← Акыда

Акыда · id 833

قطع العلائق للتفكر في عبودية الخلائق

عرفة بن طنطاوي

Полный текст (106 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وقد وصف العلماء هذا القول بأنّه (قدح في العقل). النَّوْعُ الثَّانِي: من أعرض عن الأسباب بالكليِّة: كحال غالب الصُّوفيَّة، فهم لا يرون تحقيق التَّوكُّلِ إلَّا في ترك الأسباب بالكليَّة، فتركوا التَّكسُّب والعمل والاحتراز والاحتياط والتَّزوُّد في السَّفر والطَّعام، ويرون ذلك كلَّه منافياً للتَّوكُّل، ولهم شبه ضعيفة أجاب عنها العلماء. وقد وصف العلماء هذا القول بأنّه (قدح في الشَّرع). فَهَؤُلَاءِ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ التَّوْفِيقِ وَالنُّفُوذِ وَالتَّأْثِيرِ، بِحَسَبِ اسْتِعَانَتِهِمْ وَتَوَكُّلِهِمْ، وَلَهُمْ مِنَ الْخُذْلَانِ وَالضَّعْفِ وَالْمَهَانَةِ وَالْعَجْزِ بِحَسَبِ قِلَّةِ اسْتِعَانَتِهِمْ وَتَوَكُّلِهِمْ (١). القسم الرَّابع: من عندهم استعانةٌ بلا عبادة وهؤلاء استعانوا بربِّهم، لكن ما استعانوا به على العبادة، وإنما استعانوا به على الدِّرهم والدِّينار، واستعانوا به على الدُّنيا، والواحد منهم قد شَهِدَ تَفَرُّدَ اللَّهِ بِالنَّفْعِ وَالضُّرِّ، وَأَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَلَمْ يَدُرْ مَعَ مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ، فَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ، وَاسْتَعَانَ بِهِ عَلَى حُظُوظِهِ وَشَهَوَاتِهِ وَأَغْرَاضِهِ، وَطَلَبَهَا مِنْهُ، وَأَنْزَلَهَا بِهِ، فَقُضِيَتْ لَهُ، وَأُسْعِفَ بِهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ أمْوَالًا أَوْ رِيَاسَةً أَوْ جَاهًا عِنْدَ الْخَلْقِ، أَوْ أَحْوَالًا مِنْ كَشْفٍ وَتَأْثِيرٍ وَقُوَّةٍ وَتَمْكِينٍ، وَلَكِنْ لَا عَاقِبَةَ لَهُ، فَإِنَّهَا مِنْ جِنْسِ الْمُلْكِ الظَّاهِرِ، وَالْأَمْوَالُ لَا تَسْتَلْزِمُ الْإِسْلَامَ، فَضْلًا عَنِ الْوِلَايَةِ وَالْقُرْبِ مِنَ اللَّه (٢). ولعل في هذا كفاية، والحمد لله رب العالمين.

стр. 37

الفصل الثاني عبودية البشر وفيه مبحثان: المبحث الأول: عبودية النبين والمرسلين -عليهم الصلاة والسلام - وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: عبودية خاتم النبين والمرسلين ﷺ لاشك في أن أكمل العبودية وأشرفها وأعظمها قدرًا وأعلاها رتبة ومكانة عبودية النبين والمرسلين -عليهم الصلاة والسلام -، ذلك لأنهم أفضل البشر على الإطلاق، وذلك بدلالة نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة والنظر الصحيح - كذلك-، وإن أعظمها وأجلَّها وأعلاها قدرًا عبودية خاتمهم وإمامهم وسيدهم وقدوتهم نبينا محمد ﷺ . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ -: "حقق الله له نعت العبودية في أرفع مقاماته حيث قال (سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا) (الإسراء: ١)، وقال تعالى: (فأوحى إلى عبده ما أوحى) (النجم: ١٠)، وقال تعالى: (وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدًا) (الجن: ٩)، ولهذا يشرع في التشهد وفى سائر الخطب المشروعة كخطب الجمع والأعياد وخطب الحاجات عند النكاح وغيره أن نقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. " (١) هذا ولقد وُصِفَ النبيُ ﷺ في كتاب الله بالعبودية في أشرف المقامات

стр. 38

وأعلاها وأزكاها كما مر آنفًا بيان شيخ الإسلام لبعضها، ونعيد بيان تلك المقامات بشيء من الإيضاح، قال سبحانه في مقام الوحي: (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) [النجم: ١٠]، وقال سبحانه: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا) (الكهف: ١)، وقال أيضًا: (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا) (الفرقان: ١)، والوحي من أعلى المقامات وأشرفها. وقال في مقام الدعوة إلى الله: (وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا) [الجن: ١٩]، والدعوة التي هي إبلاغ الحق للخلق بأمر الخالق، شرف لا يدانيه شرف. وقال في مقام ولايته وكفايته له أيضًا: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَه) [الزمر: ٣٦]. قال ابن سعدي ﵀ -: "أي: أليس من كرمه وجوده، وعنايته بعبده، الذي قام بعبوديته، وامتثل أمره واجتنب نهيه، خصوصًا أكمل الخلق عبودية لربه، وهو محمد ﷺ ، فإن الله تعالى سيكفيه في أمر دينه ودنياه، ويدفع عنه من ناوأه بسوء". (١) وقال في مقام التحدي: (وَإِن كُنتُمْ في رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ) [البقرة: ٢٣]. وقال سبحانه في مقام الإسراء: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ) [الإسراء: ١]، وهو مقام تشريفي خُص به أشرفُ الخلق ﷺ من بين العالمين. قال القرطبي: "قال العلماء: لو كان للنبي ﷺ اسم أشرف منه لسماه به في تلك الحالة العلية.

стр. 39

قال القشيري: لما رفعه الله تعالى إلى حضرته السنية، وأرقاه فوق الكواكب العلوية، ألزمه اسم العبودية تواضعًا للأمة". (١) ويؤكد الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) بيان ما ذكره القرطبي حول آية الإسراء فيقول ﵀: " والتعبير بلفظ العبد في هذا المقام العظيم يدل دلالة واضحة على أن مقام العبودية هو أشرف صفات المخلوقين وأعظمها وأجلها إذ لو كان هناك وصف أعظم منه لعبر به في هذا المقام العظيم الذي اخترق العبد فيه السبع الطباق ورأى من آيات ربه الكبرى. (٢). المطلب الثاني: عبودية أولي العزم من الرسل ﵈ بأعيانهم قال مبينًا مراتب أوليائه: (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) (النساء: ٦٩). فالله قد رتب عباده السعداء المنعم عليهم أربع مراتب وبدأ بالأعلى منهم وهم النبيون، وقد ورد في سبب نزول هذه الآية أن بعض الصحابة رضوان الله عليهم قد شق عليهم أن النبي ﷺ في الجنة يرفع مع النبيين في الدرجات العلا فتكون منزلتهم دون منزلته فلا يصلون إليه ولا يرونه ولا يجالسونه، فنزلت الآية. (٣)

стр. 40

ولقد ذكر الله ﵎ جملة من أنبيائه ورسله في سورة الأنعام ثم قال في ختام ذكرهم: (وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ) (الأنعام: ٨٦). قال ابن سعدي ﵀ -: وكلاًّ من هؤلاء الأنبياء والمرسلين فضلنا على العالمين، لأن درجات الفضائل أربع وهي التي ذكرها الله بقوله: (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) (النساء: ٦٩). فهؤلاء من الدرجة العليا. (١) وقال تعالى: (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) (آل عمران: ٣٣). قال الفخر الرازي مبينًا وجه التناسب والترابط بين هذه الآية وبين الآيات قبلها: اعلم أنه تعالى لما بين أن محبته لا تتم إلا بمتابعة الرسل بين علو درجات الرسل وشرف مناصبهم. (٢) وقد قال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ : (فَاصْبِرْ كما صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ) [الأحقاف: ٣٥] (٣)

стр. 41

وقال الله في حق أول رسله لأهل الأرض وهو نوح ﵇: (فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ) [القمر: ٩]، فشرفه بعبوديته له سبحانه. وقال في وصف عبوديته وإيمانه: (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) [الصافات: ٨١]، وقال في وصف عبوديته وشكره: (إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا) [الإسراء: ٣]، وقال في حقه وحق لوط واصفًا عبوديتهما وصلاحهما ﵉: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ([التحريم: ١٠]. وفي وصف أبي الأنبياء وخليل الرحمن قال تعالى: (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) [الصافات: ٨١]، وقال في وصفه أيضًا ووصف بعض النبيين من ذريته: (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْراهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِى الأيْدِى وَالأبْصَارِ إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأخْيَارِ وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مّنَ الأخْيَارِ) [ص: ٤٥ - ٤٨]. وقال في وصف كليمه موسى بن عمران ووصف أخيه هارون: (إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) [الصافات: ١٢٢]. وقال في وصف بيان أول ما نطق به عيسى ابن مريم ﵇ في المهد أنه: (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ) [مريم: ٣٠]، وقال عنه أيضًا: (لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ) [النساء: ١٧٢]. وقال في حقه أيضًا: (إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِى إِسْرَاءِيلَ) [الزخرف: ٥٩]. "فجعل غايته العبودية لا الإلهية كما يقول أعداؤه النصارى. " (١) المطلب الثالث: عبودية عموم المرسلين ﵈ - والعبودية كذلك هي أعظم وأجل وصف لخيرة الله من خلقه الذين اصفاهم الله لرسالاته وليكونوا سفرائه بينه وبين خلقه، وهم رسله الكرام عليهم الصلاة والسلام.

