← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 832

شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (1 270 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

المفطرات م/ ومن أفطر فعليه القضاء فقط، إذا كان فطره بأكل أو بشرب أو قيء عمداً، أو حجامة، أو إمناء بماشرة. ذكر المصنف ﵀ المفطرات التي تفطر الصائم، وأن من فعلها عالماً عامداً فعليه القضاء مع الإثم وليس هناك كفارة. • قوله (بأكل أو بشرب). هذا المفطّر الأول. قال ابن قدامة: "وهذا لا خلاف أن من تعمده يفطر ويجب عليه الإمساك والقضاء". لقوله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْل). ولقوله ﷺ (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) ومن الأدلة قوله ﷺ (مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اَللَّهُ وَسَقَاهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وأجمع العلماء على أن الفطر بالأكل والشرب ". • لا فرق بين أن يدخل هذا الطعام عن طريق الفم أو عن طريق الأنف، لأن الأنف منفذ يصل إلى المعدة كما قال ﷺ للقيط بن صبرة (بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً). • ويلحق بذلك الإبر المغذية لأنها تقوم مقام الأكل. • قوله (أو قيء عمداً). هذا المفطر الثاني وهو القيء عمداً. (أن يتقيأ الإنسان ما في بطنه حتى يخرج من فمه). لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ ذَرَعَهُ اَلْقَيْءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ اَلْقَضَاءُ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ. [استقاء] طلب إخراج القيء من جوفه باختياره، [ذرعه] أي غلبه وقهره. وقد حكاه ابن المنذر بالإجماع على أن القيء عمداً يفطر. وقال ابن مسعود وعكرمة وربيعة والقاسم: " إنه لا يفسد الصوم سواء كان غالباً أو مستمرحاً ما لم يرجع فيه القيء باختياره " [نقله الشوكاني عنهم] واستدلوا: أن الحديث لا يصح، ولم يثبت دليل أن القيء مفطر، ولو كان مفطراً لبينه النبي ﷺ بياناً عاماً. واستدلوا بحديث: (ثلاث لا يفطرن: القيء، والحجامة، والاحتلام). وهو حديث ضعيف رواه الترمذي وغيره • الحكمة من الإفطار بالقيء أنه إخراج ما يضعف بدنه، قاله ابن تيمية. • والقيء عمداً يشمل ما إذا كان قيئه بالفعل كجذبه بيده، أو بالشم كأن يشم شيئاً له رائحة كريهة نفّاذة ليقيء بها، أو بالنظر كأن يتعمد النظر لشيء قبيح يقيئ به. • قوله (أو حجامة). هذا المفطر الثالث من مفطرات الصوم وهو الحجامة، وما ذكره المصنف ﵀ وهو أن الحجامة تفطر، هو مذهب الحنابلة واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم.

стр. 457

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ أَتَى عَلَى رَجُلٍ بِالْبَقِيعِ وَهُوَ يَحْتَجِمُ فِي رَمَضَانَ. فَقَالَ: أَفْطَرَ اَلْحَاجِمُ وَالْمَحْجُوم) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ إِلَّا اَلتِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ وذهب جمهور العلماء إلى أن الحجامة لا تفطر. لحديث ابن عباس: (أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم). رواه البخاري. ولما رواه أبو داود بسند صحيح عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال: (نهى النبي ﷺ عن الحجامة للصائم، وعن المواصلة ولم يحرمهما إبقاءً على أصحابه). قال الحافظ: " إسناده صحيح ". وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (رخص للصائم بالحجامة والقبلة). وسنده صحيح إلى أبي سعيد وله حكم الرفع وأجاب هؤلاء عن حديث (أفطر الحاجم والمحجوم) بأجوبة: أنه منسوخ، قال ابن عبد البر وغيره: "فيه دليل على أن حديث (أفطر الحاجم والمحجوم) منسوخ، لأنه جاء في بعض طرقه أن ذلك كان في حجة الوداع"، وسبق ذلك الشافعي. وقال ابن حزم: " صح حديث (أفطر الحاجم والمحجوم)، بلا ريب، لكن وجدنا من حديث أبي سعيد (رخص النبي ﷺ في الحجامة للصائم) وإسناده صحيح فوجب الأخذ به، لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة، فدل على نسخ الفطر بالحجامة سواء كان حاجماً أو محجوماً ". وهذا القول هو الراجح، ويتفرع على هذا أن سحب الدم للتحليل أو التبرع لا يفطر مطلقاً، سواء كان كثيراً أم قليلاً. • أما الرعاف وخروج الدم من الجرح والسن إذا لم يبلعه فهذا لا يفطر مطلقاً، سواء كان كثيراً أم قليلاً، لأنه خرج بغير اختياره، والأصل صحة الصوم إلا بدليل صحيح يدل على فساده. • قوله (أو إمناء بماشرة).

стр. 458

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . هذا هو المفطر الرابع وهو الاستمناء بمباشرة، والمباشرة: التقاء البشرتين، ويستعمل في الجماع سواء أولج أو لم يولج، وليس الجماع مراداً هنا، وإنما المراد أن يقبل زوجته مثلاً فينزل منياً. قال ابن قدامة في المغني: "القبلة لا تخلو من أمور: • أن لا تنزل فلا يفسد صومه، قال: لا نعلم فيه خلافاً، لحديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَلَكِنَّهُ أَمْلَكُكُمْ لِإِرْبِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. • أن يمني فيفطر بغير خلاف". • اختار شيخ الإسلام أن نزول المذي لا يفطر، عملاً بالأصل، ولأن قياسه على المني لا يصح لظهور الفروق بينهما. والدليل على أن تعمد الاستمناء بمباشرة مفسد للصوم، أن هذا من الشهوة التي تنافي الصوم، وقد قال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) رواه ابن خزيمة. ومثله الاستمناء بيده فإن هذا مفسد للصوم. • وأما إذا احتلم في نهار رمضان فإنه يغتسل وصومه صحيح ولا يضره لأنه ليس باختياره). • وأيضاً لو كرر النظر متعمداً فأنزل منياً فإنه يفسد صومه، لأنه إنزال بفعلٍ يتلذذ به يمكن التحرز منه، وأما إذا لم يكرر النظر فإنه لا يفطر ولو أنزل - وهذا المذهب - لعدم إمكان التحرز منه.

стр. 459

م/ إلا من أفطر بجماع فإنه يقضي ويعتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً. هذا المفطر الخامس وهو الجماع في الفرج في نهار رمضان. لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى اَلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اَللَّهِ. قَالَ: " وَمَا أَهْلَكَكَ? " قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى اِمْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: " هَلْ تَجِدُ مَا تَعْتِقُ رَقَبَةً? " قَالَ: لَا. قَالَ: " فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ? " قَالَ: لَا. قَالَ: " فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا? " قَالَ: لَا، ثُمَّ جَلَسَ، فَأُتِي اَلنَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ. فَقَالَ: " تَصَدَّقْ بِهَذَا "، فَقَالَ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا? فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا، فَضَحِكَ اَلنَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: "اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَك) متفق عليه. • الحديث دليل أن من جامع في الفرج فأنزل أو لم ينزل أو دون الفرج فأنزل أنه يفسد صومه إذا كان عامداً. قال ابن قدامة: "لا نعلم بين أهل العلم خلافاً". • الحديث دليل على أن الوطء للصائم في نهار رمضان من الفواحش الكبار المهلكات، لأن النبي ﷺ أقره على أن فعله هذا مهلك. • الحديث دليل على أن الوطء عمداً يوجب الكفارة المغلظة، وهي على الترتيب: عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، وهذا مذهب جمهور العلماء على أنها على الترتيب لا على التخيير. • تجب الكفارة إذا جامع في نهار رمضان فقط، فلو أن رجلاً جامع زوجته وهو يصوم رمضان قضاءً، فلا كفارة عليه، وذلك لأن وجوب الكفارة من أجل انتهاك الصوم في زمن محترم، وهو شهر رمضان. قال ابن قدامة: "ولا تجب الكفارة في قول أهل العلم وجمهور الفقهاء". • اختلف العلماء هل (المرأة) عليها كفارة أم لا؟ القول الأول: ليس عليها كفارة. وهو قول الشافعية، واستدلوا: قال ابن حجر: "واستدلوا بإفراده بذلك على أن الكفارة عليه وحده دون الموطوءة، وكذا قوله في المراجعة (هل تستطيع) و (هل تجد) وغير ذلك … واستدل الشافعية - أيضاً - بسكوته ﷺ عن إعلام المرأة بوجوب الكفارة مع الحاجة".

