و (الصالحون) هم: " الموصوفون بصلاح الحال في شأن أنفسهم وفي معاملتهم مع غيرهم المائلون إلى الخير والصلاح، حسبما تقتضيه الفطرة السليمة لا إلى الشر والفساد كما هو مقتضى النفوس الشريرة. (ومنا دون ذلك) أي: قوم دون ذلك وهم المقتصدون. " (١).
و (طرائق قددًا) أي: "فرقًا مختلفة أهواؤنا.
وقال أبو عبيدة: واحد الطرائق: طريقة، وواحد القدد: قدة، أي: ضروبًا وأجناسًا ومللًا. وقال الحسن، والسدي: الجن مثلكم، فمنهم قدرية، ومرجئة، ورافضة" (٢).
وكذلك منهم اليهودي والنصراني وغيرها من الملل والنحل فهم طرائق قددًا كما ذُكِرَ لنا.
وقد سُئِلَ شيْخُ الإسلام ابن تيميةـ ﵀ عن الجان المؤمنين:
هل هم مخاطبون بفروع الإسلام كالصوم والصلاة، وغير ذلك من العبادات، أوهم مخاطبون بنفس التصديق لا غير؟
فأجَاب ﵀ بقوله:
"لا ريب أنهم مأمورون بأعمال زائدة على التصديق، ومنهيون عن أعمال غير التكذيب، فهم مأمورون بالأصول والفروع بحسبهم، فإنهم ليسوا مماثلي الإنس في الحد والحقيقة، فلا يكون ما أمروا به ونهوا عنه مساويًا لما على الإنس في الحد، لكنهم مشاركون الإنسَ في جنس التكليف بالأمر والنهي، والتحليل والتحريم. وهذا ما لم أعلم فيه نزاعًا بين المسلمين. " (٣)
وقد جاء في خبر إسلام أوائلهم في صدر بعثة النبي صلى الله عله وسلم ما ثبت عند البخاري من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:
стр. 72
"انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ الشُّهُبُ فَرَجَعَتْ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا مَا لَكُمْ فَقَالُوا حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ قَالُوا مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلا شَيْءٌ حَدَثَ فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ فَانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ بِنَخْلَةَ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلاةَ الْفَجْرِ فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ فَقَالُوا هَذَا وَاللَّهِ الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ فَهُنَالِكَ حِينَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ وَقَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُ الْجِنِّ. " (١)
وهم محاسبون يوم القيامة ومكلفون، ومخاطبون بما جاء في القرآن الكريم، ومن أطاع الله منهم دخل الجنة، ومن عصاه سبحانه دخل النار، كما قال : (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ) (الصافات: ١٥٨)،
قال مجاهد: "أنها ستحضر للحساب. " (٢)
أي: "ستحضر أمر الله وثوابه وعقابه. " (٣)
ويقول ابن سعدي ﵀ -:
"أي: جعل هؤلاء المشركون بين اللّه وبين الجنة نسبًا، حيث زعموا أن الملائكة بنات اللّه، وأن أمهاتهم سروات الجن، والحال أن الجِنَّة قد علمت أنهم محضرون بين يدي اللّه، ليجازيهم عبادًا أذلاء، فلو كان بينهم وبينه نسب لم يكونوا كذلك. " (٤)
стр. 73
وقد عقد الإمام البخاري ﵀ في كتاب بدء الخلق من صحيحه الجامع بابًا أسماه: "باب ذكر الجن وثوابهم وعقابهم".
وأن مصير مؤمنيهم وموحديهم الجنة، وأن مثوى كافريهم وعصاتهم النار.
والدليل على أن مؤمني الجن يدخلون الجنة قوله الله تعالى: (ولمن خاف مقام ربه جنَّتان فَبِأَيِّ آلاء ربكما تكذبان) (الرحمن: ٤٦ - ٤٧).
فالخطاب في صدر سورة الرحمن للثقلين جميعًا، وما يزال الخطاب هنا متصلًا بهما أيضًا؛ والدليل على أن كفارهم وعصاتهم يدخلون النار قوله تعالى: (قال ادخلوا في أممٍ قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النَّار) (الأعراف: ٣٨).
وقوله تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ) (الأعراف: ١٧٩).
وقوله سبحانه في خطاب إبليس: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) (ص: ٨٥).
وفي هذا دلالة على أنهم مكلفون ومحاسبون، لأن التكليف يترتب عليه ثواب وعقاب، والثواب والعقاب مترتبان على الاستجابة لله وعدمها، فمن استجاب أُثِيبَ ومن لم يستجب عُقِبَ.
وقد عقد الشبلي بابًا قال فيه: " باب في أن الجن مكلفون بإجماع أهل النظر ".
نقل فيه عن أبي عمر بن عبد البر: أن الجن عند الجماعة مكلفون مخاطبون لقوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (الرحمن: ١٣). وقال الرازي في تفسيره: " أطبق الكل على أن الجن كلهم مكلفون ". (١).
المطلب الثالث: رسالة النبي ﷺ عامة لجميع عموم الثقلين
ورسولنا محمد ﷺ مرسل إلى الجنّ والإنس.
يقول ابن تيمية: (٢)
" وهذا أصل متفق عليه بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين، وسائر طوائف المسلمين: أهل السنة والجماعة، وغيرهم.
يدل على ذلك تحدي القرآن الجن والإنس، (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ
стр. 74
يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) (الإسراء: ٨٨). وقد سارع فريق من الجن إلى الإيمان عندما استمعوا القرآن: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا) (الجن: ١ - ٢). " (١)
"يقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ أن يخبر قومه: أن الجن استمعوا القرآن فآمنوا به وصدقوه وانقادوا له" (٢).
فـ"فيه إثبات سماع الجن للقرآن وإعجابهم به، وهدايتهم بهديه، وإيمانهم بالله" (٣).
وفي استماع الجن للقرآن وإيمانه به ووصفه بأحسن الأوصاف إقرار منهم بالعبودية لله تعالى.
(قُرْآنًا عَجَبًا) أي: "بديعًا؛ مباينًا لسائر الكتب في حسن نظمه" (٤).
وفي هذا كله دلالة على فصاحته وبلاغته وحسن مواعظه، وهذا مما لا شك كان له أبلغ الأثر في هداية الجن وسماعهم وإصغائهم لكلام ربهم جل في علاه.
"وهؤلاء الذين استمعوا القرآن وآمنوا هم المذكورون في سورة الأحقاف:
في قوله تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) (الأحقاف: ٢٩ - ٣١).
هم: "من أهل نصيبين، فلما حضروا القرآن ورسول الله ﷺ -يقرأ، قال بعضهم لبعض: أنصتوا لنستمع القرآن، وجعلهم رسلًا إلى قومهم". (٥).
стр. 75
"ووفود الجن تلقوا العلم من النبي ﷺ ، وتلك كانت بداية معرفة الجنّ برسالة محمد ﷺ ، استمعوا لقراءَة القرآن بدون علم الرسول ﷺ ، فآمن فريق منهم، وانطلقوا دعاة هداة.
ثمّ جاءَت وفود الجنّ بعد ذلك تتلقى العلم من الرسول ﷺ ، وأعطاهم الرسول ﷺ من وقته، وعلمهم مما علمه الله، وقرأ عليهم القرآن، وبلغهم خبر السماء … وكان ذلك في مكة قبل الهجرة.
روى مسلم في صحيحه عن عامر، قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود، فقلتُ: هل شهد أحدٌ منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، ففقدناهُ، فالتمسناهُ في الأودية والشعابِ، فقلنا: استطير أو اغتيل، قال فبتنا بشر ليلة بات بها قومٌ، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، قال: فقلنا: يا رسول الله! فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلةٍ بات بها قومٌ. فقال: (أتاني داعي الجنّ، فذهبتُ معه، فقرأتُ عليهم القرآن). قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد، فقال: (لكم كلُّ عظمٍ ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم؛ أوفر ما يكون لحمًا. وكل بعرةٍ علفٌ لدوابّكم). فقال رسول الله ﷺ : (فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعامُ إخوانكم) " (١).
