Полный текст (1 270 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
م/ وإن لم تحيض - كالصغيرة، ومن لم تحض، والآيسة - فعدتها ثلاثة أشهر لقوله تعالى (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ).
ذكر المصنف ﵀ عدة بعض النساء وهن: الصغيرة: التي لم يأتها الحيض بعد، أو البالغات اللائي لم يأتهن حيض بالكلية، والآيسة: وهي من أيست من الحيض.
فهذا النوع من المعتدات عدتهن ثلاثة أشهر، للآية التي ذكرها المصنف ﵀ (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ)، فكل شهر مقابل حيضة.
• وقد اختلف العلماء في سن اليأس، فبعض العلماء يرى أنه سن الخمسين، وبعضهم: يرى أنه يختلف باختلاف النساء، وليس له سن معين تتفق فيه النساء، لأن اليأس ضد الرجاء، فإذا كانت المرأة قد يئست من الحيض لم ترج رجوعه فهي آيسة، سواء كان لها أربعون أو خمسون أو أقل من ذلك أو أكثر، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
стр. 1052
م/ فإن كانت تحيض وارتفع حيضها لرضاع أو نحوه انتظرت حتى يعود الحيض فتعتد به.
أي: فإن كانت مما تحيض لكن ارتفع حيضها بسبب معلوم كرضاع أو مرض أو غيرهما، كدواء يمنع نزول الحيض وقد تناولته، فإنها تبقى في عدتها حتى يعود الحيض فتعتد به وإن طال الزمن، لأنها مطلقة لم تيأس من الحيض، فلا تزال في عدة حتى يعود الحيض، أو تبلغ سن الإياس فتعتد عدته.
وذهب بعض العلماء إلى أنها تنتظر زوال ما رفع الحيض، كانتهاء الرضاع، أو الشفاء من المرض، فإن عاد الحيض عند زوال ما رفعه اعتدت به، وإلا اعتدت سنة، كالتي ارتفع حيضها ولم تدر سببه، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال صاحب الإنصاف: وهو الصواب، وهذا هو اللائق بيسر الإسلام وسهولته، لأن القول الأول فيه مشقة عظيمة وحرج لا تأتي الشريعة بمثله.
стр. 1053
م/ وان ارتفع ولا تدري ما رفعه، انتظرت تسعة أشهر احتياطاً للحمل، ثم اعتدت بثلاثة أشهر.
أي: من ارتفع حيضها ولا تدري سبب رفعه، فتعتد سنة، تسعة أشهر للحمل، لأنها غالب مدة الحمل، وثلاثة أشهر للعدة. لأنه يحتمل أن تكون حاملاً، فتعتد تسعة أشهر لأن هذا غالب الحمل، فإن مكثت تسعة أشهر وتبين أنها غير حامل، فإنها تعتد ثلاثة أشهر للحيض.
وهذا القول هو الصحيح في هذه المسألة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: يعني امرأة من ذوات الحيض عمرها ثلاثون سنة، لم تبلغ سن اليأس، ارتفع حيضها، فطلقها زوجها، وهي في هذه الحال، فتعتد سنة، لأن ذلك هو الذي روي عن عمر، وقضى به الصحابة، هذا من حيث الاستدلال بالأثر، أما النظر فلاحتمال أنها حامل تعتد تسعة أشهر، لأن ذلك غالب الحمل، ولاحتمال أنها آيسة تعتد ثلاثة أشهر، لأن عدة الآيسة والتي لم تحض ثلاثة أشهر، فتعتد اثني عشر شهراً من فراق زوجها لها، وهذا من باب الاحتياط.
стр. 1054
م/ وإذا ارتابت بعد انقضاء العدة لظهور أمارات الحمل لم تتزوج حتى تزول الريبة.
أي: لو أن المرأة اعتدت سنة وانتهت، وبعد السنة ظهر عندها ريبة في بطنها مما يشكك وجود حمل، فهنا لا تتزوج حتى تزول الريبة.
وتزول الريبة: إما بظهور الحمل، أو تيقن عدم الحمل، إما بكلام طبيب أو نزول حيض.
стр. 1055
م/ وامرأة المفقود تنتظرُ حتى يحكمَ بموتهِ، بحسب اجتهاد الحاكم ثم تعتد.
أي: ومن المعتدات امرأة المفقود، وهو من خفي أمره فلم يعلم أحي هو أم ميت؟ لسفر أو أسر ونحوهما.
وما ذكره المصنف ﵀ هنا هو القول الراجح الصحيح في هذه المسألة، وهو أنه يرجع في تقدير مدة الانتظار إلى اجتهاد الحاكم، لعدم الدليل على التحديد، لأنه إذا تعذر الوصول إلى اليقين، يُرجع إلى غلبة الظن في كل مسائل الدين، فيجتهد الحاكم في تقدير مدة الانتظار، ويختلف ذلك باختلاف الأزمنة والبلدان والأشخاص واختلاف وسائل البحث.
وقد ذهب بعض العلماء إلى أنه إذا كان ظاهر غيبته الهلاك انتظر به أربع سنين منذ فُقِد، وإن كان ظاهر غيبته السلامة انتظر به تمام تسعين سنة منذ ولد، لكن هذا القول ضعيف.
وهم استدلوا بآثار وردت عن الصحابة، لكن هذه الآثار قضايا أعيان، وقضايا الأعيان لا تقتضي العموم.
مثال: فمن فقد وعمره (٨٠) سنة، فإن كان غالب سفره الهلاك انتظر أربع سنين، وإن كان غالب سفره السلامة انتظر عشر سنوات.
• فإذا حكم الحاكم وقضى بأنه ينتظر سنتين، فبعد مرور السنتين نحكم بموته، وبعد ذلك تعتد المرأة أربعة أشهر وعشراً، وبعد هذه العدة لها أن تتزوج.
стр. 1056
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
• فإن تزوجت امرأة المفقود:
إن تزوجت امرأة المفقود بعد خروجها من العدة، ثم قدم زوجها الأول:
الحالة الأولى: إن كان قدومه قبل وطء الثاني فهي للأول. لماذا؟ قالوا: لأنه لما قدم الزوج الأول تبيّن أن نكاح الثاني باطل، لأنه نكاح امرأةٍ ذات زوج، ونكاح المرأة ذات الزوج باطل.
الحالة الثانية: أن يكون قدومه بعد وطء الثاني، فهو يخيّر الزوج الأول، فإن شاء استردها، وإن شاء أبقاها مع الزوج الثاني.
فإن استردها فهل يحتاج إلى تجديد عقد؟ الجواب: لا، لأنها زوجة له.
وإن اختار أن تبقى عند الثاني؟ فهل يحتاج الثاني إلى تجديد عقد؟ الجواب: لا يحتاج إلى تجديد عقد لأن هذا العقد صحيح في حكم الظاهر. وقيل: لابد من تجديد العقد، وهذا أقيس لأنه بقدوم الأول تبين أن نكاح الثاني باطل.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أن الزوج الأول له الخيار حتى لو قبل الوطء، فإن اختار أن يأخذها فله ذلك وان اختار أن يتركها مع الثاني فله ذلك.