стр. 460

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . القول الثاني: عليها الكفارة. وهو مذهب الجمهور. لأن الأصل تساوي الرجال والنساء في الأحكام إلا ما خص بدليل. قال ابن حجر: "ثم إن بيان الحكم للرجل بيان في حقها لاشتراكهما في تحريم الفطر وانتهاك حرمة الصوم كما لم يأمره بالغسل، والتنصيص على الحكم في حق بعض المكلفين كاف عن ذكره في حق الباقين". وهذا القول هو الصحيح أن على المرأة الكفارة إلا إذا كانت مكرهة فلا شيء عليها. وأما الجواب عن قول أصحاب القول الأول (وقت الحاجة): قال الحافظ ابن حجر: "وأجيب ممتنع الحاجة إذ ذاك لأنها لم تعترف ولم تسأل، واعتراف الزوج عليها لا يوجب عليها حكماً ما لم تعترف". قوله (فإنه يقضي) - المصنف ﵀ يقول أن على المجامع متعمداً ذاكراً قضاء هذا اليوم، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنه لا يقضي هذا اليوم. وهذا اختيار ابن حزم وشيخ الإسلام ابن تيمية. لأنه لم يأمره النبي ﷺ بالقضاء. القول الثاني: يجب عليه قضاء هذا اليوم. وهذا مذهب جمهور العلماء. واستدلوا. بحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء) وجه الاستدلال: أن من استقاء عامداً وجب عليه القضاء بنص هذا الحديث، فيكون حكم المجامع في وجوب القضاء مثل حكمه. واستدلوا أنه جاء عند أبي داود أن النبي ﷺ أمر المجامع بالقضاء فقال له (صم يوماً مكانه) وهذه الزيادة مختلف في صحتها وضعفها ابن تيمية، وممن أثبتها الحافظ ابن حجر، وبين أن لها أصلاً كما في الفتح. واستدلوا: أن الصوم إذا شغلت به الذمة لم تبرأ إلا بالأداء، فإذا فات وقته وجب القضاء. واستدلوا بحديث ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال (فاقضوا الله الذي له، فإن الله أحق بالوفاء) رواه البخاري.

стр. 461

م/ وقال النبي ﷺ (مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اَللَّهُ وَسَقَاه) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ذكر المصنف ﵀ حديث أبي هريرة ليستدل به على أن الصائم إذا أكل أو شرب أو فعل مفطراً من المفطرات ناسياً فلا شيء عليه وجاء في رواية للحاكم (مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ). وهذا مذهب جمهور العلماء، وأبو حنيفة والشافعي وأحمد. وذهب بعض العلماء إلى أنه يفسد الصوم ويجب القضاء، وهو مذهب المالكية، واعتذروا عن العمل بالحديث بأنه لم يرد في الحديث تعيين رمضان فيحمل على التطوع، ويرد هذا، رواية الحاكم: (من أفطر في رمضان ناسياً فلا قضاء ولا كفارة). • أنه لا فرق بين قليل الأكل وكثيره، لما أخرجه أحمد عن أم إسحاق: (أنها كانت عند النبي ﷺ فأتي بقصعة من ثريد فأكلت معه، ثم تذكرت أنها كانت صائمة فقال لها ذو اليدين: الآن بعد ما شبعتِ؟ فقال لها النبي ﷺ : أتمي صومك فإنما هو رزق ساقه الله إليك)، قال الحافظ ابن حجر: "وفي هذا رد على من فرق بين قليل الأكل وكثيره". • هل يجب على من رأى من يأكل ويشرب في نهار رمضان أن يذكره أم لا؟ قولان للعلماء: القول الأول: أنه يجب تذكيره. واختار هذا القول الشيخ ابن باز وابن عثيمين. لقوله ﷺ : (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه). رواه مسلم القول الثاني: أنه لا يجب تذكيره. لأنك تعلم علم اليقين أنه أكل أو شرب نسياناً ولم يرتكب حينئذٍ منكراً، وإنما أطعمه الله وسقاه، والأول أرجح.

стр. 462

م/ وقال: (لَا يَزَالُ اَلنَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا اَلْفِطْرَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ذكر المصنف ﵀ حديث سهل بن سعد (لا يزال الناس بخير .... ) ليستدل به على استحباب تعجيل الفطر. • الحديث يدل على أدب من آداب الإفطار، وهو تعجيله والمبادرة به حين حلول وقته. ومعنى التعجيل: أنه بمجرد غياب قرص الشمس من الأفق يفطر. • أن في تعجيل الفطر ثمرات عظيمة: o في تعجيل الإفطار اتباع هدي النبي ﷺ ، فقد كان يعجل الإفطار. عن عبد الله بن أبي أوفى قال: (كنا مع رسول الله ﷺ في سفر وهو صائم، فلما غابت الشمس قال لبعض القوم: يا فلان، قم فاجدح لنا [أي اخلط السويق بالماء] فقال: يا رسول الله، لو أمسيت، قال: انزل فاجدح لنا، قال: إن عليك نهاراً قال: انزل فاجدح لنا، فنزل فجدح لهم، فشرب النبي ﷺ ثم قال: إذا رأيتم الليل قد أقبل من ههنا أفطر الصائم) متفق عليه o تعجيل الفطر من أخلاق الأنبياء. قال أبو الدرداء: (ثلاث من أخلاق الأنبياء: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال في الصلاة). رواه الطبراني o أن في تعجيل الفطور علامة أن الناس بخير. للحديث الذي ذكره المصنف. o في تعجيل الفطور مخالفة لليهود والنصارى. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر، لأن اليهود والنصارى يؤخرون). رواه أبو داود o في تعجيل الفطور تيسير على الناس، وبعد عن التنطع، وقد امتثل هذا الأدب الصحابة. قال البخاري: " أفطر أبو سعيد حين غاب قرص الشمس ". وقال عمرو بن ميمون: (كان أصحاب محمد ﷺ أسرع الناس إفطاراً، وأبطأهم سحوراً). رواه عبد الرزاق • يفطر الصائم أول ما تغرب الشمس، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم). قوله (فقد أفطر الصائم): قال ابن حجر: "أي دخل في وقت الفطر، ويحتمل أن يكون معناه: فقد صار مفطراً في الحكم لكون الليل ليس ظرفاً للصيام الشرعي، وقد رد ابن خزيمة هذا الاحتمال، وأومأ إلى ترجيح الأول". قال ابن حجر: "ولا شك أن الأول أرجح".

стр. 463

م/ وقال (تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي اَلسَّحُورِ بَرَكَة) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ذكر المصنف ﵀ حديث أبي هريرة (تسحروا .... ) ليستدل به على استحباب السحور. • الحديث دليل على استحباب السحور، قال في المغني: "ولا نعلم فيه خلافاً " [أي في استحبابه]. وقال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن السحور مندوب إليه". وقال البخاري: "باب بركة السحور من غير إيجاب، لأن النبي ﷺ وأصحابه واصلوا ولم يذكر السحور". ويشير البخاري إلى حديث أبي هريرة ﵁ قال (نهى رسول الله ﷺ عن الوصال في الصوم فقال رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله؟ قال: وأيكم مثلي؟ إني يطعمني ربي ويسقيني، فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوماً ثم يوماً، ثم رأوا الهلال فقال: لو تأخر لزدتكم، كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا). • قوله (بركة) البركة في السحور تحصل بجهات متعددة: o اتباع السنة. o مخالفة أهل الكتاب، ففي صحيح مسلم قال رسول الله ﷺ (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر). o أن السحور يعطي الصائم قوة لا يمل معها الصيام. o أنه يكون سبباً للانتباه من النوم في وقت السحر الذي هو وقت الاستغفار والدعاء، وفيه ينزل الرب جل وعلا إلى السماء الدنيا. o مدافعة سوء الخلق الذي يثيره الجوع. o الزيادة في النشاط. o ويسن تأخير السحور، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر). متفق عليه زاد أحمد (وأخروا السحور). وعن أنس عن زيد بن ثابت أنه قال: (تسحرنا مع النبي ﷺ ثم قام إلى الصلاة، قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية). متفق عليه فهذا الحديث يدل على أنه يستحب تأخير السحور إلى قبيل الفجر، فقد كان بين فراغ النبي ﷺ ومعه زيد من سحورهما، ودخولهما في الصلاة، قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية من القرآن، قراءة متوسطة لا سريعة ولا بطيئة، وهذا يدل على أن وقت الصلاة قريب من وقت الإمساك. والمراد بالأذان الإقامة، سميت أذاناً لأنها إعلام بالقيام إلى الصلاة.

стр. 464

م/ وقال ﷺ (إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ، فَإِنَّهُ طَهُورٌ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ. ذكر المصنف ﵀ حديث (إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر .... ) ليستدل به على استحباب الفطر على تمر. • ففي هذا الحديث استحباب الفطر على رطب، فإن لم يجد فتمر، فإن لم يجد فماء. • هذا الأمر بالحديث للاستحباب، ويدل لذلك حديث ابن أبي أوفى قال: (سرنا مع رسول الله ﷺ وهو صائم، فلما غربت الشمس قال: انزل فاجدح لنا، قال: يا رسول الله، لو أمسيت … ). قوله (فاجدح) بالجيم ثم بالحاء، والجدح تحريك السويق ونحوه بالماء بعود يقال له المجدح. قال ابن حجر: "وشذ ابن حزم فأوجب الفطر على التمر وإلا فعلى الماء". • الحكمة من الفطر على التمر: قال ابن القيم ﵀: "وكان يحض على الفطر بالتمر، فإن لم يجد فعلى الماء، هذا من كمال شفقته على أمته ونصحهم، فإن إعطاء الطبيعة الشيء الحلو مع خلو المعدة، أدعى إلى قبوله، وانتفاع القوى به، … وأما الماء فإن الكبد يحصل لها بالصوم نوع يبس، فإذا رطبت بالماء كمل انتفاعها بالغذاء بعده، ولهذا كان أولى بالظمآن الجائع، أن يبدأ قبل الأكل بشرب قليل من الماء، ثم يأكل بعده". وقال الشوكاني: "وإنما شرع الإفطار بالتمر لأنه حلو، وكل حلو يقوي البصر الذي يضعف بالصوم، وهذا أحسن ما قيل في المناسبة وبيان وجه الحكمة".