стр. 42

قال : (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ) [الصافات: ١٧١]، فنسب عبوديتهم له سبحانه وهذا نسب تشريف وتكريم لهم ﵈ أجمعين. وقال تعالى في وصفهم أيضًا: (قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى) [النمل: ٥٩]، وقال سبحانه عنهم أيضًا: (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) [النحل: ٢]، وقال سبحانه مزكيًا عبادتهم له سبحانه أيضًا: (وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) [الأنبياء: ٧٣]. عبودية بعض الأنبياء ﵈ أجمعين: إنه لما كانت الغاية الأولى من بعثة الرسل جميعًا هي دعوة الخلق إلى توحيد الخلق وإفراده سبحانه- بالألوهية ونفيها عن كل ما سواه من خلقه، كانوا هم أولى الناس بتحقيق التوحيد واستحقاق لفظ العبودية لأنهم قدوة لأقوامهم، ولذا فقد وصفهم الله في مواطن كثيرة من كتابه بوصف العبودية الذي هو أجلّ الأوصاف وأشرفها، كما وصفهم في قوله سبحانه: (يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ … ) (النحل: ٢). فكانت العبودية من أجلِّ وأعظم أوصافهم كما في قوله تعالى: (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ) (ص: ٤٥ - ٤٧). فقال سبحانه: (مِنْ عِبَادِهِ) فنسبه إليه نسب تشريف. قوله تعالى: (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا) أي: الذين أخلصوا لنا العبادة ذكرًا حسنًا، وقوله: (أُولِي الأيْدِي) أي: القوة على عبادة اللّه تعالى (وَالأبْصَار) أي: البصيرة في دين اللّه. فوصفهم بالعلم النافع، والعمل الصالح الكثير. (١) وقال هنا: (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا) فنسبه إليه نسب تشريف - كذلك. وهنا نورد ذكر عبودية بعض الأنبياء ﵈ أجمعين بأعيانهم:

стр. 43

قال تعالى في وصف عبده داود: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأيدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ) [ص: ١٧]. أعطي قوّة في العبادة، وفقهًا في الإسلام. (١) وقال في مدح عبده سليمان: (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) [ص: ٣٠]. (نِعْمَ الْعَبْدُ (يقول: نعم العبد سليمان (إِنَّهُ أَوَّابٌ) يقول: إنه رجاع إلى طاعة الله توّاب إليه مما يكرهه منه. وقيل: إنه عُنِي به أنه كثير الذكر لله والطاعة. (٢) وقال في وصف عبده أيوب: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ) [ص: ٤١]. ثم مدح الله عبوديته لما ابتلاه فصبر على البلاء فقال سبحانه: ( … إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ)، (ص: ٤٤). (إِنَّهُ أَوَّابٌ) و (أَوَّابٌ) على وزن فعَّال، أي: كثير الرجوع إلى الله بالتوبة والإنابة إليه، وما ذلك إلا لكمال عبوديته. وامتدح الله يوسف واستخلصه لعبوديته واصطفاه لما صبر عن معصيته وتعفَّف عما حرَّم عليه مولاه فقال اللهُ جلَّ في علاه: ( … كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) (يوسف: ٢٤). وكان من تعففه عمَّا حرَّم الله أن تولَّاه الله ولطف به وصرف عنه السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ، وما كان ذلك إلا لاصطفاء اللهِ له لكمال إيمانه وتمام وكمال عبوديته. وهؤلاء جميعهم من غير أولي العزم من الرسل-﵈، وقد قاموا بعبوديتهم لله تعالى وحده لا شريك له على أكمل وأتم الوجه كما أمرهم الله تعالى، فامتدحهم - سبحانه- ووصفهم بوصف العبودية التي هي من أجلِّ وأعظم الأوصاف. وقد اتضح فيما مضى أمران ظاهرا الدلالة على أفضلية النبين والمرسلين على البشر وهما: أولاً: أن الله تعالى اصطفاهم على عموم البشر فخصهم برسالته وبإبلاغ الحق للخلق، فهم سفراء بين الله وبين عباده.

стр. 44

ثانيًا: أنهم أفضل الخلق وأعلاهم منزلة وقدرًا لكمال عبوديتهم لربهم جلَّ في علاه، وذلك أنهم لمَّا حققوا عبوديتهم لله تعالى على أتم وأكمل الوجوه أضحوا أعلى الخلق وأتمهم عبودية لخالقهم جلَّ في علاه، ولذلك فهم أكمل الخلق وأفضلهم جميعًا .. المبحث الثاني: عبودية عموم البشر وفيه مطلبان: المطلب الأول: عبودية الصحابة ﵃ - تقدم معنا بيان أعلى الخلق رتبة في العبودية وهي رتبة النبيين والمرسلين، وأن أعلاهم رتبة أولي العزم منهم، ثم تلي هذه الرتبة رتبة أنصار النبيين والمرسلين على دينهم الذين يأخذون بهديهم ويزودون عن دين ربهم، وأفضل هؤلاء قاطبة أصحاب خير الخلق ﷺ ، فهم ﵃ خير أصحاب لخير نبي. يقول ابن مسعود ﵁: "إنَّ اللهَ نظرَ في قلوبِ العبادِ فوجدَ قلبَ محمد ﷺ خيرَ قلوبِ العبادِ فاصطفاهُ لنفسِهِ فابتعثهُ برسالتِهِ. ثم نظرَ في قلوبِ العبادِ بعدَ قلبِ محمدٍ فوجدَ أصحابه خيرَ قلوبِ العبادِ فجعلهم وُزَرَاءَ نبيِّهِ يُقاتلونَ على دِينِهِ فما رأى المسلمونَ حسنًا فهوَ عندَ اللهِ حَسَنٌ، وما رَأَوا سيِّئًا فهو عندَ اللهِ سيئٌ". (١). وها هنا نذكر جوانب من أبرز معالم عبوديتهم لله تعالى: أولًا: التفاضل بينهم والتفاضل بين الصحابة ﵃ معلوم لا يخفى ولقد استقرّ قول أهل السنة والجماعة في التفضيل بين أصحاب النبي ﷺ ، على أنهم في الفضيلة كترتيبهم في الخلافة: فأفضلهم: أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان، ثم علي-﵃ أجمعين، ومما يدل على ذلك، ما ثبت عند البخاري من حديث

стр. 45

ابن عمر-﵄، قال: (كنا نخير بين الناس في زمان رسول الله ﷺ ، فنُخيَّر أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان ﵃) ". (١)، ثم يأتي بعدهم باقي العشرة المبشرين بالجنة، ثم يليهم في الفضل عموم السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ثم أهل بدر، فأهل بيعة الرضوان، ثم عموم الصحابة ﵃ جميعًا. ثانيًا: اصطفاء اللهِ تعالى لهم لقد اصطفى الله جيل الصّحابة ليكونوا في طليعة خير قرون هذه الأمة، كما ثبت عند البخاري ﵀ من حديث عِمْرَانَ بن الحُصَيَنٍ ﵁ أن النبي- ﷺ قال في وصفهم: (خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - قالَ عِمْرانُ: لا أدْرِي: ذَكَرَ ثِنْتَيْنِ أوْ ثَلاثًا بَعْدَ قَرْنِهِ … ). (٢) ووصفهم الله تعالى بالخيرية فقال: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)، (آل عمران: ١١٠) قال ابن كثير (ت: ٧٤٤ هـ) ﵀ -: والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة، كل قرن بحسبه، وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ ، ثم الذين يلونهم، كما قال سبحانه في الآية الأخرى:

