﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١)، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢)، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (٣).
وأشار رسول الله ﷺ إلى عموم بعثته وعالمية دعوته فقال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض طيبة وطهورا ومسجدا، فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان، ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة (٤)».
وقال ﵊: «فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون (٥)».
стр. 9277
خاتم النبيين:
ومن ثم كان محمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين، وكانت
стр. 9278
رسالته خاتمة الرسالات جميعا: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (١).
ويصور الرسول الكريم ﷺ ختم رسالته للرسالات السابقة، وكيف أتم البناء الذي تعاقبت عليه رسل الله الكرام، فيقول: «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بيتا، فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين (٢)».
стр. 9279
و دعوته ناسخة للرسالات السابقة:
وإذا كان محمد ﷺ قد أرسل من عند الله تعالى بدين بلغ ذروة الكمال الذي لا كمال بعده، وتوجه الخطاب فيه للعالمين كافة، وختم الله به الرسالات، فإن النتيجة المنطقية اللازمة لهذا الكمال ولتمام النعمة أنه تنقطع صلة الإنسانية عن سائر الرسالات والنبوات السابقة في طاعتها واتباعها - مع الإيمان بأصولها المنزلة - لا بما آلت إليه بعد التحريف على يد الأتباع.
فكل ما جاء به الأنبياء السابقون وعرضوه على الإنسانية ودعوها إلى اتباعه، قد نسخ برسالة محمد ﷺ ، وما من شك أن الإيمان بنبوتهم وصدق دعوتهم على وجه الإجمال لازم لا بد منه، إذ ما كانوا إلا دعاة
стр. 9280
إلى الإسلام، وما التصديق بدعوتهم إلا تصديق بالإسلام ولكن مع ذلك فقد انقطعت عنهم صلة الإنسانية في طاعتها واتباعها فعلا، وإنما ارتبطت برسالة محمد ﷺ وتعليمه وأسوته الحسنة، لأن الذي يقتضيه المبدأ:
أولا: أن لا تعود الإنسانية بحاجة إلى الناقص بعد أن جاءها الكامل.
وثانيا: أنه قد لعبت يد التحريف والإهمال بسيرة وتعاليم الأنبياء السابقين مما لم يعد من الممكن لأجله أن تتبعهم الإنسانية فعلا.
ومن هنا، فإن القرآن الكريم حيثما يأمر بطاعة الرسول واتباع أحكامه وأوامره، لا يأتي بكلمة (الرسول) و (النبي) إلا معرفتين بالألف واللام؛ لتكونا خاصتين بمحمد ﷺ .
يقول الله تعالى مثلا: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١). ويقول: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٢). ويقول أيضا: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٣).
стр. 9281
و القرآن الكريم مهيمن على الكتب السابقة:
وكذلك فإن القرآن الكريم قد جعله الله تعالى مهيمنا على ما سبقه
стр. 9282
من الكتب السماوية، وهو كلمة الله الأخيرة لهذه البشرية، التي يجب أن يفيء إليها الناس كلهم حتى يكونوا مؤمنين، ومن ثم فكل اختلاف يجب أن يرد إلى هذا الكتاب ليفصل فيه، سواء كان هذا الاختلاف في التصور الاعتقادي بين أصحاب الديانات السماوية، أو في الشريعة التي جاء هذا الكتاب بصورتها الأخيرة، أو كان هذا الاختلاف بين المسلمين أنفسهم، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (١).
وكما استعمل الله تعالى كلمتي (الرسول) و (النبي) معرفتين عند الأمر بطاعتهما، لتكون خاصة بمحمد ﷺ ودالة على كماله، كذلك جاء لفظ (الكتاب) في هذه الآية للدلالة على القرآن الكريم الدلالة نفسها، فهو الكتاب الكامل الجدير بأن يسمى كتابا، وأن ينصرف إليه معنى الكتاب الإلهي الكامل الصادق عند الإطلاق، لحيازته جميع الأوصاف الكمالية لجنس الكتاب السماوي، وتفوقه على بقية أفراده، بعد أن استعمل في الآيات السابقة لهذه الآية لفظ التوراة والإنجيل للكتابين اللذين أنزلهما الله على موسى وعيسى ﵉ (٢).
