Полный текст (1 270 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
م/ وَيَمْسَحَ رَأْسَهُ مِنْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ إِلَى قَفَاهُ بِيَدَيْهِ. ثُمَّ يُعِيدَهُمَا إِلَى اَلْمَحَلِّ اَلَّذِي بَدَأَ مِنْهُ مَرَّةً وَاحِدَةً.
ثم بعد غسل اليدين يمسح رأسه، وهو من فروض الوضوء.
لقوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ).
• قوله (مرة واحدة) فيه أن الرأس يمسح مرة واحدة، وهذا مذهب جمهور العلماء.
لحديث علي في صفة الوضوء: (ومسح برأسه واحدة). رواه أبو داود
حديث عثمان في الصحيحين في صفة الوضوء، وكذلك عبد الله بن زيد في الصحيحين لم يذكر أنه مسح رأسه ثلاثاً بخلاف بقية الأعضاء.
لم ينقل عن النبي ﷺ سنة صحيحة أنه مسح رأسه ثلاث مرات.
وذهب بعض العلماء، وهو مذهب الشافعية أنه يشرع التثليث في مسح الرأس.
لحديث عثمان: (أن النبي ﷺ توضأ ثلاثاً ثلاثاً). رواه مسلم
والراجح الأول، ولأن المسح مبني على التخفيف فلا يقاس على الغسل.
قال أبو داود: " وأحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أنه مسح رأسه مرة ".
• قوله (ويمسح رأسه) أن الرأس يمسح ولا يغسل، فلو غسله بدلاً من المسح لكان مكروهاً.
وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يجزئه، لأنه خلاف أمر الله ورسوله.
• قوله (ويمسح رأسه) أي أنه يجب أن يستوعب جميع الرأس ولا يجزئ أن يمسح بعضه، وهذا هو المذهب وهو الصحيح.
لأن هذا هو الذي ثبت عن النبي ﷺ ، ولم ينقل عنه ﷺ أنه اقتصر على بعض الرأس.
ولأن الله تعالى ذكر مسح الرأس، ومسمى الرأس حقيقة هو جميع الرأس، فيقتضي وجوب مسح جميع الرأس.
قال ابن القيم ﵀: " لم يصح عنه حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض الرأس البتة ".
وذهب بعض العلماء إلى أنه يجزئ مسح بعض الرأس، واستدلوا بقوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) قالوا: الباء للتبعيض.
والراجح الأول.
وأما الباء فليست للتبعيض وإنما هي للملاصقة.
قوله (ويمسح رأسه ثم يعيدهما إلى المحل … ) هذه صفة مسح الرأس، وهي الثابتة في حديث عبد الله بن زيد في الصحيحين قال: (بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما على قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه).
• والحكمة من مسح الرأس على هذه الصفة استيعاب جهتي الرأس بالمسح، لأن الشعر من جهة الوجه متجه إلى الوجه، ومن جهة المؤخر متجه إلى القفاء.
• وهذه الصفة يستوي فيها الرجل والمرأة، لأن الأصل في الأحكام الشرعية أن ما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء إلا بدليل يخصص.
• لو مسح رأسه بغير يده، كأن يمسحه بخرقة ونحوها؟ فالجواب: أن ذلك يجزئ عنه لحصول المسح بذلك.
стр. 72
م/ ثُمَّ يَدْخُلَ سَبَّاحَتَيْهِ فِي صِمَاخَيْ أُذُنَيْهِ، وَيَمْسَحَ بِإِبْهَامَيْهِ ظَاهِرَهُمَا.
ذكر المؤلف هنا صفة مسح الأذنين.
وهي أن يدخل سباحتيه [أصبعيه السباحتين] في صماختي أذنيه لمسح باطنهما، ويمسح بإبهاميه ظاهرهما.
ولو مسحهما بغير الإبهام لجاز، لأن المقصود استيعاب المحل بالمسح، لكن العمل بالسنة أفضل، ليجعل له أجر الاقتداء
بالنبي ﷺ .
والدليل على هذه الصفة:
حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف الطهور؟ فدعا بماء فغسل كفيه ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل ذراعيه ثلاثاً، ثم مسح برأسه فأدخل أصبعيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثاً، ثم قال: هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم). رواه أبو داود
وفي حديث المقدام بن معد كرب قال: (رأيت رسول الله ﷺ توضأ فمسح رأسه، ومسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما). رواه أبو داود
• السباحتين: تثنية سباحة، وهي الإصبع التي بين الإبهام والوسطى، سميت بذلك لأنه يسبح بها، أو لأنه يشار بها عند السب.
إبهاميه: تثنية الإبهام، وهي الإصبع الغليظة الخامسة من أصابع اليد.
• ومسح الأذنين مع الرأس واجب، وهذا مذهب الحنابلة.
لقوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) وقد جاء في الحديث: (الأذنان من الرأس) وهذا روي مرفوعاً لكن لا يصح، لكنه صح من قول ابن عمر رواه عبد الرزاق بسند صحيح، وإذا كانت الأذنان من الرأس فيكون الأمر بمسح الرأس أمراً بمسحهما.
ومن الأدلة قوله ﷺ : (إذا توضأ العبد فمضمض خرجت خطاياه من فيه، … فإذا مسح برأسه خرجت خطاياه من رأسه حتى تخرج من أذنيه). رواه مالك
فقوله: (حتى تخرج من أذنيه) دليل على أن الأذنين من الرأس، فتكون حكم مسحهما حكم مسح الرأس.
وذهب بعض العلماء إلى أن مسحهما سنة ليس بواجب.
لحديث عثمان في صفة الوضوء؛ حيث لم يذكر المسح على الأذنين.
وكذلك في حديث عبد الله بن زيد، لم يذكر المسح على الأذنين.
والراجح الأول.
• ويمسح أذنيه بفضل ماء رأسه، وليس في السنة ما يدل على أنه يأخذ ماءً جديداً.
стр. 73
م/ ثُمَّ يَغْسِلَ رِجْلَيْهِ مَعَ اَلْكَعْبَيْنِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا.
ثم بعد مسح الرأس يغسل رجليه، وغسل الرجلين من فروض الوضوء بالإجماع.
لقوله تعالى: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ).
والكعبان: هما العظمان الناتئان اللذان بأسفل الساق من جانبي القدم.
• والسنة أن يغسلهما ثلاثاً.
لحديث عثمان في صفة الوضوء: (ثم غسل كلتا رجليه ثلاثاً … ).
• جاء التحذير الشديد من التهاون في شيء من الرجل، فقد قال ﷺ : (ويل للأعقاب من النار).
стр. 74
م/ هَذَا أَكْمَلُ اَلْوُضُوءِ اَلَّذِي فَعَلَهُ اَلنَّبِيُّ ﷺ .
المؤلف ﵀ لم يذكر أشياء تعتبر من سنن الوضوء التي فعلها النبي ﷺ وأمر بها، لكي يكتمل الوضوء الكامل، منها:
البداءة باليمين.
فيسن أن يبدأ بيده التي قبل اليسرى ورجله التي قبل اليسرى.
لحديث عائشة قالت: (كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله) متفق عليه
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا توضأتم فابدأوا بميامنكم).
حديث عثمان في صفة الوضوء: ( … ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات، ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم غسل اليسرى مثل ذلك … ).
قال النووي ﵀: أجمع العلماء على أن تقديم اليمين في الوضوء سنة، من خالفها فإنه فاته الفضل وتم وضوءه.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " أما الوجه فالنصوص تدل على أنه لا تيامن فيه … والأذنان يمسحان مرة واحدة، لأنهما عضوان من عضو واحد ".
ومن ذلك قول الدعاء الوارد بعد الوضوء.
كما جاء في حديث عمر أن النبي ﷺ قال: (ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء). رواه مسلم
وجاء في دعاء آخر، عن أبي سعيد مرفوعاً: (من توضأ ففرغ من وضوئه، فقال: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، طبع عليها بطابع ثم رفعت تحت العرش، فلم تكسر إلى يوم القيامة). رواه الحاكم
واختلف في رفعه ووقفه، وعلى تقدير وقفه؛ فهذا مما لا مجال للرأي فيه، فله حكم الرفع.
