← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 9311–9350 · переход к 9316.

стр. 9311

وهذا المقوقس عظيم القبط في مصر يقول في كتابه للرسول ﷺ : وقد علمت أن نبيا قد بقي وكنت أظن أنه يخرج بالشام (١). فما الذي أعلمه بذلك؟ هل كان يرجم الغيب ويتبع الظنون والأوهام؟ وهذا (مري) حاجب الحارث بن أبي شمر الغساني يقول لشجاع بن وهب ﵁: " إني قرأت في الإنجيل، وأجد صفة هذا النبي بعينه، فكنت أراه يخرج بالشام، فأراه قد يخرج بأرض العرب. وهذه الشهادة صريحة في أنه وجد صفة النبي بعينه في الإنجيل. وذاك رجل الدين النصراني في عمورية الذي لازمه سلمان بوصية من سلفه الذي هو على دينه، يقول عندما حضرته الوفاة: " ولكنه قد أظلك زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب، مهاجره إلى أرض بين حرتين فيهما نخل، به علامات لا تخفى، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة. وخالدة بنت الحارث اليهودية عمة عبد الله بن سلام تقول له وتسأله لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة: يا ابن أخي أهو النبي الذي كنا نبشر به أنه يبعث مع نفس الساعة؟ قال: فقلت لها: نعم، ثم أسلمت. فقولها: نبشر به، دليل على أن هناك بشارة، فمن أين جاءت إن لم تكن في كتبهم يعرفها علماؤهم؟ وذاك أيضا أبو ياسر بن أخطب يقول لقومه بعد أن سمع من النبي وحادثه: يا قوم أطيعوني، فإن الله قد جاءكم بالذي كنتم تنتظرون، فاتبعوه ولا تخالفوه.

стр. 9312

فهذه شهادتهم القولية، وتلك شهادتهم الواقعية، اتفقتا معا على تأكيد ما نجد من إشارات إلى بعثته ﵊ في كتبهم التي بين أيديهم اليوم رغم كل ما أصابها من تحريف وتزوير، ورغم الكتمان لكثير منها.

стр. 9313

ملاحظات بين يدي البشارات: ونحن نجتزئ من هذه البشارات ببعضها - ليكون ذلك عنوانا على غيرها - ونقدم بين يدي هذه البشارات بعض الملاحظات المتعلقة بهذه البشارات وطبيعتها وتفسيرها: ١ - مع إيماننا بأن ما بين أيدي أهل الكتاب من اليهود والنصارى من الكتب ليس هو الكتاب الذي أنزله الله تعالى وحيا على موسى وعيسى ﵉، ورغم ما وقع فيهما على أيدي الأتباع من كتمان وتحريف، فهم يلبسون الحق بالباطل ويخلطونه به بحيث لا يتميز الحق من الباطل، ويكتمون الحق ويخفونه ويحرفون الكلم عن مواضعه لفظا ومعنى، ويلوون ألسنتهم بالكتاب ليلبسوا على السامعين اللفظ المنزل بغيره، رغم هذا كله فإن إشارات كثيرة لا تزال بين طيات هذه الكتب، تحمل النبوءات والبشارات بنبوة محمد ﷺ ، وكأن الله تعالى أبقاها ليخزيهم ويظهر ما هم عليه من باطل ولتقوم عليهم الحجة من كتبهم التي يقدسونها، ولما كثرت هذه البشارات وما استطاعوا كتمانها كلها

стр. 9314

أخذوا يحرفون فيها ويؤولون تأويلات باردة ليصرفوها عن معناها الحقيقي الدال على نبوة محمد ﷺ وليجعلوا بعضها خاصا بعيسى ﵇! ٢ - هذه البشارات على نوعين: منها ما يكون إشارات مجملة -غالبا- ولا تنطق باسمه ﷺ واسم بلده مثلا، بل تذكر صفته ونعته ونعت أمته ومخرجه، وشيئا من صفات دعوته ورسالته وثمراتها، ويكون في هذا أبلغ دلالة على المطلوب من ذكره باسمه الصريح، فإن الاشتراك قد يقع في الاسم فلا يحصل به التعريف والتمييز، ولا يشاء أحد، يسمى بهذا الاسم، أن يدعي أنه هو إلا فعل، إذ الحوالة إنما وقعت على مجرد الاسم، وإن كان هذا الإخبار مجملا غير واضح عند العوام من الناس فإنه يصير عند الخواص جليا بواسطة القرائن التي تحف به وقد يبقى خفيا عليهم أيضا لا يعرفون مصداقة إلا بعد ادعاء النبي اللاحق أن النبي المتقدم أخبر عنه صدق ادعائه بظهور علامات النبوة والمعجزات على يديه. ومن هذه البشارات ما يكون تفصيلا تاما بالاسم الصريح للنبي وبلده. . . إلخ، وهذا يتفق مع ما حكاه الله تعالى على لسان بعض أنبيائه في القرآن الكريم من البشارة بمحمد ﷺ ، وسيأتي أمثلة على كلا النوعين إن شاء الله تعالى. ٣ - قد يدعي بعض أهل الكتاب أنهم ما كانوا ينتظرون نبيا آخر غير عيسى وإيلياء، ولذلك - بزعمهم - لا تنطبق البشارات على محمد ﵊، إذ عيسى عندهم خاتم الأنبياء، وهذا زعم باطل وادعاء لا أصل له، بل كانوا ينتظرون نبيا جديدا غيرهما، يدل على ذلك ما جاء في إنجيل يوحنا: " وهذه هي شهادة يوحنا حين أرسل