стр. 9283
معنى هيمنة القرآن على ما سبقه:
وقد تنوعت عبارات المفسرين من السلف ومن بعدهم رحمهم الله تعالى في التعبير عن معنى هذه الهيمنة، فقالوا:
مهيمنا: أي مؤتمنا وشاهدا ورقيبا، وحاكما وقاضيا، ودالا ومصدقا، فالقرآن الكريم أمين على كل كتاب قبله، في أصله المنزل
стр. 9284
وهو بهذا حافظ لهذا الأصل لأنه يبين ما طرأ عليه من انحراف وما وافقه من الكتب المتداولة فهو حق، ويجوز أن تكون نسبته إلى الله تعالى صحيحة، وما خالفه وناقضه فهو باطل، ولا تكون نسبته إلى الله تعالى صحيحة، ويكون قد طرأ على الكتاب الذي فيه تلك المخالفة والتناقض تبديل وتحريف. وما جاء في القرآن الكريم، ولم يكن في الكتب المتداولة في أيديهم، المنسوبة إلى الله تعالى، فيكون ما جاء في القرآن هو الحق.
والقرآن الكريم شاهد على ما في تلك الكتب، يشهد لأصولها المنزلة بالصدق، ويشهد عليها وعلى أصحابها بما وقعوا فيه من نسيان حظ عظيم وإضاعته، وتحريف كثير مما بقي وتأويله، والإعراض عن العمل بها، كما نصت على ذلك آيات كثيرة في القرآن الكريم، وستأتي إشارات لذلك.
والقرآن الكريم رقيب على سائر الكتب السماوية المحفوظة عن التغيير، حيث يشهد لها بالصحة والثبات، ويقرر أصول شرائعها وما يتأبد من فروعها، ويعين أحكامها المنسوخة ببيان انتهاء مشروعيتها المستفادة من تلك الكتب وانقضاء وقت العمل بها.
ولا ريب في أن تمييز أحكامها الباقية على المشروعية أبدا عما انتهى وقت مشروعيته وخرج عنها من أحكام: هو معنى من معاني الهيمنة
стр. 9285
عليها فالقرآن حاكم على ما في تلك الكتب وقائم عليها وقاض عليها بالحق.
وهذه الأقوال في معنى الهيمنة متقاربة المعنى، فإن اسم المهيمن يتضمن هذا كله، فهو أمين وشاهد وحاكم على كل كتاب قبله، جعل الله تعالى هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها وأشملها وأعظمها وأكملها، حيث جمع فيه محاسن ما قبله، وزاده من الكمالات ما ليس في غيره، وهو الكتاب الذي لا ينسخ ولا يغير، ولهذا جعله الله تعالى شاهدا وأمينا وحاكما على ما سبقه من الكتب، وتكفل - سبحانه - بحفظه، وإذا كان بهذه المثابة، كانت شهادته على التوراة والإنجيل والزبور وسائر الكتب المنزلة: حقا وصدقا (١).
стр. 9286
وجوه هذه الهيمنة:
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فالسلف كلهم متفقون على أن القرآن هو المهيمن، المؤتمن الشاهد على ما بين يديه من الكتب، ومعلوم أن المهيمن على الشيء أعلى منه مرتبة. ومن أسماء الله تعالى (المهيمن)، ويسمى الحاكم على الناس، القائم بأمورهم (المهيمن). وقال بعض أهل اللغة: الهيمنة، القيام على الشيء والرعاية له، وأنشد:
стр. 9287
ألا إن خير الناس بعد نبيهم ... مهيمنه التاليه في العرف والنكر
يريد: القائم على الناس بالرعاية لهم.
وهكذا القرآن، فإنه:
أ- قرر ما في الكتب المتقدمة من الخبر عن الله وعن اليوم الآخر وزاد ذلك بيانا وتفصيلا.
ب- وبين الأدلة والبراهين على ذلك.
ج- وقرر نبوة الأنبياء كلهم ورسالة المرسلين.
د- وقرر الشرائع الكلية التي بعثت بها الرسل.
هـ- وجادل المكذبين بالكتب والرسل، جادلهم بأنواع الحجج والبراهين.
ووبين عقوبات الله لهم، ونصره لأهل الكتب المتبعين لها.
ز - وبين ما حرف منه وبدل، وما فعله أهل الكتاب في الكتب المتقدمة، وبين أيضا ما كتموه مما أمر الله ببيانه، وكل ما جاءت به النبوات بأحسن الشرائع والمناهج التي نزل بها القرآن، فصارت له الهيمنة على ما بين يديه من الكتب من وجوه متعددة.
فهو شاهد بصدقها، وشاهد بكذب ما حرف منها، وهو حاكم بإقراره ما أقره الله، ونسخ ما نسخه، فهو شاهد في الخبريات، حاكم في الأمريات.
وكذلك معنى (الشهادة) و (الحكم) يتضمن إثبات ما أثبته الله من صدق ومحكم، وإبطال ما أبطله من كذب ومنسوخ، وليس الإنجيل مع التوراة ولا الزبور بهذه المثابة، بل هي متبعة لشريعة التوراة إلا يسيرا
стр. 9288
مما نسخه الله بالإنجيل، بخلاف القرآن. ثم إنه معجز في نفسه، لا يقدر الخلائق أن يأتوا بمثله، ففيه دعوة الرسول، وهو آية الرسول وبرهانه على صدقه ونبوته، وفيه ما جاء به الرسول، وهو نفسه برهان على ما جاء به.