• جاء عند الترمذي: (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) لكنها لا تثبت.
وجاء عند أبي داود: ( … فأحسن الوضوء، ثم رفع نظره إلى السماء) لكنها ضعيفة.
• الأدعية أثناء الوضوء لا يصح منها شيء.
قال النووي: " وأما الدعاء على أعضاء الوضوء فلم يجيء منه شيء عن النبي ﷺ ".
وقال ابن القيم: " وأحاديث الذكر على أعضاء الوضوء كلها باطلة، ليس منها شيء يصح ".
ومن ذلك السواك.
فهو من سنن الوضوء.
لحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء) رواه أحمد.
ولحديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) رواه أحمد.
стр. 75
م/ وَالْفَرْضُ مِنْ ذَلِكَ: أَنْ يَغْسِلَ مَرَّةً وَاحِدَةً.
والواجب في الوضوء الغسلة الأولى فقط.
لقوله تعالى: (فاغسلوا) والغسل يصدق بواحدة.
• وأما الغسلة الثانية والثالثة فسنة.
فقد ثبت حديث عن ابن عباس: (أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة). رواه البخاري
وثبت في حديث عبد الله بن زيد: (أنه ﷺ توضأ مرتين مرتين). رواه البخاري
وثبت أنه ﷺ توضأ ثلاثاً ثلاثاً كما في حديث عثمان في الصحيحين.
وثبت عنه ﷺ أنه توضأ مخالفاً، فغسل وجهه ثلاثاً، ويديه مرتين، ورجله مرة، ففي حديث عبد الله بن زيد في صفة الوضوء: ( … ثم أدخل يده فغسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين … ). متفق عليه
وقد كره بعض العلماء أن يخالف بين الأعضاء في العدد.
والصواب أنه لا يكره، والأفضل أن يفعل هذا تارة وهذا تارة، ليكون عاملاً بالسنة كلها.
• أما الزيادة على الثلاث فلا يجوز، لحديث عبد الله بن عمرو: (أن النبي ﷺ توضأ ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: هكذا الوضوء فمن زاد فقد أساء وتعدى وظلم). رواه أبو داود
قال المباركفوري: " لا آمن إذا زاد في الوضوء أن يأثم ".
وقال أحمد وإسحاق: " لا يزيد على الثلاث إلا رجلاً مبتلى ".
стр. 76
م/ وَأَنْ يُرَتِّبَهَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ اَللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: (يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى اَلصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى اَلْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى اَلْكَعْبَيْنِ).
الترتيب في الوضوء فرض من فروض الوضوء، وهو أن يأتي بفروض الوضوء مرتبة ﴿يبدأ بالوجه، ثم غسل اليدين، ثم مسح الرأس، ثم غسل الرجلين﴾.
والدليل على أن الترتيب فرض:
الآية التي ذكرها المصنف: (يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى اَلصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى اَلْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى اَلْكَعْبَيْنِ).
وجه الدلالة: أن الله رتبها فيجب أن ترتب كما في الآية، وقد قال ﷺ : (ابدؤوا بما بدأ الله به).
في الآية أيضاً قرينة تدل على ذلك: فإنه تعالى أدخل ممسوحاً بين مغسولين، والعرب لا تقطع النظير عن نظيره إلا لفائدة، والفائدة هنا الترتيب.
وكان ﷺ وضوءه مرتباً متوالياً، ولم يخل به مرة واحدة البتة، فكل من وصف وضوء النبي ﷺ حكاه مرتباً.
وعلى هذا القول فلو قدم عضواً على آخر لم يصح وضوءه، وهذا قول أحمد والشافعي.
وذهب بعض العلماء إلى أن الترتيب غير واجب، وهو قول مالك وأصحاب الرأي، لأن الله تعالى أمر بغسل الأعضاء، وعطف بعضها على بعض بواو الجمع، وهي لا تقتضي الترتيب، فكيف ما غسل كان ممتثلاً، والراجح الأول.
стр. 77
م/ وَأَنْ لَا يَفْصِلَ بَيْنَهَا بِفَاصِلٍ طَوِيلٍ عُرْفًا، بِحَيْثُ لَا يَنْبَنِي بَعْضُهُ عَلَى بَعْضِ، وَكَذَا كُلُّ مَا اِشْتُرِطَتْ لَهُ اَلْمُوَالَاةُ.
أي أنه من فروض الوضوء الموالاة، وهي: أن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله، فلا يؤخر غسل اليدين حتى ينشف الوجه، أو يؤخر مسح الرأس حتى تجف اليدان.
والدليل على فرضية الموالاة:
ما ورد عن عمر: (أن رجلاً توضأ فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي ﷺ فقال: ارجع فأحسن وضوءك، فرجع ثم صلى). رواه مسلم
وعن خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبي ﷺ : (أن النبي ﷺ رأى رجلاً يصلي وفي ظهر قدمه لمعةً قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة). رواه أبو داود
فلو لم تجب الموالاة لأجزأ غسل اللمعة.
ولأن الوضوء عبادة واحدة، فلا يُبنى بعضها على بعض مع تفرق أجزائها، بل يجب أن يكون بعضها متصلاً ببعض.
وهذا القول هو الراجح.
وذهب بعض العلماء إلى أنها سنة غير واجبة.
لأن مواظبة النبي ﷺ تدل على سنيتها، ومما يدل على عدم وجوبها: أن الله أمر بغسل هذه الأعضاء في الوضوء ولم يوجب الموالاة.
لكن الموالاة تسقط مع العجز.
فِي اَلْمَسْحِ عَلَى اَلْخُفَّيْنِ وَالْجَبِيرَةِ
المراد بالمسح هنا إمرار اليد المبلولة بالماء على خف مخصوص في زمن مخصوص.
والخف لغة: ما يلبس على الرجل من جلد.
واصطلاحاً: هو الساتر للكعبين فأكثر من جلد ونحوه.
فيدخل في ذلك: الشراب، وكل ما يلبس على الرجل مما يستفاد منه بالتسخين.
والمسح على الخف جائز عند عامة أهل العلم ﴿قاله ابن قدامة﴾.
ونقل ابن المنذر عن ابن المبارك قال: ليس في المسح على الخفين عند الصحابة اختلاف.
وقال الحسن البصري: حدثني سبعون من أصحاب النبي ﷺ أنه مسح على خفيه.
وأدلة جوازه كثيرة وستأتي إن شاء الله.
стр. 78
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومنها هذه الأحاديث:
عن همام بن الحارث قال: (رأيت جرير بن عبد الله بال، ثم توضأ ومسح على خفيه، ثم قام فصلى، فسئل فقال: رأيت رسول الله ﷺ صنع مثل هذا، قال إبراهيم النخعي: فكان يعجبهم هذا، لأن جريراً كان آخر من أسلم). متفق عليه
وعن حذيفة قال: (كنت مع النبي ﷺ فانتهى إلى سباطة قوم فبال قائماً، فتنحيت، فقال: ادنه، فدنوت حتى قمت عند عقبيه، فتوضأ فمسح على خفيه) متفق عليه
اختلف العلماء أيهما أفضل المسح أو الغَسل على قولين:
القول الأول. الغسل أفضل.
وهذا مذهب الشافعي، وذهب إليه جماعة من الصحابة منهم عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأبو أيوب الأنصاري. [ذكر ذلك النووي].
لأنه المفروض في كتاب الله.
ولأنه الغالب من فعل رسول الله ﷺ . … [ذكر ذلك ابن قدامة].
القول الثاني: المسح أفضل.
وهذا مذهب أحمد.
قال النووي: " وذهب إليه الحكم وحماد ".
واختاره ابن المنذر، وقال: " والذي أختاره أن المسح أفضل، لأجل من طعن فيه من أهل البدع من الخوارج والروافض، قال: وإحياء ما طعن به المخالفون من السنن أفضل من تركه ".
والراجح أن الإنسان على حسب حاله.