стр. 9315

اليهود من أورشليم كهنة ولاويين ليسألوه: من أنت؟ فاعترف ولم ينكر، واعترف: إني لست أنا المسيح، فسألوه: إذن ماذا، أإيليا أنت؟ فقال: لست إياه. فسألوه: أنت النبي؟ فأجاب: كلا. فقالوا له: من أنت؟ لنعطي جوابا للذين أرسلونا، ماذا تقول عن نفسك؟ قال: أنا صوت صارخ في البرية، قوموا طريق الرب كما قال أشعياء النبي " (١). فعلماء اليهود المعاصرين لعيسى ﵇ سألوا يحيى ﵇: أولا هل أنت المسيح؟ ولما أنكر سألوه: أنت إيلياء؟ ولما أنكر سألوه: أنت النبي؟ أي النبي المعهود الذي أخبر به موسى، فعلم أن هذا النبي كان منتظرا قبل المسيح وإيلياء، وكان مشهورا بحيث لم يكن محتاجا إلى ذكر الاسم، بل الإشارة إليه كافية. وإذا كانوا ينتظرون نبيا آخر غير عيسى وإيلياء، فيعلم من هذا قطعا أن عيسى ﵇ ليس خاتم الأنبياء، ثم إنهم يعترفون بنبوة الحورايين وبولس، بل بنبوة غيرهم أيضا، فكيف يكون عيسى خاتم الأنبياء بزعمهم (٢). ٤ - الأخبار والبشارات التي نقلها المسيحيون في حق عيسى ﵇، لا تصدق عليه بناء على تفاسير اليهود وتأويلاتهم لها، ولذلك فهم ينكرونه أشد الإنكار، وعلماء المسيحية لا يلتفتون إلى تفسيرات اليهود في هذا الشأن وتأويلاتهم، ويفسرونها بحيث تصدق على عيسى ﵇، ولئن كانت هذه التأويلات بنظر المسيحيين غير صحيحة

стр. 9316

وغير لائقة، كذلك تأويلات المسيحيين في الإخبارات التي هي في حق محمد ﷺ مردودة غير مقبولة، وسيظهر أن الإخبارات أو البشارات التي ستأتي في حق محمد ﷺ أظهر صدقا من تلك التي نقلها الإنجيليون في حق عيسى ﵇ (١). ومن هنا قال الإمام ابن القيم ﵀: فالمسلمون يؤمنون بالمسيح الصادق الذي جاء من عند الله بالهدى ودين الحق، الذي هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. والنصارى إنما تؤمن بمسيح دعا إلى عبادة نفسه وأمه، وأنه ثالث ثلاثة، وأنه الله وابن الله، وهذا هو أخو المسيح الكذاب لو كان له وجود، فإن المسيح الكذاب يزعم أنه الله. والنصارى - في الحقيقة - أتباع هذا المسيح، كما أن اليهود ربما ينتظرون خروجه، وهم يزعمون أنهم ينتظرون النبي الذي بشروا به (٢)، فالنصارى آمنوا بمسيح لا وجود له، واليهود ينتظرون المسيح الدجال! ٥ - من عادة أهل الكتاب، سلفا وخلفا، أنهم يترجمون - غالبا - الأسماء في تراجمهم ويوردون بدلها معانيها، وتارة يزيدون شيئا بطريق التفسير في الكلام، دون إشارة إلى هذه الزيادة، وهذا يجعل الأسماء المترجمة محرفة وغامضة، وفي كتبهم شواهد كثيرة على ذلك، فلا عجب إذن أن يحرفوا ويبدلوا اسم النبي محمد ﷺ بلفظ آخر، بحيث يخل ذلك بالاستدلال، جريا على عادتهم السالفة وعنادا وجحودا. ولذلك لم تكن النسخ المتداولة لكتبهم متفقة، إذ قد يوجد في

стр. 9317

نسخة ما لا يوجد في غيرها، ومن هنا نجد نقولات من تراجم كتبهم التي كانت متداولة في العصور السالفة، نقلها علماء أعلام من المسلمين ليحاجوا أهل الكتاب، قد لا نجدها موافقة في بعض الألفاظ أو في كثير منها للتراجم المشهورة الآن، بسبب ذلك التغيير في الترجمة والتحريف فيها. فمثلا، ناقش الإمام ابن حزم النصارى ونقل نصوصا كثيرة عنهم من الأناجيل، في كتابه الفصل في الملل. ليبين تضاربها وتناقضها مع بعضها، وكذلك فعل شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم، والإمام الغزالي والقرطبي، وأبو عبيدة الخزرجي، وغيرهم من العلماء، نقلوا نصوصا من كتب النصارى قد لا نجدها موافقة في ألفاظها للإنجيل الموجود عندهم حاليا، وبالطبع لو أن أحدا من أولئك العلماء المسلمين قد غير أو كذب فيما نقل لبين النصارى ذلك وردوه. وبعد هذه الملاحظات التمهيدية، نعرض بعضا من تلك الإشارات لنبوة محمد ﷺ في الكتب السابقة، مجتزئين بما هو واضح الدلالة منها على مطلوبنا ونختارها من كتب متعددة بما فيها الأناجيل الحالية.