• بالنسبة لبعد الوطء واختار الزوج الأول أن يأخذها، فإنه لا يطأ حتى تعتد من الثاني.
• وإن اختار أن تبقى مع الثاني؟ المذهب لا يحتاج الثاني لتجديد عقد، وقيل: لابد من تجديد العقد، وهذا أصح.
• بالنسبة للصداق: إذا اختار أن تبقى مع الثاني؟ الزوج الأول يرجع للزوج الثاني، ويرجع بما أعطاها هو.
ويرجع الثاني على الزوجة عند بعض العلماء، وقيل: لا يرجع الثاني على المرأة إلا إذا كان منها غرور بحيث لم تعلمه بأنها امرأة مفقود، أما إذا أعلمته بأنها امرأة مفقود فلا يرجع، لأنه دخل على بينّة وبصيرة.
стр. 1057
باب الإحداد
م/ ويلزم في مدة هذه العدة أن تُحد المرأة.
ذكر المصنف ﵀ في هذا الباب أحكام الإحداد.
الإحداد لغة المنع، ومنه سمي البواب حداداً لمنعه الداخل. وشرعاً: تربص تجتنب فيه المرأة ما يدعو إلى جماعها أو يرغب في النظر إليها من الزينة وما في معناها مدة مخصوصة.
• وحكمه واجب على المرأة المتوفى عنها زوجها، سواء كانت مدخولاً بها أم لا.
لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً).
قال ابن كثير: هذا أمر من الله للنساء اللواتي يتوفى عنهن أزواجهن أن يعتدن أربعة أشهر وعشراً.
عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ، إلاَّ عَلَى زَوْجٍ: أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) متفق عليه.
وعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (لا تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى الْمَيِّتِ فَوْقَ ثَلاثٍ، إلا عَلَى زَوْجٍ: أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً، وَلا تَلْبَسُ ثَوْباً مَصْبُوغاً إلاَّ ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلا تَكْتَحِلُ، وَلا تَمَسُّ طِيباً، إلاَّ إذَا طَهُرَتْ: نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ).
فالحديث ظاهر في المنع من الإحداد على أحد فوق ثلاث إلا الزوج، فإنه يحد عليه أربعة أشهر وعشراً، ويدل لذلك رواية مسلم: ( … إلا على زوجها فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشراً) فقوله ﷺ : (فإنها تحد) خبر بمعنى الأمر.
• الحكمة من الإحداد:
أولاً: تعظيم خطر هذا العقد ورفع قدره.
ثانياً: تعظيم حق الزوج وحفظ عشرته.
ثالثاً: تطييب نفس أقارب الزوج ومراعاة شعورهم.
رابعاً: سد ذريعة تطلع المرأة للنكاح أو تطلع الرجال إليها.
خامساً: موافقة الطباعة البشرية.
стр. 1058
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
• أن الإحداد خاص بالنساء. لقوله: (لا يحل لامرأة … ).
ولإجماع المسلمين على أنه لا إحداد على الرجل.
• جواز إحداد المرأة على غير زوجها، كالأخ، أو الأب، أو أم، أو أي قريب - ثلاثة أيام فأقل، لكنه غير واجب.
فحديث الباب يدل على الجواز والإباحة.
قال الحافظ ابن حجر: وليس ذلك واجباً لاتفاقهم على أن الزوج لو طالبها بالجماع لم يحل لها منعه في تلك الحال.
• قوله ﷺ (لامرأة … ) تمسك بمفهومه الحنفية، فقالوا: لا يجب الإحداد على الصغيرة.
وذهب جمهور العلماء على وجوب الإحداد عليها، قالوا: أن التقييد بالمرأة خرج مخرج الغالب، واستدلوا أيضاً بحديث أم سلمة وفيه: (جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول، إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها أفنكحلها؟ قال: لا).
وجه الدلالة: قال القرطبي: ولم يسأل عن سنها حتى يبين الحكم، وتأخير البيان في مثل هذا لا يجوز.
• قوله ﷺ (تؤمن بالله واليوم الآخر … ) استدل به الحنفية بأن لا إحداد على الذمية، للتقييد بالإيمان.
وذهب جمهور العلماء إلى وجوب الإحداد على الكتابية.
لعموم الأدلة الموجبة للإحداد، فإن الأدلة لم تفرق بين مسلمة وكتابية.
وهذا القول هو الصحيح.
وأما المراد بقوله ﷺ : (تؤمن بالله واليوم الآخر … ) الإغراء، أي إغراء المرأة على الفعل.
• يجب الإحداد على المجنونة، وهذا مذهب جماهير العلماء.
لعموم الأدلة الدالة على وجوب الإحداد.
стр. 1059
م/ بأن تترك الزينة.
ذكر المصنف ﵀ ما تجتنبه المحادة زمن إحدادها ومن ذلك: الزينة.
فيحرم على المحادة أن تلبس كل ما فيه زينة من الثياب.
لحديث أم عطية: ( … ولا تلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عصْب). متفق عليه
وفي حديث أم سلمة عند أبي داود: ( … ولا تلبس المعصفر من الثياب، ولا الممشَّقة … ).
(الممشقة: المصبوغة بالمشق، بكسر الميم، وهو الطيب الأحمر).
• ذهب بعض العلماء إلى أن المحادة لا تلبس النقاب، لأن المعتدة من وفاة زوجها مشبهة بالمحْرِمَة، والمحرمة تمنع من ذلك، لكن هذا القول فيه بعد.
стр. 1060
م/ والطيب.
أي: ومما يحرم على المحادة أن تتطيب.
قال ابن قدامة: ولا خلاف في تحريمه عند من أوجب الإحداد.
لحديث أم عطية: ( … ولا تمس طيباً).
قال ابن قدامة: ولأن الطيب يحرك الشهوة، ويدعو إلى المباشرة.
• الأدهان غير المطيبة لا بأس أن تستعملها المحادة لأنها ليست طيباً، فلا يشملها النص.
• استثنى النبي ﷺ الشيء اليسير عند الطهر للحاجة، لقوله ( … إلاَّ إذَا طَهُرَتْ: نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ).
стр. 1061
م/ والحلي.
أي: ومما يحرم على المحادة لبس الحلي بأنواعه.
قال ابن المنذر: أجمعوا على منع المرأة المحادة من لبس الحلي.
لحديث أم سلمة عند أبي داود: ( … ولا تلبس الحلي … ).
• وهذا المنع شامل لما ظهر من الحلي وما استتر تحت الثياب.
• الحلي يشمل كل ما تتجمل به المرأة وتتحلى به من قرط أو سوار أو خاتم، سواء ذلك من فضة أو غيرها.
• ما كان بمعنى الذهب والفضة فله حكم الحلي، لأن قوله ﷺ : (ولا الحلي) والحلي اسم يصدق على الذهب والفضة وغيره كاللؤلؤ والزمرد والألماس.
• إذا كانت المحادة متلبسة بشيء من الحلي قبل وفاة زوجها، فإن الواجب عليها إزالة ما يمكن إزالته منها.
