Полный текст (1 270 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
ولمن تلزمه مؤنته.
أي: تلزم الشخص فطرة من يمونه، أي ينفق عليه، كالزوجة والأم والأب والابن والبنت وغيرهم ممن ينفق عليهم، لحديث ابن عمر. أن رسول الله ﷺ ( .... أدوا الفطرة عمن تمونون) ولكنه حديث ضعيف والصواب وقفه.
وعلى هذا فالصحيح أن زكاة الفطر واجبة على الإنسان بنفسه، فتجب على الزوجة بنفسها، وعلى الأب بنفسه، وعلى الولد بنفسه، إن كان له مال، فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته.
لأن حديث ابن عمر المتقدم دليل واضح على أن الفطرة فرض على كل مسلم في نفسه (على الذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين)، و (على) تفيد الوجوب، لكن لو تبرع الأب بإخراجها عن أسرته برضاهم فلا بأس بذلك.
• يستثنى من ذلك العبد فلا زكاة عليه، وإنما تجب على سيده، لحديث أبي هريرة. أن رسول الله ﷺ قال (ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر) متفق عليه.
стр. 422
إذا كان ذلك فاضلاً عن قوت يومه وليلته.
هذا شرط لوجوب الزكاة، وهو أن يكون غنياً، والغني في باب زكاة الفطر كونه واجداً قوت يومه وليلته ومن يمون لقوله ﷺ (ابدأ بمن تعول) رواه البخاري.
وهذا أمر لابد، لأن المقصود من زكاة الفطر إغناء الفقير في ذلك اليوم.
• ظاهر كلام المصنف أنه إذا تم الشرطان وجبت زكاة الفطر حتى ولو لم يصم لمرض أو عذر.
وذهب سعيد بن المسيب، والحسن البصري أنها لا تجب إلا على من صام رمضان، واستُدِلّ لهما بحديث ابن عباس الآتي بلفظ (صدقة الفطر طهرة للصائم).
قال في الفتح: "وأجيب بأن ذكر التطهير خرج مخرج الغالب".
• أن زكاة الفطر أنها لا تجب على الجنين، ونقل ابن المنذر الإجماع على ذلك، وكان أحمد يستحبه ولا يوجبه، وكان عثمان يخرجها عنه.
стр. 423
م/ صاع من تمر أو شعير أو أقط أو زبيب أو بر، والأفضل فيها الأنفع.
هذا قدر الواجب في زكاة الفطر، ونوع ما تخرج منه.
فالقدر فيها: صاع [والصاع كيلوين وربع كيلو] كما في حديث ابن عمر السابق.
• والنوع الذي تخرج منه ما ذكره المصنف ﵀: التمر والشعير والزبيب والإقط.
لحديث أبي سعيد قال (كنا نخرج زكاة الفطر صاعاً من طعام، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من زبيب) متفق عليه.
فيخير في إخراج زكاة الفطر بين هذه المذكورات.
• ذهب بعض العلماء إلى أنها لا تجزيء إلا من الأصناف التي وردت في الحديث (صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من زبيب) ولو لم تكن قوتاً.
والصحيح أن الإنسان يخرجها من قوت بلده، ولو من غير هذه الأصناف، وإنما نص النبي ﷺ على هذه الأصناف لأنها هي القوت المتداولة عندهم بالمدينة.
• اختلف الفقهاء في إخراج القيمة عن زكاة الفطر، فذهب جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه لا يجوز إخراج القيمة.
لعدم ورود النص في ذلك، مع أن النقود كانت في عهده ﷺ ، ولم يثبت أنه جوز لأحد من الصحابة إخراجها قيمة.
وذهب الحنفية إلى أنه يجوز إخراج القيمة، بل هو أولى، ليتيسر للفقير أن يشتري أي شيء يريده في يوم العيد، لأنه قد لا يكون محتاجاً للحبوب، بل محتاج إلى ملابس أو لحم أو غير ذلك، وقول الجمهور أصح.
стр. 424
م/ ولا يحل تأخيرها عن يوم العيد، وقد فرضها رسول الله ﷺ طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات) رواه أبو داود.
ذكر المصنف ﵀ -حديث ابن عباس (فرض رسول الله صدقة الفطر .... ) ليبين وقت إخراجها، والحكمة منها.
وزكاة الفطر لها أوقات:
أولاً: الاستحباب.
وهو يوم العيد قبل الصلاة.
لحديث ابن عمر السابق ( ..... وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ اَلنَّاسِ إِلَى اَلصَّلَاةِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ثانياً: وقت جواز.
قبل العيد بيوم أو يومين.
لقول نافع: (كانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين). رواه البخاري
ثالثاً: وقت تحريم.
بعد صلاة العيد لغير عذر.
للحديث الذي ذكره المصنف: عَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (فَرَضَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ زَكَاةَ اَلْفِطْرِ; طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اَللَّغْوِ، وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ اَلصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ اَلصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ اَلصَّدَقَات) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ اَلْحَاكِمُ.
(المذهب وقت الكراهة سائر يوم العيد إلى الغروب، والتحريم بعد غروب الشمس من يوم العيد).
• اتفق الفقهاء على أن زكاة الفطر لا تسقط بخروج وقتها، لأنها وجبت في ذمته لمستحقيها، فهي دين لهم لا يسقط إلا بالأداء، أما حق الله في التأخير عن وقتها فلا يجبر إلا بالاستغفار والندم.
• في الحديث الحكمة من زكاة الفطر: طهرة للصائم، وطعمة للمساكين.
[طهرة للصائم] أي تطهيراً لنفس من صام رمضان من اللغو. [اللغو] هو الكلام الذي لا فائدة فيه. [الرفث] قال ابن الأثير: " الرفث هنا الفحش من الكلام ".
стр. 425
صدقة التطوع
الصدقة: ما يدفعه الإنسان للفقراء والمساكين بنية التقرب إلى الله.
م/ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِى ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ الإِمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِى الْمَسَاجِدِ وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِى اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ. وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَاه).
ذكر المصنف ﵀ حديث أبي هريرة الذي فيه فضل الصدقة.
وصدقة التطوع فضلها عظيم، وقد جاءت النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة في فضلها:
ومن فضائلها:
أنها برهان على صدق إيمان صاحبها.
لحديث (والصدقة برهان) رواه مسلم.
قال ابن رجب: "وأما الصدقة فهي برهان، … فكذلك الصدقة برهان على صحة الإيمان".
أنها تطهير للنفس.
كما قال تعالى (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم).
مضاعفة الحسنات:
كما قال تعالى (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء).
مغفرة الذنوب:
وفي الحديث (والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) رواه الترمذي.
درجة البر (الجنة) تنال بالإنفاق:
كما قال تعالى (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون).
وكان ابن عمر إذا أعجبه شيء من ماله تصدق به.
أمان من الخوف يوم الفزع الأكبر:
كما قال تعالى (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون).
صاحب الصدقة موعود بالخير الجزيل والأجر الكبير:
كما قال تعالى (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه). أي يخلفه عليكم في الدنيا بالبذل، وفي الآخرة بالجزاء والثواب.
أنها تزيد المال ولا تنقصه:
لحديث (ما نقصت صدقة من مال) رواه مسلم.
أنها تظلل صاحبها يوم القيامة.
لحديث (العبد في ظل صدقته يوم القيامة) رواه أحمد.
سبب في مجاورة النبي ﷺ في الجنة:
لحديث (كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة) متفق عليه.
стр. 426
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أنها من صفات المتقين:
قال تعالى (ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ).
سبب لدعاء الملائكة.
قال ﷺ (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً) متفق عليه.
أن الله يربي الصدقة.
كما قال تعالى (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ).
وقال ﷺ (إن الله يربي الصدقة كما يربي أحدكم فلوه) متفق عليه.
أن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
قال ﷺ (من نفّس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) رواه مسلم.
أنها علاج لقسوة القلب.