стр. 9318

البشارة الأولى: جاء في التوراة: " أقبل الرب من سيناء، وأشرق لهم من سعير [ساعير] وتجلى من جبل فاران، وأتى من ربى القدس، وعن يمينه قبس شريعة لهم ".

стр. 9319

وهذه البشارة واضحة الدلالة على نبوة محمد ﷺ ونبوة عيسى وموسى ﵉. فمجيء الرب أو تجليه من طور سيناء، هو إنزاله التوراة على موسى ﵇ من طور سينا، وإشراقه من ساعير، وهي جبال بفلسطين، هو إنزاله الإنجيل على عيسى ﵇ وتجليه أو استعلانه من جبال فاران، إنزاله القرآن الكريم على محمد ﷺ . وليس بين المسلمين وأهل الكتاب خلاف في أن فاران هي مكة، وقد جاء في التوراة أيضا أن إبراهيم ﵇ أسكن هاجر وإسماعيل " فاران "، فأي نبي بعد عيسى ﵇ نزل عليه كتاب واستعلن له الله من فاران غير محمد ﷺ ؟ فالمراد باستعلان الرب من " فاران " هو إرسال محمد ﷺ ، وقد ذكر سبحانه إنزال الكتب الثلاثة بهذا الترتيب: التوراة ثم الإنجيل ثم القرآن، وكان مجيء التوراة مثل طلوع الفجر أو ما هو أظهر من ذلك، ونزول الإنجيل مثل إشراقة الشمس، ازداد به النور والهدى. وأما نزول القرآن، فهو بمنزلة ظهور الشمس في السماء، ولهذا قال: واستعلن من جبال فاران - في إحدى التراجم - فإن النبي ﷺ ظهر به نور الله وهداه في مشرق الأرض ومغربها، أعظم مما ظهر

стр. 9320

بالكتابين المتقدمين كما يظهر نور الشمس إذا استعلنت في مشارق الأرض ومغاربها، ولهذا سماه الله سراجا منيرا، وسمى الشمس سراجا وهاجا. وهذه الأماكن الثلاثة أقسم الله تعالى بها في القرآن، في قوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ (١) ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ (٢) ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ (٣) فأقسم الله تعالى بالتين والزيتون، أي بالأرض المقدسة التي ينبت فيها ذلك، ومنها بعث المسيح وأنزل عليه فيها الإنجيل. وأقسم بطور سيناء، وهو الجبل الذي كلم الله فيه موسى وناداه من واديه الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة، وأقسم بالبلد الأمين، وهي مكة، والبلد الذي أسكن إبراهيم فيه ابنه إسماعيل وأمه.

стр. 9321

البشارة الثانية: قال داود في الزبور في نبوءة أشعياء: " سبحوا لله تسبيحا جديدا، وليفرح بالخالق من اصطفى الله له أمته وأعطاه النصر، وسدد الصالحين منهم بالكرامة، يسبحونه على مضاجعهم، ويكبرون الله بأصوات مرتفعة، بأيديهم سيوف ذات شفرتين، لينتقم بهم من الأمم الذين لا يعبدونه ".

стр. 9322

وهذه الصفات إنما تنطبق على محمد ﷺ وأمته؛ فالتسبيحة الجديدة هي العبادة على النهج الجديد في الشريعة الإسلامية، وتعميمها على سكان الأرض، قاصيها ودانيها، إشارة إلى عموم نبوته ﷺ والمسلمون هم الذين يكبرون الله تعالى بأصوات مرتفعة في أذانهم للصلوات الخمس على الأماكن العالية، في الأذان وفي العيدين وعقيب الصلوات في أيام منى، وعلى القرابين والأضاحي، وعند رمي الجمار، وعلى الصفا والمروة، وعند محاذاة الحجر الأسود. والمسلمون هم الذين يسبحون الله ويذكرونه قياما وقعودا وعلى جنوبهم، وهم الذين بأيديهم سيوف ذات شفرتين ينتقم الله بهم من الأمم بالجهاد، وليس ذلك لليهود ولا النصارى، فإن اليهود يجمعون الناس بالبوق والنصارى بالناقوس، ولا يرفعون أصواتهم بالتكبير لله تعالى، وقد كانوا مغلوبين بين الأمم، ولم يكن الجهاد مطلوبا من النصارى، على ما قال المسيح في كتبهم: (من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر) (١). ومن هي هذه الأمة التي سيوفها ذات شفرتين ينتقم الله بها من الأمم الذين لا يعبدونه؟ إنها الأمة المسلمة. وفي ترجمة كتاب أشعياء إلى الأوردية، التي ترجمها القسيس أوسكان الأرمني، تصريح باسمه ﵊ في الباب الثاني والأربعين، وقد جاءت هكذا: (سبحوا الله تسبيحا جديدا، وأثر سلطنة على ظهره، واسمه أحمد). وهذه الترجمة موجودة عند الأرامن

стр. 9323

البشارة الثالثة: وقالوا في نبوءة أشعياء: (فإنه هكذا قال لي السيد: اذهب أقم الرقيب وليخبر بما يرى، فرأى ركبا أزواج فرسان، ركاب حمير وركاب جمال، فأصغى إصغاء شديدا ثم صرخ كأسد: أيها السيد إني قائم على المرصد دائما في النهار وواقف علىالمحرس طوال الليالي، فإذا بركب من الرجال وأزواج فرسان قد أتوا، ثم عادوا قال: سقطت بابل (١) وحطمت إلى الأرض جميع منحوتات آلهتها.) (٢). فراكب الحمار هو المسيح ﵇، وراكب الجمل هو محمد صلوات الله وسلامه عليه، وهو أشهر بركوب الجمل من المسيح بركوب الحمار. وبمحمد ﷺ وأمته سقطت بابل وعبادة الأصنام فيها، لا بالمسيح ولا بغيره، ولم يزل في إقليم بابل من يعبد الأوثان من عهد إبراهيم الخليل ﵇ إلى زمان محمد ﷺ وأمته، وبهما وبدعوته سقطت هذه الأصنام وانتهت (٣).

