بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مجلة البحوث والدراسات الشرعية
إصدار علمي متخصص جامعي محكم
إلى من يهمه الأمر
يرجى التكرم بالعلم بأن البحث المقدم من:
الدكتور / عرفة بن طنطاوي
عميد كلية أصول الدين والدراسات الإسلامية بجامعة خاتم المرسلين العالمية، وأستاذ التفسير وعلوم القرآن للدراسات العليا، بالجامعة الإسلامية والمعهد العالي للأئمة والخطباء - بـ "منيسوتا"، والرئيس العام لمركز تأصيل علوم التنزيل للبحوث العلمية والدراسات القرآنية.
وعنوانه: (قطع العلائق للتفكر في عبودية الخلائق).
قد ورد إلى هيئة الإصدار وخضع للتحكيم العلمي المتخصص، وأجيز للنشر بأحد أعداد المجلة وتم نشره بالعدد الرابع والسبعين من مجلة البحوث الإسلامية، الذي صدر في شهر ربيع الآخر ١٤٤٣ هـ، هذا وبالله التوفيق، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مؤسس الإصدار ورئيس التحرير
أ. د. عبد الفتاح محمود إدريس
رقم إيداع المجلة بدار الكتب: (١٨٦٢٠/ ٢٠١٢) - الترقيم الدولي الموحد لها: (ISSN. ٢٠٩٠ - ٩٩٩٣)
رابط موقع المجلة على الانترنت: journalofshareiarchandstudies.com
رابط معامل التأثير العربي للمجلة: journal impact factors-php.mht
جمهورية مصر العربية، القاهرة، مساكن مدينة نصر، رمز بريدي: ١١٣٧١. ص. ب: ٨١٣١
стр. 5
دِيْبَاجَةُ البَحْثِ
الحمد لله الذي سبح بحمد كل من في أرضه وسماوته، وخضع لكبريائه وعظمته كل من يليه من كائناته، وشهدت له بالربوبية جميع موجوداته، وأقرت له بالإلهية جميعُ مصنوعاته، فشهدت كلها له بأنه الخالق البارئ لجميع مخلوقاته، وأقرت بعظمته بما أودعها من عجائب صنعه وبديع آياته، كما قال ربنا في محكم كلماته: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ) (الرعد: ١٥).
فيا ليتنا نعي ما أمرنا به ربنا من تدبر كتابه الذي قال فيه في محكم آياته: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ) (ص: ٢٩).
وسبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضى نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته، وأشهد ألا إله إلا الله وحده، لا شريك له في ألوهيته، كما أنه لا شريك له في ربوبيته، ولا شبيه له في أفعاله، ولا مثيل له في صفاته، ولاند له في ذاته، … والله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلاً.
وسبحان من سبحت له السموات وأملاكها، والنجوم وأفلاكها، والأرض وسكانها، والبحار وحيتانها، والنجوم والجبال، والشجر والدواب، والآكام والرمال، وكل رطب ويابس، وكل من في ملكوته من أرضه وسماواته قد خضع وذل لكبريائه وعظمته وسبحه وعظمه لذاته، كما قال تعالى في محكم آياته: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن من شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) (الإسراء: ٤٤).
وقد قهر بربوبيته كل مخلوقاته، فأولياؤه أتوه طوعًا، وقد أتوه قهرًا وغلبة جميع لداته وعداته كما قال ربنا في محكم آياته: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) (مريم: ٩٣ - ٩٥).
وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله خير من عبد ربه في حياته وحتى مماته، صلوات الله عليه وعلى آله وصحبه وتسليماته وتبريكاته.
стр. 6
وبعد
فإن هذا الكون الفسيح، وهذا العالم كله بعالمه العلوي والسفلي خاضع لسلطان الله ولا يسع أيُّ أحدٍ فيه- كائنًا من كان- الخروج عن ربوبية الله التي قهر بها كل مخلوقاته، ثم إنه سبحانه قد سَخَّر لهذا المخلوق-الإنسان-الضعيف كل ما في السموات وما في الأرض ليتهيأ لعبادة الله وليتفكر في عظمة خالقه ويتأمل كيف قهر الله كل هذه المخلوقات، وأنه جزءٌ لا يتجزَّأ مِن هذا العالم وتلك المصنوعات، وأنه من أضعفها وأفقرها إلى خالقها وبارئها، وأن طاعته لله تنسجِم مع طاعة كلِّ تلك الكائنات،
ووا أَسَفاه على كل من انتكب الصراط وتمرد على الله من جهلة بني آدم ممن طمس الله فِطَرهم وَسَكَّرَ نورَ الحق عن بصائرهم فغشَّاها ظلام الجهل والإعراض والصَّد عن سبيل الله، ممن عطلوا نعمة العقل والفهم والإدراك ولم يتفكروا في عبودية الكائنات من حولهم لبارئها وانصياعها لأمره وخضوعها لسلطانه، فلم يسيروا وفق منهج عبودية الكون لله منسجمين مع جميع تلك المخلوقات.
ولقد ذم الله تعالى الذين عطلوا تلك النعم العظيمة فقال سبحانه فيهم: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (الأعراف: ١٧٩).
وهذا البحث هو مجرد دعوى لإعادة النظر وإعمال القلب وفتح مسامعه لإعادة التفكر في عظمة الله وفي إخضاعه- سبحانه- جميع العوالم علويها وسفليها لسلطانة وجبروته وقهره وقوته وعظمته، وبذلك ينتبه القلب من غفلته ويرجع ويؤب هذا المخلوق الفقير إلى الله من كل الوجوه، الضعيف الذي لا حولا ولا قوة له إلا بخالقه سبحانه، فيعود ويؤوب إلى حظيرة الإيمان، ويرسخ في نفسه اليقين، ويغلب عليه جانب الخشية، فيعرف للخالق العظيم قدره ويعظمه حق تعظيمه ويعبده حق عبادته، وكلما كان الإنسان أكثر إعمالًا لعقله وفكره وكان أكثر تأملا في عبودية جميع المخلوقات لله، كان كل ذلك أدعى لتحقيق معرفته بالله والعلم به جل في علاه، وهذه
стр. 7
الخصال من أعظم ما يجلب للعبد خشية الله وإجلاله وتعظيمه، كما قال - سبحان-: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء) (فاطر: ٢٨).
ملخص البحث
هذا بحثٌ مختصرٌ مفيدٌ وقصير، تفضل به الرب العليم الخبير على عبده الضعيف الفقير، وقد تناول فيه الباحثُ دارسةَ جانبٍ من جوانبِ عبوديةِ الخلائقِ لخالقها وباريها جَلَّ في علاه، ودعا للتفكر فيها كما أمر بذلك سيده ومولاه، وقد أسماه " قَطْعَ العَلائِقِ للتَّفَكُرِ فِي عُبُودِيَّةِ الخَلائِقِ" داعيًا قبوله عند الله، راجيًا أن يجزيه به أحسن الجزاء وأتمه وأوفاه، وأن يجعله له ذخرًا يوم يلقاه، وأن ينتفع به كل من يطالعه ويراه.
Research Summary
This is a brief، useful and short treatise، which the All-Knowing، bestowed on His weak، poor servant.The researcher dealt with it، studying an aspect of the servitude of creatures to their Creator، the Most High، and called for contemplation of it as ordered by his master.He called it "cutting ties to contemplate the servitude of creatures. " He prayed for his acceptance with God، hoping that He would reward him with the best، most complete and most fulfilling recompense، and that He would make him a treasure on the day he met him، and that everyone who read and saw him would benefit from it.
стр. 8
خطة البحث
وقد ضمَّن الباحثُ بحثَه خطة بحث مكونة من أربعة فصول، وكل فصل يندرج تحته عدد من المباحث، وكل مبحث يندرج تحته عدد من المطالب، وقد بيَّن فيه ما يلي:
أولًا: أهمية موضوع البحث
ثانيًا: أهم الدراسات السابقة وأبرزها
ثالثًا: أسباب ودواعي اختيار موضوع البحث
رابعًا: أهداف البحث
خامسًا: منهج البحث
سادسًا: أبرز النتائج التي توصلت لها تلك الدراسة وتوصيات البحث وخاتمته.
