← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 832

شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (1 270 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

م/ وإذا وقع الفسخُ قبل الدخول فلا مهر. أي: إذا وجد الزوج في زوجته عيباً من العيوب التي ينفسخ بها النكاح (كالجذام أو البرص أو غيرها)، فإن كان قبل الدخول بها فلا مهر لها. مثال: إذا اتضح له قبل الدخول أن بها برصاً أو جذاماً ثم طلقها وحصل الفراق، فهنا لا مهر لها. لأن الفُرقة جاءت من قِبلها، لأنها هي المتسببة في فسخ النكاح. • فإن كان العيب في الزوج، وهي فسخت من أجل عيب الزوج: القول الأول: لا مهر لها. لأن الفرقة جاءت من قبلها، فهي التي طلبت الفسخ. القول الثاني: لها نصف المهر، كالمطلقة قبل الدخول. وهذا هو الصحيح، لأن الزوج هو السبب، وهذا هو مقتضى العدل.

стр. 947

م/ وبعده يستقر. أي: ذا علم بالعيب بعد الدخول بها، فإن المهر يستقر للزوجة وتملكه، سواء كان العيب فيها أو فيه. لقوله ﷺ ( .... ولها المهر بما استحللت من فرجها). لكن هل يضيع حق الزوج إذا كان العيب في الزوجة؟ المصنف ﵀ يقول:

стр. 948

ويرجعُ على من غرّه. أي: ويرجع الزوج على من غرّه إن كان هناك غروراً. مثال: لو قال أحد للزوج، إن هذه الزوجة سليمة من العيوب، فتبين بها عيباً. فإنه يرجع على من غره. سواء كان الذي غرّه أباها أو أخاها، أو الذي خطبها له ومدحها. لقول عمر ( … وهو على من غرّه منها) لكن بشرط أن يكون الولي عالماً بالعيب، فإن كان جاهلاً فلا غرم عليه. القول الثاني: أنه لا يرجع على أحد (المهر يروح عليه). وهذا قول أبي حنيفة والشافعي في الجديد، واختاره الشوكاني. قالوا: لان المهر ثبت عليه بمسيسه إياها. • فإن كان الغرور من المرأة، بمعنى أن المرأة فيها عيباً فسكتت كتمت؟ فإنه يرجع عليها. • إذا لم يكن هناك غرور، فإنه لا يرجع على أحد.

стр. 949

م/ وإن عتقت وزوجها رقيق: خيرت بين المقام معه وفراقه لحديث عائشة الطويل في قصة بريرة (خيِّرت بريرة على زوجها حين عتقت) متفق عليه. أي: وإن عتقت الأمَة وكان زوجها عبداً، فإن لها الخيار بين البقاء معه وبين فراقه. والدليل على ذلك: ما ذكره المصنف ﵀ حديث عائشة: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ (كَانَ فِى بَرِيرَةَ ثَلَاثُ قَضِيَّاتٍ أَرَادَ أَهْلُهَا أَنْ يَبِيعُوهَا وَيَشْتَرِطُوا وَلَاءَهَا فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ «اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ». قَالَتْ وَعَتَقَتْ فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا وكان زوجها عبداً. قَالَتْ وَكَانَ النَّاسُ يَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهَا وَتُهْدِى لَنَا. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ «هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَهُوَ لَكُمْ هَدِيَّةٌ فَكُلُوهُ) رواه مسلم. قال ابن قدامة: ولأن عليها ضرراً في كونها حرة تحت العبد فكان لها الخيار، وهذا مما لا خلاف فيه. • قال العلماء: ولا يحتاج الفراق إلى طلاق، لأن الأمر راجع إليها، والطلاق بيد الرجال. • الحديث دليل على اعتبار الحرية في الكفاءة بين الزوجين، فعلى هذا فلا يكون العبد كفواً للحرة، لأن النبي ﷺ خيّر بريرة حين عتقت تحت عبد، وما خيرها إلا لفوات الكفاءة بينها وبين زوجها. ولأن العبد منقوص بالرق ممنوع من التصرف بسبب اشتغاله بخدمه سيده. • والكفاءة في الحرية ليست شرطاً لصحة النكاح، وإنما هي شرط للزومه، فيتوقف ذلك على رضا المرأة والأولياء. • لو عتقت تحت حر، فهل لها الخيار؟ اختلف العلماء في ذلك والصحيح أنه لا خيار لها وهذا مذهب جمهور العلماء، لأنها كافأت زوجها في الكمال فلم يثبت لها الخيار.

стр. 950

باب الصداق تعريفه: هو ما تعطاه المرأة من المال، أو ما يقوم مقامه عوضاً عن عقد النكاح عليها. • الحكمة من الصداق: أن الصداق إظهار لشرف هذا العقد وأهميته. أن فيه إعزاز للمرأة وتشريف لها. أن فيه الدليل على الرغبة في الزوجة. تمكين المرأة من تجهيز نفسها بما أحبت من لباس ونفقة وزينة. • وللصداق عدة أسماء: فيسمى نِحلة كما قال تعالى (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً). ويسمى فريضة كما قال تعالى (وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً). ويسمى أجراً كما قال تعالى (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً). ويسمى طوْلاً كما قال تعالى (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ). • وهو واجب، ونقل ابن عبد البر إجماع أهل العلم على وجوبه. لقوله تعالى (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً). ولأن الله تعالى قيّد الحل بقوله (أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ). ولأن النبي ﷺ لم يعذر الفقير الذي لم يجد خاتماً من حديد حتى ألزمه أن يعلمها من القرآن. ولأن شرط إسقاطه يجعل العقد شبيهاً بالهبة، والزواج بالهبة من خصائص النبي ﷺ .

стр. 951

م/ وينبغي تخفيفه، عن عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ (كَانَ صَدَاقُهُ لأَزْوَاجِهِ ثِنْتَىْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا. قَالَتْ أَتَدْرِى مَا النَّشُّ قَالَ قُلْتُ لَا. قَالَتْ نِصْفُ أُوقِيَّةٍ. فَتِلْكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ فَهَذَا صَدَاقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لأَزْوَاجِهِ). رواه مسلم. أي: يستحب تخفيف الصداق (ينبغي هنا المراد به الاستحباب). • ذكر المصنف ﵀ حديث عائشة - ليستدل به على استحباب تخفيف المهر، وتيسيره وعدم المغالاة فيه، لما في التيسير من المصالح العظيمة للزوجين والمجتمع بكامله. عن عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ (كَانَ صَدَاقُهُ لأَزْوَاجِهِ ثِنْتَىْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا. قَالَتْ أَتَدْرِى مَا النَّشُّ قَالَ قُلْتُ لَا. قَالَتْ نِصْفُ أُوقِيَّةٍ. فَتِلْكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ فَهَذَا صَدَاقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لأَزْوَاجِهِ). رواه مسلم. أوقِيَّة: الأوقية ٤٠ درهماً. [ونشاً] النَشّ نصف أوقية. [فتلك خمسمائة] يعني ذلك الصداق ٥٠٠ درهم (١١٥٠) جرام (١٧٢٥) ريالاً. [فهذا صداق رسول الله ﷺ لأزواجه] قال القرطبي: هذا القول من عائشة إنما هو إخبار عن غالب أزواج النبي ﷺ ، لأن صفية من جملة أزواجه، وأصدقها نفسها، وزينب بنت جحش لم يُذكر لها صداق، وأم حبيبة بنت أبي سفيان أصدقها النجاشي أربعة آلاف درهم، فقد خرج هؤلاء من عموم قول عائشة، هذا باعتبار الأكثر. ومن الأدلة على استحباب تخفيف المهر: عن عقبة. قال: قال رسول الله ﷺ (خير الصداق أيسره) رواه أبو داود. • وتيسير الصداق فيه مصالح عظيمة منها: أولاً: العمل بالسنة وامتثال ما أرشدت إليه. ثانياً: تيسير سبل الزواج. ثالثاً: أن تخفيفه من أسباب المحبة ودوام المودة. رابعاً: أن تخفيف الصداق يسهل على الزوج مفارقة زوجته إذا ساءت العشرة، ولم يحصل توافق بينهما.

