← Сияса и кади

Сияса и кади · id 8323

غياث الأمم في التياث الظلم

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (522 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[مُقَدِّمَةُ الْمُؤَلِّفِ] ١ - لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، عُدَّةٌ لِلِقَا اللَّهِ . قَالَ الشَّيْخُ الْأَجَلُّ، الْإِمَامُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ، إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، أَبُو الْمَعَالِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْجُوَيْنِيُّ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -: ٢ - الْحَمْدُ لِلَّهِ الْقَيُّومِ الْحَيِّ، الَّذِي بِإِرَادَتِهِ كُلُّ رُشْدٍ وَغَيٍّ، وَبِمَشِيئَتِهِ كُلُّ نَشْرٍ وَطَيٍّ. كُلُّ بَيَانٍ فِي وَصْفِ جَلَالِهِ حَصَرٌ وَعِيٌّ، وَبَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ قَيْصَرٍ وَكَيٍّ، مِنْ قَهْرِ تَسْخِيرِهِ وَسْمٌ وَكَيٌّ، ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فَالْعُقُولُ عَنْ عِزِّ جَلَالِهِ مَعْقُولَةٌ، وَمَعَاقِدُ الْعُقُودِ فِي نَعْتِ جَمَالِهِ مَحْلُولَةٌ، وَمَطَايَا الْوَاجِدِينَ مَشْكُولَةٌ، وَقُلُوبُ الْعَارِفِينَ عَلَى الدَّأَبِ فِي

стр. 2

الطَّلَبِ مَجْبُولَةٌ، وَأَيْدِي الْمُرِيدِينَ إِلَى الْأَعْنَاقِ مَغْلُولَةٌ، وَأَفْئِدَةُ الْقَانِعِينَ بِمَلِكِ الدَّارَيْنِ مَعْلُولَةٌ، وَغَايَةُ الزَّاهِدِينَ الْعَابِدِينَ مَوَاعِدُ مَأْمُولَةٌ، وَفِي عَرَصَاتِ الْكِبْرِيَاءِ أَلْسِنَةٌ مَسْلُولَةٌ، وَدِمَاءُ الْهَلْكَى فِي اللَّهِ مُهْدَرَةٌ مَطْلُولَةٌ، وَحُدُودُ الْمُشَمِّرِينَ فِي غَيْرِ مَا قُدِّرَ لَهُمْ مَفْلُولَةٌ، وَنِهَايَةُ الْمُكَاشِفِينَ حَيْرَةٌ مَحْصُولَةٌ، فَلَا يَنْفَعُ مَعَ الْقَدَرِ الْمَحْتُومِ وَسِيلَةٌ، وَلَا يَدْرَأُ الْقَضَاءَ الْأَزَلِيَّ حِيلَةٌ، وَالْأَفْهَامُ دُونَ حِمَى الْعِزَّةِ مَبْهُورَةٌ، وَالْأَوْهَامُ مَقْهُورَةٌ، وَالْفِطَنُ مَزْجُورَةٌ، وَالْبَصَائِرُ مَدْحُورَةٌ، وَالْفِكَرُ عَنْ مَدْرَكِ الْحَقِّ مَقْصُورَةٌ، وَذِكْرُ اللِّسَانِ أَصْوَاتٌ وَأَجْرَاسٌ، وَمُتَضَمَّنُ الْخَوَاطِرِ وَسْوَاسٌ، وَالسُّكُونُ عَنِ الطَّلَبِ تَعْطِيلٌ، وَالرُّكُونُ إِلَى مَطْلُوبٍ مُخَيَّلٍ تَمْثِيلٌ، وَبَذْلُ الْمُهَجِ فِي أَدْنَى مَسَالِكِ الْمُرِيدِينَ قَلِيلٌ، وَلَيْسَ إِلَى دَرْكِ

стр. 3

حَقِيقَةِ الْحَقِّ سَبِيلٌ، وَنَارُ اللَّهِ عَلَى أَرْوَاحِ الْمُشْتَاقِينَ مُوقَدَةٌ، وَمَدَارِكُ الْوُصُولِ بِأَغْلَاقِ الْعِزِّ مُوصَدَةٌ، وَمَنْ قَنِعَ بِالدَّعْوَى ضَاعَ زَمَانُهُ، وَمَنْ تَحَقَّقَ فِي الْإِرَادَةِ طَالَتْ أَحْزَانُهُ، وَمِنْ ضَرِيَ بِالْكَلَامِ صَدِيَ جَنَانُهُ، وَمَنْ عَرَفَ اللَّهَ كَلَّ لِسَانُهُ، ﷻ ، وَتَقَدَّسَتْ

стр. 4

أَسْمَاؤُهُ. اسْتِوَاؤُهُ اسْتِيلَاؤُهُ، وَنُزُولُهُ بَرُّهُ وَحِبَاؤُهُ، وَمَجِيئُهُ حُكْمُهُ وَقَضَاؤُهُ، وَوَجْهُهُ بَقَاؤُهُ، وَتَقْرِيبُهُ اصْطِفَاؤُهُ، وَمَحَبَّتُهُ آلَاؤُهُ، وَسُخْطُهُ بَلَاؤُهُ، وَبُعْدُهُ عَلَاؤُهُ، الْعَظَمَةُ إِزَارُهُ، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ، غَرِقَتْ فِي نُورِ سَرْمَدِيَّتِهِ عُقُولُ الْعُقَلَاءِ، وَبَرِقَتْ فِي وَصْفِ صَمَدِيَّتِهِ عُلُومُ الْعُلَمَاءِ، وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ أَهْلُ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ إِلَّا عَلَى الصِّفَاتِ وَالْأَسْمَاءِ، فَالْخَلْقُ رُسُومٌ خَالِيَةٌ، وَجُسُومٌ بَالِيَةٌ، وَالْقُدْرَةُ الْأَزَلِيَّةُ لَهَا وَالِيَةٌ، جَلَّتْ سَاحَةُ الرُّبُوبِيَّةِ، وَحِمَى الْعِزَّةِ الدَّيْمُومِيَّةِ، عَنْ وَهْمِ كُلِّ جِنِّيٍّ وَإِنْسِيٍّ، وَمُنَاسَبَةِ عَرْشٍ وَكُرْسِيٍّ، فَالشَّوَاهِدُ دُونَهَا مُنْطَمِسَةٌ، وَالْعُلُومُ مُنْدَرِسَةٌ، وَالْعُقُولُ مُخْتَلِطَةٌ مُلْتَبِسَةٌ، وَالْأَلْسِنَةُ مُعْتَقَلَةٌ مُحْتَبَسَةٌ، فَلَا تَحْيِيثَ وَلَا

стр. 5

تَحْيِيزَ، وَلَا تَحْقِيقَ وَلَا تَمْيِيزَ، وَلَا تَقْدِيرَ وَلَا تَجْوِيزَ، وَلَيْسَ إِلَّا وَجْهُهُ الْعَزِيزُ. ٣ - قَدْ أَفْلَحَ الْحَامِدُونَ، وَخَابَ الْجَاحِدُونَ، وَفَازَ الْمُؤْمِنُونَ، وَكُفِيَ الْمُتَوَكِّلُونَ، وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ، وَاعْتَرَفَ لِلَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ الْمُؤَيِّدُونَ، وَأَيْقَنَ بِنُبُوَّةِ الْمُرْسَلِينَ، وَصِدْقِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، وَقَائِدِ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ - الْمُوَفَّقُونَ. وَعَلَى الْأَنْبِيَاءِ أَجْمَعِينَ. ٤ - قَدْ تَقَدَّمَ الْكِتَابُ النِّظَامِيُّ، مُحْتَوِيًا عَلَى الْعَجَبِ الْعُجَابِ، وَمُنْطَوِيًا عَلَى لُبَابِ الْأَلْبَابِ، أُحْدُوثَةٌ عَلَى كَرِّ الْعَصْرِ، وَغُرَّةٌ فِي جَبْهَةِ الدَّهْرِ، يَعْشُو إِلَى مَنَارِهَا الْمُرْتَبِكُ فِي الشُّبُهَاتِ، وَيَلُوذُ بِآثَارِهَا الْمُنْسَلِكُ فِي مَثَارِ الْمَتَاهَاتِ، وَيَقْتَدِي بِنُجُومِهَا الْمُتَرَقِّي عَنْ مَهَاوِي الْوَرَطَاتِ، وَيَنْخَنِسُ بِرُجُومِهَا الْمُتَعَثِّرُ فِي أَذْيَالِ الضَّلَالَاتِ، وَوَافَى الْجَنَابِ الْأَسْمَى عَرُوسًا، احْتَضَنَهَا طَبٌّ بِالْحَضَانَةِ، قَدِ

стр. 6

اسْتَوْظَفَ فِي الْقِيَامِ عَلَيْهَا زَمَانَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يُقَوِّمُ قَدَّهَا، وَيُوَرِّدُ خَدَّهَا، وَيُكَحِّلُ بِالْبَصَائِرِ أَحْدَاقَهَا، وَيَشُقُّ إِلَى صَوْبِ الْبَدَائِعِ وَالذَّخَائِرِ آمَاقَهَا، وَيَرْصُفُ دُرَرَهَا وَعِقْيَانَهَا، وَيُشَنِّفُ بِقِرَطَةِ الْحَقَائِقِ آذَانَهَا، وَيُنْطِقُ بِغُرَرِ الْكَلَامِ لِسَانَهَا، وَيُطَوِّقُ بِجَوَاهِرِ الْحِكَمِ جِيدَهَا، وَيُزَيِّنُ مِخْنَقَهَا وَوَرِيدَهَا، وَيُدِيمُ فَرَكَهَا، وَيُلِينُ عَرِيكَهَا، وَيُقَرِّبُ مُتَنَاوَلَهَا وَدَرْكَهَا، وَيُلَقِّنُهَا مِقَةَ خَاطِبِهَا، وَيُلْقِي إِلَيْهَا الْإِقْرَانَ لِصَاحِبِ الدُّنْيَا وَصَاحِبِهَا، فَنَشَأَتْ غَيْدَاءَ مَيَّاسَةً مَرُوضَةً، وَالْمُقْلَةُ الْمُتَطَلِّعَةُ إِلَى خَفَايَا الْعُيُوبِ عَنْهَا مَغْضُوضَةٌ، وَظَلَّتْ تَتَشَوَّقُ إِلَى مُخَيَّمِ الْعِزَّةِ شَوْقًا، وَتَطِيرُ إِلَيْهِ بِأَجْنِحَةِ الْهِزَّةِ تَوْقًا، فَبَرَزَتْ عَنْ حِجَالِهَا مُخْتَالَةً فِي أَذْيَالِهَا، مُتَوَشِّحَةً بِأُبَّهَةِ الْبَهَاءِ. مُشْتَقًّا اسْمُهَا مِنِ اسْمِ أَكْرَمِ الْأَكْفَاءِ. وَالْأَلْقَابُ تَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، وَجَزِعَتْ إِلَى مَثْوَاهَا سَبَاسِبَ وَرِمَالًا، وَوَاصَلَتْ فِي

