Полный текст (1 270 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
م/ والأشربةُ كلها مباحة.
والدليل على الإباحة ما تقدم من الأدلة على أن الأصل في ذلك الإباحة.
стр. 1087
م/ إلا ما أسكر، فإنه يحرم كثيرُه وقليلُه لحديث (كل مسْكر حرام).
يستثنى من الأشربة المسكر فيحرم شربه.
ضابط الإسكار: إذهاب العقل على وجه اللذة والطرب، ولهذا قال عمر (الخمر ما خامر العقل) أي ما غطاه.
والدليل على تحريم شرب المسكر:
قال تعالى (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
وقال ﷺ (كل مسكر خمر، وكل خمر حرام).
وقال ﷺ (لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه) رواه أبوداود.
وقال ﷺ (من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة) متفق عليه.
وقال ﷺ (مدمن الخمر إن مات لقي الله كعابد وثن) رواه أحمد.
وقال ﷺ (كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفَرَق فملء الكف منه حرام) رواه أبوداود.
[الفرق] إناء يسع ٣ آصع.
وقال ﷺ (ما أسكر كثيره فقليله حرام).
معنى هذا الحديث: أن هذا الشراب لو أكثرت منه سكرت وإذا لم تكثر منه لم تَسْكر، فالقليل منه حرام.
مثال: لو شربت منه قارورة سكرت، ولو شربت فنجان لم تسكر - فنقول شرب الفنجان حرام.
стр. 1088
م/ وإن انقلبتِ الخمرَ خلاً حلّت.
أي: إذا انقلبت الخمر بنفسها وصارت خلاً فإنها تحل.
واعلم أن انقلاب الخمر خلاً ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن تخلل بنفسها بدون فعل آدمي فإنها تطهر.
قال النووي: وأجمعوا على أنها إذا انقلبت بنفسها خلاً طهرت، وقد حكي عن سحنون أنها لا تطهر، فإن صح عنه فهو محجوج بإجماع من قبله.
القسم الثاني: أن تخلل بفعل آدمي كما لو تخللت بأن أضاف إليها إنسان شيئاً، أو نقلها من الشمس إلى الظل أو العكس، فقد اختلف العلماء:
القول الأول: لا يجوز ولا تطهر.
وهذا مذهب جمهور العلماء.
لحديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: (سُئِلَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ عَنْ اَلْخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلًّا? قَالَ: "لَا"). أَخْرَجَهُ مُسْلِم
وفي رواية عند أبي داود وأحمد: (أن أبا طلحة سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمراً، فقال النبي ﷺ : أهرقها، قال: أفلا أجعلها خلاً؟ قال: لا).
ووجه الاستدلال:
أنه لو كان هناك طريق للانتفاع لتطهير الخمر لأرشد إليه النبي ﷺ حفظاً للأموال، وأيضاً كما في الرواية الأخرى: (كانت لأيتام) والأيتام أولى بحفظ أموالهم، فلو كان تخليلها جائزاً لأرشد إليه النبي ﷺ .
وكذلك قوله (أهرقها) دليل على أنه لا يجوز تخليلها، لأنه يجب إراقتها ولا يجوز اقتناؤها.
القول الثاني: يكره تخليلها.
وهذا ذهب إليه بعض السلف كسفيان وابن المبارك.
والراجح الأول.
стр. 1089
م/ والحيوان قسمان: بحري، فيحل كل ما في البحر حياً وميتاً لقوله تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ).
أي: أن الحيوانات تنقسم إلى قسمين كما سبق بحري وبري.
أما البحري: فهو حلال كله.
والمراد بالبحري: ما لا يعيش إلا في البحر بحيث لو خرج من البحر لهلك.
قال تعالى (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة) قال ابن عباس: صيد البحر ما أخذ حي، وطعامه ما أخذ ميتاً.
وعن أبي هريرة. أن رسول الله ﷺ قال في البحر (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) رواه أبوداود.
وهذا دليل على حل جميع حيوان البحر سواء أخذ حياً أو ميتاً.
فكلب البحر حلال، وخنزير البحر حلال.
стр. 1090
م/ وأما البري فالأصل فيه الحل.
لما سبق أن الأصل في الأشياء الحل.
стр. 1091
م/ إلا ما نص عليه الشارع فمنها: ما في حديث ابن عباس (كل ذي ناب من السباع فأكله حرام).
أي: يستثنى من حيوانات البر: كل ذي ناب من السباع فهو حرام كالذئب والأسد والنمر والفيل وغيرها من السباع.
لحديث أبي ثعلبة الخشني أن رسول الله ﷺ (نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع) متفق عليه.
وعن ابن عباس. قال (نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطير) رواه أبو داود.
وعن أبي هريرة. قال: قال ﷺ (كل ذي ناب من السباع فأكله حرام) رواه مسلم.
والحكمة من النهي عن أكلها: قال ابن القيم: السبع إنما حرم لما فيه من القوة السبعية التي تورث المتغذي بها شبهها، فإن الغاذي شبيه بالمغتذي.
стр. 1092
م/ (ونهى عن كل ذي مخلب من الطير) رواه مسلم.
أي: ومما يحرم من حيوانات البر: كل ذي مخلب من الطير مثل: العقاب، والبازي، والصقر، والشاهين، والحدأة.
لحديث ابن عباس - الذي ذكره المصنف - (نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي مخلب من الطير). رواه مسلم
стр. 1093
م/ (ونهى عن لحوم الحمُر الأهلية) متفق عليه.
ومما يحرم من الحيوانات البرية: الحمر الأهلية (الإنسية).
لحديث أنس قال (لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ، أَمَرَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَبَا طَلْحَةَ، فَنَادَى: إِنَّ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ اَلْحُمُرِ] اَلْأَهْلِيَّةِ]، فَإِنَّهَا رِجْس) مُتَّفَقٌ عَلَيْه.
وعن ابن عمر ﵁ قال: (إن رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية). متفق عليه
وعن علي ﵁ قال: (إن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية). متفق عليه
وعن ابن أبي أوفى قال: (نهى النبي ﷺ عن لحوم الحمر). رواه البخاري
فهذه الأحاديث فيها النهي الصريح عن لحوم الحمر الأهلية.
قال ابن القيم: أحاديث النهي عن أكل لحوم الحمر الأهلية رواها عن النبي ﷺ علي، وجابر، والبراء، وابن أبي أوفى، و .... ، والعرباض، وأبو ثعلبة، وابن عمر، وأبو سعيد، وسلمة، ....
العلة في النهي عنها:
قيل: لحاجتهم إليها.
فقد جاء في حديث ابن عمر: ( … وكان الناس قد احتاجوا إليها).
لكن يرد هذا القول حديث: (أن النبي ﷺ نهى عن لحوم الحمر وأذن في لحوم الخيل) فلو كان النهي من أجل أنها حمولة الناس لكان النهي عن لحوم الخيل أولى.
وقيل: لأنها كانت تأكل العذرة.
وقيل: إنه إنما حرمت لأنها رجس في نفسها.
قال ابن القيم: وهذا أصح العلل، فإنها هي التي ذكرها رسول الله ﷺ بلفظه في الصحيحين.
