← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 832

شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (1 270 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

م/ ولا للعبد أن يجمعَ أكثر من زوجتين. أي: لا يجوز للعبد أن يجمع أكثر من اثنتين، لأنه قول عمر وعلي وغيرهما ولا مخالف لهما.

стр. 912

م/ وأما ملك اليمين: فله أن يطأ ما شاء. قال تعالى (فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) ولم يقيد قال تعالى (والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم .. ) ولم يحدد. فيجوز أن يطأ من ملك اليمين ما أراد.

стр. 913

م/ وإذا أسلم الكافر وتحته أختان: اختار إحداهما. أي: أن من أسلم وتحته أختان خُيّر فيمسك إحداهما ويطلق الأخرى لا محالة، وقد سبق أنه لا يجوز الجمع بين الأختين في النكاح. وقد جاء في ذلك حديث - مختلف في صحته - عن اَلضَّحَّاكِ بْنِ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنِّي أَسْلَمْتُ وَتَحْتِي أُخْتَانِ، فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ " طَلِّقْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَاَلدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَأَعَلَّهُ اَلْبُخَارِيُّ.

стр. 914

م/ أو عنده أكثر من أربع زوجات: اختار أربعاً، وفارق البواقي. أي: إذا أسلم الكافر وعنده أكثر من أربع زوجات فإنه يختار أربعاً ويفارق البواقي، وقد سبق أنه لا يجوز للحر أن يجمع في عصمته أكثر من أربع. وقد جاء في ذلك حديث: عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ (أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ أَسْلَمَ وَلَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، فَأَمَرَهُ اَلنَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَخَيَّرَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ، وَأَعَلَّهُ اَلْبُخَارِيُّ، وَأَبُو زُرْعَةَ، وَأَبُو حَاتِمٍ وغيرهم

стр. 915

م/ وتحرم المحرمِة حتى تحل من إحرامها. بدأ المصنف ﵀ بذكر المحرمات إلى أمد، وهن المحرمات لعارض قابل للزواج. فمنها: المحرمة حتى تحل من إحرامها، أي: وتحرم المحرمة حتى تحلَّ من إحرامها ﴿التحلل الثاني عند جمهور العلماء﴾. لحديث عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ وَلَا يَخْطُبُ) رواه مسلم. [لا ينكح] أي لا يتزوج ويعقد. [المحرِم] أي حال إحرامه بحج أو عمرة. [ولا يُنكِح] أي لا يعقد لغيره. [أو يخطب] أي يطلب زواج المرأة من نفسها أو من أهلها. • الحديث دليل على أن المحرم منهي أن ينكح: أي يتزوج، أو يُنكِح: بضم الياء أي يعقد لغيره. فالمحْرِم منهي ان يتزوج هو، أو يزوج غيره [كأن يكون ولياً في النكاح]. • الحكمة من النهي: أولاً: إبعاد المحرم عن الترف في شهوات الدنيا وملذاتها [يتفرغ المحرم لما جاء من أجله]. ثانياً: سد الذريعة، لان الخطبة وسيلة إلى عقد النكاح، وعقد النكاح وسيلة للجماع المحرم في حال الإحرام. • وذهب بعض العلماء إلى حديث ابن عباس (أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ). والصواب الأخْذ بحديث عثمان [لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ وَلَا يَخْطُبُ] وهو تحريم نكاح المحرم، وأما الجواب عن ما ورد عن ابن عباس: أن ميمونة نفسها صاحبة القصة قالت (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ) رواه مسلم. أن أبا رافع كان السفير بينهما قال: كنت السفير بينهما فتزوجها النبي ﷺ وهو حلال. وأن ابن عباس ربما لم يطلع ولم يعلم بالنكاح إلا بعد أن أحرم النبي ﷺ ، فظن أن النبي ﷺ تزوجها وهو محرم. • يجوز للمحرم أن يكون شاهداً لعقد النكاح، فالمحرّم هو أن يعقد هو أو يعقد لغيره أو يخطب.

стр. 916

م/ والمعتدة من الغير حتى يبلغ الكتاب أجله. أي: ومن المحرمات إلى أمد، المرأة التي في عدتها من الغير، فلا يحل لأحد نكاحها حتى تنقضي عدتها. لقوله تعالى (وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ) أي ولا تعقدوا عقد النكاح حتى تنتهي العدة والمراد: ببلوغ الكتاب أجله: انقضاء العدة، وقد نقل ابن رشد الاتفاق على أن النكاح لا يجوز في العدة. • قال ابن كثير: واختلفوا فيمن تزوج امرأة في عدتها، فدخل بها، فإنه يفرق بينهما، وهل تحرم عليه أبداً؟ على قولين: الجمهور على أنها لا تحرم عليه، بل له أن يخطبها إذا انقضت عدتها، وذهب الإمام مالك إلى أنها تحرم عليه على التأبيد.

стр. 917

م/ والزانية على الزاني وغيره حتى تتوب. أي: ومن المحرمات إلى أمد الزانية حتى تتوب، فلا يجوز لأحد أن ينكحها على زان أو غيره إذا علم زناها لقوله تعالى (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ). ﴿الزنا فعل الفاحشة في قبل أو دبر﴾ قال السعدي: أي: وحُرّم عليهم أن يُنكحوا زانياً، أو يَنكحوا زانية ..... وهذا دليل صريح على تحريم نكاح الزانية حتى تتوب، وكذلك إنكاح الزاني حتى يتوب. • وتحريم نكاح الزانية حتى تتوب، هو مذهب الإمام أحمد وجماعة من العلماء، وذهب بعض العلماء إلى الجواز لعموم قوله تعالى (وأحل لكم ما وراء ذالكم). • قوله (حتى تتوب) الصحيح أن توبتها كغيرها، أن نعلم صلاح حالها وتبعد عن مكان الريب ورجحه ابن قدامة. • قال بعض العلماء: إن توبتها أن تراود فتمتنع، لكن هذا القول ضعيف لأسباب ذكرها الشيخ ابن عثيمين ﵀ منها: إنه بالمراودة قد تعود بعد أن تابت _ وأن هذا المراوِد لا يأمن على نفسه لو وافقته _ أن المراودة إما بخلوة وهذا حرام وإما بحضرة ناس فإنها لن تطيع.