стр. 9324

البشارة الرابعة: في إنجيل يوحنا: " إن كنتم تحبوني فاحفظوا وصاياي، وأنا أسأل الأب فيعطيكم فارقليط آخر ليثبت معكم إلى الأبد، روح الحق الذي لا يستطيع أن يقبله العالم؛ لأنه لم يره ولم يعرفه، أما أنتم فتعرفونه. . . وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم كل ما قلته لكم، قد سمعتم أني قلت لكم: إني ذاهب

стр. 9325

ثم آتي إليكم، فلو كنتم تحبوني لكنتم تفرحون بأني ماض إلى الآب؛ لأن الآب هو أعظم مني. والآن قد قلت لكم قبل أن يكون حتى متى كان تؤمنون) (١). وليس معنى الفارقليط هنا: الروح، ولا الروح القدس أو المعزي، وإنما تعني الحمد أو أفعل التفضيل من الحمد، وهو (أحمد) ويكون ذلك مطابقا مطابقة حرفية لبشارة عيسى ﵇ التي حكاها الله تعالى في سورة الصف. يقول الدكتور محمد توفيق صدقي في كتابه: (دين الله في كتب أنبيائه): هذا اللفظ (الفارقليط) يوناني، ويكتب بالإنكليزية هكذا ( Paraclete) أي (المعزي) ويتضمن أيضا معنى المحاج، كما قال بوست في قاموسه. وهناك لفظ آخر يكتب هكذا ( Pericltee) ومعناه: رفيع المقام، سام - جليل، مجيد، شهير. وهي كلها معان تقرب من معنى محمد وأحمد ومحمود. ولا يخفى أن المسيح كان يتكلم بالعبرية، فلا ندري ماذا كان اللفظ الذي نطق به الكلام، ولا ندري إن كانت ترجمة مؤلف هذا الإنجيل له بلفظ ( Paraclete) صحيحة أو خطأ؟ ولا ندري إن كان هذا اللفظ هو الذي ترجم به من قبل أم لا؟ لأننا نعلم أن كثيرا من الألفاظ والعبارات وقع فيها التحريف من الكتاب سهوا أو قصدا كما اعترفوا به في جميع كتب العهدين، فإذا كان اللفظ الأصلي (بيرقليط) فلا يبعد أنه تحرف عمدا أو سهوا إلى (بارقليط) حتى يبعدوه عن معنى

стр. 9326

اسم النبي ﷺ ، ومما يسهل عليهم ذلك تشابه أحرف هذه الكلمة في اللغة اليونانية. وعلى كل حال أيا كان معنى هذه الكلمة وأصلها، فمعنى كل منهما ينطبق على محمد ﷺ ، فهو معز للمؤمنين على عدم إيمان الكافرين، وعلى عدم وجود الشر في هذا العالم بإيضاح أن هذه هي إرادة الله. . . وهو ﷺ كان يحاج الكفار والمشركين وغيرهم. والعبارات في إنجيل يوحنا لا تنطبق إلى على محمد ﷺ .

стр. 9327

بشارات إنجيل برنابا: وهذا الإنجيل الذي لا يعترف به النصارى، مع أنه يفوق الأناجيل الأخرى ثبوتا وقانونية - كما يقولون - يحتوي على بشارات كثيرة فيها التصريح باسم محمد ﷺ وباسمه الشريف (أحمد)، وقد يستنكر الباحثون لذلك لكون البشارات عادة تكون بالكنايات والإشارات. ولكن لا داعي لهذا الاستغراب، فإن البشارات قد تكون إشارات وقد تكون صريحة بالاسم، والعريقون في الدين لا يرون مثل ذلك مستنكرا في خبر الوحي، وقد نقل الشيخ محمد بيرم عن رحالة إنجليزي أنه رأى في دار الكتب البابوية في الفاتيكان نسخة من الإنجيل مكتوبة بالقلم الحميري قبل بعثة النبي ﷺ ، وفيها يقول المسيح: (ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) وذلك موافق لنص القرآن بالحرف. ولكن لم ينقل عن أحد من المسلمين أنه رأى شيئا من هذه الأناجيل

стр. 9328

التي فيها هذه البشارات الصريحة، فيظهر أن في مكتبة الفاتيكان من بقايا تلك الأناجيل والكتب التي كانت ممنوعة في القرون الأولى، ما لو ظهر لأزال كل شبهة عن إنجيل برنابا وغيره.