стр. 1062
م/ والتحسين بحناء ونحوه.
أي: ومما يحرم على المحادة الخضاب بالحناء ونحوه.
ففي حديث أم سلمة: (ولا تختضب … ). رواه أبو داود
قال ابن القيم: فيحرم عليها الخضاب والنقش والحمرة، فإن النبي ﷺ نص على الخضاب منبهاً على هذه الأنواع التي هي أكثر زينة منه وأعظم فتنة، وأشد مضادة لمقصود الحداد.
• ومما تجتنبه أيضاً الكحل.
لحديث أم عطية: ( … ولا تكتحل … ). متفق عليه
وحديث أم سلمة قالت: (جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها، أفنكحلها؟ فقال رسول الله ﷺ : لا). متفق عليه، فلم يرخص لها النبي ﷺ مع حاجتها إليه.
• اختلف العلماء في الكحل للضرورة:
قيل: لا يجوز الاكتحال مطلقاً لضرورة أم لغير ضرورة، وهذا قول ابن حزم.
لحديث أم سلمة الذي فيه منعه ﷺ المحادة من الاكتحال مع حاجتها إليه.
وذهب جمهور العلماء: إلى جوازه إذا اضطرت إليه تداوياً لا زينة، فلها الاكتحال ليلاً لا نهاراً.
واستدلوا بحديث أم سلمة قالت: ( … دخل علي رسول الله ﷺ حين توفي أبو سلمة، وقد جعلت علي صبْراً، فقال: ما هذا يا أم سلمة، فقلت: إنما هو صبر يا رسول الله ليس فيه طيب، فقال: إنه يشب الوجه، فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار). وهذا الحديث صححه بعضهم وضعفه بعضهم.
وهذا القول هو الصحيح.
стр. 1063
م/ وأن تلزم بيتها الذي مات زوجها وهي فيه، فلا تخرج منه إلا لحاجتها نهاراً.
فيجب عليها لزوم بيت زوجها الذي توفي عنها وهي فيه، وهذا مذهب أكثر العلماء.
واستدلوا بحديث الفريعة بنت مالك: (جاءت إلى رسول الله ﷺ تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خُدرة، فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا [أي هربوا] حتى إذا كانوا بطرف القدوم لحقهم فقتلوه، فسألت رسول الله ﷺ أن أرجع إلى أهلي … الحديث وفيه: قال لها: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله، قالت: فاعتدت فيه أربعة أشهر وعشراً). رواه أبو داود
وذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يلزمها لزوم بيت زوجها، بل تعتد حيث شاءت.
وهذا قول علي وابن عباس وجابر، وهو قول ابن حزم.
• خروج المحادة من منزلها له أحوال:
أولاً: أن يكون لضرورة، فيجوز ليلاً أو نهاراً.
مثل: إذا خيف هدم، أو عدو، أو حريق، أو كانت الدار غير حصينة يخشى فيها من اقتحام اللصوص، أو كانت بين فسقة تخاف على نفسها، فإن لها الانتقال.
ثانياً: الخروج المؤقت، فهذا جائز إذا كان لحاجة نهاراً.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
واستدلوا بحديث الفريعة السابق، ووجه الدلالة فيه: أن النبي ﷺ لم ينكر عليها خروجها من منزلها لما جاءته سائلة عن جواز انتقالها.
ثالثاً: إذا كان لغير حاجة ولا ضرورة، فلا يجوز.
• لو بلغها الخبر وهي في بيت غير بيتها، فذهب أكثر العلماء إلى أنه يجب عليها الاعتداد في المنزل الذي توفي زوجها وهي فيه، فإذا بلغها الخبر وهي في غيره وجب عليها الرجوع.
• إذا انتقلت المحادة لسبب من الأسباب، هل يلزمها المسكن الأقرب؟
الصحيح أن المحادة إذا انتقلت فلها أن تسكن حيث شاءت، ولا يلزمها في أقرب مسكن كما قال به بعض الفقهاء.
• إن تركت الإحداد أثمت وأتمت عدتها بمضي زمانها.
• أحدث بعض الناس أموراً في الإحداد لا أصل لها في الشرع، منها:
• التزام بعض النساء لباساً معيناً (كالأسود) للإحداد.
• امتناع المحادة من مشط شعرها.
• امتناع المحادة من الاغتسال للتنظف.
• امتناع المحادة عن العمل في بيتها من خياطة وغيرها.
• امتناع المحادة من البروز للقمر.
• امتناع المحادة من الظهور على سطح البيت.
стр. 1064
م/ ولا تجب النفقة إلا للمعتدة الرجعية.
أي: ولا تجب النفقة على المعتدات إلا للزوجة الرجعية، فإنه يجب لها النفقة والسكنى لقوله تعالى (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ) فسمى الله المطلِّق بعلاً، والبعل الزوج.
ولأنها في حكم الزوجات، فتشملها النصوص من الكتاب والسنة التي تدل على وجوب النفقة على الزوجة.
وهذا الأمر مجمع عليه كما قال الإمام النووي ﵀.
وقال ابن عبد البر: لا خلاف بين علماء الأمة أن اللواتي لأزواجهن عليهن الرجعة لهن النفقة وسائر المؤنة على أزواجهن، حوامل كن أو غير حوامل، لأنهم في حكم الزوجات في النفقة والسكنى والميراث ما كنّ في العدة.
стр. 1065
م/ أو لمن فارقها وزوجها في الحياة وهي حامل لقوله تعالى (وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ).
أي: ومما يجب لها النفقة المطلقة البائن [بفسخ أو طلاق] وهي حامل، لقوله تعالى (وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ).
قال ابن عبد البر: فإن كانت المبتوتة حاملاً فالنفقة لها بإجماع العلماء.
قال القرطبي: لا خلاف بين العلماء في وجوب النفقة والسكنى للحامل المطلقة ثلاثاً، أو أقل منهن حتى تضع حملها.
• وقد اختلف العلماء هل النفقة للحمل أو النفقة لها من أجل الحمل؟
والراجح أن النفقة للحمل ولها من أجله، لكونها حاملاً بولده، فهي نفقة عليه لا عليها لكونها زوجة، وعلى هذا القول تجب النفقة ولو كانت الزوجة ناشزاً، لأنه ولده فلزمته نفقته.
• ومفهوم كلامه أن المطلقة البائن غير الحامل لا نفقة لها، وهذه المسألة اختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال:
القول الأول: لا نفقة لها ولا سكنى.
وهذا مذهب الإمام أحمد، وهذا القول هو الصحيح.
عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ (أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ، وَهُوَ غَائِبٌ) وَفِي رِوَايَةٍ (طَلَّقَهَا ثَلاثاً - فَأَرْسَلَ إلَيْهَا وَكِيلَهُ بِشَعِيرٍ، فَسَخِطَتْهُ. فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ: فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: [لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ وَلا سُكْنَى] فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قَالَ: تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي، اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ. فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى، تَضَعِينَ ثِيَابَكِ، فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي. قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمَّا أَبُو جَهْمٍ: فَلا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ. وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ: فَصُعْلُوكٌ لا مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَكَرِهَتْهُ ثُمَّ قَالَ: انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَنَكَحَتْهُ. فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً، وَاغْتَبَطَتْ بِهِ) متفق عليه.