قال القرطبي ﵀ في تفسير سورة الرحمن:
"هذه السورة و " الأحقاف " و " قل أوحي " دليل على أن الجن مخاطَبون مكلَّفون مأمورون منهيون مثابون معاقبون كالإنس سواء، مؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم، لا فرق بيننا وبينهم في شيء من ذلك. " (٢)
قال ابن القيم ﵀ -:
وبالجملة: فهذا أمر معلوم باضطرار من دين الإسلام، وهو يستلزم تكليف الجن بشرائع، ووجوب اتباعهم لهم، فأما شريعتنا: فأجمع المسلمون على أن محمَّدًا ﷺ
стр. 76
بُعث إلى الجن والإنس، وأنه يجب على الجن طاعته كما يجب على الإنس. " (١)
وقال ﵀ أيضُا:
"الصواب الذي عليه جمهور أهل الإسلام: أنهم مأمورون منهيون مكلفون بالشريعة الإسلامية، وأدلة القرآن والسنَّة على ذلك أكثر من أن تُحصر. " (٢)
وقال نجم الدين الطوفي (ت: ٧١٦ هـ) ﵀ -:
والدليل على تكليف الجن بالفروع: الإجماع على أن النبي ﷺ أُرسِلَ بالقرآن الكريم إلى الجن والإنس، فجميع أوامره ونواهيه متوجهة إلى الجنسين، وهي مشتملة على الأصول والفروع، نحو (آمِنُوا بِالله) (الحديد: ٧)،
(وأقيموا الصلاة) (البقرة: ٤٣)، وقد تضمن هذا الدليل على أن كفار الإنس مخاطبون بها، وكذلك كفار الجن؛ لتوجه القرآن بجميع ما فيه إلى مؤمني الجنسين وكفارهم ". (٣)
ومما يدل على أن الجن كانوا مؤمنين ببعثة الرسل السابقين أيضًا، قوله سبحانه: (إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ) (الأحقاف: ٣٠).
وهذا كله مما يدلل على عبوديتهم لله . والحمد لله رب العالمين.
стр. 77
الفصل الرابع
عبودية الكائنات
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: عبودية الكائنات لله عبودية طاعة وانقياد
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: غني الخالق عن خلقه، وافتقار جميع خلقه إليه
إنَّ الله ﵎ له الأسماء الحسنى والصفات العلى، ومن أسمائه الحسنى (الغنيٌّ) فهو غنى عنى تام عن جميع خلقه، وهم فقراء إليه سبحانه فقرًا تامًا، قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (فاطر: ١٥).
"بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه غني عن خلقه، وأن خلقه مفتقرون إليه، أي: فهو يأمرهم وينهاهم لا لينتفع بطاعتهم، ولا ليدفع الضر بمعصيتهم، بل النفع في ذلك كله لهم، وهو جل وعلا الغني لذاته الغنى المطلق". (١).
لقد ذلَّ كل شيءٍ لخالقه - سبحانه- وأسلمَ طوعًا وكرهًا، أما أهل الإيمان فقد استسلمَوا له وانقادوا لأوامره بظواهرهم وبواطنهم طوعًا، وأما أهل الكفر والجحود والنكران فقد استسلموا له كرهًا قهرًا وغلبة كما قال - سبحانه- (وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) (آل عمران: ٨٣).
وكما قال- سبحانه-: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) (فصلن: ١١)
فالكون كله خاضع لعبودية الله الواحد القهار لا ينفك أحدُ من خلقه عن عبوديته قهرًا وغلبة.
والكون بأسره خاشع خاضع لكبريائه وعظمته، إذ هو مشغولٌ بخضوعه وذله لربِّه، ولذا ترى الكون كله معظمًا له ساجدًا خاشعًا مسبحًا منزهًا لربه جل في علاه.
ومع ذلك كله ترى جحود الإنسان هذا المخلوق الضعيف، بل هو من أضعفُ المخلوقات وأفقرها إلى ربها، تراه معرضًا عمن لا غنى له عن فضله ورحمته طرفة عين ولا أصغر من ذلك، مُعَرِّضًا بذلك نفسه الضعيفة لسخط جبار السماوات والأرض ومقته وغضبه وعذابه وأليم عقابه.
стр. 78
ومن شواهد غنى الرب عن خلقه وفقرهم التام إليه جل في علاه قوله سبحانه في الحديث القدسي: (يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي، فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا). (١)
ومع فقر الإنسان ترى الكون من حوله كله قد دانَ لله تسبيحًا وتعظيمًا وإجلالًا، أرضه وسمائه، وحشه وطيره، كل الكائنات تُصلِّي لله وتخضع.
المطلب الثاني: سجود جميع الكائنات لله وخضوعها لسلطانه
إن عموم الكائنات العلوية والسلفية خاضعة لسلطان الله تعالى لا تنفك عن عبوديتها لخالقها.
وله تسجُد ولعظمته تذل وتخشع كما قال سيحانه: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) (الحج: ١٨).
"أي: يخضع خضوعًا مطلقًا كل من في السماوات والأرض؛ طوعًا أو كرهًا.
والسجود طوعًا هو بإرادة العبادة من العقلاء المختارين؛ والسجود كرهًا؛ أي: بحكم الخضوع المطلق لإرادة المنشئ للكون الواحد القهار". (٢)
"وهذه آية إعلام بتسليم المخلوقات جميعها لله تعالى وخضوعها". (٣)
يوضح شيخ الإسلام مفهوم سجود الكائنات فيقول ﵀ -:
"وَالسُّجُودُ مَقْصُودُهُ الْخُضُوعُ، وَسُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسْبِهِ سُجُودًا يُنَاسِبُهَا وَيَتَضَمَّنُ الْخُضُوعَ لِلرَّبِّ". (٤)
ويقول ﵀ أيضًا -:
стр. 79
"ومعلوم أن سجود كل شيء بحسبه ليس سجود هذه المخلوقات وضع جباهها على الأرض. " (١).
والسجود من أعظم مشاهد كمال خضوع وذل هذه المخلوقات وانقيادها لخالقها وبارئها سبحانه وذلها لربوبيته وعظيم سلطانه.
ويوضح البقاعي (ت: ٨٨٥) معنى السجود أيضًا فيقول ﵀:
"يسجد له أي: يخضع منقادًا لأمره مسخرًا لما يريد منه تسخير من هو في غاية الاجتهاد في العبادة والإخلاص فيها". (٢).
والحقيقة الثابتة كما قرر أئمة التفسير كابن جرير الطبري وابن كثير وغيرهما من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم: أن الكائنات تسجد سجودًا حقيقيًا علمها ربها إياه وهو يعلمه منها على وجه يليق بها ويناسبها، والبقاعي أول السجود هنا إلى الخضوع نافيًا سجودها مؤولًا له ببعض معانيه وهو الخضوع، والبقاعي مع جلالة قدره له تأويلات لصفات الرب جل في علاه نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر نفيه للحرف والصوت في كلام الرب جل في علاه وقد أجمع السلف على أن الله تعالى تكلم بحرف وصوت،
فقال في نظم الدرر:
"والذي سمعه موسى ﵇ عند أهل السنة من الأشاعرة هو الصفة الأزلية من غير صوت ولا حرف، ولا بعد في ذلك كما لا بعد رؤية ذاته سبحانه وهي ليست بجسم ولا عرض ولا جوهر، و (ليس كمثله شيء) (٣)
стр. 80
ويقول الإمام ابن القيم ﵀ -:
"وهو سجود الذل والقهر والخضوع فكل أحد خاضع لربوبيته ذليل لعزته مقهور تحت سلطانه تعالى. " (١)
وسجود الكائنات كلها سجود حقيقي وهو سجود ذل وخضوع وخوف من خالقها وبارئها سبحانه، كما قال تعالى: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (النحل: ٤٩ - ٥٠).