جاء في الحديث (أن رجلاً اشتكى إلى النبي ﷺ قسوة قلبه فقال: أطعم المسكين وامسح رأس اليتيم) رواه أحمد.
• قال السمرقندي: "عليك بالصدقة بما قلّ أو كثر، فإن في الصدقة عشر خصال محمودة خمس في الدنيا وخمس في الآخرة.
أما التي في الدنيا:
فأولها: تطهير المال كما قال النبي ﷺ (ألا إن البيع يحضره اللغو والحلف والكذب، فشوبوه بالصدقة).
والثاني: أن فيها تطهير البدن من الذنوب، كما قال الله تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ..... ).
الثالث: أن فيها دفع البلاء والأمراض، كما قال النبي ﷺ (داووا مرضاكم بالصدقة).
والرابع: أن فيها إدخال السرور على المساكين، وأفضل الأعمال إدخال السرور على المؤمنين.
والخامس: أن فيها بركة في المال وسعة في الرزق، كما قال تعالى (ومَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ).
وأما الخمس التي في الآخرة:
فأولها: أن تكون الصدقة ظلاً لصاحبها في شدة الحر.
والثاني: أن فيها خفة الحساب.
والثالث: أنها تثقل الميزان.
والرابع: جواز على الصراط.
والخامس: زيادة الدرجات في الجنة".
стр. 427
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
• الأفضل أن تكون سراً إلا لمصلحة:
الأفضل في الصدقة سواء كانت واجبة أو تطوعاً أن تكون سراً، لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: وذكر منها: ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» متفق عليه.
• المقصود المبالغة في إخفاء الصدقة بحيث أن شماله مع قربها من يمينه وتلازمهما لو تصور أنها تعلم بما عملت ما فعلت اليمين لشدة إخفائها).
• صدقة التطوع لها وقتان:
o وقت استحباب: وهو في كل وقت.
o وقت تأكد الاستحباب: وله أوقات مثل: وقت الحاجة والشدة والمجاعة والنكبات.
o في العشر الأواخر من رمضان (لأن النبي ﷺ كان أجود ما يكون في رمضان).
o في عشر ذي الحجة لحديث (ما من أيام العمل فيهن أحب إلى الله من هذه العشر- يعني عشر ذي الحجة - قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله .. الحديث) رواه البخاري.
ومن الصدقات المؤكدة:
o على الجار: لحديث: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» متفق عليه.
o الصدقة عند الكسوف: لقول النبي ﷺ لما كسفت الشمس: «صلوا وادعوا وتصدقوا» رواه البخاري.
стр. 428
باب أهل الزكاة
المراد بأهل الزكاة، أهلها الذين يستحقونها، التي جاءت نصوص الكتاب والسنة ببيانهم.
م/ لا تدفع الزكاة إلا للأصناف الثمانية الذين ذكرهم الله بقوله (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).
ذكر المصنف ﵀ الآية التي فيها أهل الزكاة وهم:
لِلْفُقراء: هم من لم يجدوا شيئاً أو يجدون نصف الكفاية (هم أشد حاجة من المساكين).
وَالْمَسَاكِينِ: وهم الذين يجدون نصف الكفاية أو أكثرها، سموا بذلك لأن الفقر أسكنهم.
وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا: وهم جباتها وحفاظها، وهم السعاة الذين يبعثهم الإمام لأخذ الصدقات من الأغنياء.
(لا يشترط أن يكونوا فقراء، بل يعطون ولو كانوا أغنياء، لأنهم يعملون لمصلحتها، فهم يعملون للحاجة إليهم، وفي الحديث: لا
تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: للعامل عليها .. ).
العامل يشترط فيه شروط:
• أن يكون مسلماً، لأنها ضرب من الولاية.
• أن يكون مكلفاً (بالغاً عاقلاً).
• أن يكون أميناً، قال تعالى (إن خير من استأجرت القوي الأمين).
• أن يكون أهلاً للعمل.
وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ: جمع مُؤَّلف، من التأليف، وهو جمع القلوب، والمراد به: السيد المطاع في عشيرته كما ذهب إليه بعض العلماء.
(لا يشترط أن يكون سيداً مطاعاً في قومه كما ذهب إليه بعض العلماء، لأن الحكمة المتحققة في السيد المطاع متحققة في غيره).
أقسامهم:
o أن يكون كافراً يرجى إسلامه فيعطى (لا بد من قرائن تدل على رغبته في الإسلام).
o أن يكون كافراً يخشى شره فهذا يعطى إذا كان له سلطة ونفوذ.
o أن يرجى بعطيته قوة إيمانه، كأن يكون حديث عهد بإسلام.
• هذا الصنف - المؤلفة قلوبهم - منهم من يعطى للحاجة إليه، كمن يعطى لكف شره، ومنهم من يعطى لحاجة نفسه، كمن يعطى لقوة إيمانه ورجاء إسلامه.
• وسهم المؤلفة قلوبهم باقٍ بعد وفاة النبي ﷺ على القول الراجح - وهذا مذهب أكثر العلماء، لوجود العلة.
وَفِي الرِّقَابِ: ويشمل صور:
• إعطاء المكاتب: وهو الرقيق الذي اشترى نفسه من سيده، فهذا يعطى من الزكاة ليكون حراً.
• أن يشترى من أموال الزكاة أرقاء يعتقون.
• فكاك الأسير المسلم، فيعطى الأسير من الزكاة لفكاكه من الأسر، لأن في ذلك فك رقبةٍ من الأسر، فهو كفك رقبة من الرق، ولأن في ذلك إعزازاً للدين.
стр. 429
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الغارمون: هو من عليه دين.
وهو ينقسم إلى قسمين:
o من تدين لمصلحة نفسه كأن يستدين لزواج أو غيره، فهذا يعطى إذا كان فقيراً.
o من تدين لإصلاح ذات البين، فهذا يعطى من الزكاة ولو كان غنياً، مثاله: كانت هناك عداوة وفتنة بين جماعتين، فدخل زيد للإصلاح بينهم، لكن لا يتمكن من الصلح بينهم إلا ببذل مال، فيقول: أنا ألتزم لكل واحد منكما بمبلغ وقدره كذا من أجل الصلح، فيوافقون على ذلك، فهذا الرجل يعطى من الزكاة ما يدفعه في هذا الإصلاح، فيعطى هذا المبلغ الذي اشترطه على نفسه.
في سبيل الله:
وهم الغزاة المتطوعة ويشمل أيضاً ما يتعلق بالجهاد كآلات الحرب، وكل ما يتعلق بالجهاد.
• (قول بعض العلماء: إن (في سبيل الله) يشمل أيضاً جميع القرب كعمارة المساجد والطرق وغيرها، هذا القول ضعيف والصحيح أنه
مقصور بالمجاهدين الغزاة، لأن كثيراً من الناس لو علموا لبنوا المساجد وتركوا كثيراً من المستحقين).
ابن السبيل:
وهو المسافر الذي انقطع به الطريق (يعطى ما يوصله إلى حاجته ويرده إلى بلده).
• (يشترط أن يكون السفر مباحاً، لأننا لو قلنا يجوز في سفر المعصية لكان ذلك من باب التعاون على الإثم).
• (لا يشترط أن يكون فقيراً، حتى لو كان غنياً في بلده).
стр. 430
م/ ويجوز الاقتصار على واحد منهم لقوله ﷺ لمعاذ (فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) متفق عليه.
أي: أنه يجوز أن يدفع الزكاة لصنف واحد من هؤلاء الثمانية ولا يجب أن يعممهم، وهذا القول هو الصحيح من أقوال أهل العلم.
للحديث الذي ذكره المصنف ( … صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) والفقراء صنف واحد من الأصناف الثمانية.
ولأن النبي ﷺ (أمر بني زُرَيْق بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر) رواه ابن خزيمة.
وقال ﷺ لقَبِيصة (أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها) رواه مسلم.
وذهب الشافعية إلى أنه يجب التعميم وإعطاء كل صنف من الأصناف الثمانية الثمن من الزكاة المجتمعة، واستدلوا بالآية (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ … ). والصحيح القول الأول.