فهذا الحديث نص في الباب.
القول الثاني: لها السكنى دون النفقة.
وهذا قول عائشة وهو مذهب عائشة وفقهاء المدينة السبعة.
واستدلوا بقوله تعالى (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُم).
لكن هذا القول ضعيف، لأن الآية جاءت في حكم الرجعية لا في حكم البائن، ويوضح ذلك قوله تعالى (لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً)، وإحداث الأمر معناه تغيره نحو الزوجة ورغبته فيها في زمن العدة، وهو مستحيل في البائن.
القول الثالث: لها النفقة والسكنى.
وهذا مذهب أبي حنيفة، وهذا القول ضعيف.
стр. 1066
باب الاستبراء
الاستبراء: لغة طلب البراءة.
واصطلاحاً: تربص يقصد منه العلم ببراءة الرحم.
م/ فلا يطؤها بعد زوج أو سيد حتى تحيض حيضة واحدة، وإن لم تكن من ذوات الحيض تستبرأ بشهر، أو وضع حملها إن كانت حاملاً.
أي: إذا اشترى أمَة أو وهبتْ له أو ملكها بعد زوج، فلا يجوز أن يجامعها حتى يستيرئها بحيضة، ليعلم براءة رحمها، لأنها قد تكون حاملاً من مالكها الأول، وإن كانت حاملاً فلا يطأها حتى تضع.
وقد جاء في الحديث عن رويفع بن ثابت أن رسول الله ﷺ قال (لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره) رواه أبو داود. [لا يحل] أي: يحرم. [أن يسقي ماءه زرع غيره] أي: أن يطأ امرأة وهي حبلى من غيره.
وعن أبي سعيد. قال: قال ﷺ في سبي أوطاس (لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة). رواه أبو داود قوله (فلا يطؤها … ) ظاهره أن الاستبراء واجب مطلقاً، سواء ملك الأمة من طفل أو امرأة، وقد ذهب إلى ذلك بعض العلماء، وقالوا بوجوب الاستبراء مطلقاً لعموم الأدلة.
وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يجب استبراء الأمة إذا ملكها من طفل أو امرأة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، لأن المقصود من الاستبراء العلم ببراءة الرحم، فحيث تيقنَ المالك براءة رحم الأمَة فله وطؤها ولا استبراء عليه.
• والاستبراء قد يكون في غير الإماء، فالمزني بها تستبرأ بحيضة وليس عليها عدة، وكذا الموطوءة بشبهة تستبرأ بحيضة على القول الراجح.
стр. 1067
باب النفقات للزوجات والأقارب والمماليك.
تعريفها:
النفقات جمع نفقة: وهي كفاية من يمونه طعاماً وشراباً وكسوة وسكنى وعفافاً.
وأسباب النفقة ثلاثة: الزوجية _ والقرابة _ والملك.
• وبدأ المصنف ﵀ بالنفقة على الزوجات لأمرين:
أولاً: لأنها أقوى النفقات.
ثانياً: لأنها معاوضة، فتطالب بها أو لها الفسخ.
م/ على الإنسان نفقة زوجتِه وكسوتها ومسكنها بالمعروف بحسب حال الزوج.
أي: يجب على الزوج أن ينفق على زوجته [من طعام وشراب] وكسوتها [من لباس ونحوه] ومسكنها.
قال ابن قدامة: (نفقة الزوجة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع).
قال تعالى (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ).
وقال تعالى (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ).
وعن جابر. أن رسول الله ﷺ خطب الناس فقال (اتقوا الله في النساء … ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف) رواه مسلم.
وعن عائشة. قالت (دخلت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان على رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بنيّ إلا ما أخذت من ماله بغير علمه، فهل عليّ في ذلك من جناح؟ فقال: خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك) متفق عليه.
وفي سنن أبي داود أن النبي ﷺ لما سئل عن حق الزوجة على زوجها قال (أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت).
ومن جهة المعنى: أن المرأة محبوسة على الزوج بمنعها من التصرف والاكتساب للتفرغ لحقه، فلا بد أن ينفق عليها كالعبد مع سيده.
وقال ابن قدامة: اتفق أهل العلم على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن إذا كانوا بالغين إلا الناشزين، ذكره ابن المنذر وغيره.
وقال الحافظ ابن حجر: وانعقد الإجماع على الوجوب.
• والنفقة على الزوجة فضلها عظيم:
عن أبي مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة). متفق عليه
وعن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله ﷺ قال: (إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في فيّ امرأتك). متفق عليه
• قوله (بحسب حال الزوج) أي أن المعتبر بالإنفاق حال الزوج لا حال الزوجة لقوله تعالى (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا) وهذا مذهب الشافعي وهو الصحيح، فالآية نص صريح في اعتبار النفقة بحال الزوج، فيجب العمل به.
وعلى هذا القول: فإذا كان فقيراً فليس لها إلا نفقة فقير، وإذا كان غنياً ألزم بنفقة غني ولو كانت الزوجة فقيرة.
وذهب بعض العلماء إلى أن المعتبر حال الزوجة وهو قول مالك وأبي حنيفة لقوله ﷺ لهند (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)، وعلى هذا القول: فإذا كانت فقيرة، فليس لها إلا نفقة فقيرة ولو كان زوجها من أغنياء العالم.
стр. 1068
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال بعضهم: المعتبر بحالهما، والراجح الأول.
• قوله (بالمعروف) لقوله ﷺ لهند (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف).
فأمرها أن تأخذ الكفاية بالمعروف، ولم يقدر لها نوعاً ولا قدراً، ولو تقدر ذلك بشرع أو غيره لبين لها القدر والنوع كما بين فرائض الزكاة والديات.
وفي خطبة النبي ﷺ قال (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف).
قال الحافظ ابن حجر عند شرحه لحديث هند: وفيه وجوب نفقة الزوجة، وأنها مقدرة بالكفاية، وهو قول أكثر العلماء.
وذهب الشافعي إلى أنها مقدرة بالأمداد فعلى الموسر كل يوم مدان والمتوسط مد ونصف والمعسر مد، وهذا القول ضعيف.
• إذا اعسر الزوج عن نفقة زوجته واختارت فراقة فإنه يفرق بينهما.
وهذا مذهب جمهور العلماء.
أ- لحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (أفضل الصدقة ما ترك غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول) رواه البخاري.
تقول المرأة: إما أن تطعمني وإما أن تطلقني، .. فقيل: سمعت هذا من رسول الله ﷺ ، قال: لا، هذا من كيس أبي هريرة.
ب- وعن سفيان عن أبي الزناد قال (سألت سعيد بن المسيب عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته أيفرق بينهما؟ قال: نعم، قلت: سنة، قال: سنة) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه.
ج- وقياساً على الرقيق والحيوان، قالوا: إن من أعسر بالإنفاق عليه أجبر على بيعه اتفاقاً.
وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يفرق بينهما، لأنه لم يرد عن النبي ﷺ أنه فرق بين رجل وامرأته بسبب الإعسار، وقال ابن القيم: ولم تزل الناس تصيبهم الفاقة بعد اليسار ولم ترفعهم أزواجهم إلى الحكام ليفرقوا بينهم وبينهن.
стр. 1069
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
• لا نفقة على الناشز.
فلا نفقة للناشز ما دامت قائمة على نشوزها.
قال ابن قدامة في المغني: معنى النشوز: معصيتها لزوجها فيما له عليها مما أوجبه له النكاح .. فمتى امتنعت من فراشه أو خرجت من منزله بغير إذنه أو امتنعت من الانتقال معه إلى مسكن مثلها أو السفر معه فلا نفقة لها ولا سكنى في قول عامة أهل العلم.
• حديث هند وبعض فوائده:
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (دَخَلَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ - امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ - عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، لا يُعْطِينِي مِنْ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ، إلاَّ مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ. فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ). متفق عليه
بعض فوائده:
١ - وجوب إنفاق الزوج على زوجته، كما تقدم.
٢ - أن نفقة الزوجة مقدرة بالكفاية لا بالأمداد، لقوله: (بالمعروف)، كما تقدم.
وهذا مذهب الجماهير من العلماء.
لحديث الباب وفيه: (خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك … ).
وذهب الشافعي إلى أنها مقدرة بالأمداد، لكن هذا قول ضعيف.
ولذا قال النووي: وهذا الحديث - حديث هند - يرد على أصحابنا، فإن النبي ﷺ أمرها أن تأخذ الكفاية بالمعروف ولم يقدر لها نوعاً ولا قدراً.
стр. 1070
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
٣ - أنه لا يجوز للمرأة إذا أُذن لها بالأخذ من مال زوجها للنفقة أن تأخذ ما خرج عن العادة والعرف.
٤ - استدل بحديث هند على جواز الحكم على الغائب.
قال ابن القيم: ولا دليل فيه، لأن أبا سفيان كان حاضراً في البلد لم يكن مسافراً، والنبي ﷺ لم يسألها البينة ولا يُعطى المدعي بمجرد دعواه، وإنما كان هذا فتوى منه ﷺ .
٥ - استدل بالحديث على مسألة الظفر، وهي: أن للإنسان أن يأخذ من مال غريمه إذا ظفر به بقدر حقه الذي جحده إياه.
قال ابن القيم: ولا يدل لثلاثة أوجه:
أحدها: أن سبب الحق ها هنا ظاهر، وهو الزوجية، فلا يكون الأخذ خيانة في الظاهر، فلا يتناوله قول النبي ﷺ : (أد الأمانة إلى من أئتمنك ولا تخن من خانك) ولهذا نص أحمد على المسألتين مفرقاً بينهما فمنع من الأخذ في مسألة الظفر، وجوّز للزوجة الأخذ، وعمل بكلا الحديثين.
الثاني: أنه يشق على الزوجة أن ترفعه إلى الحاكم، فيُلزمه بالإنفاق أو الفراق، وفي ذلك مضرة عليها مع تمكنها من أخذ حقها.
الثالث: أن حقها يتجدد كل يوم، فليس هو حقاً واحداً مستقراً يمكن أن تستدين عليه، أو ترفعه إلى الحاكم بخلاف حق الدين.
٦ - قال ابن القيم: وفي حديث هند دليل على جواز قول الرجل في غريمه ما فيه من العيوب عند شكواه، وأن ذلك ليس بغيبة، ونظير ذلك قول الآخر في خصمه: يا رسول الله، إنه فاجر ولا يبالي ما حلف به.
٧ - وقال ﵀: وفيه دليل على تفرد الأب بنفقة أولاده ولا يشاركه فيها الأم وهذا إجماع من العلماء إلا قول شاذ لا يلتفت إليه، وأن على الأم من النفقة بقدر ميراثها.
٨ - أن الإنفاق في الزوجية من جانب واحد للزوج على زوجها.
٩ - ذم الشح، وأنه يمنع الإنسان ما وجب عليه.
١٠ - جواز سماع كلام الأجنبية للحاجة.
стр. 1071
م/ وعلى الإنسان نفقة أصوله وفروعه الفقراء إذا كان غنياً، وكذلك من يرثه بفرض أو تعصيب.
ذكر المصنف ﵀ في هذا الباب النفقة على الأقارب.
الأقارب: جمع قريب، وهو الاتصال بين شخصين بولادة قريبة أو بعيدة.
ذكر المصنف ﵀ شروط النفقة على الأقارب.
فقال (إذا كان غنياً).
فهذا الشرط الأول: غنى المُنفِق، فإن كان فقيراً فإنه لا يلزمه الإنفاق.
• والمراد بالغنى هنا: أن يفضل عن قوت نفسه وزوجته ورقيقه يوم وليلته.
والدليل على هذا الشرط قوله ﷺ (ابدأ بنفسك) رواه مسلم.
ولقوله ﷺ (لا ضرر ولا ضرار).
• وذكر الشرط الثاني فقال ( … وفروعهِ الفقراء).
فالشرط الثاني: عجز المنفَق عليه [أن يكونوا فقراء]، بأن يكون معدماً عاجزاً عن التكسب.
• فالمراد بالفقر هنا: فقر مال [بأن لا يجد مالاً]، وفقر عمل [إما لكونه ضعيفاً لا يستطيع العمل، وإما لكونه لا يجد عملاً].
• فإن كان غنياً بماله أو بكسبه فإنه لا نفقة له، لأنه إن كان غنياً بماله فالمال عنده، وإن كان غنياً بكسبه فإننا نلزمه بأن يكتسب.
• ثم ذكر ﵀ الشرط الثالث بقوله (وكذلك من يرثه بفرض أو تعصيب … ).
فالشرط الثالث: أن يكون المنفِق وارثاً للمنفَق عليه بفرض أو تعصيب.
سوى عمودي النسب فلا يشترط.
стр. 1072
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والدليل على وجوب نفقة القريب الذي يرثه المنفِق بفرض أو تعصيب قوله تعالى (وعلى الوارث مثل ذلك).
ولأن بين المتوارثين قرابة تقتضي كون الوارث أحق بمال الموروث من سائر الناس.
الراجح أنه تجب النفقة على الوارث برحم، كالخال والخالة، لأنه يرث بالرحم وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. [ذوو الأرحام من الأصول: كل ذكر بينه وبين المنفِق أنثى كأب الأم، وذوو الأرحام من الفروع: هم كل من بينه وبين المنفِق أنثى كابن البنت].
مثال: ابن أختٍ غني له خال فقير، وهذا الخال ليس له أحد يرثه سوى ابن أخته، الراجح يجب الإنفاق عليه لأنه يرث.
أمثلة:
رجل عنده أب فقير وجد فقير، فيجب أن ينفق على أبيه، لأنه ابنه ووارثه، ويجب أن ينفق على جده مع أنه لا يرثه في هذه الصورة.
