← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 9801–9840 · переход к 9806.

стр. 9801

مسكرا، وإنما كان الذي تنازع فيه الصحابة هو ما نبذ في الأوعية الصلبة، «فإن النبي ﷺ نهى عن الانتباذ في الدباء -وهو القرع - وفي الحنتم -وهو ما يصنع من التراب من الفخار- ونهى عن النقير -وهو الخشب الذي ينقر- ونهى عن المزفت -وهو الظرف المزفت- وأمرهم أن ينتبذوا في الظروف الموكاة (١)» وهو أن ينقع التمر أو الزبيب في الماء حتى يحلو، فيشرب حلوا قبل أن يشتد، فهذا حلال باتفاق المسلمين. ونهاهم أن ينتبذوا هذا النبيذ الحلال في تلك الأوعية؛ لأن الشدة تدب في الشراب شيئا فشيئا، فيشربه المسلم وهو لا يدري أنه قد اشتد فيكون قد شرب محرما، وأمرهم أن ينتبذوا في الظرف الذي يربطون فمه؛ لأنه إن اشتد الشراب انشق الظرف فلا يشربون مسكرا. والنهي عن " نبيذ الأوعية القوية " فيه أحاديث كثيرة مستفيضة، ثم روي عنه إباحة ذلك، كما في صحيح مسلم، عن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله ﷺ : «كنت نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم، فاشربوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا - مسكرا (٢)» وفي رواية: «نهيتكم عن الظروف، وإن ظرفا لا يحل شيئا ولا يحرمه، وكل مسكر حرام (٣)»، فمن الصحابة والتابعين من لم يثبت عنده النسخ فأخذ بالأحاديث الأول. ومنهم من اعتقد صحة النسخ فأباح الانتباذ في كل وعاء، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي. والنهي عن بعض الأوعية قول مالك. وعن أحمد روايتان. فلما سمع طائفة من علماء الكوفة أن من السلف من شرب النبيذ ظنوا أنهم شربوا المسكر: فقال طائفة منهم: الشافعي، والنخعي وأبي حنيفة، وشريك وابن أبي ليلى، وغيرهم يحل ذلك، كما تقدم وهم في ذلك مجتهدون، قاصدون للحق، وقد قال النبي ﷺ : «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر (٤)».

стр. 9802

وأما سائر العلماء فقالوا بتلك الأحاديث الصحيحة. وهذا هو الثابت عن الصحابة وعليه دل القياس الجلي؛ فإن الله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (١) فإن المفسدة التي لأجلها حرم الله الخمر، هي أنها تصد عن ذكر الله، وعن الصلاة وتوقع العداوة والبغضاء. وهذا أمر تشترك فيه جميع المسكرات، لا فرق في ذلك بين مسكر ومسكر، والله حرم القليل؛ لأنه يدعو إلى الكثير، وهذا موجود في جميع المسكرات. إلى أن قال: وأما الحشيشة الملعونة المسكرة: فهي بمنزلة غيرها من المسكرات، والمسكر منها حرام باتفاق العلماء، بل كل ما يزيل العقل فإنه يحرم أكله ولو لم يكن مسكرا: كالبنج، فإن المسكر يجب فيه الحد، وغير المسكر يجب فيه التعزير. وأما قليل الحشيشة المسكرة فحرام عند جماهير العلماء، كسائر القليل من المسكرات، وقول النبي ﷺ : «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام (٢)» يتناول ما يسكر، ولا فرق بين أن يكون المسكر مأكولا، أو مشروبا، أو جامدا أو مائعا فلو اصطبغ الخمر كان حراما، ولو أماع الحشيشة وشربها كان حراما، ونبينا ﷺ بعث بجوامع الكلم، فإذا قال كلمة جامعة كانت عامة في كل ما يدخل في لفظها ومعناها، سواء كانت الأعيان موجودة في زمانه أو مكانه أو لم تكن. . إلى أن قال: وهذه الحشيشة فإن أول ما بلغنا أنها ظهرت بين المسلمين في أواخر المائة السادسة وأوائل السابعة، حيث ظهرت دولة التتر، وكان ظهورها مع ظهور سيف جنكيزخان لما أظهر الناس ما نهاهم الله ورسوله عنه من الذنوب سلط الله عليهم العدو، وكانت هذه الحشيشة الملعونة من أعظم

стр. 9803

المسكرات، وهي شر من الشراب المسكر من بعض الوجوه، والمسكر شر منها من وجه آخر؛ فإنها مع أنها تسكر آكلها حتى يبقى مصطولا تورث التخنيث والديوثة وتفسد المزاج، فتجعل الكبير " كالإسفنجة " وتوجب كثرة الأكل، وتورث الجنون وكثير من الناس صار مجنونا بسبب أكلها. ومن الناس من يقول: إنها تغير العقل فلا تسكر كالبنج، وليس كذلك بل تورث نشوة ولذة وطربا كالخمر، وهذا هو الداعي إلى تناولها، وقليلها يدعو إلى كثيرها كالشراب المسكر، ولهذا قال الفقهاء: إنه يجب فيها الحد كما يجب في الخمر. وتنازعوا في نجاستها على ثلاثة أوجه في مذهب أحمد وغيره. فقيل: هي نجسة. وقيل: ليست بنجسة. وقيل: رطبها نجس كالخمر ويابسها ليس بنجس. والصحيح أن النجاسة تتناول الجميع. كما تتناول النجاسة جامد الخمر ومائعها. فمن سكر من شرب مسكر أو حشيشة مسكرة لم يحل له قربان المسجد حتى يصحو، ولا تصح صلاته حتى يعلم ما يقول، ولا بد أن يغسل فمه ويديه، وثيابه في هذا وهذا، والصلاة فرض عليه لكن لا تقبل منه حتى يتوب أربعين يوما كما قال النبي ﷺ : «من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يوما، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد فشربها لم تقبل له صلاة أربعين يوما، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد فشربها كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال. قيل: وما طينة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار. أو: عرق أهل النار (١)». وأما قول القائل: إن هذه ما فيها آية ولا حديث: فهذا من جهله؛ فإن القرآن والحديث فيهما كلمات جامعة هي قواعد عامة. وقضايا كلية تتناول كل ما دخل فيها، وكل ما دخل فيها فهو مذكور في القرآن والحديث باسمه العام، وإلا فلا يمكن ذكر كل شيء باسمه الخاص، فإن الله بعث محمدا ﷺ إلى جميع الخلق وقال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٢)،

стр. 9804

وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (٢) وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٣) فاسم الناس والعالمين يدخل فيها العرب وغير العرب من الفرس والروم والهند والبربر. فلو قال قائل: إن محمدا ما أرسل إلى الترك والهند والبربر؛ لأن الله لم يذكرهم في القرآن كان جاهلا، كما لو قال: إن الله لم يرسل إلى بني تميم وبني أسد وغطفان وغير ذلك من قبائل العرب؛ فإن الله لم يذكر هذه القبائل بأسمائها الخاصة، وكما لو قال: إن الله لم يرسله إلى أبي جهل وعتبة وشيبة وغيرهم من قريش؛ لأن الله لم يذكرهم بأسمائهم الخاصة في القرآن. وكذلك لما قال: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (٤). دخل في الميسر الذي لم تعرفه العرب ولم يعرفه النبي ﷺ كاللعب بالشطرنج وغيره بالعوض؛ فإنه حرام بإجماع المسلمين، وهو الميسر الذي حرمه الله، ولم يكن على عهد النبي ﷺ ، والنرد أيضا من الميسر الذي حرمه الله، وليس في القرآن ذكر النرد والشطرنج باسم خاص، بل لفظ الميسر يعمها وجمهور العلماء على أن النرد والشطرنج محرمان بعوض وغير عوض، وبعد أن ذكر نظائر أخرى من النصوص يعتمد على عمومها في الاستدلال بها على إثبات الحكم لكل ما اندرج تحته من الأفراد دون حاجة إلى تعينها قال: ولو قدر بأن اللفظ لم يتناوله، وكان في معنى ما في القرآن والسنة ألحق به بطريق الاعتبار والقياس، كما دخل اليهود والنصارى والفرس في عموم الآية، ودخلت المسكرات في معنى خمر العنب، وأنه بعث محمدا ﷺ بالكتاب

стр. 9805

والميزان ليقوم الناس بالقسط، والكتاب القرآن، والميزان العدل، والقياس الصحيح هو من العدل؛ لأنه لا يفرق بين المتماثلين بل سوى بينهما، فاستوت السيئات في المعنى الموجب للتحريم، لم يخص أحدها بالتحريم دون الآخر بل من العدل أن يسوي بينهما ولو لم يسو بينهما كان تناقضا، وحكم الله ورسوله منزه عن التناقض. ولو أن الطبيب حمى المريض عن شيء لما فيه من الضرر وأباحه له لخرج عن قانون الطب، والشرع طب القلوب، والأنبياء أطباء القلوب والأديان، ولا بد إذا أحل الشرع شيئا منه أن يخص هذا بما يفرق به وبينه وبين هذا، حتى يكون فيه معنى خاص بما حرمه دون ما أحله والله أعلم.

