← Сияса и кади

Сияса и кади · id 8323

غياث الأمم في التياث الظلم

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (522 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

٤٥ - ثُمَّ لَوْ تَتَبَّعْنَا الْأَلْفَاظَ الَّتِي نَقَلُوهَا لَمْ نُلْفِ وَاحِدًا مِنْهَا عَلَى مَا عَقَلُوهَا. فَأَمَّا قَوْلُهُ ﵇: " «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فِعَلِيٌّ مَوْلَاهُ» " فَالْمَوْلَى مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَةِ الْمُرَدَّدَةِ بَيْنَ مُسَمَّيَاتٍ وَجِهَاتٍ فِي الِاحْتِمَالَاتِ، فَيُطْلَقُ وَالْمُرَادُ بِهِ ابْنُ الْعَمِّ، وَالْمُعْتِقُ وَالْمُعْتَقُ، وَيُرَادُ بِهِ النَّاصِرُ. وَلَوْ خُضْنَا فِي مَأْخَذِ هَذَا اللَّفْظِ مِنْ أَصْلِ الْوَضْعِ، وَأَقَمْنَا عَلَيْهِ مَرَاسِمَ الِاسْتِشْهَادِ بِالنَّظْمِ السَّائِرِ وَالنَّثْرِ، لَطَالَ الْكَلَامُ، وَتَمَادَى الْمَرَامُ، وَلَمْ نَضَعْ كِتَابَنَا هَذَا لِمِثْلِ ذَلِكَ ; فَإِنَّ تَصْنِيفَ الْمَاضِينَ، وَتَأْلِيفَ الْمُنْقَرِضِينَ، مَشْحُونٌ بِهَذِهِ الْفُنُونِ، وَمُعْظَمُ الْمُتَلَقِّبِينَ بِالتَّصْنِيفِ فِي هَذَا الزَّمَانِ السَّخِيفِ يَكْتَفُونَ بِتَبْوِيبِ أَبْوَابٍ، وَتَرْتِيبِ كِتَابٍ مُتَضَمَّنُهُ كَلَامُ مَنْ مَضَى، وَعُلُومُ مَنْ تَصَرَّمَ وَانْقَضَى. ٤٦ - وَمِقْدَارُ غَرَضِنَا الْآنَ أَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي اعْتَقَدُوهُ مُعْتَصَمَهُمْ وَمَعَاذَهُمْ، وَمُعْتَمَدَهُمْ وَمَلَاذَهُمْ، مِنَ الْمُجْمَلَاتِ الَّتِي يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا تَقَابُلُ الْجَائِزَاتِ. وَالتَّعَلُّقُ بِالْمُحْتَمَلَاتِ فِيمَا يُبْغَى فِيهِ الْقَطْعُ وَالْبَتَاتُ، مِنْ شِيَمِ ذَوِي الْجَهَالَاتِ. وَقَدْ قِيلَ: جَرَتْ مُفَاوَضَةٌ وَمُحَاوَرَةٌ بَيْنَ عَلِيٍّ وَزَيْدٍ مَوْلَى رَسُولِ

стр. 37

اللَّهِ ﷺ «فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ لِزَيْدٍ: أَنَا مَوْلَاكَ. فَقَالَ زَيْدٌ: بَلْ مَوْلَايَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَلَمَّا اطَّلَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَا جَرَى ; قَالَ: " مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ» . ٤٧ - وَمِمَّا تَمَسَّكَ بِهِ هَؤُلَاءِ مَا رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيٍّ: " أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى» ". وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ حَقًّا مِنَ الْمُجْمَلَاتِ الْمَعْدُودَةِ عِنْدَ ذَوِي التَّحْصِيلِ مِنْ أَغْمَضِ الْمُعْوِصَاتِ. وَنَحْنُ إِذَا قَدَّرْنَا فِيهِ تَعَارُضَ الِاحْتِمَالَاتِ، وَوَجْهَ الْإِجْمَالِ، فَقَدْ أَسْقَطْنَا وَجْهَ الِاسْتِدْلَالِ ; فَإِنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالظَّاهِرِ الَّذِي يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ مَسْلَكُ التَّأْوِيلِ لَيْسَ عَلَيْهِ فِي الْقَطْعِيَّاتِ تَعْوِيلٌ. فَمَا الظَّنُّ بِالْمُجْمَلِ الَّذِي لَا يَظْهَرُ لِمَعْنَاهُ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ تَفْصِيلٌ؟ ؟ . فَمِنْ وُجُوهِ الْإِشْكَالِ أَنَّ هَارُونَ ﵇ كَانَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، وَهَارُونَ مَاتَ قَبْلَ مُوسَى بِسِنِينَ، فَلَمْ يَخْلُفْهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ. فَلَمْ يَكُنْ عَلِيٌّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَثَابَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى فِي شَيْءٍ مِنْ حَالَاتِهِ. نَعَمْ. كَانَ عَلِيٌّ ﵁ فِي حَيَاةِ الْمُصْطَفَى وَزَرَهُ

стр. 38

وَنَصِيرَهُ، كَمَا كَانَ هَارُونُ رِدْءَ مُوسَى وَظَهِيرَهُ، فَإِذَا جَرَى الْكَلَامُ فِي مَعْرِضِ الِاسْتِعْجَامِ وَالِاسْتِبْهَامِ، لَمْ يُسَغِ الِاعْتِصَامُ بِهِ فِي مُجْتَهَدَاتِ الْأَحْكَامِ، فَكَيْفَ الظَّنُّ بِنَصْبِ الْإِمَامِ؟ وَهُوَ شَوْفُ الْأَنَامِ، وَأَحَقُّ مَا يُعَلَّقُ بِتَحْقِيقَةِ الِاهْتِمَامُ. وَقَدْ صَحَّ وُرُودُ هَذَا اللَّفْظِ عَلَى سَبَبٍ لَا يَسْتَتِمُّ مَعْنَاهُ دُونَ فَهْمِهِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا هَمَّ بِغَزْوَةِ تَبُوكَ، اسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ عَلِيًّا، فَعَظُمَ عَلَى عَلِيٍّ ﵁ تَخَلُّفُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزَاتِهِ، وَمَا كَانَ عَهِدَ مُفَارَقَتَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ حَالَاتِهِ، وَرَبَطَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قَلْبِهِ، وَخَفَّفَ مِنْ كَرْبِهِ، وَقَالَ: لَمْ تَزَلْ مُسَاهِمِي فِي الْحُسْنَى وَالسُّوءَى، وَالنُّعْمَى وَالْبُوسَى، وَقَدِ اسْتَخْلَفْتُكَ عَلَى أَهْلِي كَمَا اسْتَخْلَفَ هَارُونَ مُوسَى. ٤٨ - ثُمَّ نُعَارِضُهُمْ بِبَعْضِ مَا صَحَّ عَنْ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ قَالَ ﵇: " «لَا يَنْبَغِي لِقَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَّمَهُمْ غَيْرُهُ» " وَقَالَ: «يَأْبَى اللَّهُ وَالْمُسْلِمُونَ

стр. 39

إِلَّا أَبَا بَكْرٍ» "، وَقَالَ: " «اقْتَدَوْا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ» " وَاسْتَخْلَفَ أَبَا بَكْرٍ فِي إِمَامَةِ الصَّلَاةِ فِي مَرْضَتِهِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا ; فَقَالَ: صَحْبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهُمْ - فِي تَقَدُّمِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ رَضِيهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِمَامًا لِدِينِنَا أَفَلَا نَرْضَاهُ لِدُنْيَانَا؟ ؟ . ٤٩ - وَالَّذِي عَلَيْهِ التَّأْوِيلُ فِي الْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيلِ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَهِدُوا، وَغِبْنَا، وَاسْتَيْقَنُوا عَنْ عَيَانٍ، وَاسْتَرَبْنَا، وَكَانُوا قُدْوَةَ الْأَنَامِ، وَأُسْوَةَ الْإِسْلَامِ، لَا يَأْخُذُهُمْ فِي اللَّهِ عَذْلٌ وَمَلَامٌ، وَمَا كَانُوا بَعْدَ اسْتِئْثَارِ اللَّهِ بِرَسُولِهِ تَحْتَ اقْتِهَارٍ وَاقْتِسَارٍ، بَلْ كَانُوا مَالِكِينَ لِأَعِنَّةِ الِاخْتِيَارِ، لَا يُؤْثِرُونَ عَلَى الْحَقِّ أَحَدًا، وَلَا يَجِدُونَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا، وَلَمْ يُرْهِقْ وُجُوهَهُمُ الْكَرِيمَةَ وَهَجُ الْبِدَعِ، وَالْأَهْوَاءِ، وَلَمْ يَقْتَحِمُوا جَرَاثِيمَ اخْتِلَافِ الْآرَاءِ، كَالْبَيْضَةِ

стр. 40

الَّتِي لَا تَتَشَظَّى، وَإِنْ سِيمُوا مُخَالَفَةَ الْحَقِّ يَرْتَدُّوا كَالْجَحْمَةِ تَتَلَظَّى، فَلَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ لَمْ يَفْهَمُوا عَلَى ذَكَاءِ الْقَرَائِحِ النُّصُوصَ الصَّرَائِحَ، وَيَفْطَنُ لَهَا الرُّعَاعُ الْهَمَجُ الْمُتَضَمِّخُونَ بِالْمَخَازِي وَالْفَضَائِحِ؟ ! ! . ٥٠ - فَقَدْ بَطُلَ ادِّعَاءُ النَّصِّ وَطَاحَ، وَاسْتَبَانَ الْحَقُّ لِبَاغِيهِ وَلَاحَ، فَإِذَا نَجَزَ مِقْدَارُ غَرَضِنَا مِنَ الرَّدِّ عَلَى أَصْحَابِ النُّصُوصِ، وَوَضَحَ بُطْلَانُ مَذْهَبِهِمْ عَلَى الْخُصُوصِ، وَسَبَقَ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ وُجُوبُ نَصْبِ الْإِمَامِ، فَقَدْ حَانَ الْآنَ أَنْ نُوَضِّحَ أَنَّ الِاخْتِيَارَ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ هُوَ الْمُسْتَنَدُ الْمُعْتَقَدُ، وَالْمُعَوَّلُ الْمُعْتَضَدُ، فَنَقُولُ مُسْتَمْسِكِينَ بِحَبْلِ اللَّهِ الْمَتِينِ، وَفَضْلِهِ الْمُبِينِ، وَهُوَ الْمُعْتَصَمُ فِي كُلِّ مَطْلَبٍ، وَلَيْسَ وَرَاءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبٌ: ٥١ - ثُبُوتُ الِاخْتِيَارِ يَسْتَدْعِي تَقْدِيمَ إِثْبَاتِ الْإِجْمَاعِ عَلَى مُنْكِرِيهِ، وَتَحْقِيقُ الْغَرَضِ فِيهِ صَعْبُ الْمَدْرَكِ مُتَوَعِّرُ الْمَسْلَكِ عَلَى مَنْ لَا يَدْرِيهِ، وَمَنْ يُحَاوِرُهُ قَبْلَ الِاسْتِيثَاقِ بِمَا يُنَحِّيهِ عَنْ ظُلُمَاتِ التِّيهِ، عَسُرَ عَلَيْهِ تَلَافِيهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ رَمْزَةٍ إِلَى وَجْهِ الْإِشْكَالِ وَالْإِعْضَالِ فِي صِيغَةِ السُّؤَالِ، ثُمَّ نَعْطِفُ عَلَيْهِ الِانْفِصَالَ، مُتَضَمِّنًا ثَلَجَ الصَّدْرِ عَلَى الْكَمَالِ.