مسائل مهمة:
• يجب أخراج الزكاة على الفور، فلا يجوز تأخيرها عن وقت وجوبها.
لأن الله أمر بإيتاء الزكاة، والأمر يقتضي الفور، وأيضاً فإن حاجة الفقراء ناجزة، وحقهم في الزكاة ثابت، فيكون تأخيرها عنهم منعاً لحقهم في وقته.
• هناك حالات يجوز فيها تأخير الزكاة عن وقت وجوبها، وهذه الحالات:
أولاً: إذا كان في تأخير إخراجها مصلحة للفقير، مثال: أكثر الناس يخرجون زكاتهم في شهر رمضان رغبة في حصول الأجر، لكن في بعض الأيام الأخرى كأيام الشتاء التي لا توافق رمضان قد يكون الفقراء أشد حاجة، فلو أخرها المزكي إلى هذا الوقت جاز ذلك، لأن في ذلك مصلحة لمستحقيها.
ثانياً: أن لا يتمكن من إخراجها عند حلول الحول، كأن يكون هذا المال في ذمة موسر.
ثالثاً: إذا كان يتضرر بإخراجها في وقتها، كأن يخشى أن يرجع عليه الساعي مرة أخرى، أو يكون المزكي بين قوم لصوص ويخشى على نفسه وماله وعياله إن أخرجها نظروا إليه فيعلمون أن معه مالاً فيسطون عليه، فهنا يجوز له تأخيرها إلى حين زوال الضرر.
• فإن أخر الزكاة عن وقت الوجوب فتلفت فله حالتان:
الحالة الأولى: إن أخرها ثم تلف المال بسبب تفريطه أو بتعدٍ منه على المال فهنا لا تسقط الزكاة.
الحالة الثانية: وإن أخرها ثم تلف المال من غير تعد ولا تفريط منه فإنها تسقط عنه.
• إن تلف المال قبل وقت الوجوب سقطت الزكاة.
• يجوز تعجيل الزكاة إذا كمل النصاب.
لحديث علي (أن النبي ﷺ تعجل من العباس صدقة سنتين). وهذا قول الجمهور.
ولأن في تعجيل الزكاة مصلحة لأهلها، وتأخيرها إلى حلول الحول من باب الرفق بالمالك، فإن أداها قبل تمام الحول عن رضا منه فلا مانع.
واختلف في التعجيل: فقيل: لا يجوز تعجيلها أكثر من عام، وقيل: يجوز لعامين وهذا الصحيح.
• فإن عجل إخراج زكاته فأعطاها لغير مستحقيها لم يجزئه ولو صار عند الوجوب من أهلها.
لأنه وقت الدفع ليس مستحقاً لها.
• وإن تعجل إخراج زكاته فأعطاها لمستحقها [لفقير أو مسكين]، ثم مات بعد أن قبضها أو استغنى بعد أن قبضها فإنها تجزئ، لأنه أداها إليه وهو من أهلها (فالعبرة بحال الإعطاء).
стр. 431
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
• لا يجوز إبراء المدين من الزكاة:
مثال: إنسان يريد من عمرو ألف ريال، وعليه زكاة ألف ريال، فقال لعمرو: أبرأتك من الدين الذي عليك مقابل الزكاة الذي علي.
هذا لا يجوز:
o لأن الزكاة أخذ وعطاء، وهذا ليس فيه أخذ ولا عطاء.
o وهذا أيضاً من باب إخراج الرديء عن الطيب، لأن الأموال الحاضرة أجود من المؤجلة.
o وأيضاً أن الغالب أن الذي يدفع هذا، لا يفعله إلا وقد يئس منه.
قال الشيخ ابن باز ﵀: "لا يجوز إسقاط الدين عن أحد من الناس بنية الزكاة" (فتاوى مجلة الدعوة: ٣/ ١٣٢)
مسالة: نقل الزكاة:
o لا خلاف في مشروعية تفريق الزكاة في بلد المال الذي وجبت فيه الزكاة.
o أيضاً لا خلاف في جواز نقلها إذا استغنى أهل بلد المال.
واختلفوا في نقلها إذا لم يستغن أهل بلد المال؟
القول الأول: يجب تفرقتها في بلد المال، وإن نقلها إلى بلد آخر أثم وأجزأته.
وهذا مذهب الحنابلة والشافعية.
واستدلوا بقوله ﷺ لمعاذ ( ..... صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) أي فقراء أهل اليمن.
وقالوا: إن زياد بن أبيه لما بعث عمران بن حصين ساعياً في الزكاة، فلما قدم عليه عمران، قال له: أين المال، قال عمران: أللمال بعثتني؟ ثم قال: أخذناها من حيث كنا نأخذها في عهد رسول الله ﷺ ووضعناه فيما كنا نضعه في عهد رسول الله ﷺ ، أي أنه صرفها في أهلها.
وقالوا: إن عمر لما بعث له معاذ زكاة أهل اليمن عاتبه على ذلك وقال له: لم أبعثك جابياً، فقال له معاذ: لم أبعث إليك شيئاً وأنا أجد من يأخذه [يعني من أهل اليمن].
القول الثاني: يجوز النقل للمصلحة الشرعية [كقرابة محتاجين، أو من هم أشد حاجة من أهل بلد المال].
وهذا قول الحنفية واختاره ابن تيمية.
واستدلوا بالعمومات (إنما الصدقات للفقراء .... ) قالوا: إن الله لم يفرق بين فقراء وفقراء.
وبحديث معاذ ( .... فترد في فقرائهم) قالوا المراد بالفقراء هنا فقراء المسلمين.
وبقوله ﷺ لقَبِيصة بن المخارق - وقد تحمل حمالة وقدم على النبي ﷺ يريد منه العون على هذه الحمالة - قاله له
(أقم عندنا حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها) فدل على أن الصدقات تأتي إلى النبي ﷺ [هذا من أقوى الأدلة].
وهذا القول وجيه، وإنما قيدوه بالمصلحة جمعاً بين الأدلة.
стр. 432
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
• والأفضل أن يفرقها في فقراء بلده وفي ذلك فوائد:
أنه أيسر، وأقل خوفاً، وأن أهل بلده أقرب الناس إليه والقريب له حق، وأيضاً أن فقراء بلده تتعلق أطماعهم به وبما عنده من المال، وأيضاً أنه إذا أعطى أهل بلده صار بينه وبينهم مودة ورحمة.
• والأفضل أن يفرقها بنفسه.
لينال أجر القيام بتفريقها، وليبرئ ذمته بيقين، ويدفع عن نفسه المذمة ولا سيما إذا كان غنياً مشهوراً، وربما ينال دعوة صادقة من فقير، وربما يعطيها للفقير وهو في وقت كربة فيتذكرها الفقير ويدعو له كل ما تذكره، لكن يجوز أن يوكل من يدفعها عنه.
• يجب إخراج الزكاة بنية.
فتجب النية على المخرج، لأن إخراج المال يكون للزكاة ويكون للصدقة، ولا يحدد نوع الإخراج إلا النية.
• إذا دفع الزكاة لمن يظنه أنه من أهلها، ثم بان أنه غنياً، فإنها تجزئه.
لحديث أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ (قَالَ رَجُلٌ لأَتَصَدَّقَنَّ اللَّيْلَةَ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِى يَدِ زَانِيَةٍ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ. قَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِى يَدِ غَنِىٍّ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى غَنِىٍّ. قَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى غَنِىٍّ لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ. فَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ وَعَلَى غَنِىٍّ وَعَلَى سَارِقٍ. فَأُتِىَ فَقِيلِ لَهُ أَمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ أَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا تَسْتَعِفُّ بِهَا عَنْ زِنَاهَا وَلَعَلَّ الْغَنِىَّ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ وَلَعَلَّ السَّارِقَ يَسْتَعِفُّ بِهَا عَنْ سَرِقَتِه) متفق عليه.
ولأنه فعل ما استطاع عليه، والله لا يكلف نفساً إلا وسعها.