ولهذا لم تحتج الأمة مع رسولها وكتابها إلى نبي آخر وكتاب آخر، فضلا عن أن تحتاج إلى شيء - لا يستقل بنفسه - غيره (١).
стр. 9289
ليظهره على الدين كله:
وقد أخبر الله سبحانه ووعد بإظهار هذا الدين على سائر الأديان، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (١). فالله تعالى يعلي هذا الدين ويرفع شأنه على جميع الأديان بالحجة والبرهان والهداية والعرفان، والعلم والعمران، وكذا السيادة والسلطان، ولم يكن لدين من الأديان مثل هذا التأثير الروحي والقعلي والمادي والاجتماعي والسياسي إلا للإسلام (٢). ولقد صح عن النبي ﵊ الوعد بإظهار الدين ونصره والتمكين لأهله (٣)، وقد تحقق هذا الوعد الصادق بإذن الله.
стр. 9290
دعوة أهل الكتاب للإيمان بمحمد:
ولأجل هذا فإن الله تعالى يأمر بالإيمان بمحمد ﷺ ، وطاعته
تهديد ووعيد . . .
ثم يأتي التهديد والوعيد الشديد لمن يعرض منهم عن الإيمان بما نزل الله تعالى على محمد ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (١).
وتأتي سورة البينة لتقرر ما كان عليه أهل الكتاب والمشركون الذين كفروا برسالة محمد ﷺ من الانحراف عن دين الله ومنهجه، وتقرر
стр. 9293
أنهم يعلقون تحولهم وانفكاكهم عما هم عليه من الانحراف والكفر على بينة واضحة، هي بعثة نبي جديد، تكون سبب هدايتهم وتحويلهم عما هم عليه من ضلال وانحراف. ولكن عندما جاءتهم الهداية ممثلة بالكتاب المنزل؛ القرآن الكريم، والنبي المرسل محمد ﷺ كفروا بهما، فاستمروا على كفرهم وانحرافهم، واستحقوا أن يدفعهم القرآن الكريم بأنهم: ﴿هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ (١) ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ (٢).
وجاءت أحاديث النبي ﷺ تبين هذا المعنى، وتوجب على كل من يسمع به أن يؤمن به ويتبعه ويترك ما كان من شريعة سابقة انتهى العمل بها بعد مجيء محمد خاتم الأنبياء ﵊، فقال ﷺ : «والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة - يهودي أونصراني - ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار (٣)».
ودخل عمر بن الخطاب ﵁ يوما على النبي ﷺ بكتاب فيه مواعظ من التوراة، فقال: هذه كنت أصبتها مع رجل من أهل الكتاب. فقال: فاعرضها علي. فعرضتها، فتغير وجهه تغيرا شديدا، ثم قال: «لو نزل موسى فاتبعتموه وتركتموني لضللتم، أنا حظكم من النبيين وأنتم حظي من الأمم (٤)».
стр. 9294
ومؤمن أهل الكتاب الذي يتبع محمدا ﷺ له أجره مرتين، فعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب، آمن بنبيه وأدرك النبي ﷺ ، فآمن به واتبعه وصدقه، فله أجران، وعبد مملوك أدى حق الله تعالى وحق سيده، فله أجران، ورجل كانت له أمة فغذاها فأحسن غذاءها ثم أدبها فأحسن أدبها، ثم أعتقها وتزوجها، فله أجران (١)».
وعندما ينزل عيسى ﵇ في آخر الزمان بين يدي الساعة، ينزل حاكما بشريعة محمد ﷺ ، فما عذر أهل الكتاب في عدم إيمانهم به واتباعهم له ﷺ ؟ فعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية (٣)».
стр. 9295
مواقف إيجابية حكاها القرآن الكريم:
ولكن فريقا من أهل الكتاب، من الذين فتح الله قلوبهم للحق والإيمان، وأبصارهم للهدى والنور، فأدركوا حقيقة الدعوة التي
стр. 9296
انتظروها والنبي الذي كانوا يستفتحون به، هذا الفريق قد آمن فعلا بمحمد ﷺ واتبعه، ولم لا يؤمنون وقد قامت الأدلة كلها على صدق هذا النبي، بعد أن بشرت به كتبهم ورأوا أعلام نبوته ﷺ وقد حكى الله تعالى ذلك وسجله فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ (١) ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ (٢) ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ (٤) ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ (٥) ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٦) ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ (٧)، ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٨). . . إلخ آيات كثيرة في هذا المعنى، وسيأتي بعضها أيضا في مناسبات أخرى.