стр. 9806

وسئل رحمه الله تعالى عمن يأكل الحشيشة، ما يجب عليه؟ فأجاب: الحمد لله، هذه الحشيشة الصلبة حرام، سواء سكر منها أو لم يسكر، والسكر منها حرام باتفاق المسلمين، ومن استحل ذلك وزعم أنه حلال فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل مرتدا، لا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، وأما إن اعتقد ذلك قربة وقال: هي لقيمة الذكر والفكر، وتحرك العزم الساكن إلى أشرف الأماكن، وتنفع في الطريق، فهو أعظم وأكبر؛ فإن هذا من جنس دين النصارى الذين يتقربون بشرب الخمر، ومن جنس من يعتقد الفواحش قربة وطاعة، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) ومن كان يستحل ذلك جاهلا وقد سمع بعض الفقهاء يقول: حرموها من غير عقل ونقل وحرام تحريم غير الحرام فإنه ما يعرف الله ورسوله، وإنها محرمة، والسكر منها حرام بالإجماع. وإذا عرف ذلك ولم يقر بتحريم ذلك فإنه يكون كافرا مرتدا، كما تقدم، وكل ما يغيب العقل فإنه حرام وإن لم تحصل به نشوة ولا طرب، فإن تغيب

стр. 9807

العقل حرام بإجماع المسلمين. وأما تعاطي " البنج " الذي لم يسكر ولم يغيب العقل ففيه التعزير، وأما المحققون من الفقهاء فعلموا أنها مسكرة وإنما يتناولها الفجار؛ لما فيها من النشوة والطرب، فهي تجامع الشراب والمسكر في ذلك، والخمر توجب الحركة والخصومة، وهذه توجب الفتور والذلة، وفيها مع ذلك من فساد المزاج والعقل، وفتح باب الشهوة، وما توجده في الدياثة، مما هي من شر الشراب المسكر، وإنما حدثت في الناس بحدوث التتار " إلى أن قال (١): نعم يجب على آكلها حد شارب الخمر، هؤلاء القوم ضلال جهال عصاة لله ولرسوله، وكفى برجل جهلا أن يعرف بأن هذا الفعل محرم، وأنه معصية لله ولرسوله، ثم يقول: أنه تطيب له العبادة، وتصلح له حاله، ويح هذا القائل، أيظن أن الله ورسوله ﷺ حرم على الخلق ما ينفعهم، ويصلح لهم حالهم؟ نعم قد يكون في الشيء منفعة وفيه مضرة أكثر من منفعته فيحرمه الله ؛ لأن المضرة إذا كانت أكثر من المنفعة بقيت الزيادة مضرة محضة. وصار هذا الرجل كأنه قال لرجل: خذ مني هذا الدرهم وأعطني دينارا، فجهله يقول له: هو يعطيك درهما فخذه، والعقل يقول: إنما يحصل الدرهم بفوات الدينار، وهذا ضرر لا منفعة له بل جميع ما حرمه الله ورسوله إن ثبت فيه منفعة ما فلا بد أن يكون ضرره أكثر. فهذه " الحشيشة الملعونة " هي وآكلها ومستحلوها الموجبة لسخط الله وسخط رسوله وسخط عباده المؤمنين، المعرضة صاحبها لعقوبة الله، إذا كانت كما يقوله الضالون من أنها تجمع الهمة، وتدعو إلى العبادة، فإنها مشتملة على ضرر في دين المرء وعقله وخلقه وطبعه أضعاف ما فيها من خير، ولا خير فيها، ولكن هي تحلل الرطوبات، فتتصاعد الأبخرة إلى الدماغ، وتورث خيالات فاسدة، فيهون على المرء ما يفعله من عبادة،

стр. 9808

ويشغله بتلك التخيلات عن إضرار الناس، وهذه رشوة الشيطان يرشو بها المبطلين؛ ليطيعوه فيها، بمنزلة الفضة القليلة في الدرهم المغشوش، وكل منفعة تحصل بهذا السبب فإنها تنقلب مضرة في المال، ولا يبارك لصاحبها فيها، وإنما هذا نظير السكران بالخمر، فإنها تطيش عقله حتى يسخوا بماله، وبتشجيع على أقرانه، فيعتقد الغر أنها أورثته السخاء والشجاعة وهو جاهل، وإنما أورثته عدم العقل، ومن لا عقل له لا يعرف قدر النفس والمال، فيجود بجهله، لا عن عقل فيه. وكذلك هذه الحشيشة المسكرة إذا أضعفت العقل، وفتحت باب الخيال، تبقى العادة فيها مثل العبادات في الدين الباطل ودين النصارى، فإن الراهب تجده يجتهد في أنواع العبادة لا يفعلها المسلم الحنيف، فإن دينه باطل، والباطل خفيف، ولهذا تجود النفوس في السماع المحرم والعشرة المحرمة بالأموال وحسن الخلق مما لا تجود به في الحق، وما هذا بالذي يبيح تلك المحارم، أو يدعو المؤمن إلى فعله؛ لأن ذلك إنما كان لأن الطبع لما أخذ نصيبه من الحظ المحرم، ولم يبال بما بذله عوضا عن ذلك، وليس في هذا منفعة في دين المرء ولا دنياه، وإنما ذلك لذة ساعة، بمنزلة لذة الزاني حال الفعل، ولذة شفاء الغضب حال القتل، ولذة الخمر حال النشوة، ثم إذا صحا من ذلك وجد عمله باطلا وذنوبه محيطة به، وقد نقص عليه عقله ودينه وخلقه. وأين هؤلاء الضلال مما تورثه هذه الملعونة من قلة الغيرة، وزوال الحمية حتى يصير آكلها إما ديوثا وإما مأبونا، وإما كلاهما، وتفسد الأمزجة حتى جعلت خلقا كثيرا مجانين وتجعل الكبد بمنزلة الإسفنج، ومن لم يجن منهم فقد أعطته نقص العقل، ولو صحا منها فإنه لا بد أن يكون في عقله خبل، ثم إن كثيرها يسكر حتى يصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهي وإن كانت لا توجب قوة نفس صاحبها حتى يضارب ويشاتم، فكفى بالرجل شرا أنها تصده عن ذكر الله وعن الصلاة إذا سكر منها، وقليلها وإن لم

стр. 9809

يسكر فهو بمنزلة قليل الخمر، ثم إنها تورث من مهانة آكلها، ودناءة نفسه، وانفتاح شهوته ما لا يورثه الخمر، ففيها من المفاسد ما ليس في الخمر، وإن كانت في الخمر مفسدة ليست فيها وهي الحدة، فهي بالتحريم أولى من الخمر، ولأن ضرر آكل الحشيشة على نفسه أشد من ضرر الخمر، وضرر شارب الخمر على الناس أشد إلا أنه في هذه الأزمان لكثرة أكل الحشيشة صار الضرر الذي منها على الناس أعظم من الخمر، وإنما حرم الله المحارم؛ لأنها تضر أصحابها، وإلا فلو ضرت الناس ولم تضره لم يحرمها، إذ الحاسد يضره حال المحسود، ولم يحرم الله اكتساب المعالي لدفع تضرر الحاسد، هذا وقد قال رسول الله ﷺ : «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام (١)»، وهذه مسكرة، ولو لم يشملها لفظ بعينها لكان فيها مفاسد الخمر توجب تحريمها. اهـ. هذا وإن مسلك شيخ الإسلام هنا لمسلك فقهي إسلامي عظيم يعطي صورة من الصور التي تؤكد أنه رجل الإسلام والشريعة، وأنه غاص في أسرارها ووصل إلى أغوراها، ولقد رد ردا مسهبا يرجع إلى ما أوردنا من رعاية الإسلام في تشريعه للمصالح ودرء المفاسد، ولقد أفاض في بيان مفاسدها الفظيعة التي لا تدع مجالا لغير تحريمها، وإنها كانت كما تقدم تتنافي مع الضروريات الخمس التي ترعاها جميع الديانات، وقد لجأ إلى الاستدلال بالمصلحة ودرء المفسدة على تحريم المخدرات، بعد أن استدل على تحريمها بعموم نصوص الكتاب والسنة والاعتبار؛ لأن سائله يتذرع بخرافات يحتمي بها، فيقول: إن نشوتها تأمر المتعاطين بالعبادة، ولا تأمرهم بسوء ولا فاحشة فبين أن ذلك وهم، وأن مضارها لا تعادلها أي مصلحة تتوهم فيها، ولقد أحسن في بيان أنه ينطبق عليها قياس الأولوية على فرض أنه لا يشملها قول النبي ﷺ : «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام (٢)» بعد أن بين في فتاواه المختلفة أن النص يشملها؛ لأنها مسكرة وقياس الأولوية يعتد به الأصوليون، ويمثلون له بقياس الضرب على التأفيف في التحريم، واعتبار كل منهما عقوقا بالنسبة إلى

стр. 9810

الوالدين في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (١)، فلله در شيخ الإسلام، لقد انفعل في هذه الفتوى انفعالا يقتضيه فأقنع وأروى، ولقد أصاب في قوله فيها: إن قليلها كقليل الخمر؛ فإنه حق لأنه قل أن يتعاطى أحد شيئا من هذه المخدرات إلا اعتاده، والقليل يدعو إلى الكثير، ولا بد أن ننتفع بهذه النوعية في رد قول من أباح القليل من علماء المذاهب الأخرى، وسترى في هذا المقام انفعالا آخر للفقيه المحدث ابن حجر الهيثمي، وبالله التوفيق. هذه الفتاوى التي أفتى بها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ صريحة واضحة في حرمة هذه المخدرات حشيشها وغير حشيشها والقليل منها والكثير؛ لأنها كالخمر وإن كان بعضها كالأفيون والبنج طاهرا، أو لا حد فيه وإنما فيه التعزير، وقد جرى اعتبارها والأخذ بها ومسايرة الفقه لها منذ عهد ابن تيمية إلى يومنا هذا، ولقد ورد في موضع من فتاواه التصريح بأن الحشيشة الملعونة كالمسكرة بمنزلة غيرها من المسكرات، والمسكر منها حرام باتفاق العلماء، بل كل ما يزيل العقل فإنه يحرم أكله ولو لم يكن مسكرا (٢). وجاء الشيخ المصلح محمد بن عبد الوهاب ومن سلك مسلكه ﵏ فأبرزوا ذلك وأفتوا به، وبالرجوع إلى كتاب الدرر السنية في الأجوبة النجدية، رأينا في الجزء السادس ص ٤٥٢ - سؤالا موجها إلى ابنه الشيخ عبد الله بن محمد - رحمهما الله - عن التنابك الذي عمت البلوى به، فأجاب إجابة طويلة يقول فيها بعد الديباجة: إذا تقرر هذا فاعلم أن المسكر الذي يزيل العقل نوعان؛ أحدهما: ما كان فيه لذة وطرب. قال العلماء: وسواء كان المسكر جامدا أو مانعا وسواء كان مطعوما أو مشروبا، وسواء كان من حب أو تمر أو لبن أو غير ذلك، وأدخلوا في ذلك