стр. 952

م/ (و أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا). ذكر المصنف ﵀ حديث أنس - (أن النبي ﷺ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا) ليستدل به على جواز أن يعتق الرجل أمَتَه ويجعله صداقها، وهذه المسألة اختلف العلماء فيها على قولين: القول الأول: أنه يجوز. قال ابن القيم: وهذا ظاهر مذهب أحمد وكثير من أهل الحديث. للحديث الذي ذكره المصنف ﵀. القول الثاني: لا يجوز. قال ابن القيم: وهو قول الأئمة الثلاثة ومن وافقهم. وأجابوا عن حديث الباب بأجوبة: قالوا: أن هذا خاص بالنبي ﷺ . ويجاب عنه: بأن دعوى الاختصاص تفتقر إلى دليل. وذكروا عدة أجوبة عن حديث الباب، كلها ضعيفة. والراجح القول الأول.

стр. 953

م/ وقال لرجل (التمس خاتماً من حديد) متفق عليه، فكل ما صح ثمناً وأجرة - وإن قل - صح صداقاً. ذكر المصنف ﵀ حديث سهل بن سعد في قصة المرأة الواهبة نفسها للنبي ﷺ ، ونص الحديث: عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِىِّ قَالَ (جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِى. فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئاً جَلَسَتْ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا. فَقَال «فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَىْءٍ». فَقَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ «اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئاً». فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لَا وَاللَّهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئاً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «انْظُرْ وَلَوْ خَاتِماً مِنْ حَدِيدٍ». فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ. فَقَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا خَاتِماً مِنْ حَدِيدٍ. وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِى - قَالَ سَهْلٌ مَا لَهُ رِدَاءٌ - فَلَهَا نِصْفُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَىْءٌ وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَىْءٌ». فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُوَلِّياً فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِىَ فَلَمَّا جَاءَ قَال (مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ). قَالَ مَعِى سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا - عَدَّدَهَا. فَقَالَ «تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ». قَالَ نَعَمْ. قَالَ «اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ). وفي رواية (قَالَ: انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ). [جاءته امرأة] قال الحافظ: لم أقف على اسمها. [جئت أهب لك نفسي] أي كأنها تقول: أتزوجك من غير صداق. [فصعّد النظر فيها وصَوَّبه] وهو بتشديد العين، والمراد أنه نظر أعلاها وأسفلها، وفي رواية (فقامت طويلاً) وفي رواية: (فلم يجبها شيئاً) [طأطأ رأسه] أي خفض رأسه وصمت ولم ينطق [فقال رجل] قال الحافظ: لم أقف على اسمه. [انظر ولو خاتماً من حديد] لو: هنا للتقليل، أي انظر ولو كان الموجود خاتماً من حديد. [إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها] جاء في رواية: (أنكحنيها). [لكن هذا إزاري فلها نصفه] والإزار هو ما يغطي النصف الأسفل من البدن. [قال سهل ماله رداء] الرداء ما وضع على الكتف (فهذه الجملة معترضة من سهل وليست من كلام الرجل). [بما معك من القرآن] الباء للمقابلة، ويكون زوّجه على ان يكون القرآن مهرها، ويؤيد هذا ما جاء في الرواية الأخرى (انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ).

стр. 954

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . • ذكر المصنف هذا الحديث ليستدل به على أن المهر يصح ولو كان قليلاً، ففيه رد على من قال إن أقله عشرة دراهم. وقد اختلف العلماء في أقل الصداق، مع اتفاقهم على أنه لا حد لأكثره، كما نقل الإجماع القرطبي: القول الأول: أقله عشرة دراهم. وهذا مذهب أبي حنيفة. لحديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يزوج النساء إلا الأولياء، ولا مهر أقل من عشرة دراهم). رواه الدار قطني وهو حديث ضعيف. القول الثاني: أقله ربع دينار. وهذا مذهب مالك. قياساً على نصاب القطع في السرقة، وهذا قياس في مقابل النص. القول الثالث: يصح الصداق بكل ما يسمى شيئاً ولو حبة شعير. وهذا مذهب ابن حزم. لقوله ﷺ للرجل: (التمس شيئاً). القول الثالث: كل ما صح العقد عليه بيعاً، أو إجارة، فإنه يصح أن يكون صداقاً، سواء كان عيناً أو منفعة. فالعين مثل: أن يعطيها دراهم أو يعطيها متاعاً. والمنفعة مثل: استخدامها إياه، أو تستوفي منه بغير الخدمة أن يبني لها بيتاً. وهذا القول هو الصحيح.

стр. 955

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . • من فوائد الحديث: أنه دليل على جواز أن يكون تعليم القرآن مهراً، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال: القول الأول: أنه لا يجوز. وهذا مذهب الحنفية والمالكية. لقوله تعالى (أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ … ). وقال تعالى (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَات .... ). فالفروج لا تستباح إلا بالأموال. وروي أن رسول الله ﷺ زوج امرأة على سورة من القرآن، ثم قال: (لا تكون لأحد بعدك مهراً). رواه سعيد بن منصور ولا يصح وقالوا: إن تعلم القرآن لا يقع إلا قربة، فلا يجوز أن يكون صداقاً كالصلاة. القول الثاني: يجوز. وهذا مذهب الشافعي، واختاره ابن القيم. للحديث السابق (قَالَ: انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ). والراجح - والله أعلم - أنه لا يصح جعل تعليم القرآن صداقاً إذا كان المال متيسراً على الزوج، فإن لم يتيسر المال صح جعله صداقاً، وهذا هو الذي يدل عليه حديث الباب، فإن الرسول ﷺ ما جعل تعليم القرآن صداقاً لهذا الرجل إلا حينما تعذر عليه المال ولم يجد شيئاً. • يسن تسمية الصداق في العقد، وليست تسميته شرطاً، وهذا مذهب الجمهور. لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾.