стр. 433
باب من لا تحل لهم الزكاة
م/ ولا تحل الزكاة لغني، ولا لقوي مكتسِب.
أي: لا يجوز دفع الزكاة لغني بكسب أو مال، قال ابن قدامة: "ولا خلاف في هذا".
[القوي] سليم الأعضاء [المكتسب] الذي يستطيع أن يتكسب بصنعة أو وظيفة.
لقوله ﷺ (إن الصدقة لا تحل لغني ولا لذي مرةٍ سوي) رواه مسلم.
وعن عبيد بن عدي (أن رجلين أخبراه أنهما أتيا النبي ﷺ يسألانه من الصدقة، فقلب فيهما البصر ورآهما جلْدَيْن فقال: إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب) رواه أحمد.
وأيضاً لآية الصدقة (إنما الصدقات للفقراء .. ) فمفهومه أنها لا تحل لغني.
ولأن أخذ الغني منها يمنع وصولها إلى أهلها، ويخل بحكمة وجوبها وهو إغناء الفقراء بها.
• ضابط الغنى: هو من يكون له كفاية على الدوام، إما بصناعة أو بكسب أو أجرة من عقار.
стр. 434
م/ ولا لآل محمد وهم بنو هاشم ومواليهم.
قال ابن قدامة: "لا نعلم خلافاً في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة".
• المراد ببني هاشم: آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس، وآل الحارث.
لحديث عبد المطلب بن ربيعة قال: قال رسول الله ﷺ (إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس) رواه مسلم.
وعن أبي هريرةَ ﵁ قال (أَخذ الحسنُ بنُ عليٍّ ﵄ تَمْرةً مِنْ تَمرِ الصَّدقَةِ فَجعلهَا في فِيهِ فقال رسولُ اللَّه ﷺ : «كُخْ كُخْ، إِرْمِ بِهَا، أَما علِمْتَ أَنَّا لا نأْكُلُ الصَّدقةَ؟) متفق عليه.
وفي روايةٍ: «إنا لا تَحِلُّ لنَا الصَّدقةُ» وقوله: «كِخْ كِخْ» يُقالُ بإسكان الخَاءِ، ويُقَالُ بكَسرِهَا مع التَّنْوِينِ وهيَ كلمةُ زَجْر للصَّبِيِّ عن المُسْتَقذَرَاتِ، وكَانَ الحسنُ ﵁ صبِياً.
قال النووي: "قوله: إنما هي أوساخ الناس: تنبيه على العلة في تحريمها على بني هاشم، وأنها لكرامتهم وتنزيههم عن الأوساخ، ومعنى أوساخ الناس أنها تطهير لأموالهم ونفوسهم كما قال تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) فهي كغسالة الأوساخ".
• قوله (إن الصدقة) الصدقة لفظ يشمل الواجبة وهي الزكاة، ويشمل التطوع، ولكن يحدد المعنى هنا التعليل وهو قوله: إنما هي أوساخ الناس، فهذا يعني أن المراد بها الزكاة.
• لكن ينبغي أن يكون ذلك إذا كان بنو هاشم يأخذون الخُمس من بيت مال المسلمين، أما عند عدمه وكونهم فقراء فإنهم يأخذون منها، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية [الجمهور لا يجوز لهم أخذ الزكاة حتى ولو منعوا من الخُمُس، قالوا: إنها محرمة عليهم في الأصل فلا تنقلب حلالاً، وقالوا: إن الصدقة حرمت عليهم لشرفهم، وهذا المعنى لا يزول بمنع الخمس].
• اختلف العلماء هل يعطى الهاشمي من صدقة التطوع؟ قولان، والراجح أنه يجوز إعطاؤهم من صدقة التطوع.
стр. 435
م/ ولا لمن تجب عليه نفقته حال جريانها.
فمن لزمته نفقته فلا يجوز دفع الزكاة إليه، فإذا لزمته نفقة خاله أو خالته أو عمه أو أخيه، لكونهم محتاجين وهو غني يستطيع الإنفاق عليهم، فإنه لا يعطيهم من الزكاة.
ولأنه بدفع الزكاة إليهم يجلب إلى نفسه نفعاً، ويسقط عن نفسه فرضاً وهو وجوب النفقة عليه.
وذهب بعض العلماء إلى أن الزكاة تدفع إلى الأقارب مطلقاً - ما عدا الأصول والفروع - واستدلوا:
بحديث (الصدقة على ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة) رواه الترمذي، فإنه لم يفرق بين فريضة ونافلة، ولم يفرق بين وارث وغيره.
وآية الزكاة تشمل القريب بعمومها، ولم يرد مخصص صحيح يخرجه، بخلاف الزوج والأصول والفروع، فقد خصصوا منها بالإجماع، قال الشوكاني: "الأصل عدم المانع، فمن زعم أن القرابة أو وجوب النفقة مانعان فعليه الدليل ولا دليل " والله
أعلم.
• أما الأصول والفروع، فهؤلاء لا يجوز دفع الزكاة إليهم (الوالدين والأولاد).
وحكى ابن المنذر الإجماع على أنه لا يجوز دفع الزكاة إليهم.
لأن الأصل والفرع يجب النفقة لهما بكل حال إذا كانوا فقراء وهو غني، فلا يعطيهم من الزكاة، ولأن دفع الزكاة إليهم تغنيهم عن نفقته، وتسقطها عنه فيعود نفع الزكاة إليه [كما لو قضى ديْن نفسه].
• وقد أجاز شيخ الإسلام ابن تيمية دفع الزكاة إلى الأبوين وإن علو، وإلى الولد وإن سفل إذا كانوا فقراء وهو عاجز عن نفقتهم، لأنه يصبح هو الآن كالأجنبي، واختار هذا القول الشيخ ابن عثيمين ﵀.
стр. 436
م/ ولا لكافر.
أي: لا يجوز دفع الزكاة لكافر.
قال ابن قدامة: "لا نعلم خلافاً في أن زكاة الأموال لا تعطى لكافر".
لكن يستثنى إذا كان مؤلفاً فإنه يعطى.
مسألة: دفع الزكاة للزوجة والعكس.
أولاً: دفع الزوج إلى زوجته:
قال ابن المنذر: "أجمع أهل العلم على أن الزوج لا يعطي زوجته من زكاته، وذلك لأن نفقتها واجبة عليه فيستغنى بها عن أخذ الزكاة فلم يجز دفعها إليها".
واختلف العلماء هل يجوز للزوجة أن تعطي زوجها الفقير من الزكاة على قولين:
القول الأول: لا يجوز.
لقوة الصلة بينهما، لأن الرجل من امرأته كالمرأة من زوجها فيشبه الأصل مع الفرع.
القول الثاني: يجوز، وهذا مذهب الشافعي واختاره الشوكاني.
لعموم آية (إنما الصدقات للفقراء … ).
ولقوله ﷺ لزينب امرأة ابن مسعود (زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم) رواه البخاري.
قال ابن قدامة مرجحاً هذا القول: ولأنه لا تجب نفقته فلا يمنع دفع الزكاة إليه كالأجنبي.
стр. 437
م/ فأما صدقة التطوع فيجوز دفعُها إلى هؤلاء وغيرهم.
أي: يجوز دفع صدقة التطوع للأصناف الثمانية وإلى غيرهم كالهاشمي والعبيد وغيرهم لقوله ﷺ (كل معروف صدقة) لكن على القريب أفضل فهي صدقة وصلة كما في الحديث السابق (الصدقة على ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة).
• أما صدقة الفريضة فلا يجوز صرفها إلا لمن عينه الله في كتابه وهم الأصناف الثمانية كما سبق.
стр. 438
م/ ولكن كلما كانت أنفع نفعاً عاماً أو خاصاً فهي أكمل.
أي: أن صدقة التطوع كلما كانت أعظم نفعاً فهي أفضل، لأن الحكمة منها هو سد حاجة المعوزين والمحتاجين.