стр. 9811

الحشيشة التي تعمل من ورق (القنب) (١) وغيره مما يؤكل لأجل لذته وسكره. الثاني: ما يزيل العقل ويسكره ولا لذة فيه ولا طرب كالبنج ونحوه، وأكثر العلماء الذين يرون تحريم ما أسكر كثيره، يرون حد شارب ما يسكر كثيرا وإن اعتقد حله متأولا، وهو قول الشافعي وأحمد، ثم قال: وبهذا تبين لك تحريم (التتن) الدخان الذي كثر في هذا الزمان استعماله وصح بالتواتر عندنا والمشاهدة إسكاره في بعض الأوقات خصوصا إذا أكثر منه، وتركه يوما أو يومين فإنه يسكر ويزيل العقل حتى أن صاحبه يحدث عند الناس ولا يشعر بذلك. وسئل أيضا ﵀ ما حكم التنباك الذي اختلفت آراء العلماء فيه، منهم من أفتى بحله، ومنهم من أفتى بحرمته بقيد وتعليق، ومنهم من أفتى بتحريمه مطلقا، ولما أفتيتم فيه بأنه من المسكرات اعتمدنا على قولكم، فكان في إجابته: والذي يشرب التنباك إن كان شربه له بعد ما عرف أنه حرام فيضرب ثمانين جلدة ضربا خفيفا ما يضره، فإن كان شربه وهو جاهل فلا حد عليه، ويؤمر بالندم والاستغفار ". ومما يدخل في الفقه الحنبلي تلك الفتوى التي كتبها المرحوم الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي المملكة العربية السعودية جوابا عن استفتاء ورد إليه بشأن النبات الذي يسمى " القات " وقد شاع أمره بين أهل اليمن حتى شغل كثيرا منهم عن جل شئونهم ومهمات أمورهم. يقول الشيخ- ﵀ (٢): هذه المسألة حادثة الوقوع، والحكم عليها يتوقف على معرفة خواص هذه الشجرة وما فيها من المنافع والمضار، وأيهما أغلب، وقد تتبعنا ما أمكن

стр. 9812

العثور عليه من كلام العلماء فظهر بعد البحث وسؤال من يعتد بقولهم من الثقات أن المتعين فيها المنع من تعاطي زراعتها وتوريدها واستعمالها؛ لما اشتملت عليه من المفاسد والمضار في العقول والأديان والأبدان، ولما فيها من إضاعة المال وافتنان الناس بها، ولما اشتملت عليه من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة، فهو شر ووسيلة لهذه الشروط، والوسائل لها أحكام الغايات، وقد ثبت ضرها وتفتيرها وتخديرها بل وإذكارها ولا التفات لمن نفى ذلك ثم قال: إنها مقيسة على الحشيشة المحرمة لاجتماعهما في كثير من الصفات، ثم استدل على ما قال بالآتي: ١ - قول الله : [سورة النحل، الآية ٨٩]: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (١) ثم قال: فنصوص الكتاب والسنة كفيلة ببيان ما يحتاجه الناس في أمور دينهم ودنياهم، ومن حكمة الله سبحانه أنه أحل الطيبات وكل ما فيه منفعة خالصة أو راجحة وحرم الخبائث، وكل ما فيه مفسدة خالصة أو راجحة، ثم أورد الآية الكريمة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ (٢) وقال: إن الله حرم الخمر والميسر مع ما فيهما من المصالح للناس، وذلك لما اشتملا عليه من الإثم الكبير الذي تربو مفسدته على ما فيهما من المنافع. ثم استدل بحديث أحمد وأبي داود «أن رسول الله ﷺ نهى عن كل مسكر ومفتر (٣)». وقد قال العلماء أن المفتر ما يترك الفتور في البدن والخدر في الأطراف، وهذا القات لو فرضنا فيه بعض النفع فإن ما فيه من المضار والمفاسد المحققة يربو ويزيد على ما فيه من المنافع أضعافا مضاعفة، ولهذا حكم بتحريمه جملة من العلماء، واستدلوا بما ظهر لهم منه، ومن هؤلاء الشيخ ابن حجر الهيثمي، وقاسه على الحشيشة وجوزة الطيب، وعد استعمال ذلك من كبائر الذنوب. ثم قال: إن ابن حجر ألف كتابا سماه (تحذير الثقات من استعمال الكفته والقات)، وذكر فيه أن ممن قالوا بتحريم القات الفقيه أبو بكر بن إبراهيم

стр. 9813

المقري الشافعي في مؤلفه في تحريم القات، وذكر من مضارها أن آكلها يرتاح ويطرب، وتطيب نفسه ويذهب حزنه، ثم يعتريه بعد ساعتين من أكله هموم متراكمة، وغموم متزاحمة وسوء أخلاق، وذكر الشيخ المقري أنه جرب ذلك في نفسه أيام شبابه وكان يعتقد أولا حلها، وذكر المقري من مضار هذه الشجرة أنها تذهب بشهوة الطعام، وتطرد النوم ونعمته، وأنه يخرج من أكلها شيء بعد البول كالودي ولا ينقطع إلا بعد حين، وإنه طالما كان يتوضأ يحس بشيء منه فيعيد الوضوء وهكذا، وتارة كان يحس به في الصلاة فيعيدها بعد إعادة الوضوء، وإنه سأل كثيرا ممن كان يأكلها فقرروا ذلك، ثم نقل عن العلامة يونس المقري أنه كان يقول: ظهر القات في زمن قوم لا يجسرون على تحريم ولا تحليل، ولو ظهر في زمن الفقهاء المتقدمين لحرموه. . اهـ - بتصرف.

стр. 9814

ثانيا: الفقه الشافعي: يختلف الشافعية في الحكم في هذا الموضوع؛ لأنه مجال للاجتهاد، فمنهم من يحكم بأن المخدر كله حرام قليله وكثيره، ولا حد فيه بل فيه التعزير فقط، لا فرق بين مخدر وآخر، ويصور ذلك الخطيب الشربيني من أعيان الشافعية في القرن العاشر، له شرح على كتاب النووي (المنهاج) يقول فيه تعليقا على قول النووي في بيان الأشربة وأحكامها: (١). قال النووي: " كل شراب أسكر كثيره حرم قليله وحد شاربه " فقال الشربيني: المراد الشارب المتعاطي شرابا. وخرج بالشراب النبات، قال الدميري: كالحشيشة التي تأكلها الحرافيش، ونقل الشيخان في باب الأطعمة عن الروياني أن أكلها حرام ولا حد فيه، وقال الغزالي في القواعد:

стр. 9815

يجب على آكلها التعزير والزجر دون الحد، ثم ذكر ابن تيمية السابق، وقريب من هذا ما جاء في كتاب فتح الجواد بشرح الإرشاد (١) لابن حجر الهيثمي تعليقا على حكم المؤلف صاحب الإرشاد بحد من شرب مسكرا قال الهيثمي: خرج بالمسكر مزيل العقل من غير الأشربة كالبنج والحشيشة والأفيون وجوزة الطيب، فإنه وإن حرم لكن فيه التعزير فقط إذ ليس فيه شدة مطربة، فلا يدعو قليله إلى كثيره، وله تناوله حتى لا يحس بألم قطع عضو متآكل ونحوه). اهـ. وعبارته في التحريم مطلقة ولكن قوله: إن قليله لا يدعو إلى كثيره غير مسلم، وفي هذه العبارة ما يفيد أنه يستعمل للتداوي، وهي محل بحث كذلك. ومما يدخل في هذا المسلك ما نجده في شرح الشيخ زكريا على متن البهجة لابن الوردي (ج٥ ص٤٠٤) تعليقا على قول المصنف: إن الحد لما يسكر جنسا. قال الشيخ زكريا: خرج به ما يسكر من غير جنسه كالبنج والدواء المجنن والحشيشة فلا حد؛ لأنه لا يلذ ولا يطرب ولا يدعو قليله إلى كثيره بل يعزر، ثم قال: وإذا احتيج في قطع اليد المتآكلة إلى نحو البنج هل يجوز؟ أخرجه الرافعي على الخلاف في التداوي بالخمر وصحح النووي الجواز، ولعل قول النووي في هذا المقام أصح، وهو المعمول به اليوم في دائرة أمر الطبيب مع الضرورة بما يرفع الحرج، ومنهم من يتجه إلى تحريم كثير من هذه المخدرات إطلاقا بلا تخصيص لصنف دون صنف، ويذهب إلى أن القليل منها مكروه إذا لم يقصد المداومة، وإنه يباح للتداوي على خلاف في ذلك، وإليك ما في كتاب إغاثة الطالبين في حل ألفاظ فتح المعين في فقه الشافعية، قال صاحب فتح المعين الشيخ المليباري الفقيه الشافعي (ج٤ ص١٥٦): كل