стр. 7

صَمْدِ مَوْلَاهَا غُدْوَاتٍ وَآصَالًا، وَقَطَعَتْ مِنْ مَطَايَاهَا أَوْصَالًا، فَصَادَفَتْ مَرْتَعًا خَصِيبًا، وَمَرْبَعًا رَحِيبًا، وَشَأْوًا فِي الْعُلَا بَعِيدًا، وَكَرْمًا قَرِيبًا، وَدَلَّتْ بِمَعَانِيهَا عَلَى عَنَاءِ مُعَانِيهَا، وَبِمَنَاظِمِ مَبَانِيهَا عَلَى غَنَاءِ بَانِيهَا، ثُمَّ أَخَذَتْ تَسْتَعْطِفُ أَعِنَّةَ الْعَطْفِ، وَتَثْنِي أَزِمَّةَ اللُّطْفِ، عَلَى صَاحِبِ التَّأْلِيفِ وَالرَّصْفِ، وَذَكَرَتْ أَنَّهُ يَبْغِي تَنْوِيهًا وَمَنْصِبًا عُلْيَا نَبِيهًا، وَيَفُوقُ مَنَاطَ الْعَيُّوقِ زَهْوًا وَتِيهًا، فَمَا كَانَ إِلَّا كَإِيمَاضَةِ سَيْفٍ، أَوِ انْقِشَاعِ سَحَابَةٍ فِي صَيْفٍ، أَوْ نَفْضَةِ رُدْنٍ، أَوْ طَنَّةِ أُذُنٍ، حَتَّى طَغَتْ مِنْ بِحَارِ الْمَعَالِي أَمْوَاجُهَا، وَتَشَامَخَتْ مِنْ أَطْوَادِ الْكَرَمِ شِعَابُهَا وَفِجَاجُهَا، فَوَافَتِ الْخِلْعَةُ تَجُرُّ عَلَى قِمَّةِ الْمَجَرَّةِ فُضُولَ الذَّيْلِ، وَتُبِرُّ عَلَى نِهَايَاتِ الْمُنَى بِأَوْفَى الْكَيْلِ، وَتَجْرُفُ مَجَاثِمَ الْعُسْرِ كَدُفَّاعِ السَّيْلِ، وَاكْتَسَبَ الْخَادِمُ

стр. 8

شَرَفًا يَتَخَلَّدُ فِي تَوَارِيخِ الْأَخْبَارِ، وَيُكْتَبُ بِسَوَادِ اللَّيْلِ عَلَى بَيَاضِ النَّهَارِ، وَأَعْذَبُ النِّعَمِ مَشَارِعَ، وَأَخْصَبُهَا مَرَاتِعَ، نِعْمَةٌ أَجَابَتْ قَبْلَ النِّدَا، وَلَبَّتْ قَبْلَ الدُّعَا، وَلَيْسَ مَنْ يَنْتَجِعُ الْغَيْثَ فِي أَقْطَارِهِ، كَمَنْ يَسْقِيهِ رَيِّقُ الْوَبْلِ فِي دِيَارِهِ، وَلَوْ لَمْ أَجِدْ أَمْرَ اللَّهِ عِبَادَهُ بِالشُّكْرِ عَلَى نِعَمِهِ الَّتِي لَا تُعَدُّ وَلَا تُحَدُّ أُسْوَةً وَمُقْتَدَى، لَقُلْتُ مَنْ شَكَرَ أَدْنَى مِنَحِ مَوْلَانَا، فَقَدْ ظَلَمَ وَاعْتَدَى، وَلَكِنْ لَا مَعَابَ عَلَى مَنِ اتَّخَذَ كِتَابَ اللَّهِ قُدْوَةً وَمُحْتَدَى. ١ - فَلَا زَالَ رَكْبُ الْمُعْتَفِّينَ مُنِيخَةً ... بِذُرْوَتِكَ الْعُلْيَا، وَلَا زِلْتَ مَقْصِدًا. ٢ - تَدِينُ لَكَ الشُّمُّ الْأَنُوفُ تَخَضُّعَا ... وَلَوْ أَنَّ زُهْرَ الْأُفْقِ أَبْدَتْ تَمَرُّدَا

стр. 9

٣ - لَجَاءَتْكَ أَقْطَارُ السَّمَاءِ تَجُرُّهَا ... إِلَيْكَ لِتَعْفُوَ، أَوْ لِتُورِدَهَا الرَّدَى ٤ - وَإِنِّي لَغَرْسٌ أَنْتَ قِدْمًا غَرَسْتَهُ ... وَرَبَّيْتَهُ حَتَّى عَلَا وَتَمَدَّدَا ٥ - لِأَنَّكَ أَعْلَى النَّاسِ نَفْسًا وَهِمَّةً ... وَأَقْرَبُهُمْ عُرْفًا وَأَبْعَدُهُمْ مَدَى ٦ - وَأَوْرَاهُمُو زَنْدًا، وَأَرْوَاهُمُو ظُبًا ... وَأَسْجَاهُمُو بَحْرًا، وَأَسْخَاهُمُو يَدَا ٧ - وَمَا أَنَا إِلَّا دَوْحَةٌ قَدْ غَرَسْتَهَا وَأَسْقَيْتَهَا ... حَتَّى تَمَادَى بِهَا الْمَدَى ٨ - فَلَمَّا اقْشَعَرَّ الْعُودُ مِنْهَا وَصَوَّحَتْ ... أَتَتْكَ بِأَغْصَانٍ لَهَا تَطْلُبُ النَّدَى.

стр. 10

- فِي الْأَصْلِ فِي نُسْخَةٍ عِوَضُ هَذَا الْبَيْتِ: ٩ - فَلَمَّا ذَوَتْ مِنْهُ الْغُصُونُ، وَصَوَّحَتْ ... وَخَافَ ذُبُولًا، جَاءَ يَسْأَلُكَ النَّدَى ٥ - نَعَمْ؛ وَقَدْ كَانَ ضِمْنَ الْخَادِمِ خِدْمَةَ السَّاحَةِ النِّظَامِيَّةِ، بِكِتَابٍ آخَرَ، هُوَ - لَعَمْرُ اللَّهِ - النَّبَأُ الْعَظِيمُ، وَالْخَطْبُ الْجَسِيمُ، وَالْأَمْرُ الَّذِي لَمْ يَجْرِ بِمِثْلِهِ ذِكْرٌ، وَلَمْ يُحَوِّمْ عَلَيْهِ نَظْمٌ وَلَا نَثْرٌ، وَالْبَحْرُ الْخِضَمُّ الَّذِي لَيْسَ لِبَدَائِعِهِ شَاطِئٌ وَعِبْرٌ. وَلَسْتُ وَاللَّهِ

стр. 11

أَتَصَلَّفُ بِالْإِسْهَابِ فِي ذِكْرِهِ، وَإِنَّمَا أُنَبِّهُ عَلَى عُلُوِّ قَدْرِهِ، وَكَمِ اكْتَنَنْتُهُ فِي أَحْنَاءِ الصَّدْرِ، حَتَّى نَقَدَتْهُ يَدُ السَّبْرِ، وَأَنْضَجَتْهُ نَارُ الْفِكْرِ، ثُمَّ اسْتَقْتُهُ مُصَحِّحًا مُنَقِّحًا إِلَى سَيِّدِ الْوَرَى، وَمُؤَيِّدِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَمَلَاذِ الْأُمَمِ وَمُسْتَخْدِمِ السَّيْفِ وَالْقَلَمِ، وَمَنْ ظَلَّ ظِلُّ الْمُلْكِ بِيُمْنِ مَسَاعِيهِ مَمْدُودًا، وَلِوَاءُ النَّصْرِ مَعْقُودًا، فَكَمْ بَاشَرَ أُوَارَ الْحَرْبِ، وَأَدَارَ رَحَى الطَّعْنِ وَالضَّرْبِ، فَلَا يَدُهُ ارْتَدَّتْ، وَلَا طَلْعَتُهُ الْبَهِيَّةُ ارْبَدَّتْ، وَلَا غَرْبُهُ انْثَنَى، وَلَا حَدُّهُ نَبَا، قَدْ سَدَّتْ مَسَالِكَ الْمَهَالِكَ صَوَارِمُهُ، وَحَصَّنَتِ الْمَمَالِكَ صَرَائِمُهُ، وَحَلَّتْ شَكَائِمَ الْعِدَى عَزَائِمُهُ، وَتَحَصَّنَتِ الْمَمْلَكَةُ بِنَصْلِهِ، وَتَحَسَّنَتِ الدُّنْيَا بِأَفْضَالِهِ وَفَضْلِهِ، وَغَمَرَ بِبِرِّهِ آفَاقَ الْبِلَادِ، وَنَفَى الْغَيَّ

