← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 832

شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (1 270 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

م/ (وَقَالَ: غُفْرَانَكَ). أي ويسن أن يقول بعد خروجه من الخلاء غفرانك. لحديث عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا خرج من الخلاء قال غفرانك). رواه أبو داود الغائط: المكان الذي يتغوط فيه. وإن كان في البر فعند مفارقته مكان جلوسه. • والمغفرة: ستر الذنب والتجاوز عنه. • اختلف العلماء في مناسبة قوله (غفرانك) هنا: فقيل: لأنه ترك ذكر الله زمن لبثه على الخلاء تقصيراً منه، فتداركه بالاستغفار. وهذا قاله البغوي والخطابي والنووي. وقيل: لما تخفف من أذية الجسم تذكر أذية الإثم، فدعا الله أن يخفف عنه أذية الإثم، كما منّ عليه بتخفيف أذية الجسم [قاله ابن القيم]، وهذا القول أنسب. وقيل: أنه استغفر خوفاً من تقصيره في شكر نعمة الله تعالى التي أنعمها عليه، فأطعمه ثم هضمه، ثم سهّل خروجه، فرأى شكره قاصراً على بلوغ هذه النعمة، فتداركه بالاستغفار.

стр. 37

م/ (اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي اَلْأَذَى وَعَافَانِي). وهذا جاء في حديث أنس: (أن النبي ﷺ كان إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني). رواه ابن ماجه وهذا الحديث ضعيف لا يصح، وضعفه النووي. • الأذى: أي ما يؤذيني من البول والغائط، عافاني: أي من انحباسهما المؤدي إلى المرض أو الهلاك.

стр. 38

م/ وَيَعْتَمِدُ فِي جُلُوسِهِ عَلَى رِجْلِهِ اَلْيُسْرَى، وَيَنْصِبُ اَلْيُمْنَى. أي ويستحب أن يعتمد عند قضاء الحاجة على رجله اليسرى. لحديث سراقة بن مالك قال: (علمنا رسول الله ﷺ في الخلاء أن نقعد على اليسرى وننصب اليمنى). رواه البيهقي وهو حديث ضعيف وقالوا: إن ذلك يسهل خروج الخارج، وفيه أيضاً إكراماً لليمين. لكن الحديث ضعيف، والحديث الضعيف لا تثبت به الأحكام الشرعية. فإن ثبت من الناحية الطبية أن هذه الجلسة مفيدة صارت مطلوبة لا من جهة أنها من السنة، ولكن من جهة أنها من المصلحة، لأن كل ما فيه مصلحة فإنه مأمور به.

стр. 39

م/ وَيَسْتَتِر بِحَائِطٍ وَنَحْوِه. أي ويسن أن يستتر ويختفي عن الناظرين بجدار أو جبل أو شجر أو نحو ذلك. لحديث عبد الله بن جعفر قال: (كان أحبَّ ما استتر به رسول الله ﷺ لحاجته هدف أو حائش نخل) رواه مسلم والمراد استتار بدنه كلِّه، فهذا أفضل. وأما استتاره بالنسبة للعورة فهذا واجب. هدفٌ: ما ارتفع من الأرض. … حائش نخل: حائط نخل.

стр. 40

م/ (وَيُبْعِدُ إِنْ كَانَ فِي الفَضَاء). أي ويسن أن يبتعد عن العيون إذا كان في فضاء كصحراء ليس فيها جبال أو أشجار ساترة. لحديث المغيرة بن شعبة قال: (فانطلق - أي رسول الله ﷺ حتى توارى عنّي فقضى حاجته) متفق عليه ولحديث المغيرة قال: (كان النبي ﷺ إذا ذهب إلى الغائط أبعد) رواه أبو داود وصححه النووي ولحديث جابر: (أن النبي ﷺ كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد). رواه أبو داود • هذا إن كان في الصحراء، فإن كان في البنيان حصل المقصود بالبناء المعد لقضاء الحاجة.

стр. 41

م/ (ولَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يقْضِي حَاجَتَهُ فِي طَرِيق). أي ويحرم عليه أن يقضي حاجته في طريق، وقد قيده كثير من العلماء بالطريق المسلوك المأتي. لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (اتقوا اللعانين، قالوا: وما اللعانان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم). رواه مسلم • اللعانين: أي الأمْريْن الجالبين للعن، الحاملين الناسَ عليه، وذلك أن من فعلهما لُعن وشُتم، لأن عادة الناس لعنه، وقد يكون اللاعن بمعنى الملعون: أي الملعون فاعلهما. ولأن ذلك من إيذاء المسلمين بتنجيس من يمر به ونتنه واستقذاره، وفيه إضرار على المجتمع. • قال العلماء: يدخل في ذلك كل ما يحتاج إليه الناس من الأفنية والحدائق والميادين العامة، وأماكن الاستراحة التي قد توجد على بعض الطريق.

стр. 42

م/ أَو مَحِلِّ جُلُوسِ النَّاس. أي يحرم أن يقضي حاجته في مكان جلوس الناس، كالاستراحات والحدائق والميادين العامة. لأن في ذلك إيذاء للمسلمين، وإيذاء المسلمين حرام.

стр. 43

م/ أَو تَحْتِ الأَشْجَارِ المُثْمِرَة. أي ويحرم قضاء الحاجة تحت الأشجار المثمرة، للحديث السابق. • قوله (المثمرة) يضاف لهذا القيد ثمرة مقصودة أو ثمرة محترمة. فالمقصودة هي التي قصدها الناس ولو كانت غير مطعومة، فلا يجوز التبول تحتها أو التغوط. والمحترمة كثمرة النخل، ولو كانت في مكان لا يقصده أحد، فلا يبول ولا يتغوط تحتها ما دامت مثمرة، لأن الثمر طعام محترم. • قوله (تحتها) هذا يفيد أنه لا بد أن يكون قريباً منها، وليس بعيداً. • ومن الأماكن التي لا يجوز قضاء الحاجة فيها الظل النافع، للحديث السابق. فالمحرم هو التبول أو التغوط تحت الظل النافع الذي يستظل به الناس، لقوله (أو ظلهم). وإضافة الظل في الحديث إليهم دليل على إرادة الظل المنتفع به، الذي هو محل جلوسهم، فلو بال أو تغوط في ظل لا يُجلس فيه فلا يقال بالتحريم.

стр. 44

م/ أَو فِي مَحلٍّ يُؤْذِي بِهِ النَّاس. أي لا يجوز أن يبول أو يتغوط في أي مكان يؤذي به الناس، لأن إيذاء المسلمين حرام. كالمساجد: فإن النبي ﷺ قال للأعرابي لما بال في المسجد: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول أو القذر، وإنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن). رواه مسلم وكذلك المدارس: فكل مجتمعات الناس لأمر ديني أو دنيوي لا يجوز للإنسان أن يتبول فيها أو يتغوط.

стр. 45

م/ وَلَا يَسْتَقْبِلُ اَلْقِبْلَةَ أَوْ يَسْتَدْبِرُهَا حَالَ قَضَاءِ اَلْحَاجَةِ. لِقَوْلِهِ ﷺ : (إِذَا أَتَيْتُمُ اَلْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا اَلْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أي من آداب قضاء الحاجة؛ أنه لا يجوز لقاضي الحاجة أن يستقبل القبلة أو يستدبرها حال قضاء الحاجة سواء في الفضاء أو البنيان. والقول بالتحريم مطلقاً في الفضاء والبنيان هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم. لحديث أبي أيوب قال: قال ﷺ : (لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها بغائط ولا بول ولكن شرقوا أو غربوا). متفق عليه هذا خطاب لأهل المدينة ممن إذا شرقوا أو غربوا لا يستقبلون القبلة ولا يستدبرونها. ولحديث سلمان قال: (لقد نهانا رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلة بغائط أو بول) رواه مسلم لهذه الأحاديث ذهب ابن تيمية وابن القيم وابن العربي والشوكاني إلى تحريم الاستقبال والاستدبار في الفضاء والبنيان. • وذهب جمهور العلماء إلى التفريق بين البنيان والفضاء، فقالوا: يجوز في البنيان ويحرم في الفضاء. لحديث ابن عمر قال: (رقيت يوماً على بيت حفصة فرأيت النبي ﷺ يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة) متفق عليه قالوا: فهذا الحديث دليل على جوازه في البنيان. والراجح القول الأول؛ وهو التحريم مطلقاً. ويجاب عن حديث ابن عمر بعدة أجوبة: أولاً: أن أحاديث النهي قول، وحديث ابن عمر فعل، والقول أقوى من الفعل. ثانياً: يحتمل أنه خاص بالنبي ﷺ فلا يلحق به غيره. ثالثاً: يحتمل أنه قبل النهي، فالنهي يترجح عليه.