стр. 9816

شراب أسكر كثيره فقليله حرام بخبر الصحيحين، ثم قال: وخرج بالشراب ما حرم من الجامدات، فلا حد فيها، وإن حرمت وأسكرت بل التعزير بكثير البنج والحشيشة والأفيون وكره أكل كثير منها من غير قصد المداومة ويباح لحاجة التداوي، فعلق السيد البكري على ذلك بقوله: إن العلماء قد ذكروا في مضار الحشيشة نحو مائة وعشرين مضرة دينية ودنيوية، وأورد ما قاله ابن حجر الهيثمي في الزواجر - وسنشير إليه - وقد علق على قوله: وكره أكل يسير منها، فقال: إن المراد باليسير ألا يؤثر في العقل ولو تخديرا أو فتورا، وبالكثير ما يؤثر فيه كذلك، فيجوز تعاطي القليل مع الكراهة، ولكنه يجب كتمه عن العوام؛ لئلا يتعاطوا الكثير ويعتقدوا أنه قليل، وقوله: من غير قصد المداومة، مفهومه أنه إذا تعاطاه مع قصد المداومة حرم) اهـ. ثم نقل عن الروضة وشرحها (فرع: مزيل للعقل من غير الأشربة كالبنج والحشيشة حرام؛ لإزالته العقل، ولا حد فيه؛ لأنه لا يلذ ولا يطرب ولا يدعو قليله إلى كثيره بل فيه التعزير، ولو تناوله ليزيل عقله لقطع عضو متآكل) اهـ. ثم إن هذا الذي نقله عن الروضة يخالف ما في فتح المعين الذي شرحه صاحب إغاثة الطالبين، ويعلق عليه بعد خلاف له أكثر من ذكر ما يخالفه بالنص على حرمة هذه المخدرات بإطلاق، فكأنه يقول إن ما ذكرناه مخالف لما في الروضة وشرحه حيث أطلق التحريم ونحن قيدناه بالكثير مع كراهة القليل من غير قصد المداومة، فإذا قصد المداومة حرم، ثم إن هذا خاص بمن يؤمن اضطرابه بتجاوز الحد وعدم ضبط النفس بالحاجة وعدم الإدمان. ومع كل هذه القيود يضيق الفارق جدا فلا يظهر أثره، والحق في هذا مسلك ابن تيمية ومن نهج نهجه سدا للذارئع وإغلاقا لباب الفساد.

стр. 9817

كتاب الزواجر لابن حجر الهيثمي الفقيه الشافعي هذا الكتاب مرجع خصيب تناول فيه ابن حجر كبائر الذنوب، واستوعب منها ما أدى إليه اجتهاده وتتبعه، وسلك في ترتيبه مسلك أبواب

стр. 9818

الفقه الشافعي في القسم الثاني منه، وهو الكبائر الظاهرة مع التسلل في تعدادها مع الكبائر الباطنة أول الكتاب، وكان موضوع المخدرات بعنوان كتاب الأطعمة وترتيب هذه الكبيرة (السبعون بعد المائة) وسماها أكل المسكر الطاهر كالحشيشة والأفيون والشيكران ونحوه كما سبق الإشارة إلى ذلك في علاقة المخدر بالخمر، ومسلكه حديثي فقهي عام، فهو وإن كان من أئمة الشافعية ألا أنه تناول المذاهب الأربعة بما يدل على إجماع فقهائها على التحريم، وهي كتابة ينفعل فيها ويتأثر بمعارفه ويؤثر في قارئه ويتجه في أمرها إلى ما يشبه اتجاه ابن تيمية مع بعض اختلاف تبين لك من دراستها. وقد بدأ الحديث بأن الحشيشة والأفيون والشيكران - بفتح الشين المعجمة - وهو البنج والعنبر والزعفران وجوزة الطيب مسكره أو مخدره، فاستعمالها كبيرة وفسق كالخمر، فكل ما جاء في وعيد شاربها يأتي في مستعمل شيء من هذه المسكرات لاشتراكها في إزالة العقل المقصود للشارع بقائه؛ لأنه الآلة للفهم عند الله تعالى وعند رسوله والمتميز به الإنسان عن الحيوان والوسيلة إلى إيثار الكمالات على النقائص، فكان في تعاطي ما يزيله وعيد الخمر الآتي في بابها، ولكنه لم يوفق كل التوفيق في إيراد الزعفران بينها؛ لأن الزعفران لا يخدر، ثم قال: إن الأصل في تحريم كل ذلك ما رواه أحمد في مسنده وأبي داود في سننه «نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر (١)» وهذه المذكورات كلها تسكر وتخدر وتفتر وحكى العراقي (٢). وابن تيمية الإجماع على تحريم الحشيشة (٣). وقال من استحلها فقد كفر، قال: وإنما لم يتكلم فيها الأئمة؛ لأنها لم تكن في زمنهم، وذكر الماوردي قولا أن النبات الذي فيه شدة مطربة يجب فيه الحد (٤) ثم قال (٥) ابن حجر: إن

стр. 9819

ما ذكره في الجوزة من حرمة تعاطيها هو ما أفتى به قديما في سؤال ورد عليه، وخلاصته أن تحريم جوزة الطيب هو ما أفتى به الإمام المجتهد شيخ الإسلام ابن دقيق العيد أن الجوزة مسكرة، ونقله عنه المتأخرون من المالكية والشافعية واعتمدوه وناهيك بذلك. بل بالغ ابن العميد فجعل الحشيشة مقيسة على الجوزة، وذلك في سياق كلام يرد به على القرافي في التفرقة بين الحشيشة الخضراء والمحمصة، فجعل المحمصة هي المسكرة فقط، وأطال في ذلك بما ليس في الصميم، والمقصود بأنه انتهى إلى تأييد ما ذهب إليه من كون الجوزة مسكرة ومخدرة ومحرمة ثم قال: وقد وافق المالكية والشافعية على إسكارها (جوزة الطيب) الحنابلة فنص إمام متأخريهم ابن تيمية وتبعوه على أنها مسكرة، ثم قال: وهو اقتضاء كلام بعض أئمة الحنفية، ففي فتاوى المرغيناني منهم: المسكر من البنج ولبن الرماك أي أتان الخيل حرام ولا يحد شاربه، قال الفقيه أبو حفص: ونص عليه شمس الأئمة السرخسي. انتهى. ثم قال: فثبت بما تقرر أنها حرام عند الأئمة الثلاثة بالنص وعند الحنفية بالاقتضاء (لأن الجوزة كالبنج في الإسكار)، وقد نصوا على حرمة البنج لإسكاره. وأطال في تأييد قوله بتحريم الجوزة، ثم في الفرق بين الإسكار والتخدير من جهة النشوة وعدمها. ثم انتهى إلى أنه لا اختلاف بين من عبر في نحو الحشيشة بالإسكار، ومن عبر بالتخدير والإفساد، لكن الواقع أن هناك فرقا جوهريا يظهر من تأمل ما سبق لابن تيمية - ويأتي مثله النووي وابن حجر - ثم قال: وعجبت ممن خاطر باستعمال الجوزة مع ما فيها من المفاسد والإثم لأغراضه الفاسدة؛ فإن تلك الأغراض تحصل جميعها بغيرها، فقد صرح رئيس الأطباء ابن سيناء في قانونه بأنه يقوم مقامها وزنها ونصف وزنها من السنبل، وشكر الله له نضجه وإخلاصه، ثم نقل عن بعض شروح الحاوي في الفقه الشافعي أن الحشيشة نجسة إن ثبت أنها مسكرة، وإن أنكر ابن حجر هذا النقل بناء على أن الشافعية لا يحكمون بنجاستها، قال: ونقل عن ابن دقيق العيد أنه لا ضمان على متلفها كالخمر. وتطرق إلى ذكر مضار عديدة، ثم جمعها فيما نقله عن بعض العلماء، أن في أكلها مائة وعشرين مضرة

стр. 9820

دينية ودنيوية، من أنها تورث الفكرة الرديئة وتجفف الرطوبات الغريزية، وتعرض البدن لحدوث الأمراض وتورث النسيان وتصدع الرأس، وتقطع النسل وتجفف المني، وتورث موت الفجأة واختلال العقل وفساد الذوق والسل والاستقاء، وفساد الفكر ونسيان الذكر وإفشاء السر، وإنشاء الشر وذهاب الحياء، وكثرة المراء وعدم المروءة ونقص المودة، وكشف العورة وعدم الغيرة وإتلاف الكيس ومجالسة إبليس، وترك الصلوات والوقوع في المحرمات والبرص والجذام والرعشة، وتعب الكبد واحتراق الدم، والبخر ونتن الفم وفساد الأسنان وسقوط شعر الأجفان، واستمر في ذلك ولعل في مراجع الطب الحديث ما يهيمن على تحقيقه دائما شأن الفقيه إذا تعرض لمثل ذلك أن يحذر الناس من الشر، وأن يبين وجهة نظر الشرع فيما حكم به من التحريم أو الخطر من حماية العباد من الضرر، ثم أورد في نهاية هذا الموضع تنبيها، قال فيه: إن عد هذه المخدرات من الكبائر ظاهر، وبه صرح أبو زرعة وغيره كالخمر، بل بالغ الذهبي فجعلها كالخمر في النجاسة والحد والمال في ذلك إلى ما قدمناه عن الحنابلة وغيرهم، وقال: إنها أخبث من الخمر من جهة أنها تفسد العقل والمزاج حتى يصير في متعاطيها تخنث أي أبنة ونحوها ودياثة وقوادة وغير ذلك من المفاسد، والخمر أخبث منها من جهة أنها تفضي إلى المنازعة والمقاتله وكلاهما يصد عن ذكر الله، وعن الصلاة قال الذهبي: وتوقف بعض المتأخرين عن الحد فيها ورأى أن فيها التعزير؛ لأنها تغير العقل من غير طرب كالبنج، وأنه لم يجد للعلماء المتقدمين كلاما فيها، قال الذهبي: وليس كذلك بل آكلوها يحصل لهم نشوة واشتهاء كشراب الخمر أو أكثر حتى أنهم لا يصبرون عنها، ولكونها جامدة مطعومة اختلف العلماء في نجاستها على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره، فقيل: هي نجسة كالخمر المشروبة، وهذا هو الاعتبار الصحيح، وقيل: لا؛ لجمودها. وقيل: يفرق بين جامدها ومائعها. ثم قال الذهبي: وبكل حال فهي داخلة فيما حرم الله ورسوله من الخمر المسكر لفظا ومعنى «قال أبو موسى:

стр. 9821

يا رسول الله أفتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن؛ البتع وهو من العسل نبذ حتى يشتد، والمزر وهو من الذرة والشعير ينبذ حتى يشتد، قال: وكان رسول الله ﷺ قد أوتي جوامع الكلم بخواتيمه فقال رسول الله ﷺ : ما أسكر كثيره فقليله حرام (١)». ولم يفرق ﷺ بين نوع ونوع ككونه مأكولا أو مشروبا على أن الخمر قد تؤكل بالخبز كالحشيشة؛ لأنه يزينها للأنفس الخسيسة فاستحلوها واسترخصوها. انتهى المراد من كلام الذهبي. ثم قال ابن حجر: إن ما ذكره الذهبي من النجاسة والحد ضعيف. اهـ. ولا يضرنا هذا الاختلاف بعد الاتفاق على أنها محرمة ومن الكبائر، ونسأل الله العافية. وفي الكلام على الكبيرة شرب الخمر وما يتعلق بها، لم يترك ابن حجر هناك الاستطراد إلى الحشيشة، فنقل عن بعض الصالحين أنه قال: إن الحشيشة المعروفة حرام كالخمر يحد آكلها كما يحد شارب الخمر، وهي أخبث من الخمر من جهة أنها تفسد العقل والمزاج حتى يصير في متعاطيها تخنث ودياثة عجيبة وغير ذلك من المفاسد فلا يصير له من المروءة شيء البتة وشاهد في أقواله خنوثة الطبع وفساده وانقلابه إلى شر من طبع النساء، ومن الدياثة على زوجته وأهله فضلا من الأجانب ما يقضي العاقل فيه العجب العجاب، وكذا متعاطي نحو البنج والأفيون وغيرهما مما مر، ثم قال ابن حجر وما يقوي القول بأن آكلها يحد أن آكلها ينتشي ويشتهيها كالخمر وأكثر حتى لا يصبر عنها، وهذا يخالف ما قاله في دراسة المخدرات في الجزء الأول وأشرنا إليه فيما سبق. وفي فتاوى ابن حجر أيضا حكم القات (جـ ٤ ص ٢٢٣) توسع ابن حجر في فتاواه في موضوع القات وتعرض لاختلاف العلماء في حكمه وتضارب أقوالهم في أمره فقال إنهم في الحقيقة متفقون في الرأي، وإنما يختلفون في الطريق التي استند إليها كل في رأيه، وأطال في فلسفة الاستدلال بالعقل أو النقل أو الدليل المركب منهما، ثم قال: إنه سأل بعض الأطباء فقال: إنه يورث مضار عديدة ومنها تصفير الوجه وتقليل شهوة الطعام وتفتير الباه،

стр. 9822

وإدامة نزول الودي عقب البول (١). وقال: إن مستنده في الأخير إخبار المستعملين له فقال له الشيخ ابن حجر: لا يكفي ذلك ما لم يستند إلى التجربة ولا بد للتجربة من زمان ومكان ومزاج معتدل وعدالة المخبر. ثم انتهى إلى أنه لا علم لنا إلا من الخبر المتواتر من متعاطيه، ولم يتم ذلك لاختلاف المتعاطين مما أدى إلى اختلاف المفتين، وقد أوقعه ذلك في الاستطراد بموضوع الحشيشة والفرق بينهما وبين القات، فقال: إن العلماء منذ قرون لما حدثت الحشيشة في زمانهم بالغوا في اختبار أحوال آكلها حتى اتفقت أقوالهم على أنها مسكرة أو مخدرة، فكان في ذلك الزمان العارفون بعلم الطب والنباتات، فحكموا فيها بما اقتضته القواعد الطبية والتجريبية، فلذا ساغ لهم الجزم فيها بالتحريم، ثم عاد إلى ذكر ما أورده في الزواجر عن جوزة الطيب إذ يقول: إنه لا مرية في تحريم الجوزة وإسكارها أو تخديرها، واتفاق المذاهب على ذلك. ثم انتهى إلى أن ذلك الكلام يدل دلالة ظاهرة على تحريم القات؛ لأن الأئمة حرموا الجوزة مع اختلاف آكلها. وهذه هي النتيجة التي جزم فيها بتحريم القات وكأنه رجح صدق من أخبر بإسكارها أو تخديرها، ولعل فتوى مفتي المملكة العربية السعودية أقرب وأنفع وربما كان ذلك راجعا إلى أنه كان بعد ظهور الضرر البين في تعاطيها، والله ولي التوفيق. وما دمنا بصدد الكلام في الفقه الشافعي فإننا نشير إلى ما تقدم في مناسبة من حكم الإمام النووي ومن تبعه وشيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني بإسكار الحشيشة للنشوة والطرب، فيشملها تحريم المسكر، ويقول ابن حجر العسقلاني: وعلى فرض أنها مخدرة فإنه يشملها معنى التفتير في الحديث «نهى ﷺ عن كل مسكر ومفتر (٢)». وعبارة الحافظ في فتح الباري (جـ ١٠ ص ٤٥): واستدل بمطلق قوله ﷺ «كل مسكر حرام (٣)» على تحريم ما يسكر، ولو لم يكن شرابا فدخل في ذلك الحشيشة وغيرها. وقد جزم

стр. 9823

النووي وغيره بأنها مسكرة وجزم آخرون بأنها مخدرة، وهو مكابرة؛ لأنها تحدث بالمشاهدة ما يحدث الخمر من الطرب والنشوة والمداومة في الجملة عليها والانهماك فيها، وعلى تقدير تسليم أنها ليست مسكرة، فقد ثبت في سنن أبي داود النهي عن كل مسكر ومفتر.

стр. 9824

ثالثا: الفقه المالكي يتجه الفقه المالكي إلى تحريم الكثير المسكر من المخدرات ويتردد القرافي الفقيه المالكي في الحشيشة أهي مسكرة أو لا يعتقد أنها مسكرة إلا أنه يقول: وتبني على إسكارها - إن ثبت - تحريم القليل منها ونجاسته والحد على تناولها (١)، وإليك عبارات من بعض كتب المذهب تصور ما كتب الإمام محمد الحطاب الفقيه المالكي المتوفى (٩٥٤) في كتاب مواهب الجليل الشهير بشرح الحطاب على متن خليل، يقول تعليقا على قول خليل في بيان المحرم من الأشربة (وعصير وفقاع وسوبيا وعصيران أسكره) قال صاحب الإرشاد: وأما ما يغطي العقل فلا خلاف في تحريم القدر المغطي من كل شيء وما لا يغطي من المسكر، فمثل المغطي في التحريم للحديث: «وما أسكر كثيره فقليله حرام (٢)». وهي متعددة: الخمر وهو ما فيه طرب وشدة ونشوة وتغييب، والبنج وهي الحشيشة، وقد اختلف هل هي مسكرة أو مفسدة، والمفسد ما يصور خيالات دون تغييب حواس ولا طرب، ولا نشوة ولا شدة، ولا خلاف في تحريم قدر المفسدة، والأفيون وهو لبن الخشخاش يغيب الحواس ولا يفسد العقل، والجوزة من المخدرات، وأفتى بعض مشايخنا الفاسيين بطرحها في الوادي، ثم قال - وفي الشرح حكى خليل عن بعض شيوخنا خلافا في الحشيشة هل هي مسكرة أو لا. قال القرافي: ينبني عليه تحريم القليل وتنجيس العين ولزوم الحد. وقال المغربي إنما ذلك (الإسكار بعد التجفيف