وتأمل قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنْ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (النحل: ٤٨ - ٥٠).
ثم تأمل قوله سبحانه: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) (الحج: ١٨).
حتى الشمس تسجد تحت العرش خاضعة لسلطان خالقها، كما قال سبحانه: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِي وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) (يس: ٣٨ - ٤٠)
ثبت عند البخاري من حديث أَبِي ذَر الغفاريّ ﵁ قال: كنتُ معَ النبيِّ ﷺ في المسجدِ عِندَ غُروبِ الشمسِ، فقال: "يا أبا ذَرٍّ، أتَدري أينَ تغرُبُ الشمسُ، قلتُ:
стр. 81
اللهُ ورسولُه أعلمُ، قال: فإنها تَذهَبُ حتى تَسجُدَ تحتَ العرشِ، فذلك قولُه تعالى: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) ". (١).
وثبت في الصحيحين من حديث أَبِي ذَر الغفاريّ ﵁ أيضًا قَالَ: "سأَلتُ النبيَّ ﷺ عن قولِه: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا)، قال: مُستقَرُّها تحت العرش". (٢)
"وَقد أنكر قومٌ سُجُود الشَّمْس وَهُوَ صَحِيح مُمكن. وَلَا مَانع من قدرَة الله تَعَالَى أَن يمكَّن كل شَيْء من الْحَيَوَان والجمادات أَن يسْجد لَهُ". (٣)
فالله تعالى قد أثبت سجود الكائنات وبين سبحانه صفة سجود بعضها وهو بفيء ظلالها ذات اليمين والشمال ولا يتبادر للذهن إلى أنه يلزم أن يكون سجودها مثل سجود البشر على سبعة أعظم، وإذا كان الله قد أثبت لها السجود وجب الأخذ به وعدم الحيد عنه وتأويله عن ظاهره، إذا أن الكائنات لها السجود اللائق بها على الوجه الذي جبلها الله عليه وأراده منها.
المطلب الثالث: تسبيح الكائنات لخالقها -سبحانه -
قال سبحانه: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ) (النور: ٤١)
يقول الإمام ابن كثير ﵀ -:
"يخبر الله تعالى عن عظمته وجلاله وكبريائه الذي خضع له كل شيء ودانت له الأشياء والمخلوقات بأسرها؛ جماداتها وحيواناتها ومكلفوها من الإنس والجن والملائكة فأخبر أن كل ما له ظل يتفيأ ذات اليمين وذات الشمال أي بكرًة وعشيًا فإنه ساجد لله تعالى.
قال مجاهد: إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله ". (٤)
стр. 82
والكون كله يوحد الله ويسبحه ويمجده كما قال سبحانه تعالى: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) (الإسراء: ٤٤)،﴾ "وَهَذَا عَامٌّ فِي الْحَيَوَانَاتِ وَالنَّبَاتِ وَالْجَمَادِ". (١٣)
وتسبيحها تسبيح حقيقي فطرها وجبلها عليها خالقها لا يعلمُ كيفيته وصفته إلا هو سبحانه، كما قال : (وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) (الإسراء: ٤٤).
ومما ورد في هذا الصدد ما أخرج ابن السني في عمل اليوم والليلة وغيره وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة من حديث عمرو بن عبسة ﵁ قال رسول ﷺ : (ما تَسْتَقِلُّ الشمسُ فيبقَى شيئٌ من خلق الله إِلاَّ سَبَّح الله بحمدِه إلاّ مَا كان من الشياطين، وأغبياء بني آدم) ". (١)
ومما يُروى أن ما يصيب بعض المخلوقات من العجماوات والأشجار وغيرها بسبب ما ضيعت من تسبيح الله وتقديسه وتنزيهه وذكره جل في علاه، وفي ذلك إشارة إلى أن الله قد جعل لها إدراكًا خاصًا علمها إياه بارؤها .
فعن ميمون بن مهران (ت: ١١٧ هـ) ﵀ قال:
стр. 83
"أتي أبو بكر الصديق ﵁ بغراب وافر الجناحين، فجعل ينشر جناحه ويقول: ما صيد من صيد ولا عضدت من شجرة إلا بما ضيعت من التسبيح". (١)
و"لقد تضاءلت لعظمته المخلوقات العظيمة وصغرت لدى كبريائه السماوات السبع ومن فيهن والأرضون السبع ومن فيهن، وافتقر إليه العالم العلوي والسفلي فقرًا ذاتيًا لا ينفك عن أحد منهم في وقت من الأوقات". (٢)
المبحث الثاني: ذكر نماذج من تسبيح الكائنات
وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: تسبيح الرعد خاصة
والرعد يُسبِّح بحمده سبحانه، كما قال تعالى: (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ) (الرعد: ١٣)
أي" ويعظم الله الرعد ويمجد، فيثني عليه بصفاته، وينزهه مما أضاف إليه أهل الشرك به ومما وصفوه به من اتخاذ الصاحبة والولد، تعالى ربنا وتقدس". (٣).
المطلب الثاني: تسبيح جميع كائنات العالم العلوي والسفلي كلها
والنباتُ يُسبِّح الله ويوحده كما قال جل في علاه: (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ) (الرحمن: ٦)
فالنجم مَا لا سَاق له من النَّبَات، وَالشَّجر مَا كان له سَاق، وَكلهَا سَاجِدَة لله مسبحة بِحَمْدِهِ على وجه يليق بها، وهي خاضعة لأمره .
وكذلك كل ما في السماوات والأرض: قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَواتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ) (الحج: ١٨).
يقول الطبري ﵀ -:
стр. 84
"يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : ألم تر يا محمد بقلبك، فتعلم أن الله يسجد له من في السماوات من الملائكة، ومن في الأرض من الخلق من الجن وغيرهم، والشمس والقمر والنجوم في السماء، والجبال، والشجر، والدواب في الأرض، وسجود ذلك ظلاله حين تطلع عليه الشمس، وحين تزول، إذا تحول ظل كل شيء فهو سجوده". (١)
وقال تعالى: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ) (ص: ١٧ - ١٩)
يقول الشيخ الشنقيطي ﵀ -:
"وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ تَسْبِيحَ الْجِبَالِ وَالطَّيْرِ مَعَ دَاوُدَ الْمَذْكُورَ تَسْبِيحٌ حَقِيقِيٌّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ -جَلَّ وَعَلَا -يَجْعَلُ لَهَا إِدْرَاكَاتٍ تُسَبِّحُ بِهَا، يَعْلَمُهَا هُوَ -جَلَّ وَعَلَا -وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُهَا.
وَالْقَاعِدَةُ الْمُقَرَّرَةُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ نُصُوصَ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ لَا يَجُوزُ صَرْفُهَا عَنْ ظَاهِرِهَا الْمُتَبَادِرِ مِنْهَا إِلَّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ.
وَالتَّسْبِيحُ فِي اللُّغَةِ: الْإِبْعَادُ عَنِ السُّوءِ، وَفِي اصْطِلَاحِ الشَّرْعِ: تَنْزِيهُ اللَّهِ -جَلَّ وَعَلَا -عَنْ كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِكَمَالِهِ وَجَلَالِهِ". (٢).
المطلب الثالث: مشاهد من عبودية الطير في القرآن
ومن مشاهد عبودية الطير لله وتنزيهه عن الند والشريك ما ذُكِرَ الله لنا من خبر هدهد سليمان من تعظيمه لله وتهويله لأمر الشرك في الألوهية من ملكة سبأ وقومها وإنكاره ونفوره وأنفته من عبادتهم وسجودهم للشمس من دون الله تعالى.
وفي ذلك قال تعالى: (أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) (النمل: ٢٢ - ٢٦).