стр. 46

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . • حديث أبي أيوب في النهي عن استقبال القبلة حال قضاء الحاجة، دليل على جواز استقبال الشمس والقمر حال قضاء الحاجة، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن استقبالهما مكروه قالوا: لما فيها من نور الله. ولحديث ورد: (أن رسول الله ﷺ نهى أن يبول الرجل وفرجه بادٍ إلى الشمس أو القمر). والصحيح أنه لا يكره. ١. التعليل الذي ذكروه منقوض بسائر الكواكب. ٢. وأما الحديث باطل. قال ابن حجر: " هذا حديث باطل لا أصل له "، وقال النووي: " هذا حديث باطل ". وقال ابن القيم عن هذه المسألة: " فإن النبي ﷺ لم ينقل عنه في ذلك كلمة واحدة لا بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا مرسل ولا متصل، وليس لهذه المسألة أصل في الشرع ". وقال الشيخ السعدي ﵀: " والصحيح أنه لا يكره استقبال النيرين وقت قضاء الحاجة، والتعليل الذي ذكروه، وهو لما فيهما من نور الله تعالى، منقوض بسائر الكواكب، وعلة غير معتبرة ". فائدة: قال ابن حجر: " لم يقصد ابن عمر الإشراف على النبي ﷺ في تلك الحالة، وإنما صعد السطح لضرورة كانت له، كما في الرواية الآتية: (فحانت منه التفاتة) كما في رواية البيهقي، نعم لما اتفقت له رؤيته في تلك الحالة عن غير قصد؛ أحب أن لا يخلي ذلك من فائدة، فحفظ هذا الحكم الشرعي ".

стр. 47

م/ فَإِذَا قَضَى حَاجَتَهُ اِسْتَجْمَرَ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ وَنَحْوِهَا، تُنَقِّي اَلْمَحَلَّ، ثُمَّ اسْتَنْجَى بِالمَاء وَيَكْفِي الاقْتِصَارُ عَلَى أَحَدِهِمَا. ذكر المؤلف أن قاضي الحاجة له ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يجمع بين الاستجمار والاستنجاء، فيستجمر أولاً ثم يستنجي. قال النووي: " الذي عليه الجماهير من السلف والخلف أن الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر، فيستعمل الحجر أولاً لتخف النجاسة وتقل مباشرتها بيده، ثم يستعمل الماء ". وقال العيني: " مذهب جمهور السلف والخلف، والذي أجمع عليه أهل الفتوى من أهل الأمصار؛ أن الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر، فيقدِّم الحجر أولاً ثم يستعمل الماء، فتخف النجاسة وتقل مباشرتها بيده، ويكون أبلغ في النظافة ". الخلاصة: أن الجمع بين الحجر ثم الماء أفضل: أولاً: لأنه أبلغ في النظافة. ثانياً: ولأنه إذا استعمل الحجر أولاً خفف النجاسة وقلَّت مباشرتها باليد. • لكن لم يثبت بهذه حديث. الحالة الثانية: أن يقتصر على الماء، فهذا جائز. لحديث أنس قال: (كان رسول ﷺ يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة فيستنجي بالماء) متفق عليه إداوة من ماء: الإداوة هي الإناء الصغير من الجلد يُجعل للماء، غلام نحوي: أي مقارب لي بالسن. الحالة الثالثة: أن يقتصر على الحجارة فقط، وهذا جائز. لحديث سلمان قال: (نهانا رسول الله ﷺ أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار). رواه مسلم ولحديث ابن مسعود قال: (أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين ولم أجد ثالثاً، فأتيته بروثة، فأخذهما وألقى الروثة، وقال: هذا ركس). رواه البخاري

стр. 48

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . • وقد ذكر المؤلف أنه يشترط للاستنجاء بالأحجار أن تكون بثلاثة أحجار. لحديث سلمان السابق (لقد نهانا رسول الله ﷺ أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار). رواه مسلم ولحديث ابن مسعود السابق (أن النبي ﷺ أتى الغائط فأمرني أن آتية بثلاثة أحجار … ). فلا يجوز أن تنقص عن ثلاثة أحجار. • قوله (ثلاثة) ظاهره أنه لا بد من ثلاثة أحجار. • قوله (ثلاثة) أخذ بظاهر الحديث بعض العلماء، وقالوا: لا بد من ثلاثة أحجار، فلا يجزئ حجر واحد له ثلاث شعب، فيمسح بكل شعبة مسحة. وذهب أكثر العلماء أنه لا يلزم ثلاثة أحجار، وأنه لو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف فمسح بكل حرف مسحة أجزأه. قالوا: لأن العلة معلومة، وهي قصد الإنقاء وتطهير المحل، فإذا كان الحجر له ثلاث شعب غير متداخلة، واستجمر بكل جهة منه صح، وهذا القول هو الصحيح. • قوله (ثلاثة أحجار) لا يجوز أقل من ثلاثة أحجار، حتى لو أراد أن يتبعه بالماء. لأن بعض العلماء قال يجوز أن يقتصر على أقل من ثلاثة أحجار إذا أراد أن يتبعه بالماء، لأن الماء وحده كافٍ كما سبق في حديث أنس، والأخذ بظاهر الحديث أقوى؛ وهو أنه لا ينقص عن ثلاثة أحجار حتى لو أراد أن يتبع ذلك بالماء. • قول المؤلف (تنقي المحل) أي ينقي بهذه الثلاث محل الخارج، لأن هذا هو المقصود من الاستجمار، فإن كانت غير منقية لم يجزئ، كالحجر الأملس، أو الرطب ونحو ذلك.

стр. 49

م/ وَلا يَسْتَجْمِرُ بِالرُّوثِ وَالعِظَامِ، كَمَا نَهَى عَنْهُ النَّبِي ﷺ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا لَهُ حُرْمَةٌ. ذكر المؤلف هنا الأشياء التي لا يصح الاستجمار بها، فذكر: الروث والعظام. لحديث سلمان قال: (نهانا رسول الله ﷺ أن نستنجي برجيع أو عظم). رواه مسلم وعن جابر قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يُتمسح بعظم أو بعر). رواه مسلم وعن أبي هريرة ﵁ قال: (انبعث النبي ﷺ وخرج لحاجته، فقال: أتبعني أحجاراً استنفض بها - أو نحوه - ولا تأتني بعظم ولا روث). رواه البخاري وعن رويفع بن ثابت قال: (قال لي رسول الله ﷺ : (يا رويفع لعل الحياة ستطول بك بعدي، … فأخبر الناس أن من استنجى برجيع دابة أو عظم؛ فإن محمداً منه بريء). رواه ابو داود • الحكمة: في العظم؛ قال ﷺ : (هي طعام إخوانكم من الجن). وأما الروث؛ فللنجاسة. ففي حديث ابن مسعود السابق: ( … فألقى الروثة وقال: إنها ركس). ركس: أي نجس. • (كل ما له حرمة). ككتب فيها ذكر الله، وكتب حديث وفقه ونحوها، لما فيه من هتك الشريعة والاستخفاف بحرمتها. وكذلك الطعام، لا يجوز الاستجمار به، لأنه كفر بالنعمة، وإذا كان طعام الجن محترم فطعام بني آدم أولى. ومما لا يصح الاستجمار به الشيء النجس، لأن إزالة النجاسة لا تكون بالشيء النجس.

