Полный текст (522 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
٧١١ - وَالَّذِي قَدَّمْتُهُ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الصَّلَاةِ مِنْ مَسَالِكِ الظُّنُونِ وَالتَّرْجِيحَاتِ الَّتِي يَتَمَسَّكُ بِهِمَا الْمُجْتَهِدُونَ. وَظُنُونُ الْعَوَامِّ لَا مُعَوِّلَ عَلَيْهَا، وَسَبِيلُ الْعِلْمِ مُنْحَسِمٌ قَطْعًا، وَلَيْسَ فِي الزَّمَانِ مُقَلِّدَ وَلَا نَاقِلٌ عَنْ مُقَلِّدٍ.
فَمَا الْوَجْهُ إِذًا؟ [وَإِنَّمَا] قَدَّمْنَا وُجُوهَ الْكَلَامِ تَنْبِيهًا عَلَى تَقَابُلِ الظُّنُونِ، وَتَحْقِيقًا لِاخْتِصَاصِ هَذِهِ السُّبُلِ بِذَوِي الِاجْتِهَادِ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ، فَأَقُولُ:
٧١٢ - الْجَمْعُ بَيْنَ تَحْرِيمِ إِقَامَةِ الصَّلَوَاتِ وَإِيجَابِ أَدَائِهَا مُحَالٌ، وَالْعِلْمُ لَا يَتَطَرَّقُ فِي حَقِّ هَذَا الشَّخْصِ إِلَى دَرْكِ التَّحْرِيمِ، وَلَا إِلَى دَرْكِ الْوُجُوبِ، وَلَا مَرْجِعَ لَهُ يَلُوذُ بِهِ، وَلَا حُكْمَ لِظَنِّهِ وَتَرَجُّحِهِ، فَالْوَجْهُ الْقَطْعُ بِسُقُوطِ التَّكْلِيفِ (٢٤٣) عَنْهُ فِي هَذَا الْفَنِّ ; وَالْتِحَاقُهُ فِي هَذَا الْحُكْمِ عَلَى الْخُصُوصِ بِمَنْ لَا تَكْلِيفَ عَلَيْهِ.
فَإِنْ فُرِضَتْ صُورَةُ الصَّلَاةَ لَمْ يَكُنْ لَهَا حُكْمُ [الْوُجُوبِ] ، وَلَا الْإِجْزَاءِ، وَلَا التَّحْرِيمِ، إِذْ شَرْطُ التَّكْلِيفِ إِمْكَانُ تَوَصُّلِ الْمُكَلَّفِ إِلَى دَرْكِ مَا كُلِّفَ، وَهَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ فِي الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا.
стр. 457
وَإِنَّمَا يَسْتَحِيلُ تَكْلِيفُ الْمَجْنُونِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ مِنْهُ فَهْمُ الْخِطَابِ وَدَرْكُ مَعْنَاهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى مُحَقَّقٌ فِي هَذَا الْحُكْمِ الْخَاصِّ، فِي حَقِّ هَذَا الشَّخْصِ الْمَخْصُوصِ، وَإِنْ كَانَ التَّكْلِيفُ مُرْتَبِطًا بِهِ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ.
وَلَوِ اسْتَحَاضَتِ الْمَرْأَةُ، وَالْتَبَسَ [حَيْضُهَا] بِاسْتِحَاضَتِهَا، فَأَحْكَامُ الْمُسْتَحَاضَةِ مِنْ أَغْمَضِ مَا خَاضَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ.
٧١٣ - وَمِقْدَارُ غَرَضِنَا مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ مَهْمَا غَمُضَ عَلَيْهَا أَنَّهَا فِي حَيْضٍ أَوِ اسْتِحَاضَةٍ، وَقَدْ خَلَا الزَّمَانُ عَنْ مَوْثُوقٍ بِهِ فِي تَفْصِيلِ الْمُسْتَحَاضَاتِ، وَقَدْ عَلِمَتْ مِنْ أَصْلِ الشَّرْعِ أَنَّ الْحَيْضَ يُنَافِي وُجُوبَ الصَّلَاةِ، وَيُحَرِّمُ إِقَامَتَهَا فِيهِ بِخِلَافِ الِاسْتِحَاضَةِ، فَيَتَصَدَّى لَهَا تَحْرِيمُ الصَّلَاةِ وَإِيجَابُهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ، فَيَسْقُطُ التَّكْلِيفُ عَنْهَا - فِي خُلُوِّ الزَّمَانِ - فِي الصَّلَاةِ جُمْلَةً مَا اطَّرَدَ اللَّبْسُ عَلَيْهَا.
وَهَذَا لَا يَغُوصُ عَلَى سِرِّهِ إِلَّا مُرْتَاضٌ فِي فُنُونِ الْعِلْمِ.
٧١٤ - وَهَذَا الْمَجْمُوعُ يَحْوِي أُمُورًا يَشْتَرِكُ فِي اسْتِفَادَتِهَا الْمُبْتَدِئُونَ وَالْمُنْتَهُونَ، وَأُمُورٌ يَخْتَصُّ بِاسْتِدْرَاكِهَا أَخَصُّ الْخَوَاصِّ.
стр. 458
٧١٥ - وَقَدْ يَظُنُّ الْمُنْتَهِي إِلَى هَذَا الْفَصْلِ أَنَّ سُقُوطَ التَّكْلِيفِ فِيمَا ذَكَرْتُهُ يَخْتَصُّ بِخُلُوِّ الزَّمَانِ عَنِ الْعُلَمَاءِ بِالتَّفَاصِيلِ ; وَلَا يُتَصَوَّرُ مِثْلُهُ فِي زَمَنِ تَوَافُرِ الْعُلَمَاءِ الْمُسْتَقِلِّينَ بِحَمْلِ الشَّرِيعَةِ.
وَأَنَا أُصَوِّرُ سُقُوطَ التَّكْلِيفِ مَعَ اشْتِمَالِ الزَّمَانِ عَلَى الْعُلَمَاءِ، فِي صُورَةٍ يَحَارُ الْفَطِنُ اللَّبِيبُ فِيهَا، فَأَقُولُ:
٧١٦ - لَوْ فُرِضَ بَيْتٌ مَشْحُونٌ بِالْمَرْضَى الْمُدْنَفِينَ (٢٤٤) وَكَانَ [رَجُلٌ] يَخْطُو عَلَى سَطْحِ الْبَيْتِ مِنْ غَيْرِ اعْتِدَاءٍ وَلَا ظُلْمٍ، فَانْهَارَ السَّقْفُ، وَخَرَّ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مَرِيضٍ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَوْ مَكَثَ عَلَيْهِ لَمَاتَ، وَلَوْ تَحَوَّلَ عَنْهُ لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ تَوَطُّئِ مَرِيضٍ آخَرَ، وَلَوِ اتَّفَقَ ذَلِكَ، لَمَاتَ مَنْ يَنْتَقِلُ إِلَيْهِ، وَلَيْسَ فِي اسْتِطَاعَتِهِ التَّفَصِّي عَمَّا هُوَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ إِهْلَاكِ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى أَمْرِهِ بِالْمُكْثِ، وَلَا إِلَى أَمْرِهِ بِالِانْتِقَالِ، وَأَمْرُهُ بِالزَّوَالِ [عَمَّا] ابْتُلِيَ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَسَبُّبٍ إِلَى [قَتْلٍ] تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ، وَذَلِكَ مُحَالٌ عِنْدَنَا.
стр. 459
٧١٧ - فَإِذًا هَذِهِ الصُّورَةُ وَإِنِ اتُّفِقَ وُقُوعُهَا، فَلَيْسَ لِلَّهِ فِيهَا حُكْمٌ، وَلَا طَلِبَةٌ عَلَى صَاحِبِ الْوَاقِعَةِ بِمُكْثٍ، وَلَا انْتِقَالٍ، وَلَا يُطْلَقُ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْمُكْثِ وَالزَّوَالِ ; فَإِنَّ الْخِيَرَةَ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ.
٧١٨ - وَالَّذِي اعْتَاصَ قَضِيَّةً فِي الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا سَبِيلُهُ عَلَى الْخُصُوصِ فِيمَا دُفِعَ إِلَيْهِ، كَسَبِيلِ بَهِيمَةٍ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا خِطَابٌ.
٧١٩ - وَقَدْ يَتَّفِقُ لِآحَادِ النَّاسِ فِي [بَقَاءِ] تَفَاصِيلِ الشَّرِيعَةِ فِي الِادِّكَارِ حَالَةٌ يُقَرِّبُ مَأْخَذَ الْقَوْلِ فِيهَا مَا ذَكَرْنَاهُ فِي دُرُوسِ [الْفُرُوعِ] .
فَإِذَا عَلِمَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ يَحْرُمُ إِقَامَةُ الصَّلَاةِ فِي زَمَانِ الْحَيْضِ ثُمَّ ابْتُلِيَتْ بِالِاسْتِحَاضَةِ، وَصَارَتْ لَا تُمَيِّزُ بَيْنَ الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ،
стр. 460
فِي بُقْعَةٍ خَالِيَةٍ عَنِ الْعُلَمَاءِ، وَيَتَصَدَّى لَهَا وُجُوبُ الصَّلَاةِ وَتَحْرِيمُهَا كَمَا قَدَّمْنَا تَصْوِيرَ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا تَتَوَقَّفُ، وَلَا تُمْضِي أَمْرًا إِلَى أَنْ تَخْبُرَ، وَتَسْأَلَ مَنْ يَعْلَمُ.
٧٢٠ - فَقَدْ تَمَهَّدَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَصْلٌ عَظِيمٌ، سَيَنْعَطِفُ كَلَامٌ كَثِيرٌ فِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ عَلَيْهِ، [وَهُوَ] يَتَهَذَّبُ لِسُؤَالٍ وَجَوَابٍ عَنْهُ.
فَإِنْ قِيلَ: أَلَسْنَا نَعْلَمُ الْآنَ تَقَابُلَ الْأَمْرَيْنِ فِي حَقِّ الْمُسْتَحَاضَةِ النَّاسِيَةِ الْمُتَحَيِّرَةِ، وَنُغَلِّبُ الْأَمْرَ بِالصَّلَاةِ، فَنَأْمُرُهَا بِإِقَامَةِ جَمِيعِ الصَّلَاةِ فَهَلَّا (٢٤٥) غَلَّبَتِ الْمَرْأَةُ فِي زَمَانِ الْفَتْرَةِ وُجُوبَ الصَّلَاةِ عَلَى تَحْرِيمِ إِقَامَتِهَا فِي وَقْتِ الْفَتْرَةِ؟ .
٧٢١ - قُلْنَا: قَدْ ثَبَتَ فِي تَفَاصِيلِ الشَّرِيعَةِ عِنْدَ [حَمَلَتِهَا] أَنَّ وُجُوبَ الصَّلَاةِ أَغْلَبُ مِنَ النَّظَرِ إِلَى تَحْرِيمِ إِقَامَتِهَا، وَنَحْنُ فَرَضْنَا خُلُوَّ الزَّمَانِ عَنِ الْعِلْمِ بِالتَّفَاصِيلِ، وَاسْتِوَاءَ الْأَمْرِ فِي الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ فِي اعْتِقَادِ الْمَرْأَةِ، فَإِنْ كَانَ بَقِيَ فِي الزَّمَانِ الْعِلْمُ بِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا يَسْقُطُ وُجُوبُهَا إِلَّا بِيَقِينٍ، فَهَذَا يَتَّبِعُ الْأَصْلَ بِمُوجِبِهِ.