• وعليه ينبغي للمتصدق أن يحرص ويجتهد في البحث عن المحتاجين والفقراء.
стр. 439
م / وقال النبي ﷺ (مَنْ سَأَلَ اَلنَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وقال لعمر (ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك).
ذكر المصنف ﵀ هذه الأحاديث ليبين تحريم سؤال الناس إلا لضرورة، ومن الأدلة على تحريم سؤال الناس:
قوله ﷺ (مَا يَزَالُ اَلرَّجُلُ يَسْأَلُ اَلنَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْم) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قال ﷺ : (من يكفل لي أن لا يسأل الناس شيئاً وأتكفل له بالجنة). رواه أبو داود
[تكثراً] لتكثير ماله مما يجتمع عنده. [جمراً] ما يعاقب عليه بالنار. [مزعة] أي قطعة. [المشرف] الذي يستشرف بقلبه، والسائل الذي يسأل بلسانه.
• قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "سؤال المخلوقين فيه ثلاث مفاسد:
مفسدة الافتقار إلى غير الله وهي نوع من الشرك.
ومفسدة إيذاء المسؤول وهي نوع من ظلم الخلق.
وفيه ذل لغير الله وهو ظلم للنفس، فهو مشتمل على أنواع الظلم الثلاثة".
• وقال ﵀: "أعظم ما يكون العبد قدراً وحرمة عند الخلق: إذا لم يحتج إليهم بوجه من الوجوه. كما قيل: احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره، ومتى احتجت إليهم - ولو في شربة ماء - نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم، وهذا من حكمة الله ورحمته، ليكون الدين كله لله، ولا يشرك به شيئاً". …
стр. 440
كتاب الصوم
مقدمة:
• تعريفه: لغة الإمساك.
وشرعاً: هو التعبد لله بالإمساك عن الأكل والشرب وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
• فرض في السنة الثانية من الهجرة.
قال ابن القيم: "وكان فرضه في السنة الثانية من الهجرة، فتوفي رسول الله ﷺ وقد صام تسع رمضانات".
• مراحل فرضية رمضان:
صيام رمضان فرض على ثلاث مراحل:
أولاً: صيام عاشوراء.
لحديث عائشة قالت (كان رسول الله ﷺ أمر بصيام يوم عاشوراء، فلما فرض رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر) رواه البخاري.
ثانياً: مرحلة التخيير بين الصيام والفدية.
قال تعالى (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيراً فهو خير له وأن تصوموا خير لكم).
ثالثاً: فرض الصيام على التعيين.
قال تعالى (فمن شهد منكم الشهر فليصمه).
• فضائل الصيام:
أولاً: الصوم جُنّة من النار.
قال ﷺ (الصيام جُنة يستجن بها العبد من النار) رواه أحمد.
وقال ﷺ (ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله إلا باعد الله بذلك وجهه عن النار سبعين خريفاً) متفق عليه.
(جنة) ستر من النار. … (سبعين خريفاً) أي مسيرة سبعين عاماً.
ثانياً: الصيام طريق إلى الجنة.
عن أبي أمامة قال (قلت: يا رسول الله، دلني على عمل أدخل به الجنة؟ قال: عليك بالصوم فإنه لا مِثل له) رواه النسائي.
ثالثاً: الصوم فضله عظيم اختص الله به.
عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ قال الله تعالى (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) متفق عليه.
стр. 441
م / الأصل فيه: قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).
ذكر المصنف ﵀ الآية التي هي أصل في وجوب صيام شهر رمضان، فصوم رمضان واجب بالكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).
(كتب) أي فرض (كما كتب على الذين من قبلكم) تسلية للمؤمنين وإشعار لهم بأن الله قد فرض هذا الأمر على من قبلهم من الأمم (لعلكم تتقون) فيه بيان الحكمة من مشروعية الصيام وهي تقوى الله.
وعن ابن عمر. قال: قال رسول الله ﷺ (بني الإسلام على خمس ....... وذكر منها: وصوم رمضان) متفق عليه
وأجمع المسلمون على وجوب صيام رمضان. (قاله ابن قدامة).
(من أنكر وجوبه كفر لأنه أنكر أمراً معلوماً بالضرورة من الدين، وأما من تركه تهاوناً وكسلاً فالصحيح أنه لا يكفر وهذا مذهب الجمهور).
стр. 442
م / ويجب صيام رمضان على كل مسلم.
أي: فلا يجب على الكافر ولا يصح منه، والدليل على تخصيصه بالمسلمين:
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ … )، فالخطاب جاء للمؤمنين، والمراد بالمؤمنين مطلق أهل الإيمان، أي يا معشر المسلمين.
وقال تعالى (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ) فإذا كانت النفقة لا تقبل مع الكفر مع أن نفعها متعد، فما كان نفعه قاصراً كالصيام من باب أولى ألا يقبل.
ولأن الكافر ليس أهلاً للعبادة.
• وإذا أسلم أثناء رمضان لزمه الصيام من حين أسلم.
стр. 443
م/ بالغ.
فالصغير لا يجب عليه الصوم.
لحديث علي. قال: قال رسول الله ﷺ (رفع القلم عن ثلاثة: .. عن الصغير حتى يبلغ) رواه أبو داود.
ولأنه ليس أهلاً للتكليف. [رفع القلم] كناية عن سقوط التكليف
• (علامات البلوغ: بلوغ السن وهو: ١٥ سنة، أو إنبات شعر العانة، أو إنزال المني، وتزيد الأنثى الحيض).
стр. 444
م/ عاقل:
فلا يجب الصوم على المجنون ولا يصح منه.
لحديث علي السابق ( .... وعن المجنون حتى يصحو .. ).
ولأنه ليس أهلاً للتكليف.
• (ومثله المعتوه والمهذري وكل من ليس له عقل ولا يطعم عنه).
стр. 445
م/ قادر على الصوم.
أي: بأن يكون قادراً على الصوم، فإن كان عاجزاً بأن يكون مريضاً فلا يجب عليه الصوم.
لقوله تعالى (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها).
والعجز ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: عجز طارئ يرجى برؤه: فهذا يفطر ويقضي.
قال تعالى (فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر).
القسم الثاني: عجز دائم لا يرجى برؤه: فهذا يفطر ويطعم.
لقول ابن عباس في قوله تعالى (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) ليست بمنسوخة، هي للكبير الذي لا يستطيع الصوم) رواه البخاري.
стр. 446
م/ برؤية هلاله، أو أكمال شعبان ثلاثين يوماً.
أي: أن صوم رمضان يجب بأمرين:
الأمر الأول: برؤية الهلال.
لحديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا شعبان ثلاثين يوماً) متفق عليه.
• قوله: (إذا رأيتموه) سواء كانت الرؤية بالرؤية المجردة أو بالواسطة كالمنظار أو آلة رصد فإنه يعتبر ذلك موجباً لثبوت شهر رمضان.
• وأيضاً يستفاد من قوله: إذا رأيتموه: أنه لا عبرة في الحساب ولا يصح الاعتماد عليه وهذا مذهب الأئمة الأربعة.
الأمر الثاني: إكمال شهر شعبان ٣٠ يوماً.
قال في المغني: "لأنه يتيقن به دخول شهر رمضان ولا نعلم فيه خلافاً".
مسألة: صيام يوم الشك، أن يحول غيم أو قتر دون الهلال ليلة الثلاثين من شعبان.
حكم صومه حرام، ونسبه النووي لجمهور العلماء.
لحديث عمار قَالَ (مَنْ صَامَ اَلْيَوْمَ اَلَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا اَلْقَاسِمِ ﷺ وَذَكَرَهُ اَلْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، وَوَصَلَهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ.
ولحديث: (فإن غم عليكم فاقدروا له) وفي رواية: (فأكملوا شعبان ثلاثين يوماً).
وهذه مفسرة لرواية (فاقدروا له) أن معنى اقدروا له تمام العدد ثلاثين يوماً.
وذهب بعض العلماء إلى وجوب صومه، وهذا مذهب الحنابلة.