стр. 9825

والقلي لا قبل ذلك، وخلاصة هذا الكلام أن المغيب للعقل (في اعتباره) أربعة: الخمر والبنج والأفيون والجوزة وإن الخمر حرام قليلها وكثيرها، والباقي لا يحرم منه إلا ما يغيب العقل عدا الحشيشة إذا كانت مسكرة فإنها مثل الخمر في تحريم قليلها وكثيرها، وفي هذا الكلام ما يفيد أنه يعتبر البنج هو الحشيشة، ويتضح ذلك أكثر بالرجوع إلى ما في أول الكتاب وإلى كتاب الفروق للقرافي، أما أول الكتاب (مواهب الجليل على متن خليل) في بيان النجاسات (منها المسكر) قال الحطاب نقلا عن التوضيح: فائدة يعرف بها الفرق بين المسكر والمفسد والمرقد (يريد المنوم). فالمسكر: ما غيب العقل دون الحواس مع نشوة وفرح. والمفسد: ما غيب العقل دون الحواس لا مع نشوة كعسل البلاذر. والمرقد: ما غيب العقل والحواس كالشيكران وينبني على الإسكار ثلاثة أحكام: الحد والنجاسة وتحريم القليل، إذا تقرر هذا فللمتأخرين في الحشيشة قولان: هل هي من المسكرات أو من المفسدات؟ مع اتفاقهم على المنع من أكلها، فاختيار القرافي أنها من المخدرات، قال: لأني لم أرهم يريد (الحشاشين) يميلون إلى القتال والنصرة بل عليهم الذلة والمسكنة، وربما عرض لهم البكاء، قال صاحب (التوضيح): وكان شيخنا المشهور بـ عبد الله المنوفي يختار أنها من المسكرات؛ لأنا رأينا من يتعاطاها يبيع أمواله لأجلها، وأطال في ذلك ثم قال الحطاب: ولفظ القرافي في الحشيشة ثلاثة أقوال، ثالثها الفرق بين أن تحمص فتكون نجسة وفيها الحد، واختار القرافي في الفرق الموفي أربعين (يعني في كتابه الفروق) أنه لا حد فيها، وإنما فيها التعزير الزاجر عن الملابسة، ولا تبطل الصلاة بحملها، ثم قال: إن الأفيون والبنج من المفسدات، وقال: من صلى بواحد منهما لم تفسد صلاته إجماعا، وكذا غيره من المفسدات كأن يتناول من البنج والأفيون والشيكران ما لا يصل إلى التأثير في العقل والحواس. انتهى. وهذا الفرق الأربعون في كتاب (أنوار البروق) للقرافي

стр. 9826

وفيه يقول: (جـ ١، ص ٢١٧): إن الفرق بين المسكرات والمفسدات والمرقدات مما يلتبس على كثير من الفقهاء. ثم ذكر الفرق بينهما كالذي أوردناه، وهو منقول عنه: ولا فرق بين كل من المراقدات والمفسدات وبين المسكرات إلا في الحكم، ثم قال في (ص ٢١٨ ج ١): تنبيه: تنفرد المسكرات عن المرقدات والمفسدات بثلاثة أحكام؛ الحد والتنجيس وتحريم اليسير. والمرقدات والمفسدات لا حد فيها ولا نجاسة، وقد تناول موضع الحشيشة وحدها فيما قبل هذا الفرق، وهو الفرق التاسع والثلاثون فقال إلحاقا له: (فرع) النبات المعروف بالحشيشة التي يتعاطاها أهل الفسوق، اتفق فقهاء أهل العصر على المنع منها أعني كثيرها المغيب للعقل، واختلفوا بعد ذلك هل الواجب فيها التعزير أو الحد على أنها مسكرة أو مفسدة للعقل من غير سكر ونصوص المتحدثين عن النبات تقتضي أنها مسكرة؛ فإنهم يصفونها بذلك في كتبهم، قال القرافي: والذي يظهر لي أنها مفسدة، ثم أورد فتوى بأن من صلى بها قبل أن تحمص أو تصلق صحت صلاته، وإلا بطلت) أهـ. ولكنه يقول: إنه سأل من يتعاطونها فمنهم من قال: إنها لا تؤثر إلا بعد القلي. وعلى ذلك تصح الفتوى. ومنهم من قال: إنها تؤثر مطلقا وإنما تحمص لإصلاح طعمها. وعلى هذا تبطل الصلاة مطلقا، وقد عرفت أنه انتهى إلى أن القليل منها لا يحرم، وأنها غير نجسة، وهو نظير ما صرح به جمهور الشافعية في كتبهم، والحق عندنا أنها مسكرة موجبة للحد كما تقدم نقله عن ابن تيمية وغيره.

стр. 9827

رابعا: الفقه الحنفي: يختلف الحنفية في حكمهم على المخدرات تشديدا أو تخفيفا، وليس في التخفيف أدنى من إباحة القدر اليسير بدون قصد اللهو والباطل، وليس في التشديد حكم بحد المتعاطي ولا بنجاسة المادة، وبهذا يقول جماعة من الشافعية، وهو مفاد ما نقلناه عن المالكية إلا في الحشيشة إذا عرف إسكارها فلها حكم الخمر في القليل والكثير، كما تقدم تفصيل ذلك، وكلهم مجمعون على حرمة التخدير والسكر، وفي كلام بعض الحنفية أن الخلاف في القليل كان قبل ظهور مفاسدها، فلما ظهرت أجمعوا على حرمة القليل والكثير مما يدل على اتساع أفق الفقه، وأن الفقهاء فيما لم يرد فيه نص بين يقولون بدوران الحكم مع علته، ويلتمسون ما في الفعل من نواحي النفع الخالص أو الراجح والضرر الخالص أو الراجح كما أشرنا إلى ذلك من قبل، وإليك من عبارات الحنفية ما يبين رأيهم واختلاف وجهة نظرهم في دائرة متقاربة لا تخرج عن تحريم المخدرات. يقول الإمام التمرتلي في شرحه لمتن القدوري (١): ولا يجوز أكل البنج والحشيشة والأفيون، وذلك كله حرام؛ لأنه يفسد العقل حتى يصير الرجل فيه خلاعة وفساد، ويصده عن ذكر الله وعن الصلاة، لكن تحريم ذلك دون الخمر، فإن أكل شيئا من ذلك لا حد عليه، وإن سكر كما إذا شرب البول وأكل الغائط فإنه حرام ولا حد فيه بل يعزر بما دون الحد) أهـ. وهي عبارات موجزة محدودة أطلق فيها التحريم وأوجب التعزير ولم يقل بالحد كما هو قول الجمهور من الفقهاء؛ لأن حرمتها كما قال دون حرمة الخمر التي تثبت حرمتها بالقرآن الكريم والسنة وإجماع المسلمين وعلمت من الدين بالضرورة. ويقول صاحب فتح المعين وهو الشيخ أبو السعود المفتي الحنفي في حاشيته على

стр. 9828

ملا مسكين شارح الكنز في كتاب الأشربة: تنبيه: لم يتعرض المصنف للحشيشة وهي حرام كما في منظومة ابن وهبان: وأفتوا بتحريم الحشيش وحرقه ... وزندقة للمستحل وقرروا لبائعه التأديب والفسق أثبتوا ... وزندقة للمستحل وحرروا فهذه المنظومة تنص على تحريم الحشيش بإطلاق وعدم تفرقة بين قليل وكثير، وأن بائعه يعزر تأديبا له وعلى الحكم بفسق مستحله، وأنه زنديق والزندقة لا تثبت إلا لمن خالف في أمر ضروري أو كالضروري، ثم يقول أبو السعود بعد نقل ما في المنظومة: وفي التنوير: يحرم أخذ الحشيشة والبنج والأفيون لكن دون حرمة الخمر، فإن أكل شيئا منه لا حد عليه وإن سكر بل يعزر بما دون الحد، وكذا تحريم جوزة الطيب، لكن دون حرمة الحشيشة. قاله مصنف التنوير. أهـ. وهذا قريب مما نقلناه عن الجوهرة، ونقل عن الجامع وغيره من قال بحل البنج والحشيشة فهو زنديق مبتدع، بل قال نجم الدين الزاهد أنه يكفر ويباح قتله. أهـ. وهذا حكم بالردة يتفق مع قول ابن تيمية في تكفير المستحل وهو قريب من القول بالزندقة الذي قاله ابن وهبان في منظومته، والتشديد الذي ذهب إليه كل من ابن تيمية وابن وهبان والزاهد يتفق مع صرامة الإسلام في منع الفساد ومقاومة الجريمة بكل وسيلة، وهذا حق؛ لأن مستحل هذه الأشياء كأنه يستحل الخمر التي أراد الشارع تحريمها بتاتا محافظة على العقل والنفس والمال، وبقية الخمسة التي أوضحنا كيف تكون الجناية عليها في تعاطي المخدرات، ثم يقول أبو السعود: وأما التتن (الدخان) فقد حكى في الدر أولا عن شيخه النجم الغزي الشافعي أنه حرام). اهـ. وأطال في ذلك بما نرجئه للكلام على الدخان إن شاء الله. وفي الدر المختار على متن التنوير وحاشية ابن عابدين عليه (١) قال صاحب الدر: نقل في الأشربة عن الجوهرة حرمة أكل حشيش وبنج وأفيون. . .)