стр. 461
٧٢٢ - فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كُنْتُمْ تُجْرُونَ أَحْكَامَ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ عَلَى بَقَاءِ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ، وَمِنَ الْأُصُولِ أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ لَا تَتْرُكُ الصَّلَاةَ دَهْرَهَا، فَلِمَ فَرَضْتُمْ ذَهَابَ هَذَا الْأَصْلِ عَنِ الْأَذْهَانِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ الْمُتَحَيِّرَةَ لَا تَتْرُكُ الصَّلَاةَ؟ قُلْنَا: الِاطِّلَاعُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مِنْ غَوَامِضِ الْفِقْهِ، وَلَيْسَ كُلُّ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ مِنَ الْأُصُولِ الَّتِي عَنَيْنَاهَا، فَإِنَّ أَهْلَ الدَّهْرِ لَوْ أَحَاطُوا بِجَمِيعِ مَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ، هَانَ عَلَيْهِمْ إِلْحَاقُ الْفُرُوعِ بِهَا، فَالْأُصُولُ الَّتِي قَدَّرْنَا بَقَاءَهَا كُلِّيَّاتٌ مُسْتَرْسَلَةٌ، لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْغَوَامِضِ.
فَهَذَا تَمَامُ مَا أَرَدْنَا أَنَّ نُوَضِّحَهُ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي. وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّأْيِيدِ وَالتَّوْفِيقِ، بِمَنِّهِ وَلُطْفِهِ.
[كِتَابُ الصَّلَاةِ]
٧٢٣ - هَذَا كِتَابٌ عَظِيمُ الْمَوْقِعِ فِي الشَّرْعِ، لَمْ يَتَشَعَّبْ أَصْلٌ فِي التَّكَالِيفِ تَشَعُّبَهُ، وَلَمْ يَتَهَذَّبْ بِالْمَبَاحِثِ قُطْبٌ مِنْ أَقْطَابِ الدِّينِ تَهَذُّبَهُ، وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ، وَالنَّاسُ عَلَى
стр. 462
تَارَاتِهِمْ وَتَبَايُنِ طَبَقَاتِهِمْ مُوَاظِبُونَ عَلَى إِقَامَةِ وَظَائِفِ الصَّلَوَاتِ، مُثَابِرُونَ عَلَى رِعَايَةِ الْأَوْقَاتِ، بَاحِثُونَ عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنَ الشَّرَائِطِ وَالْأَرْكَانِ وَالْهَيْئَاتِ.
فَهِيَ لِذَلِكَ لَا تَنْدَرِسُ عَلَى مَمَرِّ الدُّهُورِ، وَلَا يُمْحَقُ ذِكْرُ أُصُولِهَا عَنِ الصُّدُورِ.
وَلَيْسَ يَلِيقُ بِهَذَا الْكِتَابِ (٢٤٦) ذِكْرُ أُصُولِهَا وَفُرُوعِهَا وَمَسَائِلِهَا، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى مُغْمَضَاتِهَا وَغَوَائِلِهَا فَإِنَّهَا مُسْتَقْصَاةٌ فِي فَنِّ الْفِقْهِ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْفَنِّ مِنَ الْكَلَامِ فَصْلٌ وَاحِدٌ جَامِعٌ، يَحْوِي جَمِيعَ الْغَرَضِ.
وَنَحْنُ نَسْتَاقُهُ عَلَى مَا يَنْبَغِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ مُفَرَّعًا مِنَ الْأُصُولِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ. فَنَقُولُ:
٧٢٤ - مَا اسْتَمَرَّ فِي النَّاسِ الْعِلْمُ بِوُجُوبِهِ فَإِنَّهُمْ يُقِيمُونَهُ، وَمَا ذَهَبَ عَنْ ذِكْرِ أَهْلِ الدَّهْرِ جُمْلَةً، فَلَا تَكْلِيفَ عَلَيْهِمْ فِيهِ، وَسُقُوطُ مَا عَسِرَ الْوُصُولُ إِلَيْهِ فِي الزَّمَانِ لَا يُسْقِطُ الْمُمْكِنَ ; فَإِنَّ مِنَ الْأُصُولِ
стр. 463
الشَّائِعَةِ الَّتِي لَا تَكَادُ تُنْسَى، مَا أُقِيمَتْ أُصُولُ الشَّرِيعَةِ أَنَّ الْمَقْدُورَ عَلَيْهِ لَا يَسْقُطُ بِسُقُوطِ الْمَعْجُوزِ عَنْهُ.
٧٢٥ - وَإِنِ اعْتَرَضَ فِي هَذَا الدَّهْرِ شَيْءٌ، اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِهِ، كَالطُّمَأْنِينَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَعَلِمَ بَنُو الزَّمَانِ الِاخْتِلَافَ، وَلَمْ يُحِيطُوا بِأَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ، أَوْ أَحَاطُوا بِهِمْ، وَلَكِنْ كَانَ دَرَسَ تَحْقِيقُ صِفَاتِهِمْ، وَتَعَذَّرَ عَلَى الْمُسْتَرْشِدِينَ النَّظَرُ فِي أَعْيَانِ الْمُقَلِّدِينَ عَلَى مَا يَلِيقُ بِاسْتِطَاعَتِهِمْ فِي تَخَيُّرِ الْأَئِمَّةِ.
فَمَا يَقَعُ كَذَلِكَ، فَقَدْ تَعَارَضَ الْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ فِيهِ [وَنَفْيُ] الْوُجُوبِ فَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ يَظُنُّ الْفَطِنُ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ [الْأَخْذُ] بِالْوُجُوبِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَنْ شَكَّ فَلَمْ يَدْرِ أَثَلَاثًا صَلَّى الظُّهْرَ [أَمْ] أَرْبَعًا، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ بِالثَّلَاثِ الْمُسْتَيْقَنَةِ، وَيُصَلِّي رَكْعَةً أُخْرَى، وَيَكُونُ الشَّكُّ فِي رَكْعَةٍ مِنْ رَكَعَاتِ الصَّلَاةِ كَالشَّكِّ فِي إِقَامَةِ أَصْلِ الصَّلَاةِ وَلْيَكُنْ هَذَا رَأْيَ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ.
٧٢٦ - وَلَيْسَ هَذَا الْمَسْلَكُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ عُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ.
стр. 464
وَالنَّظَرُ فِي هَذَا مِنْ دَقِيقِ الْقَوْلِ فِي فُرُوعِ الْفِقْهِ، فَإِذَا كَانَ بِنَاءُ الْكَلَامِ عَلَى شُغُورِ الزَّمَانِ عَنِ الْعِلْمِ بِالتَّفَاصِيلِ، فَلَيْسَ يَلِيقُ بِهَذَا الزَّمَانِ تَأْسِيسُ الْكَلَامِ عَلَى (٢٤٧) مَظْنُونٍ فِيهِ فِي دَقِيقِ الْفِقْهِ، فَإِنَّ ظَنَّ الْعَامِّيِّ لَا مُعَوِّلَ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ سَبِيلُ تَأْسِيسِ التَّقْلِيدِ، وَتَخَيُّرِ الْمُفْتِي، فَالْوَجْهُ الْقَطْعُ بِسُقُوطِ وُجُوبِ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَهْلُ الزَّمَانِ وُجُوبَهُ.
وَإِنِ اعْتَرَضَتْ صُورَةٌ تَعَارَضَ فِيهَا إِمْكَانُ التَّحْرِيمِ وَالْوُجُوبِ وَلَمْ يَتَأَتَّ الْوُصُولُ إِلَى الْإِحَاطَةِ بِأَحَدِهِمَا، فَهَذَا مِمَّا يَسْقُطُ التَّكْلِيفُ فِيهِ رَأْسًا كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي أَحْكَامِ الْحَيْضِ الْمُخْتَلِطِ بِالِاسْتِحَاضَةِ. فَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِأَهْلِ الزَّمَانِ الَّذِي وَصَفْنَاهُ.
٧٢٧ - وَمِمَّا نُجْرِيهِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا جَرَى فِي الصَّلَاةِ مَا أَشْكَلَ أَنَّهُ يُفْسِدُ الصَّلَاةَ أَمْ لَا، فَقَدْ يَخْطُرُ لِلنَّاظِرِ أَنَّ الْأَصْلَ الْمَرْجُوعَ إِلَيْهِ بَقَاءُ وُجُوبِ الصَّلَاةِ إِلَى أَنْ يَتَحَقَّقَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنْهَا.
وَلَكِنَّ الَّذِي يَجِبُ الْجَرَيَانُ عَلَيْهِ فِي حُكْمِ الزَّمَانِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى ذِكْرِ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ مَعَ التَّعَرِّي عَنِ التَّفَاصِيلِ الْجُزْئِيَّةِ أَنَّ الْقَضَاءَ لَا يَجِبُ ;
стр. 465
فَإِنَّ التَّفَاصِيلَ إِذَا دَرَسَتْ، لَمْ يَأْمَنْ مُصَلٍّ عَنْ جَرَيَانِ مَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْمُفْسِدَاتِ فِي صَلَاتِهِ وَلَكِنَّ الْمُؤَاخَذَةَ بِهَذَا [شَدِيدَةٌ] ثُمَّ لَا يَأْمَنُ قَاضٍ فِي عَيْنِ قَضَائِهِ عَنْ قَرِيبٍ مِمَّا وَقَعَ لَهُ فِي الْأَدَاءِ، وَالْأُصُولُ الْكُلِّيَّةُ قَاضِيَةٌ بِإِسْقَاطِ الْقَضَاءِ فِيمَا هَذَا سَبِيلُهُ.
وَنَحْنُ نَجِدُ لِذَلِكَ أَمْثِلَةً مَعَ الِاحْتِوَاءِ عَلَى أُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَتَفَاصِيلِهَا فَإِنَّ مَنِ ارْتَابَ فِي أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي مَضَتْ هَلْ كَانَتْ عَلَى مُوجَبِ الشَّرْعِ؟ وَهَلِ اسْتَجْمَعَتْ شَرَائِطَ الصِّحَّةِ؟ وَهَلِ اتَّفَقَ الْإِتْيَانُ بِأَرْكَانِهَا فِي إِبَّانِهَا؟ فَلَا مُبَالَاةَ بِهَذِهِ الْخَطِرَاتِ إِذْ لَا يَخْلُو مِنْ أَمْثَالِهَا مُكَلَّفٌ، وَإِنْ بَذَلَ كُنْهَ جُهْدِهِ، وَتَنَاهَى فِي اسْتِفْرَاغِ جَدِّهِ.
ثُمَّ لَا يَسْلَمُ الْقَضَاءُ مِنَ الِارْتِيَابِ الَّذِي فُرِضَ وُقُوعُهُ فِي الْأَدَاءِ.
٧٢٨ - فَالَّذِي يَنْبَنِي الْأَمْرُ فِي عُرُوِّ الزَّمَانِ عَنْ ذِكْرِ التَّفَاصِيلِ أَنْ لَا يُؤَاخَذَ (٢٤٨) أَهْلُ الزَّمَانِ بِمَا لَا يَعْلَمُونَ وُجُوبَهُ جُمْلَةً بَاتَّةً.
٧٢٩ - وَمِمَّا يُهَذَّبُ بِهِ غَرَضُنَا فِي هَذَا الْفَنِّ أَنَّهُ لَوْ طَرَأَ عَلَى الصَّلَاةِ مَا يَعْلَمُ الْمُصَلِّي أَنَّهُ يَقْتَضِي سُجُودَ السَّهْوِ، فَإِنَّهُ يَسْجُدُ وَلَوِ اسْتَرَابَ فِي أَنَّهُ هَلْ يَقْتَضِي السُّجُودَ، وَكَانَ مَحْفُوظًا فِي الزَّمَانِ أَنَّ
стр. 466
تَرْكَ سُجُودِ السَّهْوِ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَالسُّجُودُ الزَّائِدُ عَمْدًا مِنْ غَيْرِ مُقْتَضٍ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، فَالَّذِي يَقْتَضِيهِ هَذَا الْأَصْلُ أَنْ لَا يَسْجُدَ الْمُسْتَرِيبُ.
