← Сияса и кади

Сияса и кади · id 8323

غياث الأمم في التياث الظلم

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (522 стр.). Показаны 491–522 · переход к 496.

стр. 491

الْمُعَامَلَاتِ، فَلَا حَجْرَ فِيهِ عِنْدَ خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنْ عِلْمِ التَّفَاصِيلِ وَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي إِبَاحَةِ الْأَجْنَاسِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مُوَضَّحًا مُفَصَّلًا. وَهَذَا بَيَانُ الْعُقُودِ الصَّادِرَةِ عَنِ التَّرَاضِي. فَأَمَّا التَّغَالُبُ، فَلَا يَخْفَى تَحْرِيمُهُ، مَا بَقِيَتْ أُصُولُ الشَّرِيعَةِ. ٧٨٤ - وَقَدْ (٢٦٢) تَقَعُ صُورَةٌ عَوِيصَةٌ، لَا تُدْرَكُ إِلَّا بِعِلْمِ التَّفْصِيلِ، مِثْلَ أَنْ يَغْصِبَ رَجُلٌ سَاجَةً، فَيُدْرِجَهَا فِي أَثْنَاءِ بِنَاءٍ لَهُ وَلَوِ انْتُزِعَ لَتَهَدَّمَ الْبِنَاءُ. فَقَدْ يَخْطُرُ لِبَعْضِ النَّاسِ أَنَّ السَّاجَةَ تُنْتَزَعُ وَتُرَدُّ إِلَى مَالِكِهَا، لِأَنَّهُ ظَالِمٌ لَمَّا غَصَبَ مِنْهُ مَلِكَهُ، وَقَدْ يَخْطُرُ لِلْآخَرِينَ أَنَّ فِي هَدْمِ بِنَاءِ الْغَاصِبِ تَخْسِيرَهُ، وَإِحْبَاطَ مِلْكِهِ، وَذُو السَّاجَةِ يَجِدُ بِثَمَنِهَا مِثْلَهَا، فَيَتَعَارَضُ فِي مِثْلِ هَذَا إِمْكَانُ النَّزْعِ وَتَحْرِيمُهُ، وَلَا سَبِيلَ لِأَهْلِ الزَّمَانِ إِلَى الْحُكْمِ بِالظَّنِّ. وَتَرْكُ الْخُصُومَةِ نَاشِبَةً بَيْنَهُمَا، يَجُرُّ ضِرَارًا عَظِيمًا.

стр. 492

وَلَوْ قُلْنَا: يَتَوَقَّفُ فِي الْوَاقِعَةِ، فَفِي التَّوَقُّفِ اتِّبَاعُ الْحَيْلُولَةِ بَيْنَ مَالِكِ السَّاجَةِ [وَبَيْنَهَا] وَهُوَ تَنْجِيزُ مُرَادِ الْغَاصِبِ الْبَانِي. ٧٨٥ - فَالَّذِي تَقْتَضِيهِ الْحَالَةُ أَنْ يَغْرَمَ صَاحِبُ الْبِنَاءِ لِصَاحِبِ السَّاجَةِ قِيمَتَهَا، فَإِنَّ مِمَّا يُقْطَعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيجٍ عَلَى ظَنٍّ أَنَّ الْحَيْلُولَةَ بَيْنَ الْمَالِكِ وَمِلْكِهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ مُحَالٌ، مَعَ إِمْكَانِ بَذْلِ الْعِوَضِ، وَرَدُّ عَيْنِ السَّاجَةِ مَظْنُونٌ، وَ [لَا] سَبِيلَ إِلَى بِنَاءِ الْأَمْرِ عَلَى الظُّنُونِ مَعَ عَدَمِ الْمُفْتِينَ، وَانْحِسَامِ الطُّرُقِ إِلَى دَرْكِ مَذَاهِبِهِمْ. فَلْيَتَّخِذِ الْفَطِنُ مَا ذَكَرْنَاهُ مُعْتَبَرًا فِي أَمْثَالِ مَا نَصَصْنَا عَلَيْهِ. ٧٨٦ - وَإِنْ أَشْكَلَتْ عَلَى أَهْلِ الزَّمَانِ أَنَّ مَا فِي أَيْدِيهِمْ مُحَرَّمٌ أَمْ لَا؟ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ أَخْذَ الْحَاجَةِ مِنَ الْمُشْتَبِهَاتِ إِذَا عَمَّتْ سَائِغٌ مَعَ اسْتِقْلَالِ الْعُلَمَاءِ بِالتَّفَاصِيلِ، فَمَا الظَّنُّ وَالزَّمَانُ خَالٍ عَنْ مَعْرِفَةِ التَّفَاصِيلِ؟ . ٧٨٧ - وَيَجُوزُ الِازْدِيَادُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ فِي خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنِ الْمُشْتَبِهَاتِ ; فَإِنَّ أَهْلَ الزَّمَانِ لَمْ يَسْتَيْقِنُوا تَحْرِيمًا فِي الزَّائِدِ عَلَى مِقْدَارِ الْحَاجَةِ، وَقَدْ تَمَهَّدَ أَنَّ مَا لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلُ التَّحْرِيمِ، فَلَا حَرَجَ

стр. 493

فِيهِ فِي الزَّمَانِ الشَّاغِرِ عَنْ حَمَلَةِ الْعُلُومِ بِتَفَاصِيلِ الشَّرِيعَةِ (٢٦٣) فَهَذَا مُنْتَهَى الْمَقْصِدِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُعَامَلَاتِ. ٧٨٨ - فَأَمَّا الْقَوْلُ فِي الْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَمْوَالِ، فَالْمَسْلَكُ الْوَجِيزُ فِيهِ أَنَّ الْحُقُوقَ تَنْقَسِمُ إِلَى مَا يُفْرَضُ لِمُسْتَحِقِّينَ مُخْتَصِّينَ، وَإِلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجِهَاتِ الْعَامَّةِ: فَأَمَّا مَا يُقَدَّرُ لِأَشْخَاصٍ مُعَيَّنِينَ، كَالنَّفَقَاتِ وَغَيْرِهَا، فَمَا عُلِمَ فِي الزَّمَانِ وُجُوبُهُ حُكِمَ بِهِ، وَمَا لَمْ يَعْلَمْ بَنُو الزَّمَانِ لُزُومَهُ، فَالْأَمْرُ يَجْرِي فِيهِ عَلَى بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ. ٧٨٩ - وَأَنَا الْآنَ أَضْرِبُ مِنْ قَاعِدَةِ الشَّرْعِ مَثَلَيْنِ يَقْضِي الْفَطِنُ الْعَجَبَ مِنْهُمَا، وَغَرَضِي بِإِيرَادِهِمَا تَنْبِيهُ الْقَرَائِحِ لِدَرْكِ الْمَسْلَكِ الَّذِي مَهَّدْتُهُ فِي الزَّمَانِ الْخَالِي، وَلَسْتُ أَقْصِدُ الِاسْتِدْلَالَ بِهِمَا، فَإِنَّ الزَّمَانَ إِذَا فُرِضَ خَالِيًا عَنِ التَّفَارِيعِ وَالتَّفَاصِيلِ، لَمْ يَسْتَنِدْ أَهْلُ الزَّمَانِ إِلَّا إِلَى مَقْطُوعٍ بِهِ، فَالَّذِي أَذْكُرُهُ مِنْ أَسَالِيبِ الْكَلَامِ فِي تَفَاصِيلِ الظُّنُونِ. فَالْمَثَلَانِ: أَحَدُهُمَا - فِي الْإِبَاحَةِ، وَالثَّانِي - فِي بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ. ٧٩٠ - فَأَمَّا مَا أَضْرِبُهُ فِي الْمُبَاحَاتِ مَثَلًا، فَأَقُولُ:

стр. 494

الصُّيُودُ مُبَاحَةٌ، وَلَيْسَ لَهَا نِهَايَةٌ، فَلَوِ اخْتَلَطَ بِهَا صُيُودٌ مَمْلُوكَةٌ، وَالْتَبَسَ الْأَمْرُ، فَمَا مِنْ صَيْدٍ يَقْتَنِصُهُ الْمَرْءُ إِلَّا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ يَدُهُ الصَّيْدَ الْمَمْلُوكَ. ثُمَّ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الِاصْطِيَادَ لَا يَحْرُمُ، لِأَنَّ مَا حَلَّ مِنَ الصُّيُودِ غَيْرُ مُتَنَاهٍ، وَالْمُخْتَلِطُ بِهِ مَحْصُورٌ مُتَنَاهٍ. ٧٩١ - وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مَا لَا حَرَجَ فِيهِ، وَلَا حَجْرَ لَا يَتَنَاهَى، وَإِنَّمَا الْمَعْدُودُ الْمَحْدُودُ مَا يَحْرُمُ، فَإِذَا الْتَبَسَ عَلَى بَنِي الزَّمَانِ أَعْيَانُ الْمُحَرَّمَاتِ وَهِيَ مَضْبُوطَةٌ [لَمْ يَحْرُمْ] عَلَيْهِمْ مَالَا يَتَنَاهَى. ٧٩٢ -[وَأَمَّا] الَّذِي أَضْرِبُهُ مَثَلًا فِي بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، فَأَقُولُ: لَوْ عَلِمَ رَجُلٌ أَنَّ لِإِنْسَانٍ عَلَيْهِ دَيْنًا، وَالْتَبَسَ عَيْنُ ذَلِكِ الرَّجُلِ عَلَيْهِ الْتِبَاسًا لَا يُتَوَقَّعُ ارْتِفَاعُهُ، فَمَنِ ادَّعَى مِنْ آحَادِ النَّاسِ مَعَ اطِّرَادِ الِالْتِبَاسِ أَنَّهُ مُسْتَحِقُّ الدَّيْنِ، لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُدَّعَى (٢٦٤) عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ شَيْءٌ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ شَيْءٍ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ بَارَّةً، إِذْ لَوْ مَنَعْنَاهُ مِنَ الْيَمِينِ، وَحَمَلْنَاهُ عَلَى النُّكُولِ وَغَرَّمْنَاهُ الْمُدَّعَى، فَقَدْ يَدَّعِي عَلَيْهِ آخَرُ ذَلِكَ الدَّيْنَ. قَائِلًا: إِنَّ الْأَوَّلَ كَانَ مُبْطِلًا، وَأَنَا

стр. 495

ذُو الْحَقِّ، ثُمَّ يَطَّرِدُ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ، فَالِاسْتِمْسَاكُ بِالْبَرَاءَةِ أَوْلَى مِنْ جِهَةِ أَنَّ الَّذِينَ لَا يَسْتَحِقُّونَ عَلَيْهِ شَيْئًا لَا يَنْحَصِرُونَ، فَتَغْلِيبُ مَا [انْتَفَتِ] النِّهَايَةُ عَنْهُ أَحْرَى. ٧٩٣ - وَالَّذِي يُعَضِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ أُخْتٌ مُحَرَّمَةٌ مِنَ الرِّضَاعِ مَثَلًا، وَقَدِ اخْتَلَطَتْ بِنِسْوَةٍ لَا يَنْحَصِرُونَ عِنْدَهَا، فَلِلرَّجُلِ أَنْ يَنْكِحَ مِنْهُنَّ مَنْ شَاءَ. وَهَذَا أَبْدَعُ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ التَّحْرِيمَ مُغَلَّبٌ فِي الْأَبْضَاعِ. ٧٩٤ - وَإِذَا تَقَابَلَ فِي امْرَأَةٍ سَبَبَا تَحْرِيمٍ وَتَحْلِيلٍ، مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحِ أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ عَلَى الثَّانِي، فَالْحُرْمَةُ مُغَلَّبَةٌ فِي الْبُضْعِ عَلَى وَضْعِ الشَّرْعِ، وَمَعَ هَذَا [أَبَحْنَا لِلَّذِي] خَفِيَتْ عَلَيْهِ أُخْتُهُ، وَاخْتَلَطَتْ بِنِسْوَةٍ غَيْرِ مُنْحَصِرَاتٍ عِنْدَنَا أَنْ يَنْكِحَ مِنْهُنَّ مَنْ يَشَاءُ، عَلَى شَرْطِ الشَّرْعِ. فَوَجَبَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ مُوجَبَ تَفَاصِيلِ الشَّرِيعَةِ النَّظَرُ إِلَى مَا لَا يَتَنَاهَى، وَلَا يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ فِيهِ بِأَنْ يَخْتَلِطَ بِهِ مَا يَتَنَاهَى.

стр. 496

٧٩٥ - وَمِمَّا يَسْتَتِمُّ بِهِ هَذَا الْكَلَامُ إِذْ لَابَسْنَاهُ، أَنَّهُ إِذَا انْتَقَلَتْ حَمَامَاتُ بَلْدَةٍ وَهِيَ مَمْلُوكَةٌ إِلَى بَلْدَةٍ أُخْرَى، وَاخْتَلَطَتْ بِحَمَامٍ [مُبَاحٍ] فَالَّذِي صَارَ إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ فِي عُلُومِ الشَّرِيعَةِ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ الِاصْطِيَادُ بِسَبَبِ هَذَا الِاخْتِلَاطِ. ٧٩٦ - وَإِنْ فُرِضَ اخْتِلَاطُ مَا لَا يَتَنَاهَى عِنْدَنَا بِمَا لَا يَتَنَاهَى، فَإِنْ كَانَ مَا ذَكَرْتُهُ مَحْفُوظًا عِنْدَ أَهْلِ الزَّمَانِ بَنَوْا عَلَيْهِ مَا سَبَقَ مِنْ حَمْلِ الْأَمْرِ عَلَى بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، عِنْدَ تَخَيُّلِ الْوُجُوبِ مِنْ غَيْرِ اسْتِيقَانٍ، وَكَذَلِكَ يَنْبَنِي الْأَمْرُ عَلَى الْحَلِّ وَرَفْعِ الْحَرَجِ، فِيمَا لَا يُسْتَيْقَنُ فِيهِ تَحْرِيمٌ. ٧٩٧ - وَإِنْ عَرِيَ الزَّمَانُ عَنِ الْإِحَاطَةِ (٢٦٥) بِمَا ذَكَرْتُهُ فَالَّذِي تَقْتَضِيهِ الْقَاعِدَةُ الْكُلِّيَّةُ نَفْيُ الْوُجُوبِ، فِيمَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ [عَلَى وُجُوبِهِ، وَارْتِفَاعُ الْحَرَجِ فِيمَا لَا يَثْبُتُ فِيهِ حَظْرٌ] فَإِذًا هَذَا مُسْتَبِينٌ عَلَى هَذِهِ الْقَضِيَّةِ مِنَ الْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ، وَإِنْ [نُسِيَ] مَا قَدَّمْتُهُ مِنَ الْأَمْثِلَةِ [فِي] الِاخْتِلَاطِ. ٧٩٨ - فَهَذَا آخِرُ مَا حَاوَلْنَاهُ الْآنَ فِي تَعَلُّقِ الْحُقُوقِ لِمُعَيَّنِينَ بِأَمْوَالِ النَّاسِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا.

стр. 497

٧٩٩ - فَأَمَّا الْقَوْلُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْجِهَاتِ الْعَامَّةِ مِنَ الْحُقُوقِ، وَقَدْ أَحَلْنَا عَلَى هَذَا طَرَفًا مِنَ الْكَلَامِ فِي الزَّكَاةِ، فَنَقُولُ فِيهِ: إِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْمَرْتَبَةُ مَفْرُوضَةً فِي بَقَاءِ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ فِي الْأَذْكَارِ فَالْجِهَاتُ الْعَامَّةُ يَبْقَى الْعِلْمُ بِأَصْلِهَا شَائِعًا مُسْتَفِيضًا [ذَائِعًا] ، وَإِنْ فُرِضَ دُرُوسُ الذِّكْرِ فِيهِ، فَتَكُونُ سَائِرُ الْأُصُولِ دَارِسَةً عَنِ الْأَذْكَارِ، وَالْأَفْكَارِ أَيْضًا، وَيَقَعُ الْكَلَامُ فِي الْمَرْتَبَةِ الرَّابِعَةِ حِينَئِذٍ فِيمَا لَا يُتَصَوَّرُ دُرُوسُهُ. وَالْكَلَامُ فِي بَقَاءِ الْأُصُولِ. ٨٠٠ - فَالْوَاجِبُ إِنْقَاذُ الْمُشْرِفِينَ عَلَى الرَّدَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ. فَإِذَا فُرِضَ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ الْمُسْلِمِينَ مَضْرُورٌ فِي مَخْمَصَةٍ، أَوْ جِهَةٍ أُخْرَى مِنْ جِهَاتِ الضَّرُورَةِ، وَاسْتَمْكَنَ الْمُثْرُونَ الْمُوسِرُونَ مِنْ إِنْقَاذِهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَجَبَ ذَلِكَ عَلَى الْجُمْلَةِ. ٨٠١ - ثُمَّ يُدْرَكُ بِمُقْتَضَى الْعَقْلِ وَرَاءَ ذَلِكَ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّ مَنْ سَبَقَ إِلَى الْقِيَامِ بِذَلِكَ، فَقَدْ أَسْقَطَ الْفَرْضَ عَنِ الْبَاقِينَ. وَالثَّانِي - أَنَّ الْمُوسِرِينَ بِأَجْمَعِهِمْ لَوْ تَوَاكَلُوا وَتَخَاذَلُوا [وَأَحَالَ]