стр. 41

٥٢ - فَإِنْ قِيلَ: لَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الْإِجْمَاعِ مَسَالِكُ الْعُقُولِ، فَإِنَّ الرَّبَّ تَعَالَى مَوْصُوفٌ بِالِاقْتِدَارِ عَلَى جَمْعِ الْعَالَمِينَ عَلَى الْبَاطِلِ عَلَى اضْطِرَارٍ، وَعَلَى خِيرَةٍ وَإِيثَارٍ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مُسَوَّغًا فِي الْعَقْلِ غَيْرَ مُسْتَحِيلٍ، وَلَيْسَ فِي الْعَقْلِ عَلَى الْقَضَاءِ بِصِدْقِ الْمُجْمِعِينَ دَلِيلٌ، وَلَيْسَ إِلَى دَرْكِ ذَلِكَ مِنْ طُرُقِ الْمَعْقُولَاتِ سَبِيلٌ، وَلَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ نَصٌّ فِي إِثْبَاتِ الْإِجْمَاعِ لَا يُقْبَلُ التَّأْوِيلُ، وَلَيْسَ عَلَى الظَّوَاهِرِ الْقَابِلَةِ لِلتَّأْوِيلَاتِ فِي الْقَطْعِيَّاتِ تَعْوِيلٌ، وَلَا مَطْمَعٌ فِي إِثْبَاتِ الْإِجْمَاعِ بِخَبَرِ الرَّسُولِ ﷺ ; فَإِنَّهُ لَمْ يَتَوَاتَرْ عَنْهُ نَصٌّ فِي الْإِجْمَاعِ يَدْرَأُ الْمَعَاذِيرَ، وَيَقْطَعُ التَّجْوِيزَ وَالتَّقْدِيرَ، وَقَوْلُهُ ﷺ : " «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ» " نَقَلَهُ مَعْدُودُونَ مُحَدَّدُونَ، مُعَرَّضُونَ لِإِمْكَانِ الْهَفَوَاتِ وَالزَّلَّاتِ، عَلَى أَنَّهُ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ سَبِيلُ التَّأْوِيلَاتِ ; فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ ﵇: ( «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالَةِ» ) أَنَّهَا لَا تَنْسَلِخُ عَنِ الْإِيمَانِ مُلَابَسَةً عَمَايَةُ الْجَهَالَةِ، فَيَكُونُ مَضْمُونُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ الْإِشْعَارَ بِأَمَانِ الْأُمَّةِ عَنِ الْمُنْقَلَبِ إِلَى الْكُفْرِ وَالرِّدَّةِ، وَإِنْ تَطَاوَلَتِ الْمُدَّةُ. ٥٣ - فَإِذَا لَمْ نَجِدْ مَسْلَكًا فِي إِثْبَاتِ الْإِجْمَاعِ مَعْقُولًا، وَأَصْلًا

стр. 42

مَقْطُوعًا بِهِ فِي السَّمْعِ مَنْقُولًا، فَمَا مُسْتَنَدُ الْيَقِينِ وَالْقَطْعِ بِثُبُوتِ الْإِجْمَاعِ فِي وَضْعِ الشَّرْعِ؟ وَعَلَيْهِ مَدَارُ مُعْظَمِ الْأَحْكَامِ فِي الْفَرْقِ وَالْجَمْعِ وَإِلَيْهِ اسْتِنَادُ الْمَقَايِيسِ وَالْعِبَرِ، وَبِهِ اعْتِضَادُ الِاسْتِنْبَاطِ فِي طُرُقِ الْفِكَرِ، فَقَدْ عَظُمَ الْخَطَرُ، وَتَفَاقَمَ الْغَرَرُ، وَهَذَا مَضَلَّةُ الْأَنَامِ، وَمَزَلَّةُ الْأَقْدَامِ، وَمَتَاهَةُ الْخَوَاصِّ وَالْعَوَامِّ، وَمَعْرِفَةُ الْغَوَّاصِ وَالْعَوَّامِ، وَمَا انْتَهَى الْمَهَرَةُ إِلَى مَسَاقِ هَذَا الْإِشْكَالِ وَمَذَاقِ هَذَا الْإِعْضَالِ ; فَضْلًا عَنِ الْمَطْمَعِ فِي الِانْفِصَالِ. ٥٤ - فَأَنَا أَسْتَعِينُ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَعَلَيْهِ الِاتِّكَالُ، فَأَقُولُ: إِذَا صَادَفْنَا عُلَمَاءَ الْأُمَّةِ مُجْمِعِينَ عَلَى حُكْمٍ مِنَ الْأَحْكَامِ، مُتَّفِقِينَ عَلَى قَضِيَّةٍ فِي تَفَاصِيلِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَأَلْفَيْنَاهُمْ قَاطِعِينَ عَلَى جَزْمٍ وَتَصْمِيمٍ، فِي تَحْلِيلٍ أَوْ تَحْرِيمٍ، وَهُمُ الْجَمُّ الْغَفِيرُ، وَالْجَمْعُ الْكَثِيرُ، وَعَلِمْنَا بِارْتِجَالِ الْأَذْهَانِ أَنَّهُمْ مَا تَوَاطَئُوا عَلَى الْكَذِبِ عَلَى عَمْدٍ، وَمَا تَوَاضَعُوا عَلَى الِافْتِرَاءِ عَنْ قَصْدٍ، وَهُمْ مُتَبَدِّدُونَ فِي الْأَقْطَارِ، مُتَشَتِّتُونَ فِي الْأَمْصَارِ، مَعَ تَنَائِي الدِّيَارِ، وَتَقَاصِي الْمَزَارِ، لَا يَجْمَعُهُمْ رَابِطٌ عَلَى وَطَرٍ مِنَ الْأَوْطَارِ، ثُمَّ كَرَّتِ الدُّهُورُ، وَمَرَّتِ الْعُصُورُ، وَهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى قَطْعٍ مُسَدَّدٍ، مِنْ غَيْرِ رَأْيٍ مُرَدَّدٍ. وَالْأَحْكَامُ

стр. 43

فِي تَفَاصِيلِ الْمَسَائِلِ لَا تُرْشِدُ إِلَيْهَا الْعُقُولُ، فَنَتَبَيَّنُ أَنَّهُ حَمَلَهُمْ عَلَى اتِّفَاقِهِمْ قَاطِعٌ شَرْعِيٌّ، وَمُقْتَضًى جَازِمٌ سَمْعِيٌّ، وَلَوْلَاهُ، لَاسْتَحَالَ أَنْ يَقْطَعُوا فِي مَظِنَّاتِ الظُّنُونِ، ثُمَّ يَتَّفِقُوا مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ جَامِعٍ يَحْمِلُهُمْ عَلَى التَّوَاضُعِ عَلَى الْكَذِبِ، ثُمَّ يَسْتَمِرُّوا عَلَى ذَلِكَ، مَعَ امْتِدَادِ الْآمَادِ عَلَى اسْتِتْبَابٍ، وَاطِّرَادٍ. هَذَا مُحَالٌ وُقُوعُهُ فِي مُسْتَقَرِّ الِاعْتِيَادِ. ٥٥ - وَإِنَّمَا يَتَّضِحُ حَقِيقَةُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ بِأَسْئِلَةٍ وَأَجْوِبَةٍ عَنْهَا. فَإِنْ قِيلَ: نَرَى أَهْلَ مَذْهَبٍ فِي الشَّرْعِ يَبْلُغُ عَدَدُهُمُ الْمَبْلَغَ الَّذِي وَصَفْتُمُوهُ، وَلَا يَجُوزُ مِنْ مِثْلِهِمُ التَّوَاضُعُ كَمَا عَرَّفْتُمُوهُ، ثُمَّ هُمْ مُصَمِّمُونَ عَلَى مُعْتَقَدِهِمْ، وَلَوْ قُطِّعُوا مُثَلًا لَا يَبْغُونَ عَنْهُ حِوَلًا، ثُمَّ لَا يَدُلُّ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى الْقَطْعِ بِأَنَّ مَذْهَبَهُمُ الْحَقُّ، وَمُعْتَقَدَهُمُ الصِّدْقُ، قُلْنَا هَؤُلَاءِ وَإِنْ طَبَّقُوا طَبَقَ الْأَرْضِ، ذَاتِ الطُّولِ وَالْعَرْضِ، فَهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُمْ ظَانُّونَ، مُعْتَصِمُونَ بِأَسَالِيبِ الظُّنُونِ، وَلَا يَقْطَعُونَ بِأَنَّ خُصُومَهُمْ مُبْطِلُونَ، وَلَا يَبْعُدُ فِي مُطَّرَدِ الْعَادَاتِ اجْتِمَاعُ أَقْوَامٍ عَلَى فُنُونٍ مِنْ طَرَائِقِ الظُّنُونِ، وَمُتَابَعَتُهُمْ مَسْلَكًا مَخْصُوصًا.

стр. 44

فَأَمَّا الِاجْتِمَاعُ مِنْ مِثْلِ هَذَا الْعَدَدِ عَلَى دَعْوَى الْقَطْعِ، مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ مُتَلَقَّى مِنَ السَّمْعِ، مِنْ غَيْرِ إِسْنَادٍ إِلَى قَاطِعٍ فِي الشَّرْعِ، فَهَذَا مُسْتَحِيلٌ عَلَى الضَّرُورَةِ، لَا يُجَوِّزُهُ ذُو تَحْصِيلٍ، وَكَيْفَ يَجُوزُ ذُهُولُ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ عَنِ اعْتِرَاضِ الظُّنُونِ الْهَاجِسَةِ فِي النُّفُوسِ، الْخَاطِرَةِ فِي أَدْرَاجِ الْفِكْرِ وَالْحُدُوسِ؟ ، حَتَّى يَحْسَبُوا الْمَظْنُونَ فِي الشَّرْعِ مَعْلُومًا، وَالْمَشْكُوكَ فِيهِ مَقْطُوعًا بِهِ مَفْهُومًا، وَيَتَّفِقُوا عَلَى الْقَطْعِ مِنْ غَيْرِ مَعْنًى يُوجِبُ الْقَطْعَ. هَذَا يَكُونُ تَجْوِيزُهُ هُجُومًا عَلَى جَحْدِ الضَّرُورِيَّاتِ، وَاقْتِحَامًا لِوَرَطَاتِ الْجَهَالَاتِ، وَخَرْقًا لِمُوجَبِ الْعَادَاتِ، فَأَمَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظُنُونِ جَمْعٍ أَمْرٌ عَنْ قَوْلِ رَجُلٍ ظَاهِرِ الْعَدَالَةِ، مُسْتَقِيمِ الْحَالَةِ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّهُمْ ظَانُّونَ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِدْعًا عُرْفًا وَشَرْعًا، وَإِنَّمَا الْمُسْتَحِيلُ الِاتِّفَاقُ عَلَى الْعِلْمِ فِي السَّمْعِيَّاتِ، وَالْإِطْبَاقِ عَلَى ادِّعَاءِ الْيَقِينِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ، مِنْ غَيْرِ اطِّلَاعٍ عَلَى قَاطِعٍ يَقْتَضِي الْإِجْمَاعَ مِنْ عَدَدٍ لَا يَجُوزُ مِنْهُمُ التَّوَاطُؤُ وَالتَّوَاضُعُ. ٥٦ - فَإِنْ قِيلَ: قُصَارَى هَذَا الِانْفِصَالِ عَمَّا تُوُجِّهَ مِنَ السُّؤَالِ، أَنَّ الَّذِينَ يَنْتَحِلُونَ مَذْهَبَ الْإِمَامِ لَا يَدَّعُونَ عِلْمًا، وَإِنَّمَا غَايَتُهُمْ