وَإِنْ كَانَ هَذَا الْأَصْلُ مَنْسِيًّا فِي الزَّمَانِ، فَسَجَدَ الْمُسْتَرِيبُ، لَمْ نَقْضِ بِبُطْلَانِ صَلَاتِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَزِدْ سُجُودًا عَامِدًا.
وَهَذَا يَلْتَحِقُ بِأَطْرَافِ الْكَلَامِ فِيمَا يَطْرَأُ عَلَى الصَّلَاةِ وَلَا يَدْرِي الْمُصَلِّي أَنَّهُ مُفْسِدٌ لَهَا.
وَلَوْ فُرِضَ مِثْلُ هَذَا فِي الزَّمَانِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْعِلْمِ بِالتَّفَاصِيلِ، وَكَانَ [سَجَدَ] رَجُلٌ ظَانًّا أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالسُّجُودِ، فَفَتْوَى مُعْظَمِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ. فَهَذَا مُنْتَهَى غَرَضِنَا مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ.
[كِتَابُ الزَّكَاةِ]
٧٣٠ - الْقَوْلُ فِيهَا مَعَ فَرْضِ دُرُوسِ التَّفَاصِيلِ يَتَعَلَّقُ بِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا - أَنَّ مَا اسْتَيْقَنَ أَهْلُ الزَّمَانِ وُجُوبَهُ أَخْرَجُوهُ، وَأَوْصَلُوهُ
стр. 467
إِلَى مُسْتَحِقِّيهِ، وَمَا تَرَدَّدُوا فِي وُجُوبِهِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ الْوُجُوبَ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِالْمُوجَبِ، وَمِنْ غَيْرِ اسْتِكْمَانِ مَنِ الْإِحَاطَةِ بِهِ مُحَالٌ، وَإِذَا كَانَ الزَّمَانُ خَالِيًا عَنْ حَمَلَةِ الْعُلُومِ بِالتَّفَارِيعِ، فَأَهْلُ الدَّهْرِ غَيْرُ مُسْتَمْكِنِينَ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْعِلْمِ.
وَقَدْ وَقَعَ الِاحْتِرَازُ بِتَقْيِيدِ الْكَلَامِ عَمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي تَوَافُرِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ لَا يَدْرِيهِ، فَإِنَّهُ مُسْتَمْكِنٌ مِنَ الْبَحْثِ وَالْوُصُولِ إِلَى الْعِلْمِ بِمَسَائِلِ أُولِي الْعِلْمِ. فَهَذَا أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ.
٧٣١ - وَالثَّانِي - أَنَّهُ إِذَا ظَهَرَ ضَرَرُ الْمُحْتَاجِينَ وَاعْتَاصَ مِقْدَارُ الْوَاجِبِ عَلَى الْمُوسِرِينَ الْمُثْرِينَ، فَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرٍ كُلِّيٍّ فِي إِنْقَاذِ الْمُشْرِفِينَ عَلَى الضَّيَاعِ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ بِبَيَانٍ شَافٍ عَلَى الْإِشْبَاعِ. إِنْ شَاءَ اللَّهُ - عَزَّ (٢٤٩) وَجَلَّ.
[كِتَابُ الصَّوْمِ]
٧٣٢ - فَأَمَّا صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ [فَإِنَّهُ] عَلَى مُوجَبِ اطِّرَادِ
стр. 468
الْعُرْفِ لَا يُنْسَى مَا ذُكِرَتْ أُصُولُ الشَّرِيعَةِ، وَالْمَرْعِيُّ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، فَمَا يُسْتَيْقَنُ فِي الزَّمَانِ وُجُوبُهُ، أَقَامَهُ الْمُكَلَّفُونَ، وَمَا شُكَّ فِي وُجُوبِهِ لَا يَجِبُ.
٧٣٣ - وَلَوْ فُرِضَتْ صُورَةٌ يَتَعَارَضُ فِيهَا أَمْرَانِ مُتَنَاقِضَانِ وَلَا سَبِيلَ إِلَى تَقْرِيرِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا - أَوْلَى بِالتَّخَيُّلِ وَالْحُسْبَانِ مِنَ الثَّانِي، فَيَسْقُطُ التَّكْلِيفُ فِيهِ أَصْلًا، مِثْلَ أَنْ يَجْتَمِعَ إِمْكَانُ تَحْرِيمِ شَيْءٍ وَإِيجَابِهِ، كَمَا تَكَرَّرَ وَتَقَرَّرَ مِرَارًا فِيمَا تَقَدَّمَ.
٧٣٤ - وَالْقَوْلُ فِي الْحَجِّ يَقْرُبُ مِنَ الْقَوْلِ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْعِبَادَاتِ.
٧٣٥ - وَسَبِيلُنَا أَنْ نَذْكُرَ الْآنَ بَابًا جَامِعًا، يَحْوِي أُمُورًا كُلِّيَّةً تَكْثُرُ فَائِدَتُهَا، وَتَظْهَرُ عَائِدَتُهَا، فِي تَقْدِيرِ خُلُوِّ الزَّمَانِ، وَلَا يَسْتَغْنِي بَنُو زَمَانِنَا عَنْهَا. وَاللَّهُ وَلِيُّ الْإِعَانَةِ بِفَضْلِهِ وَطَوْلِهِ.
стр. 469
[بَابٌ فِي الْأُمُورِ الْكُلِّيَّةِ وَالْقَضَايَا التَّكْلِيفِيَّةِ]
٧٣٦ - فَنَقُولُ: لَا غَنَاءَ عَنِ الْإِحَاطَةِ بِالْمَكَاسِبِ، فَإِنَّ فِيهَا قِوَامَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا. فَنَذْكُرُ فِيهَا مَا يَلِيقُ بِالْأَغْرَاضِ الْكُلِّيَّةِ، ثُمَّ نَذْكُرُ قَوَاعِدَ فِي الْمُنَاكَحَاتِ، ثُمَّ نَخْتِمُ الْكَلَامَ بِذِكْرِ فُصُولٍ فِي الزَّوَاجِرِ، وَالْإِيَالَاتِ، وَنَسْتَفْتِحُ الْقَوْلَ فِي الْمَرْتَبَةِ الرَّابِعَةِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
٧٣٧ - فَأَمَّا الْقَوْلُ فِي الْمَكَاسِبِ فَنُقَدِّمُ عَلَى مَقْصُودِنَا فِي خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنْ تَفَاصِيلِ الشَّرِيعَةِ فَصْلًا نَفِيسًا، وَنَتَّخِذُهُ تَأْصِيلًا لِغَرَضِنَا وَتَأْسِيسًا، وَهَذَا الْفَصْلُ لَا يُوَازِيهِ فِي أَحْكَامِ الْمُعَامَلَاتِ فَصْلٌ، وَلَا يُضَاهِيهِ فِي الشَّرَفِ أَصْلٌ، وَقَدْ حَارَ فِي مَضْمُونِهِ عُقُولُ أَرْبَابِ الْأَلْبَابِ، وَلَمْ يَحُمْ عَلَى الْمَدْرَكِ السَّدِيدِ فِيهِ أَحَدُ الْأَصْحَابِ.
وَلَسْتُ أَنْتَقِصُ أَئِمَّةَ الدِّينِ، وَعُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا أَعْزِيهِمْ إِلَى الْفُتُورِ وَالْقُصُورِ عَنْ مَسَالِكِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَلَكِنَّ الْأَوَّلِينَ - رَضِيَ اللَّهُ
стр. 470
عَنْهُمْ - مَا دَفَعُوا مَقْصُودَ هَذَا الْفَصْلِ، وَلَمْ تَتَغَشَّهُمْ (٢٥٠) هَوَاجِمُ الْمِحَنِ وَالْفِتَنِ، وَكَانُوا فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ لَا يَضَعُونَ الْمَسَائِلَ قَبْلَ وُقُوعِهَا، فَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلْمَبَاحِثِ الَّتِي سَأَخُوضُ فِيهَا، وَلَمْ يَعْتَنُوا بِمَعَانِيهَا، وَهَا أَنَا أَذْكُرُ نُتَفًا، أَعْتَدُّهَا تُحَفًا عِنْدَ الْمُدَرَّعِينَ مَدَارِعَ الْوَرَعِ، وَأَتَّخِذُهَا يَدًا عِنْدَ طَبَقَاتِ الْخَلْقِ جُمَعَ.
٧٣٨ - فَأَفْرِضُ أَوَّلًا حَالَةً وَأُجْرِي فِيهَا مَقَاصِدَ، ثُمَّ أَبْتَنِي عَلَيْهَا قَوَاعِدَ، وَأَضْبُطُهَا بِرَوَابِطَ وَمَعَاقِدَ، وَأُمَهِّدُهَا أُصُولًا تَهْدِي إِلَى مَرَاشِدَ. فَأَقُولُ:
لَوْ فَسَدَتِ الْمَكَاسِبُ كُلُّهَا، وَطَبَّقَ طَبَقَ الْأَرْضِ الْحَرَامُ فِي الْمَطَاعِمِ وَالْمَلَابِسِ وَمَا تَحْوِيهِ الْأَيْدِي - وَلَيْسَ حُكْمُ زَمَانِنَا بِبَعِيدٍ مِنْ هَذَا - فَلَوِ اتَّفَقَ مَا وَصَفْنَاهُ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى حَمْلِ الْخَلْقِ - وَالْحَالَةُ هَذِهِ عَلَى الِانْكِفَافِ عَنِ الْأَقْوَاتِ، وَالتَّعَرِّي عَنِ الْبِزَّةِ.
٧٣٩ - وَأَقْرَبُ مَسَالِكَ تَمْتَدُّ إِلَيْهَا بَصِيرَةُ الْفَطِنِ فِي ذَلِكَ تَلَقِّي الْأَمْرِ مِنْ إِبَاحَةِ الْمَيْتَاتِ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ وَالضَّرُورَاتِ، وَقَدْ قَالَ الْفُقَهَاءُ: لَا تَحِلُّ الْمَيْتَةُ إِلَّا لِمُضْطَرٍّ، يَخَافُ عَلَى مُهْجَتِهِ وَحُشَاشَتِهِ، لَوْ لَمْ يَسُدَّ جَوْعَتَهُ. .
ثُمَّ اضْطَرَبَتْ مَذَاهِبُهُمْ فِي أَنَّهُ إِذَا اضْطُرَّ الْمَرْءُ، فَإِلَى أَيِّ حَدٍّ
стр. 471
يَسْتَبِيحُ مِنَ الْمِيتَةِ: فَذَهَبَ ذَاهِبُونَ إِلَى أَنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى سَدِّ رَمَقِهِ، وَلَا يَتَعَدَّاهُ، وَصَارَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ يَسُدُّ جَوْعَتَهُ مِنَ الْمَيْتَةِ.
وَلَوْ خُضْتُ فِي تَحْقِيقِ ذَلِكَ، لَطَالَ الْبَابُ بِمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِمَقْصُودِ الْكِتَابِ.
وَإِنَّ هَذَا فَصْلٌ يَقِلُّ فِي الزَّمَانِ مَنْ يُحِيطُ بِحَقِيقَتِهِ، فَمَنْ أَرَادَهُ، فَلْيَطْلُبْهُ مِنْ تَعْلِيقَاتِ الْمُعْتَمِدِينَ عَنَّا، إِلَى أَنْ يُتِيحَ اللَّهُ لَنَا مَجْمُوعًا فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ﵀.