стр. 465

م/ وقال ﷺ (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ اَلزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، وَالْجَهْلَ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ). رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ. ذكر المصنف ﵀ حديث (من لم يدع قول الزور … ) ليستدل به على تحريم قول الزور والكذب في رمضان. (لم يدع) لم يترك. (قول الزور) الكذب. (الجهل) السفه. (والعمل به) أي بمقتضاه. • الحديث دليل على تحريم هذه الأشياء في نهار رمضان، وهي حرام في رمضان وغير رمضان لكنها في رمضان أشد تحريماً • الحديث دليل على أن هذه الأفعال تنقص ثواب الصوم، ومثلها الغيبة والنميمة وغيرها. • أن هذه الأفعال لا تبطل الصوم، وذهب ابن حزم إلى أنه يبطله كل معصية، قال ابن حجر: "وأفرط ابن حزم فقال: يبطله كل معصية من متعمد لها ذاكر لصومه، سواء كانت فعلاً أو قولاً، وجمهور العلماء على أنها لا تفطر الصائم". • آيات الحكمة من الشرائع، وأن فيها تهذيب النفوس، وتقويم الأخلاق، واستقامة الطبائع. • المقصود من شرعية الصيام تقوى الله، كما قال تعالى (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون). فبين الله تعالى أن الحكمة من الصيام تقوى الله، وهي فعل الأوامر وترك النواهي. ولهذا قال ابن القيم: "ففي الحديث الصحيح (من لم يدع قول الزور … ) وفي الحديث (رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش) فالصوم هو صوم الجوارح عن الآثام، وصوم البطن عن الشراب والطعام، فكما أن الطعام والشراب يقطعه ويفسده، فهكذا الآثام تقطع ثوابه وتفسد ثمرته، فتصيره بمنزلة من لم يصم ". • قوله (فليس لله حاجة) قال ابن حجر: " فلا مفهوم له، فإن الله لا يحتاج إلى شيء، وإنما معناه فليس لله إرادة في صيامه، فوضع الحاجة موضع الإرادة.

стр. 466

م/ وقال ﷺ (مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ذكر المصنف ﵀ حديث (من مات وعليه صيام … ) ليستدل به على مشروعية الصيام عن الميت من قبل وليه. • وهذا الأمر بالحديث بالصيام ليس للوجوب عند جمهور العلماء، وبالغ إمام الحرمين ومن تبعه فادّعوا الإجماع على ذلك. قال الحافظ ابن حجر: " وفيه نظر، لأن بعض أهل الظاهر أوجبه، فلعله لم يعتد بكلامهم على قاعدته ". الدليل على أنه غير واجب قوله تعالى: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى). • اختلف العلماء في الصوم الذي يقضى عن الميت: القول الأول: أنه يقضى عنه النذر فقط. وهو قول أحمد وإسحاق. حملاً للعموم الذي في حديث عائشة على المقيد في حديث ابن عباس. القول الثاني: يصام عن الميت النذر والواجب بأصل الشرع. وهذا مذهب أبي ثور، وأهل الحديث، ونصره ابن حزم، واختاره الشيخ السعدي. للحديث الذي ذكره المصنف: (من مات وعليه صيام … ). القول الثالث: لا يصام عن الميت مطلقاً. وهذا مذهب الجمهور. لقول ابن عباس: (لا يصلِّ أحد عن أحد، ولا يصم أحد عن أحد). أخرجه النسائي ولقول عائشة: (لا تصوموا عن موتاكم، وأطعموا عنهم). أخرجه عبد الرزاق. قالوا: فلما أفتى ابن عباس وعائشة بخلاف ما روياه، دلّ ذلك على أن العمل على خلاف ما روياه. قال ابن حجر: " وهذه قاعدة لهم معروفة، إلا أن الآثار المذكورة عن عائشة وعن ابن عباس فيها مقال، وليس فيها ما يمنع الصيام إلا الأثر الذي عن عائشة وهو ضعيف جداً، والراجح أن المعتبر ما رواه لا ما رآه ".

стр. 467

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والراجح القول الثاني، وأنه يصام عنه الواجب بأصل الشرع والنذر. • أجاب الجمهور عن حديث عائشة: قالوا المراد بقوله (صام عنه وليه) أي يفعل عنه ما يقوم مقام الصوم وهو الإطعام. قال الشوكاني: " وهو عذر بارد لا يتمسك به منصف في مقابلة الأحاديث الصحيحة". ومن جملة أعذارهم: أن عمل أهل المدينة على خلاف ذلك. قال الشوكاني: " وهو عذر أبرد من الأول ". • متى يكون عليه صيام؟ يكون عليه صيام إذا تمكن منه فلم يفعل، أما إذا لم يتمكن فليس عليه صيام. مثال: إنسان نذر أن يصوم [٣] أيام، ثم مات من يومه، فهذا ليس عليه شيء لأنه لم يتمكن منه. مثال آخر: إنسان مرض في: ٢٠ رمضان فأفطر، وتواصل به المرض شهر شوال وشهر ذي القعدة، ثم مات، فهذا ليس عليه صوم، فلا يقضى عنه، لأنه لم يمر عليه أيام يتمكن منها القضاء. • اختلف في المراد بالولي: فقيل: كل قريب، وقيل: الوارث خاصة، وقيل: عصبه، والأول أرجح.

стр. 468

صيام التطوع م/ (سئل رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ. قَالَ: " يُكَفِّرُ اَلسَّنَةَ اَلْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ). ذكر المصنف ﵀ حديث أبي قتادة (أن النبي ﷺ سئل عن صيام يوم عرفة .... ) ليستدل به على استحباب صيامه. • الحديث دليل على استحباب صيام يوم عرفة لغير الحاج. أما الحاج: فالأفضل عدم صومه. لحديث أم الفضل بنت الحارث (أن ناساً تماروا بين يديها يوم عرفة في رسول الله ﷺ ، فقال بعضهم: صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت إليه بقدح من لبن وهو واقف على بعيره بعرفات، فشربه النبي ﷺ . متفق عليه وقال ابن عمر: (حججت مع النبي ﷺ فلم يصمه - يعني يوم عرفة - ومع أبي بكر فلم يصمه، ومع عمر فلم يصمه، ومع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه). رواه الترمذي وجاء في حديث ضعيف: (نهى النبي ﷺ عن صيام يوم عرفة بعرفة). رواه أبو داود. وضعفه ابن القيم • الحكمة من استحباب فطره للحاج: قال ابن القيم: " قالت طائفة: ليتقوى على الدعاء، وهذا قول الخرقي وغيره. وقال غيرهم - منهم شيخ الإسلام ابن تيمية - الحكمة فيه أنه عيد لأهل عرفة، فلا يستحب صومه لهم"، قال: " والدليل عليه الحديث الذي في السنن عنه ﷺ أنه قال: (يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام منى، عيدنا أهل الإسلام) قال شيخنا: وإنما يكون يوم عرفة عيداً في حق أهل عرفة لاجتماعهم فيه، بخلاف أهل الأمصار فإنهم إنما يجتمعون يوم النحر، فكان هو العيد في حقهم " [زاد المعاد ١/] • التكفير يقع للصغائر دون الكبائر، وهذا مذهب جمهور العلماء. لقوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم). ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما لم تغش الكبائر). رواه مسلم، فإذا كانت الصلوات الخمس لا تقوى على تكفير الكبائر، فمن باب أولى صيام عرفة. • إن قيل: لم كان عاشوراء يكفر سنة، ويوم عرفة يكفر سنتين؟ قيل: فيه وجهان: أحدهما/ أن يوم عرفة في شهر حرام، وقبله شهر حرام، وبعده شهر حرام، بخلاف عاشوراء. الثاني/ أن صوم يوم عرفة من خصائص شرعنا، بخلاف عاشوراء، فضوعف ببركات المصطفى. [بدائع الفوائد]