واختاره ابن القيم في زاد المعاد، وقال: " ولم يكن يتكلف ضدّ حاله التي عليها قدماه، بل إن كانت في الخف مسح عليهما ولم ينزعهما، وإن كانت مكشوفتين غسل القدمين، ولم يلبس الخف ليمسح عليه، وهذا أعدل الأقوال في مسألة الأفضل من المسح والغسل ".
стр. 79
م/ فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ خُفَّانِ وَنَحْوُهُمَا مَسْحَ عَلَيْهِمَا إِنْ شَاءَ يَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ - وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهنَّ لِلْمُسَافِرِ.
ذكر المؤلف ﵀ الشرط الأول من شروط المسح على الخفين، وهو أن يكون في المدة المشروعة، وهي يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليهن للمسافر.
لحديث علي قال: (جعل النبي ﷺ للمقيم يوماً وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها). رواه مسلم
وعن صفوان بن عسال قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ولكن بول وغائط ونوم). رواه الترمذي
• واختلف العلماء متى يبدأ المدة:
فقيل: من أول حدث بعد اللبس.
وهذا مذهب الجمهور.
واستدل هؤلاء بزيادة في حديث صفوان: (من الحدث إلى الحدث) قال النووي: هي زيادة غريبة ليست ثابتة.
ولأن الحدث هو سبب الوضوء، فعلق الحكم به.
وقيل: من حين لبس الخف.
وهذا محكي عن الحسن البصري.
وقيل: من أول مسح بعد الحدث.
وممن قال بهذا القول الأوزاعي، واختاره ابن المنذر.
واحتج هؤلاء بأحاديث التوقيت في المسح.
كحديث: (يمسح المسافر ثلاثة أيام) فهذا صريح في أن الثلاثة كلها للمسح، ولا يتحقق ذلك إلا إذا كان ابتداء المدة من المسح، ثم إنه ليس للحدث ذكر في شيء من الأحاديث.
стр. 80
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مثال: لو توضأ رجلاً لصلاة الفجر ولبس الخفين، وبقي على طهارته إلى الساعة الثامنة صباحاً ثم أحدث، ثم توضأ في الساعة الثانية عشرة ظهراً:
فالمذهب أن المدة تبتدئ من الساعة الثامنة.
وعلى القول الراجح تبدأ من الساعة الثانية عشرة إلى مثلها من اليوم الثاني إن كان مقيماً، ومن اليوم الرابع إن كان مسافراً، فالمقيم يمسح يوماً وليلة، أي أربعاً وعشرين ساعة، والمسافر ثلاثة أيام؛ أي اثنتين وسبعين ساعة، ولا عبرة بعدد الصلوات كما هو مشهور عند العامة.
قوله (ونحوهما) كاللفائف وغيرها مما يلف على الرجل، وهذا القول هو الصحيح، وهو اختيار ابن تيمية وابن القيم؛ أنه يجوز المسح على اللفائف.
لأن الغرض الموجود في المسح على الخفاف موجود في لبس اللفافة.
قال ابن تيمية: " والصواب أنه يمسح على اللفائف، وهي بالمسح أولى من الخف والجورب، فإن تلك اللفائف إنما تستعمل للحاجة في العادة، وفي نزعها ضرر، إما إصابة برد، وإما التأذي بالحفاء، وإما التأذي بالجرح، فإذا جاز المسح على الخفين والجوربين؛ فعلى اللفائف بطريق أولى ".
• من مسح وهو مقيم ثم سافر فإنه يتم مسح مسافر.
هذا مذهب الأحناف.
فلو مسح يوماً ثم سافر، فإنه يمسح يومين زيادة على اليوم، فيكون قد مسح ثلاثة أيام.
لأن رخص السفر قد حلت له.
• ومن مسح وهو مسافر ثم أقام، فإنه يمسح مسح مقيم، لأن رخص السفر قد انتهت بالوصول إلى بلده.
وهذا قول جمهور العلماء.
فلو مسح المسافر يوماً وليلة فما فوق ثم قدم بلده الذي يسكن فيه، فلا يجوز له في هذه الحالة المسح على الخفين بل ينزعهما.
стр. 81
م/ بِشَرْطِ أَنْ يَلْبَسَهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ.
هذا هو الشرط الثاني من شروط المسح على الخفين؛ وهو أن يلبس الخف على طهارة، وهذا بالإجماع.
قال ابن قدامة: " لا نعلم في اشتراط تقدم الطهارة لجواز المسح على الخفين ".
وقال الشنقيطي: " أجمع العلماء في اشتراط الطهارة المائية للمسح على الخف ".
لحديث المغيرة بن شعبة قال: (كنت مع النبي ﷺ فتوضأ؛ فأهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين). متفق عليه
وعليه فمن لبس الخف من غير طهارة وصلى؛ فإن صلاته باطلة وعليه الإعادة.
стр. 82
م/ وَلَا يَمْسَحَهُمَا إِلَّا فِي اَلْحَدَثِ اَلْأَصْغَرِ.
هذا هو الشرط الثالث من شروط المسح على الخفين، وهو أن المسح على الخفين خاص بالوضوء دون الغسل.
قال ابن قدامة: " لا يجزئ المسح في جنابة ولا غسل واجب ولا مستحب لا نعلم فيه خلافاً ".
قال الحافظ ابن حجر: " المسح على الخفين خاص بالوضوء لا مدخل للغسل فيه بإجماع ".
لحديث صفوان بن عسال قال: (كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم). رواه الترمذي
ولحديث أنس الذي ذكره المؤلف.
• هذه الشروط التي ذكرها المؤلف متفق عليها بين العلماء، وهناك شروط مختلف فيها:
فمنها: اشترط بعض الفقهاء أن يثبت الخف بنفسه، فإن كان لا يثبت إلا بشده فلا يجوز المسح عليه.
فلو لبس شراباً واسعاً، واحتاج إلى شده على الرِّجل وإلا سقط مع المشي لم يمسح عليه.
لكن الصواب أنه يمسح عليه، لأن اشتراط ثبوته بنفسه لا دليل عليه، فالنصوص الواردة في المسح على الخفين مطلقة، فإذا كان ينتفع به ويمشي؛ فلماذا لا يمسح عليه؟
ومنها: اشتراط أن يكون ساتراً لمحل الفرض (القدم) فلا يجوز المسح على مخرق أو شفاف.
قالوا: لأنه غير ساتر للقدم.
ولأن المنكشف من الرجل حكمه الغسل، والمستور حكمه المسح، والجمع بين المسح والغسل لا يجوز.
لكن الصحيح أن هذا ليس بشرط، وأنه يصح المسح على الخف المخرق والذي فيه شقوق ما دام يمكن متابعة المشي فيها، ويدل لذلك:
أولاً: أن نصوص المسح على الخفين مطلقة غير مقيدة بمثل هذه القيود، وما أطلقه الله ورسوله فليس لأحد تقييده.
ثانياً: أن الحكمة من مشروعية المسح التيسير على الناس ورفع الحرج، وذكر مثل هذه الشروط قد يضيق عليهم، ولا سيما المسافر إذا انخرق خفه، ولا يمكنه إصلاحه في السفر، فلو لم يجز المسح عليه لم يحصل مقصود الرخصة.
ثالثاً: أن أكثر الصحابة فقراء، وغالب الفقراء لا تخلوا خفافهم من شق وفتق، ولا سيما في الأسفار، فإذا كان هذا غالباً في الصحابة ولم يبين الرسول ﷺ لهم دل على أنه ليس بشرط.
قال سفيان الثوري: "امسح عليهما ما تعلقت به رجلك، وهل كانت خفاف المهاجرين والأنصار إلا مخرقة مشققة مرقعة". رواه عبد الرزاق
وهذا القول اختيار ابن تيمية.
стр. 83
م/ فَإِنْ كَانَ عَلَى أَعْضَاءِ وَضُوئِهِ جَبِيرَةٌ عَلَى كَسْرٍ، أَوْ دَوَاءٌ عَلَى جُرْحٍ، وَيَضُرُّهُ اَلْغُسْلُ: مَسَحَهُ بِالْمَاءِ فِي اَلْحَدَثِ اَلْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ حَتَّى يَبْرَأَ.