٧٤٠ - وَمِقْدَارُ غَرَضِنَا مِنْ ذَلِكَ: أَنَّهُ قَدْ يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّ حُكْمَ الْأَنَامِ إِذَا عَمَّهُمُ الْحَرَامُ حُكْمُ الْمُضْطَرِّ فِي تَعَاطِي الْمَيْتَةِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَإِنَّ النَّاسَ لَوِ ارْتَقَبُوا فِيمَا يَطْعَمُونَ أَنْ يَنْتَهُوا إِلَى حَالَةِ الضَّرُورَةِ، وَفِي الِانْتِهَاءِ إِلَيْهَا (٢٥١) سُقُوطُ الْقُوَى، وَانْتِكَاثُ الْمِرَرِ، وَانْتِقَاضُ الْبِنْيَةِ، سِيَّمَا إِذَا تَكَرَّرَ اعْتِيَادُ الْمَصِيرِ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ، فَفِي ذَلِكَ انْقِطَاعُ الْمُحْتَرِفِينَ عَنْ حِرَفِهِمْ وَصِنَاعَاتِهِمْ، وَفِيهِ الْإِفْضَاءُ إِلَى ارْتِفَاعِ الزَّرْعِ وَالْحِرَاثَةِ، وَطَرَائِقِ الِاكْتِسَابِ،
стр. 472
وَإِصْلَاحِ الْمَعَايِشِ الَّتِي بِهَا قِوَامُ الْخَلْقِ قَاطِبَةً وَقُصَارَاهُ هَلَاكُ النَّاسِ أَجْمَعِينَ وَمِنْهُمْ ذُو النَّجْدَةِ وَالْبَأْسِ، وَحَفَظَةُ الثُّغُورِ مِنْ جُنُودِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِذَا وَهَوْا وَوَهَنُوا، وَضَعُفُوا وَاسْتَكَانُوا، اسْتَجْرَأَ الْكُفَّارُ، وَتَخَلَّلُوا دِيَارَ الْإِسْلَامِ، وَانْقَطَعَ السِّلْكُ [وَتَبَتَّرَ] النِّظَامُ.
٧٤١ - وَنَحْنُ عَلَى اضْطِرَارٍ مِنْ عُقُولِنَا نَعْلَمُ أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِمَا يُؤَدِّي إِلَى بَوَارِ أَهْلِ الدُّنْيَا، ثُمَّ يَتْبَعُهَا انْدِرَاسُ الدِّينِ، وَإِنْ شَرَطْنَا فِي حَقِّ آحَادٍ مِنَ النَّاسِ فِي وَقَائِعَ نَادِرَةٍ أَنْ يَنْتَهُوا إِلَى الضَّرُورَةِ، فَلَيْسَ فِي اشْتِرَاطِ ذَلِكَ مَا يَجُرُّ فَسَادًا فِي الْأُمُورِ الْكُلِّيَّةِ.
ثُمَّ إِنَّ ضَعْفَ الْآحَادِ بِطَوَارِئَ نَادِرَةٍ، إِنْ جَرَّتْ أَمْرَاضًا وَأَعْرَاضًا، فَالدُّنْيَا قَائِمَةٌ عَلَى اسْتِقْلَالِهَا بِقِوَامِهَا وَرِجَالِهَا، وَنَحْنُ مَعَ بَقَاءِ الْمَوَادِّ مِنْهَا نَرْجُو لِلْمَنْكُوبِينَ أَنْ يَسْلَمُوا وَيَسْتَبِلُّوا عَمَّا بُلُوا بِهِ.
٧٤٢ - فَالْقَوْلُ الْمُجْمَلُ فِي ذَلِكَ إِلَى أَنْ نُفَصِّلَهُ: أَنَّ الْحَرَامَ إِذَا طَبَّقَ الزَّمَانَ وَأَهْلَهُ، وَلَمْ يَجِدُوا إِلَى طَلَبِ الْحَلَّالِ سَبِيلًا، فَلَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْهُ قَدَرَ الْحَاجَةِ، وَلَا تُشْتَرَطُ الضَّرُورَةُ الَّتِي نَرْعَاهَا فِي إِحْلَالِ الْمَيْتَةِ فِي حُقُوقِ آحَادِ النَّاسِ، بَلِ الْحَاجَةُ فِي حَقِّ النَّاسِ كَافَّةً
стр. 473
تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ، فِي حَقِّ الْوَاحِدِ الْمُضْطَرِّ، فَإِنَّ الْوَاحِدَ الْمُضْطَرَّ لَوْ صَابَرَ ضَرُورَتَهُ، وَلَمْ يَتَعَاطَ الْمَيْتَةَ، لَهَلَكَ. وَلَوْ صَابَرَ النَّاسُ حَاجَاتِهِمْ، وَتَعَدَّوْهَا إِلَى الضَّرُورَةِ، لَهَلَكَ النَّاسُ قَاطِبَةً، فَفِي تَعَدِّي الْكَافَّةِ الْحَاجَةَ مِنْ خَوْفِ الْهَلَاكِ، مَا فِي تَعَدِّي الضَّرُورَةِ فِي حَقِّ الْآحَادِ. فَافْهَمُوا، تَرْشُدُوا. .
٧٤٣ - بَلْ لَوْ هَلَكَ وَاحِدٌ، لَمْ يُؤَدِّ (٢٥٢) هَلَاكُهُ إِلَى خَرْمِ الْأُمُورِ الْكُلِّيَّةِ، الدُّنْيَوِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ، وَلَوْ تَعَدَّى النَّاسُ الْحَاجَةَ، لَهَلَكُوا بِالْمَسْلَكِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ.
وَمَا عِنْدِي أَنَّهُ يَخْفَى مَدْرَكُ الْحَقِّ الْآنَ بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ عَلَى مُسْتَرْشِدٍ.
٧٤٤ - فَإِذَا تَقَرَّرَ قَطْعًا أَنَّ الْمَرْعِيَّ الْحَاجَةُ، فَالْحَاجَةُ لَفْظَةٌ مُبْهَمَةٌ لَا يُضْبَطُ فِيهَا قَوْلٌ، وَالْمِقْدَارُ الَّذِي بَانَ أَنَّ الضَّرُورَةَ وَخَوْفَ الرُّوحِ لَيْسَ مَشْرُوطًا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، كَمَا يُشْتَرَطُ فِي تَفَاصِيلِ الشَّرْعِ فِي الْآحَادِ فِي إِبَاحَةِ الْمَيْتَةِ، وَطَعَامِ الْغَيْرِ، وَلَيْسَ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ نَأْتِيَ بِعِبَارَةٍ عَنِ الْحَاجَةِ نَضْبُطُهَا ضَبْطَ التَّخْصِيصِ
стр. 474
وَالتَّمْيِيزِ حَتَّى تَتَمَيَّزَ تَمَيُّزَ الْمُسَمَّيَاتِ وَالْمُتَلَقَّبَاتِ، بِذِكْرِ أَسْمَائِهَا وَأَلْقَابِهَا، وَلَكِنَّ أَقْصَى الْإِمْكَانِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْبَيَانِ تَقْرِيبٌ وَحُسْنُ تَرْتِيبٍ، يُنَبِّهُ عَلَى الْغَرَضِ، فَنَقُولُ:
٧٤٥ - لَسْنَا نَعْنِي بِالْحَاجَةِ تَشَوُّفَ النَّاسِ إِلَى الطَّعَامِ، وَتَشَوُّقَهَا إِلَيْهِ، فَرُبَّ [مُشْتَهٍ] لِشَيْءٍ لَا يَضُرُّهُ الِانْعِكَافُ عَنْهُ فَلَا مُعْتَبَرَ بِالتَّشَهِّي وَالتَّشَوُّفِ، فَالْمَرْعِيُّ إِذًا دَفْعُ الضِّرَارِ، وَاسْتِمْرَارُ النَّاسِ عَلَى مَا يُقِيمُ قُوَاهُمْ، وَرُبَّمَا يُسْتَبَانُ الشَّيْءُ بِذِكْرِ نَقِيضِهِ.
وَمِمَّا يُضْطَرُّ مُحَاوِلُ الْبَيَانِ إِلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ يَتَمَكَّنُ مِنَ التَّنْصِيصِ عَلَى مَا يَبْغِيهِ بِعِبَارَةٍ رَشِيقَةٍ، تُشْعِرُ بِالْحَقِيقَةِ، وَالْحَدِّ الَّذِي يُمَيِّزُ الْمَحْدُودَ عَمَّا عَدَاهُ، وَرُبَّمَا لَا يُصَادِفُ عِبَارَةً نَاصَّةً، فَتَقْتَضِي الْحَالَةُ أَنْ يَقْتَطِعَ عَمَّا يُرِيدُ تَمْيِيزَهُ مَا لَيْسَ مِنْهُ، نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، فَلَا يَزَالُ يَلْقُطُ أَطْرَافَ الْكَلَامِ وَيَطْوِيهَا حَتَّى يُفْضِيَ بِالتَّفْصِيلِ إِلَى الْغَرَضِ الْمَقْصُودِ.
وَهَذَا سَبِيلُنَا فِيمَا دُفِعْنَا إِلَيْهِ، فَقَدْ ذَكَرْنَا الْحَاجَةَ، وَهِيَ مُبْهَمَةٌ فَاقْتَطَعْنَا مِنَ الْإِبْهَامِ التَّشَوُّفَ وَالتَّشَهِّيَ الْمَحْضَ مِنْ غَيْرِ فَرْضِ ضِرَارٍ
стр. 475
مِنَ الِانْكِفَافِ، وَمِمَّا نَقْطَعُهُ أَنَّ الِانْكِفَافَ عَنِ الطَّعَامِ قَدْ لَا يَسْتَعْقِبُ ضَعْفًا وَوَهْنًا حَاجِزًا عَنِ التَّقَلُّبِ فِي الْحَالِ، وَلَكِنْ إِذَا (٢٥٣) تَكَرَّرَ الصَّبْرُ عَلَى ذَلِكَ الْحَدِّ مِنَ الْجُوعِ، أَوْرَثَ ضَعْفًا، فَلَا نُكَلِّفُ هَذَا الضَّرْبَ مِنَ الِامْتِنَاعِ.
٧٤٦ - وَيَتَحَصَّلُ مِنْ مَجْمُوعِ مَا نَفَيْنَا وَأَثْبَتْنَا أَنَّ النَّاسَ يَأْخُذُونَ مَا لَوْ تَرَكُوهُ لَتَضَرَّرُوا فِي الْحَالِ أَوْ فِي الْمَآلِ، وَالضِّرَارُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي أَدْرَاجِ الْكَلَامِ عَنَيْنَا بِهِ مَا يُتَوَقَّعُ مِنْهُ فَسَادُ الْبِنْيَةِ، أَوْ ضَعْفٌ يَصُدُّ عَنِ التَّصَرُّفِ وَالتَّقَلُّبِ فِي أُمُورِ الْمَعَاشِ.
٧٤٧ - فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا جَعَلْتُمُ الْمُعْتَبَرَ فِي الْفَصْلِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُتَنَاوِلُ؟
قُلْنَا: هَذَا سُؤَالُ [عَمٍ] عَنْ مَسَالِكِ الْمَرَاشِدِ، فَإِنَّا إِنْ أَقَمْنَا الْحَاجَةَ الْعَامَّةَ فِي حَقِّ النَّاسِ كَافَّةً مَقَامَ الضَّرُورَةِ فِي حَقِّ الْوَاحِدِ فِي اسْتِبَاحَةِ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ عِنْدَ فَرْضِ الِاخْتِيَارِ، فَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ يُسَوِّغَ الِازْدِيَادُ مِنَ الْحَرَامِ، انْتِفَاعًا، وَتَرَفُّهًا، وَتَنَعُّمًا.
فَهَذَا مُنْتَهَى الْبَيَانِ فِي هَذَا الشَّأْنِ.
стр. 476
وَيَتَّصِلُ الْآنَ بِذَلِكَ الْقَوْلُ فِي أَجْنَاسِ الْمَطْعُومَاتِ، ثُمَّ إِذَا انْدَفَعْنَا فِي الْمَلَابِسِ وَالْمَسَاكِنِ، وَمَا فِي مَعَانِيهَا، فَنَقُولُ:
الْأَقْوَاتُ بِجُمْلَتِهَا مُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ ضَبْطِ الْمُقَدَّمِ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا اللُّحُومُ.