стр. 50

إِزَالَةُ اَلنَّجَاسَةِ وَالْأَشْيَاءِ اَلنَّجِسَةِ النجاسة ضد الطهارة، وهي نوعان: أولاً: نجاسة عينية: وهي كل عين جامدة يابسة أو رطبة أو مائعة، وهذه لا تطهر بحال، وسميت عينية لأنها تدرك بالعين، كالبول ودم الحائض. ثانياً: نجاسة حكمية: وهي التي تقع على شيء طاهر فينجس بها، كالبول يقع على الثوب أو فراش ونحوهما، وهي المراد هنا. وَيَكْفِي فِي غَسْلِ جَمِيعِ اَلنَّجَاسَاتِ عَلَى اَلْبَدَنِ، أَوْ اَلثَّوْبِ، أَوْ اَلْبُقْعَةِ، أَوْ غَيْرِهِا: أَنْ تَزُولَ عَيْنُهَا عَنْ اَلْمَحَلِّ. أي أنه يكفي إذا وقعت نجاسة على البدن أو الثوب أو البقعة أو غيرها أن تغسل حتى تزول عينها عن المحل، ولا يشترط عدد معين للغسلات. وما ذكره المؤلف هو القول الراجح، وهو اختيار ابن تيمية ﵀: أنه لا يجب العدد في غسل نجاسة غير الكلب، بل يكفي غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة وأثرها، فإن لم تذهب زاد حتى يذهب أثرها ولو جاوز السبع سواء في الأرض أو الثوب أو الأواني. لقوله ﷺ : (إذا أصاب إحداكن الدم من الحيضة فلتقرصه ثم لتنضحه بماءٍ، ثم لتصلي فيه) ولم يأمر فيه بعدد، ولو أراد لبيّنه كما في حديث الولوغ. (وأمر النبي ﷺ أن يصب على بول الأعرابي سَجْل من ماء) ولم يأمر بالعدد. ولأن المقصود إزالة النجاسة، فمتى زالت زال حكمها. قال الشيخ السعدي مرجحاً هذا القول: " الصحيح في غسل النجاسات كلِّها غير الكلب: أنه يكفي فيها غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة وأثرها، فإن لم تذهب زاد حتى يذهب أثرها، ولو جاوز السبع، وسواء كانت على الأرض أو الثياب أو البدن أو الأواني أو غير ذلك … إلى أن قال: لأن جميع النصوص الواردة في غسل النجاسات مطلقة لا قيد فيها ولا عدد، وذلك يدل على أن المقصود إزالتها فقط، وأن العدد فيها غير مقصود ". ولأن غسل النجاسة لا يحتاج إلى نية، فلا يحتاج إلى عدد. ولأنه لو لم تزل بسبع غسلات وجب الزيادة على ذلك بالاتفاق، فدل على عدم اعتبار السبع، إلا فيما جعله الشارع شرطاً فيه كنجاسة الكلب. وذهب بعض العلماء إلى أن النجاسة تغسل سبعاً. وهذا المشهور من المذهب. لما روى ابن عمر قال: (أمرنا بغسل الأنجاس سبعاً) وهذا الأثر لا يصح ولا يحتج به، وقد ذكره ابن قدامة في المغني بدون إسناد.

стр. 51

م/ لِأَنَّ اَلشَّارِعَ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي جَمِيعِ غَسْلِ اَلنَّجَاسَاتِ عَدَدًا إِلَّا فِي نَجَاسَةِ اَلْكَلْبِ، فَاشْتَرَطَ فِيهَا سَبْعَ غَسْلَاتٍ، إِحْدَاهَا بِالتُّرَابِ. [فِي اَلْحَدِيثِ اَلْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ] أي إلا نجاسة الكلب فإنها تغسل سبع مرات، فلو أن الكلب ولغ في إناء فإنه يغسل سبع مرات إحداهن بالتراب. لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات). متفق عليه ولمسلم: (أولاهن بالتراب). طُهور: بضم الطاء؛ مُطَهِّر. إذا ولغ: أي إذا شرب أو أدخل طرف لسانه وحركه، فالولوغ: أن يدخل لسانه في المائع فيحركه، فإن كان فارغاً قيل: لحسه. • قوله المصنف (إحداها بالتراب) هذه جاءت في رواية، وجاء في رواية للترمذي (أخراهن) وعند مسلم (أولاهن بالتراب) وهذه الرواية أرجح الروايات لأسباب أولاً: لكثرة رواتها. ثانياً: ومن حيث المعنى: لأن تتريب الأولى يجعل ما بعدها من الماء مزيلاً لأثر التراب، بخلاف ما لو كان في السابعة مثلاً فإنه يحتاج إلى غسلة أخرى لتنظيفه. • لا بد من التراب، فلا يقوم غير التراب مقام التراب، لأن الشارع نص عليه، ولأن في التراب مادة تقتل الجراثيم التي تخرج من لعاب الكلب. • قوله (الكلب) (ال) في الكلب للاستغراق، فيشمل جميع أنواع الكلاب، وعليه فلا فرق بين الكلب المأذون فيه ككلب الصيد وحراسة الماشية والزرع، وغير المأذون فيه وهو ما عداها. • ذهب جمهور العلماء إلى أن نجاسة الكلب لا بد فيها من سبع غسلات إحداهن بالتراب، سواء كانت نجاسته بولوغ، أو بول، أو روث، أو غيرها، والنبي ﷺ نص على الولوغ لأنه هو الغالب، إذ أن الكلب لا يجعل بوله وروثه في الأواني، وما خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له. وذهب بعض العلماء: أن الغسل سبعاً خاص بنجاسة الولوغ، أما بوله وروثه ودمه وعرقه؛ فكسائر النجاسات، وهذا قول الظاهرية، واختاره الشوكاني. وقول الجمهور أحوط. • ذهب بعض العلماء إلى أن الخنزير يقاس على الكلب فتغسل نجاسته سبعاً كالكلب. لأن النص ورد في الكلب، والخنزير شرٌّ منه وأغلظ منه، لأن الشارع نص على تحريمه وحرمة اقتنائه، وإنما لم ينص الشارع عليه لأنهم لم يكونوا يعتادونه. والصحيح أنه لا يقاس على الكلب لسببين: الأول: لأن النص ورد في الكلب. الثاني: أن الخنزير مذكور في القرآن وموجود في عهد الرسول ﷺ ، ولم يرد إلحاقه بالكلب. ورجح هذا النووي، وقال: " واعلم أن الراجح من حيث الدليل أنه يكفي غسلة واحدة بلا تراب، وبه قال أكثر العلماء الذين قالوا بنجاسة الخنزير، وهذا هو المختار، لأن الأصل عدم الوجوب حتى يرد الشرع، لا سيما في هذه المسألة المبنية على التعبد ".