стр. 9829

وتقدم لنا إيراده، ثم قال صاحب الدر: وفي النهر التحقيق ما في العناية أن البنج مباح؛ لأنه حشيش، أما المسكر منه فحرام وقد علمت أن هذا رأي دارج في المذاهب غير أنه في التحقيق ضعيف لا يستند إلى دليل وهو يدفع بأن ما أسكر كثيره فقليله حرام، وأن ذلك مقتضى سد الذرائع ودفع الفساد؛ لأن القليل يفضي إلى الكثير طبعا ولهذا نقل ابن عابدين في هذا الموضع عن التهتاني عن متن البزدوي أنه يحد من سكر من البنج في زماننا على المفتي به ومعنى ذلك أن الفساد اقتضى سد الباب، والفتوى للتحريم وإيقاع الحد على من سكر من المخدر كما يعامل شارب الخمر، فكيف إذا رأوا ما نحن فيه بين المستهترين؟ ثم قال ابن عابدين في المنح عن الجوهرة: لو سكر من البنج وطلق تطلق امرأته زجرا وعليه الفتوى، ثم أحال ابن عابدين على ما ذكره في أول كتاب الطلاق من حاشيته على التنوير من أن العلامة قاسما صحح القول بأن من سكر من البنج والأفيون ثم طلق امرأته تطلق زجرا له، ونقل في الطلاق عن النهر عن البدائع أن الطلاق لا يقع؛ لأنه ليس معصية، ويبدو أن صاحب البدائع قال ذلك قبل ظهور الفساد باستعمال هذه الأشياء، وقال صاحب النهر إن الحق التفصيل بين إذا كان للتداوي أو غيره، فإن كان استعمال الأفيون ونحوه للهو وإدخال الآنفه فينبغي أن لا يتردد في وقوع الطلاق. والذي ورد في كتاب الطلاق في الدر (٣/ ٢٣٠) أنه يقع طلاق السكران، ولو كان من الأفيون أو الحشيش زجرا للمطلق، ثم نقل عن الفتح اتفاق مشائخ الحنفية والشافعية على وقوع طلاق من غاب بالحشيش لفتواهم بحرمته بعد أن اختلفوا فيها، وكان اختلافهم لأن المتقدمين لم يتكلموا فيها بشيء لعدم ظهور أمرها فيهم، فلما ظهر أمرها بالفساد وفشا عاد مشائخ المذهبين إلى حرمتها، وأفتوا بوقوع طلاق من زال عقله بها، ونقل ابن عابدين في هذا الموضع عن تصحيح القدوري عن الجواهر: وفي هذا الزمان إذا سكر من البنج أو الأفيون يقع طلاقه زجرا وعليه الفتوى، وهذه النقول تصور

стр. 9830

ما كان من خلاف وسببه، وتبين أن الأمر بينهم انتهى إلى التحريم المطلق كما ذهب إليه ابن تيمية وصاحب الجوهرة والبزدوي وغيرهم ممن اتجه وجهة الحزم في مقاومة الفساد، والتشديد فيها دفعا للفساد، فما بالك في مثل هذا العصر وقد استشرى الداء وتضاعفت جهود المصلحين للمقاومة وحظره القانون والحاكم؟ إن ذلك كله لأكبر مؤكد لتحريم القليل والكثير، وإيقاع أقسى عقوبة على المتعاطي المهمل نفسه والمتهاون في أمره. وبالله التوفيق.

стр. 9831

فقه السنة وأعني به ما ورد في بعض شروح السنة: وقد استوعب هذا الموضوع استيعابا صالحا الشيخ أبو الطيب محمد شمس الحق من علماء القرن الرابع عشر الهجري في كتابه عون المعبود شرح سنن أبي داود - لأن حديث النهي عن المفتر لم يرد في غير السنن من الكتب الستة من سنن الإمام أحمد كذلك - وقد أوردنا فقرة منه في علاقة المخدرات بالخمر واعتبار بعض العلماء أن المخدرات مسكرة كما هو رأي القسطلاني، أو تدخل صاحبها في حد السكران كما قال الزركشي، جاء في هذا الكتاب تعليقا على حديث أم سلمة ﵂، «أن النبي ﷺ نهى عن كل مسكر ومفتر (١)». قال: قال الطيبي: لا يبعد أن يستدل به على تحريم البنج والشعثا ونحوهما مما يفتر ويزيل العقل؛ لأن العلة وهي إزالة العقل مطردة فيها، والواقع أن الطيبي خلط في مسلكه؛ لأن هذه الأشياء إذا كانت تفتر وتزيل العقل فما الداعي إلى الاستدلال بوجود العلة بل ذلك مدلول النص نفسه، وهو النص على منع المفتر على أن قوله لا يبعد تحفظ لا داعي له، ولعله لم يطلع على تصريح لغيره فكتب من اجتهاده ونظره وبالغ في التحفظ، ثم نقل الشارح عبارة ابن حجر الدالة على أن الحشيشة مسكرة، وقد سبق أن أشرنا إليها وأوردنا عبارة الحافظ في الفتح.

стр. 9832

ومما أورده الشيخ محمد شمس الحق في هذا المقام أن الخطابي قال: في الحديث المفتر: كل شراب يورث الفتور والرخاوة في الأعضاء وهو مقدمة السكر نهى عن شربه؛ لئلا يكون ذريعة إلى السكر، ثم قال: وحكى القرافي وابن تيمية الإجماع على تحريم الحشيشة، وأن من استحلها كفر، وقال ابن تيمية: أول ما ظهرت في أواخر المائة السادسة من الهجرة حين ظهرت دولة التتار، وهي من أعظم المنكرات، وهي شر من الخمر من بعض الوجوه؛ لأنها تورث نشوة وطربا كالخمر ويصعب الطعام عليها أعظم من الخمر، وإنما لم يتكلم عليها الأئمة الأربعة؛ لأنها لم تكن في زمانهم، إلى أن يقول: والحافظ ابن القيم لا يرى السكران في الزعفران، وللأئمة الحنفية كلام على طريق آخر. فقال الشامي (يريد ابن عابدين) في رد المختار، وقال محمد: (ما أسكر كثيره فقليله حرام) وهو نجس أيضا، قال الشامي: الظاهر أن هذا خاص بالأشربة المائعة دون الجامدة كالبنج والأفيون، فلا يحرم قليلها بل كثيرها المسكر، وبه صرح ابن حجر في التحفة وغيره، وهو مفهوم من كلام أئمتنا؛ لأنهم عدوها من الأدوية المباحة، وإن حرم السكر فيها بالاتفاق، ولم نر أحدا قال بنجاستها. ثم قال: والحاصل أنه لا يلزم من حرمة الكثير المسكر حرمة قليله ولا نجاسته مطلقا إلا في المائعات؛ لمعنى خاص بها أما الجامدات فلا يحرم منها إلا الكثير المسكر، ولا يلزم من حرمتها نجاسته كالسم القاتل؛ فإنه حرام مع أنه طاهر. . انتهى كلام الشامي. ثم نقل الشيخ شمس الحق ما أورد صاحب الدر من حرمة أكل البنج والحشيش والأفيون؛ لأنه مفسد للعقل (١)، وقد أطال النقول المختلفة في ذلك، وأوضح أنه لم يقل أحد في جميع المذاهب بحل ما يغيب العقل، وقال بعضهم بحل القليل الذي لا يفسد ولا يكون على سبيل اللهو والآفة، وقد ذكرنا أنه بعد ظهور الفساد حرم القليل والكثير باتفاق أهل المذهبين (٢) كما سبق النقل، فما بالك لو رأوا

стр. 9833

الفساد والاضطراب الديني والخلقي والعقلي في هذا العصر؟ ومما يضيفه صاحب عون المعبود نقلا عن الشامي: أن زهر القطن قوى التفريح يبلغ الإسكار كما في التذكرة (يريد تذكرة داود الأنطاكي في الطب القديم) فهذا كله ونظائره يحرم استعمال القدر المسكر منه دون القليل. قال ومثله (بل هو أولى) (البرش) وهو شيء مركب من البنج والأفيون وغيرهما، ذكر في التذكرة أن إدمانه يفسد البدن والعقل ويسقط الشهوتين (يريد الطعام والوقاع) ويفسد اللون وينقص القوى وينهك، وقد وقع به الآن ضرر كثير، وما أكثر ما ظهر في عصرنا من هذه المفسدات والمعاجين المختلفة التي أضاعت الأعمار وشوهت وجه الحياة نسأل الله العافية. ثم قال صاحب عون المعبود: إذا عرفت هذه الأقاويل للعلماء فاعلم أن الزعفران والعنبر والمسك ليس فيها سكر أصلا ولا تفتير ولا تخدير. وأطال في الكلام على جوزة الطيب والبسباسة والعود الهندي بما خلاصته أن المحرم في هذه الأشياء هو القدر الزائد الذي يوقع في التخدير والتفتير؛ «لأن النبي ﷺ نهى عن كل مفتر» ولم يقل أن ما أفتر كثيره فقليله حرام. وقد يقال: المفتر يقاس على المسكر في تحريم القليل من كل منهما سدا لباب الفساد في كل منهما، فإذا نهى عن قليل المسكر فهو نهي عن قليل المفتر بالقياس البين؛ لأن في كل منهما فتحا لباب الإكثار، وهو مخاطرة قبيحة لا يرضاها الشرع (١)، ثم انتهى إلى الحكم على حديث النهي عن كل مسكر ومفتر الذي هو موضوع البحث بأن فيه شهر بن حوشب وفيه خلاف، والصحيح أنه يحتج به، قال الإمام المنذري: إن شهر بن حوشب وثقه أحمد وابن معين، وتكلم فيه بعضهم، والترمذي يصحح حديثه. وقال الشوكاني في بعض فتاواه: إن الحديث صالح للاحتجاج؛ لأن أبا داود سكت عنه، وقد ذكر عن نفسه أنه لا يسكت إلا عما هو صالح للاحتجاج به، وصرح بذلك جماعة من الحفاظ مثل ابن الصلاح وزين الدين العراقي والنووي وغيرهم. ثم قال: ما دام أحمد ويحيى

стр. 9834

ابن معين قد وثقا شهرا وهما إماما الجرح والتعديل وهما ما اجتمعا على توثيق رجل إلا كان ثقة، فأقل أحوال هذا الحديث أن يكون حسنا، وقد رأيت احتجاج الحافظ شيخ الإسلام ابن تيمية به على تحريم الحشيشة على فرض أنها غير مسكرة، والله ولي التوفيق.