стр. 918

م/ وتحرم مطلقتُه ثلاثاً حتى تنكح زوجاً غيره، ويطؤها ويفارقها وتنقضي عدتها. أي: ومن المحرمات إلى أمد مطلقته ثلاثاً، فإنها تحرم عليه حتى تنكح زوجاً غير زوجها نكاحاً صحيحاً، ثم يطلقها بعد ذلك، فيجوز للأول إعادتها. فمن طلق زوجته آخر ثلاث تطليقات، فإنها لا ترجع إليه إلا بشروط: الشرط الأول: أن تنكح زوجاً غيره. لقوله تعالى (فَإِنْ طَلَّقَهَا [يعني الثالثة] فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَه). ولحديث عَائِشَةَ قَالَتْ جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَتْ كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِى فَبَتَّ طَلَاقِى فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ وَإِنَّ مَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِى إِلَى رِفَاعَةَ لَا حَتَّى تَذُوقِى عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ». قَالَتْ وَأَبُو بَكْرٍ عِنْدَهُ وَخَالِدٌ بِالْبَابِ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فَنَادَى يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَا تَسْمَعُ هَذِهِ مَا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ متفق عليه. [فبت طلاقي] البت بمعنى القطع. يحتمل أنه قال لها: أنت طالق البتة، ويحتمل أنه طلقها الطلقة الأخيرة، وهذا الراجح، فقد جاء عند البخاري: (طلقني آخر ثلاث تطليقات) فيكون طلقها ثم راجعها ثم طلقها ثم راجعها ثم طلقها. [عبد الرحمن بن الزَّبير] الزَّبِير: بفتح الزاي، بعدها باء مكسورة. [مثل هدبة الثوب] هدبة بضم الهاء وسكون الدال هو طرف الثوب، وأرادت أن ذكره يشبه الهدبة في الاسترخاء وعدم الانتشار. [عسيلته] العسيلة حلاوة الجماع الذي يحصل بتغييب الحشفة في الفرج، قال الجمهور: ذوق العسيلة كناية عن المجامعة، وهو تغييب حشفة الرجل في فرج المرأة.

стр. 919

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الشرط الثاني: أن يجامعها في الفرج. لقوله ﷺ : (حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته) فعلق النبي ﷺ الحل على ذواق العسيلة منها، ولا يحصل هذا إلا بالوطء في الفرج. ولقوله (حتى تنكح زوجاً غيره) فالمراد بالنكاح هنا الوطء لدلالة حديث عائشة السابق. وهذا مذهب جمهور العلماء أنه لا بد من الجماع، قال ابن المنذر: أجمع العلماء على اشتراط الجماع لتحل للأول، إلا سعيد بن المسيب. يعني أنه قال: يكفي العقد. • يكفي لحلها لمطلقها ثلاثاً، تغييب حشفة الرجل في الفرج، ولا بد من انتشار الذكر. • لا يشترط الإنزال، وهذا مذهب الجمهور خلافاً للحسن البصري. الشرط الثالث: أن يكون النكاح صحيحاً. فإن كان فاسداً كنكاح التحليل أو الشغار، فإنه لا يحلها وطئها. ونكاح التحليل هو: أن يعمد الرجل إلى المرأة المطلقة ثلاثاً فيتزوجها ليحلها لزوجها الأول. وهو حرام ولا تحل به المرأة لزوجها الأول. لحديث ابن مسعود قال: (لعن رسول الله المحلل والمحلل له). رواه أحمد والترمذي وسماه النبي ﷺ تيساً مستعاراً. فمتى نوى الزوج الثاني أنه متى حللها طلقها، فإنه لا تحل للأول، والنكاح باطل. فالملعون على لسان الرسول ﷺ هو: المحلل: هو الزوج الثاني إذا قصد التحليل ونواه، وكان عالماً. والمحلل له: هو الزوج الأول، فيلحقه اللعن إذا كان عالماً. (وستأتي المسألة إن شاء الله).

стр. 920

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . • لو وطأها الثاني بحيض أو نفاس أو إحرام، هل تحل؟ قيل: لا تحل بالوطء المحرَّم. قالوا لأنه وطء حرام لحق الله، فلم يحصل به الإحلال. وقيل: أنه يحلها. وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي، ورجحه ابن قدامة في المغني، حيث قال: وظاهر النص حلها، وهو قوله تعالى (حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) وهذه قد نكحت زوجاً غيره، وأيضاً قوله ﷺ : (حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتك) وهذا قد وُجِد، ولأنه وطء في نكاح صحيح في محل الوطء على سبيل التمام فأحلها كالوطء الحلال، وهذا أصح إن شاء الله، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي. وهذا هو الصحيح. • الحكمة من كون الزوج الأول لا يحل له نكاح مطلقته ثلاثاً حتى تنكح زوجاً غيره: أولاً: تعظيم أمر الطلاق، حتى لا يكثر وقوعه، فإنه إذا علم أنه لا ترجع إليه بعد الثلاث حتى يتزوجها غيره، لم يستعجل بإيقاعه. ثانياً: الرفق بالمرأة، فإن المرأة إذا طلقت ثلاثاً فإنها تتزوج غيره، وقد يكون خيراً من زوجها الأول فتسعد به.

стр. 921

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مسائل لم يذكرها المصنف: • لا يحل لكافر أن ينكح مسلمة، أياً كان نوع كفره، يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً. لقوله تعالى (ولا تُنكحوا المشركين حتى يؤمنوا). وقال تعالى (فإن علمتوهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن). والنظر يقتضي ذلك: فإنه لا يمكن أن يكون للكافر سلطة على المسلم أو المسلمة. • ولا يجوز للمسلم أن يتزوج كافرة إلا الحرة الكتابية. لقوله تعالى (ولا تَنكحوا المشركات حتى يؤمنّ). قال ابن كثير: هذا تحريم من الله على المؤمنين أن يتزوجوا المشركات من عبدة الأوثان، ثم إن كان عمومها مراداً وأنه يدخل فيها كل مشركة من كتابية ووثنية فقد خص من ذلك نساء أهل الكتاب بقوله: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين. وقال تعالى (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) (الكوافر) جمع كافرة. أما الحرة الكتابية فيجوز، لقوله تعالى (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين)، (والمراد بالمحصنات هنا العفيفات). • لا يجوز للحر المسلم أن يتزوج الأمة المسلمة إلا بشرطين: الشرط الأول: أن يخاف العنت، وهو المشقة بعدم الزواج ويخشى الزنا. الشرط الثاني: أن يعجز عن مهر الحرة. قال تعالى (ومَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ … ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ). والحكمة من أن الحر لا يتزوج أمة كما قال الإمام أحمد: لأنه إذا تزوج الأمة رق نصفه، أي صار رقيقاً، لأن الأولاد يكونون أرقاء تبعاً لأمهم.