стр. 85
ولا ريب أن هذا شرك واضح بين، ولذا ساء الهدهد وهاله ما رأى من سجودهم للشمس فأنف بفطرته وجبلته من عبادتهم تلك، فتمعر وجهه في ذات الله، وقد تسبب بذلك في هداية أمة بأسرها للإسلام ونجاتهم من الشرك الموجب الخلود في النيران.
المطلب الرابع: مشاهد من عبودية وتسبيح النمل وبعض المخلوقات
النمل أمة من الأمم الخاضعة لسلطان بارئها الخاضعة لكبريائه وعظمته المسبحة بحمده المنزهة والمقدسة لذاته، ومن مشاهد عبوديتها وتسبيحها ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما، فقد ثبت عند البخاري من حديث أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قَرَصَتْ نَمْلَةٌ نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ، فَأُحْرِقَتْ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَحْرَقْتَ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ تُسَبِّحُ". (١)
وفي لفظ مسلم منْ حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أيضًا، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنه قال: " أَنَّ نَمْلَةً قَرَصَتْ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ فَأُحْرِقَتْ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: أَفِي أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَهْلَكْتَ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ تُسَبِّحُ؟ ". (٢)
والنمل أمة معظمة للعلم داعية لأهله:
ومن دلائل عبودية النمل لله تعالى الدعاء لمعلم الناس الخير الذي يدل المخلوق على الخالق جل في علاه.
فقد ثبت عند الطبراني والترمذي وصححه الألباني من حديث أَبِى أُمَامَةَ الْبَاهِلِيّ ﵁ قال:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ في جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ". (٣)
стр. 86
أي: "يستغفرون لهم، وذكر النَّملة والحوت بعد ذكر الثَّقلين والملائكة تتميمٌ لجميع أنواع الحيوان على طريقة الرَّحمان الرَّحيم، وخصَّ النَّملة والحوت بالذِّكر للدلالة على إنزال المطر وحصول الخير والخصب ببركتهم، كما قال بهم تنصرون وبهم ترزقون حتَّى أن الحوت الَّذي لا يفتقر إلى العلماء اِفْتقار غيره لكونه في جوف الماء يعيش أبدًا ببركتهم، وأمَّا إلهام الحيوانات الاسْتغفار له، فقيل: لأنَّها خُلقت لمصالح العباد ومنافعهم، والعُلماء هم المبيِّنون ما يحلُّ منها وما يحرم، ويُوصون بالإحسان إليها، ودفع الضُّر عنها، حتَّى بإحسان القِتلة،
والنَّهي عَنِ المُثلة، فاسْتغفارهم لهُ شكرٌ لذلك النّعمة (١)، وذلك في حقِّ البشر آكد لأنَّ اِحتياجهم إلى العلم أشدٌّ وعود فوائده عليهم أتمٌّ. اهـ". (٢)
وهناك مخلوقات كثيرة ورد في عبوديتها لله نصوص صحيحة منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:
١ - عبودية أذان الدِّيكِ للصَّلاة:
نهى رسولُ اللهِ ﷺ عن سبِّ الدِّيكِ، وقال: إنهُ يؤذِّنُ للصلاةِ (٣). وفي رواية: "لا تسبُّوا الديكَ، فإنه يوقِظُ للصلاةِ". (٤)
٢ - عبودية استغفار الحيتان للعالم
قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إنّه ليستغفرُ للعالم من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتانُ في البحر". (٥)
٣ - عبودية الجنّةِ والنّارِ:
اليوم الآخر هو نهاية الزّمان المحدود وآخر أيّام الدنيا، ويُعْرَف بيوم القيامة، ومن مقدّماته الحياة البرزخيّة بعد الموت وأشراط الساعة، فهما جزءٌ منه، (٦) وكل ما
стр. 87
يقع في الآخرة من أهوال وشدائد من البعث والنشور والحشر والصراط والميزان وصحائف الأعمال وتطاير الكتب ووجود الجنة ونعيم أهلها، ووجود النار وعذاب أهلها.
وسمّي بالآخر لأنّه اليوم الأخير الذي لا يوم بعده؛ وفيه يقسّم الناس بعد الحساب والجزاء ويُحشرون إلى مأواهم الأخير؛ إمّا إلى الجنّة وإمّا إلى النار، والإيمان باليوم الآخر شرطٌ من شروط الإيمان، وينبغي ألّا يكون الإيمان به مجملاً فحسب؛ بل يجب الإيمان بكل ما فيه من الأحداث والتفاصيل. (١)
لذا يُعَدُ الإيمان باليوم الآخر وبما ورد فيه من تفاصيل أحد أركان الإيمان الثابتة بنصوص الكتاب والسنة والتي لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن بها وبما ورد فيها جميعًا، ومن ذلك الإيمان بوجود الجنة والنار وبقائهما وعدم فنائهما أبد الآبدين، فيجب الإيمان بدوام وبقاء الجنة ونعيمها ونعيم أهلها، كما قال سبحانه: (جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) (البينة: ٨) أي لا ينقطع خلودهم فيها البتة، كما أنه يجب الإيمان بدوام وبقاء النار وعذابها وعذاب أهلها كما قال تبارك تعالى: (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) (هود: ١٠٨)
عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة في الجنّة والنار:
نوجز عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة في الجنّة والنار باختصار فيما يلي:
١ - أن الجنّة والنار مخلوقتان موجودتان الآن.
٢ - وأنهما باقيتان لا تفنيان أبدًا.
стр. 88
" قد علم الله تعالى عدد أهل الجنة ومن يدخلها، وعدد أهل النار ومن يدخلها، لا تفنيان أبدًا، بقاؤهما مع بقاء الله ﵎ أبد الآبدين، ودهر الداهرين". (١)
٣ - وأنهما المصير المحتوم الذي يصير إليه مآلُ العباد أجمعين يوم الدين وذلك ( … لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى) (النجم: ٣١).
٤ - وأن الله تعالى أعدهما لأهليهما، وأنهم لا يموتون فيها أبدًا.
٥ - وأن الجنَّة رحمة الله تعالى ودار كرامته التي أعدَّها لحزبه المفلحين وجنده الغالبين وأوليائه الصالحين وصفوة عباده المقرَّبين الأطهار الأبرار، وأنَّ أهلها في نعيمٍ مقيم أبدي سرمدي مُتجدِّد لا يفنى ولا يبيد، وأنه نعيم دائم مدرار.
٦ - وأن النار هي دار الهَوانٍ والبوار، وهي دار عَذابه وانتقامه وبطشه قد أعدَّها الجبار القهار سكنى للشيطان وحزبه وأوليائه من سائر الكفار والمشركين والمنافقين وسائر المتمردين المتجبرين من أعدائه الفجار، وأنَّ أهلها في عذاب مقيم أبدي سرمدي مُتجدِّد لا يفنى ولا يبيد، وأنه عذاب دائم مدرار.
٧ - وأن الإيمان الجازم والتصديق التامّ بهما مندرج تحت الإيمان باليوم الآخِر الذي هو أحد أركان الإيمان الستة.
وقد دل على ذلك أدلَّةٌ كثيرة من الكتاب والسُّنَّة وهي أكثر من أن تحصى:
أما أدلة الكتاب: فمنها قوله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران: ١٣٣)، وقوله تعالى: (فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) (البقرة: ٢٤).
وأما الأدلة من السنة: فهي أكثر من تُحْصى كثرة وعددًا، ومن ذلك ما رآه النبي ﷺ في معراجه حين بلغ سدرة المنتهى والتي رأى جبريلَ- ﵇ عندها على صورته الملائكية، فانطلق به حتى رأى عندها جنةَ المأوى، وقد ورد ذكر ذلك في قول الله تعالى: (ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى عِنْدَها جَنَّةُ
стр. 89
المَأْوى) (النجم: ١٣ - ١٥) (ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى) أي: رأى النبيُ ﷺ جبريلَ ﵇.