стр. 9835

دراسات حديثة تؤيد وجهة نظر فقهاء الإسلام بعد أن انتهينا من عرض موجز من المعلومات الإسلامية والأحكام الفقهية في موضوع المخدرات فإنه يجدر بنا أن نبين أن هذه المخدرات منكر يأباه العقل والذوق والمجتمع الصالح كما يأباه الشرع، وإذا كنا بصدد البحث عن وجهة نظر فقهاء الشريعة الإسلامية إلى المخدرات، فإن جانب المصلحة هو المطلوب المشترك والقدر الذي لا يختلف، وكلما تأكد وجه النظر في أمر منكر زادت بشاعته، وتجلت حكمة الشارع الحكيم في حظره على ما قرره الفقهاء من حكمه، وكم انتفع الفقهاء السابقون بأنظار الأطباء في عصورهم ورجعوا إليهم قبل البت في أحكامهم؛ لأنهم يجلون لهم وجه المصلحة أو المفسدة التي هي أساس التشريع الإسلامي، ولقد نقل الفقهاء كثيرا من أحكام الطب ووجوه الحكمة في الأمور، فكانت لهم نبراسا يضيء أمامهم طريق الحياة. وهذه الخبائث طالما قاومها المصلحون ورجال القانون وغيرهم ممن يعنيهم شأن الأمم فمن الخير أن ننتفع في بحثنا بما يؤكد لنا الأحكام الشرعية ويجعلها معقولة المعنى. وأمامنا الآن كتاب يسمى ظاهرة تعاطي الحشيش للدكتور سعيد المغربي ممن كان لهم قدم صدق في التعرف على ما يتصل بهذه الشجرة الخبيثة على أنه يتعرض لما يشبهها في مفاسدها ويخصها بمزيد عناية لشيوع أمرها، ونرى أن نقتبس منه ما يأتي: -

стр. 9836

١ - جاء في مقدمة الكتاب أن الحشيش مما خلفه الاستعمار وأوضاعه بما تركه من آثار سيئة، وأن الحاجة الآن ملحة لإعادة المجتمع وتصفيته من تلك المشكلات الحادة المزمنة، ثم أشار إلى أن القانون المصري مهتم بهذه الجريمة اهتماما بالغا، وقد تدرج في تشديد العقوبة، وهذا دليل ظاهر على ظهور خطر هذه السموم وعلى أنها مشكلة صحية وسيكيلوجية، وأن بعض الباحثين يرى أنه يؤدي إلى حالة من الاضطراب العقلي، ثم قال إن متعاطي هذه الجريمة قواه معطلة عن العمل والانتاج؛ لأنها تستلزم السهر الذي يستنفذ جهدا وطاقة، وأنها توجد طبقة من المجرمين شأنهم الاعتداء والعدوان؛ لأنهم فارغون ومحتاجون ومتحيلون. ٢ - يبين أنه له آثارا ضارة طبيعية فيه كالدوار في أوله، والشعور بالاسترخاء والنوم العميق، والهبوط العام للجهاز المركزي، وحرمان الجهاز الهضمي من الكميات المطلوبة للجسم نفسه كاللعاب والعصارات الهضمية، ثم التصلب في الشرايين، ويصحب ذلك الضعف الجسمي، وقلة الرغبة في إرضاء الطرف الآخر. ٣ - تناول بعض الأمراض النفسية والاجتماعية، ومنها أنه إذا اقترب موعد التعاطي تنتاب المدمن أعراض تشتد تدريجيا، وهي توتر وشعور بقلق شديد وانقباض وهبوط عصبي لا يستقر المدمن معه، ثم بين أن معظم المدمنين على وعي تام بآثار مدمرة لهم صحيا ونفسيا لدرجة أن بعضهم يحاول العلاج تلقائيا أو بمعونة الطبيب، وأنهم أحيانا يكونون في حالة بكاء تشل الجسد عن الحركة حين تجيء النوبة إلى أن يتعاطى الحشيش. ٤ - من بين نتائج الدراسة أن الحشيش يسبب حالة من المرح والتهيج مع اعتقاد متعاطيه أنه قادر على كل شيء فضلا عن اتجاهه إلى

стр. 9837

اختراع أفكار وهمية، وأنه يؤدي إلى ارتكاب الجريمة؛ لأن شخصيته غير مستقرة، ويصير ذلك به إلى التشرد والسرقة والخوف والجبن، ثم يكون الهجوم والعدوان، وقد كانت له ضحايا كثيرة من مرضى العقول والمجانين. ٥ - يقول الدكتور (وولف) وهو عضو في لجنة المخدرات بهيئة الصحة العالمية: إن الحشيش يعمل على تجسيم المشاعر والانفعالات، وأن أكثر المتعاطين تتأثر تخيلاتهم وتتضخم إلى أقصى درجة، وهنا يكون العدوان. ويقول باحث يوناني: إنه تأكد لديه الدور الواضح الذي يلعبه الحشيش كباعث للجريمة حتى أصبحت كلمة حشاش في اليونان ترادف كلمة (مجرم). ٦ - جاء في بعض مواضع البحث أن أخطر ما فيه حوادث السيارات؛ لأنه يقرب البعيد في النظر ويبعد القريب أحيانا فتقع الحادثة ولا يشعر السائق. ٧ - وفي بعض فقراته إجابة من موظف صغير عن سؤال وجه إليه بشأن الأفيون يقوله فيها: إن الأفيون داء فظيع إذا تملك من صاحبه كان في عداد الأموات، فهو يرخي الأعصاب، ولا يتمكن صاحبه من أداء أي عمل إلا إذا تعاطاه، ويكون دائما ذليلا في تهيج وتذلل حتى في شرائه للمخدر، ويتألم إذا لم يتعاطاه حتى يشعر بارتخاء في أعصابه ودمع في عينيه واضطراب في نظره والتهاب في أنفه. ٨ - أورد في بعض الملاحظات بالنسبة للأعراض البدنية لمتعاطي الحشيش أمرين: (١) انخفاض في مستوى الصحة ويتبعه الانخفاض بمستوى الكفاءة البدنية والنفسية والعقلية مما يؤثر على حياته في جوانبه المختلفة. (٢) اختلال التوازن واضطراب الحواس ثم الكسل والتراخي، ثم ينقل عن

стр. 9838

بيزل أن الفحوص الطبية دلت على أن المدمنين يصابون بهبوط في جميع وظائف الأعضاء البدنية والعصبية مع فقدان الشهية، ويقول (كوبروكوبر): إنهم يصابون بوضوح بالتهاب الملتحمة، ولا يفارقهم ذلك حتى بعد الإقلاع، ويجمع الباحثون على ذلك. ٩ - يقول في فقرات أخرى: إنه يؤدي إلى اضطراب وأمراض بالجهاز التنفسي ومسالكه، وأهمها الربو والتهاب الشعب وأطال في تعليل ذلك. ١٠ - ثم يقول: إن الرأي القائل بأن الحشيش يثير الرغبة الجنسية ويطيل أمد المتعة على جانب كبير من الخطورة؛ لأنه يعتمد على الأوهام والشائعات ويدعو إلى انتشاره دون جدوى، والدراسات العملية تكاد تجمع على ذلك، ومن ادعى ذلك من الباحثين لا يفرق بين الرغبة الجنسية وبين الحيوية. وما أكثر الفوائد القيمة في هذا الكتاب التي تستقى منه الاحصاءات المطردة المتواصلة، ولا سبيل لنا هنا إلى الاستقصاء، وإنما سبيلنا أن نربط بين العلم والدين بالرباط الحكيم المبين، وما أعظم قول الله في هذه المناسبة ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (١) وفي نهاية هذه الدراسة القيمة للدكتور سعيد المغربي يقول: تبين من هذا كله أن القانون لم يحل المشكلة، وليس هو بالناحية الأساسية، فالاعتماد عليه خطر، فالحق أن علاجها من وجهة النظر النفسية والاجتماعية بالرجوع إلى حالة سلوك واقعية، ثم يجيء القانون من بين الحواجز المثبطة، وتلخيص الحل في التغيير الجوهري للعناصر التي يعيش فيها الفرد بحيث تهيئ له الفرص التي تشبع فيه حاجاته في ظل التكامل الصادق الذي يشعر الشخص بالتفاؤل والنجاح، ويا حبذا لو قال الباحث: إن الدين أكبر مصلح ومهذب

стр. 9839

وموجه للوعي إلى كل خير ورشاد، فهل يعود الإنسان إلى دينه الذي بعث الله به النبيين هدى ورحمة، اللهم حقق ذلك لعبادك الضالين، واهدنا الصراط المستقيم يا رب العالمين.

стр. 9840

الدخان إنه لا يسع العاقل المنصف إلا أن يلحق الدخان بالمخدرات ويجعله في عدادها؛ لأن فيه من التفتير ما فيه، وقد يكون في بعض الظروف أشد منها ضررا وفتكا، وفي الحق أننا ما رأينا شيئا اضطربت فيه آراء الناس واختلفت أقوالهم مثل هذا الدخان الخداع، الجاني على العقل والبدن والمال، ولولا استهانة الناس بأمره لقالوا فيه قولا صارما يرد الناس إلى الحق، ويردعهم عن التمادي في الشر، ومهما يكن فإننا ننقل بعض ما في الكتب الفقهية من آراء العلماء قديما وحديثا. (١) مذهب الحنفية: قال أبو السعود في فتح المعين (١) عبارات تمثل الاختلاف بين العلماء في أمره ولا تروي غليلا في شأنه قال: إنه مما ظهر أخيرا وإن صاحب الدر الشيخ الحصكفي الحنفي حكى عن شيخه الغزي الشافعي أنه حرام؛ لأنه مفتر، «وقد نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر (٢)»، وليس من الكبائر شربه المرة والمرتين، ومع نهي ولي الأمر عنه حرام قطعا. اهـ. وفي الأشباه والنظائر (لابن نجيم الفقيه الحنفي) أن حكمه الإباحة بناء على قاعدة " الأصل في الأشياء الإباحة " وقد قال في الدر إلى أنه
следующие страницы →