стр. 498

الْبَعْضُ عَلَى الْبَعْضِ، حَتَّى هَلَكَ الْمُضْطَرُّ، حَرِجُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ ; إِذْ لَيْسَ بَعْضُهُمْ بِالِانْتِسَابِ إِلَى التَّضْيِيعِ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ، وَقَدْ عَمَّهُمُ الْعِلْمُ، وَالتَّمَكُّنُ مِنَ الْكِفَايَةِ. وَهَذَا الَّذِي فَصَّلْنَاهُ مَعْنَى فَرْضِ الْكِفَايَةِ فِي قَاعِدَةِ الشَّرِيعَةِ. ٨٠٢ - فَإِذَا هَذَا النَّوْعُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْأَمْوَالِ عَلَى حُكْمِ الْكِفَايَةِ، [فَكُلُّ مَا] عُلِمَ فِي الزَّمَانِ الْمَفْرُوضِ - كَمَا ذَكَرْنَاهُ - نُحِيَ بِهِ نَحْوَ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَكُلُّ مَا أَشْكَلَ وُجُوبُهُ (٢٦٦) فَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ فِيهِ كَمَا سَبَقَ فِي حُقُوقِ الْأَشْخَاصِ الْمُعَيَّنِينَ. ٨٠٣ - فَهَذَا مُنْتَهَى الْمَقْصُودِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَمْلَاكِ مِنَ الْمُعَامَلَاتِ وَالْحُقُوقِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ. وَأَذْكُرُ الْآنَ فَصْلًا فِي الْمَوَارِيثِ حَتَّى يَتِمَّ الْكَلَامُ فِي فَنِّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . [فَصْلٌ في المواريث] [فَصْلٌ] ٨٠٤ - نَقَلَ النَّقَلَةُ فِي مَأْثُورِ الْأَخْبَارِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ، وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ، فَإِنَّهَا تُنْسَى، وَهُوَ أَوَّلُ عِلْمٍ

стр. 499

يُنْزَعُ مِنْ أُمَّتِي» " وَالْعِلْمُ بِالْفَرَائِضِ فِي هَذَا الزَّمَانِ غَضٌّ طَرِيٌّ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَفَحْوَى الْحَدِيثِ مُبَشِّرَةٌ بِبَقَاءِ عُلُومِ الشَّرِيعَةِ فِي عَصْرِنَا فَإِنَّهُ قَالَ إِنَّ عِلْمَ الْفَرَائِضِ أَوَّلُ مَا يُنْزَعُ مِنْ أُمَّتِي. ٨٠٥ - فَلَوْ أَعْضَلَتْ تَفَاصِيلُ الْفَرَائِضِ، وَهَذَا [يَعْسُرُ] مَعَ بَقَاءِ الذِّكْرِ فِي الْأُصُولِ، فَإِنْ [فُرِضَ] دُرُوسٌ فِي التَّفَاصِيلِ، فَالَّذِي يَتَعَلَّقُ بِمَسَاقِ الْكَلَامِ الَّذِي نُجْرِيهِ صِنْفَانِ: ٨٠٦ - أَحَدُهُمَا - فِيهِ إِذَا مَاتَ رَجُلٌ وَخَلَّفَ مُخْتَصِّينَ بِهِ، وَعَلِمَ أَنَّهُمْ وَرَثَةٌ، وَلَكِنْ أَشْكَلَ مِقْدَارُ مَا يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ وَاحِدٍ، فَالَّذِي تَقْتَضِيهِ الْقَاعِدَةُ الْكُلِّيَّةُ، أَنَّهُمُ إِذَا اصْطَلَحُوا وَتَرَاضَوْا عَلَى أَمْرٍ، نَفَذَ مَا تَرَاضَوْا بِهِ. وَإِنْ أَبَوْا وَتَمَانَعُوا، فَالْوَجْهُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ، فَإِنَّهُمْ مَعَ الْتِبَاسِ الْحَالِ مُتَسَاوُونَ، وَلَا مَطْمَعَ فِي ارْتِفَاعِ اللَّبْسِ مَعَ انْقِرَاضِ الْعُلَمَاءِ

стр. 500

وَلَا وَجْهَ لِتَبْقِيَةِ النِّزَاعِ بَيْنَهُمْ، مَعَ مَسِيسِ حَاجَتِهِمْ فَاقْتَضَى مَجْمُوعُ ذَلِكَ التَّسْوِيَةَ. وَنَحْنُ نَضْرِبُ لِذَلِكَ مَثَلًا مِنْ تَفَاصِيلِ الشَّرْعِ لِلْإِينَاسِ وَالتَّشْبِيهِ بِحَالِ الِالْتِبَاسِ، فَنَقُولُ: ٨٠٧ - لَوْ أَبْهَمَ الرَّجُلُ طَلْقَةً مُبِينَةً بَيْنَ نِسْوَةٍ لَهُ، وَمَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ، فَإِنَّا نَقِفُ لَهُنَّ مِيرَاثَ زَوْجَةٍ ثُمَّ سَبِيلُهُنَّ فِيمَا وَقَفَ لَهُنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ، مِنَ الِاصْطِلَاحِ أَوِ التَّسْوِيَةِ (٢٦٧) وَهَذَا يُنَاظِرُ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنَ الْتِبَاسِ الْأَمْرِ. ٨٠٨ - وَمِمَّا يَتَّصِلُ بِهَذَا أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَاتَ وَخَلَّفَ طَائِفَةً مِنَ الْأَقَارِبِ، وَجَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَحْجُوبُونَ، وَقَدَّرَ كُلُّ وَاحِدٍ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ، وَاسْتَوَوْا فِي هَذَا التَّرَدُّدِ، وَتَحَقَّقُوا أَنَّهُمُ الْمُسْتَحِقُّونَ، أَوْ فِيهِمُ الْمُسْتَحِقُّونَ، فَالَّذِي تَقْتَضِيهِ الْقَاعِدَةُ الِاصْطِلَاحُ، أَوِ التَّسْوِيَةُ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ. فَهَذَا أَحَدُ الصِّنْفَيْنِ. ٨٠٩ - وَأَمَّا الصِّنْفُ الثَّانِي، فَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ

стр. 501

مِنَ الْمُسْتَحِقِّينَ، وَفِيهِمْ مَنْ نَشُكُّ فِي أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ أَمْ لَا فَمَنْ لَا يَعْلَمُ قَطْعًا لِنَفْسِهِ اسْتِحْقَاقًا لَا نُثْبِتُ لَهُ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ يَقْتَضِيهِ. فَالَّذِي نَعْلَمُ كَوْنَهُ مُسْتَحِقًّا إِنْ عُلِمَ قَطْعًا أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ النِّصْفَ وَشَكَّ فِي أَنَّهُ هَلْ يَسْتَحِقُّ النِّصْفَ الْبَاقِيَ أَمْ يَسْتَحِقُّ الرَّجُلُ الْمَشْكُوكُ فِيهِ؟ فَالَّذِي نَسْتَيْقِنُ اسْتِحْقَاقَهُ يَأْخُذُهُ هُوَ وَصَاحِبُهُ فِي الْبَاقِي مُتَسَاوِيَانِ، وَالِاسْتِحْقَاقُ لَا يَعْدُوهُمَا، فَيَشْتَرِكَانِ فِيهِ كَمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي أَصْلِ الِاسْتِحْقَاقِ. وَلَوْ لَمْ يَدْرِ مَنْ يَعْلَمُ أَصْلَ الِاسْتِحْقَاقِ أَنَّ الْمِقْدَارَ الْمُسْتَيْقَنَ كَمْ ; فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ الْقَلِيلِ، وَجُوِّزَ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ اسْتِحْقَاقُ الْجَمِيعِ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ، وَكَانَ قَدْ دَرَسَتِ الْفَرَائِضُ وَالْمُقَدَّرَاتُ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُسَلَّمَ إِلَيْهِ شَيْءٌ، إِذْ لَا مِقْدَارَ إِلَّا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَيْقِنُ أَقَلَّ مِنْهُ فَجَمِيعُ الْمَالِ بَيْنَهُمَا عَلَى الْحُكْمِ الْمُقَدَّمِ فِيهِ إِذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُسْتَحِقَّ لِجَمِيعِ التَّرِكَةِ. ٨١٠ - وَلَوْ خَلَّفَ قَرِيبًا، وَجَوَّزَ أَهْلُ الزَّمَانِ أَنْ يَكُونَ وَارِثًا مُسْتَغْرِقًا، وَجَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ الْمَالُ مَصْرُوفًا إِلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ،