وقد رأى هناك - عند سدرة المنتهى - جنةَ المأوى كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث أنس ﵁ في قصة الإسراء، والذي ورد في آخره:
" … انطلق بي جبرائيلُ حتى أتى سدرة المنتهى فغشيها ألوان لا أدري ما هي قال: ثم دخلت الجنة فإذا هي جنابذ "أي قباب" اللؤلؤ وإذا ترابها المسك". (١)
كما ثبت في الصحيحين-أيضًا- من حديث عبد الله بن عمر- ﵄ أن رسول الله قال: " إن أحدكم إذا مات عُرِضِ عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار يقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة ". (٢)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ -:
وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا ينفى بالكلية، كالجنة والنار والعرش. (٣)
* مشاهد من عبوديةِ الجنّةِ والنّارِ:
عبوديةُ اختصامِ الجنّةِ والنّارِ: وإن مما يُستدل به على عبودية الجنّةِ والنّارِ اختصامهما إلى ربهما ﵎، ومن أبرز شواهد الأدلة على ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " تحاجّت الجنّةُ والنّارُ، فقالت النّارُ: أوثرتُ بالمتكبِّرين والمتجبّرين، وقالت الجنّةُ: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاءُ الناس وسقطهم وغبرتهم، فقال الله عزّ
стр. 90
وجلّ للجنّةِ: إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاءُ من عبادي، وقال للنّار: إنما أنت عذابي أعذِّبُ بك من أشاءُ من عبادي ولكل واحدةٍ منكما ملؤها". (١)
قال النووي ﵀ -:
والحديثُ على ظاهره، وأن الله يخلقُ في الجنّةِ والنارِ تمييزًا يدركان به ويقدران على المراجعةِ والاحتجاج. (٢)
* مشاهد من عبوديةِ والنّارِ:
ومن مشاهد عبودية النّار: تَغَيُّظها لرؤية الكافرين يوم القيامةِ:
كما قال تعالى: (إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا) سورة الفرقان آية (١٢).
التَّحقيقُ أنَّ النَّارَ تُبصِرُ الكُفَّارَ يَومَ القيامةِ، كما صَرَّح اللهُ بذلك في قَولِه هنا:
(إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ)، ورؤيتُها إيَّاهم مِن مكانٍ بَعيدٍ تدُلُّ على حِدَّةِ بَصَرِها، كما لا يخفى، كما أنَّ النَّارَ تتكَلَّمُ، كما صرَّح اللهُ به في قَولِه تعالى: (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) (ق: ٣٠)، والأحاديثُ الدَّالَّةُ على ذلك كثيرةٌ؛ كحَديثِ مُحاجَّةِ النَّارِ مع الجنَّةِ (٣)، وكحديثِ اشتكائِها إلى رَبِّها، فأذِنَ لها في نفَسَينِ (٤)، ونحوِ ذلك، ويكفي في ذلك أنَّ اللهَ جَلَّ وعلا صَرَّحَ في هذه الآيةِ أنَّها تَراهم، وأنَّ لها تغيُّظًا على الكُفَّارِ، وأنَّها تقولُ: (هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) (ق: ٣٠ (. واعلَمْ أنَّ ما يزعُمُه كَثيرٌ مِن المفَسِّرينَ، وغيرُهم مِن المنتسبينَ للعِلمِ مِن أنَّ النَّارَ لا تُبصِرُ ولا تتكَلَّمُ ولا تغتاظُ، وأنَّ ذلك كُلَّه مِن قَبيلِ المجازِ، أو أنَّ الذي يفعَلُ ذلك خزَنتُها: كُلُّه
стр. 91
باطِلٌ، ولا مُعَوَّلَ عليه؛ لمخالفتِه نُصوصَ الوَحيِ الصَّحيحةَ بلا مُستَندٍ، والحَقُّ هو ما ذكَرْنا. (١)
* ومن مشاهد عبودية النّار: استجابتها لأمر الله
قال تعالى: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) (الأنبياء: ٦٩).
أي: فأوقَدوا له نارًا لِيَحرِقوه، فلمَّا ألقَوا إبراهيمَ فيها قُلْنا لها: يا نارُ، كوني بردًا وسلامًا على إبراهيمَ. فأنجاه اللهُ منها، لم يَنَلْه فيها أذًى، ولا أحسَّ بمكروهٍ. (٢)
وبالفعل قد أنجاه الله من نارهم كما قال ربنا ﵎: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)
(العنكبوت: ٢٤).
وعن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ قال: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ قالها إبراهيمُ ﵇ حينَ أُلقِي في النَّارِ، وقالها مُحمَّدٌ ﷺ حينَ قالوا: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (آل عمران: ١٧٣). (٣)
٤ - عبودية القلم والعرش:
من الكائنات التي خلقها الله وهي من الأمور الغيبية التي جاءت في النصوص القطعية القلمُ والعرش.
* من مشاهد عبودية القلم الاستجابة لأمر الله:
عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إنَّ أولَ ما خلق اللهُ القلمُ، فقال لهُ: اكتبْ، قال: ربِّ وماذا أكتبُ؟ قال: اكتُبْ مقاديرَ كلِّ شيءٍ حتى تقومَ الساعةُ".
стр. 92
ثم قال عبادةُ ﵁: يا بنيَّ إني سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: من مات على غيرِ هذا فليسَ مِني. (١)
* العرش أعظم المخلوقات:
والعرشُ من أعظم المخلوقات وهو ثابتٌ في الكتابِ والسُنّة، واستواءُ الله عليه ثابتٌ أيضًا وهو من أصول اعتقاد أهل السُنّةِ والجماعةِ.
وفي حديث ابن عباس ﵄ أنه قال: " الْكُرْسِيُّ مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ، وَالْعَرْشُ لَا يُقَدِّرُ أَحَدٌ قَدْرَهُ". (٢)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ -:
وقد علم المسلمون أن كرسيه سبحانه وسع السماوات والأرض، وأن الكرسي في العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وأن العرش خلق من مخلوقات الله، لا نسبة له إلى قدرة الله وعظمته. (٣)
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ". (٤)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ -:
فهذا يدل على أنه قدَّر إذ كان عرشه على الماء، فكان العرش موجودًا مخلوقًا عند التقدير لم يوجد بعده. (٥)
قال عبد الله بن رواحة (ت: ٨ هـ) ﵁ -:
стр. 93
شَهِدْتُ بِأَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ … وَأَنَّ النَّارَ مَثْوَى الْكَافِرِينَا
وَأَنَّ الْعَرْشَ فَوْقَ الْمَاءِ طَافٍ … وَفَوْقَ الْعَرْشِ رَبُّ الْعَالَمِينَا
وتَحْمِلُهُ مَلَائِكَةٌ كِرَامُ … مَلَائِكَةُ الإِلَهِ مُسَوَّمِينَا. (١)
* من مشاهد عبودية العرش:
عن جابر بن عبد الله ﵁، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "اهتزَّ عرشُ الرحمنِ لموتِ سعدِ بنِ مُعاذٍ". (٢)
وفي رواية أخرى عن جابر بن عبد الله ﵁-أيضًا- قال:، قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : وَجَنَازَةُ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ بيْنَ أَيْدِيهِمُ "اهْتَزَّ لَهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ". (٣)
المطلب الخامس: مشاهد من عبودية بعض الجمادات كالحجارة والجبال
* مشاهد من عبودية خشية الحجارة لله:
والحجارة تهبِطُ من علوِّها خشيةً لله وتعظيمًا، خضوعًا له وإجلالًا، مقترنًا ذلك كله بالتسبيح والتقديس لخالقها مع ذل وانكسار لله يعتريها قال : (وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) (البقرة: ٧٤)
"ومذهب أهل السنة والجماعة أن لله تعالى علمًا في الجمادات وسائر الحيوانات سوى العقل، لا يقف عليه غيره، فلها صلاة وتسبيح وخشية كما قال جل ذكره: (وإن من شيء إلا يسبح بحمده) (الإسراء: ٤٤) وقال: (والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه) (النور: ٤١) وقال: (ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر)
(الحج: ١٨) الآية، فيجب على المؤمن الإيمان به- على الحقيقة- ويكل علمه إلى الله ". (٤)
стр. 94
* مشاهد من عبودية خشية الجبال وتصدعها إجلالًا لكلام الله تعالى:
والجبال تتصدع إجلالًا لكلام الله تعالى كما قال سبحانه: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) (الحشر: ٢١).