стр. 12

عَنْهَا بِالرَّشَادِ، وَجَلَّى ظَلَامَ الظُّلْمِ عَدْلُهُ، وَكَسَرَ فِقَارَ الْفَقْرِ بَذْلُهُ، وَكَانَتْ خِطَّةُ الْإِسْلَامِ شَاغِرَةً، وَأَفْوَاهُ الْخُطُوبِ إِلَيْهَا فَاغِرَةً، فَجَمَعَ اللَّهُ بِرَأْيِهِ الثَّاقِبِ شَمْلَهَا، وَوَصَلَ بِيُمْنِ نَقِيبَتِهِ حَبْلَهَا، وَأَضْحَتِ الرَّعَايَا بِرِعَايَتِهِ وَادِعَةً، وَأَعْيُنُ الْحَوَادِثِ عَنْهَا هَاجِعَةً، فَالدِّينُ يَزْهُو بِتَهَلُّلِ أَسَارِيرِهِ، وَإِشْرَاقِ جَبِينِهِ، وَالسَّيْفُ يَفْخَرُ فِي يَمِينِهِ، وَيَرْجُوهُ الْآيِسُ الْبَائِسُ فِي أَدْرَاجِ أَنِينِهِ، وَيَرْكَعُ لَهُ تَاجُ كُلِّ شَامِخٍ بِعِرْنِينِهِ، وَيَهَابُهُ اللَّيْثُ الْمُزَمْجِرُ فِي عَرِينِهِ. ٦ - فَمَا أَجْدَرَ هَذِهِ السُّدَّةَ الْمُنِيفَةَ بِمَجْمُوعٍ يَجْمَعُ أَحْكَامَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الزَّعَامَةِ، بَيْنَ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ، لِيَكُونَ شَوْفَ الرَّأْيِ السَّامِي، قُدَّامَهُ وَأَمَامَهُ، فِيمَا يَأْتِي وَيَذَرُ إِمَامَهُ، ثُمَّ تَتَأَبَّدُ فَائِدَتُهُ وَعَائِدَتُهُ إِلَى قِيَامِ الْقِيَامَةِ. ٧ - وَلِكُلِّ كِتَابٍ مَعْمُودٌ وَمَقْصُودٌ، وَمُنْتَحًى مَصْمُودٌ، يَجْرِي مَجْرَى الْأَسَاسِ مِنَ الْبُنْيَانِ، وَالرُّوحِ مِنَ الْحَيَوَانِ، وَالْعَذَبَةِ مِنَ

стр. 13

اللِّسَانِ، وَهَا أَنَا أَبُوحُ بِمَضْمُونِ الْكِتَابِ وَسِرِّهِ، ثُمَّ أَنْفُثُ لَهِيبَ الْفِكْرِ صَالِيًا بِحَرِّهِ، وَأَتَبَرَّأُ عَنْ حَوْلِي وَقُوَّتِي، لَائِذًا بِتَأْيِيدِ اللَّهِ وَنَصْرِهِ. ٨ - فَأَقُولُ: أَقْسَامُ الْأَحْكَامِ، وَتَفَاصِيلُ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، فِي مَبَاغِي الشَّرْعِ وَمَقَاصِدِهِ، وَمَصَادِرِهِ وَمَوَارِدِهِ، يَحْصُرُهَا قِسْمَانِ، وَيَحْوِيهَا فِي مُتَضَمَّنِ هَذَا الْمَجْمُوعِ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا يَكُونُ ارْتِبَاطُهُ وَانْتِيَاطُهُ بِالْوُلَاةِ وَالْأَئِمَّةِ، وَذَوِي الْإِمْرَةِ مِنْ قَادَةِ الْأُمَّةِ، فَيَكُونُ مِنْهُمُ الْمَبْدَأُ وَالْمَنْشَأُ، وَمِنَ الرَّعَايَا الِارْتِسَامُ وَالتَّتِمَّةُ. وَالثَّانِي: مَا يَسْتَقِلُّ بِهِ الْمُكَلَّفُونَ، وَيَسْتَبِدُّ بِهِ الْمَأْمُورُونَ الْمُتَصَرِّفُونَ. ٩ - وَأَنَا بِعَوْنِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ أَذْكُرُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، فِي صِفَةِ الْأَئِمَّةِ وَالْوُلَاةِ، وَالرُّعَاةِ وَالْقُضَاةِ، أَبْوَابًا مُنَظَّمَةً، تَجْرِي مِنْ مَقْصُودِ الْقِسْمِ مَجْرَى الْمُقَدِّمَةِ. عَلَى أَنِّي آتِي فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَقْصُودَ الْكِتَابِ بِالْعَجَائِبِ وَالْآيَاتِ، وَأُشِيرُ بِالْمَرَامِزِ إِلَى مُنْتَهَى الْغَايَاتِ، وَأُوثِرُ الْإِيجَازَ وَالتَّقْلِيلَ، مَعَ تَحْصِيلِ شِفَاءِ الْغَلِيلِ، وَاخْتِيَارِ

стр. 14

الْإِيجَازِ عَلَى التَّطْوِيلِ، بَعْدَ وُضُوحِ مَا عَلَيْهِ التَّعْوِيلُ، ثُمَّ أُقَدِّرُ شُغُورَ الْحِينِ عَنْ حُمَاةِ الدِّينِ، وَوُلَاةِ الْمُسْلِمِينَ، وَأُوَضِّحُ إِذْ ذَاكَ مُرْتَبَطَ قَضَايَا الْوِلَايَةِ، وَأُنْهِي الْكَلَامَ إِلَى مُنْتَهَى الْغَايَةِ، فَإِنَّهُ الْمَقْصُودُ بِالدَّرَكِ وَالدِّرَايَةِ، وَمَا نُقَدِّمُهُ فِي حُكْمِ التَّوْطِئَةِ وَالْبِدَايَةِ. ١٠ - ثُمَّ أَنْعَطِفُ عَلَى الْقِسْمِ الثَّانِي، وَهُوَ الَّذِي يَسْتَوِي إِلَيْهِ فِي الِاحْتِيَاجِ الْقَاصِي وَالدَّانِي، وَأُبَيِّنُ أَنَّ الْمُسْتَنَدَ الْمُعْتَضَدَ فِي الشَّرِيعَةِ نَقَلْتُهَا، وَالْمُسْتَقِلُّونَ بِأَعْبَائِهَا وَحَمَلَتُهَا، وَهُمْ أَهْلُ الِاجْتِهَادِ الضَّامُّونَ إِلَى غَايَاتِ عُلُومِ الشَّرْعِ شَرَفَ التَّقْوَى وَالسَّدَادِ، فَهُمُ الْعِمَادُ وَالْأَطْوَادُ، فَلَوْ شَغَرَ الزَّمَانُ عَنِ الْأَطْوَادِ وَالْأَوْتَادِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَلْتَزِمُ شِيمَةَ الْأَنَاةِ وَالِاتِّئَادِ، فَلَيْتَ شِعْرِي مَا مُعْتَصَمُ الْعِبَادِ، إِذَا طَمَا بَحْرُ الْفَسَادِ؟ وَاسْتَبْدَلَ الْخَلْقُ الْإِفْرَاطَ وَالتَّفْرِيطَ عَنْ مَنْهَجِ الِاقْتِصَادِ، وَبُلِيَ الْمُسْلِمُونَ بِعَالِمٍ لَا يُوثَقُ بِهِ لِفِسْقِهِ، وَبِزَاهِدٍ لَا يُقْتَدَى بِهِ لِخُرْقِهِ؟ ؟ ! أَيَبْقَى بَعْدَ ذَلِكَ مَسْلَكٌ فِي الْهُدَى، أَمْ يَمُوجُ النَّاسُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ مُهْمَلِينَ سُدًى، مُتَهَافِتِينَ عَلَى

стр. 15

مَهَاوِي الرَّدَى؟ فَإِلَى مَتَى أُرَدِّدُ مِنَ التَّقْدِيرَاتِ فُنُونًا؟ وَأَجْعَلُ الْكَائِنَ الْمُسْتَيْقَنَ مَظْنُونًا؟ . كَانَ الَّذِي خِفْتُ أَنْ يَكُونَا إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاجِعُونَا. عَمَّ مِنَّ الْوُلَاةِ جَوْرُهَا وَاشْتِطَاطُهَا، وَزَالَ تَصَوُّنُ الْعُلَمَاءِ وَاحْتِيَاطُهَا ; وَظَهَرَ ارْتِبَاكُهَا فِي جَرَاثِيمِ الْحُطَامِ وَاخْتِبَاطُهَا، وَانْسَلَّ عَنْ لِجَامِ التَّقْوَى رُءُوسُ الْمِلَّةِ وَأَوْسَاطُهَا، وَكَثُرَ انْتِمَاءُ الْقُرَى إِلَى الظُّلْمِ وَاخْتِلَاطُهَا! ! . ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ ؟ ؟ . فَإِنْ وَجَدْتُ لِلدِّينِ مُعْتَضَدًا، وَأَلْفَيْتُ لِلْإِسْلَامِ مُنْتَصَرًا، بَعْدَمَا دَرَسَتْ أَعْلَامُهُ، وَآذَنَتْ بِالِانْصِرَامِ أَيَّامُهُ، كُنْتُ كَمَنْ يُمَهِّدُ لِرَحَا الْحَقِّ مَقَرَّ الْقُطْبِ، وَيَضَعُ الْهِنَاءَ مَوَاضِعَ النُّقْبِ.

стр. 16

١١ - وَالْآنَ كَمَا يُفْضِي مَسَاقُ هَذَا التَّرْتِيبِ إِلَى تَسْمِيَةِ الْكِتَابِ وَالتَّلْقِيبِ. وَقَدْ تَحَقَّقَ لِلْعَالِمِينَ أَنَّ صَدْرَ الْأَيَّامِ وَمَوْئِلَ الْأَنَامِ، وَمَنْ هُوَ حَقًّا مُعَوَّلُ الْإِسْلَامِ، يُدْعَى بِأَسْمَاءَ تُبِرُّ عَلَيْهَا مَعَانِيهِ، وَيَفُوقُ فَحَوَاهَا مَعَالِيهِ، فَهُوَ غِيَاثُ الدَّوْلَةِ. وَهَذَا إِذَا تَمَّ: (غِيَاثُ الْأُمَمِ فِي الْتِيَاثِ الظُّلَمِ) . فَلْيَشْتَهِرْ بِالْغِيَاثِيِّ كَمَا شُهِرَ الْأَوَّلُ بِالنِّظَامِيِّ. وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّأْيِيدِ وَالتَّوْفِيقِ، وَهُوَ بِإِسْعَافِ رَاجِيهِ حَقِيقٌ.

стр. 17

[الرُّكْنُ الْأَوَّلُ كِتَابُ الْإِمَامَةِ] [ الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مَعْنَى الْإِمَامَةِ وَوُجُوبِ نَصْبِ الْأَئِمَّةِ وَقَادَةِ الْأُمَّةِ] خُطَّةُ الْكِتَابِ. ١٢ - فَأَرْكَانُ الْكِتَابِ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا: الْقَوْلُ فِي الْإِمَامَةِ، وَمَا يَلِيقُ بِهَا مِنَ الْأَبْوَابِ. وَالرُّكْنُ الثَّانِي: فِي تَقْدِيرِ خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنِ الْأَئِمَّةِ وَوُلَاةِ الْأُمَّةِ. وَالرُّكْنُ الثَّالِثُ: فِي تَقْدِيرِ انْقِرَاضِ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ. فَلْتَقَعِ الْبِدَايَةُ بِالْإِمَامَةِ.