стр. 469

م/ (وَسُئِلَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ. قَالَ: " يُكَفِّرُ اَلسَّنَةَ اَلْمَاضِيَةَ) رواه مسلم. ذكر المصنف ﵀ حديث أبي قتادة (أن رسول الله ﷺ سئل عن صيام يوم عاشوراء … ) ليستدل به على استحباب صيام عاشوراء. • الحديث دليل على استحباب صيام يوم عاشوراء (وهو اليوم العاشر من محرم). • اختلف في يوم عاشوراء، هل كان صومه واجباً أم تطوعاً؟ قال ابن القيم: "فقالت طائفة: كان واجباً، وهذا قول أبي حنيفة، وقال أصحاب الشافعي: لم يكن واجباً وإنما كان تطوعاً. والراجح أنه كان واجباً ". • حالات صيام عاشوراء: أ. إفراده. ويحصل به التكفير، فلا يشترط أن يصوم التاسع معه، ولا يكره إفراده، لأن النبي ﷺ صام العاشر وأمر به، ويحصل بصيامه الأجر المترتب على ذلك. ب. أن يصوم يوماً قبله، وهذا أفضل. وعلى هذا جاءت أكثر الأحاديث. فقد قال رسول الله ﷺ : (لئن بقيت إلى قابل لأصومنَّ التاسع). رواه مسلم وقد روى عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن عباس أنه قال (صوموا التاسع مع العاشر). (حديث: صوموا يوماً قبله وبعده - وكذلك حديث: صوموا يوماً قبله أو بعده، ضعيفة لا تصح). ج. سبب صيام عاشوراء: ما جاء في حديث ابن عباس قال: (قدم النبي ﷺ فرأى اليهود تصوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: يوم نجى الله نبيه موسى وبني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى. فقال: أنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه). متفق عليه

стр. 470

م/ (وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ اَلِاثْنَيْنِ، قَالَ: " ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَبُعِثْتُ فِيهِ، أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ذكر المصنف ﵀ حديث أبي قتادة (أن رسول الله ﷺ سئل عن صيام يوم الإثنين .... ) ليستدل به على استحباب صيام يوم الإثنين. • الحديث دليل أنه يستحب صيام يوم الاثنين لأن في ذلك اليوم امتن الله على المسلمين بثلاث منن عظام، وهي: ولادة النبي ﷺ ـ وبعثته ﷺ رسولاً ـ وإنزال القرآن الكريم في هذا اليوم. وهناك علة أخرى: وهي ما جاءت في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال (تعرض الأعمال كل إثنين وخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم). رواه الترمذي وأحمد

стр. 471

م/ وقال (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ اَلدَّهْرِ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ذكر المصنف ﵀ حديث أبي أيوب (من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال … ) ليستدل به على استحباب صيام ست أيام من شوال. • الحديث دليل على أنه يستحب صيام ست من شوال، وبالاستحباب قال الجمهور، وهو مذهب السلف والخلف. وقال مالك وأبو حنيفة: " يكره ذلك حتى لا يظن وجوبها "، وقال مالك: "ما رأيت أحداً من أهل العلم يصومها ". قال النووي رداً عليهم: " وقولهم قد يظن وجوبها، ينتقض بصوم عرفة وعاشوراء وغيرها من الصوم المندوب ". وقال الشوكاني رداً عليهم: "وهو باطل لا يليق بعاقل، فضلاً عن عالماً نصب مثله في مقابلة السنة الصحيحة الصريحة، وأيضاً يلزم مثل ذلك في سائر أنواع الصوم المرغب فيها، ولا قائل بها". وأحسن ما اعتذر به عن مالك: ما قاله شارح موطئه أبو عمر بن عبد البر: " أن هذا الحديث لم يبلغ مالكاً، ولو بلغه لقال به ". • قوله (من صام رمضان) أي كاملاً، فلا يصح صيام ست من شوال إلا باستكمال رمضان، وأما الذي عليه بقية من رمضان فلا يصدق في حقه أنه صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال. • هذه الأيام تجوز متفرقة ومتتابعة. قال في سبل السلام: " واعلم أن أجر صومها يحصل لمن صامها متفرقة أو متوالية، ومن صامها عقيب العيد أو في أثناء الشهر. • الأفضل أن تكون عقيب العيد مباشرة لعدة اعتبارات: • المسارعة في فعل الخير. • المسارعة إليها دليل على الرغبة في الصيام والطاعة. • أن لا يعرض له من الأمور ما يمنعه من صيامها إذا أخرها. • أن صيام ستة أيام بعد رمضان كالراتبة بعد فريضة الصلاة، فتكون بعدها. • أن صيام الست من شوال كصيام الدهر، والمراد بالدهر العام.

стр. 472

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال النووي: " قال العلماء: وإنما كان ذلك كصيام الدهر، لأن الحسنة بعشر أمثالها، فرمضان بعشرة أشهر، والستة بشهرين، وقد جاء في هذا حديث مرفوع في كتاب النسائي ". اختلف العلماء في صيام التطوع وعليه صيام واجب: القول الأول: يجوز. وهذا مذهب الأئمة الثلاثة، وقاسوه على صلاة التطوع قبل صلاة الفرض في وقتها. القول الثاني: يحرم. وهذا المشهور من المذهب، والصحيح الأول وهو الجواز. • إن أخر صيام الستة من شوال بلا عذر، فإنه لا يقضيها لأنه تركها بلا عذر، وإن أخرها بعذر كمرض أو حيض فقولان للعلماء: قيل/ يقضيها. وقيل/ لا يقضيها. وهذا أرجح. لأنها مؤقتة بوقت وقد مضى هذا الوقت.

стр. 473

م/ وَقالْ أَبِو ذَرٍّ ﵁ قَالَ: (أَمَرَنَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَنْ نَصُومَ مِنْ اَلشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ. ذكر المصنف ﵀ حديث أبي ذر (أَمَرَنَا رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ أَنْ نَصُومَ مِنْ اَلشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ … ) ليستدل به على استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن الأفضل أن تكون: ١٣ - ١٤ - ١٥. • الحديث دليل على أنه يستحب للإنسان أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وقد جاءت الأحاديث بذلك: ففي حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: (صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر كله). متفق عليه وقد أوصى بذلك بعض الصحابة: منهم أبو هريرة ﵁ فقد قال: (أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام). متفق عليه ومنهم أبو الدرداء فقد قال: (أوصاني خليلي بثلاث لن أدعهن ما عشت: بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى وبأن لا أنام حتى أوتر). رواه مسلم ومنهم أبو ذر كما عند الترمذي. • فمن أي الشهر صامها (أوله، أو أوسطه، أو آخره) أجزأ. وقد روى مسلم في صحيحه عن معاذة قالت: (قلت لعائشة: أكان رسول الله ﷺ يصوم ثلاثة أيام من كل شهر؟ قالت: نعم، قلت لها: من أي الأيام؟ قالت: لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم). وقد استحب أكثر أهل العلم أن تكون الأيام البيض [١٣، ١٤، ١٥]، لورود أحاديث في الأمر بها: كحديث الذي ذكره المصنف ﵀. وحديث جرير عن النبي ﷺ قال: (صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر، أيام البيض صبيحة ثلاث عشر، وأربع عشر، وخمس عشر). رواه النسائي، قال المنذري: " إسناده جيد ". وقال الحافظ: " إسناده صحيح ".

стр. 474

باب الصوم المنهي عنه م/ (ونهى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ اَلْفِطْرِ وَيَوْمِ اَلنَّحْرِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ذكر المصنف ﵀ حديث أبي سعيد (نهى ﷺ عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ اَلْفِطْرِ وَيَوْمِ اَلنَّحْرِ) ليستدل به على تحريم صيام يومي العيد. • الحديث دليل على تحريم صيام يومي العيد. قال النووي: "أجمع العلماء على تحريم صوم هذين اليومين بكل حال، سواء صامهما عن نذر، أو تطوع، أو كفارة". وقال ابن قدامة: "أجمع أهل العلم أن صوم يومي العيد منهي عنه، محرم في التطوع والنذر المطلق والقضاء والكفارة". • لو نذر صيامهما، فهل يصح نذره؟ لا يصح نذره، ولا ينعقد، ولا يجوز الوفاء به. لأنه نذر معصية، وقد قال النبي ﷺ : (من نذر أن يعص الله فلا يعصه). متفق عليه • قال الشوكاني: "والحكمة في النهي عن صوم العيدين: أن فيه إعراضاً عن ضيافة الله تعالى لعباده، كما صرح بذلك أهل الأصول".

стр. 475

م/ وقال (أَيَّامُ اَلتَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَذِكْرٍ لِلَّهِ ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ذكر المصنف ﵀ حديث نبيْشة قال: قال ﷺ (أَيَّامُ اَلتَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَذِكْرٍ لِلَّهِ ليستدل به على النهي عن صومها. أيام التشريق هي الأيام التي بعد يوم النحر، وهي [١١، ١٢، ١٣] من ذي الحجة. سميت بذلك: لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها، أي تنشر في الشمس، وقيل: لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس. • اختلف العلماء في صيام أيام التشريق: القول الأول: المنع مطلقاً. قال في الفتح: "وعن علي وعبد الله بن عمرو المنع مطلقاً، وهو المشهور عن الشافعي". • لحديث الباب [حديث نبيشة]. • وعن كعب بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أيام منى أيام أكل وشرب). رواه مسلم القول الثاني: لا يصح صومها إلا للمتمتع والقارن إذا لم يجد الهدي. ونسبه ابن حجر [لابن عمر، وعائشة، وعبيد بن عمير]. لحديث عَائِشَة وَابْنِ عُمَر ﵄ قَالَا (لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ اَلتَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ اَلْهَدْيَ) رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ، وقد أخرجه الدار قطني والطحاوي بلفظ: (رخص رسول الله ﷺ للمتمتع إذا لم يجد الهدي أن يصوم أيام التشريق). وهذا القول هو الصحيح، ورجحه الشوكاني وقال: "وهو أقوى المذاهب".