٧٤٩ - فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا اكْتَفَى النَّاسُ بِالْخُبْزِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ فِي ابْتِلَائِهِمْ بِمُلَابَسَةِ الْحَرَامِ؟
قُلْنَا: مَنْ أَحَاطَ بِمَا أَوْضَحْنَاهُ فِيمَا قَدَّمْنَاهُ، هَانَ عَلَيْهِ مَدْرَكُ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّا اعْتَمَدْنَا الضِّرَارَ وَتَوَقُّعَهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي انْقِطَاعِ النَّاسِ عَنِ اللُّحُومِ ضِرَارًا عَظِيمًا، يُؤَدِّي إِلَى إِنْهَاكِ الْأَنْفُسِ، وَحَلِّ الْقُوَى.
ثُمَّ إِذَا تَبَيَّنَ ذَلِكَ فَلَا تَعْيِينَ فِيمَا يَتَعَاطَاهُ النَّاسُ مِنْ هَذِهِ الْفُنُونِ، مَعَ فَرْضِ الْقَوْلِ فِي أَنَّ جَمِيعَهَا مُحَرَّمٌ.
فَلْيَقَعِ الْوُقُوفُ عَلَى الْمُنْتَهِي الَّذِي اعْتَبَرْنَاهُ فِي مُحَاوَلَةِ دَرْءِ الضِّرَارِ.
٧٥٠ - وَأَمَّا الْأَدْوِيَةُ وَالْعَقَاقِيرُ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ، [فَمَنْعُ] اسْتِعْمَالِهَا مَعَ مَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا يَجُرُّ ضِرَارًا. وَقَدْ سَبَقَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ.
٧٥١ - فَإِنْ قِيلَ: مَا تَرَوْنَ فِي الْفَوَاكِهِ الَّتِي لَيْسَتْ (٢٥٤) أَقْوَاتًا وَلَا أَدْوِيَةً؟
стр. 477
٧٥٢ - قُلْنَا: مَا مِنْ صِنْفٍ مِنْهَا إِلَّا يَسُدُّ مَسَدًّا، فَلْيُعْتَبَرْ فِيهَا دَرْءُ الضِّرَارِ بِهَا، فَمَا يَدْرَأُ اسْتِعْمَالُهُ ضِرَارًا، فَهُوَ مُلْتَحِقٌ بِالْأَجْنَاسِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا. فَهَذَا مُنْتَهَى الْقَوْلِ فِي صُنُوفِ الْأَطْعِمَةِ.
٧٥٣ - فَأَمَّا الْمَلَابِسُ، فَإِنَّهَا تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا - مَا فِي اسْتِعْمَالِهِ دَرْءُ الضِّرَارِ، فَسَبِيلُ إِبَاحَتِهِ كَسَبِيلِ الْأَطْعِمَةِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي - مَا لَا يَدْرَأُ ضِرَارًا، وَلَكِنْ يَتَعَلَّقُ لُبْسُهُ بِسَتْرِ مَا يَجِبُ سَتْرُهُ، أَوْ بِرِعَايَةِ الْمُرُوءَةِ.
٧٥٤ - فَأَمَّا سَتْرُ الْعَوْرَةِ، فَهُوَ مُلْتَحِقٌ بِمَا يَدْفَعُ اسْتِعْمَالُهُ الضِّرَارَ مِنَ الْمَطَاعِمِ وَالْمَلَابِسِ، فَإِنَّ تَكْلِيفَ التَّعَرِّي عَظِيمُ الْوَقْعِ، وَهُوَ أَوْقَعُ فِي النُّفُوسِ مِنْ ضَرَرِ الْجُوعِ وَالضَّعْفِ، وَوُضُوحُ هَذَا يُغْنِي عَنِ الْإِطْنَابِ فِيهِ.
وَنَحْنُ عَلَى قَطْعٍ نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِمَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ تَكْلِيفُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ التَّعَرِّي، مَعَ إِمْكَانِ السَّتْرِ.
стр. 478
٧٥٥ - وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُرُوءَةِ مِنَ اللَّبْسِ، فَأَذْكُرُ قَبْلَهُ مُعْتَبِرًا مَنْصُوصًا عَلَيْهِ لِلْأَئِمَّةِ ﵃.
قَالُوا: مَنْ أَفْلَسَ وَأَحَاطَتْ بِهِ الدُّيُونُ وَاقْتَضَى رَأْيُ الْقَاضِي ضَرْبَ حَجْرٍ عَلَيْهِ عِنْدَ اسْتِدْعَاءِ غُرَمَائِهِ، فَنُبْقِي لَهُ دَسْتَ ثَوْبٍ، وَلَا نَتْرُكُهُ بِإِزَارٍ يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ.
فَإِذَا أَبْقَوْا لَهُ إِقَامَةً لِمُرُوءَتِهِ [أَثْوَابًا] ، وَإِنْ كَانَ قَضَاءُ الدُّيُونِ الْحَالَّةِ مَحْتُومًا، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَسُوغَ فِي شُمُولِ التَّحْرِيمِ لُبْسُ مَا يَتَضَمَّنُ تَرْكُ لُبْسِهِ خَرْمًا لِلْمُرُوءَةِ. ثُمَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَنَاصِبِ وَالْمَرَاتِبِ. وَلَا يَتَبَيَّنُ الْغَرَضُ مِنْ هَذَا الْفَصْلِ إِلَّا بِمَزِيدِ كَشْفٍ.
٧٥٦ - فَنَقُولُ: مَا مِنْ رَجُلٍ إِلَّا وَهُوَ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ طَوْرَيْنِ فِي الْمِحْنَةِ وَالْمُعَافَاةِ، ثُمَّ بَيْنَ طَرَفَيْ حَالَيْهِ أَحْوَالٌ مُتَوَسِّطَةٌ، ثُمَّ لَهُ فِي كُلِّ حَالَةٍ مِنْ حَالَاتِهِ الَّتِي يُلَابِسُهَا اقْتِصَادٌ، وَتَوَسُّطٌ، وَاقْتِصَارٌ عَلَى الْأَقَلِّ، وَتَنَاهٍ فِي التَّحَمُّلِ، فَإِنِ اقْتَصَرَ، لَمْ يَعُدْ خَارِمًا لِمَنْصِبِهِ، وَإِنْ طَلَبَ النِّهَايَةَ، لَمْ يَعُدْ مُسْرِفًا، وَإِنِ اقْتَصَرَ كَانَ بَيْنَ طَرَفَيِ الْإِقْلَالِ
стр. 479
وَالْكَمَالِ، ثُمَّ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ الْمُفْلِسُ، يَتْرُكُ عَلَيْهِ دَسْتَ ثَوْبٍ يَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ، وَيَكْتَفِي بِأَقَلِّ الْمَنَازِلِ مَعَ رِعَايَةِ مَنْصِبِهِ.
فَالْوَجْهُ أَنْ نَقُولَ: إِذَا عَمَّ التَّحْرِيمُ، اكْتَفَى كُلٌّ بِمَا يُتْرَكُ عَلَيْهِ مِنَ الثِّيَابِ لَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ.
٧٥٧ - فَإِنْ قِيلَ: لَوْ عَرِيَ رَجُلٌ، وَوَجَدَ ثَوْبًا لِغَيْرِهِ لَيْسَ مَعَهُ مَالِكُهُ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي عَارِيًا، وَلَا يَلْبَسُ مَا لَيْسَ لَهُ.
قُلْنَا: لِأَنَّ الْمَرْعِيَّ فِي حَقِّ الْآحَادِ حَقِيقَةُ الضَّرُورَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يُرْعَى فِيمَا يَعُمُّ الْكَافَّةَ الضَّرُورَةَ، بَلْ يُكْتَفَى بِحَاجَةٍ ظَاهِرَةٍ.
وَالْمِقْدَارُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنَ اللُّبْسِ فِي حُكْمِ الْحَاجَةِ الظَّاهِرَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي حُكْمِ الْمُفْلِسِ.
ثُمَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ فِي لُبْسِ الْمُرُوءَةِ مَعَ عُمُومِ التَّحْرِيمِ ظَاهِرٌ فِي مَسَالِكِ الظُّنُونِ، وَلَا يَبْلُغُ الْقَوْلُ فِيهِ عِنْدِي مَبْلَغَ الْقَطْعِ.
وَالَّذِي قَدَّمْتُهُ فِي الْمَطَاعِمِ مَقْطُوعٌ بِهِ.
وَكَذَلِكَ الْمِقْدَارُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ مَقْطُوعٌ بِهِ ; فَإِنَّ النَّاسَ يَنْقَطِعُونَ بِسَبَبِ التَّعَرِّي عَنِ التَّقَلُّبِ وَالتَّصَرُّفِ، كَمَا يَمْتَنِعُونَ بِضَعْفِ الْأَبْدَانِ، وَوَهْنِ الْأَرْكَانِ عَنِ الْمَكَاسِبِ.
٧٥٨ - فَهَذِهِ جُمَلٌ فِي الْمَطَاعِمِ وَالْمَلَابِسِ كَامِلَةٌ أَتَيْنَا فِيهَا
стр. 480
بِالْبَدَائِعِ وَالْآيَاتِ، مُقَيَّدَةً بِالْحُجَجِ وَالْبَيِّنَاتِ، وَإِنَّمَا يَعْرِفُ قَدْرَهَا مُتَعَمِّقٌ فِي الْعُلُومِ مُوَفَّقٌ.
٧٥٩ - فَأَمَّا الْمَسَاكِنُ، فَإِنِّي أَرَى مَسْكَنَ الرَّجُلِ مِنْ أَظْهَرِ مَا تَمَسُّ إِلَيْهِ حَاجَتُهُ، [وَالَكِنُّ] الَّذِي يُؤْوِيهِ وَعَيْلَتَهُ وَذُرِّيَّتَهُ، مِمَّا لَا غَنَاءَ بِهِ عَنْهُ.
وَهَذَا الْفَصْلُ مَفْرُوضٌ فِيهِ إِذَا عَمَّ التَّحْرِيمُ، وَلَمْ يَجِدْ أَهْلُ الْأَصْقَاعِ وَالْبِقَاعِ مُتَحَوَّلًا عَنْ دِيَارِهِمْ إِلَى مَوَاضِعَ مُبَاحَةٍ، وَلِمَ يَسْتَمْكِنُوا مِنْ إِحْيَاءِ مَوَاتٍ (٢٥٦) وَإِنْشَاءِ مَسَاكِنَ سِوَى مَا هُمْ سَاكِنُوهَا.
٧٦٠ - فَإِنْ قِيلَ: مَا اتَّخَذْتُمُوهُ مُعْتَبَرَكُمْ فِي الْمَلَابِسِ الْمُفْلِسُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ، ثُمَّ لَا يُتْرَكُ عَلَى الْمُفْلِسِ مَسْكَنُهُ.
قُلْنَا: سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ فِي غَالِبِ الْأَمْرِ نَجِدُ كِنًّا بِأُجْرَةٍ نَزِرَةٍ، فَلْيَكْتَفِ بِذَلِكَ.
وَالَّذِي دُفِعْنَا إِلَيْهِ لَا يُؤَثِّرُ هَذَا الْمَعْنَى فِيهِ، فَإِنَّ الْمُجْتَنَبَ عِنْدَ عُمُومِ التَّحْرِيمِ مُلَابَسَةُ الْمُحَرَّمَاتِ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَطَّرِدُ فِي الْبِقَاعِ الْمُسْتَأْجَرَةِ وَغَيْرِهَا.
فَإِذَا تَقَرَّرَ الْتِحَاقُ الْمَسَاكِنِ بِالْحَاجَاتِ، وَبَطَلَ النَّظَرُ إِلَى
стр. 481
الْمَمْلُوكِ وَالْمُسْتَأْجَرِ [لِعُمُومِ] التَّحْرِيمِ، وَلَا طَرِيقَ إِلَّا مَا قَدَّمْنَاهُ.