стр. 18

الرُّكْنُ الْأَوَّلُ. كِتَابُ الْإِمَامَةِ. ١٣ - وَهِيَ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ: الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي وُجُوبِ نَصْبِ الْأَئِمَّةِ وَقَادَةِ الْأُمَّةِ. الْبَابُ الثَّانِي: فِي الْجِهَاتِ الَّتِي تُعِيِّنُ الْإِمَامَةَ وَتُوجِبُ الزَّعَامَةَ. الْبَابُ الثَّالِثُ: فِي صِفَاتِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، وَاعْتِبَارِ الْعَدَدِ فِيمَنْ إِلَيْهِ الْعَهْدُ. الْبَابُ الرَّابِعُ: فِي صِفَاتِ الْإِمَامِ الْقَوَّامِ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ. الْبَابُ الْخَامِسُ: فِي الطَّوَارِئِ الَّتِي تُوجِبُ الْخَلْعَ وَالِانْخِلَاعَ. الْبَابُ السَّادِسُ: فِي إِمَامَةِ الْمَفْضُولِ. الْبَابُ السَّابِعُ: فِي نَصْبِ إِمَامَيْنِ. الْبَابُ الثَّامِنُ: فِي تَفْصِيلِ مَا إِلَى الْأَئِمَّةِ وَالْوُلَاةِ.

стр. 19

الْبَابُ الْأَوَّلُ. فِي مَعْنَى الْإِمَامَةِ، وَوُجُوبِ نَصْبِ الْأَئِمَّةِ، وَقَادَةِ الْأُمَّةِ. ١٤ - الْإِمَامَةُ رِيَاسَةٌ تَامَّةٌ، وَزَعَامَةٌ عَامَّةٌ، تَتَعَلَّقُ بِالْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ، فِي مُهِمَّاتِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا. مُهِمَّتُهَا حِفْظُ الْحَوْزَةِ، وَرِعَايَةُ الرَّعِيَّةِ، وَإِقَامَةُ الدَّعْوَةِ بِالْحُجَّةِ وَالسَّيْفِ، وَكَفُّ الْخَيْفِ وَالْحَيْفِ، وَالِانْتِصَافُ لِلْمَظْلُومِينَ مِنَ الظَّالِمِينَ، وَاسْتِيفَاءُ الْحُقُوقِ مِنَ الْمُمْتَنِعِينَ، وَإِيفَاؤُهَا عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ. وَهَذِهِ جُمَلٌ يُفَصِّلُهَا الْبَابُ الثَّامِنُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى مَا يُنَاطُ بِالْأَئِمَّةِ، وَهِيَ مَرَاسِمُ تَحُلُّ مَحَلَّ التَّرَاجِمِ، وَفِيهَا الْآنَ مَقْنَعٌ، وَسَيَأْتِي مُتَّسَعٌ فِي الْبَيَانِ مُشْبِعٌ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ . [حُكْمُ نَصْبِ الْإِمَامِ] ١٥ - فَنَصْبُ الْإِمَامِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ وَاجِبٌ. ١٦ - وَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَيْسَانَ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ

стр. 20

وَيَجُوزُ تَرْكُ النَّاسِ أَخْيَافًا، يَلْتَطِمُونَ ائْتِلَافًا وَاخْتِلَافًا، لَا يَجْمَعُهُمْ ضَابِطٌ، وَلَا يَرْبِطُ شَتَاتَ رَأْيِهِمْ رَابِطٌ. وَهَذَا الرَّجُلُ هَجُومٌ عَلَى شَقِّ الْعَصَا، وَمُقَابَلَةِ الْحُقُوقِ بِالْعُقُوقِ، لَا يَهَابُ حِجَابَ الْإِنْصَافِ، وَلَا يَسْتَوْعِرُ أَصْوَابَ الِاعْتِسَافِ، وَلَا يُسَمَّى إِلَّا عِنْدَ الِانْسِلَالِ عَنْ رِبْقَةِ الْإِجْمَاعِ، وَالْحَيْدِ عَنْ سُنَنِ الِاتِّبَاعِ. ١٧ - وَهُوَ مَسْبُوقٌ بِإِجْمَاعِ مَنْ أَشْرَقَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ شَارِقَةً وَغَارِبَةً، وَاتِّفَاقِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ قَاطِبَةً. ١٨ - أَمَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَأَوُا الْبِدَارَ إِلَى نَصْبِ الْإِمَامِ حَقًّا ; فَتَرَكُوا لِسَبَبِ التَّشَاغُلِ بِهِ تَجْهِيزَ رَسُولِ اللَّهِ وَدَفْنَهُ، مَخَافَةَ أَنْ تَتَغَشَّاهُمْ هَاجِمَةُ مِحْنَةٍ. ١٩ - وَلَا يَرْتَابُ مَنْ مَعَهُ مُسْكَةٌ مِنْ عَقْلٍ أَنَّ الذَّبَّ عَنِ الْحَوْزَةِ، وَالنِّضَالِ دُونَ حِفْظِ الْبَيْضَةِ مَحْتُومٌ شَرْعًا، وَلَوْ تُرِكَ النَّاسُ فَوْضَى لَا يَجْمَعُهُمْ عَلَى الْحَقِّ جَامِعٌ، وَلَا يَزْعُهُمْ وَازِعٌ، وَلَا يَرْدَعُهُمْ عَنِ اتِّبَاعِ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ رَادِعٌ، مَعَ تَفَنُّنِ الْآرَاءِ،

стр. 21

وَتُفَرِّقِ الْأَهْوَاءِ لَانْتَثَرَ النِّظَامُ، وَهَلَكَ الْعِظَامُ، وَتَوَثَّبَتِ الطَّغَامُ وَالْعَوَامُّ، وَتَحَزَّبَتِ الْآرَاءُ الْمُتَنَاقِضَةُ، وَتَفَرَّقَتِ الْإِرَادَاتُ الْمُتَعَارِضَةُ، وَمَلَكَ الْأَرْذَلُونَ سَرَاةَ النَّاسِ، وَفُضَّتِ الْمَجَامِعُ، وَاتَّسَعَ الْخَرْقُ عَلَى الرَّاقِعِ، وَفَشَتِ الْخُصُومَاتُ، وَاسْتَحْوَذَ عَلَى أَهْلِ الدِّينِ ذَوُو الْعَرَامَاتِ، وَتَبَدَّدَتِ الْجَمَاعَاتُ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى الْإِطْنَابِ بَعْدَ حُصُولِ الْبَيَانِ، وَمَا يَزَعُ اللَّهُ بِالسُّلْطَانِ أَكْثَرُ مِمَّا يَزَعُ بِالْقُرْآنِ. ٢٠ - فَإِذَا تَقَرَّرَ وُجُوبُ نَصْبِ الْإِمَامِ، فَالَّذِي صَارَ إِلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَئِمَّةِ أَنَّ وُجُوبَ النَّصْبِ مُسْتَفَادٌ مِنَ الشَّرْعِ الْمَنْقُولِ، غَيْرُ مُتَلَقًّى مِنْ قَضَايَا الْعُقُولِ. ٢١ - وَذَهَبَتْ شِرْذِمَةٌ مِنَ الرَّوَافِضِ إِلَى أَنَّ الْعَقْلَ يُفِيدُ النَّاظِرَ الْعِلْمَ بِوُجُوبِ نَصْبِ الْإِمَامِ. وَاسْتِقْصَاءُ الْقَوْلِ فِي اسْتِحَالَةِ تَلَقِّي الْأَحْكَامِ مِنْ أَسَالِيبِ الْعُقُولِ

стр. 22

بَحْرٌ فَيَّاضٌ لَا يُغْرَفُ، وَتَيَّارٌ مَوَّاجٌ لَا يُنْزَفُ. ٢٢ - وَالْفِئَةُ الْمُخَالِفَةُ فِي هَذَا الْبَابِ أَخَذَتْ مَذْهَبَهَا، وَتَلَقَّتْ مَطْلَبَهَا مِنْ مَصِيرِهَا، إِلَى أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى جَدُّهُ - يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِصْلَاحُ عِبَادِهِ، وَزَعَمُوا أَنَّ الصَّلَاحَ فِي نَصْبِ الْإِمَامِ، وَاسْتَمَدُّوا فِي تَقْرِيرِ مَا يُحَاوِلُونَهُ، وَتَمْهِيدِ مَا يُزَاوِلُونَهُ مِنَ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَهَذَا مِنْهُمْ جَهْلٌ بِحَقِيقَةِ الْإِلَهِيَّةِ، وَذُهُولٌ عَنْ سِرِّ الرُّبُوبِيَّةِ. وَمَنْ وُفِّقَ لِلرَّشَادِ، وَاسْتَدَّ فِي مَنْهَجِ السَّدَادِ، وَاسْتَقَرَّ فِي نَظَرِهِ عَلَى اتِّئَادٍ، عَلِمَ أَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ تَحَقُّقِ الْوُجُوبِ، تَعَرَّضَ مَنْ عَلَيْهِ الْوُجُوبُ لِلتَّأَثُّرِ بِالْمَثَابِ وَالْعِقَابِ، وَمَنْ تَصَدَّى لِطُرُقِ الْغَيْرِ، وَقَبُولِ الْأَثَرِ، فَهُوَ عُرْضَةٌ لِلْآفَاتِ، وَدَرِيئَةٌ لِأَسِنَّةِ الْعَاهَاتِ، وَالْقَدِيمُ - تَعَالَى - لَا يَلْحَقُهُ نَفْعٌ، وَلَا يَنَالُهُ ضَرَرٌ يُعَارِضُهُ دَفْعٌ، فَاعْتِقَادُ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ زَلَلٌ، فَهُوَ الْمُوجِبُ بِأَمْرِهِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ. ٢٣ - ثُمَّ الْأَدْيَانُ وَالْمِلَلُ، وَالشَّرَائِعُ وَالنِّحَلُ، أَحْوَجُ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ، الْمُؤَيَّدِينَ بِالْمُعْجِزَاتِ، وَالْآيَاتِ الْبَاهِرَاتِ، مِنْهَا إِلَى الْأَئِمَّةِ، فَإِذَا