стр. 956

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وجه الدلالة: أن الله تعالى رفع الحرج عن الطلاق في النكاح الذي لم يسم فيه المهر، والطلاق لا يكون إلا في نكاح قد تم بعقد صحيح. ولحديث ابن مسعود: (أنه قضى في رجل تزوج امرأة فمات عنها ولم يدخل بها ولم يفرض لها صداقاً، قال ﵁: لها الصداق كاملاً، وعليها العدة، ولها الميراث، فقام معقل بن يسار فقال: سمعت رسول الله ﷺ قضى في بِرْوع بنت واشق بمثل ذلك). وجه الدلالة: أن العقد صح مع عدم تسميته المهر، فلو لم يكن نكاحاً صحيحاً لما قضى النبي ﷺ لبروع بالصداق. • ويكون لها مهر المثل. لكن الأفضل تسميته وتعجيله: لقول النبي ﷺ (التمس ولو خاتماً من حديد). ولقوله ﷺ لعلي - لما أراد أن يتزوج فاطمة - أعطها شيئاً، قلت (أي علي) ما عندي شيء، قال: فأين درعك الحطمية، قلت: هي عندي، قال: فأعطها إياها. ولأنه أقطع للنزاع والخلاف.

стр. 957

م/ فِإن تزوجها ولم يسم لها صداقاً: فلها مهر المثل. أي: إن تزوجها ودخل بها ولم يسم لها صداقاً فلها مهر مثلها، والمراد بمثلها: ما اعتاد الناس أن يدفعوه مهراً لأمثال هذه المرأة من قريباتها. (وهذه التي تسمى المُفَوَّضة).

стр. 958

م/ فإن طلقها قبل الدخول: فلها المتعة على الموسع قدره، وعلى المقتر قدره، لقوله تعالى (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن … ). أي: وإن طلقها قبل أن يدخلها ولم يفرض لها مهر فيجب لها المتعة. والمتعة: بضم الميم هي ما يعطيه الزوج لمن طلقها لجبر خاطرها المنكسر بألم الفراق. • والحكمة من المتعة: تعويضاً لها عما فاتها من المهر، وجبراً لمصيبتها، وإحساناً إليها. والدليل على ذلك الآية التي ذكرها المصنف ﵀ وهي قوله تعالى (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ) وقوله تعالى (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ). فالراجح من أقوال أهل العلم: أن المتعة إنما تجب على المطلقة إذا لم يدخل بها ولم يفرض لها. وجه الدلالة من الآية: ( .. ومتعوهن .. ) فأمر بالمتعة لا بغيرها، والأمر للوجوب، والأصل براءة ذمته من غيرها، والله قسم المطلقات إلى قسمين: فأوجب المتعة لمن لم يسمِّ لها إذا طلقت قبل الدخول، ونصف المسمى لمن سميَ لها، وذلك يدل على اختصاص كل قسمٍ بحكمه. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن المتعة واجبة لكل مطلقة، سواء طلقت قبل الدخول أم بعده، وسواء فرض لها صداق أم لم يفرض. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وجماعة من أهل العلم. لقوله تعالى (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) ولفظ المطلقات عام، وأكد ذلك بقوله (حقاً). وذهب بعض العلماء إلى أن المتعة مستحبة لكل مطلقة. لقوله تعالى ( ..... حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) ( .... حقاً على المحسنين) قالوا: ولو كانت واجبة لما خُص بها المحسنون والمتقون، بل كانت حقاً على كل أحد. والراجح - والله أعلم - ما تقدم أن المتعة واجبة لمن طلقت قبل الدخول ولم يفرض لها مهر، وأما غيرها من المطلقات فالمتعة في حقها مستحبة. • والمتعة تكون على قدر حال الزوج لقوله تعالى (عَلَى الْمُوسِعِ) الغني (قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ) الفقير (قَدَرُه).

стр. 959

م/ ويتقرر الصداق كاملاً بالموت أو الدخول. أي: ويتأكد ويتقرر المهر كاملاً للزوجة إذا مات زوجها (سواء كان ذلك قبل الدخول أو بعده). لحديث ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ ﴿أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ اِمْرَأَةً، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ اِبْنُ مَسْعُودٍ: لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا، لَا وَكْسَ، وَلَا شَطَطَ، وَعَلَيْهَا اَلْعِدَّةُ، وَلَهَا اَلْمِيرَاثُ، فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الْأَشْجَعِيُّ فَقَالَ: قَضَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ - اِمْرَأَةٍ مِنَّا - مِثْلَ مَا قَضَيْتَ، فَفَرِحَ بِهَا اِبْنُ مَسْعُودٍ﴾ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ. فهذا الحديث دليل على أن المرأة تستحق كامل المهر بموت زوجها، فإن كان المهر مسمى فتستحقه كاملاً، وإن لم يسمى فإنه يفرض لها مثل صداق نسائها. • ولعل هذا - والله أعلم - فيه جبر لخاطرها بما حصل من العقد دون الدخول بسبب الموت، وهو مصيبة بالنسبة لها، لما كانت ترجو من الخير وراء هذا الزواج. • وهذا الحديث اشتمل على حكمين آخرين أيضاً هما: أنه يجب عليها عدة الوفاة بالإجماع _ أربعة أشهر وعشرة أيام - وهذا مجمع عليه، لعموم الأدلة، مثل قوله تعالى (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) فهي عامة في المدخول بها وغير المدخول بها. وأيضاً لها الميراث من زوجها الذي عقد عليها ثم مات، لأنها زوجة، والإرث يجب بمجرد العقد.

стр. 960

م/ والدخول. أي: ويتقرر المهر كاملاً للزوجة بالدخول بالزوجة. لقوله ﷺ ( .... ولها المهر بما استحللت من فرجها). • واختلف العلماء لو خلا بها ولم يمسها ثم طلقها، هل يتقرر لها المهر كاملاً أم لا؟ على قولين: القول الأول: أن لها المهر كاملاً. وهذا مذهب جمهور العلماء، ونقل ابن حزم ذلك عن الخلفاء الراشدين، وعن عدد من الصحابة، وذكر ابن قدامة - في المغني - إجماع الصحابة على ذلك. والدليل على ذلك: ما ورد عن زرارة بن أوفى قال (قضى الخلفاء الراشدون المهديون: أن من أغلق باباً، أو أرخى ستراً فقد وجب المهر، ووجبت العدة) أخرجه البيهقي. وعن عمر قال (إذا أُجيف الباب، وأرخيت الستور، فقد وجب المهر) أخرجه الدارقطني. وعن علي قال (من أصفق باباً، وأرخى ستراً فقد وجب الصداق والعدة) أخرجه البيهقي. كما استدلوا بقوله تعالى (وقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ) ووجه الاستدلال: أن الإفضاء أن يخلو بها وإن لم يجامعها. ولأن المرأة سلمت المبدل، حيث رفعت الموانع، وذلك وسعها فيتأكد حقها في البدل. ولأن وجوب إتمام المهر لا يتوقف على الاستيفاء، بل على التسليم. القول الثاني: أنه لا يستقر المهر بالخلوة فحسب، بل لابد من الوطء. وهذا قول مالك والشافعي في الجديد وداود وشريح. قالوا: لأن الله قال (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ … ) والمطلقة التي خلا بها من غير وطء مطلقة قبل المسيس، لأن المسيس هو الجماع.

стр. 961

م/ ويتنصف بكل فرقة قبل الدخول من جهة الزوج كطلاقه. أي: وتستحق الزوجة نصف المهر إذا فارقها زوجها قبل الدخول، إذا كان الطلاق من قِبَلِه. لقوله تعالى (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) فدلت الآية على أن للزوجة المطلقة نصف الصداق المعين إذا طلقت قبل الجماع، ومعلوم أن الطلاق فرقة من جهة الزوج. مثال: عقد على امرأة وأمهرها عشرة آلاف، وقبل الدخول طلقها، فلها خمسة آلاف ريال. • قوله (من جهة الزوج) فلو كانت الفرقة من قِبل الزوجة فلا مهر لها كما سيأتي.