стр. 9329

فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به بغيا وحسدا: وإذن، فما كان جحود اليهود والنصارى لنبوة محمد ﷺ إلا بغيا وحسدا، فاستحقوا اللعنة على كفرهم، وللكافرين عذاب مهين: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (١) ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٢) علاقة الإسلام بالأديان الأخرى: عرفنا فيما سبق أن الإسلام بمعناه العام هو دين الأنبياء جميعا، عليهم الصلاة والسلام، فإذا أخذنا كلمة الإسلام بهذا المعنى (نجدها لا تدع مجالا للسؤال عن العلاقة بين الإسلام وبين سائر الأديان السماوية، إذ لا يسأل عن العلاقة بين الشيء ونفسه، فهنا وحدة لا انقسام فيها ولا أثنينية). ولكن السؤال هنا عن الإسلام بمعناه الخاص، وهو الدين الذي

стр. 9330

أنزله الله تعالى على محمد ﷺ ، أي العلاقة بين المحمدية وبين الموسوية والمسيحية: وللإجابة على هذا السؤال ينبغي أن نقسم البحث إلى مرحلتين:. المرحلة الأولى: في علاقة الشريعة المحمدية بالشرائع السماوية السابقة، وهي في صورتها الأولى لم تبعد عن منبعها، ولم يتغير فيها شيء بفعل الزمان ولا بيد الإنسان. وهنا يعلمنا القرآن الكريم: أن كل رسول يرسل، وكل كتاب ينزل، قد جاء مصدقا ومؤكدا لما قبله، فالإنجيل مصدق ومؤيد للتوراة، والقرآن مصدق ومؤيد للإنجيل والتوراة، ولكل ما بين يديه من الكتاب. إذ هناك تشريعات خالدة لا تتبدل ولا تتغير بتغير الأصقاع والأوضاع. وهناك تشريعات أخرى جاءت موقوتة بآجال طويلة أو قصيرة، فهذه تنتهي بانتهاء وقتها، وتجيء الشريعة التالية بما هو أوفق وأرفق بالأوضاع الناشئة الطارئة. وقد جاء القرآن الكريم فغير الله تعالى فيه بعض الأحكام التي جاءت في التوراة والإنجيل، وقوفا بها عند وقتها المناسب وأجلها المقدر لها في علم الله ، وما كان فيها من الأحكام صحيحا موافقا لقواعد السياسة الدينية لا يغيره، بل يدعو إليه ويحث عليه. وما كان سقيما قد دخله التحريف فإنه يغيره بقدر

стр. 9331

الحاجة، وما كان حريا أن يزاد فإنه يزيده على ما كان في الشرائع السابقة (١). وعلى هذا، فإن الإسلام قد اعترف بالشرائع السابقة كما نزلت على الرسل السابقين، على أنها شرائع، وديانات توحيد في الذات والصفات والألوهية، فالله واحد أحد، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وهو المتفرد بالعبادة، وهو الخالق لكل شيء، العليم بكل شيء، السميع البصير اللطيف الخبير، الموصوف بكل صفات الكمال المنزه عن كل صفات النقص. فالنصرانية التي اعترف بها القرآن الكريم هي التي تعتبر المسيح ﵇ عبدا لله ورسولا من عنده ليس إلها ولا ابن إله، وهي التي يقول الله تعالى على لسان نبيها ﵇: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٢). والنصرانية التي اعترف بها القرآن الكريم هي التي تبشر كتبها بالنبي محمد ﷺ ، وتطالب الذين حضروا دعوته من بعدها: أن يؤمنوا بها، كما جاء في القرآن الكريم على لسان المسيح ﵇. واليهودية التي اعترف بها الإسلام هي التي جاء بها موسى ﵇، ديانة توحيد، تؤمن بالله وباليوم الآخر، ولا تبيح قتل النبيين، والتي توجب الإيمان بالكتب التي اشتملت على بيانها الشريعة المطهرة،

стр. 9332

وتؤمن برسل الله أجمعين. وفيها إيمان بالله تعالى وطاعة له وعبودية خالصة، وتنزيه للرسل عن المعاصي وعصمتهم من الخطايا. تلك هي الديانات التي يعترف بها الإسلام ويقرها ويمدحها القرآن الكريم ويمدح معتنقيها، قبل بعثة محمد ﵊، إذ هي الإسلام الذي أنزله الله. فلما جاءت شريعة محمد كانت هي الرسالة الخاتمة وهي الإسلام الذي ينبغي أن يفيء إليه الجميع ليكونوا مسلمين حقا. المرحلة الثانية: أما المرحلة الثانية في بحث العلاقة بين الشريعة المحمدية والشرائع السماوية، بعد أن طال عليها الأمد، فنالها من التغيير والتحريف والتبديل والكتمان ما كان كفيلا بتحويلها عن أصلها من ديانة توحيد إلى ديانات وثنية لا تمت إلى أصلها المنزل إلا بخيط أوهى من خيط العنكبوت أو بنسبة لا حقيقة لها. وهنا نرى أن القرآن الكريم قد أضاف إلى موقفه منها في المرحلة الأولى صفة أخرى وهو أنه جاء مهيمنا على كتبها وشريعتها - وقد سبق ذلك آنفا - أي حارسا وأمينا عليها، ومن شأنه ألا يكتفي بتأييد ما فيها من حق وخير، بل عليه فوق ذلك أن يحميها من الدخيل الذي عساه أن يضاف إليها بغير حق، وأن يبرز ما تمس إليه من الحقائق التي عساها أن تكون قد أخفيت منها. وهكذا كان من مهمة القرآن الكريم أن يتحدى من يدعي وجود تلك الإضافات التي اخترعوها في تلك الكتب: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١).