стр. 922

م/ ويجوز الجمع بين الأختين بالملك، ولكن إذا وطئ إحِداهما لم تحل له الأخرى حتى يحرّم الموطوءة بإخراج عن ملكه، أو تزوجٍ لها بعد الاستبراء. أي يجوز أن يجمع بين الأختين في الملك. وقوله (بالملك) احترازاً من عقد النكاح. فلا يجوز الجمع كما تقدم. قوله (ولكن إذا وطئ إحداهما .... ) يعني لو أنه ملك أختين (أمَتَيْن) فله أن يطأ أيهما شاء، لكن إن وطأ الأولى فلا يحل له أن يطأ الثانية حتى يخرج الأولى عن ملكه، لأنه لو وطأ الأولى ووطأ الثانية فإنه يكون قد جمع في ملكه بين أختين موطوءتين.

стр. 923

كتاب الرضاع الرضاع لغة: مص الثدي. واصطلاحاً: هو مص طفل صغير لبن امرأة أو شربه ونحوه. • والتحريم بالرضاع ثابت بالكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة) ذكرهما في جملة المحرمات. وعن عائشة. أن النبي ﷺ قال (يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة) متفق عليه. وعن ابن عباس. قال: قال رسول الله ﷺ (يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب) متفق عليه. وأجمع العلماء على التحريم بالرضاع. قاله في المغني. م/ والرضاع المحرّم: ما كان قبل الفطام. أي أن الرضاع يكون محرِّماً إذا ارتضع الطفل قبل الفطام، وهذا الشرط الأول من شروط الرضاع المحرم، وجمهور العلماء أن الرضاع المحرّم ما كان في الحولين. لقوله تعالى (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة). قال ابن كثير: هذا إرشاد من الله للوالدات أن يرضعن أولادهن كمال الرضاعة وهي سنتان، فلا اعتبار بالرضاعة بعد ذلك، ولهذا قال [لمن أراد أن يتم الرضاعة] وذهب أكثر الإئمة إلى أنه لا يحرم من الرضاع إلا ما كان دون الحولين، فلو ارتضع المولود وعمره فوقها لم يحرم. ولحديث عَائِشَةُ قالت (دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدِى رَجُلٌ قَاعِدٌ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِى وَجْهِهِ قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ أَخِى مِنَ الرَّضَاعَةِ. قَالَتْ فَقَالَ «انْظُرْنَ إِخْوَتَكُنَّ مِنَ الرَّضَاعَةِ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ) متفق عليه. فهذا دليل على أن الرضاعة المعتبرة التي يثبت بها الحرمة، وتحل بها الخلوة، هي حيث يكون الرضيع طفلاً يسد اللبن جوعته. ومثله حديث أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : (لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام) رواه الترمذي وصححه. … قوله (الثدي) أي وقت الحاجة إلى الثدي، أي في الحولين. وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (لا رضاع إلا ما شد العظم، وأنبت اللحم). رواه أبو داود وذهب بعض العلماء إلى أن رضاع الكبير يُحَرّم. وهذا قول عائشة ونصره ابن حزم. لحديث عائشة قالت: (جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني أرى في وجه حذيفة من دخول سالم [وهو حليفه] فقال النبي ﷺ : أرضعيه، قالت: وكيف أرضعه وهو رجل كبير، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: علمت أنه رجل كبير). رواه مسلم قال النووي: قالت عائشة وداود: تثبت حرمة الرضاع برضاع البالغ، كما تثبت برضاع الطفل، لهذا الحديث. والراجح مذهب الجمهور، وهو أن رضاع الكبير غير مؤثر. وأما الجواب عن حديث سهلة، فقد أجاب العلماء بأجوبة: أولاً: أن هذه الحادثة رخصة خاصة بسالم، فلا يتعداه إلى غيره، ولذلك فإن أمهات المؤمنين سوى عائشة، أبَيْن أن يعملن بهذه الحادثة، لأنهن كنا يرين أن ذلك رخصة لسالم. ثانياً: أنه حكم منسوخ، وبه جزم المحب الطبري في أحكامه، وقرره بعضهم بأن قصة سالم كانت في أوائل الهجرة، والأحاديث الدالة على اعتبار الحولين من رواية أحداث الصحابة، فدل على تأخرها، وهو مستند ضعيف، إذ لا يلزم من تأخر إسلام الراوي، ولا صغره، أن لا يكون ما رواه متقدماً. [قاله في الفتح] ثالثاً: قول الشوكاني، حيث قال: إن الرضاع يعتبر فيه الصغر إلا فيما دعت إليه الحاجة، كرضاع الكبير الذي لا يستغنى عن دخوله على المرأة، ويشق احتجابها منه، وإليه ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا هو الراجح عندي، وبه يحصل الجمع بين الأحاديث، وذلك بأن تجعل قصة سالم المذكورة مخصصة لعموم: (إنما الرضاع من المجاعة) (ولا رضاع إلا في الحولين) (ولا رضاع إلا ما فتق الأمعاء).

стр. 924

م/ وهو خمس رضعات فأكثر. هذا الشرط الثاني من شروط المحرّم وهو: أن يكون خمس رضعات فأكثر. وهذه المسألة اختلف فيها العلماء على أقوال: القول الأول: أن قليل الرضاع وكثيره محرِّم. وهذا مذهب جمهور العلماء. واستدلوا بالعمومات، كقوله تعالى: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ … ) ففي هذه الآية علقت التحريم على مطلق الإرضاع، فحيث وجد وجد حكمه. وعموم قوله ﷺ : (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب). وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ﵁ (أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إهَابٍ، فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَأَعْرَضَ عَنِّي. قَالَ: فَتَنَحَّيْت، فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ. قَالَ: كَيْفَ؟ وَقَدْ زَعَمَتْ أَنْ قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر الزوج أن يترك زوجته لمجرد علمه بأنهما رضعا من ثدي واحد دون أن يسأل عن عدد الرضعات، فدل ذلك على أن مطلق الإرضاع يثبت به التحريم. وعموم قوله ﷺ : (إنما الرضاعة من المجاعة). متفق عليه القول الثاني: أن المحرم ثلاث رضعات. وهو قول داود، وأبي ثور، وابن المنذر. لحديث عَائِشَة قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ) رواه مسلم. وجه الدلالة: أن النبي ﷺ صرح فيها أن المصة والمصتان لا تحرمان، فيكون ما فوقهما مُحرِّم، وهو الثلاث، لأن ذلك لو لم يكن محرماً لبينه النبي ﷺ .