стр. 962

ويسقط بفرقة من قِبلها. أي: ويسقط المهر ولا يصبح لها شيئاً إذا كانت الفرقة من قِبَلِها. مثال: كرجل عقد على امرأة وأمهرها عشرة آلاف ريال، وبعد فترة طلبت الطلاق، فطلقها، فلا مهر لها، لأن الفرقة جاءت من جهتها.

стр. 963

م/ أو فسخهِ لعيبها. أي: ويسقط المهر ولا يكون لها شيئاً إذا فسخ الزوج النكاح بسبب عيب فيها. مثال: إنسان عقد على امرأة وقبل الدخول تبين أن فيها عيباً، ففسخ العقد، فليس لها مهر، لأن الفرقة جاءت من قِبلها. • ضوابط في سقوط المهر أو تنصفه أو استقراره: الضابط الأول: يسقط المهر في كل فرقة من قِبل الزوجة قبل الدخول. الضابط الثاني: يتنصف المهر في كل فرقة من قبل الزوج قبل الدخول. الضابط الثالث: يستقر المهر كاملاً بواحد من أمرين: الموت، وفي الفرقة بعد الدخول سواء كان منها أو منه.

стр. 964

م/ وينبغي لمن طلق زوجته أن يمتعها بشيء يحصل به جبر خاطرها، لقوله تعالى (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ). أي: وينبغي للزوج الذي طلق زوجته أن يمتع زوجته بشيء جبراً لخاطرها. وقد تقدم أحكام المتعة ولمن تجب من المطلقات.

стр. 965

باب عشرة النساء العِشرة بكسر العين هي الاجتماع، والمراد هنا: عشرة الرجال الأزواج، النساء: أي الزوجات، والمعنى: ما يكون بين الزوجين من الألفة والاجتماع والمعاملة. ومدار هذا الباب على قوله تعالى (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ). م/ يلزمُ كلَّ واحدٍ من الزوجين معاشرةُ الآخر بالمعروف، من الصحبةِ الجميلة، وكف الأذى. أي: يجب على كل واحد من الزوجين معاشرة الآخر بما يقره الشرع والعرف من الصحبة والقيام بحقه وكف الأذى. لقوله تعالى (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أي: صاحبوهن وعاملوهن بالمعروف، فأدوا ما لهن، واصبروا على أذاهن وتقصيرهن. قال تعالى (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) فبينت الآية أن الحقوق بين الزوجين متبادلة، فكما أن على المرأة حقاً لزوجها، فإن لها أيضاً عليه حقاً، إلا أن حق الرجل عليها أعظم وأعلى، لأن عليه الرعاية والكفاية والحماية. • ينبغي أن ينوي كل واحد من الزوجين بالمعاشرة بالمعروف استجابة أمر الله.

стр. 966

م/ وألا يماطله بحقهِ. أي: ويجب على كل واحد من الزوجين أن يؤدي حق الآخر ويقوم به مع قدرته على أدائه بلا مماطلة ولا كُرهٍ لأدائه، بل يؤديه ببشر وطلاقة. كأن تقول المرأة: أريد كسوة فيقول إن شاء الله، ثم يماطل وتمضي الأيام ولم يأتي لها بشيء. لأن المطل مع القدرة عليه حرام، ولذلك قال النبي ﷺ (مطل الغني ظلم).

стр. 967

م/ ويلزمها طاعته في الاستمتاع. أي: ويجب عليها طاعته للاستمتاع بها، والاستمتاع معناه: الوطء، لأن المقصود من النكاح الاستمتاع. لحديث أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ (إِذَا بَاتَتِ الْمَرْأَةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ) وفي رواية: (حتى ترجع) متفق عليه. وعنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهَا فَتَأْبَى عَلَيْهِ إِلاَّ كَانَ الَّذِى فِى السَّمَاءِ سَاخِطاً عَلَيْهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا) رواه مسلم. [إلى فراشه] المراد بالفراش كناية عن الجماع. [لعنتها الملائكة] اللعن الطرد والإبعاد من رحمة الله، واختلف في المراد بالملائكة، وسيأتي، وهذه الرواية مطلقة لكن جاء في رواية (فبات غضبان عليها) ومعنى هذه الرواية مقيدة بما إذا غضب زوجها عليها، أما إذا لم يغضب او تنازل عن حقه فلن يكون هناك لعن. [حتى تصبح] والرواية الثانية (حتى ترجع)، والفرق بين الروايتين: ذكر الحافظ ابن حجر أن رواية (حتى ترجع) أكثر فائدة، لأن رواية (حتى تصبح) مقيدة بالليل [إذا امتنعت بالليل] لكن رواية حتى ترجع تشمل حتى لو دعاها بالنهار، وتحمل رواية (حتى تصبح) محمولة على الغالب، يعني غالباً أن الرجل يدعو زوجته ليلاً. • الحديث يدل على أنه يحرم على المرأة أن تمتنع إذا دعاها زوجها إلى الفراش، ووجه التحريم: لعن الملائكة. ومما يدل على ذلك قوله ﷺ : (ثلاثة لا تقبل لهم صلاة، ولا يصعد لهم إلى السماء حسنة: … والمرأة الساخط عليها زوجها حتى يرضى). رواه ابن خزيمة • وإنما صار هذا الترهيب والتهديد للمرأة اذا لم تلبي أمر زوجها: لأن امتناعها يؤدي إلى الإضرار بالزوج، لأنه قد يؤدي به إلى الأمر المحرم، وما يسببه الامتناع من التوتر النفسي والغضب. • يستثنى من ذلك: إذا كان يضر بها أو يشغلها عن فرض. يضرُّ بها: مثال: لو فرض أنها حامل، والاستمتاع يشق عليها مشقة عظيمة، فإنه في هذه الحالة لا يجوز له أن يباشرها.

стр. 968

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أو يشغلها عن فرض: مثال: كأن يطلب منها الجماع وهي لم تصل الفجر وقد بقي على طلوع الشمس زمناً قليلاً (كأربع دقائق مثلاً)، فهنا لا يجوز له أن يستمتع بها، لأنه يشغلها عن فرض وهي الصلاة. • عقوبة المرأة إذا دعاها زوجها للفراش وامتنعت من غير سبب: أولاً: لعنتها الملائكة حتى تصبح. ثانياً: غضب الله حتى يرضى الزوج. فقد قال ﷺ : (والذي نفسي بيده، ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه، فتأبى عليه، إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها). رواه مسلم • في الحديث عظم حق الزوج على زوجته. وقد قال ﷺ : (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها). رواه الترمذي • هذا الحكم في حق الزوج القائم بحق زوجته، وأما إذا نشز ولم يقم بحقها، فلها الحق أن تقتصّ منه وألا تعطيه حقه كاملاً. لقوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾. • اختلف ما المراد بهؤلاء الملائكة: فقيل: الحفظة. وقيل: ملائكة السماء، للرواية الأخرى: (لعنتها الملائكة في السماء) وهذا هو الصحيح. • قال العلماء: هذا اللعن مقيد بما إذا كان الزوج أدى حق الزوجة من نفقة ومسكن وكسوة، ثم دعاها وامتنعت، وهذا القيد مأخوذ من عمومات الشريعة، فأما إذا ظلمها ومنعها حقها وتعدى عليها، فإنه لا يلزمها السمع والطاعة لأنه لا بد من المعاوضة.