стр. 46

(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (البقرة: ١٤٣). (١) وهذه الآية وإن كانت عامة في الأمة كلها كما قال الحافظ ابن كثير، غير إن جيل الصحابة الكرام ﵃ في طليعة هذه الأمة لأنهم خير القرون، ولأنهم خير من قام بمهام الدين كلها ولا سيما بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي جاءت الخيرية منوطة بالقيام به مقترنًا بالإيمان بالله في هذه الآية. وإن كان المعني بالخطاب في هذه الآية الكريمة في قوله سبحانه: (كُنْتُمْ) هو جيل الصحابة الذين عاصروا الرسالة وعايشوا التنزيل، فهي كذلك تعم كل من أدى شرط الله فيها ممن أتى من بعدهم من عموم الأمة ممن قام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقترنًا بالإيمان بالله تعالى- كذلك-. قال عمر ﵁ -: مَنْ سرَّه أن يكون من هذه الأُمَّة فليؤدِّ شرط الله فيها. (٢) ثالثًا: كثرة صلاتهم وصحة عبوديتهم لله قال تعالى في وصف كثرة صلاتهم: (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ)، (الفتح: ٢٩) وقوله سبحانه: (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا) أي: وصْفُهم كَثرةُ الصَّلاةِ التي أجَلُّ أركانِها الركوعُ والسُّجودُ. يَبْتَغُونَ بتلك العبادةِ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا أي: هذا مقصودُهم بلوغُ رِضا رَبِّهم، والوُصولُ إلى ثوابِه. وقوله: (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ) أي: قد أثَّرَت العبادةُ - من كَثرتِها

стр. 47

وحُسْنِها- في وجوهِهم، حتى استنارت، لَمَّا استنارت بالصَّلاةِ بواطِنُهم استنارت بالجَلالِ ظواهِرُهم. (١) وقد تعاملوا مع الله بكل صدق وإيمان وصلاح للنية وإصلاح للطوية، وقد جعلوا حياتهم كله لله ولإعلاء كلمته ونصرة دينه، وقد تمثل ذلك في كلّ حركاتهم، وسَكَناتهم، حتى أضحت العبادة ملئ قلوبهم، وتحقيق كمال العبوديّة لله تعالى بإخلاص واتباع- أسمى أمانيهم. رابعًا: سبقهم للإيمان وصحبة النبيِّ العدنان ﷺ : قال تعالى: (وَالسّابِقونَ الأَوَّلونَ مِنَ المُهاجِرينَ وَالأَنصارِ وَالَّذينَ اتَّبَعوهُم بِإِحسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُم وَرَضوا عَنهُ)، (التوبة: ١٠٠). (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ). أي: وأصحابُ محمَّدٍ ﷺ الذين سَبَقوا المُسلِمينَ أوَّلًا إلى الإيمانِ، مِن الذين تركوا قومَهم، وفارَقُوا أوطانَهم، ومِن أهلِ المدينةِ الذين نَصَروا الرَّسولَ على الكافرينَ، وآوَوْا أصحابَه المهاجِرينَ. (٢) خامسًا: هجرتهم في سبيل الله قال تعالى في حق المهاجرين والأنصار: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) (الأنفال: ٧٢). أي: إنَّ المُهاجرينَ الذينَ آمَنوا بكُلِّ ما وجَبَ عليهم الإيمانُ به، وهجَروا قَومَهم،

стр. 48

وتَرَكوا دُورَهم، وخَرَجوا من أوطانِهم، وأنفَقوا أموالَهم؛ لِنُصرة دينِ اللهِ، وبالَغُوا في إتعابِ أنفُسِهم وبَذلِها في حَربِ الكافرينِ؛ لإعلاءِ كَلِمةِ الله تعالى. (١) وقال فيهم - سبحانه - أيضًا-: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) (الأنفال: ٧٤). أي: والمؤمِنونَ المُهاجِرونَ الذين قاتَلوا الكُفَّارَ؛ لإعلاءِ كَلِمةِ اللهِ، والأنصارُ الذين ضمُّوا مَن هاجَرَ إليهم، ونَصَرُوهم، ونَصَروا دينَ اللهِ- أولئك هم الكامِلونَ في الإيمانِ، الذين حقَّقوا إيمانَهم بفِعلِ ما يقتضيه مِن الهِجرةِ، والنُّصرةِ، والجهادِ في سَبيلِ اللهِ. (٢) سادسًا: جهادهم في سبيل الله قال تعالى في وصف جهادهم: (لكِنِ الرَّسولُ وَالَّذينَ آمَنوا مَعَهُ جاهَدوا بِأَموالِهِم وَأَنفُسِهِم وَأُولئِكَ لَهُمُ الخَيراتُ وَأُولئِكَ هُمُ المُفلِحونَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم جَنّاتٍ تَجري مِن تَحتِهَا الأَنهارُ خالِدينَ فيها ذلِكَ الفَوزُ العَظيمُ) (التوبة: ٨٨ - ٨٩). فالصحابة ﵃ بذلوا الغالي والنفيس في سبيل الله، فقدموا أموالهم وأرواحهم رخيصة أمام نصرة دين الله وإعلاء كلمته في الأرض. وإن خير شاهد لجهادهم وتضحيتهم بالنفس والمال في سبيل الله تعالى غزواتهم التي شاهدوهم مع النبي صلى الله عليهم وسلم، وكذلك إنفاقهم لأموالهم في الإعداد للجهاد، واستمر ذلك البذل وتلك التضحيات في عهد الخلفاء الراشدين- كذلك - ولقد علمنا أن فتوحاتهم الأمصار الواسعة العظيمة المترامية الأطراف كان على أيديهم ﵃ أجمعين.

стр. 49

سابعًا: صدق إيمانهم بالله قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة: ١١٩). عن عبد الله بن عمر ﵄ -: في قوله تعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (مع محمد ﷺ وأصحابه. وقال الضحاك: مع أبي بكر وعمر وأصحابهما. (١) ثامنًا: تحليهم بالإيثار مع خصاصتهم لمَّا كان الإيثَار مِن محاسن الشيم وكريم الأخلاق ونبل الطباع وكريم السجايا التي حث عليه ديننا الحنيف وشرعنا المنيف، وكان من المراتب العالية التي لا ينالها إلا الراغبين فيما عند الله تعالى، كان أحق الناس بالاتصاف به من تأسوا بخير الخلق وأعظمهم خلقًا- ﷺ ، لذا فقد أثنى الله في محكم آياته على إيثارهم، وامتدح فعالهم، ووصفهم بالفلاح. كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر: ٩). قال الطَّبري ﵀ -: يقول تعالى ذكره: وهو يصفُ الأنصار: (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ) مِن قبل المهاجرين، (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ (يقول: ويعطون المهاجرين أموالهم إيثَارًا لهم بِها على أنفسهم (وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) يقول: ولو كان بهم حاجة وفاقة إلى ما آثَرُوا به مِن أموالهم على أنفسهم. (٢). وقال ابن كثير ﵀ -:

стр. 50

أي: يقدِّمون المحاويج على حاجة أنفسهم، ويبدؤون بالنَّاس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك. (١) ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ -: وأمَّا الإيثَار مع الخصاصة فهو أكمل مِن مجرَّد التَّصدق مع المحبَّة، فإنَّه ليس كلُّ متصدِّق محبًّا مؤثرًا، ولا كلُّ متصدِّق يكون به خصاصة، بل قد يتصدَّق بما يحبُّ مع اكتفائه ببعضه مع محبَّة لا تبلغ به الخصاصة. (٢) تاسعًا: انتسابهم للأمة الوسط الشاهدة على الأمم قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (البقرة: ١٤٣). قال الطبري ﵀ -: فمعنى ذلك: وكذلك (جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) عدولاً شهداء لأنبيائي ورسلي على أممها بالبلاغ أنها قد بلغت ما أمرت ببلاغه من رسالاتي إلى أممها، ويكون رسولي محمد ﷺ شهيدًا عليكم بإيمانكم به، وبما جاءكم به من عندي. (٣) وقال ابن كثير ﵀ -: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) قال: لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم، لأن الجميع معترفون لكم بالفضل. (٤) قال الكلبي ﵀ -:

стр. 51

(وَسَطًا): يعني: أهل دين وسط، بين الغلو والتقصير، لأنهما مذمومان في الدين. (١) عاشرًا: عموم فضائل الصحابة الصحابة- ﵃ لهم السبق في كل خير وفضل وبر، فلقد تحلوا بأمهات الفضائل من صدق الإيمان بالله وصحة العلم وسلامة العمل والدعوة إلى الله ونشر الإسلام والنصح لعباد الله والهجرة والجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله، والقيام بواجبات الدين كلها ونشروا كل هذه الفضائل بين هذه الأمة، ولذا لن تجتمع أمهات الفضائل ومحاسن هذه الدين في أي جيل مثلما اجتمعت واكتملت لهم - رضوان الله عليهم أجمعين. قال ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁ -: الصحابة أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأقومها هديًا، وأحسنها حالًا، اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ وإقامة دينه،. (٢). فحبهم سنة والدعاء لهم قربة والاقتداء بهم وسيلة والأخذ بآثارهم فضيلة. (٣) لذا فقد امتاز جيلهم بالفهم الصحيح للإسلام وبكمال العلم والعمل بأركانها ومبادئه وأوامره وأخلاقه، مقرونًا بصحة المعتقد وكمال الإيمان، مصوبًا بحسن التأسي بنبيهم ﷺ ، ويعود ذلك أولًا لمحض فضل الله عليهم، وذلك باصطفائه سبحانه- لهم واختيارهم لصحبة نبيه ﷺ ليكون في طليعة الرعيل الأول من خير قرون هذه الأمة. المطلب الثاني: عبودية حواريي الأنبياء وأصحابهم ثم تليهم في رتبة العبودية لرب البرية، رتبة حواريي الأنبياء وأصحابهم وعموم أتباع الرسل كمريم ابنة عمران، وآسية بنت مزاحم زوج فرعون، وكالذين ورد ذكر

стр. 52

طرف من أخبارهم في القرآن، كمؤمن آل فرعون، ومؤمن آل ياسين، وكذلك سحرة فرعون الذين آمنوا بموسى ﵇ واتبعوه، وكذلك أصحاب الكهف، وغلام الأخدود والذين آمنوا معه، وغيرهم كثير كعلماء كل أمة لأنهم ورثة الأنبياء. ثم تليهم رتبةَ، رتبةُ المنعمِ عليهم المذكور شأنُهم في سورة النساء بعد النبيين عليهم الصلاة والسلام أجمعين في قوله تعالى: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) (النساء: ٦٩)، وإن كان من سبق ذكرهم يدخل في جملة تعداد المنعم عليهم، وهذا محض فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده، ثم يليهم رتبة في العبودية، رتبة عموم الخلق كل بحسب تحقيق عبوديته لخالقه ظاهرًا وباطنًا. المطلب الثالث: عبودية عموم الخلق وإن الكلام على عبودية عموم الخلق قد سبق بحثه وهنا نشير إليه - مقتضبًا- فحسب. وقد قال الله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (الذريات: ٥٦)، وهذا يشمل جميع المكلفين من عموم الثقلين كما أنه قد مر معنا في طيات البحث أن عموم الخلق يشملهم وصف العبودية، فمنهم منهم من أقبل على عبودية الله طائعًا مختارًا، ومنهم من شرد عن عبودية الاختيار فقهره الله بعبودية القهر والغلبة التي لا تنفك عن أهل الجحود والنكران، كما أن عبودية الطاعة والاختيار تميز به عباد الله الأبرار. أما أهل عبودية الاختيار: فاندرجوا بتلك العبودية تحت عبودية توحيد الألوهية، فألَّهوا ربهم وعبدوه وعظموه وعبدوه خوفًا وطمعًا، ورغبًا ورهبًا. وأما أهل عبودية الغلبة والقهر: فإنهم خرجوا عن مسمى الألوهية فَغُلِبوا وقُصِرُوا قَهرًا تحت مسمى الربوبية. من هنا يتجلى الأمر ويتضح أن الخلق جميعًا شاء أم أَبَوا كلهم عبيد لله، فإن أقبلوا على ربهم طائعين مختارين فقد حازوا شرف السبق واندرجوا تحت عبودية التكريم والتشريف، وإن انتكبوا الصراط وامتنعوا عن قبول كرامة الله والدخول تحت مسمى تلك العبودية فإن الله قد قهرهم وغلبهم على أمرهم وقصرهم على عبودية القهرة والغلبة ذليلين صاغرين لأنه- سبحانه- هو خالقهم ورازقهم ومحيهم ومميتهم وباعثهم ومحاسبهم ومجازيهم على أعمالهم، فليس لهم من مهرب ولا مفر ولا محيص عن تلك العبودية ولا انفكاك لهم عنها بحال من الأحوال.

стр. 53

الفصل الثالث عبودية الملائكةِ والجنِّ وفيه مبحثان المبحث الأول: عبودية الملائكةِ وفيه ستة مطالب: المطلب الأول: التعريف بالملائكة عالم الملائكة عالم كريم، وهو غير عالم الإنس وغير عالم الجن، وهو عالم كله طهر وصفاء ونقاء، لأنهم لم تغرس فيهم الشهوة الحيوانية ولم تركب فيهم المعصية الآدمية، وهم كرام على ربهم، وهم يعبدون الله كما أمرهم وجبلهم، وهم كما وصفهم الله: (لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (التحريم: ٦).

стр. 54

أ- الملائكة لغة: "والملك أصله: أَلكَ، والمألكة، والمألكُ: الرسالة. ومنه اشتق الملائك؛ لأنهم رسل الله. وقيل: اشتق من (لَ أك) والملأكة: الرسالة، وألكني إلى فلان؛ أي: بلغه عني، والملأك: الملك؛ لأنه يبلغ عن الله تعالى. وقيل: الملك من الملك. قال: والمتولي من الملائكة شيئًا من السياسات يقال له مَلَك، ومن البشر مَلِك. " (١). ب- الملائكة اصطلاحًا: "خلق من خلق الله تعالى، خلقهم الله من نور، مربوبون مسخرون، عباد مكرمون، (لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (التحريم: ٦)، لا يوصوفون بالذكورة ولا بالأنوثة، لا يأكلون ولا يشربون، ولا يملون ولا يتعبون ولا يتناكحون ولا يعلم عددهم إلا الله. " (٢) وقد نقل السيوطي عن الفخر الرازي: "أن العلماء اتفقوا على أن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناكحون". (٣) وعلاقتهم بالله ، هي علاقة عبودية وخضوع وذل وطاعة مطلقة غير مشوبة بمعصية أبدًا. المطلب الثاني: حكم الإيمان بالملائكة والإيمان بالملائكة هو أحد أركان الإيمان الستة التي لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن بها.

стр. 55

فيؤمن العبد بوجودهم، ويعتقد ذلك اعتقاد جازمًا وأنهم قد خُلِقوا من نور، وأنهم قائمون بمهامهم التي أمرهم ربهم وتعبدهم بها، ويؤمن بما ثبت لهم من صفات وخصال وأعمال في الكتاب والسنة كذلك، بغير زيادة ولا نقصان ولا تحريف ولا تبديل، والعبد غير مكلف بالتنقيب والبحث عما لم يؤمر به ولم يُحِط به علمًا عن عالم غيبي أُمِرَ بالإيمان به جملة، وأمر بالإيمان بهم وبأسمائهم وبوصفهم وأعمالهم وبكل ما ورد عنهم عن طريق الوحي المبين تفصيلًا-وكفى- فلا دخل للعبد فيما استأثر الله سبحانه بعلمه عنهم ولم يطلع عليه أحدًا من خلقه. قال تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ) (البقرة: ٢٨٥). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاسِ، إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ يَمْشِي، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: (الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَلِقَائِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الآخِرِ) (١) وفي حديث جبريل المشهور عند مسلم: قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ، قَالَ: (أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ)، قَالَ: صَدَقْتَ. الحديث. (٢) ومن لم يؤمن بوجودهم ولم يقر ويعترف بهم فهو كافر بالله تعالى بإجماع المسلمين، كما قال سبحانه في محكم كتابه: (وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيدًا) (النساء: ١٣٦) وقال سبحانه - أيضًا -: (مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ) (البقرة: ٩٨) المطلب الثالث: مكانتهم وخلقتهم وهم ليسوا على مقدار واحد في المقام والمكانة والشرف والقدر عند ربهم كما قال تعالى عنهم: (وما منَّا إلاَّ له مقامٌ معلومٌ) (الصافات: ١٦٤)