стр. 23

جَازَ خُلُوُّ الزَّمَانِ عَنِ النَّبِيِّ، وَهُوَ مُعْتَصَمُ دِينِ الْأُمَّةِ، فَلَا بُعْدَ فِي خُلُوِّهِ عَنِ الْأَئِمَّةِ. ٢٤ - فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّا عَرَفْنَا وُجُوبَ نَصْبِ الْإِمَامِ مِنْ مُقْتَضَى الشَّرْعِ الَّذِي تُعُبِّدْنَا بِهِ. ٢٥ - وَلَوْ رُدِدْنَا إِلَى الْعُقُولِ، لَمْ نُبْعَدْ أَنْ يُهْلِكَ اللَّهُ الْخَلَائِقَ، وَيُقَطِّعَهُمْ فِي الْغِوَايَاتِ عَلَى أَنْحَاءَ وَطَرَائِقَ، وَيَغْمِسَهُمْ فِي غَمَرَاتِ الْجَهَالَاتِ، وَيَصْرِفَهُمْ عَنْ مَسَالِكِ الْحَقَائِقِ، فَبِحُكْمِهِ تَرَدَّى الْمُعْتَدُونَ، وَبِفَضْلِهِ اهْتَدَى الْمُهْتَدُونَ، " لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ " فَهَذَا مُنْتَهَى الْغَرَضِ فِي ذَلِكَ.

стр. 24

[الْبَابُ الثَّانِي فِي الْجِهَاتِ الَّتِي تُعَيِّنُ الْإِمَامَةَ وَتُوجِبُ الزَّعَامَةَ] [ فَصْلٌ فِي الْقَوْلِ فِي النَّصِّ وَفِي حُكْمِ ثُبُوتِهِ وَنُفَاتِهِ] الْبَابُ الثَّانِي. فِي الْجِهَاتِ الَّتِي تُعَيِّنُ الْإِمَامَةَ وَتُوجِبُ الزَّعَامَةَ. فَصْلٌ. فِي الْقَوْلِ فِي النَّصِّ وَفِي حُكْمِ ثُبُوتِهِ وَنُفَاتِهِ. ٢٦ - لَوْ ثَبَتَ النَّصُّ مِنَ الشَّارِعِ عَلَى إِمَامٍ، لَمْ يَشُكَّ مُسْلِمٌ فِي وُجُوبِ الِاتِّبَاعِ عَلَى الْإِجْمَاعِ، فَإِنَّ بَذْلَ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِلنَّبِيِّ وَاجِبٌ بِاتِّفَاقِ الْجَمَاعَةِ. ٢٧ - وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ النَّصُّ، فَاخْتِيَارُ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، كَافٍ فِي النَّصْبِ وَالْإِقَامَةِ، وَعَقْدِ الْإِمَامَةِ. ٢٨ - وَقَدْ تَفَنَّنَتْ فِي ذَلِكَ الْآرَاءُ وَالْمَطَالِبُ، وَاخْتَلَفَتِ الْأَهْوَاءُ وَالْمَذَاهِبُ، وَلَوْ ذَهَبْتُ أُحْصِيهَا، وَأَسْتَقْصِيهَا، لَأَدَّى مَضْمُونُ الْبَابِ إِلَى حُدُودِ الْإِسْهَابِ، وَلَوْ آثَرْتُ الِانْكِفَافَ وَالْإِضْرَابَ، لَكَانَ ذَلِكَ إِخْلَالًا بِوَضْعِ الْكِتَابِ، فَالْوَجْهُ ارْتِيَادُ الِاقْتِصَادِ، وَاجْتِنَابُ

стр. 25

السَّرَفِ وَتَعَدِّي الْمَبْدَأِ وَالطَّرْفِ، فَالْإِفْرَاطُ فِي الْبَسْطِ مُمِلٌّ، وَالتَّفْرِيطُ فِي الِاخْتِصَارِ مُخِلٌّ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِقْنَاعُ شَوْفُ الطِّبَاعِ. [رأي الْإِمَامِيَّةُ] ٢٩ - فَذَهَبَتِ الْإِمَامِيَّةُ مِنَ الرَّوَافِضِ إِلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ نَصَّ عَلَى عَلِيٍّ ﵁ فِي الْإِمَامَةِ، وَتَوَلِّي الزَّعَامَةِ، ثُمَّ تَحَزَّبُوا أَحْزَابًا. ٣٠ - فَذَهَبَتْ طَوَائِفُ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ الرَّسُولَ ﵇ نَصَّ عَلَى خِلَافَتِهِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ نَصًّا قَاطِعًا، لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ مَسَالِكُ الِاجْتِهَادِ، وَلَا يَتَعَرَّضُ لَهُ سَبِيلُ الِاحْتِمَالَاتِ، وَتَقَابُلُ الْجَائِزَاتِ، وَشَفَى فِي مُحَاوَلَةِ الْبَيَانِ كُلَّ غَلِيلٍ، وَاسْتَأْصَلَ مَسْلَكَ كُلِّ تَأْوِيلٍ. وَلَيْسَ ذَلِكَ النَّصُّ مِمَّا نَقَلَهُ الْأَثْبَاتُ، وَالرُّوَاةُ الثِّقَاتُ، مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي تَلْهَجُ بِهَا الْآحَادُ، وَيَنْقُلُهَا الْأَفْرَادُ، كَقَوْلِهِ ﷺ :

стр. 26

" «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ» "، وَقَوْلِهِ لِعَلِيٍّ ﵇: " «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى» " إِلَى غَيْرِهَا مِمَّا سَنَرْوِيهِ وَنُورِدُهُ، وَنُجَرِّدُ الْكَلَامَ فِيهِ وَنُفْرِدُهُ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ. ثُمَّ قَالَ هَؤُلَاءِ: كَفَرَتِ الْأُمَّةُ بِكَتْمِ النَّصِّ وَرَدِّهِ، وَحَسْمِ مَسْلَكِ دَرْكِهِ وَسَدِّهِ. ٣١ - وَاجْتَزَأَ بَعْضُ الْإِمَامِيَّةِ فِي ادِّعَاءِ نَصٍّ شَائِعٍ، وَلَفْظٍ مُسْتَفِيضٍ ذَائِعٍ، بِالتَّمَسُّكِ بِمَا رَوَاهُ الرُّوَاةُ فِي الْبَابِ، وَدَوَّنَهُ أَرْبَابُ الْأَلْبَابِ فِي الْكِتَابِ. [رأي الزَّيْدِيَّةِ] ٣٢ - وَذَهَبَ فِرَقٌ مِنَ الزَّيْدِيَّةِ إِلَى أَنَّ الرَّسُولَ ﵇ مَا نَصَّ عَلَى مُعَيَّنٍ فِي الْخِلَافَةِ، وَلَكِنَّهُ ذَكَرَ ﵇ بِالْمَرَامِزِ وَالْمَلَامِحِ، وَالْمَعَارِيضِ وَالصَّرَايِحِ، الصِّفَاتِ الَّتِي تَقْتَضِي الْإِمَامَةُ اسْتِجْمَاعَهَا،

стр. 27

فَكَانَتْ مُتَوَافِيَةٌ فِي عَلِيٍّ دُونَ مَنْ عَدَاهُ وَسِوَاهُ، فَضَلَّتِ الْأُمَّةُ، إِذْ وَضَعَتِ الْإِمَامَةَ فِيمَنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ، وَلَمْ يَتَّسِمْ بِتِلْكَ السِّمَاتِ. ٣٣ - ثُمَّ تَشَوَّفَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُنْتَمِينَ إِلَى السُّنَّةِ إِلَى ادِّعَاءِ النَّصِّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁. ٣٤ - وَصَارَ صَائِرُونَ يُعْرَفُونَ بِالْعَبَّاسِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ ﵇ نَصَّ عَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ، وَخَصَّصَهُ بِالْإِمَامَةِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ النَّاسِ، نَصًّا يُزِيلُ الرَّيْبَ، وَيُزِيحُ الِالْتِبَاسَ. ٣٥ - وَإِذَا اسْتَنَدَتِ الْمَذَاهِبُ إِلَى الدَّعَاوِي، ابْتَدَرَ إِلَى مَا يَهْوَاهُ كُلُّ غَاوِي، فَتَهَافَتَ الْوَرَى، فِي اتِّبَاعِ الْهَوَى عَلَى الْمَهَاوِي، وَإِذَا طُولِبَ كُلُّ مُدَّعٍ بِمِنْهَاجِ الصِّدْقِ وَالْحِجَاجِ بِالْمَسْلَكِ الْحَقِّ، لَاحَتِ الْحَقَائِقُ، وَانْزَاحَتِ الْغَوَائِلُ، وَحَصْحَصَ الْحَقُّ، وَزَهَقَ الْبَاطِلُ. [الرد على القائلين بالنص تواترا وآحادا] ٣٦ - فَالَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّرْتِيبُ إِيضَاحُ الرَّدِّ عَلَى أَصْحَابِ النَّصِّ، ثُمَّ اتِّبَاعُ مَا عَدَاهُ مِنَ الْآرَاءِ بِالتَّنْقِيرِ وَالْفَحْصِ ; فَنَقُولُ: النَّصُّ الَّذِي ادَّعَيْتُمُوهُ، وَنَظَّمْتُمْ بِهِ عُقُودَكُمْ، وَرَبَطْتُمْ بِهِ مَقْصُودَكُمْ، بَلَغَكُمُ اسْتِفَاضَةً وَتَوَاتُرًا، مِنْ جَمْعٍ لَا يَجُوزُ