стр. 9333

وبالتالي فالإسلام لا يعترف بدعوة ترفع عيسى ﵇ إلى مرتبة الألوهية وتنحرف عن التوحيد الخالص لتعتنق التثليث وتؤمن بالخطيئة والكفارة والصلب. . . متأثرة بالوثنية التي كانت سائدة وقت نشر النصرانية في الدول الرومانية، ثم هي تنكر نبوة نبي بعثه الله تعالى وبشرت به كتبها أصلا، كما لا يعترف بدعوة يزعم أهلها في حق الله ما يزعمون من كذب وإفك وكفر، ويصفون أنبياء الله - عليهم الصلاة والسلام بما تقشعر منه الأبدان وترتجف له القلوب - ومن وصف الله سبحانه بالإفك لا يستغرب منه أي كفر بعد.

стр. 9334

نصيحة إلى حجاج بيت الله الحرام لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يراه من المسلمين وفقهم الله لما فيه رضاه آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد: فقد أوجب الله التعاون على البر والتقوى والنصيحة لكل مسلم وقد أبلغني بعض الإخوان أنه يوجد من بعض الحجاج الموجودين في منى من يؤذي جيرانه بالتدخين والأغاني. ولا ريب أن إيذاء المسلمين من المحرمات المعلومة من الدين كما قال الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (١) وإذا كان الإيذاء بالتدخين أو بفتح الراديو أو المسجلات على الأغاني كان الأذى أكبر والإثم أعظم لأن الغناء محرم وهكذا التدخين من المحرمات المضرة بالدين والدنيا والصحة. وقد قال الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢) الآية قال أكثر العلماء: المراد بلفظ الحديث الغناء وآلات اللهو. وقال الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (٣) وقال في وصف نبيه ﷺ : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٤)

стр. 9335

فبين المولى سبحانه أنه لم يحل لعباده إلا الطيبات وأن نبيه ﷺ إنما أصل لأمته الطيبات وهي الأشياء النافعة بلا مضرة، والدخان من الأشياء الضارة الخبيثة. وقد أجمع العارفون به من الأطباء وغيرهم على أنه مضر بالصحة خبيث العاقبة خبيث الرائحة. وفق الله الجميع للفقه في الدين والثبات عليه وأعاذ الجميع من نزغات الشيطان. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 9336

قرار هيئة كبار العلماء رقم ١٣٨ في حكم مهرب ومروج المخدرات الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد: فإن مجلس هيئة كبار العلماء في دورته التاسعة والعشرين المنعقدة بمدينة الرياض بتأريخ ٩/ ٦ / ١٤٠٧هـ وحتى ٢٠/ ٦ / ١٤٠٧هـ قد اطلع على برقية خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز -حفظه الله - ذات الرقم س / ٨٠٣٣ وتأريخ ١١/ ٦ / ١٤٠٧هـ. والتي جاء فيها: (نظرا لما للمخدرات من آثار سيئة، وحيث لاحظنا كثرة انتشارها في الآونة الأخيرة ولأن المصلحة العامة تقتضي إيجاد عقوبة رادعة لمن يقوم بنشرها وإشاعتها، سواء عن طريق التهريب أو الترويج. . . نرغب إليكم عرض الموضوع على مجلس هيئة كبار العلماء بصفة عاجلة، وموافاتنا بما يتقرر). وقد درس المجلس الموضوع، وناقشه من جميع جوانبه في أكثر من جلسة، وبعد المناقشة والتداول في الرأي واستعراض نتائج انتشار هذا الوباء الخبيث القتال تهريبا واتجارا وترويجا واستعمالا المتمثلة في الآثار السيئة على نفوس متعاطيها وحملها إياهم على ارتكاب جرائم الفتك وحوادث السيارات والجري وراء أوهام تؤدي إلى ذلك وما تسببه من إيجاد طبقة من المجرمين شأنهم العدوان وطبيعتهم الشراسة وانتهاك الحرمات

стр. 9337

وتجاوز الأنظمة وإشاعة الفوضى لما تؤدي إليه بمتعاطيها من حالة من المرح والتهيج واعتقاد أنه قادر على كل شيء فضلا عن اتجاهه إلى اختراع أفكار وهمية تحمله على ارتكاب الجريمة. كما أن لها آثارا ضارة بالصحة العامة، وقد تؤدي إلى الخلل في العقل والجنون نسأل الله العافية والسلامة لهذا كله. فإن المجلس يقرر بالإجماع ما يلي: أولا: بالنسبة للمهرب للمخدرات فإن عقوبته القتل لما يسببه تهريب المخدرات وإدخالها البلاد من فساد عظيم لا يقتصر على المهرب نفسه وأضرار جسيمة وأخطار بليغة على الأمة بمجموعها، ويلحق بالمهرب الشخص الذي يستورد أو يتلقى المخدرات من الخارج فيمون بها المروجين. ثانيا: أما بالنسبة لمروج المخدرات فإن ما أصدره بشأنه في قراره رقم (٨٥) وتأريخ ١١/ ١١ / ١٤٠١هـ كاف في الموضوع ونصه كما يلي: (الثاني: من يروجها سواء كان ذلك بطريق التصنيع أو الاستيراد بيعا وشراء أو إهداء ونحو ذلك من ضروب إشاعتها ونشرها، فإن كان ذلك للمرة الأولى فيعزر تعزيرا بليغا بالحبس أو الجلد أو الغرامة المالية أو بها جميعا حسبما يقتضيه النظر القضائي وإن تكرر منه ذلك فيعزر بما يقطع شره عن المجتمع ولو كان ذلك بالقتل لأنه بفعله هذا يعتبر من المفسدين في الأرض وممن تأصل الإجرام في نفوسهم، وقد قرر المحققون من أهل العلم أن القتل ضرب من التعزير قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (ومن لم يندفع فساده في الأرض إلا بالقتل قتل مثل قتل المفرق لجماعة المسلمين الداعي للبدع في الدين) إلى أن قال: وأمر النبي ﷺ بقتل رجل تعمد الكذب عليه.