стр. 56

وسيأتي معنا بيان ذلك بإذن الله. وهم متفاوتون كذلك في الخلقة أيضًا، فمنهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة أجنحة كما قال تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (فاطر: ١). ومنهم من هو فوق ذلك كما ثبت أن لجبريل ستمائة جناح كما سيأتي بإذن الله. المطلب الرابع: أعداد الملائكة وأعدادهم لا يحصيها خلق أبدًا، فهم جم غفير لا يحصيهم إلا خالقهم كما قال : (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) (المدثر: ٣١)، وفي صحيح مسلم عن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: (يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها) (١). فيكون بذلك مجموع من يجرون جهنم من الملائكة يوم القيامة هو حاصل ضرب سبعين ألف في سبعين ألف، أي: أربعة مليارات وتسعمائة مليون ملك من الملائكة الكرام. ويكفي في ذلك دخول سبعين ألف ملك للبيت المعمور كل يوم يصلون فيه ولا يعودون كما سيأتي بيان ذلك في موضعه بإذن الله تعالى. المطلب الخامس: مهام ووظائف الملائكة والملائكة مع كمال عبوديتهم لله، فإنهم مكلفون أيضًا بتدبير شؤون الخلق بأمر من الله تعالى وتنفيذ ما قدره الله تعالى بعدله وحكمته وإرادته جل في علاه. ومن أعمالهم أيضًا الدعاء للمؤمنين والاستغفار لهم وإعانتهم على طاعة الله وحثهم على الخير ودفع الأذى والشر عنهم ونصرتهم وتأييدهم وتثبيتهم. وقد ورد في الكتاب والسنة الكثير من أعمالهم ومهامهم التي وكلها الله إليهم. ومن التكاليف والمهام الأعمال التي تقوم بها الملائكة ما يختص بعالم الغيب، مما أخبرنا الله عنه ومن ذلك:

стр. 57

١ - حملة العرش ومن حوله ولهم مهام عظيمة: قال تعالى مبينًا مهمتهم: (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ) (الحاقة: ١٧). وقال تعالى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ) (غافر: ٧). ومما ورد في عِظَمِ خلقتهم: ما ثبت عند أبي داود وصححه الألباني ﵀ من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "أُذن لي أن أُحدِّث عن ملك من ملائكة الله، من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام. " (١) ومما ورد في عظم خلقتهم أيضًا وعبوديتهم لله تعالى ما ثبت عند الطبراني في معجمه الأوسط وصححه الألباني ﵀ في صحيح الجامع الصغير من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش، رجلاه في الأرض السفلى، وعلى قرنه العرش، وبين شحمة أذنيه وعاتقه خفقان الطير سبعمائة عام، يقول ذلك الملك: سبحانك حيث كنت". (٢). ٢ - ومنهم جبريل ﵇ -: وهو من أشرف الملائكة الكرام، ذلك لأنه وُكِلَ بأشرف المهام وأعظمها وأجلها، ألا وهي النزول بالوحي من عند الله على رسله الكرام عليهم الصلاة والسلام أجمعين، والوحي به حياة القلوب. كما قال ربنا: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥). والروح الأمين هو جبريل ﵇. وهو كذلك من أقرب المقربين من رب العزة جل في علاه: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ) (التكوير: ١٩ - ٢١). وهو مع وصفه بالأمين فهو القوي كذلك كما وصفه الله بقوله سبحانه: (عَلّمَهُ شديدُ القُوَىَ ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوَى) (النجم: ٦ - ٧).

стр. 58

ولقد رأى النبيُ ﷺ جبريلَ على صورته الحقيقية التي خلقه الله تعالى عليها مرتين، أما الرؤية الأولى: فقد وقعت في الأرض في بداية نزول الوحي، وتتابع الوحي بعدها فنزلت بعدها سورة المدثر. ويدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ - أي انقطاع - الْوَحْيِ فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: (فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجَئِثْتُ مِنْهُ رُعْبًا فَرَجَعْتُ، فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي، فَدَثَّرُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ - إلى - والرجز فَاهْجُر) (١). وهذه الرؤية هي التي ذكرها الله بقوله: (وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ) (التكوير: ٢٣) قال ابن كثير ﵀ -: "يعني: ولقد رأى محمدٌ جبريلَ الذي يأتيه بالرسالة عن الله على الصورة التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح، (بِالأفُقِ الْمُبِينِ) أي: البين، وهي الرؤية الأولى التي كانت بالبطحاء (موضع بمكة)، وهي المذكورة في قوله: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالأفُقِ الأعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إَلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) (النجم: ٥ - ١٠)، كما تقدم تفسيرُ ذلك وتقريره، والدليلُ أن المرادَ بذلك جبريل ﵇. والظاهر-والله أعلم -أن هذه السورة - يعني سورة التكوير -نزلت قبل ليلة الإسراء؛ لأنه لم يذكر فيها إلا هذه الرؤية، وهي الأولى. وأما الثانية: وهي المذكورة في قوله: (وَلَقَدْ رَآهُ نزلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى) (النجم: ١٣ - ١٦)، فتلك إنما ذكرت في سورة " النجم "، وقد نزلت بعد سورة الإسراء " انتهى. (٢) قال ابن مسعود ﵁ في تفسير هذه الآية: "رأى جبريلَ له ستمائة جناح". (٣) وهذا ما قرره العلماء.

стр. 59

و"الذي تقرره الأدلة الصريحة أن النبي ﷺ رأى جبريل ﵇ على صورته التي خلقه الله عليها مرتين اثنتين فقط، وقد عد السيوطي ﵀ هذا الأمر من خصائص النبي ﷺ ". (١) قال النووي ﵀ -: "وهكذا قاله أيضا أكثر العلماء، قال الواحدي: قال أكثر العلماء: المراد رأى جبريل في صورته التي خلقه الله تعالى عليها" انتهى. (٢). ٣ - ومنهم ميكائيل ﵇ -: ميكائيل: وهو الملك الموكل بالقطر وإنزال الأمطار التي بها خِصْبُ الأرض وحياتها وبها ينبت النبات وتحيا المخلوقات، إنسها وبهيمها. وقد وكل الله لميكائيل أعوانًا من الملائكة يقومون بتصريف الرياح وتوجيه السحب وصرفها حيث يشاء الله تعالى. وهو ثاني ملك بعد جبريل جرى في الفضل والمكانة، ولذا نُصَ على اسمه صراحة في كتاب الله تعالى؛ (هو وجبريل) ﵉. وهو في تعداد أشراف الملائكة المقربين، وقد تعددت رؤيةُ رسولِ الله ﷺ لميكائيلَ. وذلك لما ثبت من حديث ابن عمر ﵄ قال: "قال رسول الله ﷺ لجبريل ﵇: ما لي لم أر ميكائيل ضاحكًا قط؟ قال ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار ". (٣)

стр. 60

٤ - ومنهم إسرافيل ﵇ -: وإسرافيل ﵇ هو: الملك الموكل بالنفخ في الصُّوُرِ، والصور هو (القَرْن)، وقد دل على ذلك حديث عبد الله بن عمرو ﵄-عند أبي داوود والترمذي وأحمد وصححه الألباني، قال: سُئِل النبي ﷺ عن الصُّور؟ فقال: (قرنٌ ينفخ فيه). (١) وهو في تعداد أشراف الملائكة المقربين، ولم يرد اسمه بنصٍ صريح في القرآن الكريم بل ورد اسمه على لسان المعصوم ﷺ . أما حجم خلق إسرافيل ﵇ وعدد أجنحته فلا يعلم الباحثُ نصًا صحيحًا صريحًا في هذا الصدد ولكن عندما يُتصورُ حجمُ الصُّورِ (البوق)، يُعلم تخيل حجمه ﵇ وعظيم خلقته، وهذه أمور كلها غيبية لا دخل في تصور العقل لها وما يملك المؤمن إلا الإيمان بها كسائر المغيبات. وإسرافيل ﵇ لشرفه ومكانته عند ربه قد شهد بدرًا مع جبريل وميكائيل عن على بن أبي طالب ﵁ قال: قال لي النبيُّ ﷺ ولأبي بكرٍ يومَ بدرٍ: "مع أحدِكُما جبريلُ، ومع الآخر ميكائيلُ؛ وإسرافيلُ ملكٌ عظيمٌ يشهدُ القتال، أو قال: يشهدُ الصفَّ. " (قاله لعليٍّ ولأبي بكر). " (٢).