لقوله ﷺ : (فاقدروا له).
ومعنى (اقدروا له) أي ضيقوا، من قوله تعالى (ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما أتاه الله).
والتضييق أن يجعل شعبان [تسـ ٢٩ ـعة وعشرون] يوماً، والراجح القول الأول.
стр. 447
م/ ويصام برؤية عدل لهلاله.
أي: يقبل شخص واحد يُخبِر برؤية هلال رمضان، سواء كان ذكراً أم أنثى، بشرط أن يكون عدلاً، والعدل: من استقام في دينه ومروءته، والمعني: أن يكون موثوقاً بخبره لأمانته وبصره، أما من لا يوثق بخبره لكونه معروفاً بالكذب أو بالتسرع أو كان ضعيف البصر بحيث لا يمكن أن يراه فلا يثبت الشهر بشهادته.
والدليل على أنه يقبل شخص واحد:
حديث اِبْنِ عُمَررَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ (تَرَاءَى اَلنَّاسُ اَلْهِلَالَ، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ، وَأَمَرَ اَلنَّاسَ بِصِيَامِهِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ.
وَعَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى اَلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: (إِنِّي رَأَيْتُ اَلْهِلَالَ، فَقَالَ: " أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ? " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: " أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اَللَّهِ? " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: " فَأَذِّنْ فِي اَلنَّاسِ يَا بِلَالُ أَنْ يَصُومُوا غَدًا"). رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ.
الحديثان يدلان على أنها تقبل شهادة الواحد في دخول رمضان.
قال الترمذي: "والعمل عليه عند أكثر أهل العلم". وقال النووي: "وهو الأصح، لأنه خبر ديني لا تهمة فيه وأحوط للعبادة".
• يشترط في الشاهد شروطاً:
أن يكون مسلماً: فلا تقبل شهادة الكافر لأمور:
أولاً: لحديث الأعرابي السابق: أتشهد أن لا إله إلا الله ....
ثانياً: أن الله رد شهادة الفاسق من المسلمين، ومن باب أولى رد شهادة الكافر.
ثالثاً: لأن الغالب فيه الكذب، والمتهم لا تقبل شهادته.
رابعاً: قوله تعالى (ممنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) والكافر ليس بمرضي.
أن يكون بالغاً عاقلاً:
عاقل: فالمجنون لا تقبل.
بالغ: الصبي لا يخلو من حالين:
الأول: أن يكون غير مميز (لا يقبل قوله).
الثاني: أن يكون مميز (وهذا محل خلاف)، والأكثر على أنه لا يقبل قوله، لأنه لا يوثق بخبره، فلا بد من البلوغ.
стр. 448
م/ ولا يقبل في بقية الشهور إلا عدلان.
وهذا قول أكثر العلماء، أنه لابد من شاهدين.
стр. 449
م/ ويجب تبيت النية لصيام الفرض.
أي: يجب تبييت النية من الليل لصيام الفرض، كرمضان، وقضاء رمضان، والنذر.
لحديث حَفْصَةَ أُمِّ اَلْمُؤْمِنِينَ ﵂، عَنِ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ اَلصِّيَامَ قَبْلَ اَلْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَمَالَ النَّسَائِيُّ وَاَلتِّرْمِذِيُّ إِلَى تَرْجِيحِ وَقْفِهِ، وَصَحَّحَهُ مَرْفُوعًا اِبْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ.
وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ: (لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَفْرِضْهُ مِنَ اَللَّيْلِ)، اختلف في هذا الحديث بين الرفع والوقف، وجاء موقوفاً عن ابن عمر كما عند مالك في الموطأ، ولا يعلم لحفصة ولا لابن عمر مخالف من الصحابة.
• فمن نوى صوم الفرض من بعد صلاة الصبح فلا يصح، وتصح النية في أي جزء من أجزاء الليل.
стр. 450
م/ أما النفل فيجوز بنية من النهار.
أي: أن صوم النفل (كصيام الإثنين والخميس، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر) يجوز أن ينويه من النهار.
لحديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (دَخَلَ عَلَيَّ اَلنَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ. فَقَالَ: " هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ? " قُلْنَا: لَا. قَالَ: " فَإِنِّي إِذًا صَائِمٌ).
• يشترط إذا نوى الصوم من النهار أن لا يكون قد أكل شيئاً من بعد الفجر.
• وهل يشترط أن يكون قبل الزوال؟ ظاهر كلام المؤلف أنه لا يشترط، وأنه يجوز ولو نوى بعد الزوال، وذهب أكثر العلماء إلى أنه يشترط أن تكون النية قبل الزوال، والأول أرجح.
• إن نوى الصوم أثناء النهار، هل يكتب له أجر الصوم يوماً كاملاً أو يكتب له من نيته؟ قولان للعلماء:
قيل: أنه يكتب له أجر اليوم الكامل.
قالوا: لأن الصوم الشرعي لا بد أن يكون من أول النهار.
وقيل: لا يثاب إلا من وقت النية فقط.
فإذا نوى عند الزوال فأجره على هذا القول نصف يوم.
لحديث (إنما الأعمال بالنيات) وهذا أول النهار لم ينو الصوم فلا يكتب له الأجر كاملاً، وهذا القول هو الراجح.
стр. 451
من يباح لهم الفطر في رمضان
م/ والمريض الذي يتضرر بالصوم، والمسافر: لهما الفطر والصيام.
ذكر المصنف ﵀ من يباح لهم الفطر في رمضان وهما:
المريض الذي يضره المرض.
لقوله تعالى (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ). في الآية مقدر وهو (فأفطر) فعدة من أيام أخر.
وقال تعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا).
الأول: المرض ينقسم إلى قسمين:
أولاً: أن يضره الصيام، فهنا يحرم صومه.
لقوله تعالى (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ).
وقال تعالى (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ).
• (فإن كان صيامه مع المرض يؤدي إلى التلف أو غلب على ظنه أنه لو صام أن يتلف أو يحصل له فوات عضو، فإنه في هذه الحالة يحرم صومه).
ثانياً: أن يشق عليه الصوم، فهنا يكره صومه.
لأن ذلك يتضمن إكراهاً بنفسه. ولأنه ترك تخفيف وقبول رخصة الله لحديث (إن الله يحب أن تؤتى رخصه).
• (تأخير البرء بسبب الصيام يوجب الترخيص، لأن تأخير البرء ضرر).
الثاني: المسافر.
فالمسافر يجوز له الفطر، وهذا جائز بالكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى: (فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر). تقدير الآية: (فمن كان منكم مريضاً أو على سفر- فأفطر - فعدة من أيام أخر).
ومن السنة أحاديث كثيرة، ومنها:
حديث جَابِر بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ ﵄; (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ اَلْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، فَصَامَ اَلنَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ، حَتَّى نَظَرَ اَلنَّاسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ، فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ اَلنَّاسِ قَدْ صَامَ. قَالَ: "أُولَئِكَ اَلْعُصَاةُ، أُولَئِكَ اَلْعُصَاةُ").
وحديث أنس قال: (كنا نسافر مع النبي ﷺ فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم). متفق عليه
وَعَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ رِضَى اَللَّهُ عَنْهُ; أَنَّهُ قَالَ (يَا رَسُولَ اَللَّهِ! أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى اَلصِّيَامِ فِي اَلسَّفَرِ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ? فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ " هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اَللَّهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
• فإن صام المسافر فإنه جائز، قال ابن قدامة: "وهذا قول أكثر العلماء"، وقال النووي: "وهو قول جماهير العلماء وجميع أهل الفتوى لأحاديث الباب وغيرها كثيرة".
لحديث أنس قال (كنا نسافر فلا يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم) متفق عليه.
ولحديث أبي الدرداء قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في رمضان في حر شديد حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة) متفق عليه.
стр. 452
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
• اختلف الجمهور القائلون بجواز الصوم في السفر أيهما أفضل الصوم أم الفطر؟
القول الأول: الفطر أفضل.
وهو قول أحمد وإسحاق.