• ذكر المؤلف هنا أحكام الجبيرة.
الجبيرة: هي ما يجبر به العظم المكسور من أعواد تشد عليه أو خرقة تلف عليه، ويدخل في ذلك الوسائل الطبية كالجبس على الكسور واللزقات على أجزاء من اليد أو على الجروح ونحو ذلك.
وقد ورد عدة أحاديث في المسح على الجبيرة لكنها فيها ضعف.
عن علي قال: (انكسرت إحدى زندي فسألت رسول الله ﷺ فأمرني أن أمسح على الجبائر). رواه ابن ماجه وهو لا يصح. الزند: طرف الذراع في الكف.
حديث جابر في الرجل الذي شُجَّ فاغتسل فمات: (إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصب على جرحه خِرقةً ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده). رواه أبو داود وفيه ضعف
فذهب بعض العلماء إلى المسح على الجبيرة عملاً بهذه الأحاديث، حيث أن بعضها يقوي بعضاً.
واختار هذا الشوكاني والصنعاني.
وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يشرع المسح على الجبيرة، لأن الأحاديث في ذلك ضعيفة. لكن هذا قول ضعيف.
لأن العضو باقٍ فلا يسقط فرضه.
والصواب أنه يمسح على الجبيرة حتى لو كانت الأحاديث ضعيفة، فإن العضو إذا عجز عن تطهيره طهّره ببدله، وأقرب البدل هو المسح.
قياساً على مسح الخفين، فإن هذا عضو وجب غسله، وستر بما يسوغ ستره شرعاً، فجاز المسح عليه كالخفين.
وثبت عن ابن عمر موقوفاً: (أنه توضأ وكفه معصوبة، فمسح على العصائب وغسل سوى ذلك). رواه البيهقي
стр. 84
م/ مَسَحَهُ بِالْمَاءِ فِي اَلْحَدَثِ اَلْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ حَتَّى يَبْرَأَ.
أي الجبيرة يمسح عليها في الحدث الأصغر والأكبر، فإذا اغتسل مسح عليها، كما يمسح في الوضوء.
لأن في نزعها ضرر.
• وهذا من الفروق بين المسح على الخفين والمسح على الجبيرة، فالمسح على الخفين لا يجوز المسح عليها في الحدث الأكبر كما سبق.
• ونستفيد من كلام المؤلف حيث لم يذكر أن توضع الجبيرة على طهارة، بينما ذكر ذلك في المسح على الخفين، أن الجبيرة لا يشترط أن توضع على طهارة.
وهذا القول هو الراجح، وهو اختيار ابن تيمية.
وقياسها على الخفين في هذه المسألة قياس فاسد، فإن الجرح يقع فجأة، أي في وقت لا يعلم الماسح وقوعه فيه، فلو اشترطت الطهارة والحالة هذه لأفضى إلى الحرج والمشقة، وهما منتفيان شرعاً.
• والمشهور من المذهب أنه يشترط أن توضع على طهارة.
وقوله (حتى يبرأ)
أي أن الجبيرة يمسح عليها حتى يحصل البرء، لأن مسحها للضرورة فيتقدر بقدرها، بخلاف الخفين فيمسح عليهما للمقيم يوماً وليلة، فإذا برئ ما تحتها وجبت إزالتها.
وقوله (ويضر الغسل)
هذا يدل على أن المسح على الجبيرة يمسح عليها عند الحاجة، أما من غير حاجة فلا يجوز، بخلاف المسح على الخفين، فيجوز من غير حاجة.
قوله (ومسحها بالماء)
تمسح الجبيرة بالماء، ولا يحتاج إلى التيمم مع المسح، بل يكفي المسح على القول الراجح، لأن إيجاب طهارتين لعضو واحد مخالف للقواعد الشرعية.
стр. 85
م/ وَصِفَةُ مَسَحِ اَلْخُفَّيْنِ: أَنْ يَمْسَحَ أَكْثَرَ ظَاهِرَهُمَا.
ذكر المؤلف صفة المسح على الخفين؛ وهو أن المشروع هو مسح أعلى الخف.
لحديث علي قال: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح ظاهر خفيه). رواه أبو داود
• وأما مسح أسفل الخف فلا يشرع.
وأما حديث المغيرة قال: (إن النبي ﷺ مسح أعلى الخف وأسفله) فهو حديث ضعيف رواه أبو داود وغيره.
قال ابن القيم: " لم يصح عنه أنه مسح أسفلهما ".
• لم يرد حديث في كيفية المسح على الخف، فلذلك يكفي المسلم والمسلمة إمرار اليد على القدم اليمين واليسرى بحيث يصدق عليه أنه مسح.
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الأفضل أن اليد اليمنى تمسح الرجل اليمنى واليد اليسرى تمسح الرجل اليسرى بنفس اللحظة.
لأن في حديث المغيرة: (فمسح عليهما) ولم يقل: بدأ باليمين.
• قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " وكثير من الناس يمسح بكلا يديه على اليمين، وكلا يديه على اليسرى، وهذا لا أصل له فيما أعلم ".
стр. 86
م/ وَأَمَّا اَلْجَبِيرَةُ: فَيَمْسَحُ عَلَى جَمِيعِهَا.
أي أن المسح على الجبيرة يكون على جميع الجبيرة وليس على بعضها.
لأن الأصل أن البدل له حكم المبدل ما لم ترد السنة بخلافه، وهذا المسح بدل الغسل، فكما أن الغسل يجب أن يعمَّ العضو كله، فكذلك المسح يجب أن يعم جميع الجبيرة.
• وهذا من الفروق بين المسح على الجبيرة وبين المسح على الخفين.
• لم يذكر المؤلف ﵀ مبطلات المسح على الخفين وهي:
خلع الخف.
لأن حكم الرجِل في الأصل الغَسل، وإنما انتقل إلى المسح بدلاً عن الغسل لتغطية القدم، فإذا خلع الخف فقد عاد حكمه إلى وجوب الغسل.
وهذا مذهب الإمام أحمد وإسحاق، ورجحه الشيخ ابن باز.
وذهب بعض العلماء إلى أن خلع الخف لا ينقض الوضوء، ورجح هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية.
لعدم الدليل على النقض.
قاس بعضهم بمن حلق رأسه بعد مسحه فإنه لا يجب عليه إعادة مسح الرأس، وهذا القياس كما قال الحافظ ابن حجر فيه نظر.
والراجح القول الأول.
стр. 87
بَابُ نَوَاقِضِ اَلْوُضُوءِ
أي مبطلات الوضوء.
ونواقض الوضوء تنقسم إلى قسمين:
١ - قسم متفق عليه.
٢ - قسم مختلف فيه.
م/ وَهِيَ: اَلْخَارِجُ مِنْ اَلسَّبِيلَيْنِ مُطْلَقًا.
السبيلين: واحدهما سبيل، وهو الطريق، والمراد مخرج البول والغائط [القبل والدبر].
والخارج من السبيلين: كالبول، والغائط، والمني، والمذي، والريح.
البول والغائط:
قال تعالى: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ).
الريح:
لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرجن حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً). رواه مسلم
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ). متفق عليه
وقال ﷺ في المذي: (يغسل ذكره ويتوضأ).
قال ابن قدامة: " الخارج من السبيلين على ضربين: معتاد كالبول والغائط والمني والمذي والودي والريح، فهذا ينقض الوضوء إجماعاً ".
• الودي: عصارة تخرج بعد البول نُقط بيضاء في آخر البول.
• يستثنى من الخارج من السبيلين ممن حدثه دائم فلا يبطل وضوءه بالحدث الدائم للحرج والمشقة.
• الخارج النادر كالدم والدود والحصى، فهذا ينقض، لأنه خارج من مخرج الحدث، ولأنه لا يخلو من بّلةٍ تتعلق به.
стр. 88
م/ وَالدَّمُ اَلْكَثِيرُ وَنَحْوُهُ.
أي أنه إذا خرج من الإنسان دم؛ فإنه ناقض للوضوء، لكن قيده المؤلف بالكثير.