أما الحمر الوحشية فهي حلال.
فقد جاء في حديث جابر قال: (أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش، ونهانا النبي ﷺ عن الحمار الأهلي). رواه مسلم
وفي حديث أبي قتادة قال: (قلت: يا رسول الله، أصبت حمار وحش وعندي منه فاضلة، فقال للقوم: كلوا، وهم محرمون). متفق عليه
فقد أمر ﷺ الصحابة بالأكل من حمار الوحش وهم محرمون، وهذا دليل على حله.
стр. 1094
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هناك بعض الحيوانات اختلف العلماء في حلها وحرمتها:
منها: الضب.
والراجح أنه حلال وهو قول جمهور العلماء.
لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (دَخَلْتُ أَنَا وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ مَيْمُونَةَ، فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ فَأَهْوَى إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ، فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ: أَخْبِرُوا رَسُولَ اللَّهِ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ، فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ، قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ، فَأَكَلْتُهُ. وَالنَّبِيُّ ﷺ يَنْظُرُ) متفق عليه.
وجه الدلالة: إقرار النبي ﷺ لخالد على أكله، وإقرار النبي ﷺ دليل على الجواز.
وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (الضب لست آكله ولا أحرمه).
وفي رواية عند مسلم عن ابن عمر قال: (سئل النبي ﷺ عن الضب فقال: لست بآكله ولا محرمه).
وفي رواية عند مسلم عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: (كلوا فإنه حلال، ولكنه ليس من طعامي).
وهذا نص صريح على عدم الحرمة الشرعية، وإشارة إلى الكراهة الطبيعية.
في الحديث بيان علة عدم أكل النبي ﷺ من الضب، وهو قوله ﷺ : (لم يكن بأرض قومي).
قال ابن حجر: وقد ورد سبب آخر أخرجه مالك من مرسل سليمان بن يسار، فذكر نص حديث ابن عباس وفي آخره: (قال النبي ﷺ : كلا - يعني لخالد بن الوليد، وعباس - فإنني يحضرني من الله حاضرة).
قال المازري: يعني الملائكة، وكان للحم الضب ريحاً فترك أكله لأجل ريحه، وهذا إن صح يمكن ضمه إلى الأول ويكون لتركه الأكل من الضب سببان.
ومنها: الضبع.
اختلف العلماء في حل أكله على قولين:
القول الأول: أنه حرام.
وهو قول الحنفية وجماعة من العلماء.
واستدلوا بعموم حديث (نهى عن كل ذي ناب من السباع). قالوا: والضبع لها ناب تصيد به فتدخل تحت الحديث.
القول الثاني: أنها حلال.
وهو قول الشافعية والحنابلة.
لحديث ابن أبي عمار، قلت لجابر: (الضبع صيد هي؟ قال: نعم، قلت: آكلها؟ قال: نعم، قلت له: أقاله رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم) رواه الترمذي.
стр. 1095
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولفظ أبي داود عن جابر قال (هو صيد ويجعل فيه كبش إذا أصابه المحرم).
وجه الدلالة من الحديث: أن جعل الضبع صيداً.
قال ابن القيم: فإنه ﷺ إنما حرم ما اشتمل على الوصفين، أن يكون له ناب وأن يكون من السباع العادية بطبعها كالأسد والذئب والنمر والفهد، وأما الضبع فإنما فيها أحد الوصفين؛ وهو كونها ذات ناب وليست من السباع العادية، ولا ريب أن السباع أخص من ذوات الأنياب، والسبع إنما حرم لما فيه من القوة السبعية التي تورث المتغذي بها شبهها، فإن الغاذي شبيه بالمتغذي، ولا ريب أن القوة السبعية في الذئب والأسد والنمر والفهد ليست في الضبع حتى تجب التسوية بينهما في التحريم، ولا تعد الضبع من السباع لغة ولا عرفاً.
وهذا القول هو الصحيح.
ومنها: الخيل.
حلال عند جماهير العلماء.
عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵂ قَالَتْ: (نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ). وَفِي رِوَايَةٍ (وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ).
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ
الْخَيْلِ) متفق عليه.
وذهب بعض العلماء إلى أنها حرام.
وهذا مذهب أبي حنيفة، والأشهر عند مالك.
لقوله تعالى: (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً).
وجه الدلالة:
أن اللام في قوله (لتركبوها) للتعليل، فدل على أنها لم تخلق لغير ذلك، لأن العلة المنصوصة تفيد الحصر،
وعطف البغال والحمير على الخيل، فدل على اشتراكهما معهما في حكم التحريم.
ولحديث خالد بن الوليد قال: (غزوت مع رسول الله ﷺ خيبر، فأتت اليهود فشكوا أن الناس قد شرعوا إلى حظائرهم، فقال رسول الله ﷺ : ألا لا تحل أموال المعاهدين إلا بحقها، وحرام حمر الأهلية وخيلها وبغالها وكل ذي ناب من السباع). رواه أبو داود
لكن هذا الحديث شاذ منكر، لأن سياقه أن خالد شهد خيبر وهو خطأ، فإنه لم يسلم إلا بعدها.
وقال النووي: واتفق العلماء من أئمة الحديث وغيرهم على أنه حديث ضعيف.
وأما الجواب عن الآية: فإنها نزلت في مكة اتفاقاً، والإذن في أكل لحوم الخيل يوم خيبر، كان بعد الهجرة من مكة بأكثر من ست سنين.
стр. 1096
م/ (ونهى عن قتل أربع من الدواب: النملة، والنحلة، والهدهد، والصرد) رواه أبو داود.
من الأشياء التي يحرم أكلها: ما نهى الشرع عن قتله، فكل شيء نهى الشرع عن قتله فأكله حرام.
للحديث الذي ذكره المصنف: (ونهى عن قتل أربع من الدواب: النملة … ).
التعليل: لأنا لو قتلناه لوقعنا فيما نهى الشارع عنه.
ولأنه لو كان حلال الأكل لما نهىَ عن قتله.
وأيضاً من القواعد: كل حيوان أمر الشارع بقتله فهو محرم الأكل.
لأنه لو كان الانتفاع بأكلها جائزاً لما أذن ﷺ بقتلها.
ولما فيها من الإيذاء والتعدي.
الحيوانات التي أمر بقتلها: قال ﷺ (خمس يقتلن في الحل والحرم: الحية والغراب الأبقع والحدأة والفأر والكلب العقور) متفق عليه.
وكذلك الوزغ (فقد أمر النبي ﷺ بقتلها) متفق عليه.
стр. 1097
م/ وجميع الخبائث محرمة كالحشرات ونحوها.
لأنها مستخبثة، وقد قال تعالى (ويحرم عليهم الخبائث).
كالخنافس والذباب والصراصير والعقارب والحيات والوزغ.
قال الشنقيطي: هذه خبائث لا يكاد طبع سليم يستسيغها، فضلاً عن أن يستطيبها، والذين يأكلون مثل هذه الحشرات من العرب إنما يدعوهم لذلك شدة الجوع.
حكم ما تولد بين نوعين:
ما تولد بين نوعين حلالين: فهذا حلال ولا إشكال.