стр. 925

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . القول الثالث: أن المحرم خمس رضعات. قال ابن قدامة: هذا هو الصحيح في المذهب، وروي هذا عن عائشة وابن الزبير وابن مسعود وعطاء وطاووس. ورجحه الصنعاني والشوكاني. عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ (كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ. ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ) رواه مسلم. وهذا القول هو الصحيح. أما أدلة القول الأول: فهي عمومات، وقد قيدت بالسنة بعدد معين من الرضاعة، كما في حديث عائشة وأما أدلة القول الثاني (لا تحرم المصة والمصتان): هذا الاستدلال بالمفهوم، وهو لا يعمل به إلا عند القائلين به، إلا إذا لم يكن هناك منطوق يعارضه، وقد جاء ما يعارضه مثل حديث عائشة المثبت للتحريم بخمس رضعات. • مقدار الرضعة: الرضعة: المراد بها الوجبة التامة التي يأخذها الطفل وإن تخللها تنفّس او انفصال من ثدي الى آخر أوجاء الطفل ما يلهيه، فالمراد: أن يترك الثدي عن ريٍ وطيب نفس. [هذا هو ضابط الرضعة]. فاذا جاءت امرأة ووضعت الطفل على حضنها ثم التقطم الثدي ثم تركه للتنفس ثم رجع أو أنها نقلته من ثدي الى آخر في الحال فهذه كلها رضعة واحدة، لأن ضابط الرجعة لم يرد لها دليل من الشرع فيرجع فيها الى اللغة والى العرف. ففي اللغة: الرضعة اسم للمرة، وأما العرف، فان الناس لا يعدون الأكلة إلا الوجبة التامة وان تخللها ما تخللها. وهذا قول الشافعي ونصره ابن القيم في زاد المعاد واختاره الشيخ السعدي. وقيل: الرضعة أن يلتقم الطفل الثدي ثم يتركه سواء يتركه اضطراراً او اختياراً ولو للتنفس فهذه رضعة فلو عاد فرضعة ثانية.

стр. 926

م/ فيصير به الطفل وأولاده أولاداً للمرضعة وصاحب اللبن. ذكر المصنف ﵀ الحكم المترتب على الرضاع. أي: إن الرضاع المحرّم يصير الطفل المرتضع ولداً للمرضعة في: النكاح [في تحريم النكاح] والنظر [في جوازه] والخلوة [في جوازها] والمحرمية في السفر ونحوه، وولد من نُسبَ لبنها إليه، دون بقية الأحكام، فلا يصير ولداً لها في وجوب نفقتها عليه، وكونها ترثه ويرثها، والولاية في النكاح والمال، فهذه لا تترتب على الرضاع.

стр. 927

م/ وينتشر التحريم من جهة المرضعة وصاحب اللبن كانتشار النسب. ذكر المصنف ﵀ قاعدة من قواعد الرضاع: فالقاعدة في الرضاع: أن الرضاع ينتشر إلى المرتضع وفروعه فقط دون أصول وحواشي المرتضع، فلا يتعدى التحريم إلى غير المرتضع ومن هو في درجته من إخوته وأخواته، ولا إلى من فوقه من آبائه وأمهاته، ومن في درجتهم من أعمامه وعماته وأخواله وخالاته. وينتشر إلى أصول وفروع وحواشي المرضعة، فأولاد الزوج والمرضعة إخوة المرتضع وأخواته، وآباؤهما أجداده وجداته، وإخوة المرأة وأخواتها أخواله وخالاته، وإخوة صاحب اللبن وأخواته أعمامه وعماته. مثال: فإذا أرضعت المرأة طفلاً صار ولداً لها، وصار إخوة المرأة وأخواتها أخواله وخالاته، وإخوة الرجل وأخواته أعمامه وعماته. فلا تحرم المرضعة على أبي المرتضع ولا أخيه، ولا تحرم أم المرتضع ولا أخته على أبيه من الرضاع ولا أخيه. • إذا كان المرضع رجلاً فإنه لا يثبت به التحريم. وهذا مذهب جمهور العلماء. لقوله تعالى (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم) ولفظ الأم لا يتناول إلا الإناث. • إذا كانت المرضعة ميتة فإنه يثبت التحريم. وهذا مذهب جمهور العلماء. لعموم الأدلة، فهي لم تفرق بين لبن من هي على قيد الحياة ومن فقدت الحياة. • لا يشترط أن يكون اللبن ناشئاً عن حمل. وعليه فلو كانت بكراً ودر منها لبن فإنه يثبت به التحريم، وهذا مذهب جمهور العلماء. لقوله تعالى (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم .. ). قال في المغني (ولأنه لبن فتعلق به التحريم كما لو ثاب بوطء). وقيل: يشترط أن يكون اللبن ناشئاً عن حمل. • يثبت التحريم سواء وصل اللبن للرضيع عن المص أو الوجور أو السعوط. لعموم قوله تعالى (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم .. ). فلم تفرق الآية بين أن يكون الإرضاع عن طريق امتصاص الثدي أو غيره. ولأن العلة في التحريم بالارتضاع هو وصول اللبن إلى جوف الرضيع فيتغذى به ويسد جوعه وذلك متحقق في الوجور والسعوط.

стр. 928

باب الشروط في النكاح م/ وهي ما يشترطه أحد الزوجين على الآخر. أي: أن الشروط في النكاح: هي ما كان من وضع العاقدين. والفرق بينها وبين شروط النكاح: أن شروط النكاح من وضع الشارع، والشروط في النكاح من وضع العاقد. أن شروط النكاح يتوقف عليها صحة النكاح، وأما الشروط في النكاح فلا يتوقف عليها صحة النكاح وإنما يتوقف عليها لزومه. شروط النكاح لا يمكن إسقاطها، والشروط في النكاح يمكن إسقاطها. (وقد تقدم ذلك).

стр. 929

م/ وهي قسمان. أي أن الشروط في النكاح تنقسم إلى قسمين.