стр. 61

وأشراف الملائكة هم من شهدوا غزوة بدر، ففي صحيح البخاري عن رفاعة بن رافع بن مالك الأنصاري الخزرجي (١): أن جبريل جاء للنبي ﷺ فقال: "ما تعدّون أهل بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين، أو كلمة نحوها، قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة". (٢). وقد بلغ من ذله وعبوديته لربه وتعظيمه لأمره أنه منذ أن وِكِلَت إليه هذه المهمة العظيمة الجليلة لم يفتأ ينظر إلى عرش ربه ينتظر متى يؤمر بالنفخ في الصور حال صدور أمر ربه جل في علاه، فقد ثبت عند الحاكم وصححه الألباني رحمه الله تعالى من حديث أبي هريرة ﵁ -قال: قال رسول الله ﷺ : "إن طَرْفَ صاحبِ الصُّور مُذْ وكِّل به مستعدٌّ ينظرُ نحو العرش مخافةَ أن يُؤمَر قبل أن يرتدَّ إليه طَرْفُه، كأن عينيه كوكبانِ دُرِّيَّانِ. " (٣) وقد وقع خلاف بين العلماء في النفخ في الصور، هل هو نفختان، أم ثلاث نفخات؟ والراجح أنهما نفختان اثنتان، أما النفخة الأولى فهي نفخة (الصَعْق) وأما النفخة الثانية فهي نفخة (البعث).

стр. 62

كما دل على ذلك قوله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) (الزمر: ٦٨). ويقول الإمام ابن باز (ت: ١٤٢٠ هـ) ﵀ -: " الصور قرن عظيم، ينفخ فيه إسرافيل النفخة الأولى للموت والفزع، والنفخة الثانية للبعث والنشور. هاتان النفختان جاء بهما القرآن الكريم. إحداهما يقال لها: نفخة الصعق، ويقال لها: نفخة الفزع، وبها يموت الناس، والثانية نفخة البعث، وقال جماعة من العلماء: إنها ثلاث: نفخة الفزع، وقد يفزع الناس فقط، ثم تأتي بعدها نفخة الموت، ثم نفخة البعث والنشور. والمحفوظ نفختان فقط، كما دل عليهما كتاب الله العظيم " انتهى. (١) ٥ - ومنهم ملك الموت ﵇ -: قال تعالى: (قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) (السجدة: ١١) قال ابن كثير ﵀ -: "الظَّاهِر مِنْ هَذِهِ الْآيَة أَنَّ مَلَك الْمَوْت شَخْص مُعَيَّن مِنْ الْمَلَائِكَة كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَر". (٢). وهو الذي "يتوفى أرواح جميع الخلائق" (٣). وملك الموت له أعوان من الملائكة كما قال تعالى: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ) (الأنعام: ٦١). ومن مشاهد العبودية هنا قوله تعالى: (وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ) أي: لا يقصرون في قبض روح أحدكم طاعة لله وإنفاذًا لأمره جل في علاه. قال الطبري ﵀ -: "إن قال قائل: أو ليس الذي يقبض الأرواح ملك الموت، فكيف قيل: (توفته رسلنا)، و"الرسل" جملة، وهو واحد؟

стр. 63

قيل: جائز أن يكون الله تعالى ذكره أعان ملك الموت بأعوان من عنده، فيتولون ذلك بأمر ملك الموت فيكون" التوفي " مضافًا إلى ملك الموت، كما يضاف قتلُ من قتله أعوانُ السلطان، وجلدُ من جلدوه بأمر السلطان، إلى السلطان، وإن لم يكن السلطان باشر ذلك بنفسه، ولا وليه بيده ". (١) وقال القرطبي ﵀ -: "والتوفي تارة يُضاف إلى ملك الموت، كما قال: (قل يتوفاكم ملك الموت) وتارة إلى الملائكة لأنهم يتولون ذلك، كما في قوله: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ) وتارة إلى الله وهو المتوفي على الحقيقة، كما قال: (الله يتوفى الأنفس حين موتها) ". (٢)، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ) (النساء: ٩٧). وقال تعالى: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ) (النحل: ٢٨). قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀ -: "فتحصل أن إسناد التوفي إلى ملك الموت في قوله تعالى: " قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ " (السجدة: ١١)، لأنه هو المأمور بقبض الأرواح. وأن إسناده للملائكة في قوله: " فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ " (محمد: ٢٧)، ونحوها من الآيات لأن لملك الموت أعوانا يعملون بأمره. وأن إسناده إلى الله في قوله تعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) (الزمر: ٤٢)، لأن كل شيء كائنا ما كان لا يكون إلا بقضاء الله وقدره والعلم عند الله". (٣) ولم يثبت في ذلك حديث صحيح تسميته ملك الموت ﵇ بـ "عزرائيل" كما هو مشهور عند الكثير من عموم الخلق قديمًا وحديثًا. قال ابن كثير ﵀ -: "وأما ملك الموت فليس بمصرح باسمه في القرآن، ولا في الأحاديث الصحاح، وقد جاء تسميته في بعض الآثار بعزرائيل". (٤).

стр. 64

وقال المناوي ﵀ -: بعد أن ذكر أن ملك الموت اشتهر أن اسمه عزرائيل، قال: "ولم أقف على تسميته بذلك في الخبر". (١). وقال الشيخ بكر أبو زيد ﵀ -: "عزرائيل: خلاصة كلام أهل العلم في هذا: أنه لا يصح في تسمية ملك الموت بعزرائيل -ولا غيره- حديث، والله أعلم. " (٢) والمشهور عند أهل التحقيق أن شيوع هذا الاسم من الإسرائيليات، والآثار الواردة في هذا الصدد لم يقف الباحث لها على شيء ثابت يصلح الاحتجاج به. ٦ - ومنهم عموم الملائكة: ومن الملائكة الكرام أيضًا رضوان خازن الجنة وأعونه، ومالك خازن النار وأعوانه، وزبانية جهنم وهم تسعة عشر ملكًا، وهناك الحفظة، والكرام الكاتبون، ومنهم الموكلون بسؤال القبر وفتنته، وهما منكر ونكير، ومنهم الموكل بالجبال، ومنهم القرين الذي يحث المؤمن على الخير ويدعوه إليه ويؤزه عليه أزًا، ومنهم من يشهدون جنائز المتقين من عباد الله كما شيع سبعون ألف ملك جنازة سعد بن معاذ ﵁، ومنهم ملائكة سيارة يلتمسون حلق الذِّكر ومجالس العلم، ومنهم من يتعاقبون على العباد في أوقات الصلوات وغيرها، ومنهم من يكتب أسماء المصلين يوم الجمعة في المساجد، ومنهم من لهم أعمال غير ذلك، وغيرهم كثير مما لا يحصيهم غير خالقهم .

стр. 65

المطلب السادس: عبادة الملائكة وبعد هذا البيان الوارد في شأن الملائكة الكرام من وصفٍ لخلقتهم ومكانتهم وشرفهم وقدرهم عن ربهم وما وِكِلَ إليهم من مهام عظام وأعمال كبيرة جسام، فهم مع ذلك كله مربوبون مسخرون لخالقهم مطيعون غير خارجين عن أمره وعن طاعته وعبادته، فهم مفطورون على العبادة، ومجبولون عليها، والعبودية وصفٌ لازم لهم، وهم من أشرف الخلق وأكرمهم على ربهم ، وقد وُصِفُوا في كتاب الله بأشرف وصف كما قال سبحانه: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) (الأنبياء: ٢٦ - ٢٧). وقال الله تعالى في وصف طاعتهم المطلقة له سبحانه بأنهم: (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ). (االتحريم: ٦). وقال في وصف عبادتهم وذكرهم له سبحانه: (وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبّحُونَ الْلَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ) (الأنبياء: ١٩، ٢٠). وقال سبحانه: (وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) (الشورى: ٥). ووُصِفُوا بأنهم يخافونه سبحانه من فوقهم؛ كما قال ربنا: (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [النحل: ٥٠]، وَوُصِفَت خشيتُهم له سبحانه في قوله تعالى: (وَهُمْ مشْفِقُونَ) (الأنبياء: ٢٨) ووُصِفَ ذُلُهم وخُضُوعُهم وصنوفُ عباداتهم لله في قوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ) [الأعراف: ٢٠٦]، وقد ثبت عند البخاري من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنها سلسلة على صفوان، فإذا فُزِّعَ عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق، وهو العلي الكبير) (١). ومن مشاهدة عبوديتهم وصلاتهم يوميًا في الملأ الأعلى ودخولهم البيت المعمورة للصلاة فيه ما ثبت في الصحيحين حديث منْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ ﵄،