رجل غني، وأبُ أمهِ فقير، فإنه يجب أن ينفق عليه مع أنه لا يرثه، لأنه من عمودي النسب.
رجل غني له ابن عم فقير، وليس هناك غيرهما من القرابة، فتجب عليه النفقة، لأنه يرثه بالتعصيب.
ابن أخت غني وخاله فقير، فعلى المذهب لا يجب عليه النفقة، وعلى القول الراجح تجب النفقة.
• لا يشترط أن يكون المنفَق عليه وارثاً للمنفِق.
اتفاق الدين بين المنفق وبين المنفق عليه.
لأن الله قطع الموالاة بين الكافرين والمسلمين.
وهناك قول آخر في المسألة أن هذا شرط إلا في عمودي النسب، فالأب ينفق عليه وإن كان كافراً، والولد ينفق عليه وإن كان كافراً، أما الأخ فلا ينفق عليه إلا أن يكون مسلماً، وقيل: أن هذا لا يشترط مطلقاً لعموم قوله تعالى: (وَإِنْ
جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً)، وهكذا قوله: (وبالوالدين إخساناً) وقوله: (وآت ذا القربى حقه) فالأدلة عامة، نعم لو كان من المحاربين للإسلام فإنه لا ينفق عليه لأن الحربي المقصود اتلاف نفسه لا إبقاؤه.
стр. 1073
م/ وإن طلب التزويج زوّجه وجوباً.
أي: ويجب على المنفِق إعفاف من تجب له النفقة من الآباء والأجداد والأولاد وغيرهم، ويكون الإعفاف بزوجة حرة أو سُريّة تُعفه، لأن ذلك مما تدعو حاجته إليه ويستضر بفقده.
وكذلك يجب على السيد إعفاف مملوكه إذا طلب ذلك، فإن لم يقدر فإنه يبيعه على من يقدر على تزويجه.
وكذلك إذا طلبت الأمة التزويج فإنه عليه أن يطأها، أو يزوجها، أو يبيعها على من يمكنه أن يعفها.
النفقة على المماليك
стр. 1074
م/ وفي الحديث (للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق).
ذكر المصنف ﵀ النفقة على المملوك.
فيجب أن ينفق على مملوكه.
للحديث الذي ذكره المصنف ﵀ (للمملوك طعامه وكسوته … ).
ولقوله تعالى (وابن السبيل وما ملكت أيمانكم).
وعن أبي ذر. قال: قال رسول الله ﷺ (هم أخوانكم وخولكم - أي خدمكم - جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم) متفق عليه. [خولكم] أي خدمكم، سموا بذلك لأنهم يتخولون الأمور أي يصلحونها.
• ويحرم أن يكلفه ما لا يطيق.
للحديث السابق (ولا يكلف ما لا يطيق).
стр. 1075
النفقة على البهائم
م/ وعلى الإنسان أن يقيت بهائمه طعاماً وشراباً ولا يكلفها ما يضرها، وفي الحديث (كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته).
أي: ويجب على الإنسان نفقة بهائمه بالمعروف من علفها وسقيها وما يصلحها ويقيها من البرد والحر.
عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت، لا هي أطعمتها إذ هي حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض) رواه مسلم.
فدل هذا الحديث على وجوب النفقة على الحيوان المملوك، لأن السبب في دخول تلك المرأة النار ترك الهرة بدون إنفاق.
وللحديث الذي ذكره المصنف ﵀ (كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته).
• قوله (ولا يكلفها ما يضرها) لما في ذلك من الضرر عليها.
• إذا عجز مالك البهيمة عن الإنفاق عليها فإنه يخير بين:
بيعها، أو يؤجرها، أو يذبحها إن كانت مما تؤكل.
لأن بقاءها مع عدم الإنفاق عليها ظلم، والظلم تجب إزالته.
وإن كانت لا تؤكل ولا تشترى وهو عاجز عن الإنفاق عليها فإنه يسيبها.
لحديث جابر (أنه كان يسير على جمل له قد أعْيا، فأراد أن يسيبَه، .... ) متفق عليه.
стр. 1076
باب الحضانة
م/ هي حفظ الطفل عما يضره والقيام بمصالحه.
ذكر المصنف ﵀ تعريف الحضانة وأنها: حفظ الطفل عما يضره، والقيام بمصالحه في سن معينة.
وهي من محاسن الشريعة الإسلامية وعنايتها ورعايتها بالضعفاء والمحتاجين، لأن المقصود منها أمور ثلاثة:
الأول: القيام بمؤن المحضون من طعامه وشرابه ولباسه ومضجعه وتنظيف جسمه.
الثاني: حفظه عما يؤذيه برعاية حركاته وسكناته في منامه ويقظته.
الثالث: تربيته بما يصلحه، سواء كان ذلك في دينه أو دنياه.
وسبب الحضانة: الفراق بين الزوجين، فان الحضانة لا يأتي موضوعها الا إذا حصل نزاع بين الزوجين بطلاق أو غيره وبينهما أطفال.
стр. 1077
م/ وهي واجبة على من تجب عليه النفقة.
لأنه يهلك بتركه فيجب حفظه عن الهلاك كما يجب الإنفاق عليه وإنجاءه من المهالك.
• شروط الحضانة:
الأول: أن يكون الحاضن مسلماً، فلا حضانة لكافر.
أ- لقوله تعالى (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً).
ب- ولأن الفاسق لا حضانة له [عند الجمهور] فالكافر من باب أولى.
ج- ولأن الفتنة بالأب الكافر أو الأم الكافرة عظيمة جدا فإن ذلك فتنة عن دينه وقد قال ﷺ [فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه] ولا سيما بعد تمييزه أي حيث صار الطفل مميزاً وأصبح يتلقى ويتعلم ويتربى.
وذهب الحنفية إلى أن الذمية أحق بحضانة ولدها المسلم وعللوا ذلك أن الحضانة مبنية على الشفقة والأم مسلمة أو ذمية أتم شفقة على طفلها من غيره.
الثاني: وأن يكون عدلاً فلا حضانة لفاسق.
وهذا مذهب جماهير العلماء أنه لا حضانة لفاسق.
أ- لأنه لا يوثق بحضانته.
ب- ولأن في الحضانة ذريعة إلى إفساد الطفل وتربيته على مساوئ الأخلاق.
واختار ابن القيم واختاره الشيخ السعدي: أن الفاسق له حق في الحضانة، قالوا: وعليه العمل المستمر في الأعصار والأمصار وأن الحضانة تكون للوالد أباً كان أو أماً وإن كان فاسقاً، ولأن الناس في عهد النبي ﷺ لم يكونوا يخلون من الفسق ومع ذلك لم يثبت أن النبي ﷺ نزع الحضانة من أحد ممن ثبت فسقه وللو كان هذا ثابتاً لنقل إلينا نقلاً بيناً.
الثالث: ولا لمن فيه رق.
فالحضانة لا تكون لمن فيه رق وهذا مذهب جمهور العلماء.