стр. 930

م/ صحيح. هذا النوع الأول من أنواع الشروط، وهو: الشروط الصحيحة، وهو كل شرط لا يستلزم وقوعه في محرم. • وليعلم أنه يجب الوفاء بالشروط وخاصة شروط النكاح. قال تعالى:﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴿. وقال تعالى:﴾ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً ﴿. وهناك حديث خاص في المسألة وهو حديث عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنَّ أَحَقَّ الشَّرْطِ أَنْ يُوفَى بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ) متفق عليه. [توفوا] أي تؤتوها وافية كاملة. [ما استحللتم به الفروج] أي أحق الشروط بالوفاء شروط النكاح، لأن أمره أحوط وبابه أضيق فالحديث يبين أنه ينبغي لكل من الزوجين الوفاء بالشروط في النكاح، فأحق شرط يجب الوفاء به وأولاه، هو ما استحل به الفرج. ثم ذكر المصنف ﵀ بعض أنواع الشروط الصحيحة:

стр. 931

م/ كاشتراط أن لايتزوج عليها. أي: كأن تشترط الزوجة أن لا يتزوج عليها، فهذا الشرط صحيح، فإن نكث بالشرط وتزوج عليها كان من حقها فسخ النكاح، لأنها إنما قبلت بالزواج منه على هذا الشرط. وذهب بعض العلماء: إلى أن الزواج صحيح، وأن هذه الشروط ملغاة لا يلزم الزوج الوفاء بها. وهو مذهب الشافعي وآخرين، واستدلوا: أن رسول الله ﷺ قال (المسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً)، قالوا: وهذا الشرط الذي اشترط يحرم الحلال، وهو التزوج والتسري وغير ذلك. ولقوله ﷺ (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط) متفق عليه. وقالوا: وهذا ليس في كتاب الله، لأن الشرع لا يقتضيه. وقالوا: إن هذه الشروط ليست من مصلحة العقد ولا مقتضاه.

стр. 932

م/ أو لا يتسرى. أي: ومن الشروط الصحيحة أن تشترط أن لا يتسرى عليها، أي: أن لا يطأ أمَة، فهذا شرط صحيح. • والأمَة التي يطؤها تسمى سُريّة لأنها غالباً توطأ سراً، فتسمى سرية.

стр. 933

م/ ولا يخرجها من دارها أو بلدها أو زيادة مهر أو نفقة أو نحو ذلك. هذه أيضاً أمثلة أخرى للشروط الصحيحة، فإذا اشترطت أن لا يخرجها من دارها أو بلدها، أو اشترطت زيادة في مهرها أو زيادة في نفقتها، صح الشرط، ووجب الوفاء به، للحديث السابق (إن أحق الشروط أن توفا به … ). • إن شرط أن يقسم لها أقل من ضرتها. فهذا يصح. لحديث سودة (أنها جعلت يومها لعائشة على أن تبقى زوجة للرسول ﷺ متفق عليه. • إن شرط أن لا نفقة لها. الصحيح أنه يصح، لأن المرأة قد ترغب بالزوج لدينه وخلقه ويكون هو فقير.

стр. 934

م/ ومنها شروط فاسدة. هذا القسم الثاني من أقسام الشروط وهو الشروط الفاسدة، وهو أنواع كما سيأتي، فمنها شروط مبطلة للنكاح. ومنها ما ذكرها المصنف ﵀ فقال:

стр. 935

م/ كنكاح المتعة، ورخص النبي ﷺ في المتعة أولاً ثم حرمها. أي من الشروط الفاسدة الباطلة نكاح المتعة. المتعة: هي النكاح إلى أجل محدد بمهر. قال ابن قدامة: معنى نكاح المتعة أن تزوج المرأة مدة، مثل أن يقول زوجتك ابنتي شهراً أو سنة. وقال الحافظ ابن حجر: يعني تزويج المرأة إلى أجل، فإذا انقضى وقعت الفرقة. • حكم نكاح المتعة. حرام، وهو مذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل الفقه والحديث. قال الخطابي: تحريم المتعة كالإجماع إلا عن بعض الشيعة. عن الرَّبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ الْجُهَنِىُّ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عام الفتح فَقَالَ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّى قَدْ كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِى الاِسْتِمْتَاعِ مِنَ النِّسَاءِ وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شَىْءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهُ وَلَا تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً). وفي رواية (أن رسول الله ﷺ نهىَ يومَ الفتحِ عن مُتعَةِ النسَاء). رواه مسلم. وعَنْ سَلَمَةَ بن الأَكْوَع قَالَ (رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ أَوْطَاسٍ فِى الْمُتْعَةِ ثَلَاثاً ثُمَّ نَهَى عَنْهَا). رواه مسلم [عام أوطاس] أي سنة غزوة أوطاس، وأوطاس واد في الطائف، غزوة أوطاس في شوال سنة ٨ هـ[فتح مكة في رمضان وأوطاس في شوال] وعَنْ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ) • وقد كان هذا النكاح مباحاً في أول الإسلام، ثم نهى عنه النبي ﷺ . كما في حديث الباب [الربيع بن سبرة].

стр. 936

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . • وسبب إذن النبي ﷺ للصحابة بالاستمتاع بالنساء هو الحاجة والحرب. • ففي حديث ابن مسعود قال (كنا نغزوا مع رسول الله ﷺ ليس معنا نساء، فقلنا ألا نختصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا بعد أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل) متفق عليه. • وذكر أبو ذر كما رواه عنه البيهقي بسند حسن: (أن الرسول ﷺ أذن لهم فيها لحربهم ولخوفهم). وعن أبي جمرة قال (سمعت ابن عباس يُسأل عن متعة النساء فرخص، فقال مولى له: إنما ذلك في حال الشديد وفي النساء قلة؟ فقال: نعم) • وفي حديث جابر وسلمة بن الأكوع قالا (كنا في جيشٍ فأتانا رسولُ رسولِ الله ﷺ فقال: إنه قد أذن لكم أن تستمتعوا فاستمتعوا) رواه البخاري. فقوله (في جيش) تدل على أن الحال حال غزو. • ولحديث سبرة: (أن أباه حدثه أنه كان مع رسول الله ﷺ يوم الفتح، فقال: يا أيها الناس، إني قد كنت آذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة). قال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر هذه الآثار: هذه أخبار يقوي بعضها بعضاً، وحاصلها أن المتعة إنما رخص فيها بسبب العزبة في حال السفر. • وقد وقع الخلاف بين العلماء متى كان تحريم نكاح المتعة وهل حرمت ثم أبيحت ثم حرمت أو حرمت مرة واحدة على أقوال: القول الأول: أن تحريمها كان عام خيبر. وهذا قول الشافعي وغيره. لحديث عَلِىِّ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ).

стр. 937

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . القول الثاني: أنها حرمت عام الفتح. ورجحه ابن القيم. لحديث سبرة الماضي، فإن فيه التصريح أن التحريم كان عام الفتح. والرواية الصحيحة عن سبرة أنها عام الفتح. جاء في رواية لحديث سبرة: (أن رسول الله ﷺ نهى عنها في حجة الوداع). رواه أبو داود لكن هذه الرواية شاذة، كما قال البيهقي، ولذلك قال الحافظ ابن حجر: الرواية عنه بأنها في الفتح أصح وأشهر. والراجح أنها حرمت عام الفتح كما قال ابن القيم. • الحكمة من تحريم نكاح المتعة: لأن المقصود من النكاح هو العشرة الدائمة، وبناء البيت والأولاد، وهذا لا يمكن مع النكاح المؤجل في الحقيقة، كأنه استئجار للزنا.