سابعًا: مجموع الفهارس
وخطة البحث مكونة من أربعة فصول، وقد بيَّنها مفصلة على النحو التالي:
الفصل الأول: تعريف العبودية
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: مفهوم العبودية
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: مفهوم العبودية في اللغة
المطلب الثاني: مفهوم العبودية في الشرع
المبحث الثاني: بيان أقسام العبودية
وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: القسم الأول من أقسام العبودية "عبودية الغلبة والقهر والملك"
المطلب الثاني: القسم الثاني من أقسام العبودية "عبودية الاختيار والانقياد والطاعة والمحبة"
المطلب الثالث: بيان حقيقة العبودية
стр. 9
المطلب الرابع: بيان شرطي تحقيق العبودية
المطلب الخامس: تقرير عبودية الله تعالى في القرآن الكريم
المبحث الثالث: أصل الدين مبني على أصلين عظيمين (العبودية - والاستعانة)
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: الغاية من خلق المكلفين تحقيق العبودية
المطلب الثاني: مكانة العبودية والاستعانة وتحقيق التلازم بينها
المطلب الثالث: أقسام الخلق في منازل" إياك نعبد وإياك نستعين"
الفصل الثاني: عبودية البشر
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: عبودية النبين والمرسلين -عليهم الصلاة والسلام -
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: عبودية خاتم النبين والمرسلين ﷺ
المطلب الثاني: عبودية أولي العزم من الرسل ﵈ بأعيانهم
المطلب الثالث: عبودية عموم المرسلين ﵈
المبحث الثاني: عبودية عموم البشر
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: عبودية الصحابة ﵃
المطلب الثاني: عبودية حواريي الأنبياء وأصحابهم
المطلب الثالث: عبودية عموم الخلق
الفصل الثالث
عبودية الملائكةِ والجنِّ
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: عبودية الملائكةِ
وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: التعريف بالملائكة
стр. 10
المطلب الثاني: حكم الإيمان بالملائكة
المطلب الثالث: مكانتهم وخلقتهم
المطلب الرابع: أعداد الملائكة
المطلب الخامس: مهام ووظائف الملائكة
المطلب السادس: عبادة الملائكة
المبحث الثاني: عبودية الجنِّ
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: التعريف بالجنِّ
المطلب الثاني: حقيقة وجود الجنِّ وتكليفهم بالعبادة
المطلب الثالث: رسالة النبي ﷺ عامة لجميع عموم الثقلين
الفصل الرابع
عبودية الكائنات
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: عبودية الكائنات لله عبودية غلبة وقهر
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: غني الخالق عن خلقه، وافتقار جميع خلقه إليه
المطلب الثاني: سجود جميع الكائنات لله وخضوعها لسلطانه
المطلب الثالث: تسبيح الكائنات لخالقها - سبحانه -
المبحث الثاني: ذكر نماذج من تسبيح الكائنات
وفيه مطالب:
المطلب الأول: تسبيح الرعد خاصة
المطلب الثاني: تسبيح جميع كائنات العالم العلوي والسفلي كلها
المطلب الثالث: مشاهد من عبودية الطير في القرآن
المطلب الرابع: مشاهد من عبودية وتسبيح النمل وبعض المخلوقات
المطلب الخامس: مشاهد من عبودية بعض الجمادات كالحجارة والجبال
стр. 11
المطلب السادس: مشاهد من عبودية الطعام وتسبيحه
تفصيل منهجية البحث
أولًا: أهمية موضوع البحث
تكمن أهمية موضوع البحث في إبراز قدرة الله تعالى في خضوع كل مخلوقاته لجلاله وكبريائه وعظمته، وأن كل الكون خاضع لربه سواء كان هذا الخضوع خضوع اختيار وانقياد، أم كان خضوع قهر وغلبة، فلا يسع أحد من مخلوقاته
الخروج عن ربوبيته التي قهر بها جميع خلقه.
ثانيًا: أهم الدراسات السابقة وأبرزها
الدراسة الأولى:
"عبودية الكائنات لرب العالمين"، تأليف الباحث: فريد إسماعيل التوني، ط ١، عدد الأجزاء ١، وتلك الدراسة نال بها الباحث درجة الماجستير من كلية الدعوة وأصول الدين- جامعة أم القرى- بمكة المكرمة- بالمملكة العربية السعودية- وقد قامت الجامعة بنشرها عام ١٤١١ هـ، كما نشرتها دار الإيمان للطباعة والنشر والتوزيع بالإسكندرية، عام ٢٠١٥ م.
ولم يقف الباحث على أطروحة علمية تناولت بحث هذا الموضوع سوى هذه الدراسة.
وصف الدراسة:
قد تناول الباحث في تلك الدراسة الكلام على العبودية ومفهومها، ثم أعقبها بالكلام على مفهوم الكائنات وأنواعها، ثم تناول بيان أنواع العبادات، وأعقبها بالحديث عن عبودية الأنبياء، ثم ثنى بعبودية النبي صلى الله وسلم عليهم أجمعين، ثم ثلث بعبودية أتباع الأنبياء، ثم تناول عبودية الكائنات، ثم تناول أسباب انحراف الكثير من المسلمين عن معنى العبودية الحقة، ثم تكلم عن أسباب هذا الانحراف وآثاره وختمه ببيان طرق النجاة منه.
стр. 12
وتلك الدراسة مع حسنها وبهائها فيها نوع توسع لأنها أطروحة علمية، وقد أجاد فيها الباحث وأفاد، وقد توسع في الشرح والاستدلال، وليته ضم إلى سبب انحراف الكثير من المسلمين عن معنى العبودية الحقة- انحراف عموم البشر عن الفطرة السوية والصبغة التي صبغهم الله عليها أول مرة.
الدراسة الثانية:
"عبودية الكون والكائنات"، تأليف: مؤيد حمدان، وجدان العلي. دار النشر: مؤسسة الجديد النافع للنشر والتوزيع -الكويت، والكتاب عبارة عن (غلاف) يقع في ٢٥٦ صفحة، تاريخ النشر: ٤/ ٦/ ٢٠٢١ م.
وصف الدراسة:
تكلم المؤلفان عنها فقالا:
الكون بكل ما فيه من مخلوقات وعجماوات وجمادات قد تعبد لله ، فهو يعبده سبحانه حبًا وتعظيمًا، وتذللًا وتقديسًا، في مشهد غيبي عظيم تكرر ذكره القرآن مرارًا وتكرارًا، لن يفقه معناه إلا من استضاء بنور الوحي والإيمان.
ومن هنا جاءت فكرة هذا الكتاب ليكشف لنا حقيقة مفادها أننا إذا عبدنا الله فقد انسجمنا مع هذا الكون الفسيح بكل مخلوقاته وعوالمه الغيبية والمشاهدة.
والحقيقة لم يقف الباحث على هذه الدراسة، وهذا الكتاب لا يعد دراسة تأصيلية أو أطروحة علمية، لكنه يندرج تحت مسمى الكتابات الحرة، وهو يبدوا من أسلوب التعريف به أنه من كتابات الأقلام الشابة.
ثالثًا: أسباب ودواعي اختيار موضوع البحث
إن من أهم الدواعي والبواعث على تناول موضوع البحث بالمدارسة والمناقشة
التنبه لأمور من أبرزها ما يلي:
١ - تنبيه العباد إلى أن الغاية التي خلقهم الله لها وأوجدهم من العدم من أجلها هي عبادته وطاعته، فيجب عليهم التنبه لها والعناية بها والانقياد والاستجابة لأمره خالقهم والخضوع والذل له سبحانه وتحقيق العبودية لجلاله بمحض الإرادة والاختيار.
стр. 13
٢ - السعي في إبراز عظمة الخالق في خضوع جميع مخلوقاته- سبحانه- مع تعددها وتنوعها وكثرتها، وأن تلك المخلوقات بعالمها العلوي والسفلي منقادة لأمره جل في علاه، فعلى الإنسان العاقل الناصح لنفسه الحريص على نفعها وفكاكها من النار سلوك مسلك تلك الكائنات والحرص على تحقيق العبودية لرب البريات قبل الحسرة والفوات.