وحفظها الواقع التاريخي:
ويحفظ لنا الواقع التاريخي تصديق ذلك، بإسلام أكثر أهل العقول والأحلام والعلوم ممن لا يحصيهم إلا الله، من أولئك الذين عرفوا الحق
стр. 9297
من أهل الكتاب، فرقعة الإسلام إنما انتشرت في الشرق والغرب بإسلام أكثر الطوائف، فدخلوا في دين الله أفواجا، حتى صار الكفار معهم تحت المذلة والصغار، والذين أسلموا من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين أكثر من الذين لم يسلموا وإنما بقي منهم أقل القليل، وقد دخل في دين الله من ملوك الطوائف ورؤسائهم في حياة رسول الله ﷺ خلق كثير (١).
ونحن نجتزئ هنا بأمثلة من أولئك الرؤساء والمقدمين في دين النصرانية واليهودية، نشير إليها إشارات سريعة لتكون عنوانا ودليلا على ما سواها:
أ- فهذا النجاشي ملك النصارى على إقليم الحبشة في زمن النبي ﷺ ، لما تبين له أنه رسول الله آمن به، ودخل في دينه، وآوى أصحابه ومنعهم من أعدائهم، ولما مات أعلم رسول الله ﷺ أصحابه بالساعة التي توفي فيها، ثم خرج بهم إلى المصلى وصلى عليه، وقصته مشهورة ومعروفة.
ب- وعدي بن حاتم، كان من رؤساء النصارى الذين دخلوا في الإسلام لما تبين أنه الحق، وقد كان عدي رئيسا مطاعا في قومه يأخذ المرباع من غنائمهم، وقد وفد على النبي ﷺ ودخل في الإسلام.
стр. 9298
ج- وسلمان الفارسي: ﵁، كان قبل إسلامه من أعلم النصارى بدينهم؛ لأنه فر من دين المجوسية ولحق بنصارى الشام، وخالط كبار رجال النصرانية عن كثب، وعرف الصالح منهم ورجل السوء، حتى انتهى إلى آخر واحد في عمورية من رجال الدين النصراني، ولما حضر أمر الله أوصى سلمان فقال: يا بني ما أعلمه أصبح على مثل ما كنا عليه أحد من الناس آمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظلك زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم، يخرج بأرض العرب، مهاجره إلى أرض بين حرتين بينهما نخل به علامات لا تخفى، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل. وقد كان ذلك، وأدرك سلمان ﵁ نبوة محمد ﵇ وأسلم (١).
د- وكذلك: ابنا الجلندى: جيفر وعبد، ملكا عمان وما حولها من ملوك النصارى يومئذ، لما دعاهما النبي ﵊ إلى الإسلام، أسلما وصدقا النبي ﷺ (٢).
هـ - وكان هرقل، ملك الشام، أحد أكابر علمائهم بالنصرانية، قد عرف أن محمدا ﷺ رسول الله حقا، وعزم على الإسلام، فأبى عليه عباد الصليب، فخافهم على نفسه وضن بملكه مع علمه بأنه سينقل عنه إلى رسول الله ﷺ وأمته، وقصته معروفة مشهورة.
стр. 9299
ووكذلك كان ملك دين النصرانية بمصر - المقوقس - عرف أن محمدا ﷺ نبي صادق ولكن منعه من اتباعه أيضا ملكه، وأن عباد الصليب لا يتركون عبادة الصليب، وهو الذي قال فيه ﷺ : «ضن الخبيث بملكه ولا بقاء لملكه (١)».
ز - وقصة إسلام عبد الله بن سلام ﵁ معروفة مشهورة، وقد كان حبرا من أحبار يهود، وكان سيدهم وابن سيدهم، وعالمهم وابن عالمهم باعترافهم له بذلك وشهادتهم له.
ح - وتذكر كتب السيرة مقالة حيي بن أخطب، وقد سمع النبي ﷺ مقدمه من مكة إلى المدينة، وفيها أنه هو ﷺ النبي المنتظر وأنه يعرفه ويثبته، ولكن الحسد والحقد أمليا عليه موقف العداوة أبدا (٢).
ولما أسلم عبد الله بن سلام وثعلبة بن شعبة وأسد بن سعية وأسيد بن عبيد ومن أسلم من اليهود، فآمنوا وصدقوا، ورغبوا في الإسلام، قال من كفر من اليهود: ما آمن بمحمد ولا اتبعه إلا شرارنا، ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره. فأنزل الله في ذلك (٣):
стр. 9300
﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (١) ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٢).