стр. 502

فَهَذِهِ الْجِهَةُ مَعَ الْوَارِثِ بِمَثَابَةِ قَرِيبَيْنِ الْتَبَسَ الْوَارِثُ مِنْهُمَا، فَلْتَجْرِ هَذِهِ الْمَسَائِلُ عَلَى (٢٦٨) قَاعِدَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا - طَلَبُ الِاسْتِيقَانِ. وَالْأُخْرَى -[أَنَّ] الِاسْتِحْقَاقَ إِذَا دَارَ بَيْنَ شَخْصَيْنِ أَوْ أَشْخَاصٍ وَكَانَ لَا يَعْدُوهُمْ الِاسْتِحْقَاقُ، وَاسْتَوَوْا فِي جِهَاتِ الْإِمْكَانِ فَالْمَالُ بَيْنَهُمْ عَلَى الْبَيَانِ الْمُقَدَّمِ. ٨١١ - وَنَحْنُ نَخْتِمُ هَذَا الْفَصْلَ الْآنَ بِمُشْكِلَةٍ عَجِيبَةٍ، وَمُعْضِلَةٍ غَرِيبَةٍ، نُورِدُهَا فِي مَعْرِضِ السُّؤَالِ، وَنُبَيِّنُ الْغَرَضَ [مِنْهَا] فِي مَعْرِضِ الِانْفِصَالِ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ بَنَيْتُمْ فُصُولَ الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ عَلَى مُسْتَنَدَاتٍ مُسْتَيْقَنَةٍ، وَكَرَّرْتُمْ غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّ الظُّنُونَ لَا يَرْتَبِطُ فِي خُلُوِّ الدَّهْرِ عَنْ حَمْلَةِ الشَّرِيعَةِ حُكْمٌ، فَإِنَّ ظُنُونَ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَحْزَابِ الْعُلَمَاءِ لَا وَقْعَ لَهَا، وَصِرْتُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ إِلَّا بِقَطْعٍ، وَقَدْ نَاقَضْتُمُ الْآنَ مَا هُوَ قُطْبُ الْكَلَامِ، وَقَاعِدَةُ الْمَرَامِ، إِذْ قُلْتُمْ إِذَا دَارَتِ التَّرِكَةُ الْمُخَلَّفَةُ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَجُوِّزَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا مُسْتَغْرِقًا وَجُوِّزَ أَنْ يَكُونَ مَحْجُوبًا مَزْحُومًا مَحْرُومًا، فَالتَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ

стр. 503

وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى اسْتِيقَانٍ فِي الِاسْتِحْقَاقِ. ٨١٢ - فَهَلَّا قُلْتُمْ بِنَاءً عَلَى الْيَقِينِ: لَا يَأْخُذُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا شَيْئًا مِنَ التَّرِكَةِ؟ مِنْ حَيْثُ لَا يَرْكَنُ إِلَى قَطْعٍ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَبِنَاءُ الْأَمْرِ عَلَى اسْتِوَائِهِمَا، وَإِشْعَارُ ذَلِكَ بِتَوْزِيعِ التَّرِكَةِ عَلَيْهِمَا مِنْ أَدَقِّ مَسَالِكِ الظُّنُونِ، وَأَغْمَضِ فُنُونِ الْمُجْتَهَدَاتِ فِي الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمُشْكِلَاتِ، وَلَا يَسْتَقِلُّ بِهِ إِلَّا فَطِنٌ رَيَّانُ مِنْ عُلُومِ التَّفَاصِيلِ فِي التَّكَالِيفِ. وَالْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ مَبْنَاهَا عَلَى دُرُوسِ الْعِلْمِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وَفُصُولِهَا مَعَ بَقَاءِ قَوَاعِدِهَا وَأُصُولِهَا؟ فَهَذَا هُوَ السُّؤَالُ. ٨١٣ - وَسَبِيلُ الِانْفِصَالِ عَنْهُ أَنْ نَعْتَرِفَ أَوَّلًا بِانْتِفَاءِ الْيَقِينِ كَمَا أَوْضَحَهُ السَّائِلُ، ثُمَّ نَعْتَرِفُ بِأَنَّ وَاحِدًا مِنَ الرَّجُلَيْنِ غَيْرُ مُسْتَيْقِنٍ اسْتِحْقَاقَ (٢٦٩) نَفْسِهِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: ٨١٤ - مِنَ الْأُصُولِ الَّتِي آلَ إِلَيْهِ مَجَامِعُ الْكَلَامِ أَنَّهُ: إِذَا لَمْ يُسْتَيْقَنْ حَجْرٌ وَحَظْرٌ مِنَ الشَّارِعِ فِي شَيْءٍ، فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ تَحْرِيمٌ فِي

стр. 504

خُلُوِّ الزَّمَانِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَيْقِنْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا اسْتِحْقَاقًا، فَلَيْسَ نَعْلَمُ أَيْضًا حَجْرًا عَلَيْهِ فِيمَا يَأْخُذُهُ، وَقَدْ تَحَقَّقْنَا أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ لَا يَعْدُوهُمَا، فَعَدَمُ الِاسْتِيقَانِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ يُعَارِضُهُ انْتِفَاءُ الدَّلِيلِ فِي الْحَظْرِ، وَمُوجَبُ ذَلِكَ رَفْعُ الْحَجْرِ وَالْحَرَجِ. فَإِنِ اقْتَسَمَا عَلَى اصْطِلَاحٍ وَتَرَاضٍ، فَلَا إِشْكَالَ فِي انْتِفَاءِ الْحَرَجِ عَنْهُمَا، وَإِنْ تَنَازَعَا وَالنِّزَاعُ مَقْطُوعٌ فِي أَصْلِ الشَّرِيعَةِ - فَلَا مَسْلَكَ قَطْعًا فِي قَطْعِهِ إِلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ. فَلْيُنْعِمِ الْمُنْتَهِي إِلَى هَذَا الْمُنْتَهَى نَظَرَهُ، فَفِيهِ بَيَانُ بَقَايَا تَرَكْتُهَا لِكُلِّ غَوَّاصِ مُنْتَهٍ، وَنَتَائِجُ الْقَرَائِحِ لَا تَنْتَهِي. ٨١٥ - فَإِنْ قِيلَ: لَا يَتَوَصَّلُ إِلَى هَذِهِ الدَّقَائِقِ إِلَّا مُدَرَّبٌ فِي مَأْخَذِ الْحَقَائِقِ، فَكَيْفَ يُدْرِكُهُ بَنُو الزَّمَانِ الشَّاغِرِ عَنْ عُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ؟ قُلْنَا: إِنْ ثَبَتَ أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مُسْتَنَدُهُ الْقَطْعُ، فَعَلَى أَهْلِ الزَّمَانِ بَذْلُ الْمَجْهُودِ فِي دَرْكِهِ، فَإِذَا فَرَضْنَا بَقَاءَ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ،

стр. 505

فَمِنْ أَجْلَاهَا عِلْمُ بَنِي الزَّمَانِ بِأَنَّ مَا يُتَصَوَّرُ الْوُصُولُ إِلَى الِاسْتِيقَانِ فِيهِ فِي الشَّرِيعَةِ، فَيَتَعَيَّنُ التَّوَصُّلُ إِلَيْهِ. ٨١٦ - وَرُبَّ شَيْءٍ مَدْرَكُهُ الْقَطْعُ، وَفِي دَرْكِهِ عُسْرٌ وَعَنَاءٌ، وَهَذَا كَالْقَوْلِ فِي قَوَاعِدِ الْعَقَائِدِ، فَإِنَّا إِذَا أَوْجَبْنَا الْعِلْمَ بِهَا فَقَدْ يَدِقُّ مَدْرَكُهَا، وَيَتَوَعَّرُ مَسْلَكُهَا، وَلَكِنَّهَا إِذَا كَانَتْ مُسْتَدْرَكَةً بِأَسَالِيبِ الْعُقُولِ تَعَيَّنَ السَّعْيُ فِي إِدْرَاكِهَا. ٨١٧ - فَهَذَا نِهَايَةُ الْمَقْصُودِ فِي الْمَكَاسِبِ. وَمَنْ أَحَاطَ بِهَا، لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ مَسْلَكٌ يُطَالِعُ بِهِ، وَيُرَاجِعُ فِيهِ فِي جِهَاتِ الْمُطَالِبِ، وَفُنُونِ الْمَكَاسِبِ. [الْقَوْلُ فِي الْمُنَاكَحَاتِ] فَأَمَّا: الْقَوْلُ فِي الْمُنَاكَحَاتِ ٨١٨ - فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّهَا لَا بُدَّ مِنْهَا، كَمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْأَقْوَاتِ، فَإِنَّ بِهَا بَقَاءَ النَّوْعِ، كَمَا بِالْأَقْوَاتِ (٢٧٠) بَقَاءُ النُّفُوسِ. وَالنِّكَاحُ هُوَ الْمُغْنِي عَنِ السِّفَاحِ، وَلَا يَنْتَهِي الْأَمْرُ فِي حَقِّ الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ - مَعَ بَقَاءِ الْعِلْمِ بِتَفَاصِيلِ الشَّرِيعَةِ إِلَى الْمُنْتَهَى الَّذِي يُبَاحُ فِي مِثْلِهِ الْمَيْتَاتُ فِي أَمْرِ الْوِقَاعِ وَالِاسْتِمْتَاعِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى ذَوِي الْمَكِنَةِ وَالْيَسَارِ،