ما تولد بين نوعين محرّمين، فهذا محرم ولا إشكال.
ما تولد بين نوعين أحدهما محرم والآخر مباح: فهذا محرم.
كالبغل فإنه تولد من الفرس والحمار، فهذا حرام وهو قول الجماهير.
لأنه اجتمع فيه حل (نظراً إلى الفرس) وحرمة (نظراً إلى الحمار) فيغلب جانب الحرمة احتياطاً.
стр. 1098
م/ (ونهى النبي ﷺ عن الجلالة وألبانها) حتى تحبس وتُطعم الطاهر ثلاثاً.
الجلالة: هي التي أكثر علفها النجاسة.
حكمها: يحرم أكلها لظاهر النهي في الحديث، لكن لكي تحل: تحبس ويطعم الطاهر.
واختلف في مقدار حبسها لكي تحل:
فقيل: تحبس ثلاثة أيام، سواء كانت طائراً أو بهيمة، وكان ابن عمر إذا أراد أكلها حبسها ثلاثاً.
وقيل: التفصيل: فيحبس الطائر ثلاثاً والشاة سبعاً وما عدا ذلك يحبس أربعين يوماً.
والراجح: أنها لا تتقدر، بل متى غلب على الظن ذهاب أثر النجاسة عنها حلت، لأن التحديد لا دليل عليه، والمقصود زوال المحذور.
قال السرخسي من الحنفية: الأصح أنها تحبس إلى أن تزول الرائحة المنتنة، لأن الحرمة لذلك، وهو شيء محسوس، ولا يتقدر بالزمان لاختلاف الحيوانات في ذلك، فيصار فيه إلى اعتبار زوال المضر، فإذا زال بالعلف الطاهر حل تناوله والعمل عليه بعد ذلك.
الحكمة في النهي عن أكل لحم الجلالة:
الحكمة - والله أعلم - ترفع الإسلام بأهله عن تناول الخبائث ولو من طريق غير مباشر، لما لذلك من تأثير سيء على صحة الإنسان وسلوكه، لأن المتغذي يشبه ما تغذى به فينتقل الخبث من المأكول إلى الآكل ويكتسب من أخلاقه. [أحكام الأطعمة للشيخ صالح الفوزان حفظه الله].
стр. 1099
باب الذكاة
تعريفها:
لغة: تمام الشيء، ومنه الذكاء في الفهم إذا كان تام العقل.
وشرعاً: ذبح أو نحر الحيوان المأكول البري بقطع حلقومه ومريئه أو عقر ممتنع.
والذكاة شرط لحل الحيوان المباح.
أجمع العلماء على أنه لا يحل الحيوان المأكول اللحم غير السمك والجراد إلا بذكاة.
لقوله تعالى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ) فاشترط الله الذكاة.
والحكمة منها: تطييب الحيوان المذكى، فالحيوان إذا أسيل دمه فقد طِيْب، لأنه يسارع إليه التجفف.
والميتة إنما حرمت لاحتقان الرطوبات والفضلات والدم الخبيث فيها، والذكاة لما كانت تزيل ذلك الدم والفضلات كانت سبب الحل.
م/ إلا السمك والجراد.
أي: أن السمك وكذا حيوانات البحر لا تحتاج إلى ذكاة، لأن ميتته حلال، لحديث أبي هريرة. أن النبي ﷺ قال في البحر (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) رواه أبوداود.
وكذا الجراد، لا يحتاج إلى تذكية، لأن ميتته حلال، لقوله ﷺ (أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالحوت والجراد ..... ) رواه أحمد، والراجح أنه حديث موقوف لكن له حكم الرفع.
стр. 1100
م/ ويشترط في الذكاة: أن يكون المذكي مسلماً أو كتابياً.
بدأ المصنف ﵀ بذكر شروط الذكاة، فذكر الشرط الأول: وهو أن يكون المذكي مسلماً أو كتابياً.
أما المسلم فظاهر.
ولو امرأة أو أعمى تحل تذكيتهم.
عن كعب بن مالك (أن امرأة ذبحت شاة بحجر فسئل النبي ﷺ عن ذلك، فأمر بأكلها) رواه البخاري.
وفي رواية (أن جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنماً بسلع فأصيبت شاة منها فأدركتها فذبحتها بحجر فسئل النبي ﷺ فقال: كلوها) متفق عليه.
قال الشيخ ابن عثيمين في فوائد هذا الحديث:
إحداها: إباحة ذبيحة المرأة.
الثانية: إباحة ذبيحة الأمة.
الثالثة: إباحة ذبيحة الحائض لأن النبي ﷺ لم يستفصل.
الرابعة: إباحة الذبح بالحجر.
الخامسة: إباحة ذبح ما خيف عليه الموت.
السادسة: حل ما يذبحه غير مالكه بغير إذنه.
السابعة: إباحة ذبحه لغير مالكه عند الخوف عليه.
стр. 1101
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأما الكتابي:
(وهو اليهودي والنصراني) فتحل بالكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) قال ابن عباس: طعامهم ذبائحهم.
وعن أنس. (أن امرأة يهودية أتت رسول الله ﷺ بشاة مسمومة فأكل منها) رواه أحمد.
وعنه أيضاً (أن يهودياً دعا رسول الله ﷺ إلى خبز وشعير وإهالة سنخة فأجابه) رواه أحمد.
[الإهالة السنخة] الشحم المذاب إذا تغيرت رائحته.
قال شيخ الإسلام: ومن المعلوم أن حل ذبائحهم ونسائهم ثبت بالكتاب والسنة والإجماع.
فغير الكتابي لا تحل ذبيحته: كالمجوسي والوثني والمرتد والعلماني والرافضي وغيرهم من المشركين.
اختلف العلماء: هل يشترط لحل ما ذكاه الكتابي أن يكون أبواه كتابيين أو أن المعتبر هو بنفسه؟ الصحيح أن ذلك ليس بشرط وأن المعتبر هو بنفسه، فإذا كان كتابياً حل ما ذكاه وإن كان أبواه أحدهما من غير أهل الكتاب، كأن يكونا من الوثنيين أو المجوس.
وهذا مذهب المالكية والحنفية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا القول هو الثابت عن الصحابة ﵃ ولا أعلم في ذلك بينهم نزاعاً.
الشرط الثاني (ولم يذكره المصنف ﵀: أن يكون عاقلاً.
وهذا قول جماهير العلماء.
لأن الذكاة يعتبر لها قصد كالعبادة، ومن لا عقل له لا يصح منه القصد، فيصير ذبحه كما لو وقعت الحديدة بنفسها على حلق الشاة فذبحتها.
فلا تصح تذكية المجنون والسكران أو الطفل غير المميز لعدم إمكان القصد منهم.
стр. 1102
م/ وأن يكون محدّد.
ذكر المصنف ﵀ الشرط الثالث من شروط الذكاة: وهو أن يكون الذبح بمحدد ينهر.
لحديث أبي يعلى شداد بن أوس. قال: قال ﷺ (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحدّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته) رواه مسلم.
ولأن الذبح بغير المحدد فيه إيلام للبهيمة، بخلاف المحدد ففيه إراحة لها وتعجيل بزهوق النفس.