стр. 476

م/ وقال (لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ اَلْجُمُعَةِ، إِلَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ، أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ذكر المصنف ﵀ حديث (لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ اَلْجُمُعَةِ ..... ) ليستدل به على النهي عن إفراد يوم الجمعة بالصوم. • الحديث دليل على النهي عن إفراد يوم الجمعة بالصيام. • الحديث يدل على جواز الصيام، وزوال النهي بأمرين: o أن يوافق يوم الجمعة صيام معتاد، كأن يصوم يوماً ويفطر يوماً، فصادف يوم صيامه يوم الجمعة. o إذا لم يفرده بالصيام، بل جمع معه غيره. • اختلف العلماء في النهي، هل هو للتحريم أم للكراهة؟ القول الأول: الكراهة، وهو مذهب الأكثر. والصارف عن التحريم أن النبي ﷺ أجاز صيامه إذا صيم يوماً قبله أو بعده. القول الثاني: التحريم. لأن الأصل في النهي التحريم، والراجح الأول. • اختلف في سبب النهي عن إفراده: فقيل: لئلا يضعف عن العبادة، ورجحه النووي. قال في الفتح: " وتعقب ببقاء المعنى المذكور مع صوم غيره معه ". وقال ابن القيم: " ولكن يشكل عليه زوال الكراهة بضم يوم قبله أو بعده إليه ". وقيل: سداً للذريعة من أن يلحق بالدين ما ليس منه، ويوجب التشبه بأهل الكتاب في تخصيص بعض الأيام بالتجرد من الأعمال الدنيوية ". [قاله ابن القيم] وقيل: لكونه يوم عيد والعيد لا يصام، ورجحه الحافظ ابن حجر، وقال: "ورد فيه صريحاً حديثان: أحدهما/ رواه الحاكم وغيره عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا يوماً قبله أو بعده). والثاني/ رواه ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن علي قال: (من كان منكم متطوعاً من الشهر فليصم يوم الخميس ولا يصم يوم الجمعة، فإنه يوم طعام وشراب وذكر) ".

стр. 477

م/ وقال (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه). ذكر المصنف ﵀ حديث (من صام رمضان … ) ليستدل به على فضل صيام رمضان. [إيماناً] بوعد الله تعالى. [واحتساباً] أي محتسباً للثواب عندالله، فيطلب ثواب الله ويبتغي مرضاته لا بقصد آخر من رياء أو مدح أو ثناء. • الحديث دليل على فضل صيام رمضان، وأنه سبب لمغفرة الذنوب. ولصيام رمضان فضائل: أولاً: أن صومه سبب لمغفرة الذنوب. لحديث الباب. • وغفران الذنوب بصيام رمضان مشروط بأمرين: ١ - أن يكون الحامل على الصوم هو الإيمان والتصديق بثواب الله. ٢ - احتساب العمل عند الله تعالى والإخلاص فيه. ثانياً: تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق أبواب النار. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين) متفق عليه صفدت الشياطين: أي المردة منهم، فقد جاء عند ابن خزيمة بلفظ: (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، ويقال: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر). ثالثاً: فيه ليلة القدر. قال تعالى (ليلة القدر خير من ألف شهر). • المقصود بغفران الذنوب الصغائر، وأما الكبائر فلا تكفرها إلا التوبة. • جواز قول رمضان من دون شهر رمضان، لقوله ﷺ : (من صام رمضان … ). وقد كره بعض السلف أن يقال رمضان، واعتمدوا على حديث ضعيف: (لا تقولوا رمضان، فإن رمضان من أسماء الله تعالى، ولكن قولوا شهر رمضان)، لكن هذا القول ضعيف.

стр. 478

م/ وقال (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه). ذكر المصنف ﵀ حديث (من قام ليلة القدر … ) ليستدل به على فضل ليلة القدر وفضل قيامها. وقد ورد لليلة القدر فضائل عديدة: أولاً: قيامها سبب لمغفرة الذنوب، كما في الحديث الذي ذكره المصنف. ثانياً: أنزل فيها القرآن. قال تعالى (إنا أنزلناه في ليلة القدر). ثالثاً: أنها مباركة. قال تعالى (إنا أنزلناه في ليلة مباركة). رابعاً: أنها سلام. قال تعالى (سلام هي حتى مطلع الفجر). • اختلف لماذا سميت ليلة القدر بذلك: فقيل: لأن الله يقدر فيها الأرزاق والآجال وحوادث العام، كما قال تعالى (فيها يفرق كل أمر حكيم). وعزاه النووي للعلماء حيث صدر كلامه فقال: "قال العلماء: سميت ليلة القدر لما تكتب فيها الملائكة من الأقدار وقيل: سميت بذلك لأنها ليلة عظيمة وذات شرف، من قولهم لفلان قدر عند فلان، أي: منزلة وشرف". ويدل لذلك قوله تعالى (ليلة القدر خير من ألف شهر). وقيل: سميت بذلك لأنها تكسب من أحياها قدراً عظيماً، ويدل لذلك قوله ﷺ : (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه). • اختلف العلماء في تحديد ليلة القدر على أقوال كثيرة ذكرها الحافظ ابن حجر في فتح الباري. ويمكن تقسيم هذه الأقوال إلى: أ. هناك أقوال مرفوضة. كالقول بإنكارها من أصلها أو رفعها. ب. هناك أقوال ضعيفة. كالقول بأنها ليلة النصف من شعبان. ج. هناك أقوال مرجوحة. كالقول بأنها في رمضان في غير العشر الأخيرة منه. د. القول الراجح. أنها في العشر الأواخر من رمضان، وآكدها أوتارها.

стр. 479

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال ابن حجر: "وأرجاها عند الجمهور ليلة سبع وعشرين". الدليل على أن أوتار العشر آكد: حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : (تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان). رواه البخاري ومسلم وفي رواية: (في الوتر من العشر الأواخر). ولحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (أرى رؤياكم في العشر الأواخر فاطلبوها في الوتر منها). رواه مسلم وآكد هذه الأوتار ليلة سبع وعشرين، الأدلة: كان عمر بن الخطاب ﵁[المحدث الملهم] وحذيفة بن اليمان [صاحب السر] لا يشكون أنها ليلة سبع وعشرين. ما رواه مسلم عن أبي بن كعب أنه كان يقول: (والله الذي لا إله إلا هو، إنها لفي رمضان ـ يحلف ما يستثني ـ ووالله إني لأعلم أي ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا رسول الله ﷺ بقيامها، وهي ليلة سبع وعشرين). قال ابن رجب: "ومما استدل به من رجح أنها ليلة سبع وعشرين الآيات والعلامات التي رؤيت فيها قديماً وحديثاً". • الحكمة من إخفائها: قال الحافظ ابن حجر في الفتح: "قال العلماء: الحكمة في إخفاء ليلة القدر، ليحصل الاجتهاد في التماسها، بخلاف ما لو عينت لها لاقتصر عليها". • علامات ليلة القدر: أ. جاء في صحيح مسلم عن أبي بن كعب: (أن النبي ﷺ أخبر من أماراتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها). ب. ما جاء في حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: (ليلة القدر ليلة طلقة لا حارة ولا باردة، تصبح الشمس يومها حمراء ضعيفة). رواه ابن خزيمة وذكر بعض العلماء علامات أخرى: زيادة النور في تلك الليلة، طمأنينة القلب وانشراح الصدر من المؤمن. بعض العلامات التي لا أصل لها: قال الحافظ: " وذكر الطبري عن قوم أن الأشجار في تلك الليلة تسقط إلى الأرض ثم تعود إلى منابتها وأن كل شيء يسجد فيها ". أ. ذكر بعضهم أن المياه المالحة تصبح في ليلة القدر حلوة، وهذا لا يصح. ب. ذكر بعضهم أن الكلاب لا تنبح فيها ولا ترى نجومها، وهذا لا يصح.

стр. 480

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . • يسن لمن علمها أن يقول الدعاء الوارد. عن عائشة ﵂ قالت: (قلت: يا رسول الله، أرأيت إن علمت أي ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني). رواه الترمذي فوائد: أ- روى عبد الرزاق في مصنفه أن التابعي الجليل مكحول الدمشقي كان يرى ليلة القدر ثلاث وعشرين. ب- قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية في ترجمة أبو زيد الأنصاري: " يقال أنه كان يرى ليلة القدر " ج- قال النووي في المجموع: " ويسن لمن رآها كتمها ". • اختلف العلماء هل يحصل الثواب المرتب عليها لمن اتفق له أنه قامها وإن لم يظهر له شيء، أو يتوقف ذلك على كشفها؟ ذهب إلى الأول الطبري وابن العربي وجماعة. وإلى الثاني ذهب الأكثر، ويدل له ما وقع عند مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: (من يقم ليلة القدر فيوافقها). وفي حديث عبادة بن الصامت عند أحمد: (من قامها إيماناً واحتساباً ثم وفقت له). قال النووي: " معنى يوافقها: أي يعلم أنها ليلة القدر فيوافقها ".