стр. 66

في حديث المعراج الطويل أن الملائكة كل يومٍ تدخلُ البيتَ المعمور في السماوات العلا تُصلِّي لله تعالى فيه، وفيه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " فَرُفِعَ لِي البَيْتُ المَعْمُورُ، فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ، فَقَالَ: هَذَا البَيْتُ المَعْمُورُ يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ". (١) ومن مشاهدة عبوديتهم كذلك: مَن حاله منهم القيام الدائم لله، ومَن حاله منهم السجود الدائم لله ﵎، يبين ذلك ما ثبت عندي الطبراني في الكبير وصححه الألباني رحمه الله تعالى في السلسلة الصحيحة من حديث حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ -فِي أَصْحَابِهِ إِذْ قَالَ لَهُمْ: (تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَعُ؟) قَالُوا: مَا نَسْمَعُ مِنْ شَيْءٍ. قَالَ: (إِنِّي لَأَسْمَعُ أَطِيطَ السَّمَاءِ، وَمَا تُلَامُ أَنْ تَئِطَّ، وَمَا فِيهَا مَوْضِعُ شِبْرٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ). (٢) وما ثبت كذلك عند الترمذي وحسنه الألباني رحمه الله تعالى في صحيح الجامع منْ حديث أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ أَطَّتِ السَّمَاءُ، وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ". (٣) فسبحان من سجدت له الأملاك كلها. المبحث الثاني: عبودية الجنِّ وفيه ثلاثة مطالب:

стр. 67

الجن عالم مستقل غير عالم الإنس وعالم الملائكة، وبينهم وبين الإنس قدر مشترك عقلًا وإدراكًا وحسًا وتكليفًا وتميزًا بين الحق والباطل وبين الخير والشر، وإن كانوا يخالفون الإنس في بعض الأمور. وسموا جنًّا لاجتنانهم، أي: استتارهم عن العيون، المطلب الأول: التعريف بالجنِّ أ- الجن لغة: قال ابن عقيل: " إنما سمّي الجن جنًّا لاجتنانهم واستتارهم عن العيون، ومنه سمي الجنين جنينًا، وسمّي المجنّ مجنًا لستره للمقاتل في الحرب " (١). " وأصل الجن: ستر الشيء، تقول جنه الليل، وجن عليه فجنه ستره، يقول تعالى: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ) (الأنعام: ٧٧)، أي ستر عليه وأظلم، والجنان: القلب لكونه مستورًا. والجنين: الولد ما دام في بطن أمه، فهي تفيد معنى الاستتار والاختفاء. " (٢) ب- الجن اصطلاحًا: "إن الجن عالم من العوالم الغيبية التي نصدق بوجودها ونؤمن بأن هذا العالم يستحيل علينا تعريفه بعيدًا عن الوحي، وأي محاولة لتعريف هذا العالم خارج دائرة الوحي تعتبر ضربًا من العبث لا دليل تقوم عليه، وقد حاول بعض الباحثين والمفسرين تعريف عالم الجن بالاستعانة بالوحي، منهم: محمد فريد وجدي (ت: ١٣٧٣ هـ) يقول ﵀ -: "الجن نوع من الأرواح العاقلة المريدة على نحو ما عليه روح الإنسان ولكنهم مجردون من المادة، ليس لنا علم بهذا النوع من الأرواح إلا ما هدانا إليه القرآن العظيم من أنهم عالم قائم بذاته وأنهم قبائل وأن منهم المسلم ومنهم الكافر". (٣) ويقول محمود حجازي (ت: ١٣٩٢ هـ) ﵀ -:

стр. 68

"الجن عالم غير عالمنا مستتر لا يُرى، الله أعلم بحقيقته ولا نعرف عنه إلا ما أخبرنا به الحق أو رسوله ﷺ في خبره الصحيح فهو مخلوق من نار (وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ)، (الحجر: ٢٧). وقد يبعَث لهم الرسل كما نص القرآن الكريم: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ)، (الأنعام: ١٣٠). وهم كالبشر سواء بسواء يثاب مؤمنهم ويعاقب كافرهم". (١) ويقول الألوسي (ت: ١٢٧٠ هـ) ﵀ -: "واحده جني، كروم ورومي، وهم أجسام عاقلة تغلب عليها النارية كما يشهد له قوله تعالى: (وَخَلَقَ الجَانَ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ) (الرحمن: ١٥). وقيل الهوائية- منهم-، قابلة جميعها أو صنف منها للتشكل بالأشكال المختلفة، من شأنها الخفاء وقد ترى بصور غير صورها الأصلية، بل وبصورها الأصلية التي خلقت عليها كالملائكة ﵈، وهذا للأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم ومن شاء الله تعالى من خواص عباده ، ولها قوة على الأعمال الشاقة ولا مانع عقلًا أن تكون بعض الأجسام اللطيفة النارية مخالفة لسائر أنواع الجسم اللطيف في الماهية ولها قبول لإفاضة الحياة والقدرة على أفعال عجيبة. " (٢) وقد خلقهم الله من نار السموم كما قال تعالى: (وَالْجَآنَّ خلقناه من قبل من نّار السَّموم) (الحجر: ٢٧)، (وَالْجَآنَّ) "هو إبليس خُلِقَ قبل آدم، و (نّار السَّموم) " الحارة التي تقتل ". (٣) وقال سبحانه في سورة الرحمن: (وخلق الجانَّ من مَّارجٍ من نَّارٍ) (الرحمن: ١٥). و"الجان" أبو الجن. وقيل: هو إبليس. والمارج: اللهب الصافي الذي لا دخان فيه. وقيل: المختلط بسواد النار، من مرج الشيء إذا اضطرب واختلط". (٤).

стр. 69

و"الشيطان أصل الجن، كما أنّ آدم أصل الإنس" (١). ومما يدلل على أصل خلقتهم من السنة ما ثبت عند مسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "خلقتْ الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم". (٢) وإذا أردنا الخروج بتعريف جامعٍ مانعٍ فلابد من تتبع واستقراء تام لنصوص الوحيين لمعرفة ماهية عالم الجن وطبائع هذا العالم الغيبي، ومعرفة صفاتهم الخِلقِة والخُلقية، وقدراتهم الخارقة لعادات البشر وطبيعة تكوينهم من نار وحقيقة أجسامهم وتشكلهم وما أبيح لهم من طعام وشراب، وتناكحهم وتناسلهم وتكليفهم، وحياتهم وموتهم وحشرهم ونشرهم، وإثابتهم وعقوبتهم، وعلاقتهم بالبشر، الجائز منها والممنوع، والممكن منها والمحال. ونصوص الوحيين ولاسيما السنة فيها تفصل لكثير من الحقائق والأخبار والقصص والوقائع والأحكام المتعلقة بالجن، فلعل الله أن يقيض لها باحثًا لبيبًا يتتبع نصوص الوحيين فيخرج منها ما ذكرنا آنفًا من كل ما يتعلق بالجن فيخرج لنا تعريفًا اصطلاحيًا جامعًا مانعًا شاملًا لكل وصف لهم. المطلب الثاني: حقيقة وجود الجنِّ وتكليفهم بالعبادة ولقد دلت نصوص الوحيين على وجودهم حقيقة، وأنهم خُلِقوا لعبادة الله وحده لا شريك له كالإنس تمامًا، وعلى أنهم مكلفون بالإيمان بالله تعالى وبشرائعه، قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (الذاريات: ٥٦). وأن النبي ﷺ بُعِثَ إليهم كما بُعِثَ إلى الإنس، قال الله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). (الأنبياء: ١٠٧). وقال تعالى: (يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا). (الأنعام: ١٣٠).

стр. 70

" (ألم يأتكم) أي: في الدنيا، (رسل منكم يقصون عليكم آياتي) أي: بالأمر والنهي (وينذرونكم) يخوفونكم: (لقاء يومكم هذا) وهو يوم الحشر الذي قد عاينوا فيه أفانين الأهوال) قالوا): يعني الجن والإنس: (شهدنا على أنفسنا) أي: أقررنا بإتيان الرسل وإنذارهم، وبتكذيب دعوتهم. " (١) ولا شك أن إقرار المؤمنين منهم هو عين العبودية. لأنه إقرار بأن رسل الله قد أبلغت رسالات ربها وأوضحت السبيل وأنذرت، وأما إقرار الكفار- فهو إقرار اعتراف بعد إقامة الحجة عليهم، فهو إقرار عبودية قهر وغلبة -، لا إقرار عبودية انقياد وخضوع وذل وإذعان. وأن منهم المؤمن والكافر والبر والفاجر كما قال الله عنهم: (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا) (الجنّ: ١٤ - ١٥). "وَ (الْمُسْلِمُونَ) الذين قد خضعوا لله بالطاعة، وَ (الْقَاسِطُونَ) الجائرون عن الإسلام وقصد السبيل". (٢) وقد ثبت عند مسلم منْ حديث أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ "إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ". (٣) وهم مع إسلامهم متفاوتون في صلاحهم، كما قال تعالى في السورة نفسها: (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا) (الجن: ١١).