فكل ما أنهر الدم فإن التذكية به صحيحة مجزئة كالحديد والحجر والخشب.
فإن ذبحها بغير محدد لم تحل: مثل أن يقتلها بالخنق أو بالصعق الكهربائي أو بالصدم أو بضرب الرأس ونحوه حتى تموت.
стр. 1103
م/ وأن ينهِر الدم.
ذكر المصنف ﵀ الشرط الرابع من شروط الذكاة: وهو إنهار الدم.
لحديث رافع بن خديج. قال: قال رسول الله ﷺ (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، ليس السن والظفر، أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة) متفق عليه.
• يستثنى السن والظفر فلا يجوز التذكية بهما.
للحديث السابق (ليس السن والظفر، أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة) متفق عليه.
لا فرق في السن والظفر أن يكونا متصلين أو منفصلين من آدمي أو غيره لظاهر حديث رافع بن خديج السابق، وهذا مذهب جمهور العلماء.
وقالت الحنفية: تجوز الذكاة بالسن والظفر المنفصلين، وإنما تحرم الذكاة بهما إذا كانا متصلين، وأجابوا عن حديث رافع السابق، بأن المراد به النهي عن الذبح بالسن القائم والظفر القائم، لأن الحبشة إنما كانت تفعل لإظهار الجلادة وذلك بالقائم لا بالمنزوع.
والصحيح مذهب جمهور العلماء وهو عدم صحة التذكية بالسن والظفر مطلقاً لعموم الحديث.
قال في المغنى رداً عليهم: ولنا عموم حديث رافع، ولأن مالم تجز الذكاة به متصلاً لم تجز به منفصلاً.
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: والأقرب عندي أن الأصل في ذلك أن الحبشة كانوا يذبحون بأظافرهم فنهى الشارع عن ذلك لأنه يقتضي مخالفة الفطرة من وجهين:
أحدهما: أنه يستلزم توفير الأظافر ليذبح بها وهذا مخالف للفطرة التي هي تقليم الأظافر.
الثاني: أن في القتل بالظفر مشابهة لسباع البهائم والطيور التي فضلنا عليها ونهينا عن التشبه بها.
стр. 1104
م/ وأن يقطعَ الحلقوم والمريء.
هذا الشرط الرابع من شروط الذكاة: قطع ما يجب قطعه.
فإن في رقبة الحيوان أربعة عروق:
الحلقوم: وهو مجرى النفس خروجاً ودخولاً.
المريء: وهو مجرى الطعام والشراب.
والودجان: وهما عرقان غليظان محيطان بالحلقوم والمريء.
إذا قطع هذه الأشياء الأربعة حلت المذكاة بإجماع العلماء.
ثم اختلفوا إذا قطع بعض هذه الأربعة هل يجزئ أم لا؟
القول الأول: لا بد من قطع الأربعة، فلا يكفي قطع بعضها فقط.
واختاره ابن المنذر.
القول الثاني: لا بد من قطع ثلاثة بدون تعيين.
وهذا مذهب أبي حنيفة (وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية).
القول الثالث: أنه لا بد من قطع ثلاثة معينة وهي: الحلقوم والودجان.
وهذا مذهب مالك.
القول الرابع: أنه لابد من قطع اثنين معينين وهما: المريء والحلقوم.
وهذا مذهب الحنابلة.
وسبب الخلاف أن النبي ﷺ قال (ما أنهر الدم ..... ) ولم يحدد، فلذلك اختلفوا.
والراجح الله أعلم.
стр. 1105
م/ وأن يُذكر اسم الله عليه.
هذا الشرط الخامس من شروط الذكاة: وهو التسمية على الذبيحة.
وقد اختلف العلماء في حكم التسمية على الذبيحة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنها شرط لا تسقط مطلقاً، حتى لو تركها نسياناً أو جاهلاً فلا تحل.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وقال: وهذا أظهر الأقوال، فإن الكتاب والسنة قد علقا الحل بذكر اسم الله عليه في غير موضع.
واستدلوا بقوله تعالى (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) قالوا: وهذا عام، ففيه النهي عن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه، وتسميته فسقاً.
وبحديث رافع بن خديج. قال: قال ﷺ (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل) متفق عليه.
فقرن بين إنهار الدم وذكر اسم الله على الذبيحة في شرط الحل، فكما أنه لو لم ينهر الدم ناسياً أو جاهلاً لم تحل الذبيحة، فكذلك إذا لم يسم، لأنهما شرطان قرن بينهما النبي ﷺ في جملة واحدة، فلا يمكن التفريق بينهما إلا بدليل.
القول الثاني: أنها واجبة في حال الذكر دون حال النسيان.
وهذا قول الحنفية والمالكية والمشهور في مذهب الحنابلة.
لقوله ﷺ (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رواه ابن ماجه.
القول الثالث: أنها سنة مطلقاً.
وهذا مذهب الشافعي.
واستدلوا بحديث (ذبيحة المسلم حلال وإن لم يذكر اسم الله) وهو حديث ضعيف.
والصحيح الأول وأنها لا تسقط مطلقاً، واختاره ابن عثيمين ﵀.
• يشترط أن يكون بلفظ: بسم الله.
فلو قال: بسم الرحمن أو باسم رب العالمين:
فقيل: لا يجزئ، وهذا قول الشافعية والحنابلة.
стр. 1106
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأن إطلاق التسمية ينصرف إلى: بسم الله.
وقيل: يجزئ، وهذا مذهب الحنفية والمالكية.
قالوا: المراد بالتسمية ذكر الله من حيث هو، لا خصوص: بسم الله، وهذا الراجح.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: ويعتبر أن تكون التسمية على ما أراد ذبحه، فلو سمى على شاة ثم تركها إلى غيرها أعاد التسمية، وأما تغيير الآلة فلا يضر، فلو سمى وبيده سكين ثم ألقاها وذبح بغيرها فلا بأس.
أما في الصيد، لو سمى على صيد فأصاب غيره حل، مثال: أرسل كلبه على أرنب، ثم إن الكلب صاد غزالاً فإنه يحل.
والفرق: أن التسمية في باب الصيد تقع على الآلة، والتسمية في باب الذكاة تقع على عين المذبوح.
• وقت التسمية: وقتها عند الجميع وقت الذبح، لأنه لا يتحقق معنى ذكر اسم الله تعالى على الذبيحة إلا إذا كان وقت الذبح، ويجوز تقديمها عليه بزمن يسير لا يمكن التحرز منه.
• من الشروط: أن يقصد التذكية.
لأن الله تعالى قال (إلا ما ذكيتم) فأضاف الفعل إلى المخاطبين.
• فلو لم يقصد التذكية لم تحل الذبيحة: مثل أن تصول عليه البهيمة فيذبحها للدفاع عن نفسه فقط.
стр. 1107
م / وكذلك يشترط في الصيد.
أي: وكذلك الشروط السابقة التي تشترط للذكاة، تشترط أيضاً في الصيد.
стр. 1108
م/ إلا أنه يحل بعقْره في أي موضع من بدنه، ومثل الصيد ما نفر وعُجِز عن ذبحه.
أي: أن في الصيد يجوز بعقره في أي موضع من بدنه.