стр. 506

وَأَصْحَابِ الِاقْتِدَارِ، أَنْ يُعِفُّوا الْفُقَرَاءَ الْمُتَعَزِّبِينَ، وَإِنِ اشْتَدَّتْ غُلْمَتُهُمْ، [وَظَهَرَ] تَوَقَانُهُمْ. وَلَكِنْ مَعَ هَذَا التَّنْبِيهِ، الْمَنَاكِحُ فِي حَقِّ النَّاسِ عَامَّةً فِي حُكْمِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ عُمُومَ الْحَاجَةِ فِي حُقُوقِ النَّاسِ كَافَّةً، كَالضَّرُورَةِ فِي حَقِّ الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ. فَهَذِهِ مُقَدِّمَةٌ رَأَيْنَا تَقْدِيمَهَا. ٨١٩ - وَأَوَّلُ مَا نَفْتَتِحُهُ بِنَاءً عَلَيْهَا، أَنَّهُ إِذَا أَشْكَلَ فِي الزَّمَانِ الشَّرَائِطُ الْمَرْعِيَّةُ فِي النِّكَاحِ، وَلَمْ يَأْمَنْ كُلُّ مَنْ يُحَاوِلُ نِكَاحًا أَنَّهُ يُخِلُّ بِشَرْطٍ مُعْتَبَرٍ فِي تَفَاصِيلِ الشَّرِيعَةِ، فَلَا تَحْرُمُ الْمَنَاكِحُ بِتَوَقُّعِ ذَلِكَ ; فَإِنَّا لَوْ حَرَّمْنَاهَا، لَحَسَمْنَاهَا، وَلَوْ فَعَلْنَا ذَلِكَ، لَتَسَبَّبْنَا إِلَى قَطْعِ النَّسْلِ، وَإِفْنَاءِ النَّوْعِ، ثُمَّ لَا تَعِفُّ النُّفُوسُ عَمُومًا، فَتَسْتَرْسِلُ فِي السِّفَاحِ، إِذَا صُدَّتْ عَنِ النِّكَاحِ. وَهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ فِيهِ إِذَا عَمَّتِ الشُّبُهَاتُ، أَوْ طَبَّقَتِ الْمُحَرَّمَاتُ فِي الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ. ٨٢٠ - وَلَكِنَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي الْبِيَاعَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ التَّرَاضِي،

стр. 507

وَالْمَنْعُ مِنَ التَّغَالُبِ وَالتَّسَالُبُ، فَلَئِنْ قَامَتْ تَعَبُّدَاتٌ فِي تَفَاصِيلِ الْمُعَامَلَاتِ، فَاعْتِبَارُ التَّرَاضِي مَعْلُومٌ، لَا يُنْكَرُ مَا بَقِيَتِ الْأُصُولُ. وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْآنَ الْأَصْلَ الْمُعْتَبَرَ فِي النِّكَاحِ، فَنَقُولُ: ٨٢١ - لَا يَخْفَى عَلَى ذَوِي التَّمْيِيزِ أَنَّ الرِّضَا الْمُجَرَّدَ لَا يَقَعُ الِاكْتِفَاءُ بِهِ وَلَوْ أَقْنَعَ الرِّضَا لَكَانَ كُلُّ سِفَاحٍ بَيْنَ مُقْدِمٍ عَلَيْهِ، وَمُمَكِّنَةٍ مُطَاوِعَةٍ نِكَاحًا مُبَاحًا. فَمِمَّا لَا يَكَادُ يَخْفَى اعْتِبَارُهُ صُورَةُ الْعَقْدِ وَالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ (٢٧١) ، وَأَمَّا الْوَلِيُّ وَالشُّهُودُ، فَمِمَّا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَصْلِهِ وَتَفْصِيلِهِ. فَمَا غَمُضَ أَمْرُهُ [عَلَى] أَهْلِ الزَّمَانِ، وَلَمْ يَخْطُرْ لَهُمْ عَلَى التَّعْيِينِ، وَلَكِنَّهُمْ عَلَى الْجُمْلَةِ لَمْ يَأْمَنُوا أَنْ يَكُونُوا مُخِلِّينَ بِشَرْطِ الْعَقْدِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى دَرْكِهِ، فَهَذَا الظَّنُّ غَيْرُ ضَائِرٍ. ٨٢٢ - وَإِنْ تَعَيَّنَ لَهُمْ شَيْءٌ، وَتَرَدَّدُوا فِي اشْتِرَاطِهِ، كَالْوَلِيِّ وَالشُّهُودِ، فَقَدْ تَعَارَضَ هَاهُنَا ظَنَّانِ:

стр. 508

أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ شَرْطٌ مَا لَمْ يُعْلَمْ ثُبُوتُهُ. وَالثَّانِي - أَنَّ الْأَصْلَ تَحْرِيمُ الْأَبْضَاعِ، فَلَا يُسْتَبَاحُ إِلَّا بِثَبْتٍ وَتَحْقِيقٍ. ٨٢٣ - وَلَكِنْ لَا مُعَوِّلَ عَلَى الظَّنِّ الثَّانِي مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّا نَرَى الْآنَ فِي تَفَاصِيلِ الشَّرِيعَةِ اسْتِبَاحَةَ الْأَنْكِحَةِ فِي مَجَالِ الظُّنُونِ وَالِاجْتِهَادِ. وَالثَّانِي - أَنَّ هَذَا التَّعَارُضَ لَا يَثْبُتُ عِلْمًا، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ عِلْمٌ بِاشْتِرَاطِ شَيْءٍ لَمْ يُشْتَرَطْ. وَهَذَا لَا يُعَارِضُهُ قَوْلُ الْقَائِلِ إِذَا لَمْ يَثْبُتْ تَصْحِيحُ النِّكَاحِ، لَمْ نَحْكُمْ بِهِ، فَإِنَّا لَوْ شَرَطْنَا فِي خُلُوِّ الزَّمَانِ الْعِلْمَ بِانْعِقَادِ النِّكَاحِ، وَاشْتِمَالَهُ عَلَى الشَّرَائِطِ الْمَرْعِيَّةِ، وَعُرُوَّهُ عَنِ الْمُفْسِدَاتِ، لَمَا حَكَمْنَا بِصِحَّةِ [نِكَاحٍ] أَصْلًا مَعَ دُرُوسِ الْعِلْمِ بِالتَّفَاصِيلِ. ٨٢٤ - وَمِمَّا لَا تَخْفَى رِعَايَتُهُ فِي النِّكَاحِ خُلُوُّ الْمَرْأَةِ عَنْ نِكَاحِ الْغَيْرِ، وَعَنِ اشْتِمَالِ الرَّحِمِ عَلَى مَاءٍ مُحْتَرَمٍ، فَإِنَّ الْغَرَضَ الْأَظْهَرَ

стр. 509

فِي إِحْلَالِ النِّكَاحِ، وَتَحْرِيمِ السَّفَّاحِ أَنْ يَخْتَصَّ كُلُّ بَعْلٍ بِزَوْجَتِهِ وَلَا يَزْدَحِمَ نَاكِحَانِ عَلَى امْرَأَةٍ فَيُؤَدِّيَ ذَلِكَ إِلَى اخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ. ٨٢٥ - وَأَمَّا أَمْرُ الْعِدَّةِ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فِي الْعَصْرِ - وَهُوَ الْغَالِبُ مَا بَقِيَتِ الْأُصُولُ - فَيُرَاعَى فِي النِّكَاحِ الْخُلُوُّ عَنِ الْعِدَّةِ. وَإِنِ اشْتَبَهَ عَلَى بَنِي الزَّمَانِ تَفَاصِيلُ الْعِدَدِ فَلَا يَكَادُ يَخْفَى اعْتِبَارُ ظُهُورِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ عَنِ النَّاكِحِ الْمُتَقَدِّمِ، فَإِنْ ظَهَرَ ذَلِكَ بِحَيْضِهِ ; وَلَمْ يَعْلَمْ بَنُو الدَّهْرِ اعْتِبَارَ الْعِدَدِ فِي الْأَقْرَاءِ، أَوْ مُضِيَّ زَمَنٍ لَوْ كَانَ حَمْلٌ لَظَهَرَ مَخَايِلُهُ، وَحَسِبَ النَّاسُ أَنَّ النِّكَاحَ (٢٧٢) يَحِلُّ، أَوْ لَمْ يَعْلَمُوا تَحْرِيمَهُ، فَهَذَا يَلْتَحِقُ بِإِيرَادِهِمْ عَقْدَ النِّكَاحِ عَلَى وَجْهٍ يَتَرَدَّدُونَ فِي صِحَّتِهِ وَفَسَادِهِ، مِنْ جِهَةِ مُفْسِدٍ مُقْتَرِنٍ أَوْ إِخْلَالٍ بِشَرْطٍ فَالْوَجْهُ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالنِّكَاحِ. ٨٢٦ - فَأَمَّا إِذَا طَرَأَ عَلَى النِّكَاحِ طَارِئٌ، وَكَانَ حُكْمُهُ مَحْفُوظًا، فَلَا كَلَامَ. وَإِنْ غَمُضَ، فَلَمْ يَدْرِ أَنَّهُ قَاطِعٌ لِلنِّكَاحِ أَمْ لَا، فَالَّذِي