стр. 969

م/ وعدم الخروج والسفر إلا بإذنهِ. أي: لا يجوز لها الخروج من بيته ولا السفر إلا بإذنه. لحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه) متفق عليه، فإذا كان هذا في الصوم، فكيف بمن تسافر؟ • إذا سافرت المرأة بغير إذن زوجها، سقط حقها من القسم، وكذلك سقط حقها من النفقة. لأن القسم للأنس، والنفقة للتمكين من الاستمتاع وقد منعت ذلك بالسفر. [قاله النووي] • معنى قولنا (إن سافرت بغير إذنه فلا قسم) أي: لا يلزمه القضاء إذا رجعت. • فإن سافرت بإذن زوجها لحاجتها، للتجارة مثلاً، أو للحج، أو للعمرة، أو لزيارة أقاربها، ففي هذه المسألة قولان: القول الأول: لا قسْم لها ولا نفقة. لأن النفقة في مقابل الاستمتاع، وقد تعذر بسبب من جهتها، فتسقط. أما القسم فيسقط، لأنها اختارت ذلك بسفرها. القول الثاني: لها النفقة. لأنها سافرت بإذنه، فأشبه إذا سافرت معه، فهو الذي أسقط حقه في الاستمتاع. وهذا الراجح. • فإن سافرت بإذنه لحاجته فلها النفقة والقسم، مثلاً، له أم في المستشفى في بلد آخر، وسافرت بإذنه، فالحاجة له هو، ففي هذه الحال نقول: لها النفقة، لأن ذلك لحاجته.

стр. 970

م/ والقيام بالخَبز والعَجْن والطبخِ ونحوها. أي: ويجب عليها القيام بخدمة الزوج من طبخ وعجن وغير ذلك مما تعارف عليه الناس، لأن ذلك من المعاشرة بالمعروف، فهي كالمشترطة في العقد. • وما مشى عليه المصنف ﵀ من وجوب خدمة المرأة لزوجها، هو القول الراجح، لأن هذا هو المعروف من عهد الصحابة حتى عهدنا هذا. (وقد ذهب بعض العلماء إلى أنه لا يجب على المرأة خدمة زوجها من طبخ وغسل وتنظيف ونحوه).

стр. 971

وعليه: نفقتُها وكِسوتُها بالمعروف. أي: ويجب على الزوج النفقة على زوجته وكسوتها. لقوله تعالى (لينفق ذو سعة من سعته). ولقوله ﷺ ( … ولهن عليكم رزقهن وكِسوتُهُنّ بالمعروف) رواه مسلم. قال النووي: وفيه وجوب نفقة الزوجة وكسوتها وذلك ثابت بالإجماع. وعن حكيم بن معاوية عن أبيه قال: (قلت: يا رسول الله! ما حق زوجِ أحدِنا عليه؟ قال: تطعمها إذا أكلْتَ، وتكسوها إذا اكتسيت) رواه أبو داود. وهذا كله مقيد بالسعة والمعروف كما قال تعالى (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ). وقال ﷺ (ولهن عليكم رزقهن وكِسوتُهُنّ بالمعروف). • ويحرم وطؤها حال الحيض. وهذا بالإجماع. لقوله تعالى (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ). والمراد بالحيض: زمان الحيض ومكانه وهو الفرج. وعن أنس. قال: قال ﷺ (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) رواه مسلم. أي: إلا الجماع في الفرج. • ويحرم وطؤها في دبرها. لقوله تعالى (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) والدبر ليس محلاً للحرث. عن جَابراً قال (كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ إِذَا أَتَى الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا فِى قُبُلِهَا كَانَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ فَنَزَلَتْ (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ). [أتى امرأته] أي جامعها. [من دبرها] أي من جهة دبرها. [في قبلها] أي أن الوطء في القبل، لكن جاءها من خلفها. [كان الولد أحول] أي جاء الولد الذي ينتج عن الوطء أحولاً. [نساؤكم] أي زوجاتكم. [حرث لكم] أي إن النساء موضع إنبات الولد. [فأتوا حرثكم] أي واقعوا زوجاتكم في موضع الحرث. [أنى شئتم] أي من أي جهةٍ شئتم، مقبلة أو مدبرة أو على جنب أو غير ذلك. وليس المعنى: من أي مكان شئتم، حيث يستدل بها على وطء الدبر، فإن سبب النزول يرد هذا المعنى. وقد جاءت الأدلة على تحريم وطء الدبر. عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (ملعون من أتى امرأة في دبرها) رواه أبوداود. وعن ابن عباس. قال: قال رسول الله ﷺ (لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلاً أو امرأة في دبرها) رواه الترمذي. [وهذا الأحاديث مختلف فيها لكن بعضها يقوي البعض]. وعن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (من أتى امرأة حائضاً أو امرأة في دبرها أو كاهناً فقد كفر بما أنزل على محمد) رواه الترمذي [مختلف في صحته]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وطء المرأة في دبرها حرام بالكتاب والسنة، وهو قول جماهير السلف والخلف، بل هو اللوطية الصغرى. وقال ابن القيم: أما الدبر: فلم يبح قط على لسان نبي من الأنبياء، ومن نسب إلى بعض السلف إباحة وطء الزوجة في دبرها فقد غلط عليه.

стр. 972

باب القسم بين الزوجات القسْم بفتح فسكون، وهو بمعنى القسمة وهو العطاء، والمراد به هنا: القسْم بين الزوجات، وهو إعطاء المرأة حقها في البيتوتة عندها للصحبة والمؤانسة. (وقيل توزيع الزمان بين الزوجات). م/ وعليهِ أن يعدلَ بين زوجاتهِ في القسْم والنفقةِ والكسوة، وما يَقْدِر عليه من العدل. أي: ويجب على الزوج أن يسوي بين زوجاته في القسم، وذلك في المبيت والنفقة والكسوة. لقوله تعالى (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) وليس مع الميل معروف. ولحديث أبي هريرة - الذي ذكره المصنف - قال رسول الله ﷺ : (من كان له امرأتان، فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وشقه مائل) رواه الترمذي. (شقه مائل) أي نصفه مائل، قيل: بحيث يراه أهل العرصات ليكون هذا زيادة في التعذيب قال ابن قدامة: لا نعلم بين أهل العلم في وجوب القسم، والتسوية بين الزوجات في القسم خلافاً. • قوله (وفي النفقة والكسوة) الصحيح من أقوال أهل العلم: أنه يجب أن يعدل بين نسائه حتى في النفقة والكسوة كما ذكر المصنف ﵀ وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. لعموم قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ). ولحديث أبي هريرة السابق. ولأن عدم العدل بين الزوجات في النفقة يوغر الصدور، ويثير الأحقاد، مما يؤثر على الحياة الزوجية ويعكر صفوها، (والعدل في النفقة أن يعطي كل واحدة ما يكفيها). (وقد ذهب بعض العلماء إلى عدم وجوب العدل في النفقة بين الزوجات إذا كفّى كل واحدة وأعطى واحدة منهن زيادة، مثال: لو أعطى الأولى ١٠٠ وهو كفايتها، وأعطى الثانية ١٠٠ كفايتها وزادها ١٠٠، قالوا: لأنه أدى الواجب للأولى [وهو كفايتها] ولم يظلمها). والراجح وجوب العدل كما سبق في الأدلة. • هل يجب عليه أن يسوي بين زوجاته في الوطء؟ لا يجب عليه، قال ابن قدامة: لا نعلم خلافاً بين أهل العلم في أنه لا تجب التسوية بين النساء في الجماع، وذلك لأن الجماع طريقه الشهوة والميل، ولا سبيل إلى إحداهما دون الأخرى.