• يجوز إنهار الدم من الحيوان في أي موضع منه في حالات:
الحالة الأولى: في حالة الصيد.
الحالة الثانية: أن يكون المذكى غير مقدور عليه، مثل أن يهرب أو يسقط في بئر أو في مكان سحيق لا يمكن الوصول إلى رقبته أو نحو ذلك، فيكفي في هذه الحال إنهار الدم في أي موضع كان من بدنه حتى يموت.
لحديث رافع بن خديج (أنهم مع النبي ﷺ في غزوة فأصابوا إبلاً وغنماً فندّ منها بعير فرماه رجل فحبسه، فقال النبي ﷺ : إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش، فإذا غلبكم منها شيء فاصنعوا به هكذا). رواه البخاري
[فندّ] أي شرد وهرب. [الأوابد] النفور والتوحش، قال ابن الأثير: " الأوابد جمع آبدة، وهي التي قد تأبّدتْ أي توحشت ونفرت من الإنس.
ففي هذا الحديث: أن الحيوان الذي هرب ولا يمكن إدراكه من الإبل أو البقر أو الغنم أو غيرها من الحيوانات المستأنسة، فإنه يكفي إنهار دمه من أي مكان من بدنه.
• قال النووي: قال أصحابنا وغيرهم: الحيوان المأكول الذي لا تحل ميتته ضربان:
مقدور على ذبحه ومتوحش، فالمقدور عليه لا يحل إلا بالذبح في الحلق واللبة كما سبق، وهذا مجمع عليه … وأما إذا توحش إنسي، بأن ند بعير أو بقرة أو فرس أو شردت شاة أو غيرها، فهو كالصيد، فيحل بالرمي إلى غير مذبحه، وبإرسال الكلب وغيره من الجوارح عليه، وكذا لو تردى بعير أو غيره في بئر، ولم يمكن قطع حلقومه ومريئه، فهو كالبعير الناد في حله بالرمي ".
ثم قال النووي: قال أصحابنا: وليس المراد بالتوحش مجرد الإفلات، بل متى تيسر لحوقه بعد ولو باستعانة بمن يمسكه ونحو ذلك، فليس متوحشاً ولا يحل حينئذٍ إلا بالذبح في المذبح.
стр. 1109
م/ وعن رافع بن خديج مرفوعاً (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلُوهُ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفْرَ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، أَمَّا السِّنُّ: فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفْرُ: فَمُدَى الْحَبَشَةِ) متفق عليه.
ذكر المصنف ﵀ حديث رافع بن خديج، وقد سبقت مباحثه.
ففيه أن من شروط التذكية إنهار الدم كما سبق.
ومن شروطها التسمية وأنها شرط كما سبق.
وفيه التحريم بالتذكية بالظفر سواء كان متصلاً أو منفصلاً.
وفيه بيان العلة من تحريم الذبح بالظفر.
وفيه تحريم الذبح بالعظم.
• علل النبي ﷺ منع الذكاة بالسن بأنه عظم.
فاختلف العلماء: هل الحكم خاص في محله وهو السن، أو عام في جميع العظام؟
القول الأول: أنه خاص في محله وهو السن، وأما ما عداه من العظام فتحل الذكاة به.
وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد.
لأن النبي ﷺ لو أراد العموم لقال غير العظم والظفر، لكونه أخصر وأبين، والنبي ﷺ أعطي جوامع الكلم ومفاتيح البيان.
ولأننا لا نعلم وجه الحكمة في تأثير العظم، فكيف نعدي الحكم مع الجهل.
القول الثاني أن الحكم عام في جميع العظام.
وهذا قول الشافعي.
لعموم العلة، لأن النص على العلة يدل على أنها مناط الحكم متى وجدت وجد الحكم.
وهذا القول أحوط.
стр. 1110
م/ ويباح صيدُ الكلبِ المعلم.
أي: أن صيد الكلب إذا كان معلماً حلال لقوله تعالى (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ) وقال ﷺ (إذا أرسلت كلبك المعلم … ).
فالآلة في الصيد نوعان:
الأولى: محددة كالرماح والسهام وما جرى مجراها مما يجرح بحده كرصاص البنادق المعروفة اليوم.
لا بد إذاً أن تكون الآلة ذات حد وأن تجرح.
لحديث عدي بن حاتم. قال: (سألت رسول الله ﷺ عن صيد المعراض؟ فقال: إذا أصبت بحده فكل، وإذا أصبت بعرضه فلا تأكل فإنه وقيذ) متفق عليه.
[المعراض] بكسر الميم عصا رأسها محددة، فلا يحل ما قتل بثقله وكذا ما قتله بعصا والشبكة والفخ).
فلو ضرب الطير بعصا فقتله لم يحل، لأنه ليس بجرح.
النوع الثاني: الجارحة.
لقوله تعالى (وما علمتم من الجوارح) وهي نوعان:
ما يصيد بنابه: كالكلب والفهد.
وما يصيد بمخلبه كالصقر والبازي.
فيشترط في النوعين: التعليم، وهذا الشرط لا خلاف فيه لقوله تعالى (وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله).
стр. 1111
م/ بأن يسترسل إذا أرسل، وينزجر إذا زجر، وإذا أمسك لا يأكل.
ذكر المصنف ﵀ صفة تعليم كلب الصيد.
كيفية التعليم:
النوع الأول وهو ما يصيد بنابه فإن تعليمه يتبين بأمور:
١ - أن بسترسل إذا أرسله صاحبه في طلب الصيد.
يعني لا يذهب بنفسه إذا رأى الصيد، وإنما إذا أمره صاحبه.
٢ - أن ينزجر إذا زجره [وهذا يكون لأحد غرضين: يكون لطلب وقوفه وكفه عن العدو _ أو لإغراء الجارح بزيادة العدو في طلب الصيد].
٣ - أن لا يأكل من الصيد، فإن أكل فليس بمعلم.
لقوله ﷺ (إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله فكل مما أمسكن عليك إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه).
• استثنى بعض العلماء الكلب الأسود فقالوا: لا يجوز الاصطياد به، قالوا: لأنه كلب يحرم اقتناؤه فلم يبح صيده كغير المعلم، ولأنه شيطان.
• اختلف العلماء هل يجوز الاصطياد بالكلب الأسود:
فقيل: لا يجوز لأنه شيطان كما في الحديث ولأن النبي ﷺ أمر بقتله.
وقيل: يجوز لعموم حديث: إذا أرسلت كلبك المعلم. والله أعلم.
وأما تعليم الطير فإنه يكون بأمرين:
أن يسترسل إذا أرسل - أن ينزجر إذا زجر.
• واختلف هل يشترط أن لا يأكل أم لا على قولين، والله أعلم.
стр. 1112
م/ ويسمي صاحبُها عليها إذا أرسلَها.
أي: ويسمي صاحبها عند إرسال الآلة، سواء كانت الآلة محددة كالسهم ونحوه، أو كانت جارحة كالكلب لقوله ﷺ (إذا أرسلت كلبك المعلّم وذكرت اسم الله عليه).
فإذا كان عنده كلب يريد أن يرسله، فإنه يقول بسم الله، ثم يرسله، وإن كانت الآلة سهماً فإنه يسمى عند إرسال السهم.