واختلف العلماء في قدر الكثير:
قيل: قدر الكف. وقيل: قدر الدرهم. وقيل: يرجع إلى العرف. وقيل: المعتبر أوساط الناس قلة وكثرة.
وذهب بعض العلماء إلى أن خروج الدم من غير السبيلين لا ينقض الوضوء قليلاً كان أو كثيراً، وهذا مذهب الشافعي، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
لأن الأصل بقاء الطهارة وعدم النقض.
وقال الحسن: (ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم). رواه ابن أبي شيبة
(وصلى عمر وجرحه يثعب دماً). رواه مالك.
(وأصيب عباد بن بشر بسهام وهو يصلي فاستمر في صلاته). رواه أبو داود
وعليه فخروج دم المتوضئ: الرعاف، أو سن، أو للتحليل، أو للتبرع، أو لغسيل الكلى، أو لغير ذلك، لا ينقض الوضوء.
стр. 89
م/ وَزَوَالُ اَلْعَقْلِ بِنَوْمٍ أَوْ غَيْرِهِ.
زوال العقل على نوعين:
١ - زواله بالكلية، وهذا بالجنون.
٢ - زواله بمعنى تغطيته لوجود عارض لمدة معينة، كنوم أو إغماء، أو سكر ونحو ذلك.
فأما زواله بالجنون، أو الإغماء أو السكر، فهو ناقض للوضوء قليله وكثيره، وهذا بالإجماع، لأن هذا فقد للعقل، ولأنه لو نُبِّه لم ينتبه.
وهذا بالإجماع.
قال النووي: " اتفقوا على أن زوال العقل بالجنون والإغماء والسكر ينقض الوضوء سواء قل أو كثر ".
وأما النوم: فالمؤلف أطلق وظاهره أن النوم ناقض مطلقاً.
وهذا ذهب إليه بعض العلماء، ونسبه النووي للحسن. قال ابن المنذر: " وبه أقول ".
لحديث صفوان بن عسال وقد سبق: ( … إلا من غائط وبول ونوم). فدل على أن النوم ناقض، كما أن الغائط والبول ناقضان.
وذهب بعض العلماء إلى أن النوم لا ينقض مطلقاً، ونسبه النووي إلى موسى وسعيد بن المسيب.
لحديث أنس قال: (كان رسول الله ﷺ على عهده - ينتظرون العشاء حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضأون). رواه أبو داود
وعند البيهقي: (لقد رأيت أصحاب رسول الله ﷺ يوقظون للصلاة حتى إني لأسمع غطيطاً، فيصلون ولا يتوضؤون).
والذي يظهر أن الراجح هو الجمع بين الأدلة، وهو أن النوم الكثير المستغرق الذي يزيل الشعور ناقض للوضوء، لحديث صفوان بن عسال.
وأما النوم اليسير الذي لا يشعر بمن حوله؛ فإنه لا يعتبر ناقضاً لفعل أصحاب رسول الله ﷺ ، ولهذا تجتمع الأدلة.
لأن النوم ليس حدثاً في ذاته، وإنما هو مظنة للحدث بخروج الريح.
стр. 90
م/ وَأَكَلُ لَحْمِ اَلْجُزُورِ.
وهذا الناقض من مفردات مذهب الحنابلة، واختاره ابن المنذر، وذهب إليه أهل الحديث.
لحديث جابر بن سمرة قال: (أن رجلاً سأل النبي ﷺ : أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم). رواه مسلم
ولحديث البراء قال: (سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل؟ فقال: توضئوا منها، وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل؟ فقال: لا تصلوا في مبارك الإبل). رواه أبو داود
قال ابن خزيمة: " لم أر خلافاً بين علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل لعدالة ناقليه ".
وذهب جمهور العلماء إلى أن لحم الجزور لا ينقض الوضوء.
لحديث جابر قال: (كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار). رواه أبو داود
ولحديث ابن عباس مرفوعاً: (الوضوء مما يخرج لا مما يدخل).
والراجح القول الأول، والجواب عن حديث جابر فهو عام، وأحاديث نقض الوضوء خاصة، والخاص يقضي على العام.
وأما حديث ابن عباس فالصحيح أنه موقوف.
قوله (وأكل لحم) يدل على أنه لا فرق بين قليله وكثيره، كما أنه يشمل المطبوخ والمشوي والنيء، لأنه لحم.
قوله (لحم جزور) المشهور من المذهب أن الحكم خاص باللحم وهو الهبر، بخلاف الكرش والكبد والشحم والأمعاء ونحوها، فإن هذه الأشياء لا تدخل تحت مسمى اللحم.
وهذا اختيار الأكثر، واختاره الشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ ابن باز.
وذهب بعض العلماء إلى أن الحكم عام، فالكل ينقض.
واختاره السعدي، والشيخ ابن عثيمين، واستدلوا:
١ - أن اللحم في اللغة يشمل جميع الأجزاء، بدليل قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ) فلحم الخنزير يشمل كل ما في جلده.
٢ - أن في الإبل أجزاء كثيرة قد تقارب الهبر، ولو كانت غير داخلة؛ لبيَّن ذلك الرسول ﷺ لِعِلمهِ أن الناس يأكلون الهبر وغيره.
٣ - أنه ليس في شريعة محمد ﷺ حيوان تتبعض أجزاؤه حلاً وحرمة، وطهارة ونجاسة، وسلباً وإيجاباً، وإذا كان كذلك فلتكن أجزاء الإبل كلها واحدة.
وهذا القول هو الراجح.
أما اللبن، فلا ينقض الوضوء، وهذا مذهب أكثر العلماء.
لأن الحديث إنما ورد في اللحم.
أن الأصل عدم النقض حتى يثبت أنه ناقض.
وأما حديث: (توضئوا من ألبان الإبل) فهو حديث ضعيف رواه ابن ماجه وغيره.
• واختلف في الحكمة من الوضوء من لحم الإبل:
فقيل: تعبدية.
قيل: معللة، وهي ما جاء في حديث البراء: (فإنها خلقت من الشياطين). رواه أبو داود
стр. 91
م/ وَمَسُّ اَلْمَرْأَةِ بِشَهْوَةٍ.
فمن مس امرأة بشهوة فإنه ينتقض وضوءه.
وهذا المذهب وهو قول مالك.
وذهب بعض العلماء إلى أن مس المرأة ينقض مطلقاً، وهو قول الشافعية.
لقوله تعالى: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) قالوا: وحقيقة اللمس ملاقاة البشرتين، ويؤيد ذلك القراءة الأخرى (أو لمستم) بغير ألف.
والراجح أن مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقاً، سواء كان بشهوة أم لا، إلا إذا خرج منه شيء.
لحديث عائشة: (أن النبي ﷺ قبّل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ). رواه أبو داود وفيه ضعف
وعنها قالت: (كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتهما … ). متفق عليه
فقولها: (غمزني) دليل على أن لمس المرأة لا ينقض.
وعنها قالت: (فقدت رسول الله ﷺ يوماً فخرجت ألتمسه … فوجدته في المسجد يصلي وهو ساجد، وقدماه منصوبتان، قالت: فوقعت يدي على قدميه وهو ساجد … ). رواه مسلم
وأما الآية فقد فسرها ترجمان القرآن ابن عباس بالجماع، واختاره ابن جرير.
ولأن الأصل براءة الذمة، فلا يجب الوضوء إلا بدليل.
ولأن النساء موجودات في البيوت وتعم البلوى بهن، ولو كان مسهن ناقضاً للوضوء لبينه الله تعالى.
стр. 92
م/ وَمَسُّ اَلْفَرْجِ.
هذا الناقض السادس من نواقض الوضوء، وهو مس الفرج، أي بدون حائل، لأن مع الحائل لا يسمى مساً.
وهذا هو المذهب ومذهب الشافعي.
لحديث بسرة بنت صفوان قالت: قال رسول الله ﷺ : (من مس الذكر فليتوضأ). رواه أبو داود
وذهب بعض العلماء إلى أن مس الذكر لا ينقض الوضوء.