وفي العصر الحديث:
وفي العصور الحديثة نجد أمثلة كثيرة على ذلك، من أولئك الذين يدخلون في دين الإسلام ولا يستكبرون عن عبادة الله، وهم من المقدمين في قومهم النصارى؛ فيهم علماء دينهم، ورجال الدولة والسياسة، وفيهم العلماء ورجال الفكر الثاقب، وفيهم الكتاب والأدباء والمصلحون والوعاظ ورجال الاجتماع وغيرهم.
стр. 9301
لا يتحقق إيمان اليهود والنصارى إلا بإيمانهم بمحمد ﵇:
ولا يتحقق أصلا إيمان اليهود والنصارى إلا بإيمانهم بمحمد ﷺ واتباعه في دينه الذي أنزله الله، وإلا فما هم بمؤمنين ولا مسلمين، فاليهود الذين آمنوا بموسى ﵇ وصدقوا بكتابه، أو آمنوا بالرسل قبله كانوا مسلمين لله حتى أنزل الله شريعة عيسى، فوجب عليهم - ليحققوا إيمانهم - أن يؤمنوا به ويتبعوه وينفكوا عن الشريعة السابقة، وكلاهما عند بعثة محمد ﷺ وجب عليهم ليكونوا مسلمين أن يؤمنوا بنبوة محمد ﷺ ورسالته، فإن لم يفعلوا فما هم بمؤمنين ولا مسلمين، وذلك أنهم أنكروا نبوة رسول من عند الله تعالى ورفضوا الإيمان برسالة أنزلها الله تعالى.
стр. 9302
الإيمان بمحمد ﷺ شرط للإيمان بنبوة الأنبياء جميعا:
فالإيمان بنبوة محمد ﷺ شرط للإيمان بنبوة الأنبياء جميعا ﵈، إذ لا يمكن الإيمان بنبي من الأنبياء أصلا مع جحود نبوة محمد رسول الله ﷺ ، ومن جحد نبوته فهو لنبوة غيره من الأنبياء أشد جحدا. وهذا يتبين بوجوه:
الوجه الأول: أن الأنبياء المتقدمين بشروا بنبوته، وأمروا أممهم بالإيمان به، فمن جحد نبوته فقد كذب الأنبياء قبله فيما أخبروا به، وخالفهم فيما أمروا وأوصوا به من الإيمان به. والتصديق به لازم من لوازم التصديق بهم، وإذا انتفى اللازم انتفى ملزومه قطعا، وبيان الملازمة هي الوجوه الكثيرة التي تلي هذا مباشرة، وهي تفيد بمجموعها القطع على أنه ﷺ قد ذكر في الكتب الإلهية على ألسن الأنبياء.
الوجه الثاني: أن دعوة محمد ﷺ هي دعوة جميع المرسلين قبله، من أولهم إلى آخرهم، فالمكذب بدعوته مكذب بدعوة إخوانه كلهم، وهذا التكذيب كفر، فوجب الإيمان بدعوته ﵇ واتباعه.
الوجه الثالث: أن الآيات والبراهين التي دلت على صحة نبوته وصدقه ﵊ أضعاف أضعاف آيات من قبله من الرسل، فليس لنبي من الأنبياء آية توجب الإيمان به إلا ولمحمد ﷺ مثلها أو ما هو في الدلالة مثلها، وإن لم يكن من جنسها، فآيات نبوته ﵊ أعظم وأكبر، والعلم بنقلها قطعي، لقرب العهد وكثرة النقلة واختلاف أمصارهم وأعصارهم واستحالة تواطئهم على
стр. 9303
الكذب، فالعلم بآيات نبوته كالعلم بنفس وجوده وظهوره، فإذا جاز القدح في ذلك كله، فالقدح في وجود عيسى وموسى وآيات نبوتهما أشد جوازا، وإن امتنع القدح فيهما وفي آيات نبوتهما فامتناعه في محمد ﷺ وآيات نبوته أشد (١).