• وسبق أن التسمية شرط لصحة الذكاة. فالتسمية في الذكاة والصيد شرط.
стр. 1113
م/ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قال رسول الله ﷺ (إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّم فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَأَدْرَكْتَهُ حَيّاً فَاذْبَحْهُ، وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ.
وإن وجدت مع كلبك كلباً غيره وقد قتله فلا تأكل، فإنك لا تدري أيهما قتله؟
وإن رَمَيْتَ بسَهْمِكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَفِيهِ ((وَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْماً أَوْ يَوْمَيْنِ)).
وَفِي رِوَايَةٍ ((الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلاثَةَ فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إلاَّ أَثَرَ سَهْمِكَ فَكُلْ إنْ شِئْتَ، فَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقاً فِي الْمَاءِ فَلا تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ لا تَدْرِي: الْمَاءُ قَتَلَهُ، أَوْ سَهْمُكَ؟) متفق عليه.
هذا الحديث فيه فوائد:
• الحديث دليل على جواز الصيد.
والصيد: هو اقتناص حيوان حلال متوحش طبعاً غير مقدور عليه.
والصيد له ثلاث حالات:
الأولى: يباح إذا قصد منه دفع الحاجة والانتفاع بلحمه.
الثانية: يكره إذا كان القصد منه التلهي به واللعب والمفاخرة.
لأنه يشغل عما هو أنفع منه من الأعمال الدينية والدنيوية.
الثالثة: يحرم إذا ترتب عليه ظلم للناس بالعدوان على زروعهم وبساتينهم وأموالهم.
فإن قيل: ما الجواب عن حديث: (من اتبع الصيد غفل). رواه الترمذي
فالجواب: المراد الإكثار منه حتى يشغله.
• قوله (فذكرت اسم الله) دليل على مشروعية التسمية عند الصيد (لابد أن تكون التسمية مقارنة للإرسال).
قال النووي: وقد أجمع المسلمون على التسمية عند الإرسال.
واختلفوا في حكمها: وقد سبقت المسألة.
• قوله (إذا أرسلت) فيه أنه يشترط أن يكون الصائد له عقل يميز.
فمن شروط الصيد: أن يكون الصائد من أهل الذكاة، وذلك بأن يتوفر فيه الشرطان: (العقل والدين).
فالعقل يعني به أن يكون مخيراً غير سكران ولا مجنون، لأنه لا قصد لهما (وكذلك إذا كان طفل دون التمييز).
والدين يعني به أن يكون مسلماً أو كتابياً، فلا يحل صيد الوثني والمجوسي والمرتد.
• قوله (كلبك) فيه نوع من أنواع آلة الصيد، وآلة الصيد نوعان:
أولاً: ما يرمى به الصيد من كل محدد.
كالرماح والسيوف والسهام وما جرى مجراها مما يجرح بحده كرصاص البنادق اليوم.
ثانياً: الجوارح، وهي الكواسر من السباع، كالكلاب والطير.
لقوله: (يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ).
(وهو نوعان: ما يصيد بنابه: كالكلب والفهد، وما يصيد بمخلبه: الصقر والبازي).
• قوله (كلابك المعلمة) فيه دليل أنه يشترط في إباحة صيد الكلب أن يكون معلماً، وهذا الشرط لا خلاف فيه.
стр. 1114
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وكيفية التعليم:
بالنسبة ما يصيد بنابه كالكلاب، فيتبين تعلمه بأمور:
أولاً: أن يسترسل إذا أرسله صاحبه في طلب الصيد.
ثانياً: أن ينزجر إذا زجره [وهذا يكون لأحد غرضين: يكون بطلب وقوفه وكفه عن العدو، ويكون الزجر لإغراء الجارح بزيادة العدو في طلب الصيد].
وهذان الشرطان اتفقت المذاهب الأربعة على اعتبارهما.
ثالثاً: أن لا يأكل من الصيد إذا أمسكه، فإن أكل لم يبح.
وقد اختلفوا في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يشترط أن لا يأكل من الصيد، فإن أكل لم يبح.
وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد.
قال النووي: وبه قال أكثر العلماء.
لحديث الباب وهو نص، وفيه: (ألا يأكل الكلب، فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه).
ولقوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) وهذا مما لم يمسك علينا بل على نفسه.
القول الثاني: أنه يحل.
وهو قول مالك.
واستدلوا بحديث أبي ثعلبة قال: (يا رسول الله، إن لي كلاباً مكلبة، فأفتني في صيدها؟ قال: كل مما أمسكن عليك، قال: وإن أكل منه؟ قال: وإن أكل منه). رواه أبو داود، وقال الحافظ: لا بأس بسنده.
стр. 1115
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والراجح القول الأول.
وأما الجواب عن حديث أبي ثعلبة:
o أن حديث عدي مقدم عليه، لأنه أصح.
o ومنهم من حمل حديث أبي ثعلبة على ما إذا أكل منه بعد أن قتله وخلاه وفارقه ثم عاد فأكل منه، فهذا لا يضر.
o وأيضاً رواية عدي صريحة مقرونة بالتعليل المناسب للتحريم، وهو خوف الإمساك على نفسه متأيّدة بأن الأصل في الميتة التحريم.
وأما تعليم الطير فإنه يتبين بأمور:
أولاً: أن يسترسل إذا أرسل.
ثانياً: أن ينزجر إذا زجر.
ثالثاً: واختلفوا هل يشترط أن لا يأكل أم لا؟
قيل: يشترط، وهذا مذهب الشافعي قياساً على جارحة الكلب.
وقيل: لا يشترط، وهذا قول الحنفية والحنابلة. والله أعلم.
• قوله (إذا أرسلت كلبك المعلم) في إطلاقه دليل لإباحة الصيد بجميع أنواع الكلاب المعلمة من الأسود وغيرها.
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يجوز الاصطياد بجميع الكلاب المعلمة من الأسود وغيرها.
قال النووي: وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجماهير العلماء.
لعموم النص: (إذا أرسلت كلبك المعلم).
القول الثاني: يحرم الصيد بالكلب الأسود البهيم.
قال النووي: وبه قال الحسن البصري والنخعي وقتادة وأحمد وإسحاق.
لأنه شيطان.
стр. 1116
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والأول أرجح.
• قوله (إذا أرسلت … ) فيه دليل على أنه يشترط لحل الصيد أن يرسل الآلة قاصداً للصيد.
لأن الكلب أو البازي آلة، والذبح لا يحصل بمجرد الآلة بل لا بد من الاستعمال، وذلك فيهما: بالإرسال مع القصد.
• إذا استرسل الكلب بنفسه فقتل صيداً، لم يحل لفقدان الشرط، وهو الإرسال، لأن الإرسال يقوم مقام التذكية.
• إذا استرسل الكلب بنفسه على صيد فزجره صاحبه وسمى فزاد في عدوه وقتل، فهل يحل؟
قيل: يحل.
وهو مذهب الحنفية والحنابلة.
قالوا: لأن زجره أثّر في عدوه فصار كما لو أرسله.
وقيل: لا يحل.