стр. 45

غَلَبَةُ ظَنٍّ، صَدَرُهَا عَنْ تَرْجِيحٍ وَتَلْوِيحٍ، وَنَحْنُ الْآنَ نُلْزِمُكُمْ مَا لَا تَجِدُونَ إِلَى دَرْئِهِ سَبِيلًا. ٥٧ - فَنَقُولُ: النَّصَارَى وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ مُصَمِّمُونَ عَلَى فَاسِدِ عَقْدِهِمْ دِينًا، وَلَوْ صُبَّ عَلَيْهِمْ صُنُوفُ الْعَذَابِ صَبًّا، مَا ازْدَادُوا فِي مُعْتَقَدِهِمْ إِلَّا نِضَالًا وَذَبًّا، وَلَوِ اعْتُمِدَ أَضْعَفُهُمْ مُنَّةً فَنُشِرَ بِالْمِنْشَارِ لَمَا آثَرَ نُكُولًا وَرُجُوعًا، وَهُمْ مُطْبِقُونَ أَنَّ عَقْدَهُمُ الْيَقِينُ الْمُبِينُ، وَالدِّينُ الْمَتِينُ، وَعَدَدُهُمْ يُبِرُّ عَلَى عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ بِأَضْعَافٍ مُضَعَّفَةٍ، وَخِطَّةُ الْإِسْلَامِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى دِيَارِ الْكُفَّارِ كَالشَّامَةِ الْبَيْضَاءِ فِي مَسْكِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ. ٥٨ - وَهَذَا سُؤَالٌ عَظِيمُ الْوَقْعِ فِي الْإِجْمَاعِ الْوَاجِبِ الِاتِّبَاعِ فِي الشَّرْعِ، وَلَا يَحِلُّ مُعْوَصَهُ إِلَّا مُوَفَّقٌ، بَلْ لَا يَنْتَهِي إِلَى غَائِلَةِ السُّؤَالِ إِلَّا مُحَقِّقٌ، وَلَيْسَ يَلِيقُ الِانْتِهَاءُ إِلَى هَذِهِ الْمُعَاصَاتِ فِي التَّحْقِيقِ بِمِقْدَارِ غَرَضِنَا فِي ذِكْرِ أَحْكَامِ الْإِمَامَةِ، وَلَكِنْ صَادَفْتُ نَشْطَةً وَهِزَّةً إِلَى الْمَجْلِسِ الْأَسْمَى، وَوَافَقْتُ بَسْطَةً، فَأَرْخَيْتُ فَضْلَ

стр. 46

عِنَانِي، وَأَطَلْتُ عَذَبَةَ لِسَانِي، وَانْتَهَيْتُ إِلَى مَأْزِقٍ وَمَضَايِقَ فِي مَدَارِجِ الْحَقَائِقِ، يَتَوَعَّرُ فِيهَا الْعَطِنُ، وَيَتَحَيَّرُ فِيهَا الْفَطِنُ، وَيَضِيقُ فِيهَا نِطَاقُ النُّطْقِ، وَيَعْسُرُ فِيهَا لِحَاقُ الْحَقِّ، وَيَتَخَايَلُ فِيهَا الْقُرَّحُ عَنْ شَأْوِ السَّبْقِ، وَلَكِنَّ الْمُسْتَعِينَ بِاللَّهِ مُوَفَّقٌ، وَالْمُتَبَرِّيَ عَنْ حَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ بِالصَّوَابِ مُسْتَنْطَقٌ، وَحَقَّ عَلَى كُلِّ مَنْ لَهُ فِي مَشْرَعِ الشَّرْعِ مَكْرَعٌ، وَفِي رَتْعِ الدِّينِ مَرْتَعٌ، إِذَا انْتَهَى إِلَى هَذَا الْمَقَامِ، وَأَفْضَى بِهِ النَّظَرُ إِلَى سِرِّ هَذَا الْكَلَامِ، أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ دُفِعَ إِلَى خَطْبٍ عَظِيمٍ مِنَ الْخُطُوبِ الْجِسَامِ ; فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ مَنَاطُ الْأَحْكَامِ، وَنِظَامُ الْإِسْلَامِ، وَقُطْبُ الدِّينِ، وَمُعْتَصَمُ الْمُسْلِمِينَ، وَمُعْظَمُ مَسَائِلِ الشَّرِيعَةِ يَنْقَسِمُ إِلَى مُجْتَهَدَاتٍ فِي مُلْتَطَمِ الْخِلَافِ، وَمُسْتَنَدُهَا فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ مَسَائِلُ الْإِجْمَاعِ، وَلَيْسَ مِنْ وَرَائِهَا نُصُوصٌ صَرِيحَةٌ، وَأَلْفَاظٌ صَحِيحَةٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالْأَصْلُ

стр. 47

فِيهَا الْإِجْمَاعُ إِذًا ; فَمَنْ لَمْ يَثِقْ بِالْأَصْلِ الَّذِي مِنْهُ الِاسْتِثَارَةُ وَالِاسْتِنْبَاطُ، كَيْفَ يَعْدِلُ فِي مَسَالِكِ التَّحَرِّي وَالتَّأَخِّي مِعْيَارُهُ؟ ؟ وَأَنَا لَمْ أُطْنِبْ فِي التَّشْرِيفِ وَأَنَا أُقِيمُ لِهَذَا السُّؤَالِ وَزْنًا، وَلَكِنْ رُمْتُ تَنْبِيهَ الْقَرَائِحِ لِتُدْرَكَ الْحَقِيقَةُ وَالْمَعْنَى. ٥٩ - وَأَنَا الْآنَ أَسْتَعِينُ بِاللَّهِ، فَهُوَ الْمُسْتَعَانُ، وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ؛ فَأَقُولُ مَدَارُ الْكَلَامِ فِي إِثْبَاتِ الْإِجْمَاعِ عَلَى الْعُرْفِ وَاطِّرَادِهِ، وَبَيَانِ اسْتِحَالَةِ جَرَيَانِهِ حَائِدًا عَنْ مَأْلُوفِهِ وَمُعْتَادِهِ، فَكُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالدُّوَلِ، وَالْأَدْيَانِ وَالْمِلَلِ، فَالْعُرْفُ مُسْتَمِرٌّ عَلَى اتِّبَاعِ شَوْفٍ وَمَطْمَحٍ يَجْمَعُ شَتَاتَ الْآرَاءِ، وَيُؤَلِّفُ افْتِرَاقَ الْأَهْوَاءِ ; وَلِهَذَا السَّبَبِ انْتَظَمَ أَمْرُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَلَوِ اسْتَرْسَلَ النَّاسُ عَلَى مَذَاهِبِهِمُ الْمُتَبَايِنَةِ فِي الْإِرَادَاتِ وَالْمُنَى، وَتَقَطَّعُوا أَيَادِيَ سَبَا، لَاسْتَحَالَ الْكَوْنُ وَالْبَقَاءُ، وَلَهَلَكَ فِي النِّزَاعِ وَالدِّفَاعِ الْجَمَاهِيرُ وَالدَّهْمَاءُ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا، تَرَكَهُمْ سُدًى، يَخْتَبِطُونَ بِلَا وَزَرٍ، فَإِذْ ذَاكَ يَتَهَافَتُونَ عَلَى وَرَطَاتِ

стр. 48

الْغَرَرِ، وَيَتَهَاوُونَ فِي مَهَاوِي الْخَطَرِ. وَمِلَاكُ الْأُمُورِ كُلِّهَا مِلَّةٌ تَدْعُو إِلَى الْقُرُبَاتِ وَالْخَيْرَاتِ، وَتَزْجُرُ عَنِ الْفَوَاحِشِ وَالْمُوبِقَاتِ، وَمُرْتَبَطُهَا الْأَنْبِيَاءُ الْمُؤَيَّدُونَ بِالْآيَاتِ، وَإِيَالَةٌ قَهْرِيَّةٌ تَضُمُّ النَّشْرَ مِنَ الْآرَاءِ الْمُتَنَاقِضَةِ، وَمُتَعَلَّقُهَا الْمُلُوكُ وَالْأُمَرَاءُ الْمُمَدُّونَ بِالْعَدَدِ وَالْعُدَدِ، وَأَسْبَابِ الْمُوَاتَاةِ، فَمَا كَانَ مِنِ اتِّسَاقٍ وَاتِّفَاقٍ مُسْتَنَدُهُ دِينٌ أَوْ مَلِكٌ، فَلَيْسَ وُقُوعُهُ بَدِيعًا، وَمَا ذَكَرُوهُ جَمِيعًا فِي هَذَا الصِّنْفِ فِي مُسْتَقَرِّ الْعُرْفِ، وَأَمَّا مَا جَعَلْنَاهُ مُتَمَسَّكًا فِي الْإِجْمَاعِ فَالِاتِّفَاقُ عَلَى حُكْمٍ مُعَيَّنٍ فِي مَسْأَلَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَهَذَا التَّعَيُّنُ لَا تَقْتَضِيهِ إِيَالَةٌ مِلْكِيَّةٌ قَهْرِيَّةٌ، وَلَا قَضِيَّةٌ دِينِيَّةٌ نَبَوِيَّةٌ، وَيَسْتَحِيلُ إِجْمَاعُ عَدَدٍ عَظِيمٍ عَلَى أَمْرٍ مِنْ غَيْرِ ثُبُوتِ سَبَبٍ جَامِعٍ، كَمَا يَسْتَحِيلُ إِجْمَاعُ الْعَالَمِينَ فِي صَبِيحَةِ يَوْمٍ عَلَى قِيَامٍ أَوْ قُعُودٍ، أَوْ أَكْلٍ أَوْ نَوْمٍ، مَعَ اخْتِلَافِ الدَّوَاعِي وَالصَّوَارِفِ، وَتَبَايُنِ الْجِبِّلَّاتِ وَالْخَلْقِ وَالْأَخْلَاقِ، فَحُصُولُ الِاتِّفَاقِ مَعَ ذَلِكَ مِنْ وِفَاقٍ يُفْضِي إِلَى الِانْخِرَامِ فِي مُطَّرَدِ الْعُرْفِ وَالِانْخِرَاقِ. فَقَدْ تَحَصَّلَ مِنْ مَجْمُوعِ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ إِجْمَاعَ أَهْلِ الْبَصَائِرِ عَلَى

стр. 49

الْقَطْعِ فِي مَسْأَلَةٍ مَظْنُونَةٍ، لَا مَجَالَ لِلْعُقُولِ فِيهَا يَسْتَحِيلُ وُقُوعُهُ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ مَقْطُوعٍ بِهِ سَمْعِي. ٦٠ - فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ سَبَبُ الْإِجْمَاعِ خَبَرًا مَثَلًا مَقْطُوعًا بِهِ، لَلَهِجَ الْمُجْمِعُونَ بِنَقْلِهِ. قُلْنَا: لَا نُبْعِدُ أَنْ يَنْعَقِدَ الْإِجْمَاعُ عَنْ سَبَبٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، ثُمَّ يَقَعُ الِاكْتِفَاءُ بِالْوِفَاقِ، وَيُضْرِبُ الْمُجْمِعُونَ عَنْ نَقْلِ السَّبَبِ ; لِقِلَّةِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَكَمْ مِنْ شَيْءٍ يَسْتَفِيضُ عِنْدَ وُقُوعِهِ، ثُمَّ يُمْحَقُ وَيُدْرَسُ، حَتَّى يُنْقَلَ آحَادًا، ثُمَّ يَنْطَمِسُ حَتَّى لَا يُنْقَلَ، وَيَقَعُ الِاكْتِفَاءُ بِمَا يَنْعَقِدُ الْوِفَاقُ عَلَيْهِ، وَوُضُوحُ ذَلِكَ يُغْنِي أَصْحَابَ الْمَعَارِفِ بِالْعُرْفِ عَنِ الْإِطْنَابِ فِي تَقْرِيرِهِ. [الإجماع في نفسه ليس حجة] ٦١ - فَإِنْ قِيلَ: فَالْحُجَّةُ إِذًا مُسْتَنَدُ الْإِجْمَاعِ مُقَدَّرًا، وَلَيْسَ الْإِجْمَاعُ فِي نَفْسِهِ دَلِيلًا. قُلْنَا: الْآنَ لَمَّا انْكَشَفَ الْغِطَاءُ وَبَرِحَ الْخَفَاءُ، فَالْحَقُّ الْمُتَّبَعُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ حُجَّةً، إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ مِنَ الْمُجْمِعِينَ الِاسْتِقْلَالُ بِإِنْشَاءِ حُكْمٍ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّمَا يُعْتَقَدُ فِيهِمُ الْعُثُورُ عَلَى أَمْرِ