стр. 52

م/ وَالْأَشْيَاءُ اَلنَّجِسَةُ: بَوْلُ اَلْآدَمِيِّ، وَعُذْرَتُهُ. ذكر المؤلف ﵀ الأشياء النجسة، ومنها: البول والغائط. وهذه نجسة بالإجماع. للأمر بالتنزه من البول والاستنجاء من الغائط. ففي حديث الأعرابي أمر النبي ﷺ أن يصب الماء على بول الأعرابي. قال النووي: " فيه إثبات نجاسة بول الآدمي، وهو مجمع عليه ". وقال الشوكاني: " واستدل بحديث الباب على نجاسة بول الآدمي، وهو مجمع عليه ". ولحديث ابن عباس قال: (مرّ النبي ﷺ على قبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان بكبير … أما إحداهما فكان لا يستنزه من بوله). متفق عليه وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه). رواه الدار قطني • ولذلك قال الفقهاء: يجوز للإنسان أن يبول قائماً بشرط أن يأمن الرشاش والناظر كما في حديث حذيفة (أن النبي ﷺ أتى سباطة قوم فبال قائماً) متفق عليه. وقالوا أيضاً: يستحب أن يطلب لبوله موضعاً رخواً ليناً حتى لا يرجع إليه رشاش البول.

стр. 53

م/ وَالدَّمُ، إِلَّا أَنَّهُ يُعْفَى عَنِ اَلدَّمِ اَلْيَسِيرِ. وَمِثْلُهُ: اَلدَّمُ اَلْمَسْفُوحُ مِنْ اَلْحَيَوَانِ اَلْمَأْكُولَ، دُونَ اَلَّذِي يَبْقَى فِي اَللَّحْمِ وَالْعُرُوقِ. فَإِنَّهُ طَاهِرٌ. ومن النجاسات الدم، والدم فيه تفصيل: أولاً: الدم الخارج من الإنسان؛ إن كان من السبيلين - القبل والدبر - كدم الحيض، فلا خلاف في نجاسته. لقوله ﷺ لأسماء في دم الحيض يصيب الثوب: (تحته ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه). ثانياً: أما الخارج من غير السبيلين؛ كدم الرعاف والسن والجروح وغيرها؛ ففيه قولان: القول الأول: أنه نجس فيجب غسله ويعفى عن يسيره. وهذا قول الجمهور. القول الثاني: أنه طاهر عدا دم الحيض. وهذا قول الشوكاني والألباني والشيخ ابن عثيمين. قالوا: أن الأصل في الأشياء الطهارة حتى يقوم دليل على النجاسة. ولقصة الصحابي الذي رماه المشرك بثلاثة أسهم وهو قائم يصلي في الليل، فمضى في صلاته والدماء تسيل منه، وذلك في غزوة الرقاع. وقال الحسن: (ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم). وصلى عمر وجرحه يثعب دماً. وهذا القول هو الراجح. ثالثاً: الدم الخارج من حيوان نجس، كدم الكلب والخنزير؛ فهذا نجس قليله وكثيره لنجاسة عينه. رابعاً: الدم الخارج من حيوان طاهر في الحياة بعد الموت، كالإبل، والبقر، والغنم، فهذا إن كان مسفوحاً - وهو الذي يسيل - فهو نجس، وإن كان مما يبقى في المذبح أو يكون على اللحم؛ فهو طاهر، لأن الله إنما حرم المسفوح، فما ليس بمسفوح فهو حلال. خامساً: الدم الخارج من حيوان طاهر في الحياة وبعد الموت، فهذا طاهر، كدم السمك، لأن ميتته طاهرة.

стр. 54

م/ وَمِنَ اَلنَّجَاسَاتِ: بَوْلُ وَرَوَثُ كُلِّ حَيَوَانٍ مُحَرَّمٍ أَكْلُهُ. أي أن بول وروث الحيوان غير المأكول [كالأسد والنمر وغيرها] نجس، وهذا مذهب جماهير العلماء. قالوا: إن لحم هذا الحيوان خبيث، فكذلك بوله. • قوله (كل حيوان محرم أكله) دليل على أن بول الحيوان غير محرم الأكل طاهر، وهذا مذهب الحنابلة [وسيأتي].

стр. 55

م/ وَالسِّبَاعُ كُلُّهَا نَجِسَةٌ. السباع - كالأسد والنمر والذئب وغيرها - نجسة، فلو أن ذئباً شرب من إناء، وبقي بعد شربه شيء من الماء، فإنه نجس لحديث ابن عمر قال، سمعتُ رسول الله ﷺ وهو يسأل عن الماء يكون في الفلاة من الأرض وما ينوبه من السباع والدواب فقال (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) رواه أبو داود وهو حديث صحيح. [وما ينوبه: أي يرد عليه نوبة بعد أخرى] قالوا: لو كانت طاهرة لم يحده بالقلتين. قال المجد ابن تيمية في المنتقى: حديث ابن عمر في القلتين يدل على نجاستها، وإلا يكون التحديد بالقلتين في جواب السؤال عن ورودها على الماء عبثاً. وقال ﷺ في الحمر الأهلية يوم خيبر (إنها رجس). وذهب بعض العلماء إلى طهارتها تمسكاً بالأصل. وللحديث الذي رواه ابن ماجه (أن النبي ﷺ سئل عن الحياض التي تكون بين مكة والمدينة وما يرد إليها من السباع فقال: لها ما شربت في بطونها، ولنا ما غبر طهور) أي ما بقي طهور. وقالوا: إن معنى قوله (إنها رجس) أي المراد لحمها. وذهب بعض العلماء إلى طهارة البغل والحمار واختار هذا القول ابن قدامة، ورجحه السعدي والشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين رحم الله الجميع. قال في المغنى: " والصحيح عندي: طهارة البغل والحمار، لأن النبي ﷺ كان يركبها وتُركب في زمنه وفي عصر الصحابة، فلو كان نجساً لبيّن النبي ﷺ ذلك، ولأنهما مما لا يمكن التحرز منهما لمقتنيهما، فأشبها السنور ". وقال الشيخ السعدي: " والصحيح الذي لا ريب فيه أن البغل والحمار طاهران في الحياة كالهر، فيكون ريقهما وعرقُهُما طاهراً، وذلك أن النبي ﷺ كان يركبهما كثيراً، ويركبان في زمنه، ولا يُمكن المستعمل لهما التحرز من ذلك، فلم يغسِل ما أصابه منهما، ولا أمر بذلك، وقد قال ﷺ في الهرة: إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات، فعلّل بكثرة طوفانها ومشقة التحرز منها، ومن المعلوم أن المشقة في الحمار والبغل أشد من ذلك، وقد اعتبر الشارع المشقة في أمور كثيرة من الشرع وعفا عنها، مع قيام المقتضي للمنع لأجل المشقة، وأما قوله ﷺ : إنها رجس، فنعم هو كما قال ﷺ : لحومها خبيثة وأكلها خبيث، والقدور التي تطبخ فيها أو تُباشر لحومها خبيثة، وأما العرق والريق والشعر، فلم يدل الحديث عليه بوجهٍ، فالنبي ﷺ أمر باجتناب لحومها، وأخبر عن خبثها، ورخص في استعمالها وركوبها، ولم يأمر بالتحرز من ذلك، فهذا هو الصواب ". • فقول المصنف (والسباع نجسة) نخرج الحمار الأهلي والبغل، وكذلك الهرة، لحديث أبي قتادة أن النبي ﷺ قال في الهرة (إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات) رواه أبو داود.

стр. 56

م/ وَكَذَلِكَ الْمَيْتَاتُ. الميتات: جمع ميتة، وهي ما مات دون ذكاة شرعية. فالميتة نجسة بالإجماع. لقوله تعالى: (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ). والرجس: النجس. وقد نقل بعض العلماء الإجماع على ذلك.

стр. 57

م/ إِلَّا: مَيْتَةَ اَلْآدَمِيِّ. فالآدمي لا ينجس بالموت. لقوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) ومقتضى التكريم أنه لا يحكم بنجاسته، فجعله طاهراً حياً وميتاً. وقال ﷺ : (إن المسلم لا ينجس) وهذا عام، يتناول الحياة والممات. ولأنه أمر بغسل الميت، ولو كان نجس العين لم يطهره الغسل. وهذا القول هو المذهب ومذهب الشافعي، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. • ذهب بعض العلماء إلى أنه ينجس، لعموم الآية: (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ … ). وقال بعض العلماء: الكافر ينجس دون المسلم، لقوله ﷺ : (إن المسلم لا ينجس) فمفهومه المخالفة له أن غير المسلم ينجس. ولقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ). لكن الجواب عن الآية: أن المراد (نجس) أي نجس الاعتقاد، بدليل أن الله أباح لنا أن نتزوج نساء أهل الكتاب، وأن نأكل طعامهم، فلو كان الكفار أنجاساً حساً لما جاز ذلك، ولأمر الناس أن يغسلوا أيديهم من عرقهم ورطوبتهم.