يقول شيخ المفسرين الإمام الطبري ﵀:
"يقول - جل ثناؤه -: (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل) - وهو حجر - لرأيته يا محمد خاشعًا يقول: متذللا متصدعًا من خشية الله على قساوته، حذرًا من ألا يؤدي حق الله المفترض عليه في تعظيم القرآن، وقد أنزل على ابن آدم وهو بحقه مستخف، وعنه عما فيه من العبر والذكر معرض، كأن لم يسمعها، كأن في أذنيه وقرًا.
ثم يقول ﵀: أي: "لو أني أنزلت هذا القرآن على جبل حملته إياه تصدع وخشع من ثقله، ومن خشية الله، فأمر الله الناس إذا أنزل عليهم القرآن، أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشع.
يعذر الله الجبل الأصم، ولم يعذر شقي ابن آدم، هل رأيتم أحدًا قط تصدعت جوانحه من خشية الله". (١)
"فإن هذا القرآن لو أنزله على جبل لرأيته خاشعًا متصدعا من خشية الله أي: لكمال تأثيره في القلوب، فإن مواعظ القرآن أعظم المواعظ على الإطلاق". (٢)
* مشاهد من عبودية الجمادات غِيِرَة على عقيدة التوحيد:
والشركُ بالله ظلم عظيم وجرم كبير، فهذه المخلوقات الكبار وتلك الكائنات العظام تكاد تتشقق وتنفطر وتخر هدًا لعظم الشرك وهوله وفظاعته وجرمه، إجلالًا لله وغيرة على توحيده وألوهيته جل في علاه، كما قال سبحانه: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا)
(مريم: ٨٨ - ٩١)
أي: "من أجل هذه الدعوى القبيحة تكاد هذه المخلوقات أن يكون منها ما ذكر. " (٣)
стр. 95
"وذلك لغيرتها على المقام الرباني الأحدي أن ينسب له ما ينزه عنه ويعر بحاجته ووجود كفء له وفنائه. وذلك لأن الولادة إنما تكون من الحي الذي له مزاج فهو مركب ونهايته إلى انحلال وفناء، وهو سبحانه تنزه عن ذلك". (١)
و"يَكَادُ يَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَ سَمَاعِهِنَّ هَذِهِ الْمَقَالَةَ مِنْ فَجَرَةِ بَنِي آدَمَ، إِعْظَامًا لِلرَّبِّ وَإِجْلَالًا؛ لِأَنَّهُنَّ مَخْلُوقَاتٌ وَمُؤَسَّسَاتٌ عَلَى تَوْحِيدِهِ". (٢)
وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) [فاطر: ٤١]
"فإن قيل: فما معنى ذكر الحلم هاهنا؟ قيل: لأن السماوات والأرض همت بما همت به من عقوبة الكفار فأمسكهما الله تعالى عن الزوال بحلمه وغفرانه أن يعاجلهم بالعقوبة". (٣)
فـ" في الآية إشعار بأن السماوات والأرض تهم وتستأذن بالزوال لعظم ما يأتي به العباد فيمسكها بحلمه ومغفرته". (٤).
فرحمته جل في علاه سبقت غضبه، وهذا من كمال حكمته ولطفه بخلقه كما قال ربنا جل في علاه: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) (النحل: ٦١).
فـ "لَوْلَا أَنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، وَمَغْفِرَتَهُ سَبَقَتْ عُقُوبَتَهُ، لَزُلْزِلَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ مِنْ مَعَاصِي الْعِبَادِ". (٥)
وقال جل شأنه: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (الأحزاب: ٧٢).
стр. 96
"قال بعض أهل العلم: ركب الله -فيهن العقل والفهم حين عرض الأمانة عليهن حتى عقلن الخطاب". (١)
* مشاهد من عبودية خضوع الجمادات لسلطان الله وانقيادها واستجابتها لأمره:
والسماءُ والأرضُ امتثلتا أمر الله وخضعتا لسلطانه وانقادتا واستجابتا له سبحانه، كما قال تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) (فصلت: ١١).
"أَيِ: اسْتَجِيبَا لِأَمْرِي، وَانْفَعِلَا لِفِعْلِي طَائِعَتَيْنِ أَوْ مُكْرَهَتَيْنِ.
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلسَّمَوَاتِ: أَطْلِعِي شَمْسِي وَقَمَرِي وَنُجُومِي. وَقَالَ لِلْأَرْضِ: شَقِّقِي أَنْهَارَكِ، وَأَخْرِجِي ثِمَارَكِ.
فَقَالَتَا: (أَتَيْنَا طَائِعِينَ)، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ ﵀.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَوْ أَبَيَا عَلَيْهِ أَمْرَهُ، لَعَذَّبَهُمَا عَذَابًا يَجِدَانِ أَلَمَهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ". (٢)
"أي: انقادا لأمري، طائعتين أو مكرهتين، فلا بد من نفوذه، (قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) ليس لنا إرادة تخالف إرادتك". (٣).
* مشاهد من عبودية الحجر والشجر وتلبيتهما بالحج والعمرة:
فالحجر والشجر يذكران الله تعالى ويجيبان دعوته بالتلبية مع من يلبي من عباد الله حاجًا كان أو معتمرًا ويدل على ذلك ما ثبت عند الترمذي وصححه الألباني منْ حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلَّا لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ، أَوْ شَجَرٍ، أَوْ مَدَرٍ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الأَرْضُ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا) ". (٤)
* مشاهد من عبودية نصرة الحجر والشجر للمسلمين:
стр. 97
ومن مشاهد عبودية الحجر والشجر كذلك موالاة المجاهدين من عباد الله المؤمنين وحثهم على قتل اليهود.
ويدل على ذلك ما ثبت عند الإمام مسلم في صحيحه منْ حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ). (١)
* مشاهد من عبودية الحجر والشجر شاهدتهما للمؤذِّنِ:
الشجرُ والحجر يشهدان للمؤذِّنِ: كما قال رسولُ الله ﷺ : لا يسمعُه جنٌ ولا أنسٌ ولا شجرٌ ولا حجرٌ إلاّ شهد له. (٢)
* مشاهد من عبودية تسليم الحجر على النبي ﷺ : -
قال رسولُ اللهِ ﷺ : - " إني لأعرفُ حجرًا بمكّة كانَ يُسلِّمُ عليَّ قبل أن أُبعَثَ ".