стр. 973

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لقوله تعالى (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ) أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: في الحب والجماع، وهو قول عَبِيدَة السلماني ومجاهد والحسن البصري والضحاك بن مزاحم. لكن تستحب التسوية إن أمكن، لأنه أبلغ في العدل. وقال ابن قدامة: وإن أمكنت التسوية بينهما في الجماع كان أحسن وأولى، فإنه أبلغ في العدل. قال ابن القيم: إن ترك الجماع لعدم الداعي إليه من المحبة والانتشار فهو معذور، وإن وجد الداعي إليه، ولكنه إلى الضرة أقرب فليس بمعذور، وعليه أن يعدل. • يقسم لحائض ونفساء ومريضة. قال في المغني: لأن القسم للأنس، وذلك حاصل ممن لا يطأ. وقد روت عائشة: (أن رسول الله ﷺ لما كان في مرضه جعل يدور على نسائه ويقول: أين أنا غداً؟ أين أنا غداً؟). رواه البخاري ومن الأدلة: ما رواه البخاري عن ميمونة قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها فاتزرت وهي حائض). • وعماد القسْم بالليل لمن كان معاشه بالنهار. قال في المغني: لا خلاف في هذا، وذلك أن الليل للسكن والإيواء، يأوي فيه الإنسان إلى منزله ويسكن إلى أهله، وينام في فراشه مع زوجته عادة، والنهار للمعاش والخروج والتكسب، إلا أن يكون ممن معاشه بالليل كالحراس ومن أشبههم، فإنه يقسم بين نسائه بالنهار، ويكون الليل في حقه كالنهار في حق غيره. • إذا سافرت المرأة بغير إذن زوجها، سقط حقها من القسم والنفقة، لأن القسم للأنس، والنفقة للتمكين من الاستمتاع وقد منعت ذلك بالسفر. [قاله النووي]

стр. 974

م/ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ (مِنْ السُّنَّةِ إذَا تَزَوَّجَ الرجلُ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ: أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعاً ثُمَّ قَسَمَ. وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ: أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاثاً ثم قسم) متفق عليه. ذكر المصنف ﵀ حديث أنس ليستدل به على أن الرجل إذا تزوج امرأة جديدة، فإنه يجلس عندها سبعاً إذا كانت بكراً، ويجلس عندها ثلاثاً إذا كانت الزوجة الجديدة ثيباً. • وقول أنس (من السنة) المراد السنة الواجبة. قال في المغني: متى تزوج صاحب النسوة امرأة جديدة قطع الدور وأقام عندها سبعاً إن كانت بكراً لا يقضيها للباقيات، وإن كانت ثيباً أقام عندها ثلاثاً ولا يقضيها. وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد. لحديث الباب. مثال: رجل عنده زوجة اسمها فاطمة، ثم بعد ذلك تزوج امرأة أخرى اسمها عائشة وكانت بكراً، فنقول: يجلس عند عائشة سبع أيام ثم يقسم. • الحكمة من ذلك: أ- أن البكر تنفر من الرجل أكثر من نفور الثيب. ب- أن رغبة الرجل في البكر أكثر من رغبته في الثيب.

стр. 975

م/ وقالت عائشة (كان رسولُ الله ﷺ إذا أراد سفراً أقرعَ بين نسائهِ، فأيتَهُنَّ خرج سهْمُها خرج بها) متفق عليه. ذكر المصنف ﵀ حديث عائشة ليستدل به على أن الرجل إذا أراد السفر بإحدى نسائه أن يقرع بينهن، فمن خرجت لها القرعة سافر بها، لأن السفر ببعضهن من غير قرعة فيه تفضيل وميل، وهذا لا يجوز. والقول بالوجوب هو الحق، وأنه يجب على الزوج أن يقرع بينهن. • أما بالنسبة للنبي ﷺ فمن قال: بوجوب القسم عليه فالأمر واضح، ومن قال: إن القسم ليس واجباً عليه قال: إن هذه القرعة من مكارم أخلاقه، ولطف شمائله، وحسن معاملته. • إن رضين بخروج إحداهن معه بلا قرعة فلا بأس، لأن الحق لهن، إلا أن لا يرضى الزوج، ويريد غير من اتفقن عليها، فيصار إلى القرعة، وكذا لو كان كثير الأسفار، وأراد أن يجعل لكل واحدة سفرة فإنه يجوز، لأن هذا حق متميز لا خفاء فيه. • إذا سافر بإحدى نسائه لم يلزمه القضاء للحاضرات بعد قدومه، بل يبدأ قسماً جديداً، لأن عائشة لم تذكر أن الرسول ﷺ كان يقضي للباقيات بعد قدومه. • الحديث دليل على العمل بالقرعة، وقد ذكرت القرعة في موضعين من القرآن: قال تعالى (فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ). وقال تعالى (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ). وجاءت في أحاديث كثيرة: منها الحديث السابق. وحديث (لو يعلمون ما في الصف الأول لكانت قرعة) رواه مسلم. قال أبو عبيد: وقد عمل بالقرعة ثلاثة من الأنبياء: يونس، وزكريا، ونبينا محمد ﷺ . وقال الإمام أحمد: أقرع النبي ﷺ في خمسة مواضع وهي في القرآن في موضعين. والقرعة يعمل بها: عند التساوي في الاستحقاق وعدم إمكان الجمع، قال ابن القيم: الحقوق إذا تساوت على وجه لا يمكن التمييز بينها إلا بالقرعة صح استعمالها فيها.