стр. 58

م/ وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً. ومن الميتات الطاهرة: ما لا نفس له سائلة، أي لا دم له يسيل منه إذا خرج منه بجرح أو قتل، كالنملة، والعنكبوت، والذباب، والخنفساء، والعقرب، فإذا سقطت في مائع فماتت فإنها لا تنجسه. لقوله ﷺ : (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داءً، وفي الآخر شفاء). رواه البخاري وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ أمر بغمسه في الطعام، ومعلوم أنه يموت بذلك، ولا سيما إذا كان الطعام حاراً، فلو كان ينجسه لكان أمراً بإفساد الطعام. وإذا كان سبب التنجيس هو الدم المحتقن في الحيوان بموته، وكان ذلك مفقوداً فيما لا دم له سائل، انتفى الحكم، وقد ورد النص في الذباب فيقاس عليه ما في معناه ما تقدم.

стр. 59

م/ وَالسَّمَكَ وَالْجَرَادَ. فميتتة السمك والجراد طاهرة. قال النووي: " فالسمك والجراد طاهران بالنصوص والإجماع ". قال ﷺ في البحر: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته). وقال ﷺ : (أحل لنا ميتتان: السمك والجراد) رواه أحمد وابن ماجه والصحيح أنه موقوف على ابن عمر وله حكم الرفع. وعن عبد بن أبي أوفى قال: (غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكل معه الجراد) متفق عليه ولو كان نجساً لم يبح أكله.

стр. 60

م/ وَأَمَّا أَرْوَاثُ اَلْحَيَوَانَاتِ اَلْمَأْكُولَةِ وَأَبْوَالُهَا: فَهِيَ طَاهِرَةٌ. أي أن أبوال وأرواث الحيوانات مأكولة اللحم طاهرة، وهذا مذهب الحنابلة وهو القول الصحيح. لحديث أنس قال: (قدم أُناس من عُكْل أو عرينة، فاجتووا المدينة، فأمرهم النبي ﷺ بلقاح وأن يشربوا من أبوالها وألبانها. متفق عليه فالنبي ﷺ أمرهم بالشرب من أبوال الإبل، ولم يأمرهم بغسل الأواني، ولو كانت نجسة ما أذن لهم بالشرب، ولأمرهم بغسل الأواني منها، وهذا نص. ولحديث جابر بن سمرة: (أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال نعم. قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال نعم .... ) رواه مسلم فالنبي ﷺ أذن في الصلاة في مرابض الغنم، ومرابض الغنم لا تخلوا من البول والروث، فدل على طهارتها. ولحديث ابن عباس قال: (طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن). رواه مسلم وجه الدلالة: إدخال البعير المسجد والطواف عليه؛ دليل على طهارة بوله، حيث لا يؤمن من بول البعير في أثناء الطواف، ولو كان نجساً لم يعرّض النبي ﷺ المسجد للنجاسة. وهذا القول هو الصحيح. • وذهب بعض العلماء إلى نجاستها، لعموم الأدلة الدالة على نجاسة الأبوال. كحديث: (مرّ النبي ﷺ على قبرين فقال: … أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله … ). وحديث: (استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه). والجواب عن هذا: أن هذه أحاديث عامة، وأحاديث بول مأكول اللحم خاصة، والخاص يقضي على العام.

стр. 61

م/ وَمَنِيُ الآدَمِيُّ طَاهِر يَغْسِلُ رَطْبَهُ، وَيَفْرُكُ يَابِسَهُ. وهذا مذهب الحنابلة والشافعية. لحديث عائشة قالت: (كنت أفركه - أي المني - من ثوب النبي ﷺ فيصلي فيه). رواه مسلم وجه الدلالة: أن عائشة كانت تفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركاً، وهذا دليل على طهارته، إذا لو كان نجساً لوجب غسله كسائر النجاسات. ولحديث ابن عباس قال: (سئل النبي ﷺ عن المني يصيب الثوب، فقال: إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بأذخرة). رواه الدار قطني. قال ابن القيم: " إسناده صحيح ". قال البيهقي: " الصحيح أنه موقوف ". وجه الدلالة: أن رسول الله ﷺ قرنه بالمخاط والبصاق، وهذه الأشياء طاهرة بالإجماع. وذهب بعض العلماء إلى نجاسته. لحديث عائشة قالت: (كنت أغسل الجنابة من ثوب النبي ﷺ فيخرج إلى الصلاة وإن بقع الماء في ثوبه). رواه البخاري قالوا: إن غسل المني دليل على نجاسته، لأن الطاهر لا يُطهر. والجواب عن هذا: ١ - أن هذا الفعل محمول على الاستحباب جمعاً بين الأدلة. ٢ - أن الثوب قد يغسل من المخاط والبصاق وكل ما يستقذر، ولا يكون هذا كافياً في الدلالة على نجاسته، وقد حث الإسلام على النظافة. • وعليه فلو صلى الإنسان وعلى ثوبه مني، فصلاته صحيحة.

стр. 62

م/ وبَوْلُ اَلْغُلَامِ اَلصَّغِيرِ، اَلَّذِي لَمْ يَأْكُلِ اَلطَّعَامَ لِشَهْوَةٍ: يَكْفِي فِيهِ اَلنَّضْحُ. كَمَا قَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ : (يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ اَلْجَارِيَةِ، وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ اَلْغُلَامِ). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ سبق أن البول نجس سواء كان بول كبير أو صغير، للأدلة الكثيرة على نجاسة الأبوال وأنه يجب غسله. لكن يستثنى بول الغلام الصغير - فإنه وإن كان نجساً - لكنه خفف في طهارته، وهو النضح. بول: يخرج الغائط، فلا بد من غسله. الغلام: يخرج الجارية فيغسل بولها. لم يأكل الطعام: اختلف العلماء في المراد بالطعام الذي لم يأكله: فقيل: ما عدا اللبن. وقيل: لم يأكل شيئاً. وقيل: المراد بالطعام ما عدا اللبن الذي يرضعه، والتمر الذي يحنك به، والعسل الذي يلعقه للمداواة. ورجحه الحافظ ابن حجر. وعليه؛ فإذا طعم وأكل الغلام؛ فإنه يغسل بوله. • فإذا كان الغلام لم يأكل الطعام، وبال على ثوب؛ فإنه يكتفى فيه بالنضح. النضح: أن يغمر بالماء، ولا يحتاج إلى مَرْس وعصر. والدليل على هذا: حديث أبي السمح قال: قال ﷺ : (يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام.) رواه أبو داود. ولحديث أم قيس بنت محصن: (أنها أتت بابن لها لم يأكل الطعام، فأجلسه رسول الله ﷺ في حجره فبال عليه، فدعا رسول الله بماء فنضحه عليه ولم يغسله) متفق عليه. • فإذا تغذى بالطعام صار بوله كبول الكبير، فإنه يجب غسله. • الحكمة من التفرقة بين بول الصبي والجارية: قيل: قال الحافظ: إن النفوس أعلق بالذكور منها بالإناث، يعني فحصلت الرخصة في الذكور لكثرة المشقة. وقيل: إن بول الأنثى أنتن وأثقل من بول الغلام. وقيل: أن بول الغلام يجتمع فيكتفى برشه، وأما بول الجارية فينتشر فلا بد من غسله. والله أعلم.