قال النوويُّ ﵀: فيه معجزةٌ للنبيِّ ﷺ وفي هذا إثباتُ التمييزِ في بعض الجماداتِ … (٣)
* مشاهد من عبودية انقياد الشجرة لرسول الله ﷺ -:
عن جابر بن عبدالله ﵄ قال: سِرْنَا مع رَسُولِ اللهِ ﷺ حتَّى نَزَلْنَا وَادِيًا أَفْيَحَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ، فَاتَّبَعْتُهُ بإدَاوَةٍ مِن مَاءٍ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَمْ يَرَ شيئًا يَسْتَتِرُ به، فَإِذَا شَجَرَتَانِ بشَاطِئِ الوَادِي، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى إِحْدَاهُمَا، فأخَذَ بغُصْنٍ مِن أَغْصَانِهَا، فَقالَ: انْقَادِي عَلَيَّ بإذْنِ اللهِ فَانْقَادَتْ معهُ كَالْبَعِيرِ المَخْشُوشِ، الذي يُصَانِعُ قَائِدَهُ، حتَّى أَتَى الشَّجَرَةَ الأُخْرَى، فأخَذَ بغُصْنٍ مِن أَغْصَانِهَا،
стр. 98
فَقالَ: انْقَادِي عَلَيَّ بإذْنِ اللهِ فَانْقَادَتْ معهُ كَذلكَ، حتَّى إِذَا كانَ بالمَنْصَفِ ممَّا بيْنَهُمَا، لأَمَ بيْنَهُمَا، يَعْنِي جَمعهُمَا، فَقالَ: التَئِما عَلَيَّ بإذْنِ اللهِ فَالْتَأَمَتَا … ". (١)
* مشاهد من عبودية أعضاءُ بني آدم في الدنيا:
قال رسول الله ﷺ : (إذا أصبح ابن آدم فإنّ الأعضاءَ كُلُّها تكفِّرُ اللسانَ فتقول: اتَّقِ الله فينا فإنما نحنُ بك فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا". (٢)
* مشاهد من عبودية أعضاءُ بني آدم في الآخرة:
قال الله تبارك تعالي عن أهل النار: (حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (فصلت: ٢٠ - ٢١)
(حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا) أي انتهوا إليها، وادعوا أنهم مظلومون وأخذوا يتنصَّلون من ذنوبهم، وقالوا إنهم لا يقبلون شاهدًا من غير أنفسهم فيأمر الله تعالى أسماعهم وأبصارهم وجلودهم فتشهد عليهم بما كانوا يعملون، وهو قوله تعالى: (شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) وهنا رجعوا على جلودهم يلومون عليهم ويعتبون وهو ما أخبر تعالى به في قوله: (وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا) فأجابتهم جلودهم بما أخبر تعالى عنهم في هذا السياق (قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ). (٣)
ومثل ذلك قوله تعالى: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (يس: ٦٥)
ومثل ذلك -أيضًا- قوله تعالى: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (٢٤: النور)
стр. 99
ويشهد لذلك من السنة ما ثبت عند مسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: كُنَّا عِنْدَ رَسولِ اللهِ ﷺ فَضَحِكَ، فَقالَ: هلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ؟ قالَ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسولُهُ أَعْلَمُ، قالَ: مِن مُخَاطَبَةِ العَبْدِ رَبَّهُ يقولُ: يا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ قالَ: يقولُ: بَلَى، قالَ: فيَقولُ: فإنِّي لا أُجِيزُ علَى نَفْسِي إلَّا شَاهِدًا مِنِّي، قالَ: فيَقولُ: كَفَى بنَفْسِكَ اليومَ عَلَيْكَ شَهِيدًا، وَبِالْكِرَامِ الكَاتِبِينَ شُهُودًا، قالَ: فيُخْتَمُ علَى فِيهِ،
فيُقَالُ لأَرْكَانِهِ: انْطِقِي، قالَ: فَتَنْطِقُ بأَعْمَالِهِ، قالَ: ثُمَّ يُخَلَّى بيْنَهُ وبيْنَ الكَلَامِ، قالَ فيَقولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ. (١)
* مشاهد من عبودية محبةِ جبلِ أحد لرسولِ اللهِ- ﷺ وللمؤمنين:
قال رسول الله ﷺ : "هذِه طَابَةُ (المدينة)، وَهذا أُحُدٌ، وَهو جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ". (٢)
في روايةٍ أخرى قال رسول الله ﷺ : "اثبتْ أُحدٌ فإنّ عليك نبيٌّ وصدِّيقٌ وشهيدان". (٣).
فسبحان من أنطق الجوارح كلها لتشهد على صاحبها، أنطق اليدين و أنطق القدمين وأنطق السمع والأبصار والجلود.
المطلب السادس: مشاهد من عبودية الطعام وتسبيحه
الطعام يقدس الله تعالى ويسبحه، فقد ثبت عند البخاري منْ حديث عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ﵁ قَالَ: كُنَّا نَعُدُّ الآيَاتِ بَرَكَةً وَأَنْتُمْ تَعُدُّونَهَا تَخْوِيفًا، كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَقَلَّ الْمَاءُ فَقَالَ: «اطْلُبُوا فَضْلَةً مِنْ مَاءٍ». فَجَاءُوا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ، ثُمَّ قَالَ: «حَيَّ عَلَى الطَّهُورِ المُبَارَكِ، وَالبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ»، فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهْوَ يُؤْكَلُ". (٤)
وبعد هذا البيان يتضح للمتأمل عبودية المخلوقات كلها لربها جل في علاه، العوالم كلها علويها
стр. 100
وسفليها، الجن والإنس والملائكة، والسموات العلا وما فيها وما حوته من كواكب وأجرام وشمس وقمر ونجوم وأفلاك وغيرها مما لا يعلمه إلا الله، والأرض وما فيها من جبال وأنهار وبحار وقفار وجنات ونبات وحيوان ووحش وطير ودواب وهوام وجمادات، والعرش والكرسي، والجنة والنار، واللوح والقلم، وغيرها من مخلوقات الله ما علمنا منها وما
لم نعلم، الكل أقر بعبوديته لله وسبح بحمده وأقر بربوبيته وألوهيته فوحده وقدسه وخضع لكبريائه وعظمته وسجد له وخشع وعبده سبحانه خوفًا وطمعًا رغبًا ورهبًا.
تنبيه لبني آدم:
وحقيقٌ ببني آدم أن يكونوا في طليعة هذه الكائنات التي خضعت لعبودية الله، فالإنسان من أفقر المخلوقات لبارئها وهو مع ذلك من أكثرها تمردًا وعصيانًا وجحودًا وإنكارًا لربه ولنعمه، كم قال تعالى: (إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) (العاديات: ٦)
"أَيْ طُبِعَ الْإِنْسَانُ عَلَى كُفْرَانِ النِّعْمَةِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَكَنُودٌ لَكَفُورٌ جَحُودٍ لِنِعَمِ اللَّهِ.
وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ. وَقَالَ: يَذْكُرُ الْمَصَائِبَ وَيَنْسَى النِّعَمَ ". (١)
فـ" مَنْ أَرَادَ السَّعَادَةَ الْأَبَدِيَّةَ، فَلْيَلْزَمْ عَتَبَةَ الْعُبُودِيَّةِ. فَأَسْعَدُ الْخَلْقِ: أَعْظَمُهُمْ عُبُودِيَّةً لِلَّهِ". (٢)
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
أبرز النتائج التي توصلت لها تلك الدراسة وتوصيات البحث وخاتمته:
توصلت تلك الدراسة إلى ما يلي:
١ - أن الله خلق الخلق لمهمة عظيمة وغاية جليلة بها تتحقق لهم سعادة الدارين
٢ - أن التكليف بالعبادة عمَّ الثقلين جميعًا
٣ - أن العبادة منقسم لقسمين:
أما القسم الأول: فهي عبودية اختيار وانقياد وطاعة، وتلك هي عبودية عباد الله الأبرار، وهي العبودية التي تميز بها المؤمنون الأطهار عن الكفار والفجار.
стр. 101
وأما القسم الثاني: فهي عبودية قهر وغلبة، وهي عبودية الطغاة والعتاة الفجار، فقد قهرهم الله فلا يسعهم أحد منهم الخروج عن مشيئته وقدرته النافذة فيهم أبدًا، ذلك لأن أمره سبحانه نفذ فيهم، وأن افتقارهم لخالقهم وبارئهم لا غنى لهم عنه البتة لأن قوام حياتهم به - سبحانه.
٤ - أن أعظم الخلق عبودية الأنبياء والمرسلين يتقدمهم أولو العزم من الرسل، وأفضلهم بل وأفضل الخلق أجمعين وأكملهم عبودية لله هو خاتم النبين والمرسلين نبينا محمد ﷺ .
٥ - أنه لمّا كانت عبودية الأنبياء والمرسلين هي أعلى مقامات العبودية، فإنه رتبة عبودية أتباعهم تلي رتبتهم في المكانة والفضل والسبق وفي مقدمتهم أصحاب نبينا محمد ﷺ خير أصحاب لخير نبي- رضوان الله عليهم أجمعين.