стр. 938

م/ والتحليل. أي: ومن الشروط الفاسدة التي تبطل النكاح: نكاح التحليل. ونكاح التحليل هو: أن يعمد الرجل إلى المرأة المطلقة ثلاثاً فيتزوجها ليحلها لزوجها الأول. وهو حرام ولا تحل به المرأة لزوجها الأول. لحديث ابن مسعود قال: (لعن رسول الله ﷺ المحلل والمحلل له). رواه أحمد والترمذي وسماه النبي ﷺ تيساً مستعاراً. فمتى نوى الزوج الثاني أنه متى حللها طلقها، فإنه لا تحل للأول، والنكاح باطل. فالملعون على لسان الرسول ﷺ هو: المحلل: هو الزوج الثاني إذا قصد التحليل ونواه، وكان عالماً. والمحلل له: هو الزوج الأول، فيلحقه اللعن إذا كان عالماً. قال ابن القيم: وسمعت شيخ الإسلام يقول: نكاح المتعة خير من نكاح التحليل من أوجه: أحدها: أن نكاح المتعة كان مشروعاً في أول الإسلام، ونكاح التحليل لم يشرع في زمن من الأزمان. الثاني: أن الصحابة تمتعوا على عهد النبي ﷺ ، ولم يكن في الصحابة محلل قط. الثالث: أن رسول الله ﷺ لم يجيء عنه في لعن المستمتِع والمستمتَع بها حرف واحد، وجاء عنه في لعن المحلِلل والمحلَل له.

стр. 939

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الرابع: أن المستمتِع له غرض صحيح في المرأة، ولها غرض أن تقيم معه مدة النكاح، فغرضه المقصود بالنكاح مدة، والمحلل لا غرض له سوى أنه مستعار للضراب كالتيس، فنكاحه غير مقصود له، ولا للمرأة، ولا للولي، وإنما هو كما قال الحسن: مِسمار نار في حدود الله، وهذه التسمية مطابقة للمعنى. الخامس: أن المستمتع لم يَحْتَل على تحليل ما حرم الله، فليس من المخادعين الذين يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان، بل هو ناكح ظاهراً وباطناً، والمحلل ماكر مخادع، متخذ آيات الله هزواً، ولذلك جاء في وعيده ولعنه ما لم يجيء في وعيد المستمتع مثله، ولا قريب منه. السادس: أن الفِطَر السليمة، والقلوب التي لم يتمكن منها مرض الجهل والتقليد، تنفر من التحليل أشد نفار، وتُعيِّر به أعظم تعيير، حتى إن كثيراً من النساء تعيّر المرأة به أكثر مما تعيرها بالزنا. السابع: أن المحلل من جنس المنافق، فإن المنافق يُظهِر أنه مسلم ملتزم لعقد الإسلام ظاهراً وباطناً، وهو في الباطن غير ملتزم به له، وكذلك المحلل يظهر أنه زوج، وأنه يريد النكاح، ويُسمِّي المهر، ويُشهِد على رضا المرأة، وفي الباطن بخلاف ذلك.

стр. 940

م/ والشغار. أي: ومن الشروط الفاسدة التي تبطل النكاح: نكاح الشغار. الشغار: بالتشديد والكسر من شغر الكلب برجله إذا رفعها، بال أو لم يبل، أو من شغر المكان من أهله، أو من شغرت القرية من أميرها. واصطلاحاً: أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق، وسمي نكاح الشغار شغاراً: لأن المتزوجين يرفعان المهر بينهما، أو أنهما يخليان النكاح من المهر. • نكاح الشغار حرام ويبطل النكاح. عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الشِّغَارِ، وَالشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ) متفق عليه. عن ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ (لَا شِغَارَ فِى الإِسْلَامِ) رواه مسلم. قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن نكاح الشغار لا يجوز. • اختلف العلماء إذا وقع نكاح الشغار على أقوال: القول الأول: أن النكاح باطل، سواء وقع قبل الدخول أم بعده. وهذا مذهب جمهور العلماء. لحديث الباب، وفيما معناه من الآثار التي تدل على النهي عن نكاح الشغار، وأن النهي عن الشيء حكم بفساده وبطلانه. القول الثاني: أنه إذا وقع على صورة الشغار، فهو صحيح، ويجب فيه مهر المثل. وهذا مذهب أبي حنيفة، والراجح الأول.

стр. 941

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . • العلة من التحريم: قال ابن القيم ﵀: واختلف في علة النهي: فقيل: هي جعل كل واحد من العقدين شرطاً في الآخر. وقيل: العلة التشريك في البُضع، وجعل بضع كل واحدة مهراً للأخرى، وهي لا تنتفع به، فلم يرجع إليها المهر، بل عاد المهر إلى الولي، وهو ملكه لبضع زوجته بتمليكه لبضع موليته، وهذا ظلم لكل واحدة من المرأتين، وإخلاء لنكاحهما عن مهر تنتفع به، وهذا هو الموافق للغة العرب ". • ومن الحكم: أن الغالب أن الولي لا يختار الكفء لموليته، لأنه يريد شخصاً يزوجه ويبادله. • اختلف العلماء لو سمى المهر: في هذه المسألة قولان للعلماء: القول الأول: أنه يصح. لتفسير نافع: (وليس بينهما صداق) فإذا جعل صداقاً فليس بشغار. القول الثاني: أنه لا يصح ولو سمي مهراً. وهذا القول هو الصحيح. لما جاء أن العباس بن عبد الله بن العباس: (أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته، وأنكحه عبد الرحمن ابنته، وكانا جعلا صداقاً، فكتب معاوية إلى مروان يأمره بالتفريق بينهما، وقال في كتابه: هذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله ﷺ . رواه أبو داود وهو حديث حسن فهذا معاوية قضى بالتفريق بين الزوجين الذين تزوجا بالشغار وكانا جعلا صداقاً. • قال النووي: وأجمعوا على أن غير البنات من الأخوات، وبنات الأخ، والعمات، وبنات الأعمام، والإماء، كالبنات في هذا. • قال بعض العلماء: إذا توفرت في هذا النكاح ثلاثة شروط فإنه يصح ولا محظور وهي: رضا الزوجين، ومهر المثل، وأن يكون الزوج كفواً، وممن ذهب إلى هذا القول الشيخ ابن عثيمين ﵀. • لو اشترطت المرأة طلاق ضرتها فإن هذا شرط باطل. لحديث أبي هريرة. قال: (نهى رسول الله ﷺ أن تسأل المرأة طلاق أختها لتكفئ ما في صحفتها، فإن الله رازقها) متفق عليه. وفي رواية: (لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفئ ما في إنائها). وفي رواية (لا تشترط المرأة طلاق أختها) رواه أحمد.