стр. 63

م/ وَإِذَا زَالَتْ عَيْنُ اَلنَّجَاسَةِ طَهُرَ اَلْمَحُلُّ وَلَمْ يَضُرَّ بَقَاءُ اَللَّوْنِ وَالرِّيحِ; لِقَوْلِهِ ﷺ لِخَوْلَةَ فِي دَمِ اَلْحَيْضِ يَكْفِيكِ اَلْمَاءُ، وَلَا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ. أي إذا زالت النجاسة لكن بقي لونها مثلاً أو ريحها فهذا لا يضر، والمؤلف استدل لهذه المسألة بحديث خولة قالت: (يا رسول الله ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه، قال: (فإذا طهرت فاغسلي موضع الدم ثم صلي فيه، قالت: يا رسول الله، إن لم يخرج أثره؟ قال: يكفيك الماء ولا يضرك أثره). رواه أبو داود وهو ضعيف. فالثوب ونحوه إذا غسل من دم الحيض أو من أي نجاسة ثم بقي أثر لونه في الثوب أو البدن أنه لا يضر في كمال التطهير، أما إذا بقي شيء من جرمه فإنه لا يكفي.

стр. 64

بَابُ صِفَةِ اَلْوُضُوءِ الوضوء: بالضم الفعل، وبفتحها الماء المتوضأ به، وإن أريد الفعل ضم الحرف الأول. والوضوء لغة: النظافة والإنارة. سمي بذلك: لأنه ينظف المتوضئ ويحسنه. ففي الدنيا بإزالة الأوساخ والأقذار. وفي الآخرة بالنور الذي يحصل منه، كما قال ﷺ : (تدعون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء). واصطلاحاً: التعبد لله تعالى بغسل الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة. والوضوء فضله عظيم: كما قال ﷺ : (الطهور شطر الإيمان). رواه مسلم وقال ﷺ : (من توضأ فأحسن الوضوء، خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره). رواه مسلم وقال ﷺ : (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة إلى الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط). وعن عثمان قال: (رأيت رسول الله ﷺ توضأ مثل وضوئي هذا، ثم قال: من توضأ هكذا، غفر له ما تقدم من ذنبه، وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة). رواه مسلم والوضوء كان مشروعاً في الأمم السابقة: لقصة سارة مع الملك، أن سارة لما هم الملك بالدنو منها، قامت تتوضأ وتصلي. ولقصة جُرَيْج الراهب أيضاً، قام فتوضأ وصلى، ثم كلم الغلام. ولحديث: (هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي). رواه ابن ماجه قال ابن حجر: حديث ضعيف. والذي اختصت به هذه الأمة هي الغرة والتحجيل. لحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (إِنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ، مِنْ أَثَرِ اَلْوُضُوءِ، فَمَنْ اِسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ.) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

стр. 65

م/ وَهُوَ: أَنْ يَنْوِيَ رَفْعَ اَلْحَدَثِ، أَوْ اَلْوُضُوءَ لِلصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا. وَالنِّيَّةُ: شَرْطٌ لِجَمِيعِ اَلْأَعْمَالِ مِنْ طَهَارَةٍ وَغَيْرِهَا; لِقَوْلِهِ ﷺ : إِنَّمَا اَلْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ اِمْرِئٍ مَا نَوَى). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أي أن الوضوء لا يصح إلا بنية، فينوي رفع الحدث الذي حصل له، أو ينوي بوضوئه الوضوء للصلاة. فلا بد للوضوء من نية. للحديث الذي ذكره المؤلف (إنما الأعمال بالنيات … ) فنفى أن يكون له عمل شرعي بدون النية، ولأنها طهارة عن حدث قلم تصح بغير نية كالتيمم أو عبادة، فافتقرت إلى النية كالصلاة. ولأن الوضوء عبادة مستقلة، بدليل أن الله تعالى رتب عليه الفضل والثواب والأجر، ومثل هذا يكون عبادة مستقلة. وهذا قول جمهور العلماء. فلو توضأ بنية التبرد فإنه لا يجزئه، ويعتبر وضوءه باطلاً لفقده شرطاً وهو النية. قول المصنف (أن ينوي رفع الحدث) أي إذا توضأ بنية رفع الحدث الذي حصل له، بسبب البول مثلاً، صح وضوءه. وقوله (أو الوضوء للصلاة) أي نوي بوضوئه الصلاة، أو لمس المصحف، فإنه يرتفع حدثه، وإن لم ينو رفع الحدث، لأن الصلاة لا تصح إلا بعد رفع الحدث. • والنية محلها القلب، والتلفظ بها بدعة. قال ابن القيم ﵀: " النية هي القصد والعزم على فعل الشيء، ومحلها القلب لا تعلق لها باللسان أصلاً، ولذلك لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه التلفظ بالنية بحال، ولا سمعنا عنهم ذكر ذلك ". قوله (رفع الحدث) خرج به طهارة الأنجاس، فلا يشترط لها النية، فلو علق إنسان ثوبه في السطح رجاء المطر حتى يغسله وزالت النجاسة طهُر، مع أنه ليس بفعله ولا نيته، وكذلك الأرض تصيبها النجاسة فينزل عليها ماء المطر فتطهر.

стр. 66

م/ ثُمَّ يَقُولَ: "بِسْمِ اَللَّهِ. أي يسن أن يقول بسم الله قبل الوضوء، وهذا مذهب الجمهور. وذهب بعض العلماء إلى وجوبها، لقوله ﷺ : (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله) رواه أبو داود، مختلف فيه. والصحيح أنها سنة غير واجبة، لأمور: أولاً: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ … ) فأمر الله بالغسل ولم يأمر بالتسمية، ولو كانت واجبة لأمر الله بها، كما أمر بها في الصيد والذكاة. ثانياً: أن الصحابة وصفوا وضوء النبي ﷺ وصفاً تاماً، ولم يذكر أحد منهم أنه سمى في أول وضوئه، فلو كان ذلك واجباً لا يصح الوضوء إلا به، لم يتركها النبي ﷺ . ثالثاً: أن الحديث مختلف في ثبوته، وقد قال الإمام أحمد: لا يثبت في هذا الباب شيء ولا يمكن إثبات واجب بحديث مختلف فيه، وقد حسنه بعض العلماء. رابعاً: حديث عبد الله بن عمرو: (أن أعرابياً جاء إلى النبي ﷺ يسأل عن الوضوء … فذكر له النبي ﷺ الوضوء ولم يذكر التسمية). رواه أبو داود

стр. 67

م/ وَيَغْسِلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا. أي ويسن أن يغسل كفيه ثلاثاً قبل بداية الوضوء. لحديث عثمان ﵁: (أنه دعا بوضوء، فتوضأ فغسل كفيه ثلاث مرات، ثم مضمض … ) متفق عليه ولأن اليد آلة الغسل، وبها ينقل الماء، فكان الأليق تطهيرها احتياطاً لجميع الماء. • وغسل الكفين في بداية الوضوء من سنن الوضوء. قال النووي: " وهذا دليل على أن غسلهما في أول الوضوء سنة، وهو كذلك باتفاق العلماء ".