стр. 481

باب الاعتكاف م/ (وكان ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ اَلْعَشْرَ اَلْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اَللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ذكر المصنف ﵀ حديث عائشة (كان ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ اَلْعَشْرَ اَلْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اَللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ) ليستدل به على مشروعية الاعتكاف. • الاعتكاف لغة: الإقامة، يقال: عكف بالمكان إذا أقام فيه، ومنه قوله تعالى: (ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون). وشرعاً: لزوم المسجد بنية مخصوصة لطاعة الله. الحديث دليل على مشروعية الاعتكاف في رمضان، وحكمه سنة للرجل والمرأة سواء. قال تعالى (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود). نقل عن الإمام مالك أنه قال: (تأملت أمر الاعتكاف وما ورد فيه كيف أن المسلمين تركوه مع أن النبي ﷺ لم يتركه، فرأيت أنهم إنما تركوه لمشقة ذلك عليهم). قال الزهري: "عجباً للمسلمين تركوا الاعتكاف مع أن النبي ﷺ ما تركه منذ قدم المدينة حتى قبضه الله". ويجب بالنذر: قال الحافظ: "وليس واجباً إجماعاً إلا على من نذره". لحديث عمر أنه قال: (يا رسول الله إني نذرت أني أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال: أوف بنذرك). متفق عليه ولحديث عائشة: (من نذر أن يطيع الله فليطعه). • آكد الاعتكاف في رمضان، وأفضله العشر الأواخر، لأن النبي ﷺ اعتكفها حتى توفاه الله . • اتفقوا على أنه لا حد لأكثره. [قاله في الفتح]، واختلفوا في أقله: والأقرب يوم أو ليلة، ولعله يستأنس بما تقدم من إذن النبي ﷺ لعمر أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام وفاء بنذره.

стр. 482

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . • مبطلاته: o الجماع. قال ابن المنذر: "وأجمعوا على أنه من جامع امرأته وهو معتكف عامداً لذلك في فرجها أنه يفسد اعتكافه". وقال الحافظ ابن حجر: "واتفقوا على فساده بالجماع". قال تعالى: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد). نقل ابن المنذر الإجماع على أن المراد بالمباشرة في الآية الجماع. o الخروج بجميع بدنه بلا عذر. فهذا يبطل اعتكافه باتفاق الأئمة. لحديث عائشة ﵂ قالت: (السنة للمعتكف أن لا يخرج لحاجة إلا لما لا بد له). رواه أبو داود • يشترط لصحة الاعتكاف المسجد، لقوله تعالى (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد). خروج المعتكف ينقسم إلى أقسام: أولاً: الخروج بجميع البدن بلا عذر، فهذا يبطل الاعتكاف باتفاق الأئمة. ثانياً: خروج بعض المعتكف، فهذا لا يبطل الاعتكاف. ثالثاً: الخروج لما لا بد منه كالغائط والبول. قال ابن المنذر: "واجمعوا على أن للمعتكف أن يخرج عن معتكفه للغائط والبول". لحديث عائشة (وكان - أي النبي ﷺ لا يخرج إلا لحاجة الإنسان) أي البول والغائط. قال الشوكاني: "وقع الإجماع على استثنائهما". رابعاً: الخروج للأكل والشرب - ليس له ذلك إلا إذا لم يكن هناك من يأتيه به، وهذا مذهب الجمهور. خامساً: الخروج لصلاة الجمعة - إذا تخلل الاعتكاف جمعة وهو معتكف في مسجد غير جامع وجب عليه الخروج لصلاة الجمعة إذا كان من أهلها. سادساً: الخروج لقربة من القرب كعيادة مريض وصلاة جنازة - فهذا يجوز إذا اشترط ذلك. قال القرطبي: "أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد". وقال في المغني: "لا نعلم فيه خلافاً". لكن اختلفوا ما هو ضابط المسجد: فقيل: لا يصح إلا في المساجد الثلاثة. لحديث حذيفة مرفوعاً: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة). رواه سعيد بن منصور وقيل: يصح في كل مسجد سواء أقيمت فيه الجماعة أم لا. وقيل: لا يصح إلا في مسجد جماعة.

стр. 483

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال شيخ الإسلام: "وهو قول عامة التابعين، ولم ينقل عن صحابي خلافه، إلا قول من خص الاعتكاف بالمساجد الثلاثة أو مسجد جماعة، وهذا القول هو الصحيح". ولأن اعتكاف الرجل في مسجد لا تقام فيه الجماعة يفضي إلى أحد أمرين: إما ترك الجماعة الواجبة - وإما خروجه إليها فيتكرر ذلك منه كثيراً. وأما الجواب عن حديث حذيفة: أنه حديث لا يصح، وعلى فرض صحته فهو محمول على الاعتكاف الأكمل. • أن المرأة يشرع لها الاعتكاف كالرجل، ويصح اعتكافها في كل مسجد، ولو لم تقم فيه الجماعة، سوى مسجد بيتها، وهذا مذهب الجمهور. • لعموم قوله تعالى: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد). • ولحديث عائشة وفيه: (استئذان أزواجه ﷺ أن يعتكفن في المسجد فأذن لهن). متفق عليه وأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها، وهو المكان المعد للصلاة فيه. وهذا قول ضعيف، لأن موضع صلاتها في بيتها ليس بمسجد. شروط اعتكاف المرأة: إذن الزوج، وإذا أمنت الفتنة، وأن تكون طاهرة. • أن اعتكاف العشر الأواخر من رمضان آكد من العمرة في رمضان، والجمع بينهما أكمل، فإن كان لا بد لأحدهما دون الآخر، فالاعتكاف أفضل لوجوه: أ. أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر ولم يعتمر. ب. أن الاعتكاف يعتبر في بعض البلاد من السنن المهجورة، فكان إحياؤه أولى من العمرة في رمضان. ج. ولأن الاعتكاف في العشر يفوت وقته بخلاف العمرة.

стр. 484

م/ وقال ﷺ (لَا تُشَدُّ اَلرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ اَلْأَقْصَى) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ذكر المصنف ﵀ حديث (لَا تُشَدُّ اَلرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرَامِ … ) ليستدل به على أنه يجوز شد الرحل لأحد هذه المساجد للصلاة بها أو للاعتكاف. [لا تشد] تشد بضم الدال [الرحال [جمع رحل وهو للبعير كالسرج للفرس، وشده كناية عن السفر، لأنه لازمه غالباً. [الأقصى] سمي بذلك لبعده عن المسجد الحرام في المسافة، وقال الزمخشري: سمي أقصى لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد. • الحديث دليل على استحباب شد الرحال والسفر لقصد هذه المساجد الثلاثة، المسجد الحرام _ والمسجد النبوي _ والمسجد الأقصى. والمصنف ﵀ ذكر هذا الحديث في باب الاعتكاف ليستدل به على أنه يجوز أن يرحل الإنسان ويشد رحله ويسافر ليعتكف في أحد هذه المساجد الثلاثة دون غيرها، فلو قال: أنا هذا العام سأعكتف بالمسجد الحرام، فإن هذا جائز ولا بأس، لأنه يجوز شد الرحل لهذه المساجد الثلاثة. وهذه المساجد الثلاثة تتميز بمزايا: أولاً: استحباب شد الرحال والسفر إليها للعبادة فيها [كما في الحديث الذي ذكره المصنف] وبالنسبة للمسجد الحرام فالسفر له واجب وغيره مستحب، قال ابن القيم: "وليس على وجه الأرض بقعة يجب على كل قادر السعي إليها، والطواف بالبيت الذي فيه غيرها". ثانياً: أن هذه المساجد أفضل البقاع. ثالثاً: مضاعفة الصلاة فيها، فالمسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والمسجد النبوي بألف صلاة، والمسجد الأقصى بخمسمائة صلاة، وقيل: بمائتين وخمسين صلاة. رابعاً: أن هذه المساجد بناها أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فالكعبة المشرفة بناها إبراهيم وإسماعيل، والمسجد الأقصى بناه يعقوب، ومسجد المدينة بناه النبي محمد ﷺ . ولكل مسجد فضائل خاصة نذكرها إن شاء الله في موضعها. • تحريم شد الرحال لغير هذه المساجد الثلاثة.