٧٦١ - ثُمَّ يَتَعَيَّنُ الِاكْتِفَاءُ بِمِقْدَارِ الْحَاجَةِ، وَيَحْرُمُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّرَفُّهِ وَالتَّنَعُّمِ.
فَهَذَا مَبْلَغٌ كَافٍ فِيمَا أَرَدْنَاهُ، فَإِنْ شَذَّتْ عَنَّا صُوَرٌ فِي الْفَصْلِ الْمَفْرُوضِ لَمْ نَتَعَرَّضْ لَهَا، فَفِيمَا مَهَّدْنَاهُ بَيَانُ مَا تَرَكْنَاهُ.
٧٦٢ - وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِتَتِمَّةِ الْبَيَانِ فِي ذَلِكَ أَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِيهِ إِذَا عَمَّتِ الْمُحَرَّمَاتُ، وَانْحَسَمَتِ الطُّرُقُ إِلَى الْحَلَالِ فَأَمَّا إِذَا تَمَكَّنَ النَّاسُ مِنْ تَحْصِيلِ مَا يَحِلُّ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ تَرْكُ الْحَرَامِ، وَاحْتِمَالُ الْكُلِّ فِي كَسْبِ مَا يَحِلُّ، وَهَذَا فِيهِ إِذَا كَانَ مَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْهُ مُغَنِّيًا كَافِيًا دَارِئًا لِلضَّرُورَاتِ، سَادًّا لِلْحَاجَةِ.
فَأَمَّا إِذَا كَانَ لَا يَسُدُّ الْحَاجَةَ الْعَامَّةَ، وَلَكِنَّهُ يَأْخُذُ مَأْخَذًا، وَيَسُدُّ مَسَدًّا، فَيَجِبُ الِاعْتِنَاءُ بِتَحْصِيلِهِ، ثُمَّ بَقِيَّةُ الْحَاجَةِ تُتَدَارَكُ بِمَا لَا يَحِلُّ، عَلَى التَّفْصِيلِ الْمُقَدَّمِ.
٧٦٣ - فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ فِيهِ إِذَا طَبَّقَتِ الْمُحَرَّمَاتُ طَبَقَ الْأَرْضِ، وَاسْتَوْعَبَ الْحَرَامُ طَبَقَاتِ الْأَنَامِ. فَمَا الْقَوْلُ فِيهِ إِذَا اخْتَصَّ ذَلِكَ بِنَاحِيَةٍ مِنَ النَّوَاحِي؟ .
стр. 482
قُلْنَا: إِنَّ تَمَكُّنَ أَهْلِهَا مِنَ الِانْتِقَالِ إِلَى مَوَاضِعَ، يَقْتَدِرُونَ فِيهَا عَلَى تَحْصِيلِ الْحَلَالِ، تَعَيَّنَ ذَلِكَ.
٧٦٤ - فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ جَمٌّ غَفِيرٌ، وَعَدَدٌ كَبِيرٌ (٢٥٧) وَلَوِ اقْتَصَرُوا عَلَى سَدِّ الرَّمَقِ، وَانْتَظَرُوا انْقِضَاءَ أَوْقَاتِ الضَّرُورَاتِ، لَانْقَطَعُوا عَنْ مَطَالِبِهِمْ، فَالْقَوْلُ فِيهِمْ كَالْقَوْلِ فِي النَّاسِ كَافَّةً، فَلْيَأْخُذُوا أَقْدَارَ حَاجَتِهِمْ كَمَا فَصَّلْنَاهَا. فَهَذَا نِهَايَةُ الْمَطْلَبِ فِي دَارِيَةِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْعَظِيمَةِ.
٧٦٥ - فَإِنْ قِيلَ: أَطْلَقْتُمْ تَصْوِيرَ عُمُومِ التَّحْرِيمِ، فَأَبِينُوا مَا أَبْهَمْتُمُوهُ، وَأَوْضِحُوا مَا أَجْمَلْتُمُوهُ.
قُلْنَا: إِذَا اسْتَوْلَى الظَّلَمَةُ، وَتَهَجَّمَ عَلَى أَمْوَالِ النَّاسِ الْغَاشِمُونَ، وَمَدُّوا أَيْدِيَهُمُ اعْتِدَاءً إِلَى أَمْلَاكِهِمْ، ثُمَّ فَرَّقُوهَا فِي الْخَلْقِ وَبَثُّوهَا، وَفَسَدَتْ مَعَ ذَلِكَ السَّاعَاتُ، وَحَادَتْ عَنْ سُنَنِ الشَّرْعِ الْمُعَامَلَاتُ، وَتَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى نُدُورُ الْأَقْوَاتِ، وَتَمَادَى عَلَى ذَلِكَ الْأَوْقَاتُ، وَامْتَدَّتِ الْفَتَرَاتُ، وَلَا خَفَاءَ بِتَصْوِيرِ مَا نُحَاوِلُهُ.
стр. 483
ثُمَّ إِذَا ظَهَرَ مَا ذَكَرْنَاهُ، تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ الشُّبُهَاتُ، فَإِذَا جَازَ أَخْذُ الْكِفَايَةِ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، لَمْ يَخْفَ جَوَازُهُ فِي مَظَانِّ الشُّبُهَاتِ.
٧٦٦ - ثُمَّ تَخْتَصُّ هَذِهِ الْحَالَةُ بِحُكْمٍ: وَهُوَ أَنَّ مَنْ صَادَفَ شَيْئًا فِي يَدِ إِنْسَانٍ، وَهُوَ يَدَّعِيهِ لِنَفْسِهِ مِلْكًا، وَمَا عَمَّ التَّحْرِيمُ فِي الزَّمَانِ، فَيَجُوزُ لِلنَّاظِرِ إِلَى مَا فِي يَدِهِ الْأَخْذُ بِكَوْنِهِ مِلْكًا لَهُ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ تَحْرِيمُهُ، وَكَيْفَ لَا وَالْقَاضِي يُجْرِيهِ عَلَى مِلْكِهِ عِنْدَ فَرْضِ النِّزَاعِ، حَتَّى تَقُومَ بَيِّنَةٌ لِمَنْ يَدَّعِيهِ، وَيَزْعُمُ كَوْنَ صَاحِبِ الْيَدِ مُبْطِلًا فِيهِ، وَهَذَا حُكْمُ الْجَوَازِ.
وَلَا يَخْفَى مَأْخَذُ الْوَرَعِ عَلَى مَنْ يَنْتَحِيهِ.
فَهَذَا الْفَصْلُ [الْعَظِيمُ] الْقَدْرِ الَّذِي رَأَيْنَا تَقْدِيمَهُ عَلَى الْخَوْضِ فِي غَرَضِنَا مِنَ الْعَصْرِ الَّذِي يَدْرُسُ فِيهِ الْعِلْمُ بِتَفَاصِيلِ الشَّرِيعَةِ، وَقَدْ عَادَ بِنَا الْكَلَامُ إِلَيْهِ.
٧٦٧ - فَنَقُولُ: إِذَا عَسِرَ مَدْرَكُ التَّفَاصِيلِ فِي التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ، فَنَتَكَلَّمُ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ مِنَ الْأَجْنَاسِ، ثُمَّ نَتَكَلَّمُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّصَرُّفِ فِي الْأَمْلَاكِ (٢٥٨) ، وَحُقُوقِ النَّاسِ.
стр. 484
٧٦٨ - فَأَمَّا الْقَوْلُ فِيمَا يَحْرُمُ وَيَحِلُّ مِنْ أَجْنَاسِ الْمَوْجُودَاتِ، فَلَيْسَ يَخْفَى عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ - مَا بَقِيَتْ أُصُولُ الْأَحْكَامِ - أَنَّ مَرْجِعَ الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ كُلِّهَا كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى.
وَأَبْيَنُ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ فِي التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ، قَوْلُ اللَّهِ الْعَزِيزِ: ( ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ ) .
وَهَذِهِ الْآيَةُ مِنَ الْمُحْكَمَاتِ الَّتِي لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا تَعَارُضُ الِاحْتِمَالَاتِ ; وَطُرُقُ التَّأْوِيلَاتِ، وَلَيْسَتْ مِنَ الْمُتَشَابِهَاتِ، وَهِيَ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ عَلَى الْمُصْطَفَى، وَقَدِ انْطَبَقَ مَذْهَبُ مَالِكٍ إِمَامِ دَارِ الْهِجْرَةِ عَلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ، وَلَوْ قُلْتُ: هَذِهِ الْآيَةُ لَيْسَتْ مُعْضِلَةً عَلَيَّ [فِي] مُحَاوَلَةِ الذَّبِّ عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ﵁، لَكُنْتُ مُظْهِرًا مَا لَا أُضْمِرُهُ.
٧٦٩ - فَإِذَا نُسِيَتِ الْمَذَاهِبُ فَمَا لَا يُعْلَمُ فِيهِ تَحْرِيمٌ يَجْرِي عَلَى حُكْمِ الْحِلِّ، وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لِلَّهِ حُكْمٌ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ غَيْرُ مُسْتَنِدٍ إِلَى دَلِيلٍ، فَإِذَا انْتَفَى دَلِيلُ التَّحْرِيمِ ثَمَّ اسْتَحَالَ الْحُكْمُ بِهِ.
стр. 485
فَإِنْ قِيلَ: كَمَا انْتَفَى الدَّلِيلُ عَلَى التَّحْرِيمِ، انْتَفَى الدَّلِيلُ عَلَى التَّحْلِيلِ.
قُلْنَا: إِذَا انْحَسَمَتْ مَسَالِكُ الْأَدِلَّةِ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، فَمُوجَبُ انْتِفَائِهَا انْتِفَاءُ الْحُكْمِ، وَإِذَا انْتَفَى الْحُكْمُ، الْتَحَقَ الْمُكَلَّفُونَ فِي الْحُكْمِ الَّذِي تَحَقَّقَ انْتِفَاؤُهُ بِالْعُقَلَاءِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرَائِعِ، وَلَوْ لَمْ يَرِدْ شَرْعٌ، لَمَا كَانَ عَلَى النَّاسِ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ تَعَالَى حَجْرٌ وَحَرَجٌ، ثُمَّ إِقْدَامُهُمْ وَإِحْجَامُهُمْ مَعَ انْتِفَاءِ الْحَجْرِ عَنْهُمْ يَسْتَوِيَانِ، وَمَقْصُودُ الْإِبَاحَةِ فِي الشَّرْعِ انْتِفَاءُ الْحَرَجِ، وَاسْتِوَاءُ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ.
وَهَذَا فِي التَّحْقِيقِ بِمَثَابَةِ انْتِفَاءِ الْأَحْكَامِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرَائِعِ.
٧٧٠ - فَإِنْ قِيلَ مِنَ الْأُصُولِ أَنَّ الْأَعْيَانَ لِلَّهِ تَعَالَى، فَلْتَبْقَ عَلَى الْحَظْرِ إِلَى أَنْ يَرِدَ مِنْ مَالِكِ الْأَعْيَانِ (٢٥٩) إِطْلَاقٌ.
قُلْنَا: هَذَا قَوْلُ مَنْ يَرَى الْمَصِيرَ إِلَى الْحَظْرِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرَائِعِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ بَاطِلٌ قَطْعًا، وَقَدْ رَدَدْنَا عَلَى مُنْتَحِلِيهِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، فَلْيَطْلُبْهُ مَنْ يُحَاوِلُهُ فِي ذَلِكَ الْفَنِّ.