لحديث طلق بن علي وفيه: (يا رسول الله؛ ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما توضأ؟ فقال ﷺ : هل هو إلا بضعة منك). رواه أبو داود، مختلف فيه
والراجح أن مس الذكر ينقض الوضوء، لأمور:
أولاً: أن حديث بسرة أقوى وأصح من حديث طلق. قال البخاري: " حديث بسرة أصح شيء في الباب ".
ثانياً: أن حديث بسرة له شواهد كثيرة تعضده رواها سبعة عشر صحابياً.
[عن أبي هريرة، وعن أم حبيبة، وعن زيد بن خالد].
ثالثاً: أن حديث بسرة ناسخ لحديث طلق، لأن حديثها متأخر، وطلق قدم المدينة على رسول الله ﷺ وهم يبنون المسجد في أول الهجرة.
ومن قال بالنسخ: ابن حبان، والطبراني، وابن العربي، والبيهقي، وابن حزم.
وهذا القول هو الراجح.
• هذا الحكم عام للرجال وللنساء، وجاء في حديث: (أيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ).
• لا ينقض إذا مسه بذراعه.
стр. 93
م/ وَتَغْسِيلُ اَلْمَيِّتِ.
هذا الناقض السابع من نواقض الوضوء، وهو تغسيل الميت.
واستدلوا بما ورد عن عطاء أن ابن عمر وابن عباس كانا يأمران غاسل الميت بالوضوء.
وذهب بعض العلماء إلى أنه لا ينقض الوضوء.
وهو قول جمهور العلماء، واختاره ابن تيمية.
قال الموفق: " وهو الصحيح إن شاء الله ".
لأن الوجوب من الشرع، ولم يرد في هذا نص، ولا هو في معنى المنصوص عليه، فبقي على الأصل.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " فالراجح أن تغسيل الميت لا ينقض الوضوء، وهو اختيار الموفق، وشيخ الإسلام، وجماعة من أهل العلم ".
وأمّا ما ورد عن هؤلاء الصحابة فإنه يحمل على الاستحباب.
стр. 94
م/ وَالرِّدَّةُ: وَهِيَ تُحْبِطُ اَلْأَعْمَالَ كُلَّهَا.
هذا الناقض الثامن من نواقض الوضوء، وهو الردة.
والردة: رجوع المسلم من الإسلام إلى الكفر، بفعل ناقض من نواقض الوضوء.
فإذا توضأ المسلم، ثم ارتد، فإنه يبطل وضوءه، لقوله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) فالردة تحبط جميع الأعمال.
والراجح أن الردة لا توجب الوضوء، لأن الطهارة إذا وجدت فهي باقية لا تزول إلا بما دل الشرع على أنه ناقض، ولا دليل هنا.
وأما الآية فلا دليل فيها، لأن المشهور أن الإحباط مشروط بالموت على الردة، كما قال تعالى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ … ).
стр. 95
بَابُ مَا يُوجِبُ اَلْغُسْلَ وَصِفَتِهِ
سيذكر المصنف في هذا الباب موجبات الغسل وصفته:
والغسل: بضم العين، وهو تعميم البدن بالماء.
م/ وَيَجِبُ اَلْغُسْلُ مِنَ: اَلْجَنَابَةِ: وَهِيَ: إِنْزَالُ اَلْمَنِيِّ بِوَطْءٍ أَوْ غَيْرِهِ.
الجنابة: هي إنزال المني، وسمي من عليه جنابة جنباً لأنه يتجنب الصلاة والعبادة، أو لأن المني بَعُدَ عن محله وانتقل.
الموجب الأول: إنزال المني، وقد قيده بعض الفقهاء أن يكون دفقاً بلذة.
قال تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا).
وعن أم سلمة (أن أم سُليم قالت: يا رسول الله؛ إن الله لا يستحي من الحق؛ فهل على المرأة من غسل إن هي احتلمت؟ قال: نعم، إذا رأت الماء). متفق عليه
احتلمت: الاحتلام اسم لما يراه النائم من الجماع، فيحدث معه إنزال المني غالباً.
وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : (إنما الماء من الماء). متفق عليه
(إنما الماء) أي ماء الغسل. (من الماء) أي من المني.
قال النووي: " وقد أجمع المسلمون على وجوب الغسل على الرجل والمرأة بخروج المني ".
• قولنا: (خروج المني بلذة وتدفق) مفهومه أنه لو خرج بلا لذة ولا تدفق؛ فلا غسل عليه، وهذا في اليقظان واضح، وهو الراجح؛ أنه لا غسل عليه، فلو خرج منه لغير ذلك كبرد أو مرض ونحوهما فلا غسل عليه، بل يكون نجساً يغسل كغيره وليس منياً.
• وأما النائم فعليه الغسل مطلقاً، لأنه قد لا يحس به، وهذا يقع بكثرة، فإذا استيقظ الإنسان فوجد الأثر ولم يشعر باحتلام؛ فعليه الغسل، بدليل حديث أم سلمة حين سألت النبي ﷺ عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل هل عليها من غسل؟ قال: (نعم، إذا هي رأت الماء)
فأوجب الغسل برؤية الماء ولم يشترط أكثر من ذلك، فدل على وجوب الغسل إذا استيقظ ووجد الماء.
وقول المصنف (بوطء وغيره) كالاستمناء.
قوله (إنزال المني) لا بد من إنزال المني، فلو أحس بانتقاله لكنه لم يخرج؛ فليس عليه غسل، وهذا مذهب الجمهور واختيار ابن تيمية ورجحه ابن قدامة.
لأن النبي ﷺ علق الاغتسال على الرؤية بقوله: (إذا رأت الماء) فلا يثبت الحكم بدونه، ولو وجب الغسل بالانتقال لبينه النبي ﷺ لدعاء الحاجة إلى بيانه.
стр. 96
م/ أَوْ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ.
هذا الموجب الثاني لغسل الجنابة، وهو جماع الرجل المرأة، فإذا جامعها والتقى موضع الختان منه بموضع الختان منها - وهو كناية عن حصول الإيلاج - وجب الغسل.
لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل). متفق عليه
زاد مسلم: (وإن لم ينزل).
• والمراد بشعبها الأربع: يداها ورجلاها، وهو كناية عن مكان الرجل من المرأة حال الجماع.
• فإذا حصل إيلاج وجب الغسل سواء أنزل أو لم ينزل.
• وهذا الحكم ذهب إليه الجمهور، بل حكاه بعضهم إجماعاً للصحابة، حكي ذلك عن النووي وابن العربي: أن الصحابة أجمعوا على وجوب الغسل من الإيلاج ولو لم ينزل لهذا الحديث الصحيح الصريح.
وقد كان فيه خلافاً لبعض الصحابة كأبي سعيد وزيد بن خالد ورافع بن خديج وداود الظاهري؛ أنه لا يجب الغسل إلا بالإنزال.
لحديث أبي سعيد الخدري: (إنما الماء من الماء) لكن هذا قول ضعيف.
والجواب عن حديث: (إنما الماء من الماء):
١ - أنه منسوخ، وأن هذا كان في أول الإسلام ثم نسخ.
٢ - أن ذلك محمول على الاحتلام، وقد مال إليه الحافظ ابن حجر.
• الحكمة من الغسل من الجنابة: أن البدن بعد الجماع يصاب بالخمول والكسل والضعف، والاغتسال يعيد إليه نشاطه وحيويته وقوته.
وقد قال النبي ﷺ عن الوضوء بعد الجماع: (فإنه أنشط للعود).
стр. 97
م/ وَخُرُجُ دَمِ الحَيضِ وَالنِّفَاس.
هذا الموجب الثالث من موجبات الغسل، فإذا حاضت المرأة وانقطع حيضها، وجب عليها الغسل، وهذا بالإجماع.
قال تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ).
وقال ﷺ لفاطمة بنت أبي حُبيش: (إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي). متفق عليه
وأجمع المسلمون على وجوب الغسل، وممن نقل الإجماع: النووي عن ابن المنذر، وابن حجر.
стр. 98
م/ وَمُوتُ غَيرِ الشَّهِيد.