стр. 510

يَقْتَضِيهِ الْأَصْلُ الْحُكْمُ بِبَقَاءِ النِّكَاحِ إِلَى اسْتِيقَانِ ارْتِفَاعِهِ، وَهَذَا يَشْهَدُ لَهُ حُكْمٌ مِنْ تَفَاصِيلِ الشَّرْعِ، أَنَّ مَنْ شَكَّ فَلَمْ يَدْرِ أَطَلَّقَ أَمْ لَا، [أَوِ] اسْتَيْقَنَ أَنَّهُ تَلَفَّظَ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ كَانَ طَلَاقًا أَمْ لَا، فَالنِّكَاحُ مُسْتَدَامٌ مُسْتَصْحِبٌ وِفَاقًا. ٨٢٧ - وَلَسْتُ أَسْتَدِلُّ بِهَذَا ; فَإِنَّ الْقَوْلَ مُصَوَّرٌ لِي فِي غُمُوضِ التَّفَاصِيلِ، فَلَا يَبْقَى شَاهِدٌ مِنَ التَّفَارِيعِ فِي الزَّمَانِ الْخَالِي عَنْ ذِكْرِهَا. وَلَكِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ التَّحْرِيمَ إِذَا لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ فَالْأَمْرُ يَجْرِي عَلَى رَفْعِ الْحَرَجِ. وَقَدْ كَرَّرْتُ هَذَا مِرَارًا مُحَاوِلًا الْإِينَاسَ بِهِ. وَالْكَلَامُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعْهُودًا ذُكِرَ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَقَدْ يَتَعَدَّاهُ النَّاظِرُ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيجٍ عَلَى تَدَبُّرِهِ، فَتَفُوتُهُ الْفَائِدَةُ، وَإِذَا تَكَرَّرَ اسْتَبَانَ اعْتِنَاءُ مُكَرِّرِهِ، فَيَتَرَتَّبُ عَلَى اتِّئَادٍ فِي الْبَحْثِ عَنْ مَغْزَاهُ وَمُقْتَضَاهُ. فَهَذَا آخِرُ الْمَقْصُودِ فِي الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَنْكِحَةِ وَمَا يَطْرَأُ عَلَيْهَا. [قول جامع في الزواجر والسياسات] وَقَدْ بَقِيَ مِنْ [تَمَامِ] الْكَلَامِ قَوْلٌ جَامِعٌ كُلِّيٌّ فِي الزَّوَاجِرِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِيَالَةِ، فَنَقُولُ:

стр. 511

لَا يَكَادُ يَخْفَى جَوَازُ دَفْعِ الظَّلَمَةِ، وَإِنِ انْتَهَى الدَّفْعُ إِلَى شَهْرِ الْأَسْلِحَةِ، فَإِنَّ مَنْ أَجْلَى أُصُولِ الشَّرِيعَةِ، دَفْعُ الْمُعْتَدِينَ بِأَقْصَى الْإِمْكَانِ عَنْ الِاعْتِدَاءِ وَلَوْ ثَارَتْ فِيهِ زَائِغَةٌ عَنِ الرَّشَادِ، وَآثَرُوا السَّعْيَ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، وَلَمْ يَمْنَعُوا قَهْرًا، وَلَمْ يَدْفَعُوا قَسْرًا، لَاسْتَجْرَأَ الظَّلَمَةُ، وَلَتَفَاقَمَ الْأَمْرُ. وَهَذَا يُغْنِي ظُهُورُهُ عَنِ الْإِمْعَانِ فِي الْبَيَانِ. ٨٢٩ - فَأَمَّا إِذَا اعْتَدَى الْمُعْتَدُونَ، وَظَفِرْنَا بِهِمْ، فَأُصُولُ الْحُدُودِ لَا تَخْفَى مَا بَقِيَتْ شَرِيعَةُ الْمُصْطَفَى ﷺ . وَالْكَلَامُ الضَّابِطُ فِيهَا أَنَّ كُلَّ حَدٍّ اسْتَيْقَنَهُ أَهْلُ الْعَصْرِ أَقَامَهُ وُلَاةُ الْأَمْرِ، كَمَا تَقَدَّمَ الْقَوْلُ الشَّافِي الْبَالِغُ فِي أَحْكَامِ الْوُلَاةِ. فَإِذَا شَكَّ بَنُو الزَّمَانِ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ، لَمْ يُقِيمُوهُ أَصْلًا، وَلَوْ عَلِمُوا أَنَّ وُجُوبَ الْحَدِّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، فَهُوَ إِذَنْ مَظْنُونٌ وَكَانَ فِي مَحَلِّ التَّحَرِّي، إِذَا كَانَتِ التَّفَاصِيلُ مَذْكُورَةً مَحْفُوظَةً. فَإِذَا عَدِمَ أَهْلُ الزَّمَانِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْمُقَلِّدُونَ مِنْ تَقْدِيمِ إِمَامٍ عَلَى

стр. 512

إِمَامٍ، فَقَدِ اسْتَوَى عِنْدَهُمُ الظَّنَّانِ، وَتَعَارَضَ الْمَذْهَبَانِ، وَلَا تَعْوِيلَ عَلَى ظُنُونِ الْعَوَامِّ فِي أَنْفُسِهِمْ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى الْهُجُومِ عَلَى إِقَامَةِ الْعُقُوبَاتِ وَإِرَاقَةِ الدِّمَاءِ مَعَ التَّرَدُّدِ. ٨٣٠ - وَلَوْ وَقَعَتْ وَاقِعَةٌ فِي حَدٍّ مَعَ بَقَاءِ الْفُرُوعِ، وَاسْتَوَى فِي ظَنِّ الْمُفْتِي إِيجَابُ الْحَدِّ وَنَفْيُهُ، وَلَمْ يَتَرَجَّحْ أَحَدُ الظَّنَّيْنِ عَلَى الثَّانِي، فَلَا يُفْتَى بِالْحَدِّ أَصْلًا، فَحُكْمُ أَهْلِ الزَّمَانِ الْخَالِي عَنْ عِلْمِ التَّفَاصِيلِ يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى. ٨٣١ - وَمِمَّا يَلِيقُ بِذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا زَنَى رَجُلٌ، وَعُلِمَ أَنَّهُ اسْتَوْجَبَ الْحَدَّ، وَلَكِنْ لَمْ يُدْرَ أَمُحْصَنٌ هُوَ فَيُرْجَمُ؟ أَوْ بِكْرٌ فَيُجْلَدُ؟ فَلَا سَبِيلَ مَعَ الْإِشْكَالِ إِلَى رَجْمِهِ. فَأَمَّا الْجَلْدُ فَلَا يَجُوزُ جَلْدُ الْمُحْصَنِ كَمَا لَا يَجُوزُ رَجْمُ الْبِكْرِ، إِذْ لَا تَبَادُلَ فِي الْحُدُودِ. فَالْوَجْهُ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ أَنْ لَا يُحَدَّ أَصْلًا ; فَإِنَّا شَكَكْنَا فِي أَنَّ الْجَلْدَ هَلْ يَسُوغُ إِقَامَتُهُ أَمْ لَا، وَالْعُقُوبَةُ الْمَشْكُوكُ فِيهَا لَا تُقَامُ فِي الزَّمَانِ الَّذِي دُفِعْنَا إِلَى الْكَلَامِ فِيهِ.

стр. 513

٨٣٢ - فَإِنْ قِيلَ: لَوْ زَنَى مُحْصَنٌ وَاسْتَوْجَبَ الرَّجْمَ، وَالشَّرِيعَةُ بِمَائِهَا (٢٧٤) وَالْعُلَمَاءُ مُتَوَافِرُونَ وَحَمَلَةُ الشَّرِيعَةِ مُسْتَقِلُّونَ بِضَبْطِ التَّفَاصِيلِ، وَرَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَقْتُلَ الْمُحْصَنَ بِالسِّيَاطِ، وَيُحِلَّهَا مَحَلَّ الْأَحْجَارِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُجَوَّزَ ذَلِكَ. وَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُهُ، فَلْيُجْلَدْ مَنِ اعْتَاصَ الْأَمْرُ فِي رَجْمِهِ وَجَلْدِهِ. فَإِنْ كَانَ مَرْجُومًا، فَقَدِ اقْتُصِرَ عَلَى بَعْضِ مَا يَسْتَحِقُّ، وَإِنْ كَانَ مَجْلُودًا فَقَدْ أُقِيمُ عَلَيْهِ [حَقُّهُ] كَمَلًا. ٨٣٣ - قُلْنَا: لَسْنَا نَرَى أَوَّلًا إِقَامَةَ السِّيَاطِ مَقَامَ الْأَحْجَارِ، فَإِنَّ الْحُدُودَ لَا يَتَغَيَّرُ كَيْفِيَّاتُهَا وَلَا تُبَدَّلُ آلَاتُهَا. ثُمَّ إِنِ انْتَهَى مُجْتَهِدٌ إِلَى تَجْوِيزِ مَا أَوْرَدَهُ السَّائِلُ، فَهُوَ مِنْ دَقِيقِ الْقَوْلِ فِي أَسَالِيبِ الظُّنُونِ، فَكَيْفَ يُدْرِكُهُ أَهْلُ الزَّمَانِ الشَّاغِرِ عَنْ عُلَمَاءِ التَّفَاصِيلِ؟ . ٨٣٤ - نَجَزَ الْكَلَامُ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ، وَقَدْ قَيَّضَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا أُمُورًا بَدِيعَةً، لَا يُدْرِكُ عُلُوَّ قَدْرِهَا إِلَّا الْفَطِنُ الْغَوَّاصُ