وهو مذهب الشافعي.
لاجتماع الاسترسال المانع والإغراء المبيح، فتغلب جانب المنع.
والراجح الأول.
• تحريم صيد الكلب غير المعلم.
стр. 1117
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
• ذهب جماهير العلماء إلى أنه إذا اصطاد بالمعراض فقتل الصيد بحد حل، وإن قتله بعرضه لم يحل، لحديث الباب.
• قوله (فإن أمسك عليك فأدركته حياً فاذبحه) هذا تصريح بأنه إذا أدرك ذكاته وجب ذبحه ولم يحل إلا بالذكاة، قال النووي: وهو مجمع عليه.
• قوله (وإن وجدت مع كلبك كلباً غيره، وقد قتل فلا تأكل، فإنك لا تدري أيهما قتله).
قال النووي: فيه بيان قاعدة مهمة، وهي أنه إذا حصل الشك في الذكاة المبيحة للحيوان، لم يحل، لأن الأصل تحريمه، وهذا لا خلاف فيه، وفيه تنبيه على أنه لو وجده حياً وفيه حياة مستقرة، فذكاه حل ولا يضر كونه اشترك في إمساكه كلبه وكلب غيره، لأن الاعتماد حينئذٍ في الإباحة على تذكية الآدمي لا على إمساك الكلب.
• قوله (وإن وجدته غريقاً في الماء فلا تأكل) قال النووي: هذا متفق على تحريمه.
وجاء السبب في نفس الحديث: (فإنك لا تدري الماء قتله، أو سهمك).
• قوله (فإن غاب عنك يوماً أو يومين فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت) في هذا دليل لمن يقول: إذا أثر جرحه فغاب عنه فوجده ميتاً وليس فيه أثر غير سهمه حل، وهذا قول بعض العلماء.
وقيل: يحرم.
وقيل: يحرم في الكلب دون السهم.
قال النووي: الأول أقوى وأقرب إلى الأحاديث الصحيحة.
• جواز اقتناء الكلب المعلم للصيد.
• قال الحافظ ابن حجر: استدل به على طهارة سؤر كلب الصيد دون غيره من الكلاب، للإذن في الأكل من الموضع الذي أكل منه، ولم يذكر الغسل، ولو كان واجباً لبينه لأنه وقت الحاجة إلى البيان.
وقال بعض العلماء: يعفى عن عض الكلب ولو كان نجساً لهذا الحديث.
وهذا الصحيح أنه معفو عنه.
• قوله (ما أمسك عليك) استدل به على أنه لو أرسل كلبه على صيد فاصطاد غيره حل، للعموم الذي في قوله (ما أمسك) وهذا قول الجمهور.
وقال مالك: لا يحل.
стр. 1118
م/ إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحدّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته) رواه مسلم.
ذكر المصنف ﵀ حديث أبي يعلى شداد بن أوس (إن الله كتب الإحسان … ) ليستدل به على بعض الآداب المتعلقة بالذكاة.
كتب: فرض. الإحسان على كل شيء: أي في كل شيء تعملونه. فإذا قتلتم: أي أردتم قتل من يجوز قتله. فأحسنوا القتلة: أي هيئة القتل، وإحسانها: اختيار أسهل الطرق وأخفها إيلاماً. وإذا ذبحتم: أي أردتم ذبح ما يحل ذبحه من الحيوان.
فأحسنوا الذبحة: أي هيئة الذبح، بأن يكون بسكين حادة، وأن يعجل إمرارها.
وليحد: أي ليسن. شفرته: أي السكين.
• الأمر بالإحسان في كل شيء كما قال تعالى (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) وقال تعالى (إن الله يأمر بالعدل والإحسان).
وهذا الأمر بالإحسان قد يكون واجباً: كالإحسان إلى الوالدين والأرحام، وقد يكون مستحباً: كصدقة التطوع.
• الإحسان هو بذل جميع المنافع من أي نوع كان لأي مخلوق يكون، ولكنه يتفاوت بتفاوت المحسَن إليهم، وحقهم ومقامهم، وبحسب الإحسان، وعظم موقعه، وعظيم نفعه، وبحسب إيمان المحسن وإخلاصه، والسبب الداعي إلى ذلك.
• لا يجوز الذبح بآلة كآلة.
(أي غير حادة قد استعملت مراراً وتكراراً حتى صارت لا تنهر الدم إنهاراً تاماً).
لقوله ﷺ : (وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) رواه مسلم.
• فقوله (وليحد أحدكم شفرته) هذا أمر والأمر يقتضي الوجوب.
ولأن في الذبح بالآلة الكآلة إيلام للبهيمة بدون فائدة.
• يكره أن يحدها والحيوان يبصره.
فيكره حد السكين ونحوها والحيوان يبصره.
وقد ورد في حديث في مسند أحمد (أن النبي ﷺ أمر أن تحد الشفار وأن توارى عن البهائم) وفيه ضعف.
الشفار جمع شفرة وهي السكين.
ولأن في ذلك أذية للحيوان.
• الأفضل أن توجه للقبلة.
لحديث جابر قال (ضحى النبي ﷺ يوم عيد بكبشين فقال حين وجههما .. ) رواه ابن ماجه وفيه مقال.
• يحرم أن يكسر العنق قبل أن يذبح.
فلو أن رجلاً كسر عنقها وفيها حياة أو سلخها وفيها حياة فإن هذا حرام.
لحديث (إن الله كتب الإحسان على كل شيء .. وفيه: وليرح ذبيحته).
стр. 1119
م/ وقال ﷺ (ذَكَاةُ اَلْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمّهِ) رواه أحمد.
ذكر المصنف ﵀ حديث أبي سعيد في قوله ﷺ (ذَكَاةُ اَلْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمّهِ) ليستدل به على أن ذكاة الجنين ذكاة أمه.
واختلف في معنى الحديث:
فقيل: أن ذكاة الجنين كذكاة أمه. (أن صفة ذكاة الجنين كصفة تذكية أمه).
وقالوا: إن الجنين إذا ذكيت أمه وخرج ميتاً ولم يذك صار حراماً.
وقيل: إن ذكاة الجنين ذكاة أمه (فذكاة أمه كافية) وهذا القول هو الصحيح.
• وهذا الحكم إذا خرج ميتاً أو فيه حياة غير مستقرة، أما إذا خرج حياً فلا بد من تذكيته.
стр. 1120
باب الأيْمان والنذور
تعريف الأيمان:
الأيمان جمع يمين وهي: توكيد الشيء بذكر اسم الله أو صفة لله.
قال الجوهري: سميت اليمين بذلك لأنهم كانوا إذا تحالفوا ضرب كل امرئ منهم بيمينه على يمين صاحبه.
والأصل في مشروعيتها الكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ).
وقال تعالى (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ).
كما أن الله أمر نبيه بالقسم في ثلاثة مواضع من كتابه.
فقال تعالى (وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ).
وقال تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ).
وقال تعالى (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ).
وأما من السنة فأحاديث كثيرة:
منها قوله ﷺ (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) متفق عليه.
وكان أكثر قسم رسول الله ﷺ (ومقلب القلوب) رواه البخاري.