стр. 9338

وسأله ابن الديلمي عن من لم ينته عن شرب الخمر فقال: من لم ينته عنها فاقتلوه. وفي موضع آخر قال ﵀ في تعليل القتل تعزيرا ما نصه: (وهذا لأن المفسد كالصائل وإذا لم يندفع الصائل إلا بالقتل قتل) اهـ. ثالثا: يرى المجلس أنه لا بد قبل إيقاع أي من تلك العقوبات المشار إليها في فقرتي (أولا، وثانيا) من هذا القرار من استكمال الإجراءات الثبوتية اللازمة من جهة المحاكم الشرعية وهيئات التمييز ومجلس القضاء الأعلى براءة للذمة واحتياطا للأنفس. رابعا: لا بد من إعلان هذه العقوبات عن طريق وسائل الإعلام قبل تنفيذها إعذارا وإنذارا. هذا وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. هيئة كبار العلماء رئيس الدورة إبراهيم بن محمد آل الشيخ عبد العزيز بن صالح ... عبد الرزاق عفيفي عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... محمد بن جبير سليمان بن عبيد ... عبد الله خياط صالح بن غصون ... عبد المجيد حسن راشد بن خنين ... عبد الله بن منيع صالح اللحيدان ... عبد الله بن غديان

стр. 9339

حديث شريف قال ﷺ : «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار (١)» رواه مسلم

стр. 9340

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ (١) سورة الأنعام الآية ٧٠

стр. 9341

المشرف العام سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد لجنة الإشراف الدكتور عبد العزيز بن محمد العبد المنعم الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين الشيخ أحمد بن عبد الرزاق الدويش الدكتور محمد بن سعد الشويعر

стр. 9342

مجلة البحوث الإسلامية مجلة دورية تصدر عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ـ الرياض الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء رئيس التحرير د. محمد بن سعد الشويعر مجلة فصلية تعنى بالبحوث الإسلامية تصدر كل أربعة أشهر مؤقتا

стр. 9343

المحتويات الافتتاحية: وجوب لزوم السنة والحذر من البدعة سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٧ موضوع العدد نقل دم أو عضو أو جزء من إنسان إلى آخر اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ١٧ الفتاوى فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ٥٩ من فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ١٠٩

стр. 9344

البحوث: موقف الشريعة الإسلامية من ربط الحقوق والالتزامات المؤجلة بمستوى الأسعار الشيخ عبد الله بن سليمان المنيع ١١٩ حقيقة التصوف وموقف الصوفية من أصول العبادة الشيخ / صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان ١٤٣ النفقة الواجبة على المرأة لحق الغير الدكتور / عبد الله بن عبد المحسن الطريقي ١٦٩ أحوال التربية الإسلامية في أمريكا الدكتور / كمال كامل عبد الحميد النمر ٢٣٩ الاستقامة والإحسان من مكارم الأخلاق في الإسلام الأستاذ صلاح أحمد الطنوبي ٢٨٥ أساليب المنصرين للوصول إلى أهدافهم في المجتمعات الإسلامية الدكتور / مهدي رزق الله أحمد ٢٩٧ التنبيه على نشرات في عقوبة تارك الصلاة سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٣٢٩ الصوم والإفطار لرؤية الهلال سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٣٢٢

стр. 9345

صفحة فارغة

стр. 9346

الافتتاحية وجوب لزوم السنة والحذر من البدعة الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينا، والصلاة والسلام على عبده ورسوله الداعي إلى طاعة ربه، المحذر عن الغلو والبدع والمعاصي صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واتبع هداه إلى يوم الدين. أما بعد: فقد اطلعت على المقال الذي نشر بجريدة (إدارت) الأردوية الأسبوعية الصادرة من مدينة كانغور الصناعية بولاية أترابراديش الهندية في صفحتها الأولى، والمتضمن حملة إعلامية ضد المملكة العربية السعودية وتمسكها بعقيدتها الإسلامية ومحاربتها للبدع، واتهام عقيدة السلف التي تسير عليها الحكومة بأنها ليست سنية؛ مما يهدف به كاتبه إلى التفرقة بين أهل السنة وتشجيع البدع والخرافات. وهذا لا شك تدبير سيئ وتصرف خطير يراد به الإساءة إلى الدين الإسلامي، وبث البدع والضلالات، ثم إن هذا المقال يركز بشكل واضح على موضوع إقامة الاحتفال بمولد الرسول ﷺ وجعله منطلقا للحديث عن