стр. 68

م/ ثُمَّ يَتَمَضْمَضَ وَيَسْتَنْشِقَ ثَلَاثًا، بِثَلَاثِ غَرْفَاتٍ. المضمضة: هي إدارة الماء في الفم. والاستنشاق: هو جذب الماء بالنفس من الأنف. • فبعد غسل الكفين يبدأ بالمضمضة والاستنشاق. لحديث عثمان ﵁ وفيه: ( … فغسل كفيه ثلاثاً، ثم مضمض واستنثر … ). • أن المضمضة تقدم على الاستنشاق. • أن المضمضة والاستنشاق قبل غسل الوجه، وهذا سنة، فلو خالف وغسل وجهه ثم تمضمض واستنشق؛ فلا بأس. • السنة أن يتمضمض ويستنشق ثلاثاً. لحديث عبد الله بن زيد في صفة وضوء النبي ﷺ ، وفيه: ( … ثم أدخل يده في التوْر، فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثاً). متفق عليه • السنة أن يكون بثلاث غرفات من كف واحدة. لحديث عبد الله بن زيد في صفة الوضوء: (ثم أدخل ﷺ يده، فمضمض واستنشق من كف واحدة، يفعل ذلك ثلاثاً). متفق عليه وعن علي ﵁ في صفة الوضوء: (ثم تمضمض واستنثر ثلاثاً، يمضمض وينتثر من الكف الذي يأخذ منه الماء). رواه أبو داود • وهذه الصفة هي أصح الصفات للأحاديث السابقة .. قال النووي موضحاً هذه الصفة: " أن يأخذ غرفة ويتمضمض منها ثم يستنشق، ثم يأخذ غرفة ثانية يفعل بها كذلك، ثم ثالثة كذلك ". قال ابن القيم: " وكان ﷺ يصل بين المضمضة والاستنشاق فيأخذ نصف الغرفة لفمه ونصفها لأنفه ". • ولم يجيء حديث صحيح في الفصل بين المضمضة والاستنشاق. وأما حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال: (رأيت رسول الله ﷺ يفصل بين المضمضة والاستنشاق). رواه أبو داود فهو حديث ضعيف • وحكم المضمضة والاستنشاق أنهما من واجبات الوضوء، وهذا مذهب أحمد لقوله ﷺ : (أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً). رواه أبو داود وفي رواية: (إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر). متفق عليه وهذه أوامر تدل على الوجوب. ولأن كل من وصف وضوء النبي ﷺ ذكر أنه تمضمض واستنشق، وأنه داوم عليهما، فهذا مما يدل على وجوبهما. وذهب بعض العلماء إلى أنهما سنتان في الوضوء، وهو قول مالك والشافعي. لأنه قال: (فاغسلوا وجوهكم) فالله أمر بغسل الوجه، وهو ما تحصل به المواجهة، دون باطنه وهو الفم والأنف. واستدلوا بحديث عائشة: (عشرة من سنن المرسلين: … وذكر منها: المضمضة والاستنشاق). والراجح الأول. • لا يجب أن يزيل ما في فمه من بقايا الطعام. • لا يجب عليه أن يزيل الأسنان المركبة.

стр. 69

م/ ثُمَّ يَغْسِلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا. غسل الوجه من فروض الوضوء. لقوله تعالى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ). وأجمع العلماء على ذلك. • الوجه هو ما تحصل به المواجهة، وحده من منابت الشعر المعتاد على ما نزل من اللحية والذقن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً. وغسله ثلاث مرات هذا من سنن الوضوء. لحديث عثمان ﵁ في صفة الوضوء: (ثم غسل وجهه ثلاثاً … ). • هل يغسل ما استرسل من اللحية. قال بعضهم: لا يغسل قياساً على شعر المرأة الطويل أو ما استرسل من شعر الرأس فإنه لا يمسح، والصحيح أنه يغسل. فالجواب عن قياس من منع أن يقال: إن اللحية المسترسلة يحصل بها المواجهة بخلاف الشعر المتدلي من الرأس فإنه ليس من الرأس إذ الرأس ما ترأس وارتفع.

стр. 70

م/ وَيَدَيْهِ إِلَى اَلْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثًا. غسل اليدين إلى المرفقين من فروض الوضوء بالإجماع. لقوله تعالى: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ). المرفق: بكسر الميم، هو العظم الناتئ في آخر الذراع، وسمي بذلك لأنه يرتفق به في الاتكاء ونحوه. [قاله الحافظ] • والسنة أن يكون الغسل ثلاث مرات. لحديث عثمان في صفة الوضوء: ( … ثم غسل يديه إلى المرفقين ثلاثاً). • قوله (إلى المرفقين) دليل على أن المرفق يجب غسله مع اليد، وهذا مذهب الأئمة الأربعة. لقوله تعالى: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) أي مع المرافق. وقد جاءت أحاديث تدل على دخول المرفق مع اليد. عند الدار قطني بإسناد حسن من حديث عثمان في صفة الوضوء: (فغسل كفيه إلى المرفقين حتى مس أطراف العضدين). وعن جابر: (كان رسول الله ﷺ إذا توضأ أدار الماء على مرفقه) لكن في إسناد ضعف. وفي البزار والطبراني من حديث وائل بن حجر في صفة الوضوء: (وغسل ذراعيه حتى جاوز المرفق). وفي الطحاوي والطبراني من حديث ثعلبة بن عباد عن أبيه مرفوعاً: (ثم غسل يديه حتى يسيل الماء على مرفقيه). فهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضاً [قاله الحافظ]. ومما يدل على دخولهما أنه لم ينقل عنه ﷺ أنه أخل به ولو مرة واحدة فترك غسل المرفقين. • يجب أن يغسل الكفين مع اليدين، فيجب أن يغسل يديه من أطراف الأصابع إلى المرفقين. • يغسل الأقطع بقية المفروض. مثال: لو قدر أنه قطع من نصف الذراع، فإنه يغسل بقية المفروض لقوله تعالى (فاتقوا الله ما ستطعتم). ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» متفق عليه. قال النووي: " إذا بقي من محل الفرض شيء فإنه يجب غسله بلا خلاف ".

стр. 71

م/ وَيَمْسَحَ رَأْسَهُ مِنْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ إِلَى قَفَاهُ بِيَدَيْهِ. ثُمَّ يُعِيدَهُمَا إِلَى اَلْمَحَلِّ اَلَّذِي بَدَأَ مِنْهُ مَرَّةً وَاحِدَةً. ثم بعد غسل اليدين يمسح رأسه، وهو من فروض الوضوء. لقوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ). • قوله (مرة واحدة) فيه أن الرأس يمسح مرة واحدة، وهذا مذهب جمهور العلماء. لحديث علي في صفة الوضوء: (ومسح برأسه واحدة). رواه أبو داود حديث عثمان في الصحيحين في صفة الوضوء، وكذلك عبد الله بن زيد في الصحيحين لم يذكر أنه مسح رأسه ثلاثاً بخلاف بقية الأعضاء. لم ينقل عن النبي ﷺ سنة صحيحة أنه مسح رأسه ثلاث مرات. وذهب بعض العلماء، وهو مذهب الشافعية أنه يشرع التثليث في مسح الرأس. لحديث عثمان: (أن النبي ﷺ توضأ ثلاثاً ثلاثاً). رواه مسلم والراجح الأول، ولأن المسح مبني على التخفيف فلا يقاس على الغسل. قال أبو داود: " وأحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أنه مسح رأسه مرة ". • قوله (ويمسح رأسه) أن الرأس يمسح ولا يغسل، فلو غسله بدلاً من المسح لكان مكروهاً. وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يجزئه، لأنه خلاف أمر الله ورسوله. • قوله (ويمسح رأسه) أي أنه يجب أن يستوعب جميع الرأس ولا يجزئ أن يمسح بعضه، وهذا هو المذهب وهو الصحيح. لأن هذا هو الذي ثبت عن النبي ﷺ ، ولم ينقل عنه ﷺ أنه اقتصر على بعض الرأس. ولأن الله تعالى ذكر مسح الرأس، ومسمى الرأس حقيقة هو جميع الرأس، فيقتضي وجوب مسح جميع الرأس. قال ابن القيم ﵀: " لم يصح عنه حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض الرأس البتة ". وذهب بعض العلماء إلى أنه يجزئ مسح بعض الرأس، واستدلوا بقوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) قالوا: الباء للتبعيض. والراجح الأول. وأما الباء فليست للتبعيض وإنما هي للملاصقة. قوله (ويمسح رأسه ثم يعيدهما إلى المحل … ) هذه صفة مسح الرأس، وهي الثابتة في حديث عبد الله بن زيد في الصحيحين قال: (بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما على قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه). • والحكمة من مسح الرأس على هذه الصفة استيعاب جهتي الرأس بالمسح، لأن الشعر من جهة الوجه متجه إلى الوجه، ومن جهة المؤخر متجه إلى القفاء. • وهذه الصفة يستوي فيها الرجل والمرأة، لأن الأصل في الأحكام الشرعية أن ما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء إلا بدليل يخصص. • لو مسح رأسه بغير يده، كأن يمسحه بخرقة ونحوها؟ فالجواب: أن ذلك يجزئ عنه لحصول المسح بذلك.