стр. 28

مِنْهُمْ فِي مُسْتَقَرِّ الْعَادَاتِ، وَمُسْتَمَرِّ الْأَوْقَاتِ، التَّوَاطُؤُ عَلَى الْكَذِبِ؟ أَمْ تَنَاقَلَهُ مُعَيَّنُونَ مِنَ النَّقَلَةِ؟ وَاسْتَبَدَّ بِهِ مَخْصُوصُونَ مِنَ الْحَمَلَةِ؟ . فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهُ مَنْقُولٌ تَوَاتُرًا عَلَى الشَّرَائِطِ الْمَذْكُورَةِ فِي الِاسْتِفَاضَةِ أَوَّلًا، وَوَسَطًا، وَآخِرًا، فَقَدِ ادَّعَوْا عَظِيمَةً فِي مُجَاحَدَةِ الْبَدَائِهِ وَالضَّرُورَاتِ، وَانْتَهَوْا مِنَ الْبُهْتِ وَالْعِنَادِ إِلَى مُنْتَهَى الْغَايَاتِ. وَقِيلَ لَهُمْ: كَيْفَ اخْتَصَصْتُمْ وَأَنْتُمُ الْأَذَلُّونَ الْأَقَلُّونَ بِهَذَا الْخَبَرِ دُونَ مُخَالِفِيكُمْ، وَكَيْفَ انْحَصَرَ هَذَا النَّبَأُ فِيكُمْ، مَعَ اسْتِوَاءِ الْكَافَّةِ فِي بَذْلِ كُنْهِ الْمَجْهُودِ، فِي الطَّلَبِ وَالتَّشْمِيرِ، وَالتَّنَاهِي فِي ابْتِغَاءِ الْمَقْصُودِ، وَاجْتِنَابِ التَّقْصِيرِ؟ وَلَوْ سَاغَ اخْتِصَاصُ قِيَامِ أَقْوَامٍ بِدَرْكِ خَبَرٍ شَائِعٍ، مُسْتَفِيضٍ ذَائِعٍ، لَجَازَ أَنْ يَخْتَصَّ بِالْعِلْمِ بِأَنَّ فِي الْأَقَالِيمِ بَلْدَةً تُسَمَّى (بَغْدَادَ) طَوَائِفُ مَخْصُوصُونَ، مَعَ تَمَاثُلِ الْكَافَّةِ فِي الْبَحْثِ عَنِ الْمَسَالِكِ، وَالْأَقَالِيمِ وَالْمَمَالِكِ. وَبِمَ يُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ ﵇ نَصَّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ نَصًّا مُنْتَشِرًا فِي الْأَقْطَارِ، مُطَبِّقًا لِلْخِطَطِ وَالدِّيَارِ؟ .

стр. 29

٣٧ - وَلَسْنَا نَذْكُرُ ذَلِكَ لِلِاخْتِيَارِ وَالْإِيثَارِ، وَلَكِنَّ الْمَذَاهِبَ الْفَاسِدَةَ، وَالْمَطَالِبَ الْحَائِدَةَ، إِذَا تَعَارَضَتْ تَنَاقَضَتْ، وَتَرَافَضَتْ، وَبَقِيَ الْحَقُّ الْمُبِينُ، وَالْمَنْهَجُ الْمَتِينُ، أَبْلَجَ لَائِحًا لِأَهْلِ الِاسْتِرْشَادِ، وَطَاحَتْ مَسَالِكُ الْعِنَادِ. ٣٨ - وَإِنْ زَعَمُوا أَنَّ النَّصَّ نَقَلَهُ آحَادٌ، اسْتَبَانَ عَلَى الِارْتِجَالِ وَالْبَدِيهَةِ خِزْيُهُمْ، وَاسْتَوَى إِثْبَاتُهُمْ وَنَفْيُهُمْ، فَإِنَّ الْآحَادَ لَا يُعْصَمُونَ عَنِ الزَّلَلِ، بَلْ يَتَعَرَّضُونَ لِإِمْكَانِ الْخَطَأِ وَالْخَطَلِ، فَنَقْلُهُمْ لَا يَقْتَضِي الْعِلْمَ بِالْمُخْبَرِ عَنْهُ قَطْعًا. فَلَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ عَلِمُوا النَّصَّ عَلَى الْقَطْعِ مَعَ تَجْوِيزِ خَطَأِ نَاقِلِهِ، وَتَرْجِيمِ الظُّنُونِ فِي حَامِلِهِ؟ ، ثُمَّ لَا يَسْلَمُونَ عَنْ مُعَارَضَتِهِمْ بِنَقِيضِ مَا اتَّخَذُوهُ مُعْتَصَمَهُمْ مِنِ ادِّعَاءِ النَّصِّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، أَوِ الْعَبَّاسِ وَغَيْرِهِمَا ﵃. فَقَدِ انْحَلَّتْ شَكَائِمُهُمْ، وَوَضَحَتْ أَكَاذِيبُهُمْ وَعَظَائِمُهُمْ، وَمَسَاقُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ يُشِيرُ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ يَجْنَحُ عَنْ مَسْلَكِ الْحَقِيقَةِ. ٣٩ - فَإِنْ قِيلَ: غَايَتُكُمْ فِيمَا قَرَّرْتُمُوهُ وَكَرَّرْتُمُوهُ، الرَّدُّ عَلَى مَنْ يَدَّعِي الْعِلْمَ، فَإِنْ سَلِمَ لَكُمْ مَا رُمْتُمُوهُ، وَاسْتَتَبَّ لَكُمْ مَا نَظَّمْتُمُوهُ، مِنْ إِبْطَالِ مَذْهَبِ الْخَصْمِ، فَعَلَيْكُمْ وَرَاءَ ذَلِكَ طِلْبَةٌ حَاقَّةٌ، لَيْسَ لَكُمْ بِهَا قِبَلٌ وَطَاقَةٌ.

стр. 30

وَهِيَ أَنْ يُقَالَ لَكُمْ: أَنْتُمْ قَاطِعُونَ بِانْتِفَاءِ النَّصِّ، فَبِمَ أَدْرَكْتُمْ حَقِيقَةَ الِانْتِفَاءِ؟ وَكَيْفَ تَرَقَّيْتُمْ عَنْ مُخَالَجَةِ الشَّكِّ، وَالْمِرَاءِ إِلَى هَذَا الِادِّعَاءِ؟ فَأَنْتُمْ فِي دَعْوَى النَّفْيِ، وَمَنِ ادَّعَى الْإِثْبَاتَ عَلَى سَوَاءٍ، وَإِذَا اسْتَوَى الْمَسْلَكَانِ، وَتَشَاكَلَتْ جِهَاتُ الْإِمْكَانِ، فَسَبِيلُ الْإِنْصَافِ وَالِانْتِصَافِ اجْتِنَابُ الْقَطْعِ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ عَلَى جُزَافٍ. ٤٠ - قُلْنَا الْآنَ نَحْمِلُكُمْ بِالْبُرْهَانِ الْأَوْضَحِ عَلَى سُلُوكِ اللَّقَمِ الْأَفْيَحِ، وَنَسْتَاقُكُمْ إِلَى الْمَحَجَّةِ الْغَرَّاءِ بِالْحُجَّةِ الْبَيْضَاءِ، فَلْيَعْلَمِ الْمُسْتَرْشِدُ أَنَّ الَّذِي دُفِعْنَا إِلَيْهِ مُتَلَقَّى مِنِ اطِّرَادِ الْعَادَاتِ وَاسْتِمْرَارِهَا، وَجَرَيَانِهَا عَلَى الْقَضَايَا الْمَأْلُوفَةِ الْمَعْرُوفَةِ وَاسْتِقْرَارِهَا، فَمِمَّا اطَّرَدَ بِهِ الْعُرْفُ عَلَى مَكَرِّ الْأَيَّامِ، وَمَمَرِّ الْأَعْوَامِ، أَنَّ النَّبَأَ الْعَظِيمَ، وَالْخَطْبَ الْجَسِيمَ، وَمَا يَجِلُّ خَطَرُهُ، وَيَتَفَاقَمُ وَقْعُهُ فِي النُّفُوسِ وَغَرَرُهُ، تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى اللَّهَجِ بِصِدْقِهِ وَذِكْرِهِ، وَالِاعْتِنَاءِ بِنَشْرِهِ وَشَهْرِهِ، وَالِاهْتِمَامِ بِأَمْرِهِ لِعُلُوِّ مَنْصِبِهِ وَقَدْرِهِ. وَوُضُوحُ هَذَا يُغْنِي عَنْ بَسْطِ الْمَقَالِ، وَضَرْبِ الْأَمْثَالِ، فَلَوْ حَلَّ

стр. 31

سُلْطَانُ الْوَقْتِ بُقْعَةً مِنَ الْبِقَاعِ، وَقَدِمَ بَعْضَ الْأَصْقَاعِ مَحْفُوفًا بِالْأَتْبَاعِ، مَكْنُوفًا بِالْأَشْيَاعِ، فِي جَيْشِهِ الْعَرَمْرَمِ، وَمَوْكِبِهِ الْمُعَظَّمِ، لَاسْتَحَالَ أَنْ يَنْقُلَ ذَلِكَ آحَادًا، أَوْ يَسْتَبِدَّ بِدَرْكِهِ فِئَةٌ اسْتِبْدَادًا. فَيَاللَّهُ لِلْعَجَبِ! ! لَمْ يُخْفِ ابْتِعَاثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وُلَاتَهُ وَسُعَاتَهُ، وَنَدْبُهُ لِجَمْعِ مَالِ اللَّهِ جُبَاتَهُ، فَشَاعَ تَوْلِيَتُهُ مُعَاذًا وَعَتَّابَ بْنَ أُسَيْدٍ، وَمَنْ سِوَاهُمَا، وَوَقَعَتْ تَوْلِيَتُهُ عَلِيًّا عَهْدَ الْإِمَامَةِ فِي الْمَتَاهَاتِ، وَظُلُمَاتِ الْعَمَايَاتِ. هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ! ! [لو كان هناك نص لظهر يوم السقيفة] ٤١ - وَلِمَّا اجْتَمَعَ صَحْبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ السَّقِيفَةِ لِتَقْدِيمِ زَعِيمٍ، وَتَعْيِينِ خَلِيفَةٍ، وَتَفَرَّقَتِ الْآرَاءُ، وَتَشَتَّتِ الْأَهْوَاءُ، وَكَشَّرَتْ عَنْ أَنْيَابِهَا الدَّاهِيَةُ الدَّهْيَاءُ، وَغَشِيَ الْمُسْلِمِينَ الْمُعْضِلَةُ الزَّبَّاءُ، وَامْتَدَّتْ إِلَى الشِّقَاقِ الْأَعْنَاقُ، وَتَخَازَرَتِ الْآمَاقُ،