стр. 9347

عقيدة المملكة وقيادتها؛ لذا رأيت التنبيه على ذلك، فأقول مستعينا بالله تعالى: لا يجوز الاحتفال بمولد الرسول ﷺ ولا غيره بل يجب منعه؛ لأن ذلك من البدع المحدثة في الدين، ولأن الرسول ﷺ لم يفعله ولم يأمر به لنفسه أو لأحد ممن توفي قبله من الأنبياء أو من بناته أو زوجاته أو أحد أقاربه أو صحابته، ولم يفعله خلفاؤه الراشدون ولا غيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، ولا التابعون لهم بإحسان، ولا أحد من علماء الشريعة والسنة المحمدية في القرون المفضلة. وهؤلاء هم أعلم الناس بالسنة وأكمل حبا لرسول الله ﷺ ومتابعة لشرعه ممن بعدهم ولو كان خيرا لسبقونا إليه. وقد أمرنا بالاتباع ونهينا عن الابتداع؛ وذلك لكمال الدين الإسلامي والاغتناء بما شرعه الله تعالى ورسوله ﷺ ، وتلقاه أهل السنة والجماعة بالقبول من الصحابة والتابعين لهم بإحسان. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (١)». متفق على صحته. وفي رواية أخرى لمسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢)»، وقال ﵊ في حديث آخر: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة (٣)»، وكان يقول في خطبته يوم الجمعة: «أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة (٤)». ففي هذه الأحاديث تحذير شديد من إحداث البدع وتنبيه بأنها ضلالة تنبيها للأمة على عظيم خطرها وتنفيرا لهم عن اقترافها والعمل بها. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٥)

стр. 9348

وقال : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٤). وهذه الآية تدل دلالة صريحة على أن الله قد أكمل لهذه الأمة دينها وأتم عليها نعمته، ولم يتوف نبيه ﵊ إلا بعد ما بلغ البلاغ المبين وبين للأمة كل ما شرعه الله لها من أقوال وأعمال، وأوضح أن كل ما يحدثه الناس بعده وينسبونه إلى الدين الإسلامي من أقوال وأعمال فكله بدعة مردودة على من أحدثها ولو حسن قصده. وقد ثبت عن أصحاب رسول الله ﷺ وعن السلف الصالح بعدهم التحذير من البدع والترهيب منها، وما ذاك إلا لأنها زيادة في الدين وشرع لم يأذن به الله وتشبه بأعداء الله من اليهود والنصارى في زيادتهم في دينهم وابتداعهم فيه ما لم يأذن به الله، ولأن لازمها التنقص للدين الإسلامي واتهامه بعدم الكمال، ومعلوم ما في هذا من الفساد العظيم والمنكر الشنيع والمصادمة لقول الله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٥) والمخالفة الصريحة لأحاديث الرسول ﵊ المحذرة من البدع والمنفرة منها.

стр. 9349

وإحداث مثل هذه الاحتفالات بالمولد ونحوه يفهم منه أن الله لم يكمل الدين لهذه الأمة، وأن الرسول ﷺ لم يبلغ ما ينبغي للأمة أن تعمل به حتى جاء هؤلاء المتأخرون فأحدثوا في شرع الله ما لم يأذن به الله، زاعمين أن ذلك مما يقربهم إلى الله، وهذا بلا شك فيه خطر عظيم واعتراض على الله وعلى رسوله ﷺ ، والله سبحانه قد أكمل لعباده الدين، وأتم عليهم النعمة، والرسول ﷺ قد بلغ البلاغ المبين، ولم يترك طريقا يوصل إلى الجنة ويباعد من النار إلا بينه لأمته، كما ثبت في الصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم (١)». رواه مسلم في صحيحه، ومعلوم أن نبينا ﵊ هو أفضل الأنبياء وخاتمهم وأكملهم بلاغا ونصحا، فلو كان الاحتفال بالموالد من الدين الذي ارتضاه الله سبحانه لعباده؛ لبينه الرسول ﷺ للأمة أو فعله في حياته أو فعله أصحابه ﵃، فلما لم يقع شيء من ذلك علم أنه ليس من الإسلام في شيء، بل هو من المحدثات التي حذر الرسول ﷺ منها أمته كما تقدم ذلك في الأحاديث السابقة. وقد صرح جماعة من العلماء بإنكار الموالد والتحذير منها عملا بالأدلة المذكورة وغيرها، ومعلوم أن القاعدة الشرعية أن المرجع في التحليل والتحريم ورد ما تنازع فيه الناس إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٢)

стр. 9350

وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (١). وإذا رددنا هذه المسألة وهي الاحتفال بالموالد إلى كتاب الله وجدناه يأمرنا باتباع الرسول ﷺ فيما جاء به، ويحذرنا عما نهى عنه، ويخبرنا بأن الله سبحانه قد أكمل لهذه الأمة دينها، وليس هذا الاحتفال مما جاء به الرسول ﷺ ، فيكون ليس من الدين الذي أكمله الله لنا وأمرنا باتباع الرسول فيه. وإذا رددناه أيضا إلى سنة رسول الله ﷺ لم نجد فيها أنه فعله ولا أمر به ولا فعله أصحابه ﵃، فبذلك نعلم أنه ليس من الدين، بل هو من البدع المحدثة ومن التشبه الأعمى بأهل الكتاب من اليهود والنصارى في أعيادهم، وبذلك يتضح لكل من له أدنى بصيرة ورغبة في الحق وإنصاف في طلبه أن الاحتفال بجميع الموالد ليس من دين الإسلام في شيء، بل هو من البدع المحدثات التي أمرنا الله سبحانه ورسوله ﵊ بتركها والحذر منها. ولا ينبغي للعاقل أن يغتر بكثرة من يفعله من الناس في سائر الأقطار، فإن الحق لا يعرف بكثرة الفاعلين وإنما يعرف بالأدلة الشرعية، كما قال تعالى عن اليهود والنصارى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٣). الآية.
следующие страницы →