стр. 976

م/ وإذا أسقطت المرأة حقها من القسْم أو من النفقة أو الكسوة بإذن الزوج جاز ذلك، وقد وهبت سودة يومها لعائشة فكان النبي ﷺ يقسم لعائشة يومها ويوم سودة. أي: يجوز للمرأة أن تتنازل عن حقها في القسم والنفقة أو الكسوة، وقد ذكر المصنف ﵀ الحديث الدال على ذلك: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ (مَا رَأَيْتُ امْرَأَةً أَحَبَّ إِلَىَّ أَنْ أَكُونَ فِى مِسْلَاخِهَا مِنْ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ مِنِ امْرَأَةٍ فِيهَا حِدَّةٌ قَالَتْ فَلَمَّا كَبِرَتْ جَعَلَتْ يَوْمَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعَائِشَةَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ جَعَلْتُ يَوْمِى مِنْكَ لِعَائِشَةَ. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ يَوْمَيْنِ يَوْمَهَا وَيَوْمَ سَوْدَةَ) متفق عليه. فالحديث دليل على جواز تنازل المرأة من حقها في القسم ووهبها نوبتها لضرتها. لكن اشترط العلماء: أن يرضى الزوج بذلك، لأن الأصل أن حق الزوج متعلق بالزوجة الواهبة، فليس لها أن تسقط حق زوجها إلا برضاه، وسودة وهبت يومها من النبي ﷺ لعائشة، وقد قبِلَ النبي ﷺ ذلك، فكان يقسم لعائشة يومين. • فعلت سودة ذلك لأمور: الأمر الأول: جاء عند البخاري (تبتغي بذلك رضا رسول الله ﷺ . الأمر الثاني: عند مسلم كما في الحديث السابق (لما كبرت سودة جعلت يومها لعائشة). الأمر الثالث: خوفها أن يطلقها رسول الله ﷺ ، قالت عائشة (كان رسول الله ﷺ لا يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكْثِه عندنا، .... ولقد قالت سودة حين أسنت، وفرقت أن يفارقها رسول الله ﷺ : يا رسول الله! يومي لعائشة، فقَبِل رسول الله ﷺ منها) رواه أبو داود. وقد جاء عند ابن سعد في الطبقات أوضح من هذا (قالت للرسول ﷺ : إني أريد أن أبقى معك لأجل أن أبعث مع أزواجك يوم القيامة وإن يومي وهبته لعائشة).

стр. 977

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . • تصرفها يدل على أمرين: الأول: على فقهها، لأن الرسول ﷺ لو طلقها لم تبقى من أمهات المؤمنين ولم تكن من أزواجه في الدار الآخرة. الثاني: وكونها اختارت عائشة بالذات، هذا يدل على محبتها للرسول ﷺ وشفقتها عليه، لأنها تعلم أن عائشة أحب نسائه إليه، فكان اهداء قسْمها لعائشة مما يسر النبي ﷺ . • هل يجوز للواهبة الرجوع؟ الجمهور أنه يجوز أن ترجع. • يجوز للمرأة أن تهب نوبتها للزوج فيتصرف فيها كيف يشاء، وللزوج أن يجعلها لمن شاء من زوجاته. لكن إن شاء جعلها للجميع، ومعنى للجميع: بدل ما كان يقسم لأربع، يصير الآن يقسم لثلاث، فصار الجميع اسْتفدْن من حقوق هذه الليلة، بخلاف ما لو أعطيت لواحدة. وله أن يخص به واحدة منهن، لكن كونه للجميع هذا أقرب للعدل وأبعد عن الميل.

стр. 978

باب النشوز تعريفه: لغة: مأخوذ من النشز وهو المكان المرتفع من الأرض، واصطلاحاً: معصية الزوجة الزوج فيما فرض الله عليها من طاعته. م/ وإن حاف نشوزَ امرأتهِ، وظهرتْ منها قرائنُ معصيتهِ وعظَهَا. أي: إذا خاف الرجل نشوز امرأته بأن ظهر منها قرائنه، كأن تمنعه حقه بأن لا تجيبه إلى الاستمتاع، أو تجيبه متبرمة متكرهة، فإنه: يعظها. (والوعظ التذكير بما يرغّب أو يخوف). لقوله تعالى (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ). بأن يذكرها بما يلين قلبها، ويصلح عملها من ثواب وعقاب، يخوفها بالله وأليم عقابه، ويذكرها بما أعد الله للمرأة العاصية لزوجها من أليم عقابه: مثل قوله ﷺ (إذا دعا الرجل زوجته إلى فراشه فأبت لعنتها الملائكة حتى تصبح) رواه مسلم. ومثل: قوله ﷺ (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) رواه أبوداود. فإذا لم ينفع هذا العلاج ينتقل إلى الأمر الثاني وهو:

стр. 979

م/ فإن أصرت هجرها في المضجع. هذا العلاج الثاني من علاج نشوز المرأة، وهو هجرها في المضجع. لقوله تعالى (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ). قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: وتركها في المضجع على ثلاثة أوجه: أولاً: أن لا ينام في حجرتها، وهذا أشد شيء. ثانياً: أن لا ينام على الفراش معها، وهذا أهون من الأول. ثالثاً: أن ينام معها في الفراش، ولكن يلقيها ظهره ولا يحدثها، وهذا أهونها. ويبدأ بالأهون فالأهون، لأن ما كان المقصود به المدافعة فالواجب البداءة بالأسهل فالأسهل. • ويهجرها ما شاء حتى ترتدع وترجع.

стр. 980

م/ فإن لم ترتدع ضربها ضرباً غير مبرِّح. أي: فإن لم ترتدع ولم ينفع معها الوعظ والهجر، ضربها. لقوله تعالى (وَاضْرِبُوهُنَّ). لكن اشترط المصنف ﵀ في هذا الضرب أن يكون غير مبرحاً أي: غير شديد. لقوله ﷺ (إن لكم عليهن أن لا يُوطِئنَ فُرُشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلنَ فاضربوهن ضرباً غير مبرح) رواه مسلم ولأن المقصود التأديب والزجر والإصلاح، لا الإيذاء والضرر والانتقام، ويتقي الوجه والمقاتل. • هذه المراتب إذا كان الزوج قائماً بالحقوق، أما إذا لم يقم بحقوق الزوجة فلا يحل له أن يسلك هذه المراتب، ولهذا قال المصنف ﵀:

стр. 981

م/ ويُمنعُ من ذلك إن كان مانعاً لحقِّها. أي: يمنع الزوج ولا يجوز له أن يستعمل هذه المراتب إذا كان مانعاً لحقها، وذلك بأن يمنع زوجته حقها من النفقة والقسْم، أو تجد منه إساءة خلق، أو أن يؤذيها، سواء كان بالضرب أو بغيره بلا سبب.

стр. 982

م/ وإن خيف الشقاق بينهُما: بعث الحاكم حكماً من أهله وحكماً من أهلها ....... ذكر المصنف ﵀ إذا كان الشقاق بين الزوجين، وعدم قيام كل واحد بما يجب عليه، فإنه يبعث القاضي حكماً من أهلها وحكماً من أهله. قال تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً). فالحل يكون عند الحاكم، والحاكم حينئذ يقيم حكمين أحدهما من أقارب الزوج والآخر من أقارب الزوجة. • والسر في اختيار كل واحد من الحكمين من أقارب الآخر: لأنهما أدري بحالهما وأعلم ببواطن الأمور، لأن الزوجين يفشيان لأقاربهما ما لا يفشيان لغيرهم. • اختلف العلماء في الرجلين المبعوثين هل هما حكمان أم وكيلان للزوجين على قولين: أحدهما: أنهما وكيلان. والثاني: أنهما حكمان، وهذا هو الصحيح. ورجح هذا القول بان القيم وقال: العجب كل العجب ممن يقول: هما وكيلان لا حاكمان، والله تعالى قد نصبهما حكمين. وعلى هذا القول فإنها يلزمان الزوج بدون إذنهما ما يريان فيه المصلحة من طلاق أو خلع. لأن الله سمى كلاً منهما حكماً، والحكم هو الحاكم، ومن شأن الحاكم أن يلزم بالحكم، وقد روى ابن أبي شيبة هذا القول عن عثمان، وعلي، وابن عباس، والشعبي، وسعيد بن جبير، وهو قول مالك، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وقال: إنه الأصح، لأن الوكيل ليس بحَكَم، ولا يحتاج فيه إلى أمر الأئمة، ولا يشترط أن يكون من الأهل. والله تعالى قال (إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً) والوكيلان لا إرادة لهما، وإنما يتصرفان بإذن موكليها، ولأن الوكيل لا يسمى حكماً في لغة القرآن ولا في لسان العرب. • وعلى الحكمين المذكورين تقوى الله والنظر فيما يصلح شأنهما ودراسة قضيتهما من جميع الجوانب، وبعد ذلك يقرران ما يريانه من جمع أو تفريق.