стр. 50

جَمْعِهِمْ عَلَى الْإِجْمَاعِ، فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَالْإِجْمَاعُ مُشْعِرٌ بِهِ. وَلَيْسَ قَوْلُ الْمُجْمِعِينَ بِأَعْلَى مَنْصِبًا مِنْ قَوْلِ الْمُصْطَفَى. وَلَا يَسْتَرِيبُ مُحَصِّلٌ أَنَّ قَوْلَ الرَّسُولِ ﷺ لَا يَسْتَقِلُّ دَلِيلًا، وَلَا يَنْهَضُ بِنَفْسِهِ إِلَى الْحَقِّ سَبِيلًا، وَلَكِنَّ الْمُعْجِزَةَ شَهِدَتْ بِعِصْمَتِهِ، وَصِدْقِ لَهْجَتِهِ فِيمَا يَنْقُلُهُ عَنْ إِلَهِ الْخَلْقِ. فَالْعُقُولُ وَالنُّهَى قَاضِيَةٌ بِأَنَّ إِلَى اللَّهِ الْمُنْتَهَى، فَأَمْرُهُ الْمُطَاعُ حَقًّا، وَالرُّسُلُ مُبَلِّغُونَ عَنْهُ صِدْقًا، وَالْإِجْمَاعُ مُشْعِرٌ بِحُجَّةٍ تَقْدُمُ الْوِفَاقَ سَبْقًا. ٦٢ - فَلْيَنْظُرِ الْمُوَفَّقُ اللَّبِيبُ إِلَى هَذَا التَّرْتِيبِ الْعَجِيبِ: قَدَّمْنَا وَجْهَ الْإِشْكَالِ، وَضِيقَ الْمَجَالِ فِي صِيغَةِ سُؤَالٍ، ثُمَّ افْتَتَحْنَا فِي إِثْبَاتِ الْإِجْمَاعِ قَاعِدَةً لَمْ نُسْبَقْ إِلَيْهَا، وَلَمْ نُزْحَمْ عَلَيْهَا، ثُمَّ لَمْ نُبْدِ الْمَقْصُودَ دُفْعَةً وَاحِدَةً، هُجُومًا فِي إِثْبَاتِ الْإِجْمَاعِ، بَلْ رَأَيْنَا أَنْ نَجْعَلَ الْمَسَالِكَ إِلَى مَدَارِكِ الْحَقِّ وَظَائِفَ مُتَرَتِّبَةً وَنُجُومًا، وَاشْتَمَلَتِ الْأَسْئِلَةُ الْمُدْرَجَةُ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ عَلَى الِانْتِهَاءِ إِلَى مُعَاصَاتِ الْإِشْكَالِ،

стр. 51

وَانْطَوَتْ طُرُقُ الِانْفِصَالِ عَلَى إِيضَاحِ الْحَقِّ فِي صِيغَةٍ هِيَ السِّحْرُ الْحَلَالُ، ثُمَّ لَمَّا فَضَضْنَا خِتَامَ كُلِّ مُبْهَمٍ مُجْمَلٍ، نَصَصْنَا عَلَى الْغَرَضِ وَطَبَّقْنَا الْمِفْصَلَ. وَقَدْ تَجَاوَزْنَا حَدَّ الِاقْتِصَادِ قَلِيلًا ; فَإِنَّا لَمْ نَجِدْ لِلْمَسَائِلِ الْقَطْعِيَّةِ فِي الْإِمَامَةِ سِوَى الْإِجْمَاعِ تَعْوِيلًا، فَآثَرْنَا أَنْ نُورِدَ فِي إِثْبَاتِهِ كَلَامًا بَالِغًا يَنْجَحُ بِهِ الْمُنْتَهِي، وَيَسْتَقِلُّ بِهِ الشَّادِي الْمُبْتَدِي. [اخْتِيَارُ الْإِمَامِ] فَصلٌ. اخْتِيَارُ الْإِمَامِ. ٦٣ - وَنَحْنُ بَعْدَ تَقْدِيمِ ذَلِكَ نَخُوضُ فِي إِثْبَاتِ الِاخْتِيَارِ فَنَقُولُ: اتَّفَقَ الْمُنْتَمُونَ إِلَى الْإِسْلَامِ عَلَى تَفَرُّقِ الْمَذَاهِبِ، وَتَبَايُنِ الْمَطَالِبِ، عَلَى ثُبُوتِ الْإِمَامَةِ، ثُمَّ أَطْبَقُوا عَلَى أَنَّ سَبِيلَ إِثْبَاتِهَا النَّصُّ أَوْالِاخْتِيَارُ، وَقَدْ تَحَقَّقَ بِالطُّرُقِ الْقَاطِعَةِ وَالْبَرَاهِينِ اللَّامِعَةِ بُطْلَانُ مَذَاهِبِ أَصْحَابِ النُّصُوصِ، فَلَا يَبْقَى بَعْدَ هَذَا التَّقْسِيمِ وَالِاعْتِبَارِ إِلَّا الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الِاخْتِيَارِ، وَإِنْ أَرَدْنَا أَنْ نَعْتَمِدَ إِثْبَاتَ الِاخْتِيَارِ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ إِلَى إِبْطَالِ مَذَاهِبِ مُدَّعِي النُّصُوصِ أَسْنَدْنَاهُ إِلَى الْإِجْمَاعِ قَائِلِينَ:

стр. 52

٦٤ - إِنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ انْقَضَتْ أَيَّامُهُمْ، وَتَصَرَّمَتْ نُوَبُهُمْ، وَانْسَحَبَتْ عَلَى قِمَمِ الْمُسْلِمِينَ طَاعَتُهُمْ، وَكَانَ مُسْتَنَدُ أُمُورِهِمْ صَفْقَةُ الْبَيْعَةِ. فَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَقَدْ تَوَاتَرَتِ الْبَيْعَةُ لَهُ يَوْمَ السَّقِيفَةِ، وَكَانَ عُمَرُ ﵁ وَلِيَّ عَهْدِهِ، وَتَعَيَّنَ عُثْمَانُ ﵁ مِنَ السِّتَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الشُّورَى بِالْبَيْعَةِ، وَلَمَّا انْتَهَتِ النَّوْبَةُ إِلَى عَلِيٍّ ﵁ طَلَبَ الْبَيْعَةَ، فَأَوَّلُ مَنْ بَايَعَهُ طَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَمَنْ حَاوَلَ بَسْطَ مَقَالٍ فِي إِيضَاحِ اسْتِنَادِ الْأَئِمَّةِ الْمَاضِينَ إِلَى الْبَيْعَةِ كَانَ مُتَكَلِّفًا مُشْتَغِلًا بِمَا يُغْنِي الظُّهُورُ وَالتَّوَاتُرُ عَنْهُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْإِجْمَاعَ هُوَ الْمُعْتَصَمُ الْأَقْوَى، وَالْمُتَعَلَّقُ الْأَوْفَى، فِي قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ، وَهُوَ الْوَسِيلَةُ وَالذَّرِيعَةُ، إِلَى اعْتِقَادٍ قَاطِعٍ سَمْعِيٍّ كَمَا سَبَقَ فِي إِثْبَاتِ الْإِجْمَاعِ تَقْرِيرُهُ. ٦٥ - فَإِنْ قِيلَ هَذَا تَدْلِيسٌ وَتَلْبِيسٌ ; فَإِنَّكُمْ قَدَّمْتُمْ فِي خَلَلِ

стр. 53

الْكَلَامِ الَّذِي سُقْتُمُوهُ فِي الْإِجْمَاعِ أَنَّ مَا يَتَّفِقُ مِنِ اجْتِمَاعٍ فِي الْإِيَالَاتِ الْمِلْكِيَّةِ، وَالسِّيَاسَاتِ الْقَهْرِيَّةِ، وَمَا يُفْرَضُ فِيهَا مِنْ إِذْعَانِ جَمَاعَةٍ وَبَذْلِ طَاعَةٍ لَا يُشْعَرُ بِحَقٍّ وَلَا بَاطِلٍ، وَمَيَّزْتُمُ الْإِجْمَاعَ مِنْ هَذِهِ الْمَسَالِكِ بِرَدِّهِ إِلَى اجْتِمَاعٍ فِي حُكْمِ الْوَاقِعَةِ، وَزَعَمْتُمْ أَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي قَضِيَّةً جَامِعَةً، ثُمَّ عُدْتُمْ فَاسْتَدْلَلْتُمْ فِي الْإِمَامَةِ بِالْإِجْمَاعِ، وَهِيَ أَعْلَى مَرَاتِبِ الدُّوَلِ، وَأَرْفَعُ الْمَنَاصِبِ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ وَاضِحٌ، وَتَهَافُتٌ فِي الْكَلَامِ لَائِحٌ. قُلْنَا: هَذَا كَلَامُ مَنْ يَبْغِي الْأَسْمَاءَ وَالْأَلْقَابَ، وَيُؤْثِرُ الْإِضْرَابَ عَنْ لُبَابِ الْأَلْبَابِ. وَكَأَنَّ السَّائِلَ يَرَانَا نُدِيرُ ذِكْرَ الْوِلَايَةِ، فَاسْتَمْسَكَ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ مِنْ غَيْرِ إِحَاطَةٍ وَدِرَايَةٍ، وَذَهَلَ عَنِ الْمَقْصِدِ وَالنِّهَايَةِ، وَهَذَا الْفَنُّ يَعُودُ الْمُتَعَلِّقُ بِهِ إِلَى مُلْتَطَمِ الْعَمَايَةِ، وَظُلُمَاتِ الْغِوَايَةِ، فَنَقُولُ: مَحَلُّ تَعَلُّقِنَا بِالْإِجْمَاعِ أَنَّ الْهَمَّ بِالْبَيْعَةِ وَالْإِقْدَامَ عَلَيْهَا فِي الزَّمَانِ الْمُتَطَاوِلِ كَانَ أَمْرًا جَازِمًا يَسْتَنِدُ إِلَيْهِ مَقَالِيدُ الْوِلَايَاتِ قَبْلَ اسْتِمْرَارِهَا، وَيُرْبَطُ بِهِ عَقْدُ الْوِلَايَةِ وَالرَّايَاتِ قَبْلَ اسْتِقْرَارِهَا، ثُمَّ تَنَاقَلَهُ الْخَلَائِقُ عَلَى تَفَنُّنِ الطَّرَائِقِ، وَلَمْ يُبْدَ أَحَدٌ مِنْ صَحْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَكِيرًا، وَيَسْتَحِيلُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ قَاطِعٍ أَحَاطَ بِهِ الْمُجْمِعُونَ. ٦٦ - نَعَمْ. إِنَّمَا يَجْرِي بِاتِّبَاعِ ذَوِي الْأَمْرِ عَلَى الْحَقِّ أَوِ

стр. 54

الْبَاطِلِ - الْعُرْفُ. وَإِذَا اسْتَقَرَّ الْمَلِكُ فِي النِّصَابِ، وَأَذْعَنَتِ الرِّقَابُ، وَاسْتَتَبَّتِ الْأَسْبَابُ، فَإِذْ ذَاكَ قَدْ يَحْمِلُ الرَّعِيَّةَ عَلَى قَضِيَّةٍ قَهْرِيَّةٍ ; فَيَتَوَاطَئُونَ طَوْعًا وَكَرْهًا، وَلَا يَرَوْنَ لِلِانْسِلَالِ عَنْ طَاعَتِهِ وَجْهًا. فَلَمَّا تُوُفِّيَ الْمُصْطَفَى ﷺ لَمْ يَخْلُفْهُ ذُو نَجْدَةٍ وَاقْتِهَارٍ، وَصَاحِبُ أَيْدٍ وَمِنَّةٍ وَاقْتِسَارٍ تَوَلَّى بِعَدَدٍ وَعُدَدٍ، وَأَشْيَاعٍ وَأَنْصَارٍ، وَتَرَكَ النَّاسَ عَلَى نُفُوسٍ أَبِيَّةٍ، وَهِمَمٍ عَنِ الْقَمَاءَةِ وَالذِّلَّةِ عَلِيَّةٍ، وَطَرَائِقَ فِي اتِّبَاعِ الْحَقِّ مَرْضِيَّةٍ، وَهُمْ عَلَى خِيَرَتِهِمْ فِيمَا يَذَرُوَنَ وَيَأْتُونَ، فَاسْتَمْسَكُوا بِالْبَيْعَةِ فِي الْأَمْرِ الْأَعْظَمِ الْأَهَمِّ، وَالْخَطْبِ الْأَطَمِّ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهَا وَإِنَّمَا تَرَدَّدُوا فِي تَعْيِينِ الْمُخْتَارِ، ثُمَّ اسْتَقَامُوا لِيَاذًا، وَمَا كَانَ لِيَاذُ الْمَاضِينَ بِالْبَيْعَةِ فِي مَاضِي الدَّهْرِ صَادِرًا عَنْ جَامِعٍ قَهْرِيٍّ، بَلْ كَانَتْ مُتَقَدِّمَةً عَلَى الْإِمَامَةِ، ثُمَّ بَعْدَهَا الِاتِّبَاعُ وَاتِّسَاقُ الطَّاعَةِ، فَلَمْ يَبْقَ إِشْكَالٌ فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى الِاخْتِيَارِ، وَبُطْلَانِ الْمَصِيرِ عَلَى ادِّعَاءِ النَّصِّ. ٦٧ - فَإِنْ قِيلَ: قَدْ حَصَرْتُمْ عَقْدَ الْإِمَامَةِ فِي الِاخْتِيَارِ، وَأَجْرَيْتُمْ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ تَوْلِيَةَ الْعَهْدِ الصَّادِرِ مِنَ الْإِمَامِ.