عملاً بالرخصة.
ولحديث: (ليس من البر الصيام في السفر).
ولحديث (هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه).
القول الثاني: الصوم أفضل لمن قوي عليه من غير مشقة.
ونسبه ابن حجر إلى الجمهور. واستدلوا:
بحديث أبي الدرداء قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان في حر شديد، حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة). متفق عليه
القول الثالث: هو مخير مطلقاً.
القول الرابع: أفضلهما أيسرهما.
واختاره ابن المنذر.
لقوله تعالى: (يريد بكم اليسر).
والراجح قول الجمهور.
• لكن إذا كان هناك مشقة محتملة فالأفضل الفطر.
لحديث: (ليس من البر الصيام في السفر).
وإذا كان الصوم يشق عليه مشقة غير محتملة فهنا يجب الفطر.
لقوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم).
وأما إذا كان لا يشق عليه فالأفضل الصوم كما سبق من مذهب الجمهور.
لأنه فعل الرسول ﷺ .
أسرع في إبراء الذمة.
أسهل على المكلف.
يدرك الزمن الفاضل وهو رمضان.
стр. 453
م/ والحائض والنفساء يحرم عليهما الصيام وعليهما القضاء.
أي: لا يجوز للحائض والنفساء الصوم فرضه ونفله، ويجب عليهما قضاء رمضان، فإذا حاضت المرأة أو نُفِست في جزء من النهار فسد صوم ذلك اليوم ولو قبل الغروب بلحظة، ووجب عليها القضاء إن كان فرضاً.
قال النووي: "أجمع المسلمون على أن الحائض والنفساء لا تجب عليهما الصلاة والصوم في الحال، وأجمعوا على أنه يجب عليهما قضاء الصوم".
لحديث مُعَاذَةَ قَالَتْ: (سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ فَقَلتُ: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ، وَلا تَقْضِي الصَّلاةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ فَقُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ. فَقَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ، فَنُؤَمرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلا نُؤَمرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ).
ولحديث أبي سعيد قال: قال ﷺ (أليس إذا حاصت لم تصل ولم تصم، قلنا: بلى) متفق عليه.
• هل تؤجر الحائض على ترك الصيام والصلاة؟ قولان للعلماء:
القول الأول: أنها تؤجر، لأنها تركتهما تعبداً لله.
القول الثاني: لا تؤجر، والصحيح الأول.
стр. 454
م/ والحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما: أفطرتا وقضتا، وأطعمتا عن كل يوم مسكيناً.
أي: أن الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أفطرتا وقضتا وأطعمتا عن كل يوم مسكيناً؟
هذا ما ذهب إليه المصنف ﵀ وإفطار الحامل والمرضع له أحوال:
أولاً: إن خافتا على أنفسهما فقط؛ فحكمهما حكم المريض يفطران ويقضيان فقط.
قال في المغني "إن الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما إذا صامتا فلهما الفطر و عليهما القضاء، لا نعلم فيه خلافاً لأنهما بمنزلة المريض الخائف على نفسه".
ثانياً: إن خافتا على أنفسهما وولديهما جميعاً؛ فعليهما القضاء فقط (نفس الحالة السابقة).
ثالثاً: إن خافتا على ولديهما فقط:
فقيل عليهما القضاء والكفارة، وهو ما ذكره المصنف ﵀ وهذا المشهور من المذهب.
لما رواه أبو داود بإسناد حسن عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) قال فيها: (نسخت هذه الآية وبقيت للشيخ الكبير والعجوز والحامل والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا عن كل يوم مسكيناً).
وقيل: عليهما القضاء فقط من غير الكفارة. وهذا هو القول الراجح. لحديث أنس بن مالك الكعبي أن رسول الله ﷺ قال (إن الله تبارك
وتعالى وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن الحامل والمرضع الصيام) رواه الترمذي.
فالنبي ﷺ لم يذكر الكفارة، والأصل براءة الذمة.
стр. 455
م/ والعاجز عن الصوم لكبر أو مرض لا يرجى برؤه فإنه يطعم عن كل يوم مسكيناً.
سبق أن العجز عن الصيام ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: عجز طارئ يرجى برؤه: فهذا يفطر ويقضي.
القسم الثاني: عجز دائم لا يرجى برؤه: فهذا يفطر ويطعم.
لقول ابن عباس في قوله تعالى (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) ليست بمنسوخة، هي للكبير الذي لا يستطيع الصوم) رواه البخاري.
وَعَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: (رُخِّصَ لِلشَّيْخِ اَلْكَبِيرِ أَنْ يُفْطِرَ، وَيُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ) رَوَاهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَاهُ.
• كيفية الإطعام:
o أن يدعو مساكين بعدد الأيام في آخر الشهر للغداء إن كان بعد رمضان أو على العشاء فيعشيهم.
o أو أن يوزع طعاماً ويعتني بطبخه ويجعل معه أدم.
ويجب أن يطعم عن كل يوم مسكيناً لا أن يطعم طعام ثلاثين مسكيناً.
فلو قال: سأخرج طعاماً يكفي ثلاثين مسكيناً لستة فقراء، لا يجزئ.
стр. 456
المفطرات
م/ ومن أفطر فعليه القضاء فقط، إذا كان فطره بأكل أو بشرب أو قيء عمداً، أو حجامة، أو إمناء بماشرة.
ذكر المصنف ﵀ المفطرات التي تفطر الصائم، وأن من فعلها عالماً عامداً فعليه القضاء مع الإثم وليس هناك كفارة.
• قوله (بأكل أو بشرب).
هذا المفطّر الأول.
قال ابن قدامة: "وهذا لا خلاف أن من تعمده يفطر ويجب عليه الإمساك والقضاء".
لقوله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْل).
ولقوله ﷺ (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي)
ومن الأدلة قوله ﷺ (مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اَللَّهُ وَسَقَاهُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وأجمع العلماء على أن الفطر بالأكل والشرب ".
• لا فرق بين أن يدخل هذا الطعام عن طريق الفم أو عن طريق الأنف، لأن الأنف منفذ يصل إلى المعدة كما قال ﷺ للقيط بن صبرة (بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً).
• ويلحق بذلك الإبر المغذية لأنها تقوم مقام الأكل.
• قوله (أو قيء عمداً).
هذا المفطر الثاني وهو القيء عمداً. (أن يتقيأ الإنسان ما في بطنه حتى يخرج من فمه).
لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَنْ ذَرَعَهُ اَلْقَيْءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ اَلْقَضَاءُ) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ. [استقاء] طلب إخراج القيء من جوفه باختياره، [ذرعه] أي غلبه وقهره.
وقد حكاه ابن المنذر بالإجماع على أن القيء عمداً يفطر.
وقال ابن مسعود وعكرمة وربيعة والقاسم: " إنه لا يفسد الصوم سواء كان غالباً أو مستمرحاً ما لم يرجع فيه القيء باختياره " [نقله الشوكاني عنهم]
واستدلوا:
أن الحديث لا يصح، ولم يثبت دليل أن القيء مفطر، ولو كان مفطراً لبينه النبي ﷺ بياناً عاماً.
واستدلوا بحديث: (ثلاث لا يفطرن: القيء، والحجامة، والاحتلام). وهو حديث ضعيف رواه الترمذي وغيره
• الحكمة من الإفطار بالقيء أنه إخراج ما يضعف بدنه، قاله ابن تيمية.
• والقيء عمداً يشمل ما إذا كان قيئه بالفعل كجذبه بيده، أو بالشم كأن يشم شيئاً له رائحة كريهة نفّاذة ليقيء بها، أو بالنظر كأن يتعمد النظر لشيء قبيح يقيئ به.
• قوله (أو حجامة).
هذا المفطر الثالث من مفطرات الصوم وهو الحجامة، وما ذكره المصنف ﵀ وهو أن الحجامة تفطر، هو مذهب الحنابلة واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم.