стр. 32

وَاشْرَأَبَّ النِّفَاقُ، وَجَحَظَتْ نَحْوَ ارْتِقَابِ تَقَطُّعِ الْأَنْسَابِ الْأَحْدَاقُ، وَتَقَلْقَلَتْ لِمَثَارِ الْفِتَنِ فِي أَغْمَادِهَا الْبِيضُ الرِّقَاقُ، وَتَنَاوَشَ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، وَأَعْضَلَ الْمَدْخَلُ وَالْمَخْرَجُ، وَاعْتَاصَ الْمَسْلَكُ وَالْمَدْرَكُ وَالْمَنْهَجُ، حَتَّى ذُكِرَ لِأَمْرِ الْإِمْرَةِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَبَاحَ بِنَصْبِهِ مَنْ أَرَادَهُ، وَمَا كَانَتْ تَفَقَّأَتْ عَنْهُ بَيْضَةُ مُضَرَ، وَلَا دَرَّتْ عَلَيْهِ مِنْ مَحْضِ قُرَيْشٍ دِرَرٌ، فَنَفَرَتِ النُّفُوسُ الْأَبِيَّةُ، وَلَمْ يَكُنْ نَصْبُهُ قَضِيَّةً مُرْضِيَّةً، فَأَقْنَعَ وَكَفَى فِي انْسِلَالِهِ عَنِ الْمَنْصِبِ الَّذِي تَشَوَّفَ إِلَيْهِ، قَوْلُ الْمُصْطَفَى ﷺ وَهُوَ قَوْلُهُ: " «قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا» " وَقَوْلُهُ: " «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» " فَلَمْ يُبْدِ نَاصِرُهُ - لَمَّا ظَهَرَ الْمِنْهَاجُ، وَقُهِرَ الْحِجَاجُ - خِلَافًا، وَأَقَرُّوا إِذْعَانًا لِلْحَقِّ، وَائْتِلَافًا عَلَى مَا سَنَذْكُرُ فِي بَابِ إِمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ تِلْكَ الْقِصَّةِ

стр. 33

أَوْسَاطًا وَأَطْرَافًا ; إِذْ لَمْ نَرَ أَنْ نَسْتَوْعِبَهَا اسْتِيضَافًا، وَالْغَرَضُ مِنْ ذِكْرِهَا الْآنَ قَبْلَ أَنْ نُعِيدَهَا اسْتِئْنَافًا - أَنَّ النَّاسَ فِي مُلْتَطَمِ هَذِهِ الْأَعْوَاصِ وَالِالْتِبَاسِ طَلَبُوا وَزَرًا يُلَاذُ بِظِلِّهِ، وَيُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي عَقْدِ الْأَمْرِ وَحَلِّهِ، وَيُفَوَّضُ إِلَيْهِ مَعَاقِدُ الشَّأْنِ كُلِّهِ، فَاتَّفَقَتْ لِلصِّدِّيقِ الْبَيْعَةُ وَالصَّفْقَةُ، وَتَوَلَّى مُسْتَحِقُّ الْحَقِّ حَقَّهُ، فَاسْتَرَاحَتِ النُّفُوسُ، وَانْزَاحَتِ الْحُدُوسُ، فَلَوْ كَانَ اسْتَفَاضَ فِيهِمْ نَصْبُهُ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - وَكَانَ - لَعَمْرُ اللَّهِ - مُسْتَصْلِحًا لِمَنْصِبِ الْإِمَامَةِ مُرْضِيًا، لَقَالَ فِي الْقَوْمِ قَائِلٌ: مَا لَكُمْ تَرْتَبِكُونَ فِي الظُّلُمَاتِ؟ وَتَشْتَبِكُونَ فِي الْوَرَطَاتِ، وَتَتَرَدَّدُونَ فِي الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ، وَالتَّفْرِيقِ وَالْجَمْعِ، وَتَتْرُكُونَ نَصَّ صَاحِبِ الشَّرْعِ. فَاسْتَبَانَ بِارْتِجَالِ الْأَذْهَانِ أَنَّ النَّصَّ لَوْ كَانَ، لَاسْتَحَالَ فِيهِ الْخَفَاءُ وَالْكِتْمَانُ، وَلَتَنَاجَى بِهِ عَلَى قُرْبِ الْعَهْدِ بِهِ أَوْ بُعْدِهِ اثْنَانِ، عَلَى مَكَرِّ الزَّمَانِ

стр. 34

٤٢ - فَوَضَحَ بِمَجْمُوعِ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ الْأَمْرَ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: بُطْلَانُ مَذْهَبِ مَنْ يَدَّعِي الْعِلْمَ بِالنَّصِّ. هَذَا مُسْتَدْرَكٌ بِضَرُورَاتِ الْعُقُولِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى بَحْثٍ وَنَظَرٍ وَفَحْصٍ. وَالثَّانِي: الْقَطْعُ عَلَى الْغَيْبِ بِأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَوْلِيَةٌ وَنَصْبٌ. [لو سلمنا تواطؤ الأمة على جحد النص وكتمانه لجر ذلك أمورا خطيرة] ٤٣ - وَنَحْنُ الْآنَ نُعَضِّدُ الْكَلَامَ بِوَاضِحَةٍ لَا يَأْبَاهَا مُنْصِفٌ، وَلَا يَقْتَحِمُ رَدَّهَا إِلَّا مُتَعَسِّفٌ، فَنَقُولُ: لَوْ سَاغَ تَقْدِيرُ الْكِتْمَانِ فِي الْأُمُورِ الْخَطِيرَةِ، لَجَرَّ ذَلِكَ أُمُورًا عَسِيرَةً، وَلَاتَّجَهَ لِلْمُلْحِدِينَ، وَعُصَبِ الْجَاحِدِينَ أَنْ يَقُولُوا: قَدْ عُورِضَ الْقُرْآنُ فِي مُنْقَرَضِ الزَّمَانِ، ثُمَّ تَغَشَّاهُ الْكِتْمَانُ، وَأَطْبَقَ عَلَى إِخْفَائِهِ أَهْلُ الْإِيمَانِ، فَإِذَا سَوَّغْتُمْ مَعَاشِرَ الرَّوَافِضِ خَفَاءَ التَّنْصِيصِ، وَدُرُوسَ التَّعْيِينِ مِنَ الشَّارِعِ وَالتَّخْصِيصِ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ مِمَّا تَتَقَاضَى النُّفُوسُ أَرْبَابَهَا، أَنْ تَذِيعَ تَوْلِيَةُ الْعُهُودِ، وَيَشِيعَ نَصْبُ الْأُمَرَاءِ، أَوْ عَقْدُ الْأَلْوِيَةِ وَالْبُنُودِ، وَالْجِبِلَّاتُ عَلَى ذَلِكَ مَفْطُورَةٌ، مُخْتَارَةٌ كَانَتْ أَوْ مَقْهُورَةٌ، وَإِذَا لَمْ يُبْعِدُوا مَعَ ذَلِكَ الْخَفَاءَ، فَمَا

стр. 35

يُؤْمَنُ فِي الْقُرْآنِ مِنْ تَقَدُّمِ الْمُنَاقَضَةِ، وَسَبْقِ الْمُعَارَضَةِ؟ وَهَذَا مُحَاوَلَةُ إِثْبَاتِ الْفَرْعِ بِمَا يَكُرُّ بِالْهَدْمِ عَلَى الْأَصْلِ، وَهُوَ - وَحَقِّ الْحَقِّ - نَقِيضُ مُوجَبِ الْعُقُولِ، فَقَدْ وَجَبَ الْحَقُّ وَحَصْحَصَ، وَاضْحَمَلَّ تَخَيُّلُ أَصْحَابِ النَّصِّ وَانْحَصَّ. وَهَذَا كُلُّهُ مَسْلَكُ الْكَلَامِ عَلَى مَنِ ادَّعَى نَصًّا عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ غَيْرَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي نَقَلَهَا الْأَفْرَادُ. ٤٤ - فَأَمَّا مَنْ يَعْتَمِدُ مِنْهُمُ الْأَلْفَاظَ الْمَعْرُوفَةَ الْمَأْلُوفَةَ، الَّتِي رَوَاهَا الْآحَادُ: مِثْلَ قَوْلِهِ ﵇: " «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ» " فَالْكَلَامُ عَلَى هَؤُلَاءِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّا نَقُولُ: هَذَا اللَّفْظُ وَمَا عَدَاهُ وَسِوَاهُ نَقَلَهُ مَعْدُودُونَ مِنَ الرُّوَاةِ، وَهُمْ عُرْضَةُ الزَّلَلِ، وَالْخَطَلِ، وَالْهَفَوَاتِ، وَإِنْ ظَهَرَ فِي غَالِبِ الْأَمْرِ أَنَّهُمْ مِنَ الْأَثْبَاتِ وَالثِّقَاتِ ; فِيمَا نُعَانِيهِ مِنْ هَذَا الْفَنِّ الْقَطْعُ لَا غَالِبُ الظَّنِّ. فَهَذَا مَسْلَكٌ كَافٍ وَوَجْهُهُ فِي الرَّدِّ عَلَى هَؤُلَاءِ شَافٍ.