لأن النبي ﷺ قال للمرأة [أنت أحق به ما لم تنكحي]، فأسقط حقها بالنكاح وذلك لحق الزوج فإن المرأة تنشغل بحق زوجها فكانت أحق به ما لم تنكح، وكذلك الرقيق مشغول بحق سيده ولا شك أن شغله في حق سيده أعظم من شغل المرأة بحق زوجها.
واختار ابن القيم: أن له حقاً في الحضانة، إذ لا دليل على إسقاط حقه عنها، ولأنه أشفق من غيره.
стр. 1078
م/ ولكن الأم أحق بولدها ذكراً كان أو أنثى إن كان دون سبع.
أي: إذا كان المحضون دون سبع سنوات فالأم أحق به من الزوج مالم تتزوج وكانت صالحة للحضانة.
لحديث عبد الله بن عمرو. (أن امرأةً قالت: يا رسول الله! إن ابني هذا كان بطني له وِعاء، وثديي له سِقاء، وحجري له حِوَاء، وإن أباه طلقَني وأراد أن ينتزعَه مني، فقال لها رسول الله ﷺ : أنت أحق به ما لم تنكحي) رواه أبوداود.
[بطني له وعاء] الوِعاء هو الإناء وقصدت أن بطنها أيام حمله كان وعاء لهذا الطفل. [وحجري له حِوَاء] الحواء: أي: مكاناً له يحميه ويحفظه.
قال في المغني: وجملته أن الزوجين إذا افترقا ولهما ولد طفل، فأمه أولى الناس بكفالته إذا كملت الشرائط فيها ذكراً كان أو أنثى، وهذا قول يحيي الأنصاري والزهري والثوري ومالك والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي ولا نعلم أحداً خالفهم.
• وهذا التفصيل من الشارع الحكيم راعى فيه حق الطفل وحق الزوج الجديد، فالأم قبل الزواج متفرغة للطفل وإصلاح شؤونه فحقه علينا باق، أما بعد الزواج فإنها ستهمل أحد الحقين إما حق زوجها وهو آكد وإما أن تعتني بزوجها فتهمل الطفل الذي يحتاج إلى العناية الدائمة.
• الحديث دليل على أن الأم إذا تزوجت سقطت حضانتها للحديث السابق: أنت أحق به ما لم تنكحي.
وقد التمس الفقهاء عدة حكم لسقوط حضانتها إذا تزوجت:
أولاً: لأنها قد تكون مشغوله عن الولد بمعاشرة الزوج الجديد.
ثانياً: أن هذا الصغير قد يلحقه شيء من الجفاء والغلظة من قِبَل الزوج الجديد، وهذا يؤثر على الطفل.
• متى يسقط حقها من الحضانة إذا تزوجت؟
فقيل: يسقط حقها من الحضانة بمجرد العقد.
وهذا مذهب الجمهور
فإذا عقد على المرأة ونازعها زوجها سقط حقها من الحضانة.
قالوا: لأنها قد تكون مشغولة بمهام زوجها ومتطلبات الحياة الزوجية الجديدة.
وقيل: إن الحضانة لا تسقط إلا بالدخول.
وهذا قول المالكية.
قالوا: إن الدخول هو الأمر الذي تنشغل به الأم عن طفلها.
والراجح القول الأول.
• قوله في الحديث (ما لم تنكحي) ظاهره: سواء تزوجت قريباً للمحضون أو بعيداً.
لكن ذهب بعض العلماء إلى أنها إذا تزوجت بقريب من الطفل المحضون فلا تسقط حضانتها، لأن القريب له حق في الحضانة وله شفقة تحمله على رعاية الطفل.
• اختار ابن القيم واختاره أيضاً الشيخ السعدي أن الأم أحق بالحضانة إذا رضي الزوج، وذلك لأن حقها سقط لحق الزوج الجديد، فإذا رضي بإسقاط حقه في حضانة هذه المرأة فلا وجه لإسقاط حقها.
стр. 1079
م/ فإذا بلغ سبعاً، فإن كان ذكراً خيّر بين أبويهِ فكان مع من اختار.
أي: إذا بلغ المحضون سبع سنوات [وهو سن التمييز]، فإن كان ذكراً خير بين أبويه.
لحديث أبي هريرة. (أن امرأة قالت يا رسول الله! إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد نفعني وسقاني من بئر أبي عنبة، فجاء زوجها، فقال النبي ﷺ : يا غلام! هذا أبوك وهذه أمك، فخذ بيد أيهِما شئت، فأخذ بيد أمِه فانطلقتْ به) رواه أبوداود.
وهذا قول الشافعي وأحمد وإسحاق، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم.
• والتخيير له شرطان أساسيان:
أولاً: أن يكون أبواه صالحين للحضانة، بحيث تتحقق مصلحة الطفل عند أي واحد منهما.
ثانياً: أن يكون الغلام عاقلاً، فإن كان معتوهاً فحضانته لأمهِ مطلقاً، لأن الأم أشفق وأصبر وأقوم لمصالحه من أبيه، لأنه يحتاج إلى مزيد صبر وتحمل.
• قال العلماء: إذا كان بين الأبوين فرق فلا اعتبار باختيار الطفل في هذه الحالة، لأن الطفل قد يؤثر البطالة واللعب، فربما يختار من يجد عنده اللعب والتساهل والعبث، فلا يعرف مصلحة نفسه.
• قالوا: وإن خير فلم يختر فإنه يقرع بينهما. أو اختارهما معاً، فإنه يقرع بينهما.
• قال العلماء: إذا اختار الطفل أباه كان عنده ليلاً ونهاراً، من أجل أن يحفظه ويعلمه ويؤدبه ولكن لا يجوز له أن يمنعه من زيارة أمهِ، وأما إذا اختار أمه فإنه يكون عندها بالليل ويكون عند أبيه بالنهار، من أجل أن يحفظه ويعلمه ويؤدبه.
• إذا مرض الطفل المميز - ذكراً كان أو أنثى - فإن أمه هي التي تمرضه ولو لم تكن هي الحاضنة.
стр. 1080
م/ وإن كانت أنثى فعند من يقوم بمصلحتِها من أمِها وأبيها.
وأما الأنثى فإذا بلغت سبع سنوات، فاختلف العلماء عند من تكون؟
القول الأول: أنها تكون عند أبيها.
وهذا مذهب الحنابلة.
لأنه أحفظ لها، بشرط حفظها والعناية بها، ولا يتركها عند ضرة تسيء لها، وإلا فلا حضانة له.
القول الثاني: أنها تكون عند أمها. [قال بعضهم: حتى تبلغ، وبعضهم قال حتى تتزوج].
وهذا قول مالك وأبي حنيفة ورجحه ابن القيم.
لأن الأم أعلم بما يصلح ابنتها وأقوم بتربيتها وتعليمها ما تحتاج إليه من شؤون النساء.
القول الثالث: أنها تخير كالغلام.
وهذا قول الشافعي.
والراجح الله أعلم.
стр. 1081
م/ ولا يترك المحضون بيد من لا يَصونه ويصلحه.
لفوات المقصود من الحضانة، لأن المقصود من الحضانة رعاية المحضون وتربيته وإصلاحه والقيام عليه بما ينفعه في الدنيا والآخرة.