هذا الموجب الرابع من موجبات الغسل، فإذا مات المسلم وجب على المسلمين غسله، والمراد وجوب ذلك على الأحياء، إذ لا وجوب بعد الموت.
لقوله ﷺ للذي وقصته ناقته بعرفة: (اغسلوه بماء وسدر). متفق عليه
ولقوله ﷺ : (اغسلنها) فهذه أوامر، والأمر للوجوب.
• ظاهر كلامه أنه لا فرق بين الصغير والكبير، أما السِّقط فإن نفخ فيه الروح غسِّل وصلي عليه، وهو ما تم له أربعة أشهر، وإلا فلا يغسل ولا يصلى عليه.
• قول المصنف (غير شهيد) أي يستثنى الشهيد، [شهيد المعركة]، فلا يغسل.
لحديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : (ادفنوهم في دمائهم - يعني يوم أحد- ولم يغسلهم). رواه البخاري
قال الشيخ ابن عثيمين: " لأن التغسيل واجب ولا يترك إلا لمحرم ".
والمراد شهيد المعركة، وأما سائر ما يطلق عليهم اسم الشهيد كالمطعون والمبطون وغيرهم، فيغسلون إجماعاً.
стр. 99
م/ وَإِسَّلَام كَافِر.
هذا الموجب الخامس من موجبات الغسل، وهو إسلام الكافر.
وسواء كان الكافر أصلياً أو مرتداً.
الأصلي: من أصله كافر لم يدخل في الإسلام.
والمرتد: من ارتد وترك الإسلام ثم رجع إليه.
والدليل على أن إسلام الكافر موجب للغسل:
حديث أبي هريرة - في قصة ثمامة بن أثال عند ما أسلم -: (أمره ﷺ أن يغتسل). رواه أبو داود
ولحديث قيس بن عاصم: (أنه أسلم فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر). رواه أبو داود
قال الشوكاني: " والظاهر الوجوب، لأن أمر البعض قد وقع به التبليغ، ودعوى عدم الأمر لمن عندهم لا يصلح متمسكاً، لأن غاية ما فيها عدم العلم بذلك، وهو ليس علماً بالعدم ".
وهذا مذهب أحمد ورجحه ابن المنذر والشوكاني.
وذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجب الغسل على الكافر إذا أسلم وإنما يستحب.
واستدلوا على عدم الوجوب:
بأن العدد الكثير والجم الغفير أسلموا، فلو أمر كل من أسلم بالغسل لنقل نقلاً متواتراً أو ظاهراً، ولأمر به أمراً عاماً.
ولأن النبي ﷺ لما بعث معاذ إلى اليمن قال له: (ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله … ) ولو كان الغسل واجباً لأمرهم به، لأنه أول واجبات الإسلام.
ويؤيد ذلك: أنه ﷺ أمر قيساً أن يغتسل بماء وسدر، والسدر غير واجب.
وهذا القول هو الراجح جمعاً بين الأدلة.
стр. 100
م/ وَقَد أَمَرَ النَّبِيّ ﷺ بِالغُسْلِ مِنْ تَغْسِيلِ المَيِّت.
هذا الموجب السادس من موجبات الغسل، وهو الغسل من تغسيل الميت.
واستدلوا من قالوا بالوجوب بحديث أبي هريرة قال: قال ﷺ : (من غسل ميتاً فليغتسل). رواه أبو داود
وذهب جماهير العلماء إلى أن الغسل من غسل الميت لا يجب، لأمور:
لحديث ابن عمر قال: (كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل). رواه الدار قطني
ولحديث ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: ليس عليكم في ميتكم غسل إذا غسلتموه، إن ميتكم يموت طاهراً وليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم). حسنه الحافظ ابن حجر
وحديث: (من غسل ميتاً فليغتسل) حديث ضعفه جمع من العلماء.
• قال الفقهاء: " الغاسل هو من يقلبه ويباشره ولو مرة، لا من يصب الماء ونحوه ".
стр. 101
م/ وَأَمَّا صِفَةُ غَسْلِ اَلنَّبِيِّ ﷺ مِنَ اَلْجَنَابَةِ.
سيذكر المؤلف هنا صفة الاغتسال من الجنابة، والغسل من الجنابة ينقسم إلى قسمين:
الغسل الكامل المسنون، والغسل المجزئ.
стр. 102
سيذكر المؤلف أولاً الغسل الكامل، فقال:
م/ فَكَانَ يَغْسِلُ فَرْجَهُ أَوَّلًا.
لم يذكر المؤلف النية، لعله لأن الكتاب مختصر.
والنية لا بد منها، لقوله: (إنما الأعمال بالنيات).
فينوي رفع الحدث الأكبر، أو استباحة الصلاة أو القراءة أو نحو ذلك، فلو وقع الماء ولم ينو الغسل؛ أو اغتسل للتبرد ولم يكن قربة ولا عبادة؛ لا يرتفع حدثه.
• ولم يذكر المؤلف التسمية، وهي سنة قبل الاغتسال.
• ويسن أن يغسل كفيه قبل البداءة بالغسل، لأنها أداة غرف الماء.
لحديث عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ، ثم يأخذ الماء؛ فيدخل أصابعه في أصول الشعر، ثم حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض الماء على سائر جسده، ثم غسل رجليه). متفق عليه
فالمؤلف ذكر: ثم يغسل فرجه أولاً.
لحديث ميمونة في صفة غسل النبي ﷺ من الجنابة قالت: (وَضَعَ رسول الله ﷺ وضوء الجنابة، فأكفأ بيمينه على يساره مرتين أو ثلاثاً، ثم غسل فرجه … ).
وبدأ بغسل الفرج أولاً لأنه محل التلوث في الجنابة، فيزيل ما عليه من الأذى.
• ويسن بعد غسل فرجه أن يغسل يده بمنظف عقب الاستنجاء بها.
ففي حديث ميمونة: (ثم ضرب يده بالأرض أو الحائط مرتين أو ثلاثاً).
стр. 103
م/ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءًا كَامِلًا.
أي يسن له أن يتوضأ قبل الغسل.
لحديث عائشة السابق: ( … وتوضأ وضوءه للصلاة … ).
قال الشوكاني: " قدّم غسل الأعضاء تشريفاً لها، ولتكمل لها الطهارتان ".
• وهذا الوضوء سنة بالإجماع، لأن الله أمر بالغسل ولم يذكر الوضوء، فليس واجباً لا قبل الغسل ولا بعده، بل إذا اغتسل كفى، لقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) فلم يوجب علينا سوى أن نطهر، أي نَعُم البدن بالماء.
• وقول المؤلف: (وضوءاً كاملاً) أي مع غسل الرجلين لحديث عائشة السابق.
لكن جاء في حديث ميمونة: ( … ثم تنحى فغسل رجليه … ).
والصحيح أنه يتوضأ وضوءاً كاملاً مع الرجلين، لأن هذا الغالب من فعل الرسول ﷺ ، لأن عائشة ذكرت غسل النبي ﷺ للجنابة على سبيل الدوام، وأما حديث ميمونة فيحمل أن ذلك كان لحاجة، كما لو كانت الأرض رطبة، لأنه لو غسلهما لتلوثت رجلاه بالطين.
стр. 104
م/ ثُمَّ يَحْثِي اَلْمَاءِ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا، يَرْوِيهِ بِذَلِكَ.
أي وبعد أن يتوضأ وضوءه للصلاة يحثي الماء على رأسه.
لحديث عائشة: (ثم يخلل بيده شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات).
وفي حديث ميمونة: (أفاض على ر أسه الماء).
ومثل ذلك ما جاء في حديث عائشة: (ثم يأخذ الماء فَيُدخل أصابعه في أصول الشعر، حتى أنه إذا رأى أنه قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حفنات).
ففيه استحباب أن يخلل شعر رأسه، وصفته إدخال الأصابع فيما بين أجزاء الشعر.
فائدة التخليل:
١ - تسهيل إيصال الماء للشعر والبشرة.
٢ - مباشرة الشعر باليد ليحصل تعميمه.
٣ - تأنيس البشرة خشية أن يصيب بصبه دفعة واحدة آفة في رأسه.
ويستحب أن يبدأ بشقه الأيمن.