стр. 514

وَ [مَنْ] هُوَ مِنْ أَخَصِّ الْخَوَاصِّ، وَكُنْتُ قَدْ عَزَمْتُ عَلَى أَنْ أَذْكُرَ فِي كُلِّ كِتَابٍ وَبَابٍ فُصُولًا، وَأُمَهِّدَ أُصُولًا، ثُمَّ رَأَيْتُ الِاكْتِفَاءَ بِهَذِهِ اللُّمَعِ ; إِذْ وَجَدْتُهَا تُرْشِدُ إِلَى مَسَالِكِ الْكَلَامِ فِي الْأُصُولِ [جُمَعَ] وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا يَسُرُّ الطَّالِبَ إِلَّا التَّنْبِيهَ عَلَى الْأُصُولِ، لَكَانَ ذَلِكَ كَافِيًا. ٨٣٥ - فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ قَدْ بَنَيْتُمْ هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ عَلَى خُلُوِّ أَهْلِ الزَّمَانِ عَنْ ذِكْرِ التَّفَاصِيلِ، وَالَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ مِمَّا يَغْمُضُ عَلَى مُعْظَمِ الْعُلَمَاءِ فِي الدَّهْرِ، فَكَيْفَ يُدْرِكُهُ أَهْلُ زَمَانٍ فَاتَتْهُمْ تَفْرِيعَاتُ الشَّرِيعَةِ وَتَفَاصِيلُهَا؟ فَلَيْسَ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ إِذَنْ، وَالشَّرِيعَةُ مَحْفُوظَةٌ، فَإِذَا دَرَسَتْ فُرُوعُهَا، وَلَمْ يَسْتَقِلَّ النَّاسُ بِهَا، لَمْ يَفْهَمْهَا الْعَوَامُّ، فَهَذَا الْكَلَامُ إِذَنْ لَا يُجْدِي وَلَا يُفِيدُ عَلَى اخْتِلَافِ الزَّمَانِ فِي الذِّكْرِ وَالنِّسْيَانِ؟ ٨٣٦ - قُلْنَا: الْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ لَيْسَ خَالِيًا عَنْ فَوَائِدَ جَمَّةٍ مَعَ بَقَاءِ الْعُلُومِ بِتَفَاصِيلِ الشَّرِيعَةِ، وَفِيهَا (٢٧٥) التَّنْبِيهُ عَلَى مَأْخَذِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، وَمَنْ أَحْكَمَهُ تَفَتَّحَتْ قَرِيحَتُهُ فِي مَبَاحِثِ الْمَعَانِي، وَعَرَفَ الْقَوَاعِدَ

стр. 515

وَالْمَبَانِيَ، وَرَقَى إِلَى مَرْقًى عَظِيمٍ مِنَ الْكُلِّيَّاتِ لَا يُدْرِكُهُ الْمُتَقَاعِدُ الْوَانِي، [وَطُرُقُ] الْمَبَاحِثِ لَا تَتَهَذَّبُ إِلَّا بِفَرْضِ التَّقْدِيرَاتِ قَبْلَ وُقُوعِهَا وَالِاحْتِوَاءِ عَلَى جُمَلِهَا، وَمَجْمُوعِهَا. فَهَذَا جَوَابٌ. وَلَسْتُ أَرْتَضِيهِ ; فَإِنِّي لَمْ أَجْمَعْ هَذَا الْكَلَامَ لِهَذَا الْغَرَضِ. ٨٣٧ - فَالْجَوَابُ السَّدِيدُ أَنِّي وَضَعْتُ [هَذَا] الْكِتَابَ لِأَمْرٍ عَظِيمٍ، فَإِنِّي تَخَيَّلْتُ انْحِلَالَ الشَّرِيعَةِ، وَانْقِرَاضَ حَمَلَتِهَا، وَرَغْبَةَ النَّاسِ عَنْ طَلَبِهَا، وَإِضْرَابَ الْخَلْقِ عَنِ الِاهْتِمَامِ بِهَا، وَعَايَنْتُ فِي عَهْدِي الْأَئِمَّةَ يَنْقَرِضُونَ وَلَا يُخْلَفُونَ، وَالْمُتَّسِمُونَ بِالطَّلَبِ يَرْضَوْنَ بِالِاسْتِطْرَافِ، وَيَقْنَعُونَ بِالْأَطْرَافِ وَغَايَةُ مَطْلَبِهِمْ مَسَائِلُ خِلَافِيَّةٌ يَتَبَاهَوْنَ بِهَا، أَوْ فُصُولٌ مُلَفَّقَةٌ، وَكَلِمٌ مُرْتَقَةٌ فِي الْمَوَاعِظِ يَسْتَعْطِفُونَ بِهَا قُلُوبَ الْعَوَامِّ وَالْهَمَجِ الطَّغَامِ. فَعَلِمْتُ أَنَّ الْأَمْرَ لَوْ تَمَادَى عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَانْقَرَضَ عُلَمَاءُ الشَّرِيعَةِ عَلَى قُرْبٍ وَكَثَبٍ، وَلَا تَخْلُفُهُمْ إِلَّا التَّصَانِيفُ وَالْكُتُبُ. ثُمَّ لَا يَسْتَقِلُّ بِكُتُبِ

стр. 516

الشَّرِيعَةِ عَلَى كَثْرَتِهَا وَاخْتِلَافِهَا مُسْتَقِلٌّ بِالْمُطَالَعَةِ مِنْ غَيْرِ مُرَاجَعَةٍ مَعَ مُرْشِدٍ، وَسُؤَالٍ عَنْ عَالِمٍ مُسَدَّدٍ. فَجَمَعْتُ هَذِهِ الْفُصُولَ، وَأَمَّلْتُ أَنْ يَشِيعَ مِنْهَا نَسْخٌ فِي الْأَقْطَارِ وَالْأَمْصَارِ، فَلَوْ عَثَرَ عَلَيْهَا بَنُو الزَّمَانِ لَأَوْشَكَ أَنْ يُفْهِمُوهَا لِأَنَّهَا قَوَاطِعُ ثُمَّ ارْتَجَيْتُ أَنْ يَتَّخِذُوهَا مَلَاذَهُمْ وَمَعَاذَهُمْ، فَيُحِيطُوا بِمَا عَلَيْهِمْ مِنَ التَّكَالِيفِ فِي زَمَانِهِمْ وَيَتَحَفَّظُونَهُ لِصِغَرِ حَجْمِهِ وَاتِّسَاقِ نَظْمِهِ. فَهَذَا مَا قَصَدْتُ. فَإِنَّ تَحْقِيقَ ظَنِّي فَهُوَ الْفَوْزُ الْأَكْبَرُ، وَإِلَّا فَالْخَيْرَ أَرَدْتُ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

стр. 517

[الْمَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ الْبَابُ الرَّابِعُ فِي خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ] الْمَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ (الْبَابُ الرَّابِعُ) فِي خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ. ٨٣٨ - قَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ إِذَا دَرَسَتِ الْعُلُومُ بِتَفَاصِيلِ الشَّرِيعَةِ (وَبَقِيَتْ أُصُولُهَا فِي الذِّكْرِ، وَمَضْمُونُ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ تَقْدِيرُ دُرُوسِ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ. وَقَدْ ذَهَبَتْ طَوَائِفُ مِنْ عُلَمَائِنَا إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَقَعُ ; فَإِنَّ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ تَبْقَى مَحْفُوظَةً عَلَى مَمَرِّ الدُّهُورِ، إِلَى نَفْخَةِ الصُّوَرِ، وَاسْتَمْسَكُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ) . ٨٣٩ - وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ غَيْرُ مَرَضِيَّةٍ، وَالْآيَةُ فِي حِفْظِ الْقُرْآنِ عَنِ التَّحْرِيفِ، وَالتَّبْدِيلِ وَالتَّصْرِيفِ، وَقَدْ وَرَدَتْ أَخْبَارٌ فِي انْطِوَاءِ الشَّرِيعَةِ، وَانْطِمَاسِ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، وَانْدِرَاسِ مَعَالِمِ الْأَحْكَامِ، بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، وَقَدْ قَالَ ﷺ : " «سَيُقْبَضُ الْعِلْمُ حَتَّى يَخْتَلِفَ الرَّجُلَانِ فِي فَرِيضَةٍ، وَلَا يَجِدَانِ مَنْ يَعْرِفُ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا» ".