стр. 1082
كتاب الأطعمة
مقدمة
الطعام في اللغة يطلق في الغالب على ما يؤكل، وقد يطلق على ما يشرب بقلة كقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ). وقال ﷺ في زمزم (إنها طعام طُعْم).
الأصل في الأطعمة الحل.
لقوله تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً).
قال في تفسير المنار: وهذه نص الدليل القطعي على القاعدة المعروفة عند الفقهاء: أن الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة، والمراد إباحة الانتفاع بها أكلاً وشرباً ولباساً وتداوياً وركوباً وزينة.
وقال تعالى (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ).
دلت هذه الآية على أن الأصل في المطاعم والملابس وأنواع التجملات الإباحة، لأن الاستفهام في (مَن) للإنكار، ومن هذا يعلم أن هذه الآية تدل على أن الأصل في هذه الأشياء التي هي من أنواع الزينة وكل ما يتجمل به ومن الطيبات من الرزق هو الحل.
وقال تعالى (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ).
وجه الدلالة: أنه إذا كان ما في الأرض مسخراً لنا، جاز استمتاعنا به، وهذا معنى الإباحة.
وقال ﷺ (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها) رواه الدار قطني.
стр. 1083
م/ وهي نوعان حيوانٌ وغيرُه.
اعلم أن الأطعمة نوعان:
حيوانية: والحيوان بري وبحري.
غير حيوانية: مثل النبات والثمار والجامدات والمائعات.
ثم ذكر المصنف ﵀ ضابطاً لكل نوع فقال:
стр. 1084
م/ فأما غير الحيوان - من الحبوب والثمار وغيرها - فكلُه مباح.
لأن الأصل في الأطعمة الحل كما سبق.
стр. 1085
لكن يستثنى منها:
م/ إلا ما فيه مضرة كالسمِ ونحوه.
أي: يستثنى من هذا النوع السم، فهو حرام.
فهذا الضابط الأول: ألا يكون مضراً، كالسم ونحوه، فإنه حرام.
والدليل على تحريم ما فيه مضرة قوله تعالى (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) وقال تعالى (ولا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ).
والنهي عن قتل النفس نهي عن أسباب القتل. ولذا عُدّ من أطعم السم لغيره قاتلاً.
ومثل السم الدخان، حيث أثبتت التجارب أنه مضر بالصحة، وفيه أيضاً إضاعة للمال.
ما كان مضراً سواء كان ضرره عاماً أو خاصاً، العام كالسم، والخاص: أكل ما فيه مضرة لهذا الشخص بعينه، كما لو كان أكله لهذا الطعام يسبب له مرضاً أو هلاكاً. وإن كان هذا الطعام لو أكله غيره لم يتضرر.
وينبغي أن يضاف ضابطاً آخر، وهو: أن لا يكون نجساً، فإن كان نجساً فإنه حرام كالدم والميتة.
والدليل على تحريم ما فيه نجاسة قوله تعالى (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ).
стр. 1086
م/ والأشربةُ كلها مباحة.
والدليل على الإباحة ما تقدم من الأدلة على أن الأصل في ذلك الإباحة.
стр. 1087
م/ إلا ما أسكر، فإنه يحرم كثيرُه وقليلُه لحديث (كل مسْكر حرام).
يستثنى من الأشربة المسكر فيحرم شربه.
ضابط الإسكار: إذهاب العقل على وجه اللذة والطرب، ولهذا قال عمر (الخمر ما خامر العقل) أي ما غطاه.
والدليل على تحريم شرب المسكر:
قال تعالى (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
وقال ﷺ (كل مسكر خمر، وكل خمر حرام).
وقال ﷺ (لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه) رواه أبوداود.
وقال ﷺ (من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة) متفق عليه.
وقال ﷺ (مدمن الخمر إن مات لقي الله كعابد وثن) رواه أحمد.
وقال ﷺ (كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفَرَق فملء الكف منه حرام) رواه أبوداود.
[الفرق] إناء يسع ٣ آصع.
وقال ﷺ (ما أسكر كثيره فقليله حرام).
معنى هذا الحديث: أن هذا الشراب لو أكثرت منه سكرت وإذا لم تكثر منه لم تَسْكر، فالقليل منه حرام.
مثال: لو شربت منه قارورة سكرت، ولو شربت فنجان لم تسكر - فنقول شرب الفنجان حرام.
стр. 1088
م/ وإن انقلبتِ الخمرَ خلاً حلّت.
أي: إذا انقلبت الخمر بنفسها وصارت خلاً فإنها تحل.
واعلم أن انقلاب الخمر خلاً ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن تخلل بنفسها بدون فعل آدمي فإنها تطهر.
قال النووي: وأجمعوا على أنها إذا انقلبت بنفسها خلاً طهرت، وقد حكي عن سحنون أنها لا تطهر، فإن صح عنه فهو محجوج بإجماع من قبله.
القسم الثاني: أن تخلل بفعل آدمي كما لو تخللت بأن أضاف إليها إنسان شيئاً، أو نقلها من الشمس إلى الظل أو العكس، فقد اختلف العلماء:
القول الأول: لا يجوز ولا تطهر.
وهذا مذهب جمهور العلماء.
لحديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: (سُئِلَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَنْ اَلْخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلًّا? قَالَ: "لَا"). أَخْرَجَهُ مُسْلِم
وفي رواية عند أبي داود وأحمد: (أن أبا طلحة سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمراً، فقال النبي ﷺ : أهرقها، قال: أفلا أجعلها خلاً؟ قال: لا).
ووجه الاستدلال:
أنه لو كان هناك طريق للانتفاع لتطهير الخمر لأرشد إليه النبي ﷺ حفظاً للأموال، وأيضاً كما في الرواية الأخرى: (كانت لأيتام) والأيتام أولى بحفظ أموالهم، فلو كان تخليلها جائزاً لأرشد إليه النبي ﷺ .
وكذلك قوله (أهرقها) دليل على أنه لا يجوز تخليلها، لأنه يجب إراقتها ولا يجوز اقتناؤها.
القول الثاني: يكره تخليلها.
وهذا ذهب إليه بعض السلف كسفيان وابن المبارك.
والراجح الأول.
стр. 1089
م/ والحيوان قسمان: بحري، فيحل كل ما في البحر حياً وميتاً لقوله تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ).
أي: أن الحيوانات تنقسم إلى قسمين كما سبق بحري وبري.
أما البحري: فهو حلال كله.
والمراد بالبحري: ما لا يعيش إلا في البحر بحيث لو خرج من البحر لهلك.
قال تعالى (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة) قال ابن عباس: صيد البحر ما أخذ حي، وطعامه ما أخذ ميتاً.
وعن أبي هريرة. أن رسول الله ﷺ قال في البحر (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) رواه أبوداود.
وهذا دليل على حل جميع حيوان البحر سواء أخذ حياً أو ميتاً.
فكلب البحر حلال، وخنزير البحر حلال.
стр. 1090
م/ وأما البري فالأصل فيه الحل.
لما سبق أن الأصل في الأشياء الحل.
следующие страницы →