رابعًا: أهداف البحث
تُعد من أبرز أهداف البحث الحث على تحقيق الإيمان بالله وزيادته والثبات عليه وذلك بالدعوة للتأمل في عظمة الله في عالمه العلوي والسفلي الذي خضع لخالقه وبارئه جلَّ في علاه.
خامسًا: منهج البحث
لقد استخدم الباحث المنهج الوصفي الذي يُعد أحد أهم أساليب مناهج البحث العلمي.
وقد تناول الباحث فيه معنى العبودية وأقسامها ووصف حقيقتها، ثم عرَّج على وصف شرطي تحقيقها، ثم انتقل لوصف عبودية البشر خواصهم وعمومهم، ثم انتقل لوصف عبودية العالم العلوي والعالم السفلي بعموم مخلوقاته، ثم ختم بحثه بعرض وصف لنماذج من تسبيح الكائنات.
стр. 14
الفصل الأول
تعريف العبودية
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: مفهوم العبودية
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: مفهوم العبودية في اللغة
العبودية: مصدر عبد يعبد عبادةً ومعبدًا ومعبدةً، فهو عبدٌ، أي: ذلّ وخضع.
قال الخليل:
«أما عَبد يعبد عبادة، فلا يقال إلا لمن يعبد الله تعالى، يقال منه: عبد يعبد عبادة وعبودة وعبودية ومعبدًا، وتعبد يتعبد تعبدًا، فالمتعبد: المنفرد بالعبادة» (١).
ويجلي ابن منظور ا مفهوم العبودية في اللغة فيقول:
«أصل العبودية الخضوع والتذلل … وعَبَدَ اللهَ تألّه له … والتعبّد التنسك، والعبادة: الطاعة» (٢).
وقال الفراء:
«معنى العبادة في اللغة: الطاعة مع الخضوع، ومنه طريق معبد إذا كان مذللًا بكثرة الوطء» (٣).
قال الراغب: العبودية: إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها لأنها غاية التذلل. (٤)
стр. 15
وقيل: «عبادة الله: طاعته بفعل المأمور وترك المحذور» (١).
وقال ابن الأنباري ﵀ -: (٢)
«فلان عابد وهو الخاضع لربه المستسلم المنقاد لأمره» (٣).
وقال الزبيدي ﵀ -:
«أصل العبودية الذل والخضوع، وقال آخرون: العبودية الرضا بما يفعل الرب، والعبادة فعل ما يرضى به الرب» (٤).
فالعبادة إذًا: الطاعة المقرونة بالذل والخضوع.
المطلب الثاني: مفهوم العبودية في الشرع
والعبودية مشتقة من العبادة، وقد عرّفها شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀ بقوله:
«هِيَ اسْم جَامع لكل مَا يُحِبهُ الله ويرضاه من الْأَقْوَال والأعمال الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة» (٥)، وقيل: «وَهِيَ اسْمٌ يَجْمَعُ كَمَالَ الْحُبِّ لِلَّهِ وَنِهَايَتَهُ وَكَمَالَ الذُّلِّ لِلَّهِ وَنِهَايَتَهُ» (٦).
стр. 16
ولا شك أن تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تعريف جامع مانع، وهو أفضل مَن عرف معنى العبودية وكتابه: (العبودية) شاهد عيان على ذلك، وقد عرض فيها حقيقة العبودية في الإسلام بشموليتها وكمالها وتمامها، وهو من أنفع وأمتع ما كُتِبَ في بابه تحقيقًا وتدقيقًا وسبكًا وحبكًا للأسلوب وعرضًا للمادة العلمية، لم لا وهو إمام جهبذ وعالم نحرير ما جادت لنا بمثله الأرحام من ذاك الزمان.
وقال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀ -:
«العبودية اسم جامع لمراتب أربع: من قول اللسان والقلب، وعمل القلب والجوارح.
فقول القلب هو اعتقاد ما أخبر الله سبحانه به عن نفسه وعن أسمائه وصفاته وأفعاله وملائكته على لسان رسله ﵈.
وقول اللسان الإخبار عن قول القلب بما فيه من الاعتقاد والدعوة إليه والذّب عنه، وتبيين بطلان البدع المخالفة والقيام بذكره وتبليغ أوامره.
وعمل القلب كالمحبة له والتوكل عليه والإنابة إليه والخوف منه والرجاء له وإخلاص الدين له والصبر على أوامره وعن نواهيه وعلى أقداره والمعاداة فيه والخضوع والذل له وغير ذلك من أعمال القلب.
وأعمال الجوارح كالصلاة والحج والجهاد وغيرها» (١).
ويُعرِّفها المناوي (ت: ١٠٣١ هـ) ﵀: بقوله:
«العبادة فعل المكلف على خلاف هوى نفسه تعظيمًا لربه. وقيل: هي الأفعال الواقعة على نهاية ما يمكن من التذلل والخضوع المتجاوز لتذلل بعض العباد لبعض، ولذلك اختصت بالرب، وهي أخص من العبودية التي تعني مطلق التذلل» (٢).
стр. 17
المبحث الثاني: بيان أقسام العبودية
وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: القسم الأول من أقسام العبودية "عبودية الغلبة والقهر والملك "
وهي عبودية كل من في السماوات والأرض مؤمنهم وكافرهم، برّهم وفاجرهم، قال تعالى: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) [مريم: ٩٣ - ٩٥]، كما تسمى أيضًا بالعبودية العامة.
يقول شيخ المفسرين ابن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀ -:
«ما جميع من في السماوات من الملائكة، وفي الأرض من البشر والإنس، يقول: إلا يأتي ربه يوم القيامة عَبْدًا له، ذليلًا خاضعًا، مُقِرًّا له بالعبودية، لا نسب بينه وبينه (١).
ويقول البغوي (ت: ٥١٠ هـ) ﵀ -:
(إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ) أي: إلا آتيه يوم القيامة (عَبْدًا) ذليلًا خاضًعا يعني: أن الخلق كلهم عبيده (٢).
стр. 18
ويقرر أبو السعود (ت: ٩٨٢ هـ) ﵀: ما قرراه، أعني: شيخَ المفسرين، والإمامَ البغوي بقوله:
«أي: ما منهم أحد من الملائكة والثقلين (إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) إلا وهو مملوك له، وهو مملوك له، يأوي إليه بالعبودية والانقياد» (١).
وفي صدد ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ -:
«المخلوقون كلُّهم عبادُ الله: الأبرار منهم والفجَّار، والمؤمنون والكفَّار، وأهل الجنَّة وأهل النار؛ إذ هو ربُّهم كلهم ومليكُهم، لا يخرجون عن مشيئتِه وقدرته … فهو سبحانه ربُّ العالمين وخالقُهم ورازقُهم، ومُحييهم ومميتُهم … سواء اعترَفوا بذلك أو أنْكروه، وسواء علِموا ذلك أو جهلوه.
لكنَّ أهلَ الإيمان منهم عرَفوا ذلك وآمَنوا به؛ بخلافِ مَن كان جاهلًا بذلك؛ أو جاحدًا له مستكبرًا على ربِّه … » (٢).
يقول ابنُ القيِّمُ (ت: ٧٥١ هـ) ﵀ -:
إنّ تمام العبوديةِ يكون بتكميل مقام الذلِّ والانقياد، وأكملُ الخلقِ عبودية أكملهم ذلاً لله وانقياداً وطاعة، والعبدُ ذليلٌ لمولاه الحقِّ بكل وجه من وجوه الذلّ، فهو ذليلٌ لعزِّه، وذليلٌ لقهره، وذليلٌ لربوبيته فيه وتصرُّفهِ، وذليلٌ لإحسانِه إليه وإنعامه عليه. (٣)
وفي صدد بيان هذه العبودية أيضًا يقول سبحانه: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) [آل عمران: ٨٣].
стр. 19
ويقول سبحانه: (وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ ?بَل لَّهُ? مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ? قَانِتُونَ) [البقرة: ١١٦].