стр. 942

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [ولا تسأل المرأة] أي المرأة الأجنبية. [أختها] أي أختها في الدين، وفي التعبير باسم الأخت تشنيع لفعلها وتأكيد للنهي عنه، وتحريض لها على تركه. [لتكفئ ما في إنائها] هذا تمثيل لإمالة الضرة حق صاحبتها من زوجها إلى نفسها إذا سألت الطلاق. • يحرم على المرأة [سواء الزوجة الأخرى أو أي امرأة] أن تطلب من الزوج أن يطلق زوجته. لأن هذا عدوان على حقها. • إذا وقع هذا الشرط فالشرط باطل ولا يصح، ورجح هذا القول في المغني وهو اختيار ابن تيمية وابن القيم. • … إن شرطت الزوجة الجديدة أن يقسم لها أكثر من ضرتها. فهذا شرط لا يصح. لأنه متضمن للجور، وكذلك يتضمن إسقاط حق الغير بغير إذنه. • إن شرط لا مهر لها. قال بعض العلماء: يصح النكاح دون الشرط، واختار ابن تيمية أن هذا الشرط فاسد مفسد. لقوله تعالى:﴾ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ ﴿. فشرط الله للحل أن تبتغوا بأموالكم، وما كان مشروطاً في الحل، فإن الحل لا يتم إلا به. ولأنه إذا تزوجها بلا مهر، صار ذلك بمعنى الهبة، ومعلوم أن الهبة خاصة بالرسول ﷺ .

стр. 943

باب العيوب في النكاح العيوب: لغة جمع عيب وهو النقص. واصطلاحاً: نقصٌ عقلي أو بدني في أحد الزوجين يمنع من تحصيل مقاصد النكاح أو التمتع بالحياة الزوجية. • ذهب جمهور العلماء إلى ثبوت فسخ النكاح إذا وجد عيب بأحد الزوجين. وذهب الحنفية إلى أن الزوج لا حق له في الفسخ إذا وجد زوجته معيبة، استغناءً بما جعل له الشرع من الطلاق، وستراً على المرأة، وتجنباً للتشهير بها، وأما الزوجة فيقولون: إن كانت عيوباً منفرة فلا فسخ لها، وإن كان العيب يمنع الوطء فلها الفسخ. • اختلف العلماء في العيوب التي يفسخ بها النكاح. بعض العلماء خصصها بعيوب معينة كعيوب الفرج والجذام والبرص والجنون، قالوا: لأن هذا هو المروي عن الصحابة فلا نتعداه لغيره. ومنهم من عمم بكل عيب يصدق أنه عيب. والأظهر في هذه المسألة ما ذكره ابن القيم: هو كل عيب يمنع استمتاع الزوجين أو ينفر عن كماله أو يخشى تعدية أو لا يحصل معه مقصود النكاح من الرحمة والمودة فإن هذا يثبت الخيار، وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية واختيار الشيخ السعدي. وعلى هذا: فالعمى عيب، وكذلك الخرس، وكذلك قطع أحد الأعضاء. • الأصل في هذا الباب: ما ورد عن عمر، وابنه، وابن عباس وغيرهم. (لم يرد شيء مرفوع إلى النبي ﷺ . والقياس على العيوب في البيع. وقد اتفق الأئمة الأربعة على ثبوت التفريق بالعيب بين الزوجين. • و العيوب ثلاثة أقسام: قسم مشترك بين الزوجين. وقسم مختص بالزوجة. وقسم مختص بالزوج.

стр. 944

م/ إذا وجد أحد الزوجين بالآخر عيباً لم يعلم به قبل العقد كالجنون والجذام والبرص ونحوها، فله فسخ النكاح. أي: إذا وجد أحد الزوجين بالآخر عيباً كالجنون والجذام والبرص فله فسح النكاح. الجنون: وهو من العيوب المشتركة بين الزوجين، فإن كان في أحد الزوجين جنون ثبت الخيار للآخر، لأن النفس لا تسكن إلى مَنْ هذه حاله. والجذام: بضم الجيم، وهو علة يحمر منها العضو ثم يسود ثم يتقطع ويتناثر، ويتصور ذلك في كل عضو، لكنه في الوجه أغلب. والبرص: بفتح الباء والراء وهو بياض الجلد. والقاعدة في ذلك ما ذكره ابن القيم: كل عيب ينفر منه الزوج الآخر لا يحصل به مقصود النكاح من الرحمة والمودة يوجب الخيار، وهو أولى من البيع، ومن تدبر مقاصد الشرع في مصادره وموارده وعدله وحكمته وما اشتمل عليه من المصالح لم يخف عليه رجحان هذا القول وقربه من قواعد الشرع. • يثبت الخيار لمن لم يرض بالعيب من الزوجين ولو كان به عيب مثله أو مغاير له، لأن الإنسان لا يأنف من عيب نفسه. • إذا رضي أحدهما بعيب الآخر، أو وجد منه دليل الرضى مع علمه بالعيب فلا خيار له بعد ذلك، لأن الحق له وقد أسقطه. • لا يتم الفسخ إلا عند حاكم وذلك لسببين: الأول: لقطع النزاع. الثاني: ولأن بعض العيوب مختلف فيها وحكم الحاكم يرفع الخلاف.

стр. 945

م/ وإذا وجدتُه عنّيناً: أجل إلى سنة، فإن مضت وهو على حاله فلها الفسخ. أي: وإذا وجدت المرأة الزوج عنيناً [وهو العاجز عن الجماع لمرضٍ أصابه أو لضعف خلقتهِ أو لكبرِ سنهِ] فإنه يؤجل سنة. • فالعنين يؤجل سنة منذ رفعته للحاكم لا منذ دخوله عليها. • الحكمة من تأجيله سنة: لتمر عليه الفصول الأربعة، فإن تعذر الجماع قد يكون لعارض حرارة فيزول في الشتاء، أو لبرودة فيزول في الصيف، أو يبوسة فيزول في الربيع أو رطوبة فيزول في الخريف، فإذا مضت الفصول فلم يزل علمَ أنه خِلْقة. • وقد جاء التفريق بالعنة عن عمر وعثمان وابن مسعود وسمرة بن جندب ومعاوية بن أبي معاوية وغيرهم من الصحابة. • الصحيح أن العقم عيب وهو عدم الولادة، فيثبت للمرأة الخيار إذا بان أن الزوج عقيماً، وهذا المروي عن عمر بن الخطاب ورجحه ابن القيم، وذلك لأن تحصيل الولد من أهم وأعظم مقاصد النكاح. وأما إذا كانت الزوجة عقيمة: فقيل: إنه ليس بعيب. لأن الزوج بإمكانه أن يتزوج أخرى ويبقيها معه لمودته إياها، بل نقل القرطبي في تفسيره الإجماع على أن العقيم التي لا تلد لا تُرد، وهو ظاهر اختيار الشيخ محمد بن إبراهيم. • الفرق بين الفسخ والطلاق من وجهين: أولاً: أن الفسخ لا يحتسب من الطلاق. ثانياً: أن عدة الفسخ تكون استبراء بحيضة وعدة الطلاق ثلاث حيض.