стр. 55

قُلْنَا: سَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ مُوَضَّحًا مُنَقَّحًا مُصَحَّحًا فِي بَابِهِ، وَلَكِنَّا لَمَّا أَرَدْنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ فِي أَصْلِ الْإِمَامَةِ حَصَرْنَاهَا بَعْدَ بُطْلَانِ النَّصِّ فِي الِاخْتِيَارِ، وَالتَّوْلِيَةِ فِي الْعُهُودِ لَا تَكُونُ إِلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ الْإِمَامَةِ. فَهَذَا مَا أَرَدْنَا أَنْ نُبَيِّنَ. وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.

стр. 56

[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي صِفَاتِ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَهْلِ عَقْدِ الْإِمَامَةِ وَتَفْصِيلِ الْقَوْلِ فِي عَدَدِهِمْ] [ مقدمة الباب في بيان سبب الخبط والتخليط في موضوع الإمامة] الْبَابُ الثَّالِثُ. فِي صِفَاتِ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَهْلِ عَقْدِ الْإِمَامَةِ، وَتَفْصِيلِ الْقَوْلِ فِي عَدَدِهِمْ. ٦٨ - مَضْمُونُ هَذَا الْبَابِ فَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا: فِي صِفَاتِ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَهْلِ عَقْدِ الْإِمَامَةِ. وَالثَّانِي: فِي تَفْصِيلِ الْقَوْلِ فِي عَدَدِهِمْ. ٦٩ - وَنَحْنُ نُقَدِّمُ إِلَى الْفَصْلَيْنِ تَنْبِيهًا عَلَى الْأَمْرِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنَ الْإِحَاطَةِ بِهِ ; فَنَقُولُ: قَدْ كَثُرَ فِي أَبْوَابِ الْإِمَامَةِ الْخَبْطُ وَالتَّخْلِيطُ وَالْإِفْرَاطُ وَالتَّفْرِيطُ، وَلَمْ يَخْلُ فَرِيقٌ - إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ - عَنِ السَّرَفِ وَالِاعْتِسَافِ، وَلَمْ تَسْلَمْ طَائِفَةٌ إِلَّا الْأَقَلُّونَ عَنْ مُجَانَبَةِ الْإِنْصَافِ، وَهَلَكَ أُمَمٌ فِي تَنَكُّبِ سَنَنِ السَّدَادِ، وَتَخَطِّي مَنْهَجِ الِاقْتِصَادِ! ! ! . وَالسَّبَبُ الظَّاهِرُ فِي ذَلِكَ، أَنَّ مُعْظَمَ الْخَائِضِينَ فِي هَذَا الْفَنِّ يَبْغُونَ مَسْلَكَ الْقَطْعِ فِي مَجَالِ الظَّنِّ، وَيَمْزُجُونَ عَقْدَهُمْ بِاتِّبَاعِ الْهَوَى ;

стр. 57

وَيَتَهَاوَوْنَ بِالْغُلُوِّ عَلَى مَوَارِدِ الرَّدَى، وَيَمْرَحُونَ فِي تَعَالِيلِ النُّفُوسِ وَالْمُنَى. ٧٠ - وَهَذَا الْكِتَابُ عَلَى الْجُمْلَةِ قَلِيلُ الْجَدْوَى، عَظِيمُ الْخَطَرِ ; لَا يَنْجُو مَنْ يَقْتَحِمُ جَرَاثِيمَهُ مَنْ تَعَدَّى حَدَّ النَّصَفَةِ إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ. وَنَحْنُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ نَذْكُرُ فِيهِ مُعْتَبَرًا يَتَمَيَّزُ بِهِ مَوْضِعُ الْقَطْعِ عَنْ مَحَلِّ الظَّنِّ فَنَقُولُ: ٧١ - الْعِلْمُ يُتَلَقَّى مِنَ الْعَقْلِ أَوْ مِنَ الشَّرْعِ، وَأَسَالِيبُ الْعُقُولِ بِمَجْمُوعِهَا لَا تَجُولُ فِي أُصُولِ الْإِمَامَةِ وَفُرُوعِهَا. وَالْقَوَاطِعُ الشَّرْعِيَّةُ ثَلَاثَةٌ: * نَصٌّ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ التَّأْوِيلُ. * وَخَبَرٌ مُتَوَاتِرٌ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ لَا يُعَارِضُ إِمْكَانُ الزَّلَلِ رِوَايَتَهُ وَنَقْلَهُ، وَلَا تَقَابُلُ الِاحْتِمَالَاتِ مَتْنَهُ وَأَصْلَهُ. * وَإِجْمَاعٌ مُنْعَقِدٌ.

стр. 58

٧٢ - فَإِذًا لَا يَنْبَغِي أَنْ تُطْلَبَ مَسَائِلُ الْإِمَامَةِ مِنْ أَدِلَّةِ الْعَقْلِ، بَلْ تُعْرَضُ عَلَى الْقَوَاطِعِ السَّمْعِيَّةِ. وَلَا مَطْمَعَ فِي وِجْدَانِ نَصٍّ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فِي تَفَاصِيلِ الْإِمَامَةِ. وَالْخَبَرُ الْمُتَوَاتِرُ مُعْوِزٌ أَيْضًا ; فَآلَ مَآلُ الطَّلَبِ فِي تَصْحِيحِ الْمَذْهَبِ إِلَى الْإِجْمَاعِ، فَكُلُّ مُقْتَضَى أَلْفَيْنَاهُ مُعْتَضِدًا بِإِجْمَاعِ السَّابِقِينَ، فَهُوَ مَقْطُوعٌ بِهِ، فَكُلُّ مَا لَمْ يُصَادَفْ فِيهِ إِجْمَاعًا اعْتَقَدْنَاهُ وَاقِعَةً مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، وَعَرَضْنَاهُ عَلَى مَسَالِكِ الظُّنُونِ عَرْضَنَا سَائِرَ الْوَقَائِعِ، وَلَيْسَتِ الْإِمَامَةُ مِنْ قَوَاعِدِ الْعَقَائِدِ ; بَلْ هِيَ وِلَايَةٌ تَامَّةٌ عَامَّةٌ، وَمُعْظَمُ الْقَوْلِ فِي الْوُلَاةِ وَالْوِلَايَاتِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ مَظْنُونَةٌ فِي التَّأَخِّي وَالتَّحَرِّي، وَمَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ - تَعَالَى وَتَقَدَّسَ - لِلْوُقُوفِ عَلَى هَذِهِ الْأَسْطُرِ، وَاتَّخَذَهَا فِي الْمُعْوِصَاتِ مَآبَهُ وَمَثَابَهُ، لَمْ يَعْتَصْ عَلَيْهِ مُعْضِلٌ، وَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ مُشْكِلٌ، وَسَرَدَ الْمَقْصُودَ عَلَى مُوجَبِ الصَّوَابِ بِأَجْمَعِهِ، وَوَضَعَ كُلَّ مَعْلُومٍ وَمَظْنُونٍ فِي مَوْضِعِهِ وَمَوْقِعِهِ. وَالْآنَ نَبْدَأُ بِتَفْصِيلِ صِفَاتِ أَهْلِ الْعَقْدِ وَالِاخْتِيَارِ.

стр. 59

[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي صِفَةِ أَهْلِ الِاخْتِيَارِ] الْفَصْلُ الْأَوَّلُ. ٧٣ - فَلْتَقَعِ الْبِدَايَةُ بِمَجَالِ الْإِجْمَاعِ فِي صِفَةِ أَهْلِ الِاخْتِيَارِ ثُمَّ نَنْعَطِفُ عَلَى مَوَاقِعِ الِاجْتِهَادِ وَالظُّنُونِ. فَمَا نَعْلَمُهُ قَطْعًا أَنَّ النِّسْوَةَ لَا مَدْخَلَ لَهُنَّ فِي تَخَيُّرِ الْإِمَامِ وَعَقْدِ الْإِمَامَةِ، فَإِنَّهُنَّ مَا رُوجِعْنَ قَطُّ، وَلَوِ اسْتُشِيرَ فِي هَذَا الْأَمْرِ امْرَأَةٌ ; لَكَانَ أَحْرَى النِّسَاءِ وَأَجْدَرُهُنَّ بِهَذَا الْأَمْرِ فَاطِمَةَ ﵍ ثُمَّ نِسْوَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَنَحْنُ بِابْتِدَاءِ الْأَذْهَانِ نَعْلَمُ أَنَّهُ مَا كَانَ لَهُنَّ فِي هَذَا الْمَجَالِ مَخَاضٌ فِي مُنْقَرَضِ الْعُصُورِ وَمَكَرِّ الدُّهُورِ. وَكَذَلِكَ لَا يُنَاطُ هَذَا الْأَمْرُ بِالْعَبِيدِ، وَإِنْ حَوَوْا قَصَبَ السَّبْقِ فِي الْعُلُومِ. وَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْعَوَامِّ الَّذِينَ لَا يُعَدُّونَ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَذَوِي الْأَحْلَامِ. وَلَا مَدْخَلَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ فِي نَصْبِ الْأَئِمَّةِ.