стр. 72

م/ ثُمَّ يَدْخُلَ سَبَّاحَتَيْهِ فِي صِمَاخَيْ أُذُنَيْهِ، وَيَمْسَحَ بِإِبْهَامَيْهِ ظَاهِرَهُمَا. ذكر المؤلف هنا صفة مسح الأذنين. وهي أن يدخل سباحتيه [أصبعيه السباحتين] في صماختي أذنيه لمسح باطنهما، ويمسح بإبهاميه ظاهرهما. ولو مسحهما بغير الإبهام لجاز، لأن المقصود استيعاب المحل بالمسح، لكن العمل بالسنة أفضل، ليجعل له أجر الاقتداء بالنبي ﷺ . والدليل على هذه الصفة: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف الطهور؟ فدعا بماء فغسل كفيه ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل ذراعيه ثلاثاً، ثم مسح برأسه فأدخل أصبعيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثاً، ثم قال: هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم). رواه أبو داود وفي حديث المقدام بن معد كرب قال: (رأيت رسول الله ﷺ توضأ فمسح رأسه، ومسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما). رواه أبو داود • السباحتين: تثنية سباحة، وهي الإصبع التي بين الإبهام والوسطى، سميت بذلك لأنه يسبح بها، أو لأنه يشار بها عند السب. إبهاميه: تثنية الإبهام، وهي الإصبع الغليظة الخامسة من أصابع اليد. • ومسح الأذنين مع الرأس واجب، وهذا مذهب الحنابلة. لقوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) وقد جاء في الحديث: (الأذنان من الرأس) وهذا روي مرفوعاً لكن لا يصح، لكنه صح من قول ابن عمر رواه عبد الرزاق بسند صحيح، وإذا كانت الأذنان من الرأس فيكون الأمر بمسح الرأس أمراً بمسحهما. ومن الأدلة قوله ﷺ : (إذا توضأ العبد فمضمض خرجت خطاياه من فيه، … فإذا مسح برأسه خرجت خطاياه من رأسه حتى تخرج من أذنيه). رواه مالك فقوله: (حتى تخرج من أذنيه) دليل على أن الأذنين من الرأس، فتكون حكم مسحهما حكم مسح الرأس. وذهب بعض العلماء إلى أن مسحهما سنة ليس بواجب. لحديث عثمان في صفة الوضوء؛ حيث لم يذكر المسح على الأذنين. وكذلك في حديث عبد الله بن زيد، لم يذكر المسح على الأذنين. والراجح الأول. • ويمسح أذنيه بفضل ماء رأسه، وليس في السنة ما يدل على أنه يأخذ ماءً جديداً.

стр. 73

م/ ثُمَّ يَغْسِلَ رِجْلَيْهِ مَعَ اَلْكَعْبَيْنِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا. ثم بعد مسح الرأس يغسل رجليه، وغسل الرجلين من فروض الوضوء بالإجماع. لقوله تعالى: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ). والكعبان: هما العظمان الناتئان اللذان بأسفل الساق من جانبي القدم. • والسنة أن يغسلهما ثلاثاً. لحديث عثمان في صفة الوضوء: (ثم غسل كلتا رجليه ثلاثاً … ). • جاء التحذير الشديد من التهاون في شيء من الرجل، فقد قال ﷺ : (ويل للأعقاب من النار).

стр. 74

م/ هَذَا أَكْمَلُ اَلْوُضُوءِ اَلَّذِي فَعَلَهُ اَلنَّبِيُّ ﷺ . المؤلف ﵀ لم يذكر أشياء تعتبر من سنن الوضوء التي فعلها النبي ﷺ وأمر بها، لكي يكتمل الوضوء الكامل، منها: البداءة باليمين. فيسن أن يبدأ بيده التي قبل اليسرى ورجله التي قبل اليسرى. لحديث عائشة قالت: (كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله) متفق عليه وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا توضأتم فابدأوا بميامنكم). حديث عثمان في صفة الوضوء: ( … ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات، ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم غسل اليسرى مثل ذلك … ). قال النووي ﵀: أجمع العلماء على أن تقديم اليمين في الوضوء سنة، من خالفها فإنه فاته الفضل وتم وضوءه. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " أما الوجه فالنصوص تدل على أنه لا تيامن فيه … والأذنان يمسحان مرة واحدة، لأنهما عضوان من عضو واحد ". ومن ذلك قول الدعاء الوارد بعد الوضوء. كما جاء في حديث عمر أن النبي ﷺ قال: (ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء). رواه مسلم وجاء في دعاء آخر، عن أبي سعيد مرفوعاً: (من توضأ ففرغ من وضوئه، فقال: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، طبع عليها بطابع ثم رفعت تحت العرش، فلم تكسر إلى يوم القيامة). رواه الحاكم واختلف في رفعه ووقفه، وعلى تقدير وقفه؛ فهذا مما لا مجال للرأي فيه، فله حكم الرفع. • جاء عند الترمذي: (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) لكنها لا تثبت. وجاء عند أبي داود: ( … فأحسن الوضوء، ثم رفع نظره إلى السماء) لكنها ضعيفة. • الأدعية أثناء الوضوء لا يصح منها شيء. قال النووي: " وأما الدعاء على أعضاء الوضوء فلم يجيء منه شيء عن النبي ﷺ ". وقال ابن القيم: " وأحاديث الذكر على أعضاء الوضوء كلها باطلة، ليس منها شيء يصح ". ومن ذلك السواك. فهو من سنن الوضوء. لحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء) رواه أحمد. ولحديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) رواه أحمد.

стр. 75

م/ وَالْفَرْضُ مِنْ ذَلِكَ: أَنْ يَغْسِلَ مَرَّةً وَاحِدَةً. والواجب في الوضوء الغسلة الأولى فقط. لقوله تعالى: (فاغسلوا) والغسل يصدق بواحدة. • وأما الغسلة الثانية والثالثة فسنة. فقد ثبت حديث عن ابن عباس: (أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة). رواه البخاري وثبت في حديث عبد الله بن زيد: (أنه ﷺ توضأ مرتين مرتين). رواه البخاري وثبت أنه ﷺ توضأ ثلاثاً ثلاثاً كما في حديث عثمان في الصحيحين. وثبت عنه ﷺ أنه توضأ مخالفاً، فغسل وجهه ثلاثاً، ويديه مرتين، ورجله مرة، ففي حديث عبد الله بن زيد في صفة الوضوء: ( … ثم أدخل يده فغسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين … ). متفق عليه وقد كره بعض العلماء أن يخالف بين الأعضاء في العدد. والصواب أنه لا يكره، والأفضل أن يفعل هذا تارة وهذا تارة، ليكون عاملاً بالسنة كلها. • أما الزيادة على الثلاث فلا يجوز، لحديث عبد الله بن عمرو: (أن النبي ﷺ توضأ ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: هكذا الوضوء فمن زاد فقد أساء وتعدى وظلم). رواه أبو داود قال المباركفوري: " لا آمن إذا زاد في الوضوء أن يأثم ". وقال أحمد وإسحاق: " لا يزيد على الثلاث إلا رجلاً مبتلى ".
следующие страницы →