وفي بيان معنى القنوت الوارد في قول الله تعالى: (كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ)
يقول شيخ المفسرين ابن جرير الطبري ﵀ -:
«وأولى معاني القنوت في قوله: (كُلٌّ لَّهُ? قَانِتُونَ) الطاعة والإقرار لله بالعبودية بشهادة أجسامهم بما فيها من آثار الصنعة، والدلالة على وحدانية الله ، وأن الله تعالى ذكره بارئها وخالقها، وذلك أن الله جل ثناؤه أكذب الذين زعموا أن لله ولدًا بقوله: (لَّهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [البقرة: ١١٦] ملكًا وخلقًا، ثم أخبر عن جميع ما في السماوات والأرض أنها مقرة بدلالتها على ربها وخالقها، وأن الله تعالى بارئها وصانعها، وإن جحد ذلك بعضهم فألسنتهم مذعنة له بالطاعة بشهادتها له بآثار الصنعة التي فيها بذلك، وأن المسيح أحدهم، فأنَّى يكون لله ولدًا وهذه صفته؟!» (١).
ويقول الله تعالى: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا) [آل عمران: ٨٣]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ -:
«فذكر إسلام الكائنات طوعًا وكرهًا؛ لأن المخلوقات جميعها متعبّدةٌ له التعبد العام، سواءٌ أقر المقر بذلك أو أنكره، وهم مدينون له مُدبّرون، فهم مسلمون له طوعًا وكرهًا، ليس لأحد من المخلوقات خروجٌ عما شاءه وقدّره وقضاه، ولا حول ولا قوة إلا به، وهو رب العالمين ومليكهم، يُصرّفهم كيف يشاء، وهو خالقهم كلّهم، وبارئهم ومُصورهم، كل ما سواه فهو مربوب مصنوعٌ مفطورٌ، فقيرٌ محتاجٌ معبَّد مقهورٌ، وهو سبحانه الواحد القهار الخالق البارئ المصوّر» (٢).
المطلب الثاني: القسم الثاني من أقسام العبودية "عبودية الاختيار والانقياد والطاعة والمحبة "
стр. 20
ويقرر ابن القيم ﵀ أن: «العبودية نوعان: عامة وخاصة» .
ثم يقول ﵀:
«وأما النوع الثاني: فعبودية الطاعة والمحبة واتباع الأوامر، كما قال تعالى: (يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) [الزخرف: ٦٨]، وكما قال تعالى: (فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) [الزمر: ١٨، ١٧]، وقال: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرض هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون قَالُواْ سَلَامًا)
[الفرقان: ٦٣].
فالخلق كلهم عبيد ربوبيته، وأهل طاعته وولايته هم عبيد ألوهيته» (١).
وأهل هذه العبودية:
أقبلوا على ربهم وخالقهم ورازقهم طائعين منقادين لعبوديته سبحانه، مطيعين لأوامره بمحض إرادتهم واختيارهم، فهي عبودية محبة وانقياد وطاعة وذل وخضوع، وقد نسبهم الله إليه نسب تكريم وتشريف فقال في حقهم: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرض هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون قَالُواْ سَلَامًا) [الفرقان: ٦٣].
وهذه العبودية خاصة بالمؤمنين الذين يطيعون الله تعالى باختيارهم وإرادتهم لا يشاركهم فيها أحد من الكفار الذين خرجوا عن شرعه وتمردوا على أوامره ونواهيه. فنالوا بذلك عز الدنيا وشرفها وكرامة الآخرة وفضلها وأجرها.
والخلق في هذه العبودية ترى بينهم بونًا شاسعًا، وهم متفاوتون فيها تفاوتًا كبيرًا وعظيمًا؛ فكلما كان العبد محبًّا لربه متبعًا لأوامره، منتهيًا عن نواهيه، منقادًا لشرعه، خاضعًا لسلطانه، كان تحقيقه لعبودية ربه أجل وأعظم وأكمل.
وأعظم الناس تحقيقًا لمقام العبودية هم صفوة خلقه وأمنائه على وحيه وسفرائه بينه وبين عباده من النبين والمرسلين، وأعبدهم لله أجمعين هو سيدهم وإمامهم وأفضلهم وخاتمهم نبينا محمد ﷺ ، ولذا خُص بالذكر بوصف العبودية مجردة في كتاب الله في أشرف المقامات وأعلاها وأزكاها، سبحانه: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا) [الكهف: ١] وهذا في مقام الوحي وهو من أشرف
стр. 21
المقامات وأعظمها وأجلها، وفي مقام الدعوة إلى الله قال سبحانه: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا) [الجن: ١٩].
وفي مقام الإسراء قال سبحانه: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) [الإسراء: ١] ولا شك أن مقام الإسراء مقام تشريف كذلك.
فالشرف المروم لمن استكمل تحقيق العبودية، ولا يكون تحقيقها إلا مع كمال الذل والخضوع
والافتقار لله الواحد القهار، والعبودية المتعلقة بربوبية الله هي العبودية العامة التي تشمل جميع الخلائق مؤمنهم وكافرهم وبرهم وفاجرهم.
فإذا علم العبد أن له ربًّا وخالقًا ورازقًا ومدبرًا لكل شؤونه، وأنه فقير إليه -عرف تلك العبودية العامة المتعلقة بربوبيته سبحانه، وَقد يعبده مَعَ ذَلِك وَقد يعبد غيره من الأصنام والأوثان، وإن لم يقرّ بها فهو داخل تحتها شاء أم أبى، لأنها شاملة له قهرًا وغلبة.
والعبودية العامة التي هي عبودية القهر والغلبة، لا تكفي للدخول في الإسلام، فقد أقر بها كفار قريش ومع ذلك قاتلهم النبي ﷺ واستحل دماءهم وأموالهم وسبى ذريتهم ونساءهم، ذلك لأنهم لم يقروا بالعبودية الخاصة، وهي عبودية الألوهية التي توجب تحقيق التوحيد وصرف العبادة كلها لله، ربنا في ذلك: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
فهم قد أقروا بربوبيته سبحانه وأقروا أنه تعالى هو الخالق قال تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) [لُقْمَان: ٢٥]، فهذا إقرار صريح بربوبيتهم لربهم، ومع ذلك لم ينفعهم إقرارهم بالربوبية لعدم تحقيق توحيد الألوهية، قال الله تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) [يوسف: ١٠٦]. لأنهم مع ذلك يعْبدُونَ الاصنام والأوثان، ولم يصرفوا العبادة للإله الواحد الملك الديان.
أما العبودية المتعلقة بألوهيته سبحانه فهي العبودية الخاصة المتعلقة بعبادته سبحانه وتأليهه وتوحيده وإخلاص الوجه له وقصده وحده بالعبادة دون ما سواه، خوفُا وطمعًا، رغبًا ورهبًا.
стр. 22
والخلاصة:
أنَّ جميعَ المخلوقات عبيدٌ مقهورون لربوبيته تبارك تعالى، أما أهل طاعته وأهل كرامته فهم عبيد ألوهيته تعالى، الخاضعون المتذللون لربهم، خضوع تذللٍ، وعبوديةَ اختيارٍ، لا عبودية قهرٍ وغلبة، وتلك هي العبودية الخاصة.
المطلب الثالث: بيان حقيقة العبودية
أما حقيقة العبودية: فهي الغاية العظمى التي خلق الله من أجلها الخلق كما بين ذلك في محكم كتابه، فقال سبحانه: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: ٥٦].
قال ابن جرير الطبري ﵀ -:
«اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) فقال بعضهم: معنى ذلك: وما خلقت السعداء من الجن والإنس إلا لعبادتي، والأشقياء منهم لمعصيتي.
أي: خلقهم لأجل أن يعبدونه سبحانه فمن عبده أكرمه، ومن ترك عبادته أهانه» (١).
وحَصَرَ الحِكمة من خلقهم في قوله: (إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ليتبين ويتأكد لهم أن الحِكمة من خلقهم هي: عبادته ، وخلق كل شيء لرعايتهم ورعاية مصالحهم ومصالح معاشهم، وسَخَّر لهم كل ما في السموات والأرض ليستعينوا بها على عبادته وطاعته .