стр. 485

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . • تحريم شد الرحال لزيارة القبور، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: فقيل: يجوز. وقيل: لا يجوز. وهذا هو الصحيح، واختاره ابن تيمية ﵀. لحديث الباب وهذا عام يشمل كل شيء من المساجد والمشاهد لمن زارها تعبداً وتقرباً ما عدا المساجد الثلاثة المذكورة بالحديث. ولأن السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين لم يكن موجوداً في الإسلام وقت القرون الثلاثة - قرن الصحابة والتابعين وأتباعهم - التي أثنى عليها رسول الله ﷺ ، ولو كان هذا السفر جائزاً فلا بد أن يقع من أحدهم، ولم يحدث هذا السفر إلا بعد القرون الثلاثة المفضلة. • أن شد الرحال إلى مقابر الأنبياء والصالحين يؤدي إلى اتخاذها أعياداً واجتماعات عظيمة، كما هو مشاهد. ولا فرق بين شد الرحال إلى قبر الرسول ﷺ أو إلى غيره. زيارة قبر الرسول ﷺ لها أحوال: أولاً: تستحب زيارة قبره ﷺ لمن بالمدينة. ثانياً: تستحب زيارة قبره لمن زار مسجده. ثالثاً: السفر وشد الرحل لقصد زيارة القبر فقط دون المسجد، وهذه وقع فيها خلاف بين العلماء والصحيح أنه لا يجوز وغير مشروع ورجحه ابن تيمية. لأن النبي ﷺ قال (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد … ). واستدل من قال بالجواز بأحاديث وردت في فضل زيارة قبر النبي ﷺ ، لكن هذه الأحاديث كلها ضعيفة ولا يصح منها شيء كما ذكر ذلك ابن تيمية ﵀. ومن هذه الأحاديث: (من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي). (من زارني بعد مماتي كنت له شفيعاً يوم القيامة). أن السفر للتجارة وطلب العلم وزيارة القريب أو الأخ في الله، فهذا جائز، ولا يدخل في النهي باتفاق العلماء، لأمرين: الأمر الأول: أن المسافر في هذه الحالات وما شابهها لم يقصد المكان لذاته، بل المراد ذلك المطلوب حيثما كان. الأمر الثاني: أنه ورد أدلة تدل على جواز ذلك، فهي مخصصة لعموم هذا الحديث، كقوله تعالى: (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ). وكحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : (أن رجلاً زار أخاً له في الله في قرية أخرى … ). رواه مسلم ؛؛ والله أعلم؛؛ وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

стр. 486

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي (١٣٧٦ هـ). كتاب الحج دورة علمية في تاريخ ٢٤ - ١١/ ٢٩ - ١١ ١٤٢٩ هـ بقلم سليمان بن محمد اللهيميد السعودية - رفحاء

стр. 487

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين … أما بعد: فهذا شرح كتاب منهج السالكين في توضيح الفقه في الدين للعلامة عبد الرحمن السعدي ﵀، قمت بشرحه في مدينة رفحاء ضمن الدورة العلمية الأولى التي أقامها مكتب الدعوة والإرشاد برفحاء. أسال الله العظيم رب العرش العظيم أن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح. أخوكم سليمان بن محمد اللهيميد السعودية - رفحاء

стр. 488

كتاب الحج لغة: القصد، يقال حج كذا بمعنى قصد. واصطلاحاً: التعبد لله بأداء المناسك على صفة مخصوصة في وقت مخصوص. م/ وَالأَصْلُ فِيهِ قُولُهُ تَعَالَى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلِيهِ سَبِيلاً). وحكمه واجب بالكتاب والسنة والإجماع: قال تعالى (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ). وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ (بني الإسلام على خمس: وذكر منها: حج البيت من استطاع إليه سبيلاً). وأجمعت الأمة على وجوبه، وأجمعت الأمة على كفر من جحد وجوبه. واختلفوا فيمن تركه تهاوناً وكسلاً هل يكفر أم لا على قولين: القول الأول: أنه يكفر. وهذا مذهب ابن عمر وسعيد بن جبير وهو أحد القولين عن ابن عباس. واستدلوا بقوله تعالى ( .. ومن كفر .. ) والكفر هنا الكفر الأكبر. ولحديث علي. قال: قال ﷺ (من ملك زاداً وراحلة فلم يحج، مات يهودياً أو نصرانياً) رواه الترمذي وهو ضعيف. القول الثاني: أنه لا يكفر. وهذا مذهب جمهور العلماء، وهو الصحيح. وأما الجواب عن الآية (ومن كفر) قالوا: من قال إن الحج ليس بفرض فهذا هو الكافر، وقيل: أي من زعم بأنه مخير بين الفعل والترك فهذا هو الكافر. وهو واجب في العمر مرة واحدة: قال النووي: أجمعوا على أنه لا يجب الحج ولا العمرة في عمر الإنسان إلا مرة واحدة إلا أن ينذر فيجب الوفاء بالنذر بشرطه. لحديث أبي هريرة ﵁ قال (خطبنا رسول الله ﷺ فقال: يا أيها الناس إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا: فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت رسول الله ﷺ حتى قالها ثلاثاً: فقال النبي ﷺ : لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم) رواه مسلم، وفي رواية: (الحج مرة، وما زاد فهو تطوع). وفضله عظيم وأجره كبير: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (والحج المبرور ليس جزاء إلا الجنة) متفق عليه. • قال العلماء: الحج المبرور هو الذي جمع أوصافاً، أن يكون خالصاً لله - وأن يجتنب المحظور - وأن يكون بمال حلال. وعنه قال: قال رسول الله ﷺ (من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) متفق عليه [فلم يرفث] أي الجماع ومقدماته، [ولم يفسق] الفسوق: جميع أنواع المعاصي من قول أو فعل. • لو اقتصر الحاج على الواجبات دون المستحبات مع تركه المحرمات والمكروهات فهل يكون حجه مبروراً؟ الجواب: نعم، لكن يزداد براً بفعل المستحبات. • اختلف العلماء فيما إذا حج بمال حرام، فجمهور العلماء أن ذلك يجزئ وهو غير مبرور.

стр. 489

م/ وَالِاسْتِطَاعَةُ: أَعْظَمُ شُرُوطِهِ، وَهِيَ: مِلْكُ اَلزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ. ودليلها قوله تعالى (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً). وقد فسر المصنف الاستطاعة بالزاد والراحلة، وهذا ما عليه جمهور العلماء. لحديث أنس (أن النبي ﷺ فسرها لما قيل له ما السبيل يا رسول الله؟ قال: الزاد والراحلة) رواه الدارقطني والحاكم وهذا الحديث مختلف في صحته، وله طرق كثيرة، قال الشوكاني: "ولا يخفى أن هذه الطرق يقوي بعضها بعضاً فتصلح للاحتجاج بها". وقال الشنقيطي: "حديث الزاد والراحلة لا يقل بمجموع طرقه عن درجة القبول والاحتجاج ". وقد ذكر الترمذي أن أكثر أهل العلم على العمل بها، وقد روى ابن جرير بسنده عن ابن عباس في تفسير السبيل أنه قال: أن يصح بدن العبد، ويكون له ثمن زادٍ وراحلة من غير أن يجحف به، وسنده صحيح. والمراد بالزاد: ما يتزود به، وهو في الأصل الطعام الذي يُتخذ للسفر، والمراد هنا: ما يحتاج إليه في ذهابه ورجوعه من مأكول ومشروب وكسوة، والراحلة: الناقة التي تصلح لأن يرحل عليها. لكن اشترط المصنف لذلك شرطاً؛ فقال:

стр. 490

م/ بَعْدَ ضَرُورَاتِ اَلْإِنْسَانِ وَحَوَائِجِهِ اَلْأَصْلِيَّةِ. أي أن تكون الراحلة والزاد فاضلةً وزائدة عن حاجاته الضرورية التي يحتاجها له ولعياله، وكذلك ما يتعلق بالسكن والخادم وكذلك الديون. ودليل ذلك قوله ﷺ (ابدأ بنفسك ثم بمن تعول). وقال ﷺ (كفى بالمرء إثماً أن يُضيعَ من يقوت). ولأن ذلك مقدم على الدين فكان تقديمه على الحج من باب أولى. • وحج المدين له أحوال: أولاً: أن تكون قيمة الحج تغطي ديونه فيجب عليه والحالة هذه أن يقضي الديون، فيكون في هذه الحالة غير مستطيع للحج فيسقط عنه. ثانياً: أن تكون قيمة الحج لا تغطي الديون ولكنها تخفف شيئاً كثيراً، فالأولى أن يدفع قيمة الحج للغرماء. ثالثاً: أن تكون قيمة الحج لا تغطي شيئاً بالنسبة للديون، قيل: إنه يحج لأن الحج مجلبة للرزق كما في حديث [تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب .... ]. وقيل: بل يسدد دينه ولا يحج لخطر الدين لو كان قليلاً. • إذا تُبرع له بمال هل يلزمه أخذه؟ الجواب: لا يلزمه لأنه قد يكون فيه منَّة من الناس، وإن أخذه جاز ولكن لا يجب عليه. • هل يجوز أخذ المال من أجل الحج؟ قال ابن تيمية ﵀: يأخذ ليحج لا يحج ليأخذ. وعليه: • فمن كان قادراً بماله و بدنه: فهذا يلزمه أن يحج بنفسه، ومن ليس عنده مال ولا راحلة فلا يجب عليه الحج. • ومن كان قادراً بماله دون البدن: كأن يكون مريض: فهذا يقسمه العلماء إلى نوعين: الأول: مرض يرجى برؤه: فإنه يصبر حتى يزول مرضه وتسقط الفورية عنه لعجزه. الثاني: مرض لا يرجى برؤه: فإنه يجب أن يقيم من يحج عنه. لحديث ابن عباس ﵄ (أن امرأة خثعمية سألت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن فريضة الله على عباد في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم) متفق عليه.