قال ابن قدامة: وأجمعت الأمة على مشروعية اليمين وثبوت أحكامها.
стр. 1121
• أحرف القسم ثلاثة هي: الباء، والواو، والتاء.
الباء: مثال (أقسم بالله لأفعلن .. ).
الواو: مثال (والله لأفعلن) (والرحمن لأفعلن). وهي أكثر شيوعاً في الاستعمال من الباء.
التاء: مثال: قوله تعالى (تالله لأكيدن أصنامكم) وهي لا تدخل إلا على لفظ الجلالة.
• الأصل أن الأفضل عدم الإكثار من الحلف.
قال تعالى (وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ).
فقد ورد في تفسير هذه الآية جملة أقوال منها المراد بحفظ اليمين عدم الإكثار منها.
وقال تعالى (وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ).
قال القرطبي: الحلاف: كثير الحلف.
وقد بوب الشيخ محمد بن عبدالوهاب ﵀ في كتاب التوحيد باب (ما جاء في كثرة الحلف).
ومناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن كثرة الحلف بالله يدل على أنه ليس في قلب الحالف من تعظيم الله ما يقتضي هيبة الحلف به، وتعظيم الله من تمام التوحيد.
وجاء في الحديث قال ﷺ (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته) متفق عليه.
• الحكمة من مشروعيتها: التأكيد، وذلك إما لحمل المخاطب على الثقة بكلام الحالف وأنه لم يكذب فيه إن كان خيراً، ولا يخلفه إن كان وعداً أو وعيداً أو نحوهما، وإما لتقوية عزم الحالف نفسه على فعل شيء يخشى إحجامها عنه، أو ترك شيء يخشى إقدامها عليه.
стр. 1122
• أيمان الرسول ﷺ :
ومقلب القلوب:
عن ابن عمر. قال (كانت يمين النبي ﷺ ، لا ومقلب القلوب) رواه البخاري.
والله:
قال ﷺ (ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم خشية).
ورب الكعبة:
قال أبو ذر (انتهيت إلى النبي ﷺ وهو يقول في ظل الكعبة: هم الأخسرون ورب الكعبة).
وأيم الله:
قال ﷺ (وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها).
وأيم الذي نفس محمد بيده:
قال ﷺ (وأيم الذي نفس محمد بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون).
والذي نفس محمد بيده:
قال ﷺ (والذي نفس محمد بيده إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة).
والذي لا إله غيره:
قال ﷺ (فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها .. ).
стр. 1123
م/ لا تنعقدُ اليمين إلا بالله، أو اسم من أسمائه، أو صفة من صفاته.
أي: أن اليمين التي تجب فيها الكفارة إذا حنث هي:
اليمين بالله: كأن يقول: أقسم بالله.
أو باسم من أسماء الله: كأن يقول: والخالق، ورب العالمين، والرازق.
أو صفة من صفاته: كأن يقول: أقسم بعزة الله _ أو بوجه الله.
قال تعالى (فبعزتك لأغوينهم أجمعين).
وحديث أنس مرفوعاً (وفيه قول النار: قط قط وعزتك) رواه البخاري.
وفي حديث أبي هريرة. أن رسول الله ﷺ قال (لما خلق الله الجنة والنار، أرسل جبريل إلى الجنة فقال: انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فنظر إليها فرجع فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها). متفق عليه
وفي حديث أبي هريرة مرفوعاً، وفيه قول الذي يخرج من النار: (وعزتك لا أسألك غيرها). متفق عليه
• استثنى الشيخ ابن عثيمين ﵀ الصفات الخبرية [وهي التي بالنسبة لنا أبعاض وأجزاء] كالوجه، واليد، والأصبع ونحوها فلم يجوز الإقسام بها ما عدا الوجه قال: لأنه يعبر به عن الذات).
• يجوز الحلف بالمصحف.
لأن القرآن كلام الله، وكلام الله تعالى صفة من صفاته لذلك يجوز القسم به.
• الحلف بآيات الله ينقسم إلى قسمين:
الآيات الكونية: كالليل والنهار، والشمس والقمر، والجبال والأشجار، فهذا لا يجوز الحلف بها لأنها قَسَم بالمخلوق.
الآيات الشرعية: كالقرآن فهذا يجوز.
стр. 1124
م/ والحلف بغير الله شرك، لا تنعقد به اليمين.
أي: أن الحلف بغير الله حرام وشرك.
عن ابن عمر. (أن النبي ﷺ أدرك عمر بن الخطاب وهو يسير في ركب يحلف بأبيه فقال: ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) متفق عليه.
قال عمر (فوالله ما حلفت بها منذ سمعت النبي ذاكراً أو آثراً).
[ذاكراً] أي عامداً [آثراً] أي حاكياً عن الغير.
وعن ابن عمر. قال: قال رسول الله ﷺ (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) رواه أبوداود.
وعن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون) رواه أبوداود.
قال ابن عبد البر: لا يجوز الحلف بغير الله إجماعاً.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما الحلف بغير الله من الملائكة والأنبياء والمشايخ والملوك وغيرهم فإنه منهي عنه غير منعقد باتفاق الأئمة.
قال ابن حجر: قال العلماء: السر في النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة لله وحده.
• ولا تنعقد هذه اليمين التي بغير الله، فلو حلف بالملك أو بالصنم أو بالنبي فإن هذه اليمن غير منعقدة.
• إشكال، فإن قيل: ما الجواب عن حديث طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ يَقُولُ: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأْسِ نَسْمَعُ دَوِىَّ صَوْتِهِ وَلَا نَفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ. فَقَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهُنَّ قَالَ: لَا. إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ، وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ. فَقَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهُ فَقَالَ: لَا. إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ. وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ فَقَالَ: هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهَا قَالَ: لَا. إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ، قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَفْلَحَ [وأَبِيهِ] إِنْ صَدَقَ) رواه مسلم.
قد أجاب العلماء عن هذا بعدة أجوبة:
قيل: يحتمل أن هذا قبل النهي، وقيل: إن هذا ليس حلفاً وإنما كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها في كلامها غير قاصدة حقيقة الحلف وإلى هذا جنح البيهقي والنووي.
стр. 1125
م/ ولا بد أن تكون اليمين الموجبة للكفارة على أمر مستقبل، فإن كانت على ماضٍ - وهو كاذب عالماً - فهي اليمين الغموس.
أي: أن اليمين التي توجب الكفارة لها شروط، من هذه الشروط أن تكون على أمر مستقبل.
مثال: كأن يقول: والله لأسافرنّ غداً، أو يقول: والله لا أدخل دار فلان.
• فإن كانت على أمر ماضي وهو عالم كاذب فهذه اليمين الغموس.
فاليمين الغموس: هي التي يحلف فيها على أمر ماض كاذباً عالماً.
مثال: أن يقول والله ما قرأت هذا الكتاب، وهو قد قرأه.
• سميت بذلك لأنها تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار.
• وهي من كبائر الذنوب:
لحديث عبد الله بن عمرو. عن النبي ﷺ قال (الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس) رواه البخاري.
وقيل: هي التي يقتطع فيها مال امرئ مسلم للحديث الوارد في ذلك.
следующие страницы →