ومعنى (لِيَعْبُدُونِ)؛ أي: يوحدونني، فيفردونني بالعبادة، ولا يعبدوا سواي، والعبادة لا تُسمَّى عبادة إلا مع التوحيد ولا تصح ولا تقبل إلا به، فهو قوامها وأسها وأساسها المتين الذي لا قوام لها ولا ووجود إلا به، فهو كالطهارة للصلاة لا تصح ولا تقبل إلا بها فهي شرط صحة، كما أن التوحيد شرط صحة في صحة العبادة وقبولها.
وتحقيق العبودية لرب البرية هي المهمة العظيمة التي من أجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب وقام سوق الآخرة ففريق في الجنة، وفريق في السعير، كما قال تعالى:
стр. 23
(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: ٢٥]، وقال لرسوله ﷺ : (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) [الحجر: ٩٩]، واليقين هنا هو: الموت.
وقال ابن القيم ﵀ -:
«والمحبة مع الخضوع هي العبودية التي خلق الخلق لأجلها، فإنها غاية الحب بغاية الذل، ولا يصلح ذلك إلا له سبحانه، والإشراك به في هذا هو الشرك الذي لا يغفره الله ولا يقبل لصاحبه عملًا» (١).
قال ابن القيم ﵀ في الشافية الكافية:
وعبادة الرحمن غاية حبه … مع ذل عابده هم قطبان
وعليهما فلك العبادة دائر … ما دار حتى قام القطبان (٢)
والدعوة إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة هي أساس دعوة المرسلين؛ إذ ما بعث الله رسولاً منهم إلا قال لقومه: (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) [الأعراف: ٦٥].
المطلب الرابع: بيان شرطي تحقيق العبودية
وأخيرًا: فإن العبودية الحقة لا تتحقق إلا بتحقيق أصلين عظيمين:
الأصل الأول: إفراده الله تعالى بالعبادة ونبذ عبادة كل ما سواه ، وهذا هو مقتضى تحقيق شهادة ألا إله إلا الله - نفيًا وإثباتًا-.
الأصل الثاني: ألا يُعبد اللهُ إلا بما شرع ، وهذا هو مقتضى شهادة أن محمدًا رسول الله.
فمن حقق هذين الأصلين العظيمين بكمالهما وتمامهما، فقد حقق العبودية الحقة التي ينال به العبدُ سعادةَ الدارين.
المطلب الخامس: تقرير عبودية الله تعالى في القرآن الكريم
إن المتأمل في القرآن الكريم من أوله إلى آخره يتجلى له محوره الرئيس هو قضية تحقيق التوحيد وتقرير العبودية التي خلق الله من أجلها الجن والإنس، كما قال ربنا: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: ٥٦]. و يتجلى له أن الله سبحانه لم
стр. 24
يخلق الخلق عبثًا ولم يتركهم سدى، كما قال جل في: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) [المؤمنون: ١١٥]، وكما قال تعالى: (أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى) (الإنسان: ٣٦).
والمتأمل في مطلع فاتحة الكتاب يتضح له جليًا أمر تحقيق التوحيد وتقرير العبودية وذلك في قوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة: ٥)، ثم إن المتتبع لسور القرآن كلها يراها تقرر هذا الأصل العظيم بوضوح وجلاء، وذلك من أول الأوامر الواردة في القرآن في قوله تعالى في أوائل سورة البقرة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) (البقرة: من آية: ٢١)، وبأول النواهي في المحذرة من الشرك المنافي للتوحيد بعدها مباشرة في سورة البقرة - كذلك - في قوله تعالى: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا) (البقرة: من آية: ٢٢) وانتهاءً بسورتي الإخلاص "الكافرون والإخلاص" وختام القرآن بـ"المعوذتين".
يرى تقرير العبودية في القرآن الكريم واضحًا جليًا في كل سور القرآن وآياته.
ومن هنا يتبين أن بيان تقرير العبودية لله هو المحور الرئيس في القرآن الكريم.
وفي نحو ذلك يقرر الفخر الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀ فيقول:
«والمقصود من كل القرآن تقرير أمور أربعة: الإلهيات، والمعاد، والنبوات، وإثبات القضاء والقدر لله تعالى،
فقوله: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (الفاتحة: ٣) يدل على الإلهيات،
وقوله: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) (الفاتحة: ٤) يدل على المعاد،
وقول: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة: ٥) يدل على نفي الجبر والقدر، وعلى إثبات أن الكل بقضاء الله وقدره،
وقوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) (الفاتحة: ٦ - ٧) يدل أيضًا على إثبات قضاء الله وقدره وعلى النبوات، فلما
стр. 25
كان المقصد الأعظم من القرآن هذه المطالب الأربعة، وكانت هذه السورة مشتملة عليها - لقبت بأم القرآن» (١).
وفيما ذكره الفخر الرازي وقرره إنما هو تقرير لكل أنواع العبودية في فاتحة الكتاب، فاشتمال السورة على حمده تعالى وتمجيده بأسمائه وصفاته والثناء عليه والإقرار باليوم الآخر وإثبات البعث والجزاء، وتنزيه الله عن كل نقص ووصفه تعالى بكل كمال يليق بذاته المقدسة، وحصر العبادة والاستعانة فيه وحده، وطلب الهداية إلى صراطه المستقيم، والإلحاح عليه بالثبات على هذا الصراط، صراط المنعم عليهم، وطلب البعد عن طريق أهل الغواية والزيغ ممن غضب عليه وأضلهم، كل ذلك يؤكد ويبرهن ويوضح تقرير فاتحة الكتاب للعبودية بمعناها الشامل والكامل، وآيات السورة مقررة لأنواع التوحيد الثلاثة.
ومما يبرهن ويؤكد تقرير الفاتحة للعبودية حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «قَالَ اللَّهُ تعالى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الفاتحة: ٢) قَالَ اللَّهُ تعالى: حَمِدَنِي عَبْدِي وَإِذَا قَالَ: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (الفاتحة: ٣) قَالَ اللَّهُ تعالى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي وَإِذَا قَالَ: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) (الفاتحة: ٤) قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي فَإِذَا قَالَ: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة: ٥) قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) (الفاتحة: ٦ - ٧) قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» (٢).
ولاشك أن الفاتحة اشتملت على ما في القرآن إجمالًا فناسب افتتاح الكتاب بها، ثم تلتها باقي سور القرآن لتورد كل ما ورد فيها تفصيلًا.
стр. 26
ولعل في هذا كفاية، والحمد لله رب العالمين.
المبحث الثالث: أصل الدين مبني على أصلين عظيمين (العبودية - والاستعانة)
والمقصود من بيانه في هذا المبحث أن أصل الدين مبنى على (العبودية-والاستعانة).
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: الغاية من خلق المكلفين تحقيق العبودية
إن العبودية: هي المهمة العظيمة والغاية الجليلة التي خلق الله تعالى المكلفين من الثقلين من أجلها، فالله تعالى خلقهم ليعبدوا وهو غني عنهم غنى تام، وهم فقراء إليه سبحانه فقرًا تامًّا.
كما قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذريات: ٥٦) «أي: إنما خلقتهم لآمرهم بعبادتي، لا لاحتياجي إليهم.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵁: (إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) «أي: إلا ليقروا بعبادتي طوعًا أو كرهًا»، وهذا اختيار ابن جرير.
وقال ابن جُرَيْج: «إلا ليعرفون».
وقال الربيع بن أنس: (إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) أي: «إلا للعبادة» (١).
وقال القرطبي-﵀: «أي: ليذلوا ويخضعوا لي» (٢).
«قال علي بن أبي طالب ﵁: (إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) أي: إلا لآمرهم أن يعبدوني وأدعوهم إلى عبادتي، يؤيده قوله (وَمَآ أمروا إِلاَّ ليعبدوا إلها وَاحِدًا) [التوبة: ٣١].
وقال مجاهد: «إلا ليعرفوني».
стр. 27
وهذا أحسن لأنه لو لم يخلقهم لم يعرفوا وجوده وتوحيده، و «قيل: معناه إلا ليخضعوا إليّ ويتذللوا، ومعنى العبادة في اللغة: التذلل والانقياد، فكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء الله، متذلل لمشيئته لا يملك أحد لنفسه خروجًا عما خلق عليه.
وقيل: (إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) إلا ليوحدوني، فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء،
وأما الكافر فيوحده في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء، بيانه قوله : (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [العنكبوت: ٦٥] (١).