стр. 36

٤٥ - ثُمَّ لَوْ تَتَبَّعْنَا الْأَلْفَاظَ الَّتِي نَقَلُوهَا لَمْ نُلْفِ وَاحِدًا مِنْهَا عَلَى مَا عَقَلُوهَا. فَأَمَّا قَوْلُهُ ﵇: " «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فِعَلِيٌّ مَوْلَاهُ» " فَالْمَوْلَى مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَةِ الْمُرَدَّدَةِ بَيْنَ مُسَمَّيَاتٍ وَجِهَاتٍ فِي الِاحْتِمَالَاتِ، فَيُطْلَقُ وَالْمُرَادُ بِهِ ابْنُ الْعَمِّ، وَالْمُعْتِقُ وَالْمُعْتَقُ، وَيُرَادُ بِهِ النَّاصِرُ. وَلَوْ خُضْنَا فِي مَأْخَذِ هَذَا اللَّفْظِ مِنْ أَصْلِ الْوَضْعِ، وَأَقَمْنَا عَلَيْهِ مَرَاسِمَ الِاسْتِشْهَادِ بِالنَّظْمِ السَّائِرِ وَالنَّثْرِ، لَطَالَ الْكَلَامُ، وَتَمَادَى الْمَرَامُ، وَلَمْ نَضَعْ كِتَابَنَا هَذَا لِمِثْلِ ذَلِكَ ; فَإِنَّ تَصْنِيفَ الْمَاضِينَ، وَتَأْلِيفَ الْمُنْقَرِضِينَ، مَشْحُونٌ بِهَذِهِ الْفُنُونِ، وَمُعْظَمُ الْمُتَلَقِّبِينَ بِالتَّصْنِيفِ فِي هَذَا الزَّمَانِ السَّخِيفِ يَكْتَفُونَ بِتَبْوِيبِ أَبْوَابٍ، وَتَرْتِيبِ كِتَابٍ مُتَضَمَّنُهُ كَلَامُ مَنْ مَضَى، وَعُلُومُ مَنْ تَصَرَّمَ وَانْقَضَى. ٤٦ - وَمِقْدَارُ غَرَضِنَا الْآنَ أَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي اعْتَقَدُوهُ مُعْتَصَمَهُمْ وَمَعَاذَهُمْ، وَمُعْتَمَدَهُمْ وَمَلَاذَهُمْ، مِنَ الْمُجْمَلَاتِ الَّتِي يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا تَقَابُلُ الْجَائِزَاتِ. وَالتَّعَلُّقُ بِالْمُحْتَمَلَاتِ فِيمَا يُبْغَى فِيهِ الْقَطْعُ وَالْبَتَاتُ، مِنْ شِيَمِ ذَوِي الْجَهَالَاتِ. وَقَدْ قِيلَ: جَرَتْ مُفَاوَضَةٌ وَمُحَاوَرَةٌ بَيْنَ عَلِيٍّ وَزَيْدٍ مَوْلَى رَسُولِ

стр. 37

اللَّهِ ﷺ «فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ لِزَيْدٍ: أَنَا مَوْلَاكَ. فَقَالَ زَيْدٌ: بَلْ مَوْلَايَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَلَمَّا اطَّلَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَا جَرَى ; قَالَ: " مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ» . ٤٧ - وَمِمَّا تَمَسَّكَ بِهِ هَؤُلَاءِ مَا رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيٍّ: " أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى» ". وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ حَقًّا مِنَ الْمُجْمَلَاتِ الْمَعْدُودَةِ عِنْدَ ذَوِي التَّحْصِيلِ مِنْ أَغْمَضِ الْمُعْوِصَاتِ. وَنَحْنُ إِذَا قَدَّرْنَا فِيهِ تَعَارُضَ الِاحْتِمَالَاتِ، وَوَجْهَ الْإِجْمَالِ، فَقَدْ أَسْقَطْنَا وَجْهَ الِاسْتِدْلَالِ ; فَإِنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالظَّاهِرِ الَّذِي يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ مَسْلَكُ التَّأْوِيلِ لَيْسَ عَلَيْهِ فِي الْقَطْعِيَّاتِ تَعْوِيلٌ. فَمَا الظَّنُّ بِالْمُجْمَلِ الَّذِي لَا يَظْهَرُ لِمَعْنَاهُ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ تَفْصِيلٌ؟ ؟ . فَمِنْ وُجُوهِ الْإِشْكَالِ أَنَّ هَارُونَ ﵇ كَانَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، وَهَارُونَ مَاتَ قَبْلَ مُوسَى بِسِنِينَ، فَلَمْ يَخْلُفْهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ. فَلَمْ يَكُنْ عَلِيٌّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَثَابَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى فِي شَيْءٍ مِنْ حَالَاتِهِ. نَعَمْ. كَانَ عَلِيٌّ ﵁ فِي حَيَاةِ الْمُصْطَفَى وَزَرَهُ

стр. 38

وَنَصِيرَهُ، كَمَا كَانَ هَارُونُ رِدْءَ مُوسَى وَظَهِيرَهُ، فَإِذَا جَرَى الْكَلَامُ فِي مَعْرِضِ الِاسْتِعْجَامِ وَالِاسْتِبْهَامِ، لَمْ يُسَغِ الِاعْتِصَامُ بِهِ فِي مُجْتَهَدَاتِ الْأَحْكَامِ، فَكَيْفَ الظَّنُّ بِنَصْبِ الْإِمَامِ؟ وَهُوَ شَوْفُ الْأَنَامِ، وَأَحَقُّ مَا يُعَلَّقُ بِتَحْقِيقَةِ الِاهْتِمَامُ. وَقَدْ صَحَّ وُرُودُ هَذَا اللَّفْظِ عَلَى سَبَبٍ لَا يَسْتَتِمُّ مَعْنَاهُ دُونَ فَهْمِهِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا هَمَّ بِغَزْوَةِ تَبُوكَ، اسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ عَلِيًّا، فَعَظُمَ عَلَى عَلِيٍّ ﵁ تَخَلُّفُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزَاتِهِ، وَمَا كَانَ عَهِدَ مُفَارَقَتَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ حَالَاتِهِ، وَرَبَطَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قَلْبِهِ، وَخَفَّفَ مِنْ كَرْبِهِ، وَقَالَ: لَمْ تَزَلْ مُسَاهِمِي فِي الْحُسْنَى وَالسُّوءَى، وَالنُّعْمَى وَالْبُوسَى، وَقَدِ اسْتَخْلَفْتُكَ عَلَى أَهْلِي كَمَا اسْتَخْلَفَ هَارُونَ مُوسَى. ٤٨ - ثُمَّ نُعَارِضُهُمْ بِبَعْضِ مَا صَحَّ عَنْ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ قَالَ ﵇: " «لَا يَنْبَغِي لِقَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَّمَهُمْ غَيْرُهُ» " وَقَالَ: «يَأْبَى اللَّهُ وَالْمُسْلِمُونَ

стр. 39

إِلَّا أَبَا بَكْرٍ» "، وَقَالَ: " «اقْتَدَوْا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ» " وَاسْتَخْلَفَ أَبَا بَكْرٍ فِي إِمَامَةِ الصَّلَاةِ فِي مَرْضَتِهِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا ; فَقَالَ: صَحْبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهُمْ - فِي تَقَدُّمِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ رَضِيهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِمَامًا لِدِينِنَا أَفَلَا نَرْضَاهُ لِدُنْيَانَا؟ ؟ . ٤٩ - وَالَّذِي عَلَيْهِ التَّأْوِيلُ فِي الْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيلِ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَهِدُوا، وَغِبْنَا، وَاسْتَيْقَنُوا عَنْ عَيَانٍ، وَاسْتَرَبْنَا، وَكَانُوا قُدْوَةَ الْأَنَامِ، وَأُسْوَةَ الْإِسْلَامِ، لَا يَأْخُذُهُمْ فِي اللَّهِ عَذْلٌ وَمَلَامٌ، وَمَا كَانُوا بَعْدَ اسْتِئْثَارِ اللَّهِ بِرَسُولِهِ تَحْتَ اقْتِهَارٍ وَاقْتِسَارٍ، بَلْ كَانُوا مَالِكِينَ لِأَعِنَّةِ الِاخْتِيَارِ، لَا يُؤْثِرُونَ عَلَى الْحَقِّ أَحَدًا، وَلَا يَجِدُونَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا، وَلَمْ يُرْهِقْ وُجُوهَهُمُ الْكَرِيمَةَ وَهَجُ الْبِدَعِ، وَالْأَهْوَاءِ، وَلَمْ يَقْتَحِمُوا جَرَاثِيمَ اخْتِلَافِ الْآرَاءِ، كَالْبَيْضَةِ

стр. 40

الَّتِي لَا تَتَشَظَّى، وَإِنْ سِيمُوا مُخَالَفَةَ الْحَقِّ يَرْتَدُّوا كَالْجَحْمَةِ تَتَلَظَّى، فَلَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ لَمْ يَفْهَمُوا عَلَى ذَكَاءِ الْقَرَائِحِ النُّصُوصَ الصَّرَائِحَ، وَيَفْطَنُ لَهَا الرُّعَاعُ الْهَمَجُ الْمُتَضَمِّخُونَ بِالْمَخَازِي وَالْفَضَائِحِ؟ ! ! . ٥٠ - فَقَدْ بَطُلَ ادِّعَاءُ النَّصِّ وَطَاحَ، وَاسْتَبَانَ الْحَقُّ لِبَاغِيهِ وَلَاحَ، فَإِذَا نَجَزَ مِقْدَارُ غَرَضِنَا مِنَ الرَّدِّ عَلَى أَصْحَابِ النُّصُوصِ، وَوَضَحَ بُطْلَانُ مَذْهَبِهِمْ عَلَى الْخُصُوصِ، وَسَبَقَ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ وُجُوبُ نَصْبِ الْإِمَامِ، فَقَدْ حَانَ الْآنَ أَنْ نُوَضِّحَ أَنَّ الِاخْتِيَارَ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ هُوَ الْمُسْتَنَدُ الْمُعْتَقَدُ، وَالْمُعَوَّلُ الْمُعْتَضَدُ، فَنَقُولُ مُسْتَمْسِكِينَ بِحَبْلِ اللَّهِ الْمَتِينِ، وَفَضْلِهِ الْمُبِينِ، وَهُوَ الْمُعْتَصَمُ فِي كُلِّ مَطْلَبٍ، وَلَيْسَ وَرَاءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبٌ: ٥١ - ثُبُوتُ الِاخْتِيَارِ يَسْتَدْعِي تَقْدِيمَ إِثْبَاتِ الْإِجْمَاعِ عَلَى مُنْكِرِيهِ، وَتَحْقِيقُ الْغَرَضِ فِيهِ صَعْبُ الْمَدْرَكِ مُتَوَعِّرُ الْمَسْلَكِ عَلَى مَنْ لَا يَدْرِيهِ، وَمَنْ يُحَاوِرُهُ قَبْلَ الِاسْتِيثَاقِ بِمَا يُنَحِّيهِ عَنْ ظُلُمَاتِ التِّيهِ، عَسُرَ عَلَيْهِ تَلَافِيهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ رَمْزَةٍ إِلَى وَجْهِ الْإِشْكَالِ وَالْإِعْضَالِ فِي صِيغَةِ السُّؤَالِ، ثُمَّ نَعْطِفُ عَلَيْهِ الِانْفِصَالَ، مُتَضَمِّنًا ثَلَجَ الصَّدْرِ عَلَى الْكَمَالِ.
следующие страницы →