٦ - أنه لمًا كان وصف العبودية من أجلِّ الأوصاف فقد وصف الله به نبيه وصفيه وأمينه على وحيه وخيرته من خلقه - نبينا محمد ﷺ في أرفع المقامات وأجلِّها.
٧ - أن الكون كله علويه وسفليه بجميع مخلوقاته خضع لسلطانه سبحانه وانقاد لأمره طائعًا، وقد أعطى الله الكائنات والجمادات إدراكًا خاصة تدرك وتميز به عبوديتها لله، فهي تعظم الله وتسبحه وتسجد له وتخشع وتخضع لأوامره سبحانه على الحقيقة على وجه أعلمها الله إياه - سبحانه.
٨ - أنه ينبغي على الإنسان الذي سخر الله له ما في سماوته وما في أرضه التفكر في عظمة خالقه والانقياد لأمره والخضوع والتذلل له سبحانه والإقبال عليه بمحض إرادته شكرًا لنعمائه واعترافًا له بإحسانه وإفضاله، وعدم التمرد والخروج عن عبوديته اختيارًا، وإلا فإنه مقهور ومغلوب على أمره لضعفه ولا يسعه أن يخرج عن أمر خالقه النافذ فيه بعبوديته له غلبة وقهرًا.
٩ - أن من دواعي وعوامل الثبات على عبودية الله تعالى التفكر في عبودية الكائنات التي خضعت وخشعت وسجدت لخالقها وباريها.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 102
وفق الله جامعه للانتهاء من تبيضه في فجر الإثنين الموافق: ٢٥/ ١١/ ١٤٤٢ هـ
بمدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية.
أملاه
العبد الضعيف الفقير إلى عفو ربه ومغفرته
عَرَفةُ بْنُ طَنْطَاوِيِّ
الرياض في: ٣/ ١/ ١٤٤٢ هـ
البريد: arafatantawy@hotmail.com-
واتساب: ٠٠٩٦٦٥٠٣٧٢٢١٥٣
стр. 103
مجموع الفهارس
أ- فهرس المراجع
١ - البداية والنهاية المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: ٧٧٤ هـ) الناشر: دار الفكر عام النشر: ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٦ م عدد الأجزاء: ١٥.
٢ - بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز المؤلف: مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروز آبادى (المتوفى: ٨١٧ هـ) المحقق: محمد علي النجار الناشر: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - لجنة إحياء التراث الإسلامي، القاهرة عدد الأجزاء: ٦.
٣ - تفسير ابن سعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، المؤلف: عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي (المتوفى: ١٣٧٦ هـ)، المحقق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق الناشر: مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى ١٤٢٠ هـ -٢٠٠٠ م عدد الأجزاء: ١.
٤ - تفسير ابن كثير: (٣/ ١٤٢). تفسير القرآن العظيم، المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: ٧٧٤ هـ) المحقق: محمد حسين شمس الدين الناشر: دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون - بيروت الطبعة: الأولى - ١٤١٩ هـ.
٥ - تفسير ابن الجوزي = زاد المسير في علم التفسير المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: ٥٩٧ هـ) المحقق: عبد الرزاق المهدي الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت الطبعة: الأولى - ١٤٢٢ هـ.
٦ - تفسير ابن عطية، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز المؤلف: أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي المحاربي (المتوفى: ٥٤٢ هـ) المحقق: عبد السلام عبد الشافي محمد الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة: الأولى - ١٤٢٢ هـ.
стр. 104
٧ - تفسير الألوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المؤلف: شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي (المتوفى: ١٢٧٠ هـ) المحقق: علي عبد الباري عطية الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة: الأولى، ١٤١٥ هـ عدد الأجزاء: ١٦.
٨ - تفسير الشنقيطي، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، المؤلف: محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي (المتوفى: ١٣٩٣ هـ)، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان عام النشر: ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ مـ.
٩ - تفسير الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن المؤلف: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: ٣١٠ هـ) المحقق: أحمد محمد شاكر الناشر: مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م عدد الأجزاء: ٢٤.
١٠ - تفسير البغوي، معالم التنزيل في تفسير القرآن، المؤلف: محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: ٥١٠ هـ) المحقق: عبد الرزاق المهدي، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ عدد الأجزاء: ٥.
١١ - تفسير الفخر الرازي، مفاتيح الغيب = التفسير الكبير، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري (المتوفى: ٦٠٦ هـ) الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة: الثالثة - ١٤٢٠ هـ.
١٢ - تفسير القرطبي، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى: ٦٧١ هـ)، تحقيق: أحمد
البردوني وإبراهيم أطفيش الناشر: دار الكتب المصرية - القاهرة الطبعة: الثانية، ١٣٨٤ هـ - ١٩٦٤ م عدد الأجزاء: ٢٠ جزءا (في ١٠ مجلدات).
стр. 105
١٣ - تفسير القاسمي، محاسن التأويل المؤلف: محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي (المتوفى: ١٣٣٢ هـ) المحقق: محمد باسل عيون السود الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة: الأولى - ١٤١٨ هـ.
١٤ - التوقيف على مهمات التعاريف، المؤلف: زين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري (المتوفى: ١٠٣١ هـ) الناشر: عالم الكتب ٣٨ عبد الخالق ثروت-القاهرة الطبعة: الأولى، ١٤١٠ هـ-١٩٩٠ م عدد الأجزاء: ١.
١٥ - شرح الأصول من علم الأصول، المؤلف: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: ١٤٢١ هـ) الناشر: دار ابن الجوزي الطبعة: الرابعة، ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م عدد الأجزاء: ١.
١٦ - العبودية، المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ٧٢٨ هـ) المحقق: محمد زهير الشاويش الناشر: المكتب الإسلامي - بيروت الطبعة: الطبعة السابعة المجددة ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م.
١٧ - فيض القدير شرح الجامع الصغير المؤلف: زين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري (المتوفى: ١٠٣١ هـ) الناشر: المكتبة التجارية الكبرى - مصر الطبعة: الأولى، ١٣٥٦ عدد الأجزاء: ٦.
١٨ - لسان العرب، المؤلف: محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقي (المتوفى: ٧١١ هـ) الناشر: دار صادر - بيروت الطبعة: الثالثة - ١٤١٤ هـ عدد الأجزاء: ١٥.
١٩ - مجموع الفتاوى، المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: ٧٢٨ هـ) المحقق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم الناشر: مجمع
الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية عام النشر: ١٤١٦ هـ/ ١٩٩٥ م.
стр. 106
٢٠ - مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ) المحقق: محمد المعتصم بالله البغدادي الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت الطبعة: الثالثة، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م عدد الأجزاء: ٢.
٢١ - المفردات في غريب القرآن، المؤلف: أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني (المتوفى: ٥٠٢ هـ) المحقق: صفوان عدنان الداودي الناشر: دار القلم، الدار الشامية - دمشق بيروت الطبعة: الأولى - ١٤١٢ هـ.
٢٢ - مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ هـ - ٧٥١ هـ)، المحقق: عبد الرحمن بن حسن بن قائد، راجعه: مُحَمَّدْ أَجْمَل الإصْلاحِي، سليمان بن عبد الله العمير، الناشر: دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، الطبعة: الأولى، ١٤٣٢ هـ، عدد الأجزاء: ٥.
٢٣ - منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ٧٢٨ هـ) المحقق: محمد رشاد سالم الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الطبعة: الأولى، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م عدد المجلدات: ٩.
٢٤ - مفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني: دار القلم بدمشق ١٤١٨ هـ -١٩٩٧ م.
٢٥ - نظم الدرر في تناسب الآيات والسور المؤلف: إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر البقاعي (المتوفى: ٨٨٥ هـ) الناشر: دار الكتاب الإسلامي، القاهرة عدد الأجزاء: ٢٢. .