قال القرطبي-﵀: «أي: ليذلوا ويخضعوا لي» (٢).
قال النووي (ت: ٦٧٦ هـ) ﵀ -:
«وهذا تصريح بأنهم خلقوا للعبادة، فحق عليهم الاعتناء بما خلقوا له والإعراض عن حظوظ الدنيا بالزهادة فإنها دار نفاد لا محل إخلاد، ومركب عبور لا منزل حبور» (٣).
وأهل العبودية الحقة موقنون بذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ -:
«إن الله خلق الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته والإنابة إليه ومحبته والإخلاص له» (٤).
وقال الإمام ابن القيم ﵀ -:
«وبنى (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) على أربع قواعد: التحقق بما يحبه الله ورسوله ويرضاه من قول اللسان والقلب، وعمل القلب والجوارح، فالعبودية اسم جامع لهذه المراتب
стр. 28
الأربع. كما قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذريات: ٥٦)». (١)
وفي ضوء بيان أهل العلم وأئمة التفسير ﵏ حول آية الذاريات يتبين لنا:
١ - أن الحكمة والغاية المحمودة التي خلق الله تعالى الخلق من أجلها هي العبادة.
قال ابن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀ -:
«هذه الغاية التي خلق الله الجن والإنس لها وبعث جميع الرسل يدعون إليها، وهي عبادته المتضمنة لمعرفته ومحبته والإنابة إليه والإقبال عليه والإعراض عما سواه، وكلما ازداد العبد معرفة بربه كانت عبادته أكمل، فهذا الذي خلق الله تعالى المكلفين لأجله، فما خلقهم لحاجة منه إليهم» (٢).
٢ - وأن الله خلقهم وهو غني عنهم مع فقرهم إلى خالقهم.
كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) [فاطر: ١٥].
يقول الفخر الرازي ﵀ -:
«فلا يأمركم بالعبادة لاحتياجه إليكم، وإنما هو لإشفاقه عليكم» (٣).
٣ - وأن العبادة هي: الخضوع والذل والانقياد.
٤ - وأن عبودية القهر والغلبة تشمل كل الخلق مؤمنهم وكافر.
قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀:
«قوله تعالى: (اعْبُدُوا) [المائدة: ٧٢] أمر بالعبادة له، والعبادة هنا عبارة عن توحيده والتزام شرائع دينه، وأصل العبادة الخضوع والتذلل، يقال: طريق معبّدة إذا كانت موطوءة بالأقدام … والعبادة الطاعة، والتعبد التنسّك» (٤).
стр. 29
٥ - وأن العبادة التي هي التوحيد، هي عبودية الاختيار، التي لا يُوفق لها إلا من اصطفاه الله تعالى من عباده المؤمنين.
٦ - وأن التكليف بالعبودية لا ينفك عن العبد أبدًا حتى الممات.
وقال الله تعالى لنبيه ﷺ : (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) [الحجر: ٩٩]، واليقين هو الموت.
قال ابن القيم ﵀ -:
«قال الله تعالى لرسوله ﷺ : (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) [الحجر: ٩٩]، وقال أهل النار: (وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ) [المدثر: ٤ - ٤٧]، وفي الصحيح في قصة عثمان بن مظعون ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أما عثمان فقد جاءه اليقين من ربه» (١) أي: الموت وما فيه، فلا ينفك العبد من العبودية ما دام في دار التكليف، ومن زعم أنه يصل إلى مقام يسقط عنه فيه التعبد فهو زنديق كافر بالله ورسوله، وإنما وصل لمقام الكفر بالله والانسلاخ من دينه، بل كلما تمكن العبد في منازل العبودية كانت عبوديته أعظم، والواجب عليه منها أكبر وأكثر من الواجب على من دونه، ولهذا كان الواجب على رسول الله ﷺ بل على جميع الرسل أعظم من الواجب على أممهم، والواجب على أولي العزم أعظم من الواجب على من دونهم، والواجب على أولي العلم أعظم من الواجب على من دونهم، وكل أحد بحسب مرتبته» (٢).
وكلام ابن القيم حول معنى اليقين يبين حقيقة العبودية التي لا تنفك عن العبد أبدًا، ومن يُسَمُّوا أنفسهم بأهل الوجد من المتصوفة ونحوهم، يدّعي رؤوسهم أنهم من شدة عبادتهم قد رُفِعَ عنهم التكليفُ.
ثم عرج ﵀ على مقام العبودية وأن العبد كلما تمكن في منازل العبودية كانت عبوديته أعظم، وكلما ارتفع قدر العبد علمًا ومنزلة ومكانة، كانت عبوديته أعظم وآكد، كعبودية المرسلين وعبودية أولي العزم منهم، وعبودية ورثة الأنبياء من العلماء الربانيين.
стр. 30
٧ - وأن المؤمن يعبد الله في الشدة والرخاء، وأما الكافر فلا يعبد الله إلا في الشدائد، قال الله تعالى: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) [العنكبوت: ٦٥].
٨ - أن العبودية مع كون مضمونها الذل والخضوع والافتقار فهي متضمنة لأعلى مقامات العبد، فهي المنزلة الرفيعة السامية العالية التي ارتضاها الله لأشرف خلقه ﷺ ، وارتضاها هو ﷺ لنفسه حيث يقول: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله" (١).
المطلب الثاني: مكانة العبودية والاستعانة وتحقيق التلازم بينها
قال تعالى في مستهل افتتاح القرآن في فاتحة الكتاب: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: ٥).
وهذه الآية تُعَدُ من أجمع الآيات التي جمعت بين منزلتي العبادة والاستعانة ليبين الله لعباده أن تحقيق العبودية -عبادة واستعانة- والتلازم بينهما- هي الغاية من وجود الخلق.
وإنما قدم المعمول في "إياك" ليفيد حصر العبودية والاستعانة واختصاصها بالخالق وحده جل في علاه دون سواه، فلا يُعْبد إلا إياه ولا يستعان إلا به.
وتقديم العبادة على الاستعانة: من باب تقديم العام على الخاص، ومن باب تقديم حق الخالق العظيم الغني- سبحانه- عن خلقه من كل الوجوه، على حق المخلوق الضعيف الفقير إلى ربه وإلى معونته من كل الوجوه.
والعبادة والاستعانة: "هُمَا الْكَلِمَتَانِ الْمَقْسُومَتَانِ بَيْنَ الرَّبِّ وَبَيْنَ عَبْدِهِ نِصْفَيْنِ، فَنَصِفُهُمَا لَهُ تَعَالَى، وَهُوَ "إِيَّاكَ نَعْبُدُ" وَنِصْفُهُمَا لِعَبْدِهِ وَهُوَ "إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ". (٢)
وإذا تأملنا في تعريف شيخ الإسلام للعبادة بأنه: "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة" (٣) لوجدنا أن الاستعانة تدخل في مسمى
стр. 31
العبادة، وقد أُفْرِدَت الاستعانةٌ هنا عن العبادة في هذا المقام وذكرت معها؛ لكونها وسيلة وطريق مؤد إليها.
وفي بيان فضلها وعظيم منزلتها يقول ابنُ القيِّم ﵀ -:
وَسِرُّ الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ، وَالْكُتُبِ وَالشَّرَائِعِ، وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ انْتَهَى إِلَى هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ، وَعَلَيْهِمَا مَدَارُ الْعُبُودِيَّةِ وَالتَّوْحِيدِ، حَتَّى قِيلَ: أَنْزَلَ اللَّهُ مِائَةَ كِتَابٍ وَأَرْبَعَةَ كُتُبٍ، جَمَعَ
مَعَانِيَهَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، وَجَمَعَ مَعَانِيَ هَذِهِ الْكُتُبِ الثَّلَاثَةِ فِي الْقُرْآنِ، وَجَمَعَ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ فِي الْمُفَصَّلِ (١)، وَجَمَعَ مَعَانِيَ الْمُفَصَّلِ فِي الْفَاتِحَةِ، وَمَعَانِيَ الْفَاتِحَةِ فِي (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة: ٥). (٢)
وقد جمعت هذه الآية على وجازتها من الفوائد دررًا، ومن البلاغة كنوزًا، وسنشير إلى شيء من ذلك:
أولًا: السرُّ في تقديم ما حقُّه التَّأخير .