стр. 486
٧٧١ - وَإِنْ زَعَمَ السَّائِلُ أَنَّ مِنْ أُصُولِ شَرِيعَتِنَا أَلَّا تُنْسَى، وَإِنْ نُسِيَتِ التَّفَاصِيلُ، تَغَلَّظَ الْحَظْرُ، فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْمَذَاهِبَ فِي ذَلِكَ مُتَعَارِضَةٌ، فَالَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي تَفْصِيلِ الْأَحْكَامِ إِجْرَاءُ الْأَعْيَانِ عَلَى الْحَظْرِ إِلَّا أَنْ تَقُومَ دِلَالَةٌ فِي الْحِلِّ.
٧٧٢ - وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵀ إِجْرَاءُ الْأَحْكَامِ عَلَى التَّحْلِيلِ إِلَى أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى الْحَظْرِ وَالتَّحْرِيمِ.
٧٧٣ - وَمَذْهَبُ مَالِكٍ ﵀ حَصْرُ الْمُحَرَّمَاتِ فِيمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ( ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ ) الْآيَةَ.
٧٧٤ - فَكَيْفَ يَكُونُ مَا قَدَّرَهُ السَّائِلُ أَصْلًا مَعَ تَعَارُضِ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ؟ وَالْأَصْلُ هُوَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ الْمَقْطُوعُ بِهِ؟ .
٧٧٥ - فَإِذَا دَرَسَتِ الْمَذَاهِبُ، فَلَيْسَ ادِّعَاءُ الْحَظْرِ أَوْلَى مِنَ ادِّعَاءِ
стр. 487
الْإِبَاحَةِ، وَإِذَا تَعَارَضَتِ الظُّنُونُ، انْتَفَى الْحُكْمُ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْعِبَادَاتِ أَنَّ مَا انْتَفَى دَلِيلُ وُجُوبِهِ، لَمْ نُوجِبْهُ، وَالتَّحْرِيمُ إِذَا انْتَفَى دَلِيلُهُ كَالْوُجُوبِ إِذَا عُدِمَ دَلِيلُهُ.
٧٧٦ - وَالْآنَ بَعْدَ نِجَازِ هَذَا أَقُولُ: فَاضِلُ هَذَا الزَّمَانِ مَنْ يَفْهَمُ مَدَاخِلَ هَذِهِ الْفُصُولِ وَمَخَارِجَهَا، وَيَسْتَبِينُ مَسَالِكَهَا وَمَنَاهِجَهَا، وَالْمَرْمُوقُ وَالَّذِي تُثْنِي عَلَيْهِ الْخَنَاصِرُ فِي الدَّهْرِ مَنْ يُحِيطُ بِشَرَفِ هَذَا الْكَلَامِ، وَيُمَيِّزُهُ عَنْ كَلَامِ بَنِي الزَّمَانِ.
وَلَا حَاجَةَ إِلَى تَكَلُّفِ التَّصَلُّفِ فِي مُصَاوَلَةِ الْعُلَمَاءِ، وَمُطَاوَلَتِهِمْ، فَإِنَّ هَذَا مِمَّا كَفَانِيهِ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَكِنِّي قَدْ أَرَى فِي أَثْنَاءِ مَا أُجْرِيهِ التَّنْبِيهَ عَلَى عُلُوِّ قَدْرِ مَا يَجْرِي، حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَهُ مُطَالِعُهُ الْمُطَّلِعُ عَلَيْهِ، وَلَا يَسْتَمِرُّ عَلَيْهِ فَتَنْفَلِتُ (٢٦٠) عَنْهُ مَزَايَا الْفَوَائِدِ. وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّأْيِيدِ وَالتَّسْدِيدِ بِمَنِّهِ وَلُطْفِهِ.
فَهَذَا بَيَانُ مَا أَرَدْنَاهُ فِي تَحْلِيلِ الْأَجْنَاسِ وَتَحْرِيمِهَا.
٧٧٧ - فَأَمَّا تَفْصِيلُ الْقَوْلِ فِي الْأَمْلَاكِ: فَالْأَمْلَاكُ مُحْتَرَمَةٌ
стр. 488
كَحُرْمَةِ مُلَّاكِهَا، وَالْقَوْلُ فِيهَا فِي مَقْصُودِ هَذَا الْكِتَابِ يَتَعَلَّقُ بِفَصْلَيْنِ.
أَحَدُهُمَا - فِي الْمُعَامَلَاتِ الَّتِي يَتَعَاطَاهَا الْمُلَّاكُ.
وَالثَّانِي - فِي الْحُقُوقِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْأَمْلَاكِ.
٧٧٨ - فَأَمَّا الْقَوْلُ فِي الْمُعَامَلَاتِ: فَالْأَصْلُ الْمَقْطُوعُ بِهِ فِيهَا اتِّبَاعُ تَرَاضِي الْمُلَّاكِ، وَالشَّاهِدُ مِنْ نَصِّ الْقُرْآنِ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ( ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ) .
فَالْقَاعِدَةُ الْمُعْتَبَرَةُ أَنَّ الْمُلَّاكَ مُخْتَصُّونَ بِأَمْلَاكِهِمْ، لَا يُزَاحِمُ أَحَدٌ مَالِكًا فِي مِلْكِهِ مِنْ غَيْرِ حَقٍّ مُسْتَحَقٍّ، ثُمَّ الضَّرُورَةُ تُحْوِجُ مُلَّاكَ الْأَمْوَالِ التَّبَادُلَ فِيهَا ; فَإِنَّ أَصْحَابَ الْأَطْعِمَةِ قَدْ يَحْتَاجُونَ إِلَى النُّقُودِ، وَأَصْحَابُ النُّقُودِ يَحْتَاجُونَ إِلَى الْأَطْعِمَةِ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي سَائِرِ صُنُوفِ الْمَالِ.
٧٧٩ - فَالْأَمْرُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ تَحْرِيمُ التَّسَالُبِ وَالتَّغَالُبِ، وَمَدُّ الْأَيْدِي إِلَى أَمْوَالِ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ، فَإِذَا تَرَاضَوْا بِالتَّبَادُلِ فَالشَّرْعُ قَدْ يَضْرِبُ عَلَى الْمُتَعَبِّدِينَ ضُرُوبًا مِنَ الْحَجْرِ فِي كَيْفِيَّةِ
стр. 489
الْمُعَامَلَاتِ اسْتِصْلَاحًا لَهُمْ، وَطَلَبًا لِمَا هُوَ الْأَحْوَطُ وَالْأَغْبَطُ، ثُمَّ قَدْ يُعْقَلُ مَعَانِي بَعْضِهَا، وَقَدْ لَا يُعْقَلُ عِلَلُ بَعْضِهَا، وَاللَّهُ الْخَبِيرُ بِخَفَايَا لُطْفِهِ فِيهَا.
٧٨٠ - ثُمَّ لَوْ تَرَاضَى الْمُلَّاكُ عَلَى تَعَدِّي الْحُدُودِ فِي الْعَقْدِ، لَمْ يَصِحَّ مِنْهُمْ مَعَ التَّوَاطِي وَالتَّرَاضِي إِذَا بَقِيَتْ تَفَاصِيلُ الشَّرِيعَةِ.
فَإِذَا دَرَسَتْ [وَقَدْ] عَرَفَ بَنُو الزَّمَانِ أَنَّهُ كَانَ فِي الشَّرْعِ تَعَبُّدَاتٌ مَرْعِيَّةٌ فِي الْعُقُودِ، وَقَدْ فَاتَتْهُمْ بِانْقِرَاضِ الْعُلَمَاءِ، وَهُمْ لَا يَأْمَنُونَ أَنْ يُوقِعُوا الْعُقُودَ مَعَ الْإِخْلَالِ بِحُدُودِ الشَّرْعِ وَتَعَبُّدَاتِهِ، عَلَى وُجُوهٍ لَوْ أَدْرَكَهَا الْمَفْتُونُ لَعَلِمُوا بِفَسَادِهَا. وَلَيْسَ لَهُمْ مِنَ الْعُقُودِ بُدٌّ. وَوُضُوحُ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا يُغْنِي عَنْ تَكَلُّفِ بَسْطٍ فِيهَا، فَلْيُصْدِرُوا الْعُقُودَ عَنِ التَّرَاضِي، فَهُوَ الْأَصْلُ الَّذِي لَا يُغْمَضُ مَا بَقِيَ مِنَ الشَّرْعِ أَصْلٌ، وَلْيُجْرُوا الْعُقُودَ عَلَى حُكْمِ الصِّحَّةِ.
٧٨١ - وَفِي تَفَاصِيلِ الشَّرْعِ مَا يُعَضِّدُ هَذَا، فَإِنَّ رَجُلَيْنِ لَوْ تَبَايَعَا، ثُمَّ تَنَازَعَا فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي، فَادَّعَى أَحَدُهُمَا جَرَيَانَ شَرْطٍ مُفْسِدٍ لِلْعَقْدِ، فَأَنْكَرَهُ الثَّانِي، فَالَّذِي صَارَ إِلَيْهِ مُعْظَمُ الْفُقَهَاءِ
стр. 490
أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنْ يَنْفِي الْمُفْسِدَ، وَالْعَقْدُ مَحْمُولٌ عَلَى حُكْمِ الصِّحَّةِ.
وَهَذَا مَا ذَكَرْتُهُ إِينَاسًا وَتَوْطِئَةً لِمَسَاقِ الْكَلَامِ.
وَإِلَّا فَلَا [مُعْتَضَدَ] فِي مِثْلِ مَا ذَكَرْنَاهُ لِأَهْلِ زَمَانٍ دَرَسَتْ فِيهِ تَفَاصِيلُ الشَّرِيعَةِ، غَيْرَ أَنَّ الْكَلَامَ يَجُرُّ الْكَلَامَ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الزَّمَانِ الْعَرِيِّ عَنِ التَّفَاصِيلِ مَقْطُوعٌ بِهِ، فَإِنَّ الْخَلْقَ مُضْطَرُّونَ إِلَى التَّعَامُلِ لَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْهُ بُدًّا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْحَرَامَ إِذَا طَبَّقَ طَبَقَ الْأَرْضِ، أَخَذَ النَّاسُ مِنْهُ أَقْدَارَ حَاجَاتِهِمْ، لِمَا حَقَّقْنَاهُ مِنْ نُزُولِ الْحَاجَةِ فِي حَقِّ الْعَامَّةِ مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ فِي حَقِّ الْآحَادِ.
وَهَذَا مَعَ بَقَاءِ الشَّرِيعَةِ بِتَمَامِهَا وَجُمْلَتِهَا، فَكَيْفَ إِذَا مَسَّتِ الْحَاجَةُ إِلَى [التَّعَامُلِ] ، وَلَمْ يَجِدِ الْخَلْقُ مَرْجِعًا فِي الشَّرْعِ يَلُوذُونَ بِهِ؟
٧٨٢ - ثُمَّ إِذَا سَاغَتِ الْمُعَامَلَاتُ، فَلَا تَخْصِيصَ بِالْجَوَازِ، فَإِنَّ مِنْهَا مَا هُوَ وَصِيلَةٌ إِلَى الْأَقْوَاتِ وَالْمَلَابِسِ وَنَحْوِهَا، وَمِنْهَا مَا هُوَ تَجَائِرُ، وَمَكَاسِبُ لَا سَبِيلَ إِلَى حَسْمِهَا،
٧٨٣ - وَالْقَوْلُ الضَّابِطُ فِي ذَلِكَ أَنَّ مَا لَا يُعْلَمُ تَحْرِيمُهُ مِنَ
стр. 491
الْمُعَامَلَاتِ، فَلَا حَجْرَ فِيهِ عِنْدَ خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنْ عِلْمِ التَّفَاصِيلِ وَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي إِبَاحَةِ الْأَجْنَاسِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مُوَضَّحًا مُفَصَّلًا.
وَهَذَا بَيَانُ الْعُقُودِ الصَّادِرَةِ عَنِ التَّرَاضِي. فَأَمَّا التَّغَالُبُ، فَلَا يَخْفَى تَحْرِيمُهُ، مَا بَقِيَتْ أُصُولُ الشَّرِيعَةِ.