стр. 9304
و لو لم يظهر محمد لبطلت نبوة الأنبياء:
ولو لم يظهر محمد ﷺ لبطلت نبوة سائر الأنبياء، فظهور نبوته تصديق لنبواتهم وشهادة لها بالصدق، فإرساله من آيات الأنبياء قبله، وقد أشار الله سبحانه إلى هذا المعنى بعينه في قوله: ﴿جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١)، فإن المرسلين بشروا به وأخبروا بمجيئة، فمجيئه هو نفس صدق خبرهم، فكان مجيئه تصديقا لهم، إذ هو تأويل ما أخبروا به، ولا تنافي بين هذا وبين القول الآخر: إن تصديقه المرسلين شهادته بصدقهم وإيمانه بهم، فإنه صدقهم بقوله ومجيئه، فشهد بصدقهم بنفس مجيئه، وشهد بصدقهم بقوله، ومثل هذا قول المسيح فيما حكاه الله تعالى في القرآن الكريم عنه: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (٢). فإن التوراة لما بشرت به وبنبوته كان نفس ظهوره تصديقا لها، ثم بشر برسول يأتي من بعده، فكان ظهور الرسول المبشر به تصديقا له، كما كان ظهوره تصديقا للتوراة، فعادة الله في رسله أن السابق يبشر باللاحق، واللاحق يصدق السابق، فلو لم يظهر محمد بن عبد الله ﷺ ولم يبعث لبطلت نبوة الأنبياء قبله (٣)
стр. 9305
عهد وميثاق
ومن حكمة الله سبحانه أنه ما بعث نبيا إلا وقد أخذ عليه وعلى أتباعه العهد أن يؤمنوا بالنبي الذي يأتي بعده ويصدقوه وينصروه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (١) ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢). فقد أخبر الله تعالى أنه أخذ الميثاق من أنبيائه بتصديق بعضهم بعضا، وأخذ الأنبياء على أممهم وأتباعهم الميثاق بنحو الذي أخذ عليها ربها من تصديق أنبياء الله ورسله بما جاءتها به، لأن الأنيباء ﵈ أرسلوا بذلك إلى أممهم، ولم يدع أحد ممن صدق المرسلين أن نبيا أرسل إلى أمة بتكذيب أحد من أنبياء الله وحججه في عباده، بل كلها - وإن كذب بعض الأمم بعض أنبياء الله بجحودها نبوته - مقرة بأن من ثبتت صحة نبوته فعليها الدينونة بتصديقه، فذلك ميثاق مقر به جميعهم (٣).
آتى الله أحدهم من كتاب وحكمة وبلغ أي مبلغ، ثم جاء رسول من بعده لا بد أن يؤمن به ولينصره، ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنبوة من اتباع من بعث بعده ونصرته، وها قد بعث الله تعالى محمدا ﷺ ، وجاء مصدقا لما بين يديه من الكتاب وقد أخذ الله
стр. 9306
الميثاق والعهد على أهل الكتاب أن يؤمنوا به، فوجب الوفاء بذلك الميثاق والعهد، واكتفى - سبحانه - بذكر الأنبياء في الآية لأن العهد على المتبوعين عهد على الأتباع، ولأنه إذا وجب على الأنبياء الإيمان به ونصره فوجوب ذلك على من اتبعهم أولى وأحرى.
وهذا هو معنى ما روي عن علي بن أبي طالب وابن عباس ﵄ حيث قالا: ما بعث الله نبيا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بعث الله محمدا وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته: لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه.
стр. 9307
بشارات الكتب السابقة بنبوة محمد ﵊:
وليس لأهل الكتاب أي عذر في عدم إيمانهم بمحمد ﷺ ، وقد بشرت كتبهم بنبوته وأشارت إلى ذلك، نجد هذا حكاية عنهم في القرآن الكريم، ونجد له شاهدا من الواقع التاريخي منذ عهد الرسول ﷺ ، ويتفق هذا كله مع النصوص في كتبهم التي يعتمدون هم عليها، سواء في العهد القديم أوالجديد. وإليك شيئا من البيان لذلك كله:
حكى الله تعالى ذلك في القرآن الكريم:
أما القرآن الكريم، فقد حكى الله تعالى أن التوراة والإنجيل قد احتوى كل منهما على إشارات إلى بعثة محمد ﷺ ونبوته وصفته وصفة
стр. 9308
أصحابه. فقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١). ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٢). ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٣).
وهم يعلمون صدقه ﵊ وصدق الكتاب الذي أنزل عليه، فترى علماءهم الصادقين يقرون بذلك، وإنهم ليعلمون أنه الحق من ربهم فيصدقونه، وإذا تلا عليهم الآيات تراهم يخرون للأذقان سجدا: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٤). ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ (٥) ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ (٦) ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (٧).
وهذه صفته ﵊ وصفة أصحابه عندهم في كتبهم، كما حكاها الله تعالى في القرآن الكريم:
стр. 9309
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١).
وحكى الله تعالى بشارة عيسى ﵇ بمحمد ﷺ فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (٢).
وتجمعت هذه الشواهد كلها لتعطي أهل الكتاب علما يقينيا بمعرفة نبوته ﷺ : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٣).
ولكن فريقا منهم يكتمون هذا الحق والعلم اليقيني مع علمهم بأنه حق، وفي هذا ما فيه من البشاعة والجحود، فقال الله تعالى عنهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٤).
وبعد شهادة الله تعالى ليس هناك شهادة، فهو سبحانه أصدق القائلين وخير الشاهدين.
