل البلدان المجاورة فمنهم من قبل واتبع الحق ومنهم من أبى وعارض وحارب الدعوة فأمر الشيخ حينئذ أتباعه بالجهاد (٢) دفاعا عن النفس من ناحية ونشرا للدعوة الإسلامية من ناحية أخرى فانتقلت الدعوة إلى المرحلة الجديدة الثالثة وهي (مرحلة الجهاد).

стр. 9031

حقيقة الدعوة ومصادرها: قبل الدخول في تفاصيل الدعوة وأفكارها نحب أن نشير إلى أمرين هامين: أولهما: أن لقب (الوهابية) لقب لم يختره أتباع الدعوة لأنفسهم لكنه أطلق من قبل خصومهم على اختلافهم تنفيرا للناس منهم وإيهاما للسامع

стр. 9032

أنهم جاءوا بمذهب خامس يخالف المذاهب الإسلامية الأربعة الكبرى، واللقب الذي يرضونه ويسمون به هو (السلفيون) ودعوتهم (الدعوة السلفية). وثانيهما: أن هذه الدعوة السلفية ليست ذات مذهب خاص بها، وإنما هي الدعوة إلى الإسلام بكل مبادئه وتعاليمه الخالصة من شوائب الشرك والوثنية والبدع، وكما قال الدكتور طه حسين: إن تعاليم الدعوة جديدة وقديمة معا، فهي جديدة بالنسبة للمعاصرين، ولكنها قديمة في حقيقة الأمر لأنها ليست إلا الدعوة القديمة إلى الإسلام الخالص النقي المطهر من كل شوائب الشرك والوثنية (١). ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب قامت وهي تهدف إلى تصحيح العقيدة الإسلامية في نفوس أتباعها وتطهيرها مما علق بها من أدران الشرك والبدع والخرافات بحيث يعترف المخلوق بسلطان الخالق عليه في جميع الأمور فلا يتوجه إلا إليه ولا يتعلق إلا به، كما تهدف إلى تطبيق أحكام الإسلام وشعائره وحدوده وإقامة مجتمع إسلامي يؤمن بالإسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة. وقد اعتمد الشيخ محمد بن عبد الوهاب في دعوته على ثلاثة مصادر (٢) هامة: أولها: القرآن الكريم: المصدر الأول للتشريع الإسلامي، ويظهر

стр. 9033

اهتمام الشيخ به أنه حفظه وهو صغير، ومن يطلع على مؤلفات ورسائل الشيخ يدرك اهتمام الشيخ وتقديره لكتاب الله تعالى من حيث تقديمه على جميع الأدلة النقلية والعقلية واستشهاده به دائما. ثانيها: السنة النبوية: وهي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي. وقد اهتم الشيخ بدراسة السنة النبوية منذ صغره، ومؤلفات الشيخ ورسائله تدل على اهتمام الشيخ بالسنة النبوية، ويكفي أنه اختصر سيرة الرسول ﷺ ليسهل على أتباعه قراءتها. ثالثها: آثار السلف الصالح: من الصحابة والتابعين وتابعيهم وخاصة الأئمة الأربعة (أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل). ولكن تأثر الشيخ انصب على ثلاثة من علماء السلف الصالح وهم (الإمام أحمد بن حنبل، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ محمد ابن قيم الجوزية) حيث اهتم بمؤلفاتهم، وتأثر بآرائهم وأفكارهم. وإذا كانت آراء الباحثين والمؤرخين قد اختلفت في حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب هل هي حركة دينية (١) أم سياسية (٢) أم للأمرين معا (٣)، فالواقع أن الدعوة جامعة للأمور الدينية والسياسية معا؛ لأن الإسلام بطبيعته دين ودولة. والإصلاح الذي نادت به الدعوة لم يكن الغرض منها دينيا محضا - كما زعم بعض الباحثين (٤)، حقيقة أن الدعوة اهتمت بالإصلاح الديني أكثر من اهتمامها بالإصلاح الفكري ولكن ذلك يرجع إلى أن الانحراف الديني في العالم الإسلامي في ذلك

стр. 9034

الوقت يفوق تدهوره السياسي، وفوق هذا وذاك فإن إصلاح العقيدة الإسلامية في نفوس المجتمع الإسلامي أساس كل إصلاح، ومن هنا نستطيع أن نرد على أولئك الباحثين الآخرين الذين ينقدون ويعيبون على الدعوة الإصلاحية في نجد عدم الاهتمام بالتقدم الحضاري الذي يشهده العالم وقت ظهورها (١) فمبادئ الدعوة - تبعا للإسلام الحق - لا تتنافى مع التقدم الحضاري النافع إذا سار بهدي القرآن والسنة النبوية وآثار السلف الصالحين، ولعل الظروف الصعبة التي أحاطت بالدعوة وأتباعها في تاريخها الطويل هو الذي صرفها عن الأخذ بتلك الحضارة، أما أن ينسب إلى الحضارة وأدواتها أنها ربما قامت عوائق في طريق الدعوات الدينية الإصلاحية السليمة، ومن أجل ذلك تفاداها محمد بن عبد الوهاب، فإن ذلك غير صحيح، إذ ربما كانت هذه الحضارة أيسر تسخيرا في التوصل السريع والنشر العاجل (٢). وحينما عارض بعض (جماعة الإخوان) المتزمتين في عهد الملك عبد العزيز ﵀ دخول بعض أسباب الحضارة كالسيارة والتلغراف ونحوها قام علماء الدعوة في ذلك الوقت بإبطال اعتراضهم وبيان الحق في ذلك (٣). وأيا كان الأمر فإن مبادئ دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم تقف في يوم من الأيام حائلا أمام الأخذ بما ينفع في التقدم الحضاري بشرط ألا يكون ذلك مخالفا لأحكام الإسلام وتعاليمه (٤) ولعل ما تشهده المملكة العربية السعودية من تقدم حضاري - في هذا الوقت - في جميع مجالات الحياة خير شاهد على ما نقول.

стр. 9035

مبادئ الدعوة: سنحاول أن نلقي ضوءا شاملا على المبادئ الأساسية لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب والتي من أجلها وقع الاختلاف بينه وبين معاصريه من العلماء - حينذاك - ويمكن حصرها في مسائل هي: ١ - التوحيد: يمكن القول: إن مسألة التوحيد هي أهم المسائل التي قامت من أجلها دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكل ما عداها من المسائل فهو منضو تحتها أو فرع منها، ويعرف الشيخ محمد بن عبد الوهاب التوحيد بقوله: (هو إفراد الله بالعبادة وهو دين الرسل الذي أرسلهم الله به إلى عباده) (١) ويرى بأن (توحيد الألوهية) هو الذي وقع فيه الانحراف وهو توحيد الله بأفعال العباد التي تعبدهم بها وشرعها لهم مثل الدعاء والنذر والاستعانة والاستغاثة والتوكل وقد أخذ الحديث عن توحيد الألوهية القسم الأكبر من مؤلفات ورسائل الشيخ وعلماء دعوته ولا غرو فقد كان هذا القسم هو مثار الجدال بينهم وبين أعدائهم المخالفين لهم، ويرى الشيخ أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل فإن من عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند كفرعون وإبليس وأمثالهما، وقد ألف الشيخ كتابا يبحث في هذا الصدد أسماه (كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد) جمع فيه آيات وأحاديث في بيان التوحيد والترغيب
следующие страницы →