٧٨٤ - وَقَدْ (٢٦٢) تَقَعُ صُورَةٌ عَوِيصَةٌ، لَا تُدْرَكُ إِلَّا بِعِلْمِ التَّفْصِيلِ، مِثْلَ أَنْ يَغْصِبَ رَجُلٌ سَاجَةً، فَيُدْرِجَهَا فِي أَثْنَاءِ بِنَاءٍ لَهُ وَلَوِ انْتُزِعَ لَتَهَدَّمَ الْبِنَاءُ.
فَقَدْ يَخْطُرُ لِبَعْضِ النَّاسِ أَنَّ السَّاجَةَ تُنْتَزَعُ وَتُرَدُّ إِلَى مَالِكِهَا، لِأَنَّهُ ظَالِمٌ لَمَّا غَصَبَ مِنْهُ مَلِكَهُ، وَقَدْ يَخْطُرُ لِلْآخَرِينَ أَنَّ فِي هَدْمِ بِنَاءِ الْغَاصِبِ تَخْسِيرَهُ، وَإِحْبَاطَ مِلْكِهِ، وَذُو السَّاجَةِ يَجِدُ بِثَمَنِهَا مِثْلَهَا، فَيَتَعَارَضُ فِي مِثْلِ هَذَا إِمْكَانُ النَّزْعِ وَتَحْرِيمُهُ، وَلَا سَبِيلَ لِأَهْلِ الزَّمَانِ إِلَى الْحُكْمِ بِالظَّنِّ. وَتَرْكُ الْخُصُومَةِ نَاشِبَةً بَيْنَهُمَا، يَجُرُّ ضِرَارًا عَظِيمًا.
стр. 492
وَلَوْ قُلْنَا: يَتَوَقَّفُ فِي الْوَاقِعَةِ، فَفِي التَّوَقُّفِ اتِّبَاعُ الْحَيْلُولَةِ بَيْنَ مَالِكِ السَّاجَةِ [وَبَيْنَهَا] وَهُوَ تَنْجِيزُ مُرَادِ الْغَاصِبِ الْبَانِي.
٧٨٥ - فَالَّذِي تَقْتَضِيهِ الْحَالَةُ أَنْ يَغْرَمَ صَاحِبُ الْبِنَاءِ لِصَاحِبِ السَّاجَةِ قِيمَتَهَا، فَإِنَّ مِمَّا يُقْطَعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيجٍ عَلَى ظَنٍّ أَنَّ الْحَيْلُولَةَ بَيْنَ الْمَالِكِ وَمِلْكِهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ مُحَالٌ، مَعَ إِمْكَانِ بَذْلِ الْعِوَضِ، وَرَدُّ عَيْنِ السَّاجَةِ مَظْنُونٌ، وَ [لَا] سَبِيلَ إِلَى بِنَاءِ الْأَمْرِ عَلَى الظُّنُونِ مَعَ عَدَمِ الْمُفْتِينَ، وَانْحِسَامِ الطُّرُقِ إِلَى دَرْكِ مَذَاهِبِهِمْ.
فَلْيَتَّخِذِ الْفَطِنُ مَا ذَكَرْنَاهُ مُعْتَبَرًا فِي أَمْثَالِ مَا نَصَصْنَا عَلَيْهِ.
٧٨٦ - وَإِنْ أَشْكَلَتْ عَلَى أَهْلِ الزَّمَانِ أَنَّ مَا فِي أَيْدِيهِمْ مُحَرَّمٌ أَمْ لَا؟ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ أَخْذَ الْحَاجَةِ مِنَ الْمُشْتَبِهَاتِ إِذَا عَمَّتْ سَائِغٌ مَعَ اسْتِقْلَالِ الْعُلَمَاءِ بِالتَّفَاصِيلِ، فَمَا الظَّنُّ وَالزَّمَانُ خَالٍ عَنْ مَعْرِفَةِ التَّفَاصِيلِ؟ .
٧٨٧ - وَيَجُوزُ الِازْدِيَادُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ فِي خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنِ الْمُشْتَبِهَاتِ ; فَإِنَّ أَهْلَ الزَّمَانِ لَمْ يَسْتَيْقِنُوا تَحْرِيمًا فِي الزَّائِدِ عَلَى مِقْدَارِ الْحَاجَةِ، وَقَدْ تَمَهَّدَ أَنَّ مَا لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلُ التَّحْرِيمِ، فَلَا حَرَجَ
стр. 493
فِيهِ فِي الزَّمَانِ الشَّاغِرِ عَنْ حَمَلَةِ الْعُلُومِ بِتَفَاصِيلِ الشَّرِيعَةِ (٢٦٣) فَهَذَا مُنْتَهَى الْمَقْصِدِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُعَامَلَاتِ.
٧٨٨ - فَأَمَّا الْقَوْلُ فِي الْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَمْوَالِ، فَالْمَسْلَكُ الْوَجِيزُ فِيهِ أَنَّ الْحُقُوقَ تَنْقَسِمُ إِلَى مَا يُفْرَضُ لِمُسْتَحِقِّينَ مُخْتَصِّينَ، وَإِلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجِهَاتِ الْعَامَّةِ:
فَأَمَّا مَا يُقَدَّرُ لِأَشْخَاصٍ مُعَيَّنِينَ، كَالنَّفَقَاتِ وَغَيْرِهَا، فَمَا عُلِمَ فِي الزَّمَانِ وُجُوبُهُ حُكِمَ بِهِ، وَمَا لَمْ يَعْلَمْ بَنُو الزَّمَانِ لُزُومَهُ، فَالْأَمْرُ يَجْرِي فِيهِ عَلَى بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ.
٧٨٩ - وَأَنَا الْآنَ أَضْرِبُ مِنْ قَاعِدَةِ الشَّرْعِ مَثَلَيْنِ يَقْضِي الْفَطِنُ الْعَجَبَ مِنْهُمَا، وَغَرَضِي بِإِيرَادِهِمَا تَنْبِيهُ الْقَرَائِحِ لِدَرْكِ الْمَسْلَكِ الَّذِي مَهَّدْتُهُ فِي الزَّمَانِ الْخَالِي، وَلَسْتُ أَقْصِدُ الِاسْتِدْلَالَ بِهِمَا، فَإِنَّ الزَّمَانَ إِذَا فُرِضَ خَالِيًا عَنِ التَّفَارِيعِ وَالتَّفَاصِيلِ، لَمْ يَسْتَنِدْ أَهْلُ الزَّمَانِ إِلَّا إِلَى مَقْطُوعٍ بِهِ، فَالَّذِي أَذْكُرُهُ مِنْ أَسَالِيبِ الْكَلَامِ فِي تَفَاصِيلِ الظُّنُونِ.
فَالْمَثَلَانِ: أَحَدُهُمَا - فِي الْإِبَاحَةِ، وَالثَّانِي - فِي بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ.
٧٩٠ - فَأَمَّا مَا أَضْرِبُهُ فِي الْمُبَاحَاتِ مَثَلًا، فَأَقُولُ:
стр. 494
الصُّيُودُ مُبَاحَةٌ، وَلَيْسَ لَهَا نِهَايَةٌ، فَلَوِ اخْتَلَطَ بِهَا صُيُودٌ مَمْلُوكَةٌ، وَالْتَبَسَ الْأَمْرُ، فَمَا مِنْ صَيْدٍ يَقْتَنِصُهُ الْمَرْءُ إِلَّا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ يَدُهُ الصَّيْدَ الْمَمْلُوكَ.
ثُمَّ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الِاصْطِيَادَ لَا يَحْرُمُ، لِأَنَّ مَا حَلَّ مِنَ الصُّيُودِ غَيْرُ مُتَنَاهٍ، وَالْمُخْتَلِطُ بِهِ مَحْصُورٌ مُتَنَاهٍ.
٧٩١ - وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مَا لَا حَرَجَ فِيهِ، وَلَا حَجْرَ لَا يَتَنَاهَى، وَإِنَّمَا الْمَعْدُودُ الْمَحْدُودُ مَا يَحْرُمُ، فَإِذَا الْتَبَسَ عَلَى بَنِي الزَّمَانِ أَعْيَانُ الْمُحَرَّمَاتِ وَهِيَ مَضْبُوطَةٌ [لَمْ يَحْرُمْ] عَلَيْهِمْ مَالَا يَتَنَاهَى.
٧٩٢ -[وَأَمَّا] الَّذِي أَضْرِبُهُ مَثَلًا فِي بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، فَأَقُولُ: لَوْ عَلِمَ رَجُلٌ أَنَّ لِإِنْسَانٍ عَلَيْهِ دَيْنًا، وَالْتَبَسَ عَيْنُ ذَلِكِ الرَّجُلِ عَلَيْهِ الْتِبَاسًا لَا يُتَوَقَّعُ ارْتِفَاعُهُ، فَمَنِ ادَّعَى مِنْ آحَادِ النَّاسِ مَعَ اطِّرَادِ الِالْتِبَاسِ أَنَّهُ مُسْتَحِقُّ الدَّيْنِ، لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُدَّعَى (٢٦٤) عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ شَيْءٌ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ شَيْءٍ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ بَارَّةً، إِذْ لَوْ مَنَعْنَاهُ مِنَ الْيَمِينِ، وَحَمَلْنَاهُ عَلَى النُّكُولِ وَغَرَّمْنَاهُ الْمُدَّعَى، فَقَدْ يَدَّعِي عَلَيْهِ آخَرُ ذَلِكَ الدَّيْنَ.
قَائِلًا: إِنَّ الْأَوَّلَ كَانَ مُبْطِلًا، وَأَنَا
стр. 495
ذُو الْحَقِّ، ثُمَّ يَطَّرِدُ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ، فَالِاسْتِمْسَاكُ بِالْبَرَاءَةِ أَوْلَى مِنْ جِهَةِ أَنَّ الَّذِينَ لَا يَسْتَحِقُّونَ عَلَيْهِ شَيْئًا لَا يَنْحَصِرُونَ، فَتَغْلِيبُ مَا [انْتَفَتِ] النِّهَايَةُ عَنْهُ أَحْرَى.
٧٩٣ - وَالَّذِي يُعَضِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ أُخْتٌ مُحَرَّمَةٌ مِنَ الرِّضَاعِ مَثَلًا، وَقَدِ اخْتَلَطَتْ بِنِسْوَةٍ لَا يَنْحَصِرُونَ عِنْدَهَا، فَلِلرَّجُلِ أَنْ يَنْكِحَ مِنْهُنَّ مَنْ شَاءَ.
وَهَذَا أَبْدَعُ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ التَّحْرِيمَ مُغَلَّبٌ فِي الْأَبْضَاعِ.
٧٩٤ - وَإِذَا تَقَابَلَ فِي امْرَأَةٍ سَبَبَا تَحْرِيمٍ وَتَحْلِيلٍ، مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحِ أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ عَلَى الثَّانِي، فَالْحُرْمَةُ مُغَلَّبَةٌ فِي الْبُضْعِ عَلَى وَضْعِ الشَّرْعِ، وَمَعَ هَذَا [أَبَحْنَا لِلَّذِي] خَفِيَتْ عَلَيْهِ أُخْتُهُ، وَاخْتَلَطَتْ بِنِسْوَةٍ غَيْرِ مُنْحَصِرَاتٍ عِنْدَنَا أَنْ يَنْكِحَ مِنْهُنَّ مَنْ يَشَاءُ، عَلَى شَرْطِ الشَّرْعِ.
فَوَجَبَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ مُوجَبَ تَفَاصِيلِ الشَّرِيعَةِ النَّظَرُ إِلَى مَا لَا يَتَنَاهَى، وَلَا يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ فِيهِ بِأَنْ يَخْتَلِطَ بِهِ مَا يَتَنَاهَى.
следующие страницы →