стр. 60

فَخُرُوجُ هَؤُلَاءِ عَنْ مَنْصِبِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ لَيْسَ بِهِ خَفَاءٌ. فَهَذَا مَبْلَغُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْفَصْلِ. ٧٤ - فَأَمَّا الْمَظْنُونُ مِنْهُ، فَقَدْ ذَهَبَ طَوَائِفُ مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِعَقْدِ الْإِمَامَةِ إِلَّا الْمُجْتَهِدُ الْمُسْتَجْمِعُ لِشَرَائِطِ الْفَتْوَى. وَذَهَبَ الْقَاضِي الْبَاقِلَّانِيُّ فِي عُصَبٍ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ إِلَى أَنَّا لَا نَشْتَرِطُ بُلُوغَ الْعَاقِدِ مَبْلَغَ الْمُجْتَهِدِينَ، بَلْ يَكْفِي أَنْ يَكُونَ ذَا عَقْلٍ وَكَيْسٍ وَفَضْلٍ وَتَهَدٍّ إِلَى عَظَائِمِ الْأُمُورِ، وَبَصِيرَةٍ مُتَّقِدَةٍ بِمَنْ يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ، وَبِمَا يُشْتَرَطُ اسْتِجْمَاعُ الْإِمَامِ لَهُ مِنَ الصِّفَاتِ. وَنَحْنُ نُوَجِّهُ الْمَذْهَبَيْنِ بِمَا يَقَعُ بِهِ الْإِقْنَاعُ، ثُمَّ نَذْكُرُ مَا يَلُوحُ لَنَا. إِنْ شَاءَ اللَّهُ . ٧٥ - فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَسْتَجْمِعْ خِصَالَ الْمُفْتِينَ، فَنَقُولُ: الْغَرَضُ تَعْيِينُ قُدْوَةٍ وَتَخَيُّرُ أُسْوَةٍ، وَعَقْدُ الزَّعَامَةِ لِمُسْتَقِلٍّ بِهَا، وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْمُعَيِّنُ الْمُتَخَيِّرُ عَالِمًا بِصِفَاتِ مَنْ يَصْلُحُ لِهَذَا الشَّأْنِ - لَأَوْشَكَ

стр. 61

أَنْ يَضَعَهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، وَيَجُرَّ إِلَى الْمُسْلِمِينَ ضِرَارًا بِسُوءِ اخْتِيَارِهِ ; وَلِهَذَا لَمْ يَدْخُلْ فِي ذَلِكَ الْعَوَامُّ، وَمَنْ لَا يُعَدُّ مِنْ أَهْلِ الْبَصَائِرِ. وَالنِّسْوَانُ لَازِمَاتٌ خُدُورَهُنَّ، مُفَوِّضَاتٌ أُمُورَهُنَّ إِلَى الرِّجَالِ الْقَوَّامِينَ عَلَيْهِنَّ، لَا يَعْتَدْنَ مُمَارَسَةَ الْأَحْوَالِ، وَلَا يَبْرُزْنَ فِي مُصَادَمَةِ الْخُطُوبِ بُرُوزَ الرِّجَالِ، وَهُنَّ قَلِيلَاتُ الْغَنَاءِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِإِبْرَامِ الْعَزَائِمِ وَالْآرَاءِ، وَلِذَلِكَ ذَهَبَ مُعْظَمُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُنَّ لَا يَسْتَقْلِلْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ فِي التَّزْوِيجِ. وَالْعَبِيدُ - وَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ آرَاءُ - مَرْعِيُّونَ تَحْتَ اسْتِسْخَارِ السَّادَةِ، لَا يَتَفَرَّغُونَ فِي غَالِبِ الْأَمْرِ لِلْبَحْثِ وَالتَّنْقِيرِ، وَكَأَنَّهُمْ مَعَ إِرَادَتِهِمُ الثَّاقِبَةِ لَا رَأْيَ لَهُمْ. ٧٦ - فَأَمَّا الْأَفَاضِلُ الْمُسْتَقِلُّونَ، الَّذِينَ حَنَّكَتْهُمُ التَّجَارِبُ، وَهَذَّبَتْهُمُ الْمَذَاهِبُ، وَعَرِفُوا الصِّفَاتِ الْمَرْعِيَّةَ فِيمَنْ يُنَاطُ بِهِ أَمْرُ الرَّعِيَّةِ، فَهَذَا الْمَبْلَغُ كَافٍ فِي بَصَائِرِهِمْ، وَالزَّائِدُ عَلَيْهِ فِي حُكْمِ مَا لَا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ فِي هَذَا الْمَنْصِبِ. وَقَدْ تَمَهَّدَ فِي قَوَاعِدِ الشَّرْعِ أَنَّا نَكْتَفِي فِي كُلِّ مَقَامٍ بِمَا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الْعِلْمِ ; فَيَكْفِي فِي الْمُقَوِّمِ الْعِلْمُ بِالْأَسْعَارِ وَالدُّرْبَةُ التَّامَّةُ مَعَ

стр. 62

الْكَيْسِ فِي صِفَاتِ الْمُقَوَّمَاتِ، وَيَقَعُ الِاجْتِزَاءُ فِي الْقَسَّامِ بِمَعْرِفَةِ الْحِسَابِ وَالْمِسَاحَةِ، وَكَيْفِيَّةِ تَعْدِيلِ السِّهَامِ. وَيُرَاعَى فِي الْخَارِصِ مَا يَقْتَضِيهِ حَالُهُ، وَإِذَا بَعَثْنَا إِلَى الزَّوْجَيْنِ، وَقَدْ شَجَرَتْ بَيْنَهُمَا الْمُنَازَعَةُ، وَنَشَبَتِ الْخُصُومَةُ وَالْمُدَافَعَةُ، وَاعْتَاصَ الظَّالِمُ مِنْهُمَا حَكَمَيْنِ كَمَا أَشْعَرَ بِهِ نَصُّ الْقُرْآنِ، لَمْ يُشْتَرَطْ أَنْ يَكُونَا مُجْتَهِدَيْنِ، بَلْ يَكْفِي عِلْمُهُمَا بِحُقُوقِ النِّكَاحِ، وَتَفَطُّنُهُمَا لِعَادَاتِ التَّعَاشُرِ، وَإِحَاطَتُهُمَا بِمَا يَدِقُّ وَيَجِلُّ مِنْ هَذَا الْفَنِّ. فَالْفَاضِلُ، الْفَطِنُ، الْمُطَّلِعُ عَلَى مَرَاتِبِ الْأَئِمَّةِ، الْبَصِيرُ بِالْإِيَالَاتِ وَالسِّيَاسَاتِ، وَمَنْ يَصْلُحُ لَهَا، مُتَّصِفٌ بِمَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ فِي تَخَيُّرِ الْإِمَامِ. ٧٧ - وَأَمَّا مَنْ شَرَطِ كَوْنَ الْعَاقِدِ مُفْتِيًا، فَمُعْتَصَمُهُ أَنَّا نَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ مُجْتَهِدًا كَمَا سَيَأْتِي فِي ذَلِكَ مَشْرُوحًا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي صِفَاتِ الْأَئِمَّةِ، وَلَا مُحِيطَ بِالْمُجْتَهِدِ إِلَّا مُجْتَهِدٌ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْمُتَخَيِّرُ الْعَاقِدُ مُفْتِيًا، لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى تَحْقِيقِ ذَلِكَ مِنَ الَّذِي يُنَصِّبُهُ إِمَامًا. ٧٨ - وَلِلْأَوَّلِينَ أَنْ يَقُولُوا: قَدْ يَظْهَرُ بِالتَّسَامُعِ وَالْإِطْبَاقِ مِنْ طَبَقَاتِ الْخَلْقِ كَوْنُ الشَّخْصِ مُجْتَهِدًا، فَلْيَقَعْ الِاكْتِفَاءُ بِذَلِكَ.

стр. 63

وَالَّذِي يُوَضِّحُ الْمَقْصِدَ مِنْهُ أَنَّ عَلَى الْمُسْتَفْتِي أَنْ لَا يُعَوِّلَ فِيمَا يَبْغِيهِ مِنَ الْأَحْكَامِ إِلَّا عَلَى مَنْ يَرَاهُ مُجْتَهِدًا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحِلَّ مَسَائِلَهُ بِكُلِّ مَنْ يَتَلَقَّبُ بَاسِمِ عَالِمٍ، فَإِذَا أَمْكَنَ أَنْ يُدْرِكَ ذَلِكَ عَامِّيٌّ مُسْتَفْتٍ، فَمَا الظَّنُّ بِمَرْمُوقٍ مِنْ أَفَاضِلِ النَّاسِ؟ ؟ . ٧٩ - فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الْأَقْرَبَ إِلَى التَّحْقِيقِ مَسْلَكُ الْقَاضِي وَمُتَّبِعِيهِ. ٨٠ - وَأَمَّا مَا نَخْتَارُهُ: فَلَسْتُ أَرَى ذِكْرَهُ إِلَّا فِي خَاتِمَةِ الْفَصْلِ الثَّانِي الْمُشْتَمِلِ عَلَى ذِكْرِ عَدَدِ الْمُخْتَارِينَ، فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْفَصْلَيْنِ. ٨١ - وَلَمْ نُغْفِلْ ذِكْرَ الْوَرِعِ صَدَرًا فِي الْفَصْلِ عَنْ ذُهُولٍ، بَلْ رَأَيْنَاهُ أَوْضَحَ مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى الِاهْتِمَامِ بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ، فَمَنْ لَا يُوثَقُ بِهِ فِي بَاقَةِ بَقْلٍ كَيْفَ يُرَى أَهْلًا لِلْحَلِّ وَالْعَقْدِ؟ ؟ وَكَيْفَ يَنْفُذُ نَصْبُهُ عَلَى أَهْلِ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ؟ ؟ وَمَنْ لَمْ يَتَّقِ اللَّهَ لَمْ تُؤْمَنْ غَوَائِلُهُ، وَمَنْ لَمْ يَصُنْ نَفْسَهُ لَمْ تَنْفَعْهُ فَضَائِلُهُ. فَقَدْ نَجَزَ الْفَصْلُ، مَخْتُومًا عَلَى التَّقْدِيرِ بِالْمَقْطُوعِ بِهِ فِي مَقْصُودِهِ، مُثَنًّى بِمَا هُوَ مِنْ فَنِّ الْمُجْتَهَدَاتِ، وَقَبِيلِ الْمَظْنُونَاتِ.

стр. 64

[الْفَصْلُ الثَّانِي فِي ذِكْرِ عَدَدِ مَنْ إِلَيْهِ الِاخْتِيَارُ وَالْعَقْدُ] الْفَصْلُ الثَّانِي. فِي ذِكْرِ عَدَدِ مَنْ إِلَيْهِ الِاخْتِيَارُ وَالْعَقْدُ. ٨٢ - فَنَجْرِي عَلَى التَّرْتِيبِ الْمُقَدَّمِ وَالْمُلْتَزَمِ، وَنَبْدَأُ بِالْمَقْطُوعِ بِهِ، فَنَقُولُ: مِمَّا يُقْطَعُ بِهِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَيْسَ شَرْطًا فِي عَقْدِ الْإِمَامَةِ بِالْإِجْمَاعِ. وَالَّذِي يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ صَحَّتْ لَهُ الْبَيْعَةُ ; فَقَضَى وَحَكَمَ، وَأَبْرَمَ وَأَمْضَى، وَجَهَّزَ الْجُيُوشَ، وَعَقَدَ الْأَلْوِيَةَ، وَجَرَّ الْعَسَاكِرَ إِلَى مَانِعِي الزَّكَاةِ، وَجَبَى الْأَمْوَالَ، وَفَرَّقَ مِنْهَا، وَلَمْ يَنْتَظِرْ فِي تَنْفِيذِ الْأُمُورِ انْتِشَارَ الْأَخْبَارِ فِي أَقْطَارِ خِطَّةِ الْإِسْلَامِ، وَتَقْرِيرِ الْبَيْعَةِ مِنَ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا فِي بَلَدَةِ الْهِجْرَةِ. وَكَذَلِكَ جَرَى الْأَمْرُ فِي إِمَامَةِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ. فَهَذَا مِمَّا لَا يَسْتَرِيبُ فِيهِ لَبِيبٌ. وَالَّذِي يُعَضِّدُ ذَلِكَ عِلْمُنَا عَلَى اضْطِرَارٍ أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ نَصْبِ الْإِمَامِ حِفْظُ الْحَوْزَةِ، وَالِاهْتِمَامُ بِمُهِمَّاتِ الْإِسْلَامِ، وَمُعْظَمُ الْأُمُورِ الْخَطِيرَةِ لَا يَقْبَلُ الرَّيْثَ وَالْمُكْثَ، وَلَوْ أُخِّرَ النَّظَرُ فِيهِ لَجَرَّ ذَلِكَ