لحديث عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء من الحلاب، فأخذ بكفيه، فبدأ بشعر رأسه الأيمن ثم الأيسر). متفق عليه
بشيء من الحلاب: إناء يسع قدر حلب ناقة.
стр. 105
م/ ثُمَّ يُفِيضُ المَاءَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِه.
لحديث عائشة: ( … ثم أفاض الماء على سائر جسده).
وفي حديث ميمونة: (ثم أفاض على رأسه الماء ثم غسل سائر جسده).
• وظاهره أنه ليس فيه تثليث، وأن التثليث خاص بغسل الرأس فقط مما سبق في حديث عائشة.
• وقول المصنف: (ثم يفيض الماء … ) هذا دليل على أن الدلك غير واجب.
والدلك هو إمرار اليد على البدن مع الماء أو بعده، وهو غير واجب، وهذا مذهب الجمهور خلافاً لمالك.
لقول عائشة: ( … ثم أفاض الماء على سائر جسده … ).
وفي حديث ميمونة: ( … ثم أفاض الماء على سائر بدنه).
لكن هو من سنن الاغتسال.
لحديث عبد الله بن زيد: (أن النبي ﷺ أُتِيَ بِثُلُثَي مُد فجعل يدلك ذراعيه). رواه أحمد
стр. 106
م/ ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ بِمَحَلٍّ آخَرَ.
سبق الكلام عليه.
стр. 107
م/ وَالْفَرْضُ مِنْ هَذَا: غَسْلُ جَمِيعِ اَلْبَدَنِ، وَمَا تَحْتَ اَلشُّعُورِ اَلْخَفِيفَةِ وَالْكَثِيفَةِ.
هذا هو صفة الغسل المجزئ.
أن يعمم بدنه بالماء مع المضمضة والاستنشاق.
لقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) ولم يذكر الله شيئاً سوى ذلك، ومن عمم بدنه بالغسل مرة صدق عليه أنه تطهر
стр. 108
بَابُ اَلتَّيَمُّمِ
التيمم لغة القصد، يقال تيمم الشيء وتيممه: أي قصده.
وشرعاً: مسح الوجه واليدين من الصعيد الطيب، بدلاً عن طهارة الماء عند تعذر استعماله.
وهو من خصائص هذه الأمة.
لقوله ﷺ : (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من قبلي … وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل) متفق عليه
وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً).
والسنة أحاديث كثيرة:
منها حديث عمران بن حصين قال: (كنا مع النبي ﷺ في سفر فصلى بالناس، فإذا هو برجل معتزل فقال: ما منعك أن تصلي؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك). متفق عليه
وعن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الصعيد طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير). رواه أحمد
• وكانت مشروعيته في السنة السادسة في غزوة بني المصطلق، لما ضاع عقد عائشة.
ففي الصحيحين عن عائشة: (أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت، فبعث رسول الله ﷺ رجالاً في طلبها فوجدوها فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فصلوا بغير وضوء، فلما أتوا رسول الله ﷺ شَكَوْا ذلك إليه، فقال: فأنزل الله آية التيمم). متفق عليه
م/ وَهُوَ اَلنَّوْعُ اَلثَّانِي مِنَ اَلطَّهَارَةِ.
تقدم النوع الأول وهو الطهارة بالماء، والدليل على أن التراب هو النوع الثاني قوله تعالى: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) فنص أولاً على الماء، وعند تعذره يرجع إلى التيمم.
стр. 109
م/ وَهُوَ بَدَلٌ عَنِ اَلْمَاءِ إِذَا تَعْذَّرَ اِسْتِعْمَالُ اَلْمَاءِ لِأَعْضَاءِ اَلطَّهَارَةِ أَوْ بَعْضِهَا لِعَدَمِهِ.
المؤلف يريد أن يذكر هنا متى يجوز التيمم، وذكر ﵀ أنه بدل عن الماء، ومن المعلوم أن البدل له حكم المبدل، فهذا يدل على أنه رافع ويقوم مقام الماء.
وهذا مذهب أبي حنيفة واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية
لقوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ). قالوا: هذا دليل على أن التيمم طهارة، فهو مطهر كما يطهر الماء بنص القرآن.
ولقوله ﷺ : (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً). قالوا:
هذا دليل على أن التراب طهور للمتيمم كما أن الماء طهور له إلا أن طهرة التراب مؤقتة.
أنه بدل، والقاعدة الشرعية: (أن البدل له حكم المبدل).
وهذا القول هو الصحيح.
وذهب بعض العلماء إلى أنه مبيح لا رافع وهذا مذهب الشافعي ونسبه النووي للجمهور.
لحديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الصعيد طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجده فليمسه بشرته). رواه الترمذي. قالوا: ولو رفع الحدث لم يحتج الماء إذا وجده. والأول أصح.
وعليه:
إذا تيمم لنافلة فإنه يصلي به فريضة وغيرها من الصلوات، ولا يبطل بخروج الوقت، لأنه يقوم مقام الماء.
وإذا تيمم لمس المصحف صلى به نافلة.
• قوله: (إِذَا تَعْذَّرَ اِسْتِعْمَالُ اَلْمَاءِ لِأَعْضَاءِ اَلطَّهَارَةِ أَوْ بَعْضِهَا لِعَدَمِهِ) ذكر أن التيمم بدل عن الماء إذا تعذر استعماله لعدم، فهذا شرط التيمم: فقد الماء وتعذره.
وهذا شرط للتيمم بالإجماع.
فإذا كان غير واجد للماء لا في بيته، ولا في رحله إن كان مسافراً، ولا ما قرب منه؛ فإنه يشرع له التيمم.
لقوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا).
ولقوله ﷺ في الحديث السابق: (الصعيد طهور المسلم … ).
• إذا وجد الماء لكن بثمن زائد كثيراً:
قال بعض الفقهاء: يعدل إلى التيمم ولو معه قيمته.
وعللوا ذلك بأن هذه الزيادة تجعله في حكم المعدوم.
لكن الصواب إن كان قادراً على شرائه لوجود ثمنه عنده؛ فإنه يشتريه إذا لم يكن عليه ضرر.
لأن الله يقول: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً). والماء هنا موجود.
• لكن إن كان غير واجد الثمن، أو ليس معه إلا بعضه؛ فهو عادم للماء، ولا يلزمه الاقتراض، لما في ذلك من المنة.
стр. 110
م/ أَوْ خَوْفِ ضَرَرٍ بِاسْتِعْمَالِهِ.
هذه من الحالات التي يجوز فيها التيمم، وهي إذا خاف باستعمال الماء الضرر، فيخاف إذا استعمل الماء معه يزيد عليه مشقة
• وكما لو حصل برد شديد، وعَدِمَ ما يسخن به الماء، وخاف الضرر من البرد، لأنه داخل في عموم قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى) ولقوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ).
ولحديث أبي سعيد الخدري قال: (خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيداً طيباً فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما الصلاة بالوضوء ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له فقال للذي لم يعد: (أصبت السنة وأجزأتك صلاتك) وقال للذي توضأ وأعاد: (لك الأجر مرتين).
أو خاف باستعماله ضرر رفيقه أو حرمته أو بهائمه.
ضرر رفيقه: أن يكون معه قليل ورفقة، فإن استعمل الماء عطش الرفقة وتضرروا، فهنا يتيمم ويدع الماء للرفقة.
أو حرمته: خاف باستعمال الماء ضرر امرأته.
أو ماله: كما لو كان معه حيوان، وإذا استعمل الماء تضرر أو هلك.
وقول المصنف: (أو بعضها) أي عدم الماء لبعض أعضاء الطهارة.
مثال: إنسان عنده ماء يكفي لغسل الوجه واليدين فقط.
فقيل: يجب أن يستعمل الماء أولاً ثم يتيمم.
لقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا).
ولقوله ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم). متفق عليه
وليصدق عليه أنه عادم للماء إذا استعمله قبل التيمم.
وقيل: يتيمم ولا يلزم استعماله، وهذا اختيار المصنف.
والأول أرجح.
следующие страницы →