стр. 518

فَالْقَوْلُ الْمُرْتَضَى فِي ذَلِكَ أَنَّ دُرُوسَ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ فِي مُسْتَقَرِّ الْعَادَةِ فِي الْآمَادِ الدَّانِيَةِ، فَإِنِ انْقَرَضَ عُمُرُ الدُّنْيَا فِي مُطَّرِدِ الْعُرْفِ، وَقَامَتِ الْقِيَامَةُ فِي الْأَعْصَارِ الْقَرِيبَةِ. فَلَا حَاجَةَ إِلَى هَذِهِ التَّقْدِيرَاتِ، وَإِنْ تَطَاوَلَ الزَّمَنُ، فَلَا يَبْعُدُ فِي مُطَّرَدِ الْعُرْفِ انْمِحَاقُ الشَّرِيعَةِ أَصْلًا أَصْلًا، حَتَّى تَدْرُسَ بِالْكُلِّيَّةِ وَعَلَى هَذَا التَّدْرِيجِ [تُبْتَدَأُ] الْأُمُورُ الدِّينِيَّةُ وَالدُّنْيَوِيَّةُ، وَتَزِيدُ حَتَّى تَبْلُغَ الْمُنْتَهَى، ثُمَّ تَنْحَطُّ وَتَنْدَرِسُ، حَتَّى تَنْقَضِيَ وَتَنْصَرِمَ كَأَنْ لَمْ تُعْهَدْ. ٨٤١ - فَإِنْ فُرِضَ ذَلِكَ قَدَّمْنَا عَلَى غَرَضِنَا مِنْ ذَلِكَ صُورَةً. وَهِيَ أَنَّ طَائِفَةً فِي جَزِيرَةٍ مِنَ الْجَزَائِرِ، لَوْ بَلَغَتْهُمُ الدَّعْوَةُ، وَلَاحَتْ عِنْدَهُمْ دِلَالَةُ النُّبُوَّةِ، فَاعْتَرَفُوا بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالنُّبُوَّةِ، وَلَمْ يَقِفُوا عَلَى شَيْءٍ مِنْ أُصُولِ الْأَحْكَامِ، وَلَمْ يَسْتَمْكِنُوا مِنَ [الْمَسِيرِ] إِلَى عُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ، فَالْعُقُولُ عَلَى مَذَاهِبِ أَهْلِ الْحَقِّ لَا تَقْتَضِي (٢٧٧)

стр. 519

التَّحْرِيمَ وَالتَّحْلِيلَ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا فِي مَدْرَكِ قَضَايَا التَّكْلِيفِ تَعْوِيلٌ. ٨٤٢ - وَهَذَا الْأَصْلُ مِنْ أَعْظَمِ الطَّوَامِّ وَهُوَ مَزَلَّةُ الْأَقْدَامِ، وَمَضَلَّةُ مُعْظَمِ الْأَنَامِ، وَلَوْ أَوْغَلْتُ فِيهَا لَأَرْبَى مَفَاتِيحُ الْكَلَامِ فِي حَوَاشِيهَا عَلَى مِقْدَارِ حَجْمِ الْكِتَابِ، فَالْوَجْهُ الِاكْتِفَاءُ بِنَقْلِ [الْمَذَاهِبِ] ، وَإِحَالَةِ مَنْ يُحَاوِلُ الْوُقُوفَ عَلَى [مَضَائِقِ] الْحَقَائِقِ [عَلَى] بَحْرِ الْكَلَامِ. ٨٤٣ - فَمِقْدَارُ الْغَرَضِ فِيهِ الْآنَ أَنَّ الَّذِينَ فَرَضْنَا الْكَلَامَ فِيهِمْ لَا يَلْزَمُهُمْ إِلَّا اعْتِقَادٌ بِالتَّوْحِيدِ، وَنُبُوَّةُ النَّبِيِّ الْمُبْتَعَثِ، وَتَوْطِينُ النَّفْسِ عَلَى التَّوَصُّلِ إِلَيْهِ فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ مَهْمَا صَادَفُوا أَسْبَابَ الْإِمْكَانِ، وَلَسْنَا نُنْكِرُ أَنَّ عُقُولَهُمْ تَسْتَحِثُّهُمْ فِي قَضِيَّاتِ الْجِبِلَّاتِ عَلَى الِانْكِفَافِ [عَنْ] مُقْتَضَيَاتِ الرَّدَى، وَالِانْصِرَافِ عَنْ

стр. 520

مُوجِبَاتِ [الْتَّوَى] وَلَكِنَّا لَا نَقْضِي بِأَنَّ حُكْمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مُوجَبُ عُقُولِهِمْ. ٨٤٤ - فَنَنْعَطِفُ الْآنَ عَلَى غَرَضِنَا، وَنَقُولُ: إِذَا دَرَسَتْ فُرُوعُ الشَّرِيعَةِ وَأُصُولُهَا، وَلَمْ يَبْقَ مُعْتَصِمٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ، وَيُعَوَّلُ عَلَيْهِ، انْقَطَعَتِ التَّكَالِيفُ عَنِ الْعِبَادِ، وَالْتَحَقَتْ أَحْوَالُهُمْ بِأَحْوَالِ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغْهُمْ دَعْوَةٌ، وَلَمْ تُنَطْ بِهِمْ شَرِيعَةٌ. ٨٤٥ - وَإِنَّمَا جَعَلْتُ هَذَا الْفَصْلَ مُنْقَطِعَ الْكَلَامِ، لِأَنِّي افْتَتَحْتُ بِاسْمِ مَوْلَانَا نَضَّرَ اللَّهُ أَيَّامَهُ، وَأَسْبَغَ عَلَى سَاحَتِهِ السَّامِيَةِ أَنْعَامَهُ، كِتَابًا مَضْمُونُهُ ذِكْرُ مَدَارِكِ الْعُقُولِ، سَأَنْخُلُ فِيهَا ثَمَرَاتِ الْأَلْبَابِ، وَأَنْتَزِعُ مِنْ مُلْتَطِمِ الشُّبُهَاتِ صَفْوَةَ اللُّبَابِ، وَأَتْرُكُهُ عِبْرَةً فِي ارْتِبَاكِ الْمُشْكِلَاتِ، وَاشْتِبَاكِ الْمُعْضِلَاتِ، فَصَارَ مَا قَطَعْتُ عَلَيْهِ الْكَلَامَ [مُتَقَاضِيًا] مَا [افْتَتَحْتُهُ] وَاللَّهُ وَلِيُّ الْإِتْمَامِ. ٨٤٦ - وَقَدِ انْتَهَيْتُ إِلَى مَا أَرَدْتُ ذِكْرَهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَبَلَغْتُ

стр. 521

كُنْهَ مَا اعْتَمَدْتُهُ [مِنْ] تَفْصِيلِ الْأَبْوَابِ، وَعَرَضْتُهُ فِي مَعْرِضِ الْبَرَاعَةِ (٢٧٨) وَجَلَوْتُهُ فِي حُلَلِ النَّصَاعَةِ، وَرَفَعْتُ مَخْطُوبَةً فِي كَرَمِ الْمَنَاصِبِ [وَالْمَنَاسِبِ] ، إِلَى أَرْفَعِ خَاطِبٍ، فَوَافَقَ شَنٌّ طَبَقَهُ وَصَادَفَ الْإِثْمِدُ الْحَدَقَةَ، وَاحْتَازَ الْفَرِيدُ الْفَرِيدَ، وَأَحْرَزَ ذُو التَّاجِ الْإِقْلِيدَ. فَأَطَالَ اللَّهُ مَنْ أَعْلَى مَنَازِلَ الْإِيَالَةِ بَقَاهُ، وَأَعْلَى إِلَى أَبْعَدِ غَايَاتِ الْجَلَالَةِ ارْتَقَاهُ، مَا طَلَعَ فَجْرٌ، وَزَخَرَ بَحْرٌ، وَدَارَ فَلَكٌ، وَسَبَّحَ مَلَكٌ، وَاخْتَلَفَ الْجَدِيدَانِ، وَاعْتَقَبَ الْمَلَوَانِ، فَهُوَ وَلِيُّ الْإِحْسَانِ وَالْمُتَفَضِّلُ بِالِامْتِنَانِ [وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. الْمَبْعُوثِ بِأَفْضَلِ الْأَدْيَانِ] .

стр. 522

نَجَزَ الْكِتَابَ بِحَمْدِ اللَّهِ وَمَنِّهِ وَحُسْنِ تَوْفِيقِهِ وَذَلِكَ فِي ثَالِثَ عَشْرَةَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ. . . وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَصَلَوَاتُهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ. رَحِمَ اللَّهُ لِمَنْ دَعَا لِكَاتِبِهِ وَلِقَارِئِهِ، وَمَنْ قَالَ آمِينَ. بَلَغَتْ مُطَالَعَةً وَإِصْلَاحًا مَعَ مُرَاجَعَةِ الْأَصْلِ، فَصَحَّ بِحَمْدِ اللَّهِ وَمَنِّهِ، كَتَبَهُ خَلِيلُ بْنُ الْعَلَائِيِّ الشَّافِعِيُّ وَفَرَغَ مِنْهُ فِي تَاسِعِ شَهْرِ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَمَانِينَ وَأَرْبَعَةٍ وَسَبْعِمِائَةٍ، بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، حَمَاهُ اللَّهُ.