فقد قُدِّم المفعولُ على الفعل في الآية وهذا فيه ثلاث فوائد (٣):
الأولى: فيه أَدَبُ العِبَادِ مَعَ اللَّهِ بِتَقْدِيمِ اسْمِهِ عَلَى فِعْلِهِمْ.
الثَّانية: فِيهِ الِاهْتِمَامُ وَشِدَّةُ الْعِنَايَةِ بِهِ.
الثَّالثة: فِيهِ الْإِيذَانُ بِالِاخْتِصَاصِ، الْمُسَمَّى بِالْحَصْرِ، فَهُوَ فِي قُوَّةٍ: لَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاكَ، وَلَا نَسْتَعِينُ إِلَّا بِكَ.
مَا لَيْسَ فِي قَوْلِكِ: (إِيَّاكَ أُحِبُّ وَأَخَافُ (١).
رابعًا: السرُّ في إطلاق الاستعانة وعدمِ تقييدها بالمفعول .
أطلق سبحانه فعل الاستعانة ولم يحدد نستعين على شيء أو نستعين على طاعة أو غيره إنما أطلقها لتشمل كل شيء وليست محددة بأمر واحد من أمور الدّنيا أو الآخرة، والمعنى: إيّاك نستعين يا الله على عبادتنا، وعلى أعمالنا، وعلى دراستنا،
وعلى تربية أبنائنا، وعلى خدمة ديننا، وعلى نصرة شريعتنا، وعلى كلّ صغيرة وكبيرة في أمور دنيانا وأخرانا، لأنَّ حذف المعمول يؤذن بالعموم (٢).
المطلب الثالث: أقسام الخلق في منازل" إياك نعبد وإياك نستعين "
إذا علم هذا فلا بدَّ أن يُعلم بأنَّ النَّاسَ في هذين الأصلين-وهما العبادة والاستعانة- أربعةُ أقسام (٣):
القسم الأوَّل: المؤمنون المتَّقون الذين جمعوا بين الأمرين
فهم يعبدونَ الله ويستعينُون به، وهؤلاء قامت جوارحُهم بالأسباب واعتمد قلبُهم على مسبِّبِ الأسباب -فَعِبَادَةُ اللَّهِ غَايَةُ مُرَادِهِمْ، وَطَلَبُهُمْ مِنْهُ أَنْ يُعِينَهُمْ عَلَيْهَا، وَيُوَفِّقَهُمْ لِلْقِيَامِ بِهَا، وَلِهَذَا كَانَ مِنْ أَفْضَلِ مَا يُسْأَلُ الرَّبُّ ﵎ الْإِعَانَةُ عَلَى مَرْضَاتِهِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِحِبِّهِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁، فَقَالَ «يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَلَا تَنْسَ أَنْ تَقُولَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ (٤).
стр. 34
فَأَنْفَعُ الدُّعَاءِ طَلَبُ الْعَوْنِ عَلَى مَرْضَاتِهِ، وَأَفْضَلُ الْمَوَاهِبِ إِسْعَافُهُ بِهَذَا الْمَطْلُوبِ، وَجَمِيعُ الْأَدْعِيَةِ الْمَأْثُورَةِ مَدَارُهَا عَلَى هَذَا، وَعَلَى دَفْعِ مَا يُضَادُّهُ، وَعَلَى تَكْمِيلِهِ وَتَيْسِيرِ أَسْبَابِهِ، فَتَأَمَّلْهَا.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -:
تَأَمَّلْتُ أَنْفَعَ الدُّعَاءِ فَإِذَا هُوَ سُؤَالُ الْعَوْنِ عَلَى مَرْضَاتِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ فِي الْفَاتِحَةِ فِي ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: ٥) (١).
وحالة المتوكِّل على الله تشبه حَالَةَ الطِّفْلِ مَعَ أَبَوَيْهِ فِيمَا يَنْوِيهِ مِنْ رَغْبَةٍ وَرَهْبَةٍ … ، فَانْظُرْ فِي تَجَرُّدِ قَلْبِهِ عَنِ الِالْتِفَاتِ إِلَى غَيْرِ أَبَوَيْهِ، وَحَبْسِ هَمِّهِ عَلَى إِنْزَالِ مَا يَنْوِيهِ بِهِمَا، فَهَذِهِ حَالُ الْمُتَوَكِّلِ، وَمَنْ كَانَ هَكَذَا مَعَ اللَّهِ فَاللَّهُ كَافِيهِ وَلَا بُدَّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق: ٣) أَيْ كَافِيهِ. (٢)
تنبيه:
قال شيخنا الفقيه العلامة ابنُ عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀ -:
وأعلى المراتب: الأولى، أن تجمع بين العبادة والاستعانة. ولننظر في حالنا الآن -وأنا أتكلَّمُ عن حالي- دائما نغلِّب جانب العبادة، فتجد الإنسان يتوضّأ وليس في نفسه شعورٌ أنْ يستعينَ اللهَ على وضوئِه، ويصلِّي وليس في نفسه شعورٌ أنْ يستعينَ اللهَ على الصَّلاة وأنَّه إنْ لَمْ يُعِنْهُ ما صلَّى؛ … فإذا صلَّيتَ - مثلاً - وشعرتَ أنَّك تصلِّي لكن بمعونةِ الله وأنَّه لولا معونةُ الله ما صلَّيتَ، وأنَّك مفتقرٌ إلى اللهِ أن يعينَكَ حتَّى تصلِّيَ وتتمَّ الصَّلاةَ، حَصَّلْتَ عبادتين: الصَّلاةَ والاستعانةَ … (٣).
القسم الثَّاني: من لا عبادةَ ولا استعانةَ لهم
стр. 35
وهؤلاء هم الملحدون من المادِّيين والعقلانيِّين-والعياذُ بالله- (١)، وهؤلاء وقعوا في الشِّرك لأنَّهم أثبتُوا مُوجدًا مع الله مستقلاً بالضّر والنّفع، وهذا باطل مخالف للكتاب والسّنّة والإجماع، كما أنّ الأسباب قد تتخلَّف عن مسبِّباتها بإذن الله كما يشهد لذلك الحسُّ؛ والواحدُ من هؤلاء إن استعان بالله وسأله، فعلى حظوظه وشهواته، لا على
مرضاة ربِّه وحقوقه، واللهُ سُبْحَانَهُ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَسْأَلُهُ أَوْلِيَاؤُهُ وَأَعْدَاؤُهُ وَيَمُدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، وَأَبْغَضُ خَلْقِهِ عَدُّوُهُ إِبْلِيسُ وَمَعَ هَذَا فَقَدَ سَأَلَهُ حَاجَةً فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا، وَمَتَّعَهُ بِهَا، وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ تَكُنْ عَوْنًا لَهُ عَلَى مَرْضَاتِهِ، كَانَتْ زِيَادَةً لَهُ فِي شِقْوَتِهِ، وَبُعْدِهِ عَنِ اللَّهِ وَطَرْدِهِ عَنْهُ (٢)، وَهَكَذَا كُلُّ مَنِ اسْتَعَانَ بِهِ عَلَى أَمْرٍ وَسَأَلَهُ إِيَّاهُ، وَلَمْ يَكُنْ عَوْنًا عَلَى طَاعَتِهِ كَانَ مُبْعِدًا لَهُ عَنْ مَرْضَاتِهِ، قَاطِعًا لَهُ عَنْهُ وَلَا بُدَّ (٣).
القسم الثَّالث: من لهم نوعُ عبادةٍ بلَا استعانةٍ
فحظُّهم ناقصٌ من التَّوكلِ والاستعانةِ به، ولهؤلاء من الخُذلانِ والضّعفِ والعجزِ بحسَبِ قلَّةِ استعانتِهم وتوكُّلهم،
وَهَؤُلَاءِ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: من نفى تأثير الأسباب بالكليَّة: وهم القدريَّة الجبْرية، الذين جعلوا العبد مجبورًا على أفعاله، وأنَّ حركاته جميعا حركات اضطراريَّة كالورقة في مهبِّ الرِّيح، وهؤلاء يرون أنَّ الأسباب لا تأثير لها في مسبِّباتها، فالله لم يجعل في الأسباب قُوًى وطبائعَ تؤثِّر، وهذا الموقف فاسد باطل مخالف للكتاب والسنَّة والإجماع.