стр. 71

و (الصالحون) هم: " الموصوفون بصلاح الحال في شأن أنفسهم وفي معاملتهم مع غيرهم المائلون إلى الخير والصلاح، حسبما تقتضيه الفطرة السليمة لا إلى الشر والفساد كما هو مقتضى النفوس الشريرة. (ومنا دون ذلك) أي: قوم دون ذلك وهم المقتصدون. " (١). و (طرائق قددًا) أي: "فرقًا مختلفة أهواؤنا. وقال أبو عبيدة: واحد الطرائق: طريقة، وواحد القدد: قدة، أي: ضروبًا وأجناسًا ومللًا. وقال الحسن، والسدي: الجن مثلكم، فمنهم قدرية، ومرجئة، ورافضة" (٢). وكذلك منهم اليهودي والنصراني وغيرها من الملل والنحل فهم طرائق قددًا كما ذُكِرَ لنا. وقد سُئِلَ شيْخُ الإسلام ابن تيميةـ ﵀ عن الجان المؤمنين: هل هم مخاطبون بفروع الإسلام كالصوم والصلاة، وغير ذلك من العبادات، أوهم مخاطبون بنفس التصديق لا غير؟ فأجَاب ﵀ بقوله: "لا ريب أنهم مأمورون بأعمال زائدة على التصديق، ومنهيون عن أعمال غير التكذيب، فهم مأمورون بالأصول والفروع بحسبهم، فإنهم ليسوا مماثلي الإنس في الحد والحقيقة، فلا يكون ما أمروا به ونهوا عنه مساويًا لما على الإنس في الحد، لكنهم مشاركون الإنسَ في جنس التكليف بالأمر والنهي، والتحليل والتحريم. وهذا ما لم أعلم فيه نزاعًا بين المسلمين. " (٣) وقد جاء في خبر إسلام أوائلهم في صدر بعثة النبي صلى الله عله وسلم ما ثبت عند البخاري من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:

стр. 72

"انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ الشُّهُبُ فَرَجَعَتْ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا مَا لَكُمْ فَقَالُوا حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ قَالُوا مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلا شَيْءٌ حَدَثَ فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ فَانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ بِنَخْلَةَ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلاةَ الْفَجْرِ فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ فَقَالُوا هَذَا وَاللَّهِ الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ فَهُنَالِكَ حِينَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ وَقَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُ الْجِنِّ. " (١) وهم محاسبون يوم القيامة ومكلفون، ومخاطبون بما جاء في القرآن الكريم، ومن أطاع الله منهم دخل الجنة، ومن عصاه سبحانه دخل النار، كما قال : (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ) (الصافات: ١٥٨)، قال مجاهد: "أنها ستحضر للحساب. " (٢) أي: "ستحضر أمر الله وثوابه وعقابه. " (٣) ويقول ابن سعدي ﵀ -: "أي: جعل هؤلاء المشركون بين اللّه وبين الجنة نسبًا، حيث زعموا أن الملائكة بنات اللّه، وأن أمهاتهم سروات الجن، والحال أن الجِنَّة قد علمت أنهم محضرون بين يدي اللّه، ليجازيهم عبادًا أذلاء، فلو كان بينهم وبينه نسب لم يكونوا كذلك. " (٤)

стр. 73

وقد عقد الإمام البخاري ﵀ في كتاب بدء الخلق من صحيحه الجامع بابًا أسماه: "باب ذكر الجن وثوابهم وعقابهم". وأن مصير مؤمنيهم وموحديهم الجنة، وأن مثوى كافريهم وعصاتهم النار. والدليل على أن مؤمني الجن يدخلون الجنة قوله الله تعالى: (ولمن خاف مقام ربه جنَّتان فَبِأَيِّ آلاء ربكما تكذبان) (الرحمن: ٤٦ - ٤٧). فالخطاب في صدر سورة الرحمن للثقلين جميعًا، وما يزال الخطاب هنا متصلًا بهما أيضًا؛ والدليل على أن كفارهم وعصاتهم يدخلون النار قوله تعالى: (قال ادخلوا في أممٍ قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النَّار) (الأعراف: ٣٨). وقوله تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ) (الأعراف: ١٧٩). وقوله سبحانه في خطاب إبليس: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) (ص: ٨٥). وفي هذا دلالة على أنهم مكلفون ومحاسبون، لأن التكليف يترتب عليه ثواب وعقاب، والثواب والعقاب مترتبان على الاستجابة لله وعدمها، فمن استجاب أُثِيبَ ومن لم يستجب عُقِبَ. وقد عقد الشبلي بابًا قال فيه: " باب في أن الجن مكلفون بإجماع أهل النظر ". نقل فيه عن أبي عمر بن عبد البر: أن الجن عند الجماعة مكلفون مخاطبون لقوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (الرحمن: ١٣). وقال الرازي في تفسيره: " أطبق الكل على أن الجن كلهم مكلفون ". (١). المطلب الثالث: رسالة النبي ﷺ عامة لجميع عموم الثقلين ورسولنا محمد ﷺ مرسل إلى الجنّ والإنس. يقول ابن تيمية: (٢) " وهذا أصل متفق عليه بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين، وسائر طوائف المسلمين: أهل السنة والجماعة، وغيرهم. يدل على ذلك تحدي القرآن الجن والإنس، (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ

стр. 74

يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) (الإسراء: ٨٨). وقد سارع فريق من الجن إلى الإيمان عندما استمعوا القرآن: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا) (الجن: ١ - ٢). " (١) "يقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ أن يخبر قومه: أن الجن استمعوا القرآن فآمنوا به وصدقوه وانقادوا له" (٢). فـ"فيه إثبات سماع الجن للقرآن وإعجابهم به، وهدايتهم بهديه، وإيمانهم بالله" (٣). وفي استماع الجن للقرآن وإيمانه به ووصفه بأحسن الأوصاف إقرار منهم بالعبودية لله تعالى. (قُرْآنًا عَجَبًا) أي: "بديعًا؛ مباينًا لسائر الكتب في حسن نظمه" (٤). وفي هذا كله دلالة على فصاحته وبلاغته وحسن مواعظه، وهذا مما لا شك كان له أبلغ الأثر في هداية الجن وسماعهم وإصغائهم لكلام ربهم جل في علاه. "وهؤلاء الذين استمعوا القرآن وآمنوا هم المذكورون في سورة الأحقاف: في قوله تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) (الأحقاف: ٢٩ - ٣١). هم: "من أهل نصيبين، فلما حضروا القرآن ورسول الله ﷺ -يقرأ، قال بعضهم لبعض: أنصتوا لنستمع القرآن، وجعلهم رسلًا إلى قومهم". (٥).

стр. 75

"ووفود الجن تلقوا العلم من النبي ﷺ ، وتلك كانت بداية معرفة الجنّ برسالة محمد ﷺ ، استمعوا لقراءَة القرآن بدون علم الرسول ﷺ ، فآمن فريق منهم، وانطلقوا دعاة هداة. ثمّ جاءَت وفود الجنّ بعد ذلك تتلقى العلم من الرسول ﷺ ، وأعطاهم الرسول ﷺ من وقته، وعلمهم مما علمه الله، وقرأ عليهم القرآن، وبلغهم خبر السماء … وكان ذلك في مكة قبل الهجرة. روى مسلم في صحيحه عن عامر، قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود، فقلتُ: هل شهد أحدٌ منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، ففقدناهُ، فالتمسناهُ في الأودية والشعابِ، فقلنا: استطير أو اغتيل، قال فبتنا بشر ليلة بات بها قومٌ، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، قال: فقلنا: يا رسول الله! فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلةٍ بات بها قومٌ. فقال: (أتاني داعي الجنّ، فذهبتُ معه، فقرأتُ عليهم القرآن). قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد، فقال: (لكم كلُّ عظمٍ ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم؛ أوفر ما يكون لحمًا. وكل بعرةٍ علفٌ لدوابّكم). فقال رسول الله ﷺ : (فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعامُ إخوانكم) " (١). قال القرطبي ﵀ في تفسير سورة الرحمن: "هذه السورة و " الأحقاف " و " قل أوحي " دليل على أن الجن مخاطَبون مكلَّفون مأمورون منهيون مثابون معاقبون كالإنس سواء، مؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم، لا فرق بيننا وبينهم في شيء من ذلك. " (٢) قال ابن القيم ﵀ -: وبالجملة: فهذا أمر معلوم باضطرار من دين الإسلام، وهو يستلزم تكليف الجن بشرائع، ووجوب اتباعهم لهم، فأما شريعتنا: فأجمع المسلمون على أن محمَّدًا ﷺ
следующие страницы →