стр. 946

م/ وإذا وقع الفسخُ قبل الدخول فلا مهر. أي: إذا وجد الزوج في زوجته عيباً من العيوب التي ينفسخ بها النكاح (كالجذام أو البرص أو غيرها)، فإن كان قبل الدخول بها فلا مهر لها. مثال: إذا اتضح له قبل الدخول أن بها برصاً أو جذاماً ثم طلقها وحصل الفراق، فهنا لا مهر لها. لأن الفُرقة جاءت من قِبلها، لأنها هي المتسببة في فسخ النكاح. • فإن كان العيب في الزوج، وهي فسخت من أجل عيب الزوج: القول الأول: لا مهر لها. لأن الفرقة جاءت من قبلها، فهي التي طلبت الفسخ. القول الثاني: لها نصف المهر، كالمطلقة قبل الدخول. وهذا هو الصحيح، لأن الزوج هو السبب، وهذا هو مقتضى العدل.

стр. 947

م/ وبعده يستقر. أي: ذا علم بالعيب بعد الدخول بها، فإن المهر يستقر للزوجة وتملكه، سواء كان العيب فيها أو فيه. لقوله ﷺ ( .... ولها المهر بما استحللت من فرجها). لكن هل يضيع حق الزوج إذا كان العيب في الزوجة؟ المصنف ﵀ يقول:

стр. 948

ويرجعُ على من غرّه. أي: ويرجع الزوج على من غرّه إن كان هناك غروراً. مثال: لو قال أحد للزوج، إن هذه الزوجة سليمة من العيوب، فتبين بها عيباً. فإنه يرجع على من غره. سواء كان الذي غرّه أباها أو أخاها، أو الذي خطبها له ومدحها. لقول عمر ( … وهو على من غرّه منها) لكن بشرط أن يكون الولي عالماً بالعيب، فإن كان جاهلاً فلا غرم عليه. القول الثاني: أنه لا يرجع على أحد (المهر يروح عليه). وهذا قول أبي حنيفة والشافعي في الجديد، واختاره الشوكاني. قالوا: لان المهر ثبت عليه بمسيسه إياها. • فإن كان الغرور من المرأة، بمعنى أن المرأة فيها عيباً فسكتت كتمت؟ فإنه يرجع عليها. • إذا لم يكن هناك غرور، فإنه لا يرجع على أحد.

стр. 949

م/ وإن عتقت وزوجها رقيق: خيرت بين المقام معه وفراقه لحديث عائشة الطويل في قصة بريرة (خيِّرت بريرة على زوجها حين عتقت) متفق عليه. أي: وإن عتقت الأمَة وكان زوجها عبداً، فإن لها الخيار بين البقاء معه وبين فراقه. والدليل على ذلك: ما ذكره المصنف ﵀ حديث عائشة: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ (كَانَ فِى بَرِيرَةَ ثَلَاثُ قَضِيَّاتٍ أَرَادَ أَهْلُهَا أَنْ يَبِيعُوهَا وَيَشْتَرِطُوا وَلَاءَهَا فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ «اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ». قَالَتْ وَعَتَقَتْ فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا وكان زوجها عبداً. قَالَتْ وَكَانَ النَّاسُ يَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهَا وَتُهْدِى لَنَا. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ «هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَهُوَ لَكُمْ هَدِيَّةٌ فَكُلُوهُ) رواه مسلم. قال ابن قدامة: ولأن عليها ضرراً في كونها حرة تحت العبد فكان لها الخيار، وهذا مما لا خلاف فيه. • قال العلماء: ولا يحتاج الفراق إلى طلاق، لأن الأمر راجع إليها، والطلاق بيد الرجال. • الحديث دليل على اعتبار الحرية في الكفاءة بين الزوجين، فعلى هذا فلا يكون العبد كفواً للحرة، لأن النبي ﷺ خيّر بريرة حين عتقت تحت عبد، وما خيرها إلا لفوات الكفاءة بينها وبين زوجها. ولأن العبد منقوص بالرق ممنوع من التصرف بسبب اشتغاله بخدمه سيده. • والكفاءة في الحرية ليست شرطاً لصحة النكاح، وإنما هي شرط للزومه، فيتوقف ذلك على رضا المرأة والأولياء. • لو عتقت تحت حر، فهل لها الخيار؟ اختلف العلماء في ذلك والصحيح أنه لا خيار لها وهذا مذهب جمهور العلماء، لأنها كافأت زوجها في الكمال فلم يثبت لها الخيار.

стр. 950

باب الصداق تعريفه: هو ما تعطاه المرأة من المال، أو ما يقوم مقامه عوضاً عن عقد النكاح عليها. • الحكمة من الصداق: أن الصداق إظهار لشرف هذا العقد وأهميته. أن فيه إعزاز للمرأة وتشريف لها. أن فيه الدليل على الرغبة في الزوجة. تمكين المرأة من تجهيز نفسها بما أحبت من لباس ونفقة وزينة. • وللصداق عدة أسماء: فيسمى نِحلة كما قال تعالى (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً). ويسمى فريضة كما قال تعالى (وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً). ويسمى أجراً كما قال تعالى (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً). ويسمى طوْلاً كما قال تعالى (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ). • وهو واجب، ونقل ابن عبد البر إجماع أهل العلم على وجوبه. لقوله تعالى (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً). ولأن الله تعالى قيّد الحل بقوله (أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ). ولأن النبي ﷺ لم يعذر الفقير الذي لم يجد خاتماً من حديد حتى ألزمه أن يعلمها من القرآن. ولأن شرط إسقاطه يجعل العقد شبيهاً بالهبة، والزواج بالهبة من خصائص النبي ﷺ .
следующие страницы →