стр. 65

خَلَلًا لَا يُتَلَافَى، وَخَبَلًا مُتَفَاقِمًا لَا يُسْتَدْرَكُ، فَاسْتَبَانَ مِنْ وَضْعِ الْإِمَامَةِ اسْتِحَالَةُ اشْتِرَاطِ الْإِجْمَاعِ فِي عَقْدِهَا. فَهَذَا هُوَ الْمَقْطُوعُ بِهِ مِنَ الْفَصْلِ. وَنَفْتَتِحُ الْآنَ مَا نَرَاهُ مُجْتَهَدًا فِيهِ. ٨٣ - ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْإِمَامَةَ تَنْعَقِدُ بِبَيْعَةِ اثْنَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ. وَاشْتَرَطَ طَوَائِفُ عَدَدَ أَكْمَلِ الْبَيِّنَاتِ فِي الشَّرْعِ ; وَهُوَ أَرْبَعَةٌ. وَذَهَبَ بَعْضُ مَنْ لَا يُعَدُّ مِنْ أَحْزَابِ الْأُصُولِيِّينَ إِلَى اشْتِرَاطِ أَرْبَعِينَ، وَهُوَ عَدَدُ الْجُمُعَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵁. ٨٤ - وَهَذِهِ الْمَذَاهِبُ لَا أَصْلَ لَهَا مِنْ مَأْخَذِ الْإِمَامَةِ: فَأَمَّا مَنْ ذَكَرَ اثْنَيْنِ، فَالَّذِي تَخَيَّلَهُ أَنَّ هَذَا الْعَدَدَ أَقَلُّ الْجَمْعِ، فَلَا بُدَّ مِنِ اجْتِمَاعِ جَمْعٍ عَلَى الْبَيْعَةِ. وَمَنْ شَرَطَ أَرْبَعَةً قَالَ: الْإِمَامَةُ مِنْ أَعْلَى الْأُمُورِ، وَأَرْفَعِ الْخُطُوبِ، فَيُعْتَبَرُ فِيهَا عَدَدُ أَعْلَى الْبَيِّنَاتِ. وَمَنِ ادَّعَى الْأَرْبَعِينَ اسْتَمْسَكَ بِقَرِيبِ مَا قَدَّمْنَاهُ، وَاعْتَبَرَ مَنْ

стр. 66

يَقْتَدِي بِإِمَامِ الْمُسْلِمِينَ بِمَنْ يَقْتَدِي بِإِمَامِ الْجُمُعَةِ. وَهَذِهِ الْمَسَالِكُ مِنْ أَضْعَفِ طُرُقِ الْأَشْبَاهِ، وَهِيَ أَدْوَنُ فُنُونِ الْمَقَايِيسِ فِي الشَّرْعِ، وَلَسْتُ أَرَى أَنْ أَحْكُمَ بِهَا فِي مَوَاقِعِ الظُّنُونِ وَمَظَانِّ التَّرْجِيحِ وَالتَّلْوِيحِ، فَمَا الظَّنُّ بِمَنْصِبِ الْإِمَامَةِ؟ وَلَوْ تَتَبَّعَ الْمُتَتَبِّعُ الْأَعْدَادَ الْمُعْتَبَرَةَ فِي مَوَاقِعِ الشَّرْعِ، لَمْ يَعْدَمْ وُجُوهًا بَعِيدَةً عَنِ التَّحْصِيلِ فِي التَّشْبِيهِ. ٨٥ - وَأَقْرَبُ الْمَذَاهِبِ مَا ارْتَضَاهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ شَيْخِنَا أَبِي الْحَسَنِ ﵄ وَهُوَ أَنَّ الْإِمَامَةَ تَثْبُتُ بِمُبَايَعَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعَقْدِ. وَوَجْهُ هَذَا الْمَذْهَبِ أَنَّهُ تَقَرَّرَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَيْسَ شَرْطًا فِي عَقْدِ الْإِمَامَةِ، ثُمَّ لَمْ يَثْبُتْ تَوْقِيفٌ فِي عَدَدٍ مَخْصُوصٍ. وَالْعُقُودُ فِي الشَّرْعِ مَوْلَاهَا عَاقِدٌ وَاحِدٌ، وَإِذَا تَعَدَّى الْمُتَعَدِّي الْوَاحِدَ، فَلَيْسَ عَدَدٌ أَوْلَى مِنْ عَدَدٍ، وَلَا وَجْهَ لِلتَّحَكُّمِ فِي إِثْبَاتِ عَدَدٍ مَخْصُوصٍ، فَإِذَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى

стр. 67

عَدَدٍ لَمْ يَثْبُتِ الْعَدَدُ، وَقَدْ تَحَقَّقْنَا أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَيْسَ شَرْطًا، فَانْتَفَى الْإِجْمَاعُ بِالْإِجْمَاعِ، وَبَطَلَ الْعَدَدُ بِانْعِدَامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، فَلَزِمَ الْمَصِيرُ إِلَى الِاكْتِفَاءِ بِعَقْدِ الْوَاحِدِ. وَظَاهِرُ قَوْلِ الْقَاضِي يُشِيرُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مَقْطُوعٌ بِهِ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ أَظْهَرُ الْمَذَاهِبِ فِي ذَلِكَ، فَلَسْنَا نَرَاهُ بَالِغًا مَبْلَغَ الْقَطْعِ. ٨٦ - وَهَا أَنَا الْآنَ أَذْكُرُ مَا يَلُوحُ عِنْدِي فِي هَذَا الْفَصْلِ، وَفِيهِ ذِكْرُ كَلَامٍ يَنْعَطِفُ عَلَى الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، فَأَقُولُ: - الَّذِي أَرَاهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا بَايَعَهُ عُمَرُ لَوْ ثَارَ ثَائِرُونَ، وَأَبْدَوْا صَفْحَةَ الْخِلَافِ، وَلَمْ يَرْضَوْا تِلْكَ الْبَيْعَةَ، لَمَا كُنْتُ أَجِدُ مُتَعَلَّقًا فِي أَنَّ الْإِمَامَةَ كَانَتْ تَسْتَقِلُّ بِبَيْعَةِ وَاحِدٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ فَرَضْتُ بَيْعَةَ اثْنَيْنِ أَوْ أَرْبَعَةٍ فَصَاعِدًا، وَقَدَّرْتُ ثَوَرَانَ مُخَالِفِينَ، لَمَا وَجَدْتُ مُتَمَسَّكًا بِهِ اكْتِرَاثٌ وَاحْتِفَالٌ، فِي قَاعِدَةِ الْإِمَامَةِ. وَلَكِنْ لَمَّا بَايَعَ عُمَرُ تَتَابَعَتِ الْأَيْدِي، وَاصْطَفَقَتِ الْأَكُفُّ، وَاتَّسَعَتِ الطَّاعَةُ، وَانْقَادَتِ الْجَمَاعَةُ. ٨٧ - فَالْوَجْهُ عِنْدِي فِي ذَلِكَ أَنْ يُعْتَبَرَ فِي الْبَيْعَةِ حُصُولُ مَبْلَغٍ مِنَ الْأَتْبَاعِ وَالْأَنْصَارِ وَالْأَشْيَاعِ، تَحْصُلُ بِهِمْ شَوْكَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَمَنْعَةٌ

стр. 68

قَاهِرَةٌ، بِحَيْثُ لَوْ فُرِضَ ثَوَرَانُ خِلَافٍ، لَمَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنْ يُصْطَلَمَ أَتْبَاعُ الْإِمَامِ، فَإِذَا تَأَكَّدَتِ الْبَيْعَةُ، وَتَأَطَّدَتْ بِالشَّوْكَةِ وَالْعَدَدِ وَالْعُدَدِ، وَاعْتَضَدَتْ، وَتَأَيَّدَتْ بِالْمِنَّةِ، وَاسْتَظْهَرَتْ بِأَسْبَابِ الِاسْتِيلَاءِ وَالِاسْتِعْلَاءِ، فَإِذَا ذَاكَ تَثْبُتُ الْإِمَامَةُ، وَتَسْتَقِرُّ، وَتَتَأَكَّدُ الْوِلَايَةُ وَتَسْتَمِرُّ، وَلَمَّا بَايَعَ عُمَرُ مَالَتِ النُّفُوسُ إِلَى الْمُطَابَقَةِ وَالْمُوَافَقَةِ، وَلَمْ يُبْدِ أَحَدٌ شِرَاسًا وَشِمَاسًا، وَتَظَافَرُوا عَلَى بَذْلِ الطَّاعَةِ عَلَى حَسَبِ الِاسْتِطَاعَةِ، وَبِتَعَيُّنِ اعْتِبَارِ مَا ذَكَرْتُهُ بِأَنِّي سَأُوَضِّحُ فِي بَعْضِ الْأَبْوَابِ الْآتِيَةِ أَنَّ الشَّوْكَةَ لَا بُدَّ مِنْ رِعَايَتِهَا. ٨٨ - وَمِمَّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ اتِّفَاقُ الْعُلَمَاءِ قَاطِبَةً، عَلَى أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، لَوِ اسْتَخْلَى بِمَنْ صَلُحَ لِلْإِمَامَةِ، وَعَقَدَ لَهُ الْبَيْعَةَ لَمْ تَثْبُتِ الْإِمَامَةُ. وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي مُخْتَتَمِ هَذَا الْفَصْلِ. وَسَبَبُ تَعَلُّقِي بِذَلِكَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَوْ قُدِّرَ لَمْ تَسْتَتِبَّ مِنْهُ شَوْكَةٌ، وَلَمْ تَثْبُتْ بِهِ سَلْطَنَةٌ، فَلَئِنْ كُنَّا نَتَّبِعُ مَا جَرَى، فَقَدْ كَانَتِ الْبَيْعَةُ عَلَى هَذِهِ الْقَضِيَّةِ الَّتِي وَصَفْتُهَا، وَظَهَرَ اعْتِبَارُ حُصُولِ الشَّوْكَةِ ; فَلْيُتْبَعْ ذَلِكَ. ٨٩ - ثُمَّ أَقُولُ: إِنْ بَايَعَ رَجُلٌ وَاحِدٌ مَرْمُوقٌ، كَثِيرُ الْأَتْبَاعِ

стр. 69

وَالْأَشْيَاعِ، مُطَاعٌ فِي قَوْمِهِ، وَكَانَتْ مَنْعَتُهُ تُفِيدُ مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ، انْعَقَدَتِ الْإِمَامَةُ. وَقَدْ يُبَايِعُ رِجَالٌ لَا تُفِيدُ مُبَايَعَتُهُمْ شَوْكَةً وَمُنَّةً قَهْرِيَّةً، فَلَسْتُ أَرَى لِلْإِمَامَةِ اسْتِقْرَارًا. وَالَّذِي أَجَزْتُهُ لَيْسَ شَرْطَ إِجْمَاعٍ، وَلَا احْتِكَامًا بِعَدَدٍ، وَلَا قَطْعًا بِأَنَّ بَيْعَةَ الْوَاحِدِ كَافِيَةٌ. ٩٠ - وَإِنَّمَا اضْطَرَبَتِ الْمَذَاهِبُ فِي ذَلِكَ لِوُقُوعِ الْبَيْعَةِ لِأَبِي بَكْرٍ مُبْهَمَةً مِنْ غَيْرِ اخْتِصَاصٍ بِعَدَدٍ، وَلَمْ يَتَّجِهْ إِحَالَةُ إِنْبِرَامِ الْعَقْدِ عَلَى بَيْعَةِ وَاحِدٍ ; فَتَفَرَّقَتِ الطُّرُقُ، وَأَعْوَصَ مَسْلَكُ الْحَقِّ عَلَى مُعْظَمِ النَّاظِرِينَ فِي الْبَابِ. وَالَّذِي ذَكَرْتُهُ يَنْطَبِقُ عَلَى مَقْصِدِ الْإِمَامَةِ وَسِرِّهَا، فَإِنَّ الْغَرَضَ حُصُولُ الطَّاعَةِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْإِبْهَامِ الَّذِي جَرَى فِي الْبَيْعَةِ. فَرَحِمَ اللَّهُ نَاظِرًا انْتَهَى إِلَى هَذَا الْمُنْتَهَى فَجَعَلَ جَزَاءَنَا مِنْهُ دَعْوَةً بِخَيْرٍ. ٩١ - وَالَّذِي يَنْصَرِفُ مِنْ مَسَاقِ هَذَا الْكَلَامِ إِلَى الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، الْمُنْطَوِي عَلَى ذِكْرِ صِفَةِ مَنْ يَعْقِدُ، إِلَى اشْتِرَاطِ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي. فَلَا أَرَى لِاشْتِرَاطِ كَوْنِ الْعَاقِدُ مُجْتَهِدًا وَجْهًا لَائِحًا، وَلَكِنِّي أَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونَ الْمُبَايِعُ مِمَّنْ يُفِيدُ مُبَايَعَتُهُ مُنَّةً وَاقْتِهَارًا. فَهَذَا مَا أَرَدْنَا بَيَانَهُ فِي ذَلِكَ.