стр. 491

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهذا الحديث فيه فوائد: أولاً: جواز حج المرأة عن الرجل. ثانياً: أن من لا يستطيع الحج لمرض لا يرجى زواله وكان قادراً مالياً فإنه يجب عليه أن ينيب من يحج عنه. واشترط بعض العلماء أن يقيم عنه نائباً من بلده، فإن كان هذا المريض الذي لا يستطيع الحج من الرياض فإنه يجب أن يخرج نائباً من الرياض، والصحيح أنه لا يلزم، لأمرين: أولاً: أن السفر إلى مكة ليس مقصوداً لذاته. ثانياً: أن النبي ﷺ أجاز النيابة في الحج ولم يشترط أن يكون من بلده، ولو كان شرطاً لبيّنه. ويشترط أيضاً أن يكون هذا النائب قد حج عن نفسه، لحديث ابن عباس (أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، قَالَ: " مَنْ شُبْرُمَةُ? " قَالَ: أَخٌ [لِي]، أَوْ قَرِيبٌ لِي، قَالَ: " حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ? " قَالَ: لَا. قَالَ: "حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَقْفُهُ، وهذا الصحيح أنه موقوف كما حكم بوقفه ابن المنذر وغيره، والصحيح أنه موقوف، لكن ما دل عليه هذا الموقوف هو الصحيح، لوجوه: أولاً: أنه قول صحابي لم يثبت خلافه. ثانياً: أنه الأصل، فالأصل أن يحج الإنسان عن نفسه قبل أن يحج عن غيره. ثالثاً: أن الله قد خاطب هذا المكلف وأمره أن يؤدي هذا الفرض، فكيف يذهب يؤدي فرض غيره، والله قد خاطبه بنفسه (ولله على الناس .... ).

стр. 492

م/ وَمِنْ اَلِاسْتِطَاعَةِ: أَنْ يَكُونَ لِلْمَرْأَةِ مَحْرَمٌ إِذَا اِحْتَاجَ لِسَفَرٍ. من شروط وجوب الحج على المرأة أن يكون لها محرم، وهذا شرط للوجوب، فإن لم يكن لها محرم فلا يجب عليها الحج لأنها غير مستطيعة. لأن الله يقول (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً). قال الإمام أحمد: المحرَم من السبيل. • ولو ماتت وهي قادرة بمالها لكنها لم تجد محرماً فلا يجب إخراج الحج من تركتها، لأن الحج لم يجب عليها. والدليل على أنه لابد من المحرَم: لحديث ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب يقول (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال: انطلق فحج مع امرأتك) متفق عليه. • فالمرأة لا يجوز لها أن تسافر لحج أو غيره إلا مع محرم لها، سواء كانت كبيرة أو صغيرة، جميلة أو قبيحة، معها نساء أو لوحدها، لأن النبي ﷺ قال للرجل: انطلق فحج مع امرأتك ولم يستفصل. وقد ذهب بعض العلماء إلى أنه للمرأة أن تحج فرضها مع النساء الثقات لكن هذا القول ضعيف. • هل يجب على زوجها أن يحج معها أم لا؟ قولان للعلماء: قيل: يجب على الزوج السفر مع امرأته إذا لم يكن لها غيره، للحديث السابق في قول النبي ﷺ للرجل (انطلق فحج مع امرأتك). وقيل: لا يجب، وهذا أصح، لكن لا يجوز له أن يمنعها عن حج الفرض، وأما حديث (انطلق فحج … ) فهذا لأنها شرعت في الحج. • شروط المحرم: أن يكون مسلماً: فإن كان كافراً فليس بمحرم، (أما الأب الكافر فإنه محرم لابنته المسلمة بشرط أن يؤمن عليها). أن يكون بالغاً: فالصغير لا يكفي أن يكون محرماً؛ لأن المقصود من المحرم حماية المرأة وصيانتها، ومن دون البلوغ لا يحصل منه ذلك. أن يكون عاقلاً: فالمجنون لا يصح أن يكون محرماً ولو كان بالغاً، لأنه لا يحصل من المجنون حماية المرأة وصيانتها.

стр. 493

م/ وَحَدِيثُ جَابِرٍ فِي حَجِّة اَلنَّبِيِّ ﷺ يَشْتَمِلُ عَلَى أَعْظَمِ أَحْكَامِ اَلْحَجِّ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ ﵄. حديث جابر أخرجه مسلم في كتاب الحج رقم (١٢١٨) وقد وصف جابر في هذا الحديث صفة حجة النبي ﷺ منذ خروجه. قال النووي: " حديث جابر، وهو حديث عظيم حوى على جمل من الفوائد، ونفائس من مهمات القواعد، وهو من أفراد مسلم لم يروه البخاري في صحيحه، ورواه أبو داود كرواية مسلم، قال القاضي: وقد تكلم الناس على ما فيه من الفقه، وأكثروا، وصنف فيه أبو بكر ابن المنذر جزءاً كبيراً، وخرج فيه من الفقه مائة ونيفاً وخمسين نوعاً، ولو تقصى لزيد على هذا القدر قريب منه " [انتهى كلامه].

стр. 494

م/ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ مَكَثَ فِي اَلْمَدِينَةِ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ ثُمَّ أَذَّنَ فِي اَلنَّاسِ فِي اَلْعَاشِرَةِ: أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ حَاجٌّ. أذن في الناس: أي أعلم الناس. أي أن النبي ﷺ بعد هجرته لم يحج إلا حجة واحدة وهي حجة الوداع في السنة العاشرة، وأما الأحاديث الواردة أنه ﷺ حج حجتين بعد الهجرة كلها منكرة، وجزم بنكارتها الإمام البخاري، وأحمد، والترمذي وطائفة من المحدثين. • وقد فرض الحج في السنة التاسعة، وفرض بقوله تعالى (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) وهذه الآية نزلت في السنة التاسعة وحج النبي ﷺ في السنة العاشرة من الهجرة. وذهب بعض العلماء إلى أنه فرض في السنة السادسة، وقال بعضهم في السنة الثامنة، والصحيح أنه فرض في السنة التاسعة في قوله تعالى (ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ). فإن قيل: لماذا لم يحج النبي ﷺ في السنة التاسعة؟ فالجواب: أولاً: بسبب كثرة الوفود، ولذلك تسمى السنة التاسعة سنة الوفود. ثانياً: لأنه من المتوقع أن يحج في السنة التاسعة المشركون. • وفي هذه السنة - السنة التاسعة - بعث النبي ﷺ أبا بكر ليحج بالناس، فعن أبي هريرة. قال (بعث النبي ﷺ أبا بكر ليحج بالناس قبل حجة الوداع، فبعثني أبو بكر: أن أنادي في الناس: أن لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان) متفق عليه. • أنه يستحب للإمام إيذان الناس وإعلامهم بالأمور المهمة والعظيمة ليتأهبوا لها.

стр. 495

م/ فَقَدِمَ اَلْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اَللَّهِ ﷺ ، وَيَعْمَلُ مِثْلَهُ فَخَرَجْنَا مَعَهُ. أي أن حجة النبي ﷺ كانت في السنة العاشرة، وتسمى (حجة الوداع) وسميت بذلك لأن النبي ﷺ ودع فيها الناس. • قوله (فقدم المدينة بشر كثير) ذكر بعض أهل السير: أن الذين قدموا مع النبي ﷺ في حجته نحو من مائة وعشرين ألفاً. • قوله (فخرجنا معه) كان خروجه من المدينة في الخامس والعشرين من ذي القعدة في يوم السبت، وقدم مكة يوم الأحد رابع ذي الحجة، فيكون ﷺ مكث في الطريق ثمان ليال. • وفي هذا دليل على حرص الصحابة على العلم بأفعال النبي ﷺ لاتباعه والتأسي به ﵇، ويستفاد من ذلك الحث على صحبة أهل العلم والفضل في الأسفار ولا سيما في الحج، لما في ذلك من الخير الكثير من الاستفادة من علمهم وأخلاقهم، إضافة إلى حفظ الوقت وصرفه فيما ينفع ويفيد. • وفي هذا دليل على أن الحج على الفور، ولذلك الصحابة بادروا ولم يؤخروا الحج إلى قابل، وعلى هذا فلا يجوز للإنسان المستطيع أن يتهاون به. لقوله ﷺ (إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا) وهذا أمر والأمر يقتضي الوجوب. وقال ﷺ (من أراد الحج فليعجل، فإنه قد يمرض المريض وتضل الراحلة، وتكون الحاجة) رواه أحمد وصححه الألباني. وقد قال تعالى (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم … ). وذهب بعض العلماء إلى أن الحج على التراخي وليس على الفور وقالوا: إن الحج فرض في السنة السادسة ولم يحج النبي ﷺ إلا في السنة العاشرة، لكن هذا القول ضعيف، والحج إنما فرض في السنة التاسعة وحج النبي ﷺ في السنة العاشرة لوجود المشركين في السنة التاسعة ولانشغاله بالوفود في هذه السنة كما تقدم.
следующие страницы →