стр. 36
وقد وصف العلماء هذا القول بأنّه (قدح في العقل).
النَّوْعُ الثَّانِي: من أعرض عن الأسباب بالكليِّة: كحال غالب الصُّوفيَّة، فهم لا يرون تحقيق التَّوكُّلِ إلَّا في ترك الأسباب بالكليَّة، فتركوا التَّكسُّب والعمل والاحتراز والاحتياط والتَّزوُّد في السَّفر والطَّعام، ويرون ذلك كلَّه منافياً للتَّوكُّل، ولهم شبه ضعيفة أجاب عنها العلماء. وقد وصف العلماء هذا القول بأنّه (قدح في الشَّرع).
فَهَؤُلَاءِ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ التَّوْفِيقِ وَالنُّفُوذِ وَالتَّأْثِيرِ، بِحَسَبِ اسْتِعَانَتِهِمْ وَتَوَكُّلِهِمْ، وَلَهُمْ مِنَ الْخُذْلَانِ وَالضَّعْفِ وَالْمَهَانَةِ وَالْعَجْزِ بِحَسَبِ قِلَّةِ اسْتِعَانَتِهِمْ وَتَوَكُّلِهِمْ (١).
القسم الرَّابع: من عندهم استعانةٌ بلا عبادة
وهؤلاء استعانوا بربِّهم، لكن ما استعانوا به على العبادة، وإنما استعانوا به على الدِّرهم والدِّينار، واستعانوا به على الدُّنيا، والواحد منهم قد شَهِدَ تَفَرُّدَ اللَّهِ بِالنَّفْعِ وَالضُّرِّ، وَأَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَلَمْ يَدُرْ مَعَ مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ، فَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ، وَاسْتَعَانَ بِهِ عَلَى حُظُوظِهِ وَشَهَوَاتِهِ وَأَغْرَاضِهِ، وَطَلَبَهَا مِنْهُ، وَأَنْزَلَهَا بِهِ، فَقُضِيَتْ لَهُ، وَأُسْعِفَ بِهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ أمْوَالًا أَوْ رِيَاسَةً أَوْ جَاهًا عِنْدَ الْخَلْقِ، أَوْ أَحْوَالًا مِنْ كَشْفٍ وَتَأْثِيرٍ وَقُوَّةٍ وَتَمْكِينٍ، وَلَكِنْ لَا عَاقِبَةَ لَهُ، فَإِنَّهَا مِنْ جِنْسِ الْمُلْكِ الظَّاهِرِ، وَالْأَمْوَالُ لَا تَسْتَلْزِمُ الْإِسْلَامَ، فَضْلًا عَنِ الْوِلَايَةِ وَالْقُرْبِ مِنَ اللَّه (٢).
ولعل في هذا كفاية، والحمد لله رب العالمين.
стр. 37
الفصل الثاني
عبودية البشر
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: عبودية النبين والمرسلين -عليهم الصلاة والسلام -
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: عبودية خاتم النبين والمرسلين ﷺ
لاشك في أن أكمل العبودية وأشرفها وأعظمها قدرًا وأعلاها رتبة ومكانة عبودية النبين والمرسلين -عليهم الصلاة والسلام -، ذلك لأنهم أفضل البشر على الإطلاق، وذلك بدلالة نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة والنظر الصحيح - كذلك-، وإن أعظمها وأجلَّها وأعلاها قدرًا عبودية خاتمهم وإمامهم وسيدهم وقدوتهم نبينا محمد ﷺ .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ -:
"حقق الله له نعت العبودية في أرفع مقاماته حيث قال (سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا) (الإسراء: ١)، وقال تعالى: (فأوحى إلى عبده ما أوحى) (النجم: ١٠)، وقال تعالى: (وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدًا) (الجن: ٩)، ولهذا يشرع في التشهد وفى سائر الخطب المشروعة كخطب الجمع والأعياد وخطب الحاجات عند النكاح وغيره أن نقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. " (١)
هذا ولقد وُصِفَ النبيُ ﷺ في كتاب الله بالعبودية في أشرف المقامات
стр. 38
وأعلاها وأزكاها كما مر آنفًا بيان شيخ الإسلام لبعضها، ونعيد بيان تلك المقامات بشيء من الإيضاح،
قال سبحانه في مقام الوحي: (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) [النجم: ١٠]، وقال سبحانه: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا) (الكهف: ١)، وقال أيضًا: (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا) (الفرقان: ١)، والوحي من أعلى المقامات وأشرفها.
وقال في مقام الدعوة إلى الله: (وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا) [الجن: ١٩]، والدعوة التي هي إبلاغ الحق للخلق بأمر الخالق، شرف لا يدانيه شرف.
وقال في مقام ولايته وكفايته له أيضًا: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَه) [الزمر: ٣٦].
قال ابن سعدي ﵀ -:
"أي: أليس من كرمه وجوده، وعنايته بعبده، الذي قام بعبوديته، وامتثل أمره واجتنب نهيه، خصوصًا أكمل الخلق عبودية لربه، وهو محمد ﷺ ، فإن الله تعالى سيكفيه في أمر دينه ودنياه، ويدفع عنه من ناوأه بسوء". (١)
وقال في مقام التحدي: (وَإِن كُنتُمْ في رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ) [البقرة: ٢٣].
وقال سبحانه في مقام الإسراء: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ) [الإسراء: ١]، وهو مقام تشريفي خُص به أشرفُ الخلق ﷺ من بين العالمين.
قال القرطبي:
"قال العلماء: لو كان للنبي ﷺ اسم أشرف منه لسماه به في تلك الحالة العلية.
стр. 39
قال القشيري: لما رفعه الله تعالى إلى حضرته السنية، وأرقاه فوق الكواكب العلوية، ألزمه اسم العبودية تواضعًا للأمة". (١)
ويؤكد الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) بيان ما ذكره القرطبي حول آية الإسراء فيقول ﵀:
" والتعبير بلفظ العبد في هذا المقام العظيم يدل دلالة واضحة على أن مقام العبودية هو أشرف صفات المخلوقين وأعظمها وأجلها إذ لو كان هناك وصف أعظم منه لعبر به في هذا المقام العظيم الذي اخترق العبد فيه السبع الطباق ورأى من آيات ربه الكبرى. (٢).
المطلب الثاني: عبودية أولي العزم من الرسل ﵈ بأعيانهم
قال مبينًا مراتب أوليائه: (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) (النساء: ٦٩).
فالله قد رتب عباده السعداء المنعم عليهم أربع مراتب وبدأ بالأعلى منهم وهم النبيون، وقد ورد في سبب نزول هذه الآية أن بعض الصحابة رضوان الله عليهم قد شق عليهم أن النبي ﷺ في الجنة يرفع مع النبيين في الدرجات العلا فتكون منزلتهم دون منزلته فلا يصلون إليه ولا يرونه ولا يجالسونه، فنزلت الآية. (٣)
стр. 40
ولقد ذكر الله ﵎ جملة من أنبيائه ورسله في سورة الأنعام ثم قال في ختام ذكرهم: (وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ) (الأنعام: ٨٦).
قال ابن سعدي ﵀ -:
وكلاًّ من هؤلاء الأنبياء والمرسلين فضلنا على العالمين، لأن درجات الفضائل أربع وهي التي ذكرها الله بقوله: (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) (النساء: ٦٩). فهؤلاء من الدرجة العليا. (١)
وقال تعالى: (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) (آل عمران: ٣٣).
قال الفخر الرازي مبينًا وجه التناسب والترابط بين هذه الآية وبين الآيات قبلها:
اعلم أنه تعالى لما بين أن محبته لا تتم إلا بمتابعة الرسل بين علو درجات الرسل وشرف مناصبهم. (٢)
وقد قال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ : (فَاصْبِرْ كما صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ) [الأحقاف: ٣٥] (٣)