стр. 9310
ولهذه البشارات شواهد سجلها التاريخ:
ولتقوم الحجة على أهل الكتاب أكثر نستدعي شهودا منهم، وهم أولئك الذين سجل التاريخ شهاداتهم واعترافاتهم بأنهم ينتظرون نبيا سوف يبعثه الله، وقد بشرت به كتبهم، فقد سبقت آنفا الإشارة إلى عدد من رؤساء النصارى الذين أسلموا في حياة الرسول ﵊ لما بلغتهم دعوته، لأنهم عرفوها أولا وعرفوا نبيها من كتبهم التي بشرت به، فما كانوا يرجمون الغيب، بل يعترفون بحق وجدوه مجسدا في كتبهم:
فهذا إمبراطور الروم يكتب إلى النبي ﷺ في جوابه لكتاب النبي الذي يدعوه فيه إلى الإسلام: " وإني أشهد أنك رسول الله، نجدك عندنا في الإنجيل، بشرنا بك عيسى ابن مريم ". وفي كتاب آخر يقول: " قد كنت أعلم أنه خارج، ولكن لم أظنه منكم، ولو أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه " (١).
وهذه الحجة يقيمها المسلمون على النجاشي من الإنجيل، فلا يعترض على ذلك ولا يرده، فقد قال له عمرو: ". . . وقد أخذنا الحجة عليك من فيك، الإنجيل بيننا وبينك شاهد لا يرد وقاض لا يجور، وفي ذلك موقع الحز وإصابة المفصل، وإلا فأنت في هذا النبي كاليهود في عيسى ابن مريم ". فقال النجاشي: أشهد بالله إنه للنبي الأمي الذي ينتظره أهل الكتاب، وإن بشارة موسى براكب الحمار كبشارة عيسى براكب الجمل، وإن العيان ليس بأشفى من الخبر " (٢).
стр. 9311
وهذا المقوقس عظيم القبط في مصر يقول في كتابه للرسول ﷺ : وقد علمت أن نبيا قد بقي وكنت أظن أنه يخرج بالشام (١). فما الذي أعلمه بذلك؟ هل كان يرجم الغيب ويتبع الظنون والأوهام؟
وهذا (مري) حاجب الحارث بن أبي شمر الغساني يقول لشجاع بن وهب ﵁: " إني قرأت في الإنجيل، وأجد صفة هذا النبي بعينه، فكنت أراه يخرج بالشام، فأراه قد يخرج بأرض العرب. وهذه الشهادة صريحة في أنه وجد صفة النبي بعينه في الإنجيل.
وذاك رجل الدين النصراني في عمورية الذي لازمه سلمان بوصية من سلفه الذي هو على دينه، يقول عندما حضرته الوفاة: " ولكنه قد أظلك زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب، مهاجره إلى أرض بين حرتين فيهما نخل، به علامات لا تخفى، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة.
وخالدة بنت الحارث اليهودية عمة عبد الله بن سلام تقول له وتسأله لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة: يا ابن أخي أهو النبي الذي كنا نبشر به أنه يبعث مع نفس الساعة؟ قال: فقلت لها: نعم، ثم أسلمت. فقولها: نبشر به، دليل على أن هناك بشارة، فمن أين جاءت إن لم تكن في كتبهم يعرفها علماؤهم؟
وذاك أيضا أبو ياسر بن أخطب يقول لقومه بعد أن سمع من النبي وحادثه: يا قوم أطيعوني، فإن الله قد جاءكم بالذي كنتم تنتظرون، فاتبعوه ولا تخالفوه.
стр. 9312
فهذه شهادتهم القولية، وتلك شهادتهم الواقعية، اتفقتا معا على تأكيد ما نجد من إشارات إلى بعثته ﵊ في كتبهم التي بين أيديهم اليوم رغم كل ما أصابها من تحريف وتزوير، ورغم الكتمان لكثير منها.