стр. 457
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ أَتَى عَلَى رَجُلٍ بِالْبَقِيعِ وَهُوَ يَحْتَجِمُ فِي رَمَضَانَ. فَقَالَ: أَفْطَرَ اَلْحَاجِمُ وَالْمَحْجُوم) رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ إِلَّا اَلتِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ
وذهب جمهور العلماء إلى أن الحجامة لا تفطر.
لحديث ابن عباس: (أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم). رواه البخاري.
ولما رواه أبو داود بسند صحيح عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال: (نهى النبي ﷺ عن الحجامة للصائم، وعن المواصلة ولم يحرمهما إبقاءً على أصحابه). قال الحافظ: " إسناده صحيح ".
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (رخص للصائم بالحجامة والقبلة). وسنده صحيح إلى أبي سعيد وله حكم الرفع
وأجاب هؤلاء عن حديث (أفطر الحاجم والمحجوم) بأجوبة:
أنه منسوخ، قال ابن عبد البر وغيره: "فيه دليل على أن حديث (أفطر الحاجم والمحجوم) منسوخ، لأنه جاء في بعض طرقه أن ذلك كان في حجة الوداع"، وسبق ذلك الشافعي.
وقال ابن حزم: " صح حديث (أفطر الحاجم والمحجوم)، بلا ريب، لكن وجدنا من حديث أبي سعيد (رخص النبي ﷺ في الحجامة للصائم) وإسناده صحيح فوجب الأخذ به، لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة، فدل على نسخ الفطر بالحجامة سواء كان حاجماً أو محجوماً ".
وهذا القول هو الراجح، ويتفرع على هذا أن سحب الدم للتحليل أو التبرع لا يفطر مطلقاً، سواء كان كثيراً أم قليلاً.
• أما الرعاف وخروج الدم من الجرح والسن إذا لم يبلعه فهذا لا يفطر مطلقاً، سواء كان كثيراً أم قليلاً، لأنه خرج بغير اختياره، والأصل صحة الصوم إلا بدليل صحيح يدل على فساده.
• قوله (أو إمناء بماشرة).
стр. 458
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هذا هو المفطر الرابع وهو الاستمناء بمباشرة، والمباشرة: التقاء البشرتين، ويستعمل في الجماع سواء أولج أو لم يولج، وليس الجماع مراداً هنا، وإنما المراد أن يقبل زوجته مثلاً فينزل منياً.
قال ابن قدامة في المغني: "القبلة لا تخلو من أمور:
• أن لا تنزل فلا يفسد صومه، قال: لا نعلم فيه خلافاً، لحديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَلَكِنَّهُ أَمْلَكُكُمْ لِإِرْبِهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
• أن يمني فيفطر بغير خلاف".
• اختار شيخ الإسلام أن نزول المذي لا يفطر، عملاً بالأصل، ولأن قياسه على المني لا يصح لظهور الفروق بينهما.
والدليل على أن تعمد الاستمناء بمباشرة مفسد للصوم، أن هذا من الشهوة التي تنافي الصوم، وقد قال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) رواه ابن خزيمة.
ومثله الاستمناء بيده فإن هذا مفسد للصوم.
• وأما إذا احتلم في نهار رمضان فإنه يغتسل وصومه صحيح ولا يضره لأنه ليس باختياره).
• وأيضاً لو كرر النظر متعمداً فأنزل منياً فإنه يفسد صومه، لأنه إنزال بفعلٍ يتلذذ به يمكن التحرز منه، وأما إذا لم يكرر النظر فإنه لا يفطر ولو أنزل - وهذا المذهب - لعدم إمكان التحرز منه.
стр. 459
م/ إلا من أفطر بجماع فإنه يقضي ويعتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً.
هذا المفطر الخامس وهو الجماع في الفرج في نهار رمضان.
لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى اَلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اَللَّهِ. قَالَ: " وَمَا أَهْلَكَكَ? " قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى اِمْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: " هَلْ تَجِدُ مَا تَعْتِقُ رَقَبَةً? " قَالَ: لَا. قَالَ: " فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ? " قَالَ: لَا. قَالَ: " فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا? " قَالَ: لَا، ثُمَّ جَلَسَ، فَأُتِي اَلنَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ. فَقَالَ: " تَصَدَّقْ بِهَذَا "، فَقَالَ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا? فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا، فَضَحِكَ اَلنَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: "اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَك) متفق عليه.
• الحديث دليل أن من جامع في الفرج فأنزل أو لم ينزل أو دون الفرج فأنزل أنه يفسد صومه إذا كان عامداً. قال ابن قدامة: "لا نعلم بين أهل العلم خلافاً".
• الحديث دليل على أن الوطء للصائم في نهار رمضان من الفواحش الكبار المهلكات، لأن النبي ﷺ أقره على أن فعله هذا مهلك.
• الحديث دليل على أن الوطء عمداً يوجب الكفارة المغلظة، وهي على الترتيب:
عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، وهذا مذهب جمهور العلماء على أنها على الترتيب لا على التخيير.
• تجب الكفارة إذا جامع في نهار رمضان فقط، فلو أن رجلاً جامع زوجته وهو يصوم رمضان قضاءً، فلا كفارة عليه، وذلك لأن وجوب الكفارة من أجل انتهاك الصوم في زمن محترم، وهو شهر رمضان.
قال ابن قدامة: "ولا تجب الكفارة في قول أهل العلم وجمهور الفقهاء".
• اختلف العلماء هل (المرأة) عليها كفارة أم لا؟
القول الأول: ليس عليها كفارة.
وهو قول الشافعية، واستدلوا:
قال ابن حجر: "واستدلوا بإفراده بذلك على أن الكفارة عليه وحده دون الموطوءة، وكذا قوله في المراجعة (هل تستطيع) و (هل تجد) وغير ذلك …
واستدل الشافعية - أيضاً - بسكوته ﷺ عن إعلام المرأة بوجوب الكفارة مع الحاجة".
стр. 460
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القول الثاني: عليها الكفارة.
وهو مذهب الجمهور.
لأن الأصل تساوي الرجال والنساء في الأحكام إلا ما خص بدليل.
قال ابن حجر: "ثم إن بيان الحكم للرجل بيان في حقها لاشتراكهما في تحريم الفطر وانتهاك حرمة الصوم كما لم يأمره بالغسل، والتنصيص على الحكم في حق بعض المكلفين كاف عن ذكره في حق الباقين".
وهذا القول هو الصحيح أن على المرأة الكفارة إلا إذا كانت مكرهة فلا شيء عليها.
وأما الجواب عن قول أصحاب القول الأول (وقت الحاجة):
قال الحافظ ابن حجر: "وأجيب ممتنع الحاجة إذ ذاك لأنها لم تعترف ولم تسأل، واعتراف الزوج عليها لا يوجب عليها حكماً ما لم تعترف".
قوله (فإنه يقضي) - المصنف ﵀ يقول أن على المجامع متعمداً ذاكراً قضاء هذا اليوم، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه لا يقضي هذا اليوم.
وهذا اختيار ابن حزم وشيخ الإسلام ابن تيمية.
لأنه لم يأمره النبي ﷺ بالقضاء.
القول الثاني: يجب عليه قضاء هذا اليوم.
وهذا مذهب جمهور العلماء. واستدلوا.
بحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء) وجه الاستدلال: أن من استقاء عامداً وجب عليه القضاء بنص هذا الحديث، فيكون حكم المجامع في وجوب القضاء مثل حكمه.
واستدلوا أنه جاء عند أبي داود أن النبي ﷺ أمر المجامع بالقضاء فقال له (صم يوماً مكانه) وهذه الزيادة مختلف في صحتها وضعفها ابن تيمية، وممن أثبتها الحافظ ابن حجر، وبين أن لها أصلاً كما في الفتح.
واستدلوا: أن الصوم إذا شغلت به الذمة لم تبرأ إلا بالأداء، فإذا فات وقته وجب القضاء.
واستدلوا بحديث ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال (فاقضوا الله الذي له، فإن الله أحق بالوفاء) رواه البخاري.
следующие страницы →