стр. 983

باب الخلع م/ وهو فراق زوجته بعوضٍ منها أو من غيرِها. ذكر المصنف ﵀ تعريف الخلع، وهو فراق الزوج زوجته بعوض منها أو من غيرها. قوله (بعوض) يخرج ما إذا كان الفراق بغير عوض، كالفسخ لوجود عيب أو غيره. قال بعضهم في تعريفه (بألفاظ معلومة) لأن المذهب أن الخلع له ألفاظ، إذا وقع بها صار خلعاً وإذا لم يقع بها صار طلاقاً، فيقولون: o إذا وقع الخلع بلفظ صريح الطلاق أو كنايته ونواه طلاقاً، أو بلفظ الخلع ونواه طلاقا فهو طلاق بائن. كما لو قال: طلقتك بألف ريال، فهو طلاق، لو قال: الحقي بأهلك بألف، فهو طلاق، لو قال: خالعتك على ألف ونواه طلاق، فإنه يكون طلاقاً. o وان وقع بلفظ الخلع ولم ينوه طلاقاً فهو خلع. والقول الثاني وهو مذهب ابن عباس وهو اختيار ابن تيمية أن الخلع فسخ بكل حال من الأحوال، حتى لو وقع بلفظ الطلاق، ولهذا قال ابن عباس: كل ما أجازه المال فهو خلع، يعني كل شيء يدخله المال فهو خلع، فلو قال: طلقتك بألف، فهو خلع. واحتجوا: لأن الله جعل الخلع فداء. • والحكمة منه: تخليص الزوجة من الزوج على وجه لا رجعة له عليها إلا برضاها وعقد جديد، وسماه الله افتداء، لأن المرأة تفتدي نفسها من أسْر زوجها، كما يفتدي الأسير نفسه بما يبذله.

стр. 984

والأصل فيه قوله تعالى (وإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ). ذكر المصنف ﵀ الدليل على إباحة الخلع وهي قوله تعالى (وإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) (وإِنْ خِفْتُمْ) الخطاب في الآية لذوي السلطان من ولاة الأمر، أو لأقارب الزوجين. (أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) هي ما يجب لكل واحد منهما على الآخر. (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) أي: دفعته فداءً عن البقاء معه. ومن السنة على جوازه: حديث ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتُبُ عَلَيْهِ فِى خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّى أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِى الإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ قَالَتْ نَعَمْ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً). [ثابت بن قيس] بن شماس الأنصاري الخزرجي، مشهور بخطيب الأنصار، أول مشاهده غزوة أحد، وقد بشره النبي ﷺ بالجنة، قتل يوم اليمامة شهيداً سنة ١٢ هـ. [ما أعتب عليه] يعني ما ألوم عليه أي تصرف، وفي رواية (ما أعيب) العيب معناه الرداءة والنقص. [في خُلق ولا دين] أي لا أريد مفارقته لسوء خلقه، ولا لنقصان دينه ولكن أكرهه بغضاً وقد جاء في رواية (لا أطيقه). [أكره الكفر في الإسلام] هذه الجملة فيها قولان للعلماء: القول الأول: الأخذ بظاهرها، والمعنى أنها خشيت من شدة بغضها أن يحملها ذلك الكفر لأجل أن ينفسخ النكاح، القول الثاني: أن المراد بالكفر كفران العشير والتقصير فيما يجب له بسبب شدة البغض له، وهذا أصح، وأما الذي قبله فما أبعده احتمالاً، في صحابيّة فاضلة، تكلم النبي ﷺ بمثله ويسكت عنها، إن هذا لشيء بعيد، قال الطيبي: المعنى أخاف على نفسي في الإسلام ما ينافي حكمه، من نشوز وفرك وغيره، مما يقع من الشابة الجميلة المبغضة لزوجها إذا كان بالضد منها، فأطلقت على ما ينافي مقتضى الإسلام الكفر. [أتردين عليه حديقته] هذا استفهام حقيقي ولذلك قالت: نعم. (الاستفهام الذي يطلب به الجواب فيكون على معناه الحقيقي) والحديقة: هي البستان من النخيل وفي رواية عند البزار (وكان قد تزوجها على حديقة نخل) وعند أبي داود (فإني أصدقتها حديقتين). [اقبل الحديقة وطلقها] قيل: هذا أمر إيجاب، لأن النبي ﷺ لما نظر بحالها وواقعها أمَره أمْر إيجاب، وقيل: أمر إرشاد وإصلاح، والراجح القول الأول. [وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً] أي طلقة واحدة بائنة فليس له رجعة عليها إلا برضاها وعقد جديد.

стр. 985

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . • فالحديث دليل على مشروعية الخلع إذا وجدت أسبابه ودواعيه. وقد أجمع العلماء على مشروعيته إلا بكر المزني فانه قال: لا يحل للرجل أن يأخذ من امرأته في مقابل فراقها شيئاً. • ظاهر الحديث أن مجرد وقوع الشقاق من المرأة وحدها كافٍ في جواز الخلع. فلا يشترط أن سوء العشرة منهما معاً. وهذا قول جماهير العلماء. لحديث الباب فهو نص صريح، فأمره بالخلع بمجرد أن سمع كلام زوجته. وقيل: لابد أن يقع الشقاق منهما معاً. وهؤلاء اخذوا بظاهر الآية (فإن خفتم ألا يقيما .... ) وهذا القول قال به داود الظاهري. • الحديث دليل على أن الخلع لابد أن يكون على عوض لقوله (أتردين عليه حديقته) ولقوله تعالى (فيما افتدت به). ثم إن أخْذ الزوج للفداء فيه إنصاف وعدل، لأنه هو الذي دفع المهر وقام بتكاليف الزواج، ثم قابلت هذا الزوجة بالجحود والنكران. فمن العدل أن يُعطَى ما أعطى. وهو قول أبي حنيفة والشافعي والحنابلة. وقيل: يصح بدون عوض ورضي بعدم بذل العوض صح. اختارها الخرقي في مختصره وابن عقيل وهو قول مالك. قالوا: إن الخلع قطع للنكاح فصح من غير عوض كالطلاق. ولأن المقصود من الخلع تخليص الزوجة نفسها وقد حصل هذا بدون عوض، فيصح ولأن العوض حق للزوج، فإذا أسقطه باختياره سقط. واختاره ابن تيمية. • اختلف العلماء هل الخلع فسخ أو طلاق؟ (هل العوض له تأثير أم لا)؟ القول الأول: أن الخلع طلاق (طلقة بائنة بينونة صغرى). وهذا قول الجمهور من المالكية والحنفية والشافعية، واختاره محمد بن إبراهيم والشنقيطي وابن باز. لرواية (اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً). فهذا نص على أن الخلع طلاق.
следующие страницы →