стр. 9313
ملاحظات بين يدي البشارات:
ونحن نجتزئ من هذه البشارات ببعضها - ليكون ذلك عنوانا على غيرها - ونقدم بين يدي هذه البشارات بعض الملاحظات المتعلقة بهذه البشارات وطبيعتها وتفسيرها:
١ - مع إيماننا بأن ما بين أيدي أهل الكتاب من اليهود والنصارى من الكتب ليس هو الكتاب الذي أنزله الله تعالى وحيا على موسى وعيسى ﵉، ورغم ما وقع فيهما على أيدي الأتباع من كتمان وتحريف، فهم يلبسون الحق بالباطل ويخلطونه به بحيث لا يتميز الحق من الباطل، ويكتمون الحق ويخفونه ويحرفون الكلم عن مواضعه لفظا ومعنى، ويلوون ألسنتهم بالكتاب ليلبسوا على السامعين اللفظ المنزل بغيره، رغم هذا كله فإن إشارات كثيرة لا تزال بين طيات هذه الكتب، تحمل النبوءات والبشارات بنبوة محمد ﷺ ، وكأن الله تعالى أبقاها ليخزيهم ويظهر ما هم عليه من باطل ولتقوم عليهم الحجة من كتبهم التي يقدسونها، ولما كثرت هذه البشارات وما استطاعوا كتمانها كلها
стр. 9314
أخذوا يحرفون فيها ويؤولون تأويلات باردة ليصرفوها عن معناها الحقيقي الدال على نبوة محمد ﷺ وليجعلوا بعضها خاصا بعيسى ﵇!
٢ - هذه البشارات على نوعين:
منها ما يكون إشارات مجملة -غالبا- ولا تنطق باسمه ﷺ واسم بلده مثلا، بل تذكر صفته ونعته ونعت أمته ومخرجه، وشيئا من صفات دعوته ورسالته وثمراتها، ويكون في هذا أبلغ دلالة على المطلوب من ذكره باسمه الصريح، فإن الاشتراك قد يقع في الاسم فلا يحصل به التعريف والتمييز، ولا يشاء أحد، يسمى بهذا الاسم، أن يدعي أنه هو إلا فعل، إذ الحوالة إنما وقعت على مجرد الاسم، وإن كان هذا الإخبار مجملا غير واضح عند العوام من الناس فإنه يصير عند الخواص جليا بواسطة القرائن التي تحف به وقد يبقى خفيا عليهم أيضا لا يعرفون مصداقة إلا بعد ادعاء النبي اللاحق أن النبي المتقدم أخبر عنه صدق ادعائه بظهور علامات النبوة والمعجزات على يديه.
ومن هذه البشارات ما يكون تفصيلا تاما بالاسم الصريح للنبي وبلده. . . إلخ، وهذا يتفق مع ما حكاه الله تعالى على لسان بعض أنبيائه في القرآن الكريم من البشارة بمحمد ﷺ ، وسيأتي أمثلة على كلا النوعين إن شاء الله تعالى.
٣ - قد يدعي بعض أهل الكتاب أنهم ما كانوا ينتظرون نبيا آخر غير عيسى وإيلياء، ولذلك - بزعمهم - لا تنطبق البشارات على محمد ﵊، إذ عيسى عندهم خاتم الأنبياء، وهذا زعم باطل وادعاء لا أصل له، بل كانوا ينتظرون نبيا جديدا غيرهما، يدل على ذلك ما جاء في إنجيل يوحنا: " وهذه هي شهادة يوحنا حين أرسل
стр. 9315
اليهود من أورشليم كهنة ولاويين ليسألوه: من أنت؟ فاعترف ولم ينكر، واعترف: إني لست أنا المسيح، فسألوه: إذن ماذا، أإيليا أنت؟ فقال: لست إياه. فسألوه: أنت النبي؟ فأجاب: كلا. فقالوا له: من أنت؟ لنعطي جوابا للذين أرسلونا، ماذا تقول عن نفسك؟ قال: أنا صوت صارخ في البرية، قوموا طريق الرب كما قال أشعياء النبي " (١).
فعلماء اليهود المعاصرين لعيسى ﵇ سألوا يحيى ﵇: أولا هل أنت المسيح؟ ولما أنكر سألوه: أنت إيلياء؟ ولما أنكر سألوه: أنت النبي؟ أي النبي المعهود الذي أخبر به موسى، فعلم أن هذا النبي كان منتظرا قبل المسيح وإيلياء، وكان مشهورا بحيث لم يكن محتاجا إلى ذكر الاسم، بل الإشارة إليه كافية.
وإذا كانوا ينتظرون نبيا آخر غير عيسى وإيلياء، فيعلم من هذا قطعا أن عيسى ﵇ ليس خاتم الأنبياء، ثم إنهم يعترفون بنبوة الحورايين وبولس، بل بنبوة غيرهم أيضا، فكيف يكون عيسى خاتم الأنبياء بزعمهم (٢).
٤ - الأخبار والبشارات التي نقلها المسيحيون في حق عيسى ﵇، لا تصدق عليه بناء على تفاسير اليهود وتأويلاتهم لها، ولذلك فهم ينكرونه أشد الإنكار، وعلماء المسيحية لا يلتفتون إلى تفسيرات اليهود في هذا الشأن وتأويلاتهم، ويفسرونها بحيث تصدق على عيسى ﵇، ولئن كانت هذه التأويلات بنظر المسيحيين غير صحيحة