стр. 70

٩٢ - وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْفَصْلِ أَنَّ الْأَئِمَّةَ ﵃ كَمَا اخْتَلَفُوا فِي عَدَدِ الْعَاقِدِ اضْطَرَبُوا فِي اشْتِرَاطِ حُضُورِ الشُّهُودِ: فَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنَّ حُضُورَ الشَّاهِدِ لَيْسَ شَرْطًا، وَشَرَطَ آخَرُونَ حُضُورَ الشُّهُودِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ ﵀. ٩٣ - وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِأَنْ قَالُوا: لَوْ كَانَتِ الْبَيْعَةُ تَنْعَقِدُ سِرًّا، لَعَقَدَ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدِ الْعَاقِدَ وَالْمَعْقُودَ لَهُ شُهُودٌ. وَزَيَّفَ الْقَاضِي هَذَا الْمَذْهَبَ الْأَوَّلَ، وَتَنَاهَى مُبَالِغًا فِي الرَّدِّ عَلَى مُعْتَقَدِهِ، وَسَلَكَ مَسْلَكَ الْقَطْعِ فِيمَا زَعَمَ ; فَقَالَ: لَوِ اسْتَخْلَى عُمَرُ بِالْبَيْعَةِ لِأَبِي بَكْرٍ ﵁ لَمَا اسْتَقَرَّتِ الْإِمَامَةُ ; إِذْ لَوْ كَانَتْ تَسْتَقِرُّ، وَتَثْبُتُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، لَمَا حَضَرَا ﵄ السَّقِيفَةَ، وَلَبَادَرَ عُمَرُ عَقْدَ الْبَيْعَةِ لِأَبِي بَكْرٍ قَبْلَ حُضُورِ الْأَشْهَادِ. ٩٤ - ثُمَّ الَّذِينَ صَارُوا إِلَى مَنْعِ عَقْدِ الْإِمَامَةِ عَلَى الِاسْتِخْلَاءِ

стр. 71

اخْتَلَفُوا ; فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَكْفِي حُضُورُ شَاهِدَيْنِ، كَعَقْدِ النِّكَاحِ، وَلَمْ يَكْتَفِ الْقَاضِي بِالشَّاهِدَيْنَ، بَلِ اشْتَرَطَ أَنْ يَشْهَدَ الْأَمْرَ أَقْوَامٌ يَقَعُ بِحُضُورِهِمِ الْإِشَاعَةُ وَالنَّشْرُ وَالْإِذَاعَةُ. ٩٥ - وَلَا يَنْتَهِي الْأَمْرُ عِنْدِي إِلَى حَدِّ الْقَطْعِ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ يَصِيرُ إِلَى انْعِقَادِ الْإِمَامَةِ فِي الِاسْتِخْلَاءِ، وَمَا تَعَلَّقَ بِهِ الْقَاضِي ﵀ مِنْ أَنَّ عُمَرَ ﵁ لَمْ يُبَايِعْ أَبَا بَكْرٍ ﵁ فِي الْخَلْوَةِ. قُلْنَا: يُمْكِنُ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ فِي الِاسْتِصْوَابِ ; فَإِنَّهُ لَوْ عُقِدَ سِرًّا فَرُبَّمَا يَتَّفِقُ عَقْدٌ فِي الْعَلَانِيَةِ جَهْرًا، وَعَقْدُ السِّرِّ سَابِقٌ، وَكَانَ الشَّرْعُ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ عَقْدِ السِّرِّ. ثُمَّ رُبَّمَا كَانَ الْأَمْرُ يَنْجَرُّ إِلَى إِنْكَارٍ وَجُحُودٍ، وَنِزَاعٍ فِي مَقْصُودٍ ; وَمَسِّ الْحَاجَةِ إِلَى شُهُودٍ. وَقَدْ نُدِبْنَا إِلَى الْإِشْهَادِ عَلَى الْبُيُوعِ، فَكَانَ تَأْخِيرُ عَقْدِ الْبَيْعَةِ إِلَى الْإِعْلَانِ لِهَذَا الشَّأْنِ. ٩٦ - فَأَمَّا لَوْ فُرِضَ رَجُلٌ عَظِيمُ الْقَدْرِ، رَفِيعُ الْمَنْصِبِ، ثُمَّ صَدَرَتْ

стр. 72

مِنْهُ بَيْعَةٌ لِصَالِحٍ لَهَا سِرًّا، وَتَأَكَّدَتِ الْإِمَامَةُ لِهَذَا السَّبَبِ بِالشَّوْكَةِ الْعُظْمَى، فَلَسْتُ أَرَى إِبْطَالَ الْإِمَامَةِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ قَطْعًا. وَلَكِنَّ الْمَسْأَلَةَ مَظْنُونَةٌ مُجْتَهَدٌ فِيهَا، وَمُعْظَمُ مَسَائِلِ الْإِمَامَةِ عَرِيَّةٌ عَنْ مَسْلَكِ الْقَطْعِ، خَلِيَّةٌ عَنْ مَدَارِكِ الْيَقِينِ. انْتَهَى مَبْلَغُ غَرَضِنَا مِنْ صِفَاتِ الْعَاقِدِينَ وَعَدَدِهِمْ.

стр. 73

[الْبَابُ الرَّابِعُ فِي صِفَاتِ الْإِمَامِ الْقَوَّامِ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ] [ أقسام الصِّفَاتُ الْمَرْعِيَّةُ فِي الْأَئِمَّةِ الصفات التي تتعلق بالحواس] الْبَابُ الرَّابِعُ. فِي صِفَاتِ الْإِمَامِ الْقَوَّامِ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ. ٩٧ - الصِّفَاتُ الْمَرْعِيَّةُ فِي الْأَئِمَّةِ تَنْقَسِمُ أَقْسَامًا. مِنْهَا: * مَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَوَاسِّ. * وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَعْضَاءِ. * وَمَا يَرْتَبِطُ بِالصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ. * وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْفَضَائِلِ الْمُكْتَسَبَةِ.

стр. 74

٩٨ - فَأَمَّا الْقَوْلُ فِي الْحَوَاسِّ، وَذِكْرُ مَا فِيهَا مِنَ الْخِلَافِ وَالْوِفَاقِ بَيْنَ النَّاسِ، فَنَحْنُ نُوَضِّحُ مَا يُزِيلُ دَوَاعِيَ الِالْتِبَاسِ. فَأَمَّا الْبَصَرُ، فَلَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِهِ ; لِأَنَّ فَقْدَهُ مَانِعُ الِانْتِهَاضِ فِي الْمُلِمَّاتِ وَالْحُقُوقِ، وَيَجُرُّ ذَلِكَ إِلَى الْمُعْضِلَاتِ عِنْدَ مَسِيسِ الْحَاجَاتِ، وَالْأَعْمَى لَيْسَ لَهُ اسْتِقْلَالٌ بِمَا يَخُصُّهُ مِنَ الْأَشْغَالِ، فَكَيْفَ يَتَأَتَّى مِنْهُ تَطَوُّقُ عَظَائِمِ الْأَعْمَالِ؟ ، وَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْأَشْخَاصِ فِي مَقَامِ التَّخَاطُبِ، وَانْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ يُغْنِي عَنِ الْإِطْنَابِ، وَلَكِنَّ مَقْصِدَنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ، التَّعَرُّضُ لِمَعَانِي الْإِيَالَةِ فِي أَدْرَاجِ الْأَبْوَابِ. ٩٩ - وَمِمَّا نَشْتَرِطُ مِنَ الْحَوَاسِّ السَّمْعُ، فَالْأَصَمُّ الْأَصْلَمُ الَّذِي يَعْسُرُ جِدًّا سَمَاعُهُ لَا يَصْلُحُ لِهَذَا الْمَنْصِبِ الْعَظِيمِ ; لِمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي الْبَصَرِ. وَلَا يَضُرُّ الْوَقْرُ وَالطَّرَشُ، كَمَا لَا يَضُرُّ كَلَالُ الْبَصَرِ وَالْعَمَشُ. ١٠٠ - وَمِمَّا يَلْتَحِقُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ نُطْقُ اللِّسَانِ ; فَالْأَخْرَسُ لَا يَصْلُحُ لِهَذَا الشَّأْنِ. ١٠١ - وَأَمَّا حَاسَّةُ الشَّمِّ وَالذَّوْقِ، فَلَا أَثَرَ لَهُمَا فِي الْإِمَامَةِ وُجِدَتَا أَوْ فُقِدَتَا.

стр. 75

فَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَوَاسِّ وَمَا فِي مَعْنَاهَا. ١٠٢ - فَأَمَّا مَا يَرْتَبِطُ بِنُقْصَانِ الْأَعْضَاءِ، فَكُلُّ مَا لَا يُؤَثِّرُ عَدَمُهُ فِي رَأْيٍ، وَلَا عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الْإِمَامَةِ، وَلَا يُؤَدِّي إِلَى شَيْنٍ ظَاهِرٍ فِي الْمَنْظَرِ، فَلَا يَضُرُّ فَقْدُهُ، وَيَجُوزُ عَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ نَصْبُ الْمَجْبُوبِ، وَالْخَصِيِّ، لِمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ. ١٠٣ - وَأَمَّا مَا يُؤَثِّرُ عَدَمُهُ فِي الِانْتِهَاضِ إِلَى الْمَآرِبِ وَالْأَغْرَاضِ كَفَقْدِ الرِّجْلَيْنِ وَالْيَدَيْنِ، فَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ مُعْظَمُ الْعُلَمَاءِ تَنْزِيلُ هَذِهِ الْآفَاتِ وَالْعَاهَاتِ مَنْزِلَةَ الْعَمَى وَالصَّمَمِ وَالْخَرَسِ، وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَنْعَقِدْ فِيهِ إِجْمَاعُ انْعِقَادِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ، فَلَسْتُ أَرَاهُ مَقْطُوعًا بِهِ ; فَإِنَّ تَعْوِيلَ الْإِمَامَةِ عَلَى الْكِفَايَةِ وَالنَّجْدَةِ، وَالدِّرَايَةِ وَالْأَمَانَةِ، وَالزَّمَانَةِ لَا تُنَافِي الرَّأْيَ، وَتَأْدِيَةَ حُقُوقِ الصِّيَانَةِ، وَإِنْ مَسَّتِ الْحَاجَةُ إِلَى نَقْلِهِ، فَاحْتِمَالُهُ عَلَى الْمَرَاكِبِ يَسْهُلُ، فَلْيَلْحَقْ هَذَا بِالْفُنُونِ الَّتِي يَجُولُ فِيهَا أَسَالِيبُ الظُّنُونِ. ١٠٤ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَطْعِ إِحْدَى الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ. وَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّ الْأَمْرَ إِذَا لَمْ يَنْتَهِ إِلَى الزَّمَانَةِ وَالصَّمَامَةِ وَكَانَ الْمَأْوُوفُ بِحَيْثُ يَسْتَمْسِكُ عَلَى الْمَرَاكِبِ، فَلَا أَثَرَ لِلنَّقْصِ الَّذِي بِهِ مَعَ صِحَّةِ الْعَقْلِ وَالرَّأْيِ.
следующие страницы →